Verse. 505 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ اَزْوَاجُكُمْ اِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّھُنَّ وَلَدٌ۝۰ۚ فَاِنْ كَانَ لَھُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْۢ بَعْدِ وَصِيَّۃٍ يُّوْصِيْنَ بِھَاۗ اَوْ دَيْنٍ۝۰ۭ وَلَھُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ اِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ۝۰ۚ فَاِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَھُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِّنْۢ بَعْدِ وَصِيَّۃٍ تُوْصُوْنَ بِھَاۗ اَوْ دَيْنٍ۝۰ۭ وَاِنْ كَانَ رَجُلٌ يُّوْرَثُ كَلٰلَۃً اَوِ امْرَاَۃٌ وَّلَہٗۗ اَخٌ اَوْ اُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْہُمَا السُّدُسُ۝۰ۚ فَاِنْ كَانُوْۗا اَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَھُمْ شُرَكَاۗءُ فِي الثُّلُثِ مِنْۢ بَعْدِ وَصِيَّۃٍ يُّوْصٰى بِھَاۗ اَوْ دَيْنٍ۝۰ۙ غَيْرَ مُضَاۗرٍّ۝۰ۚ وَصِيَّۃً مِّنَ اؘ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَلِيْمٌ۝۱۲ۭ
Walakum nisfu ma taraka azwajukum in lam yakun lahunna waladun fain kana lahunna waladun falakumu alrrubuAAu mimma tarakna min baAAdi wasiyyatin yooseena biha aw daynin walahunna alrrubuAAu mimma taraktum in lam yakun lakum waladun fain kana lakum waladun falahunna alththumunu mimma taraktum min baAAdi wasiyyatin toosoona biha aw daynin wain kana rajulun yoorathu kalalatan awi imraatun walahu akhun aw okhtun falikulli wahidin minhuma alssudusu fain kanoo akthara min thalika fahum shurakao fee alththuluthi min baAAdi wasiyyatin yoosa biha aw daynin ghayra mudarrin wasiyyatan mina Allahi waAllahu AAaleemun haleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد» منكم أو من غيركم «فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين» وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع «ولهن» أي الزوجات تعددن أو لا «الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد» منهن أو من غيرهن «فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين» وولد الابن في ذلك كالولد إجماعا «وإن كان رجل يورث» صفة والخبر «كلالة» أي لا والد له ولا ولد «أو امرأة» تورث كلالة «وله» أي للمورث كلالة «أخ أو أخت» أي من أم وقرأ به ابن مسعود وغيره «فلكل واحد منهما السدس» مما ترك «فإن كانوا» أي الإخوة والأخوات من الأم «أكثر من ذلك» أي من واحد «فهم شركاء في الثلث» يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم «من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مُضارّ» حال من ضمير يوصي أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصي بأكثر من الثلث «وصيةً» مصدر مؤكد ليوصيكم «من الله والله عليم» بما دبره لخلقه من الفرائض «حليم» بتأخير العقوبة عمن خالفه، وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رقٌ.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك لأن الوارث إما أن يكون متصلا بالميت بغير واسطة أو بواسطة، فان اتصل به بغير واسطة فسبب الاتصال اما أن يكون هو النسب أو الزوجية، فحصل ههنا أقسام ثلاثة، أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداء من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولاد، ويدخل فيها الأولاد والوالدان فالله تعالى قدم حكم هذا القسم. وثانيها: الاتصال الحاصل ابتداء من جهة الزوجية، وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي وهذا الثاني عرضي، والذاتي أشرف من العرضي، وهذا القسم هو المراد من هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها. وثالثها: الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وأما الكلالة فقد يعرض لهم السقوط بالكلية. وثانيها: أن القسمين الأولين ينسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة تنسب إلى الميت بواسطة والثابت ابتداء أشرف من الثابت بواسطة. وثالثها: أن مخالطة الانسان بالوالدين والأولاد والزوج والزوجة أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة. وكثرة المخالطة مظنة الالفة والشفقة، وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب الثلاثة وأشباهها أخر الله تعالى ذكر مواريث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشد انطباقه على قوانين المعقولات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما جعل في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الانثيين كذلك جعل في الموجب السببي حظ الرجل مثل حظ الانثيين، واعلم أن الواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، والولد من ذلك الزوج ومن غيره سواء في الرد من النصف إلى الربع أو من الربع إلى الثمن، واعلم أنه لا فرق في الولد بين الذكر والانثى ولا فرق بين الابن وبين ابن الابن ولا بين البنت وبين بنت الابن، والله أعلم. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: يجوز للزوج غسل زوجته، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجوز. حجة الشافعي أنها بعد الموت زوجته فيحل له غسلها، بيان أنها زوجته قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } سماها زوجة حال ما أثبت للزوج نصف مالها عند موتها، إذا ثبت للزوج نصف مالها عند موتها، فوجب أن تكون زوجة له بعد موتها، إذا ثبت هذا وجب أن يحل له غسلها لأنه قبل الزوجية ما كان يحل له غسلها، وعند حصول الزوجية حل له غسلها، والدوران دليل العلية ظاهرا. وحجة أبي حنيفة أنها ليست زوجته ولا يحل له غسلها: بيان عدم الزوجية أنها لو كانت زوجته لحل له بعد الموت وطؤها لقوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] وإذا ثبت هذا وجب أن لا يثبت حل الغسل، لأنه لو ثبت لثبت اما مع حل النظر وهو باطل لقوله عليه السلام: «حديث : غض بصرك إلا عن زوجتك» تفسير : أو بدون حل النظر وهو باطل بالاجماع. والجواب: لما تعارضت الآيتان في ثبوت الزوجية وعدمها وجب الترجيح فنقول: لو لم تكن زوجة لكان قوله: {نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } مجازا، ولو كانت زوجة مع أنه لا يحل وطؤها لزم التخصيص، وقد ذكرنا في أصول الفقه أن التخصيص أولى، فكان الترجيح من جانبنا، وكيف وقد علمنا أن في صور كثيرة حصلت الزوجية ولم يحصل حل الوطء مثل زمان الحيض والنفاس ومثل نهار رمضان، وعند اشتغالها باداء الصلاة المفروضة والحج المفروض، وعند كونها في العدة عن الوطء بالشبهة، وأيضا فقد بينا في الخلافيات أن حل الوطء ثبت على خلاف الدليل لما فيه من المصالح الكثيرة، فبعد الموت لم يبق شيء من تلك المصالح، فعاد إلى أصل الحرمة، أما حل الغسل فان ثبوته بعد الموت منشأ للمصالح الكثيرة فوجب القول ببقائه والله أعلم. المسألة الثالثة: في الآية ما يدل على فضل الرجال على النساء لأنه تعالى حيث ذكر الرجال في هذه الآية ذكرهم على سبيل المخاطبة، وحيث ذكر النساء ذكرهن على سبيل المغايبة، وأيضا خاطب الله الرجال في هذه الآية سبع مرات، وذكر النساء فيها على سبيل الغيبة أقل من ذلك، وهذا يدل على تفضيل الرجال على النساء، وما أحسن ما راعى هذه الدقيقة لأنه تعالى فضل الرجال على النساء في النصيب، ونبه بهذه الدقيقة على مزيد فضلهم عليهن. قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أوٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ مِن بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار وصية الله والله عليم حليم}. اعلم أن هذه الآية في شرح توريث القسم الثالث من أقسام الورثة وهم الكلالة وهم الذين ينسبون إلى الميت بواسطة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: كثر أقوال الصحابة في تفسير الكلالة، واختيار أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها عبارة عمن سوى الوالدين والولد، وهذا هو المختار والقول الصحيح، وأما عمر رضي الله عنه فانه كان يقول: الكلالة من سوى الولد، وروي أنه لما طعن قال: كنت أرى أن الكلالة من لا ولد له، وأنا أستحيى أن أخالف أبا بكر، الكلالة من عدا الوالد والولد، وعن عمر فيه رواية أخرى: وهي التوقف، وكان يقول: ثلاثة، لأن يكون بينها الرسول صلى الله عليه وسلم لنا أحب الي من الدنيا وما فيها: الكلالة، والخلافة، والربا. والذي يدل على صحة قول الصديق رضي الله عنه وجوه: الأول: التمسك باشتقاق لفظ الكلالة وفيه وجوه: الأول: يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة، وحمل فلان على فلان، ثم كل عنه إذا تباعد. فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه. الثاني: يقال: كل الرجل يكل كلا وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، ثم جعلوا هذا اللفظ استعارة من القرابة الحاصلة لا من جهة الولادة، وذلك لانا بينا أن هذه القرابة حاصلة بواسطة الغير فيكون فيها ضعف، وبهذا يظهر أنه يبعد ادخال الوالدين في الكلالة لأن انتسابهما إلى الميت بغير واسطة. الثالث: الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الاحاطة، ومنه الاكليل لاحاطته بالرأس، ومنه الكل لاحاطته بما يدخل فيه، ويقال تكلل السحاب إذا صار محيطا بالجوانب، إذا عرفت هذا فنقول: من عدا الوالد والولد إنما سموا بالكلالة، لأنهم كالدائرة المحيطة بالانسان وكالاكليل المحيط برأسه: أما قرية الولادة فليست كذلك فان فيها يتفرع البعض عن البعض: ويتولد البعض من البعض، كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد، ولهذا قال الشاعر:شعر : نسب تتابع كابراً عن كابر كالرمح أنبوبا على أنبوب تفسير : فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة، وهي كالاخوة والأخوات والأعمام والعمات، فانما يحصل لنسبهم اتصال وإحاطة بالمنسوب اليه، فثبت بهذه الوجوه الاشتقاقية أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالدين والولد. الحجة الثانية: أنه تعالى ما ذكر لفظ الكلالة في كتابه إلا مرتين، في هذه السورة: أحدهما: في هذه الآية، والثاني: في آخر السورة وهو قوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } تفسير : [النساء: 176] واحتج عمر بن الخطاب بهذه الآية على أن الكلالة من لا ولد له فقط، قال: لأن المذكور ههنا في تفسير الكلالة: هو أنه ليس له ولد، إلا أنا نقول: هذه الآية تدل على أن الكلالة من لا ولد له ولا والد. وذلك لأن الله تعالى حكم بتوريث الاخوة والأخوات حال كون الميت كلالة، ولا شك أن الاخوة والأخوات لا يرثون حال وجود الأبوين، فوجب أن لا يكون الميت كلالة حال وجود الأبوين. الحجة الثانية: انه تعالى ذكر حكم الولد والوالدين في الآيات المتقدمة ثم أتبعها بذكر الكلالة، وهذا الترتيب يقتضي أن تكون الكلالة من عدا الوالدين والولد. الحجة الرابعة: قول الفرزدق:شعر : ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابني مناف عبد شمس وهاشم تفسير : دل هذا البيت على أنهم ما ورثوا الملك عن الكلالة، ودل على أنهم ورثوها عن آبائهم، وهذا يوجب أن لا يكون الأب داخلا في الكلالة والله أعلم. المسألة الثانية: الكلالة قد تجعل وصفا للوارث وللمورث، فاذا جعلناها وصفا للوارث فالمراد من سوى الأولاد والوالدين، واذا جعلناها وصفا للمورث، فالمراد الذي يرثه من سوى الوالدين والأولاد، أما بيان أن هذا اللفظ مستعمل في الوارث فالدليل عليه ما روى جابر قال: مرضت مرضاً أشفيت منه على الموت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني رجل لا يرثني إلا كلالة، وأراد به أنه ليس له والد ولا ولد، وأما أنه مستعمل في المورث فالبيت الذي / رويناه عن الفرزدق، فان معناه أنكم ما ورثتم الملك عن الأعمام، بل عن الآباء فسمى العم كلالة وهو ههنا مورث لا وارث، اذا عرفت هذا فنقول: المراد من الكلالة في هذه الآية الميت، الذي لا يخلف الوالدين والولد، لأن هذا الوصف إنما كان معتبراً في الميت الذي هو المورث لا في الوارث الذي لا يختلف حاله بسب أن له ولدا أو والدا أم لا. المسألة الثالثة: يقال رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة. إذا عرفت هذا فنقول: إذا جعلناها صفة للوارث أو المورث كان بمعنى ذي كلالة، كما يقول: فلان من قرابتي يريد من ذوي قرابتي، قال صاحب «الكشاف»: ويجوز أن يكون صفة كالهجاجة والفقاقة للأحمق. المسألة الرابعة: قوله: {يُورَثُ } فيه احتمالان: الأول: أن يكون ذلك مأخوذاً من ورثه الرجل يرثه، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الموروث منه، وفي انتصاب كلالة وجوه: أحدها: النصب على الحال، والتقدير: يورث حال كونه كلالة، والكلالة مصدر وقع موقع الحال تقديره: يورث متكلل النسب، وثانيها: أن يكون قوله: {يُورَثُ } صفة لرجل، و{كَلَـٰلَةً } خبر كان، والتقدير وإن كان رجل يورث منه كلالة، وثالثها: أن يكون مفعولا له، أي يورث لأجل كونه كلالة. الاحتمال الثاني: في قوله: {يُورَثُ } أن يكون ذلك مأخوذا من أورث يورث، وعلى هذا التقدير يكون الرجل هو الوارب، وانتصاب كلالة على هذا التقدير أيضا يكون على الوجوه المذكورة. المسألة الخامسة: قرأ الحسن، وأبو رجاء العطاردي: يورث ويورث بالتخفيف والتشديد على الفاعل. أما قوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: ههنا سؤال: وهو أنه تعالى قال: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ } ثم قال: {وَلَهُ أَخٌ } فكنى عن الرجل وما كنى عن المرأة فما السبب فيه؟ والجواب قال الفراء: هذا جائز فانه إذا جاء حرفان في معنى واحد «بأو» جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد، ويجوز إسناده إليهما أيضا، تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، يذهب إلى الأخ، أو فليصلها يذهب إلى الأخت، وإن قلت فليصلهما جاز أيضا. المسألة الثانية: أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم، وكان سعد بن أبي قاص يقرأ: وله أخ أو أخت من أم، وإنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى ٱلْكَلَـٰلَةِ } تفسير : [النساء: 176] فأثبت للأختين الثلثين، وللاخوة كل المال، وههنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات ههنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية، فالمراد ههنا الاخوة والأخوات من الأم فقط، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم، أو من الأب. ثم قال تعالى: {أية : مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أو} تفسير : [النساء: 11] وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما حق امرىء مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده» تفسير : فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد، إلا أنا نقول: هذه العمومات مخصوصة من وجهين: الأول: في قدر الوصية، فانه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا، أما المجمل فقوله تعالى: {أية : لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلاْقْرَبُونَ} تفسير : [النساء: 7] ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلاْنْثَيَيْنِ } تفسير : [النساء: 11] ويدل عليه أيضا قوله تعالى: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضِعَـٰفاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [النساء: 9] وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». تفسير : واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام: أحدها: أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث، وثانيها: أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله: «حديث : والثلث كثير»تفسير : وثالثها: أنه اذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» تفسير : ورابعها: فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال اذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة، فعند عدمهم وجب الجواز. الوجه الثاني: تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا لا وصية لوارث». تفسير : المسألة الثانية: قال الشافعي رحمة الله عليه: اذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب، حجة الشافعي: أن الزكاة الواجبة والحج الواجب دين فيجب اخراجه بهذه الآية، وإنما قلنا إنه دين، لأن اللغة تدل عليه، والشرع أيضاً يدل عليه، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد، قيل في الدعوات المشهورة؛ يا من دانت له الرقاب، أي انقادت، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزىء؟ فقالت نعم، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يُقضى»تفسير : إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } قال أبو بكر الرازي: المذكور في الآية الدين المطلق، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله، والاسم المطلق لا يتناول المقيد. قلنا: هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب،والله أعلم. المسألة الثالثة: اعلم أن قوله تعالى: {غَيْرَ مُضَارّ } نصب على الحال، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته. واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه: أحدها: أن يوصي بأكثر من الثلث. وثانيها: أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي. وثالثها: أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة. ورابعها: أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل اليه. وخامسها: أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة. وسادسها: أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية. واعلم أن العلماء قالوا: الأولى أن يوصي بأقل من الثلث، قال علي: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع. ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث. وقال النخعي: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص، وقبض أبو بكر فوصى، فان أوصى الانسان فحسن، وإن لم يوص فحسن أيضا. واعلم أن الأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فان كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم. المسألة الرابعة: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الاضرار في الوصية من الكبائر. واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [النساء: 13] قال ابن عباس في الوصية: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ }تفسير : [النساء: 14] قال في الوصية، وأما السنة فروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الاضرار في الوصية من الكبائر» تفسير : وعن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة وجار في وصيته ختم له بشر عمله فيدخل النار وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة» تفسير : ومعلوم ان الزيادة في الوصية قطع من الميراث، وأما المعقول فهو أن مخالفة أمر الله عند القرب من الموت يدل على جراءة شديدة على الله تعالى، وتمرد عظيم عن الانقياد لتكاليفه، وذلك من أكبر الكبائر. ثم قال تعالى: {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: كيف انتصاب قوله: {وَصِيَّةً}. والجواب فيه من وجوه: الأول: أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية، كقوله: {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 11]الثاني: أن تكون منصوبة بقوله:{غَيْرَ مُضَار} أي لا تضار وصية الله في أن الوصية يجب أن لا تزاد على الثلث. الثالث: أن يكون التقدير: وصية من الله بالأولاد وأن لا يدعهم عالة يتكففون وجوه الناس بسبب الاسراف في الوصية، وينصر هذا الوجه قراءة الحسن: غير مضار وصية بالاضافة. السؤال الثاني: لم جعل خاتمة الآية الأولى: {فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } وخاتمة هذه الآية {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ }. الجواب: ان لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل، وان كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى، ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته {حَلِيمٌ } على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد،والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} أي ولد وارث من بطنها، أو من صلب بنيها، أو بني بنيها وإن سفل ذكراً كان أو أنثى منكم أو من غيركم. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَو دَيْنٍ} فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما للمرأة كما في النسب، وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة، وتستوي الواحدة والعدد منهم في الربع والثمن. {وَإِن كَانَ رَجُلٌ} أي الميت. {يُورَثُ} أي يورث منه من ورث صفة رجل. {كَلَـٰلَةً} خبر كان أو يورث خبره، وكلالة حال من الضمير فيه وهو من لم يخلف ولداً ولا والداً. أو مفعول له والمراد بها قرابة ليست من جهة الوالد والولد. ويجوز أن يكون الرجل الوارث ويورث من أورث، وكلالة من ليس له بوالد ولا ولد. وقرىء {يُورَثُ} على البناء للفاعل فالرجل الميت وكلالة تحتمل المعاني الثلاثة وعلى الأول خبر أو حال، وعلى الثاني مفعول له، وعلى الثالث مفعول به، وهي في الأصل مصدر بمعنى الكلال قال الأعشى:شعر : فآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلة وَلاَ مِنْ حَفَا حَتى أُلاَقِي مُحَمَّداً تفسير : فاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية، لأنها كالة بالإِضافة إليها، ثم وصف بها المورث والوارث بمعنى ذي كلالة كقولك فلان من قرابتي. {أَو ٱمْرَأَةٌ} عطف على رجل. {وَلَهُ } أي وللرجل، واكتفي بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه. {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي من الأم، ويدل عليه قراءة أبي وسعد بن مالك «وله أخ أو أخت من الأم»، وأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين وللأخوة الكل، وهو لا يليق بأولاد الأم وأن ما قدر ههنا فرض الأم فيناسب أن يكون لأولادها. {فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي ٱلثُّلُثِ} سوى بين الذكر والأنثى في القسمة لأن الإدلاء بمحض الأنوثة، ومفهوم الآية أنهم لا يرثون ذلك مع الأم والجدة كما لا يرثون مع البنت وبنت الابن فخص فيه بالإِجماع. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ} أي غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارة بالوصية دون القربة والإِقرار بدين لا يلزمه، وهو حال من فاعل يوصى المذكور في هذه القراءة والمدلول عليه بقوله يوصى على البناء للمفعول في قراءة ابن كثير وابن عامر وابن عياش عن عاصم. {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد أو منصوب بغير مضار على المفعول به، ويؤيده أنه قرىء {غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً} بالإِضافة أي لا يضار وصية من الله، وهو الثلث فما دونه بالزيادة، أو وصية منه بالأولاد بالإِسراف في الوصية والإِقرار الكاذب. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بالمضار وغيره. {حَلِيمٌ} لا يعاجل بعقوبته.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد، فإن كان لهن ولد، فلكم الربع مما تركن من بعد الوصية أو الدين. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، وحكم أولاد البنين، وإن سفلوا، حكم أولاد الصلب. ثم قال: {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة، والزوجتان الاثنتان، والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} إلخ الكلام عليه كما تقدم، وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَـٰلَةً} الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما ولي عمر قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، رواه ابن جرير وغيره. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد. وهكذا قال علي وابن مسعود، وصح عن غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم، وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد. وقوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي: من أم؛ كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه {فَلِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ} وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه: (أحدها): أنهم يرثون مع من أدلوا به، وهي الأم. (الثاني): أن ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء. (الثالث): أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد، ولا ولد ولا ولد ابن. (الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس عن الزهري، قال: قضى عمر أن ميراث الإخوة من الأم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لهذه الآية وهي التي قال الله تعالى فيها: {فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ} واختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي زوج وأم أو جدة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك، وهو إخوة الأم، وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حماراً، ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم، وصح التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه؛ لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهُذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم ابن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي رحمه الله في كتابه الإيجاز. وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} أي: لتكون وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف؛ بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما قدَّر الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك، كان كمن ضاد الله في حكمته، وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : الإضرار في الوصية من الكبائر» تفسير : وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص، بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ، وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه، لكن رواه النسائي في سننه عن علي ابن حجر عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً: "الإضرار في الوصية من الكبائر"، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند، ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً، وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس: {غَيْرَ مُضَآرٍّ}. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف، ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث، هل هو صحيح أم لا؟ على قولين: (أحدهما): لا يصح؛ لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي، رحمهم الله، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز، وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها، قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره؛ لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث» تفسير : وقال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا} تفسير : [النساء: 58] فلم يخص وارثاً ولا غيره، انتهى ماذكره. فمتى كان الإقرار صحيحاً مطابقاً لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة: {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}. ثم قال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } منكم أو من غيركم {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وألحق بالولد في ذلك ولد الابن بالإجماع {وَلَهُنَّ } أي الزوجات تعدّدن أو لا {ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ } منهنّ أو من غيرهنّ {فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وولد الابن في ذلك كالولد إجماعاً {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ } صفة والخبر {كَلَٰلَةً } أي لا والد له ولا ولد {أَو ٱمْرَأَةٌ } تورث كلالة {وَلَهُ } أي للموروث كلالة {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي من أمّ وقرأ به ابن مسعود وغيره {فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ } مما ترك {فَإِن كَانُواْ } أي الإخوة والأخوات من الأمّ {أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ } أي من واحد {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى ٱلثُّلُثِ } يستوي فيه ذَكَرُهم وأُنثاهم {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ } حال من ضمير (يوصي) أي غير مدخل الضرر على الورثة بأن يوصى بأكثر من الثلث {وَصِيَّةً } مصدر مؤكد لـ (يوصيكم) {مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بما دبره لخلقه من الفرائض {حَلِيمٌ } بتأخير العقوبة عمن خالفه، وخصت السنة توريث من ذكر بمن ليس فيه مانع من قتل أو اختلاف دين أو رقٍّ.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} اختلفوا في الكلالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم من عدا الولد، وهو مروي عن ابن عباس، رواه طاووس عنه. والثاني: أنهم من عدا الوالد، وهو قول الحكم بن عيينة. والثالث: أنهم من عدا الولد والوالد، وهو قول أبي بكر، وعمر، والمشهور عن ابن عباس. وقد روى الشعبي قال: قال أبو بكر: قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمنِّي والله منه بريء، إن الكلالة ما خلا الوالد والولد. فلما اسْتُخْلِفَ عمر قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. ثم اختلفواْ في المُسَمَّى كلالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الكلالة الميت، وهو قول ابن عباس، والسدّي. والثاني: أنه الحي الوارث، وهو قول ابن عمر. والثالث: أنه الميت والحي، وهو قول ابن زيد. وأصل الكلالة الإِحاطة، ومنه الإكليل سمي بذلك لإِحاطته بالرأس فكذلك الكلالة لإِحاطتها بأصل النسب الذي هو الوالد والولد.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَلالَةً} الكلالة: من عدا الولد، أو من عدا الوالد، أو من عداهما، والمسمى بالكلالة هو الميت، أو وارثه، أو كلاهما، والكلالة من الإحاطة لإحاطتها بأصل النسب الذي هو الولد والوالد، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس.

النسفي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } أي زوجاتكم {إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ } أي ابن أو بنت {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ } منكم أو من غيركم {فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُم وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ْ} والواحد والجماعة سواء في الربع والثمن، جـعل ميراث الزوج ضعف ميراث الزوجة لدلالة قوله: «للذكر مثل حظ الأُنثيين». {وَإِن كَانَ رَجُلٌ } يعني للميت وهو اسم «كان» {يُورَثُ } من ورث أي يورث منه وهو صفة لـ «رجل» {كَلَـٰلَةً } خبر «كان» أي وإن كان رجل موروث منه كلالة أو يورث خبر «كان» وكلالة حال من الضمير في يورث. والكلالة تطلق على من لم يخلف ولداً ولا ولداً وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الإعياء {أَو ٱمْرَأَةٌ } عطف على رجل {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي لأم فإن قلت: قد تقدم ذكر الرجل والمرأة فلم أفرد الضمير وذكره؟ قلت: أما إفراده فلأن «أو» لأحد الشيئين، وأما تذكيره فلأنه يرجع إلى رجل لأنه مذكر مبدوء به، أو يرجع إلى أحدهما وهو مذكر {فَلِكُلِّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ } من واحد {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي ٱلثُّلُثِ } لأنهم يستحقون بقرابة الأم وهي لا ترث أكثر من الثلث ولهذا لا يفضل الذكر منهم على الأنثى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } إنما كررت الوصية لاختلاف الموصين، فالأول الوالدان والأولاد، والثاني الزوجة، والثالث الزوج، والرابع الكلالة. {غَيْرَ مُضَارٍّ } حال أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته وذلك بأن يوصي بزيادة على الثلث أو لوارث {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ } مصدر مؤكد أي يوصيكم بذلك وصية {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بمن جار أو عدل في وصيته {حَلِيمٌ } على الجائر لا يعاجله بالعقوبة وهذا وعيد. فإن قلت: فأين ذو الحال فيمن قرأ «يوصي بها»؟ قلت: يضمر «يوصي» فينتصب عن فاعله لأنه لما قيل «يوصي بها» علم أن ثمّ موصياً كما كان {رِجَالٌ } فاعل ما يدل عليه {أية : يُسَبّحُ }تفسير : )النور: 36) لأنه لما قيل {يُسَبّحُ لَهُ } علم أن ثم مسبحاً فأضمر «يسبح». واعلم أن الورثة أصناف أصحاب الفرائض وهم الذين لهم سهام مقدرة كالبنت ولها النصف، وللأكثر الثلثان، وبنت الابن وإن سفلت وهي عند عدم الولد كالبنت ولها مع البنت الصلبية السدس، وتسقط بالابن وبنتي الصلب إلا أن يكون معها أو أسفل منها غلام فيعصبها، والأخوات لأب وأم وهن عند عدم الولد وولد الابن كالبنات والأخوات لأب، وهن كالأخوات لأب وأم عند عدمهن، ويصير الفريقان عصبة مع البنت أو بنت الابن، ويسقطن بالابن وابنه وإن سفل، والأب وبالجد عند أبي حنيفة رحمه الله وولد الأم فللواحد السدس وللأكثر الثلث، وذكرهم كأنثاهم ويسقطون بالولد وولد الابن وإن سفل والأب والجد. والأب وله السدس مع الابن أو ابن الابن وإن سفل، ومع البنت أو بنت الابن وإن سفلت السدس والباقي. والجد وهو أبو الأب وهو كالأب عند عدمه إلا في رد الأم إلى ثلث ما يبقى، والأم ولها السدس مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، أو الاثنين من الإخوة والأخوات فصاعداً من أي جهة كانا، وثلث الكل عند عدمهم وثلث ما يبقى بعد فرض أحد الزوجين في زوج وأبوين أو زوجة وأبوين. والجدة ولها السدس وإن كثرت لأم كانت أو لأب، والبعدى تحجب بالقربى، والكل بالأم والأبويات بالأب، والزوج وله الربع مع الولد أو ولد الابن وإن سفل، وعند عدمه النصف. والزوجة ولها الثمن مع الولد أو ولد الابن وإن سفل وعند عدمه الربع. والعصبات وهم الذين يرثون ما بقي من الفرض وأولاهم. الابن ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب ثم أبوه وإن علا، ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم الأعمام، ثم أعمام الأب، ثم أعمام الجد، ثم المعتق، ثم عصبته على الترتيب. واللاتي فرضهن النصف والثلثان يصرن عصبة بأخواتهن لا غيرهن. وذوو الأرحام وهم الأقارب الذين ليسوا من العصبات ولا من أصحاب الفرائض وترتيبهم كترتيب العصبات. {تِلْكَ } إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث {حُدُودُ ٱللَّهِ } سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزها {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } انتصب «خالدين» و«خالداً» على الحال، وجمع مرة وأفرد أخرى نظراً إلى معنى «من» ولفظها. «ندخله» فيهما: مدني وشامي {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } لهوانه عند الله. ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان غير متعدٍ حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك. وقال الكلبي: ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالاً ثم خاطب الحكام فقال: {وَٱلَّلْفَـٰتِى } هي جمع «التي» وموضعها رفع بالابتداء {يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أي الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. يقال أتى الفاحشة وجاءها ورهقها وغشيها بمعنى {مِّن نِّسَائِكُمُ } « من» للتبعيض والخبر {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ } فاطلبوا الشهادة {أَرْبَعةً مّنْكُمْ } من المؤمنين {فَإِن شَهِدُواْ } بالزنا {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ } فاحبسوهن {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } أي ملائكة الموت كقوله { أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ }تفسير : [النحل: 28] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ } قيل «أو» بمعنى «إلا أن» {سَبِيلاً } غير هذه. عن ابن عباس رضي الله عنهما: السبيل للبكر جلد مائة وتغريب عام وللثيب الرجم لقوله عليه السلام «حديث : خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة » تفسير : والّذان} يريد الزاني والزانية. وبتشديد النون: مكي { يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } أي الفاحشة {فَـئَاذُوهُمَا } بالتوبيخ والتعيير وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله {فَإِن تَابَا } عن الفاحشة {وَأَصْلَحَا } وغير الحال {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } فاقطعوا التوبيخ والمذمة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً } يقبل توبة التائب ويرحمه. قال الحسن: أول ما نزل من حد الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم، فكان ترتيب النزول على خلاف ترتيب التلاوة. والحاصل أنهما إذا كانا محصنين فحدهما الرجم لا غير، وإذا كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير، وإن كان أحدهما محصناً والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد، وقال ابن بحر: الآية الأولى في السحّاقات، والثانية في اللواطين، والتي في سورة النور في الزاني والزانية وهو دليل ظاهر لأبي حنيفة رحمه الله في أنه يعزر في اللواطة ولا يحد. وقال مجاهد: آية الأذى في اللواطة {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ } هي من تاب الله عليه إذا قبل توبته أي إنما قبولها {عَلَى ٱللَّهِ } وليس المراد به الوجوب إذ لا يجب على الله شيء ولكنه تأكيد للوعد يعني أنه يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوءَ } الذنب لسوء عقابه {بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي يعملون السوء جاهلين سفهاء لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه. وعن مجاهد: من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته. وقيل: جهالته اختياره اللذة الفانية على الباقية. وقيل: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل كنه عقوبته. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } من زمان قريب وهو ما قبل حضرة الموت ألا ترى إلى قوله: «حتى إذا حضر أحدهم الموت». فبين أن وقت الاحتضار هو الوقت الذي لا تقبل فيه التوبة. وعن الضحاك: كل توبة قبل الموت فهو قريب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قبل أن ينظر إلى ملك الموت. وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»تفسير : و«من» للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضرة الموت زماناً قريباً {فَأُوْلَٰـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } عدة بأنه يفي بذلك وإعلام بأن الغفران كائن لا محالة {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بعزمهم على التوبة {حَكِيماً } حكم بكون الندم توبة.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين} هذا ميراث الأزواج من الزوجات. وقال تعالى في ميراث الزوجات من الأزواج {ولهن} يعني للزوجات {الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} لما جعل الله في الموجب النسبي حظ الرجل مثل حظ الأنثيين جعل الله في الموجب السبي للرجل مثل حظ الأنثيين واعلم أن الواحدة من النساء لها الربع أو الثمن وكذلك لو كن أربع زوجات فإنهن يشتركن في الربع أو الثمن واسم الولد يطلق على الذكر والأنثى. ولا فرق بين الولد وولد الابن وولد البنت في ذلك وسواء كان الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها. قوله تعالى: {وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة} تقدير الآية وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة واختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا ولد له ولا والد روى الشعبي قال: سئل أبو بكر الصديق عن الكلالة فقال: سأقول فيها قولاً برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال: إني لا أستحيي من الله أن أراد شيئاً قاله أبو بكر وهذا قول علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وإحدى الروايتين عن عمر وابن عباس وهذا القول هو الصحيح المختار ويدل على صحته أن اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهم فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه، وقيل إن الكلالة في أصل اللغة عبارة عن الإحاطة ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس. فمن عد الوالد والولد من القرابة إنما سموا كلالة لأنهم كالدائرة المحيطة بالإنسان أما نسبة الولادة فليست كذلك لأن فيه تنوع البعض عن البعض وتولد البعض من البعض فهو كالشيء الواحد الذي يتزايد على نسق واحد. فأما القرابة المغايرة لقرابة الولادة وهم الإخوة والأخوات والأعمام والعمات وغيرهم فإنما محصل نسبهم اتصال إحاطة بالمنسوب إليه فثبت بذلك أن الكلالة عبارة عمن عدا الوالد والولد والرواية الأخرى عن عمر وابن عباس أن الكلالة من لا ولد له. وبه قال طاوس واحتج لهذا القول بقوله تعالى: {أية : قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد} تفسير : [النساء: 176] وبيانه عند عامة العلماء مأخوذ من حديث جابر بن عبدالله لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن لأن أباه قتل يوم أحد وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم فصار شأن جابر بياناً لمراد الآية التي نزلت في آخر السورة لنزولها فيه واختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ فمنهم من قال هو اسم للميت، وهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس لأنه مات عن ذهاب طرفيه فكل عمود نسبه وقيل هو اسم للحي من الورثة وهو قول أبي بكر الصديق. وعليه جمهور العلماء الذين قالوا: إن الكلالة من دون الوالد والولد ويدل عليه حديث لجابر إنما يرثني كلالة أي يرثني ورثة ليسوا بولد ولا والد فإن كان المراد بالكلالة الميت الموروث فالمراد يرثه غير الوالد والولد. وإن كان المراد الوارثين فهم غير الوالد والولد وقال ابن زيد: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد والحي والميت كلهم كلالة هذا يرث بالكلالة وهذا يورث بالكلالة. وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة (ق) عن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيهن عهد انتهى إليه الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا وهذا طرف حديث ذكر في الخمر (ق) عن معدان بن أبي طلحة قال خطب عمر بن الخطاب: فقال إني لا أدع بعدي شيئاً أهم عندي من الكلالة ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ في الكلالة حتى طعن بأصبعيه في صدري وقال: يا عمر ألا يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. لفظ مسلم قوله: ألا يكفيك آية الصيف أراد أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والآية الأخرى في الصيف وهي التي آخر السورة وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء فلذلك أحاله عليها. وقوله تعالى: {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس} أراد به الأخ والأخت للأم باتفاق العلماء وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم. فإن قلت إن الله تعالى قال وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ثم قال تعالى وله أخ فذكر الرجل ولم يذكر المرأة فما السبب فيه. قلت هذا على عادة العرب فإنهم إذا ذكروا اسمين ثم أخبروا عنهما وكان في الحكم سواء ربما أضافوا أحدهما إلى الآخر وربما أضافوا إليهما فهو كقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة، ثم قال تعالى وإنها لكبيرة وقال الفراء إذا جاء حرفان بمعنى واحد جاز إسناد التفسير إلى أيهما أريد ويجوز إسناده إليهما أيضاً {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} وهذا إجماع العلماء أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعداً يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم فيه سواء قال أبو بكر الصديق في خطبته: إلاّ أن الآية التي أنزل الله في أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد والأم والآية الثانية في الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية الثالثة التي ختم الله بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب والأم والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها الله في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وقوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} تقدم تفسيره وبقي شيء من الأحكام يذكر هنا وذلك أن ظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه وفي معنى الآية ما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به" تفسير : وفي رواية له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين وفي رواية ثلاث ليال إلاّ ووصيته مكتوبة عنده. قال نافع: سمعت عبدالله بن عمر يقول ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول ذلك إلاّ وعندي وصيتي مكتوبة أخرجاه في الصحيحين، ففي ظاهر الآية والحديث ما يدل على إطلاق الوصية لكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص قال: "حديث : الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء أخير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. ففي هذا الحديث دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز ولا تجوز الوصية لوارث ويدل عليه ما روي عن عمرو بن خارجة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر" تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي أمامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" تفسير : أخرجه أبو داود. وقوله تعالى: {غير مضار} يعني غير مدخل الضرر على الورثة بمجاوزة الثلث في الوصية وهو أن يوصي بأكثر من الثلث وقيل هو أن يوصي بدين ليس عليه أو يقر بماله أو أكثر ماله لأجنبي ويترك ورثته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار"تفسير : ، ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية يوصي بها أو دين إلى قوله وذلك هو الفوز العظيم أخرجه أبو داود والترمذي. وقال قتادة: كره الله تعالى الضّرار في الحياة وعند الموت فنهى عنه وقدم فيه وقيل: إن الإضرار في الوصية من الكبائر لأن مخالفة أمر الله عز وجل كبيرة وقد نهى الله عن الإضرار في الوصية فدل على أن ذلك من الكبائر، واعلم أن الأولى بالإنسان أن ينظر عند الموت في قدر ما يخلف من المال ومن يخلف من الورثة ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان ماله قليلاً، وفي الورثة كثرة فالأولى به أن لا يوصي بشيء لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "حديث : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" تفسير : وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب الورثة وحاجتهم بعده في القلة والكثرة. وقوله تعالى: {وصية من الله} أي فريضة من الله وقيل عهداً من الله إليكم فيما يجب لكم من ميراث من مات منكم {والله عليم} يعني أنه عالم بمصالح عباده ومضارهم وبما يفرض عليهم من الأحكام وقيل عليم بمن يجور في وصيته وبمن لا يجور {حليم} يعني أنه تعالى ذو حلم وذو أناة في ترك العقوبة عمن جار في وصيته وقال أبو سليمان الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب ولا يستخفه جهل جاهل والحليم هو الصفوح مع القدرة المتأني الذي لا يعجل بالعقوبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ...} الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ؛ هذا هو الصحيحُ. وقوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ...} الآية: الإِجماع علَىٰ أن الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة. وقرأ سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص: «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ»، والأنثَىٰ والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع. وقوله سبحانه: {غَيْرَ مُضَارٍّ}، قال ابن عبَّاس: «الضِّرَارُ في الوصية مِنَ الكَبَائر» ورواه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروَىٰ أبو هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي وَادٍ فِي جَهَنَّمَ». تفسير : قال * ع *: ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ؛ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ. قال * ص *: {غَيْرَ مُضَارٍّ}: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ. انتهى. قلت: وتقدير أبي حَيَّان: «وَرَثَتَهُ» يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية؛ إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: «غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم»، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم. وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ...} الآية: «تِلْكَ»: إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريثِ، وباقِي الآية بَيِّن.

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّ أقسام الوراثة ثلاثة: قسم لا يسقط بحال وهم: الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثَّالِثُ هو المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأوَّلين لأنه قد يعرض لهم السُّقوط بالكليَّة، ولأنَّهم يدلون إلى الميِّتِ بواسطة، والقسمان الأوَّلان يدلون بأنفسهم فقدَّمَ اللَّهُ تعالى الوارث بالنَّسب؛ لأنَّهُ أعلاها ثمَّ ثنى بذكر الوارث بالسَّبب الَّذي لا يسقط بحال، لأنَّهُ دون الأوَّلِ وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثَّالث بعدهما؛ لأنَّهُ دونهما، ولما جعل نصيب الذَّكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النّسبي كذلك جعل حظّ الرَّجُلِ مثل حظِّ الأنثيين في الوارث السببي فقال {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} وسواء كان الولد من الزوج، أو من غيره وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، ولا فرق بين الأوَّلادِ وأولاد الأولاد. فصل: الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها ذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يغسل زوجته لقوله {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} فسمَّاها زوجة بعد الموت. قال أبو حنيفة: لا يَجُوزُ؛ لأنَّهَا ليست زوجة؛ لأنَّهُ لا يحلُّ وطؤها بعد الموت. وأجيب بأنَّها لو لم تكن زوجة لكان قوله {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} مجازاً، وقد ثبت أنَّ التَّخْصيص اولى من المجاز عند التَّعارُضِ، وأيضاً فقد حَرُمَ الوطء في صورٍ كَثِيرَةٍ مع وجود الزوجيَّة كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصّلوات المفروضة، والحج المفروض. ثمَّ قال: {فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن} وسواء كانت واحدة أو أربعاً فهم فيه سواء، وهذه الآية تدلُّ على فضل الرَّجل على المرأة لتفضيلهم في النَّصِيبِ، ولأنَّهُ ذكر الرِّجَالَ على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة. قوله: {وإن كان رجل يورثه كلالة} اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى {ٱلْكَلاَلَةِ} واشتقاقها، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك، فتقول: اختلف الناس في معنى {ٱلْكَلاَلَةِ} فقال جمهور اللغويين وغيرهم: إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ. وقيل: الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر. وقيل: الَّذي لا ولد له فقط. وقيل: هو من لا يرثه أبٌ ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلِّها قالكلالةُ واقعة على الميت. وقيل: الكَلاَلَةُ: الورثة ما عدا الأبوين والولد، قاله قُطْرب، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة، أي: أحاطوا به من جميع نواحيه، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن. وأيضاً يقال: كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحمل فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه. وأيضاً يقال: كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً: إذا أعيا وذهبت قوَّته، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد لبعدها. وأيضاً فإنَّهُ تعالى قال {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ} تفسير : [النساء: 176] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ، وهما لا يرثانِ مع وجود الأب. حديث : وروى جابر قال: مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَةتفسير : وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ. وروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال: حديث : سألت رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال" يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ"تفسير : وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً. وقيل: {ٱلْكَلاَلَةِ}: المالُ الموروث، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ. وقيل: {ٱلْكَلاَلَةِ} القرابة، وقيل: الوراثة. فقد تلخص مما تقدم أنَّها [إمَّا] الميِّتُ الموروث أو الوارثُ، أو المال الموروثُ، أو الإرْث، أو القرابة. وأما اشتقاقها: فقيل: هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء، أي: أحاط به، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أي: يحيط به كالإكْليلِ. ومنه "الروضة المكللة" أي: بالزَّهْرِ، وعليه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : 1765- وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ تفسير : وقيل: اشتقاقها من "الكلال" وهو الإعْيَاء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: و "الكلالة" في الأصل: مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء. قال الأعشى: [الطويل] شعر : 1766- فَآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ وَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا تفسير : فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن "فَعَالة"، قال: "كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ". ويقال: رجل كلالة، وامرأةٌ كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة. إذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله، فتقول: يجوز في "كان" وجهان: أحدهما: أن تكون ناقصة و "رجل" اسمها، وفي الخبر احتمالان: أحدهما: أنه "كلالة" إن قيل: إنها الميت، وإن قيل: إنَّها الوارث، أو غير ذلك، فَتُقَدَّر حذف مضاف، أي: ذَا كلالة، و "يورث" حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة لـ "رجل" وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أُقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ، وهو ضمير الرَّجُلِ. والثَّاني: محذوف تقديره: يورث هو مَالَهُ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من "ورث" الثُّلاثي أو "أورث" الرُّبَاعيُّ؟. فيه خلافٌ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهٌُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى [المفعول] الأوَّلِ من المفعولين بـ "من" فإنَّهُ قال [وإن كان رجل يورث من كلالة] و "يورث" من وَرِثَ أي: يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى بـ "مِنْ". [قال:] وقد تُحْذَفُ، تقولُ: "وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ" أي: مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ "أورث" جعل الرَّجُلَ وارثاً لا موروثاً، فإنَّهُ قال: "فإنْ قلتَ: فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من "أورث" فما وَجْهُهُ". قلتُ: الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ". وقال أبُو حيَّان: إنَّهُ من "أورث" الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ. الاحتمالُ الثَّاني: أن يكون الخبرُ الجملة من "يورث". وفي نَصْبِ {كَلاَلَةً} أربعةُ أوْجُهٍ: أحدها: أنَّهُ حال من الضمير في "يورث"، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ، أو الوارثُ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ، أي: يُورث ذا كَلاَلَةٍ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في {يُورَثُ}. قال أبُو البَقَاءِ: على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ "كلالةٌ" بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في {يُورَثُ} لجاز، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً: أنَّهَا صفةٌ لـ "رَجُل". الثَّاني: أنَّهَا مفعولٌ من أجله، إنْ قيل: إنَّهَا بمعنى القرابة، أي: يُورَثُ لأجل الكلالة. الثَّالثُ: أنَّهُ مفعول ثَانٍ لـ {يُورَثُ} إن قيل: إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ. الرَّابعُ: أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ، إن قيل: إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ، أي: يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ. وقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره: "ذَات كَلاَلَةٍ". الوجه الثَّاني من وجهي "كان" أن تكون تَامّةً، فيُكْتَفى بالمرفوع، أي: وَإن وُجِدَ رجل. و {يُورَثُ} في محلِّ رفع صِفَةٍ لـ "رَجُل" و {كَلاَلَةً} منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال، أو المفعول من أجله أو المفعول به، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ، وهو أن تَكُونَ {كَلاَلَةً} منصوبة على التمييزِ. [قال مَكِّيٌّ: "كان" أي: وقع، و{يُورَثُ} نعت للرَّجُل و"رجل" رفع بـ "كان" و{كَلاَلَةً} نصب على التفسير]. وقيل: هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين، وفي جعلها تَفْسيراً - أي: تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى. وقرأ الجمهور: {يُورَثُ} مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه. وقرأ الحسن: يورث مبنيّاً للفاعل، ونُقِلَ عنه أيضاً، وعن أبي رَجَاءَ كذلك، إلاَّ أنَّهما شدَّدا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مِمَّا تقدَّم، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ، فيكون المفعولان محذوفين، و{كَلاَلَةً} نَصْبٌ على الحال، أي: وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً. وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأوَّلُ محذوفٌ أي: يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس، أي: يُورِثُ مالَه أهلَه. قوله: {أَو ٱمْرَأَةٌ} عطف على {رَجُلٌ} وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التَّقديرُ: أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلاَّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ. وقوله: {وَلَهُ أَخٌ} جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحال إمَّا {رَجُلٌ} أي: إنْ كان {يُورَثُ} صفةً له، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في {يُورَثُ} وَوَحَّدَ الضمير في قوله: "وله"؛ لأنَّ العطف بـ "أو" وما ورد على خلاف ذلك أوِّلَ عند الجمهور كقوله: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} تفسير : [النساء: 135]. فإن قيل: قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ} ثم قال {وَلَهُ أَخٌ} فهي عن الرَّجُلِ، وما هي عن المرأة، فما السَّبَبُ فيه؟. فالجوابُ: قال النُّحَاةُ: إذا تقدَّمَ متعاطفان بـ "أو" مذكر ومؤنَّث كنتَ بالخيار، بَيْنَ أنْ تراعي المتقدم أو المتأخِّرَ، فتقول: "زيدٌ أو هندُ قامَ" وَإنْ شئت: "قَامَتْ". وأجاب أبُو البَقَاءِ عن تذكيره بثلاثة أوجه: أحدُهَا: أنَّهُ يعود على الرَّجُلِ وهو مذكر مبدوء به. الثَّانِي: أنَّهُ يعود على أحدهما، ولفظ "أحَد" مفردٌ مذكَّرٌ. والثَّالِثُ: أنَّهُ يعود على الميِّت، أو الموروثِ لِتَقَدُّمِ ما يدلُّ عليه، والضَّمير في قوله: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} فيه وجهان: أحدُهُمَا: أنَّهُ يعود على الأخ والأخت. والثَّانِي: أنَّهُ يعودُ على الرَّجُلِ، وعلى أخيه وأخته، إذا أُريد بالرَّجُلِ في قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} أنَّهُ وارثٌ لا موروثٌ، كما تَقَدَّمَتْ حكايته في قول الزَّمَخْشَرِيِّ. قال الزَّمخشريُّ - بعد ما حكيناه عنه -: "فإن قلتَ: فالضَّمِيرُ في قوله: {فلكل واحد منهما} إلى مَنْ يرجعُ حينئذٍ؟. قلت: على الرَّجُلِ، وعلى أخيه، أو أخته، وعلى الأوَّل إليهما. فإن قُلْتَ: إذا رجع الضَّمِيرُ إليهما أفاد استواءَهُمَا في حيازةِ السُّدُسِ من غير مُفَاضَلَةِ الذَّكر للأنثى، فهلْ تبقى هذ الفائدةُ قائمةً في هذا الوجه؟. قلتُ: نَعَمْ، لأنك إذا قلتَ: السُّدس له أو لواحد مِن الأخِ أو الأخت على التخيير، فقد سَوَّيْتَ بين الذَّكر والأنثى". انتهى. وأجمع المفسِّرونَ على أنَّ المراد بالأخ والأخت هاهنا الإخوة من الأمِّ؛ لأنَّ ما في آخر السُّورة يدلُّ على ذلك، وهو كون للأخت النّصف، وللأختين الثُّلثان وللإخوة الذُّكور والإناث للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين، ولقراءة أبِي سَعِيدٍ. وقرأ أبيٌّ "أخ أو أخت من الأم". وقرأ سعد بن أبي وقاص "من أم" بغير أداة التَّعريف. قوله: {فَإِن كَانُوۤاْ} الواو ضمير الإخوة من الأمِّ المدلول عليهم بقوله: {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} والمرادُ الذُّكورُ والإناث، وأتى بضمير الذُّكور في قوله: {كَانُوۤاْ} وقوله: {خَلْفِهِمْ} تغليباً للمذكَّر على المؤنَّثِ، و"ذلك" إشارةٌ إلى الواحد، أي: أكثر من الواحد، يعني: فإنْ كان مَنْ يَرِثُ زائداً على الواحد؛ لأنَّهُ لا يَصِحُّ أن يقال: "هذا أكثرُ من واحد" بهذا المعنى لتنافي معنى كثير وواحد، وإلاَّ فالواحدُ لا كثرة فيه، وتقدَّمَ إعراب {من بعد وصية يوصى بها}. فصل: في أثر عن أبي بكر - رضي الله عنه - قال أبو بكر الصّديق - رضي الله عنه - في خطبته: ألا إنَّ الآيةَ التي أنزل اللَّهُ - تعالى - في أوَّل سورة النِّسَاءِ في بيان الفرائضِ أنزلها في الوَلَدِ، والوالد والأمِّ، والآية الثَّانية في الزَّوْجِ والزَّوجة والإخوة من الأمِّ، والآية الَّتي ختم بها سورة النساء في الإخوة، والأخوات من الأب والأمِّ، والآية التي ختم بها سورة الأنفالِ أنزلها في أولي الأرحام {أية : بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 75]. قوله: {غَيْرَ مُضَآرٍّ} "غير" نَصْبٌ على الحال من الفاعل في "يوصَى"، وهو ضمير يعود على الرجل في قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ}، هذا إنْ أُريد بالرَّجل الموروث، وإن أُرِيدَ به الوارثُ كما تَقَدَّمَ، فيعود على الميِّت الموروث المدلول عليه بالوارثِ مِنْ طريقِ الالتزام، كما دلَّ عليه في قوله: {أية : فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}تفسير : [النساء:11]، أي: تَرَكَهُ الموروث، فصار التقدير: يوصَى بها الموروثُ، وهكذا أعْرَبَه الناس فجعلوه حالاً: الزَّمَخْشَرِيُّ وغيره. وَردَّهُ أبو حيَّان، بأنَّهُ يُؤدِّي إلى الفَصْلِ بينَ هذه الحال وعامِلها بأجنبيِّ منهما، وذلك أنَّ العَامِلَ فيها {يُوصَىٰ} كما تقرَّرَ. وقوله: {أَوْ دَيْنٍ} أجنبي؛ لأنَّهُ معطوف على {وَصِيَّةٍ} الموصوفة بالعامل في الحال. قال: ولو كانَ على ما قالوه من الإعراب لكانَ التركيب: {من بعد وصية يوصى بها غير مضار أو دين}. وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين: أعني ناء الفعلِ للفاعل، أو المفعول، وتزيدُ عليه قراءة البناء للمفعول وَجْهاً آخَر، وهو أن صاحب الحال غيرُ مذكور؛ لأنَّهُ فاعِلٌ في الأصل، حُذِفَ وأُقِيمَ المفعول مقامه، ألا ترى أنَّكَ لو قلت: "ترسل الرياح مبشراً بها" بكسر الشين يعني "يرسل الله الرياح مبشراً بها" فحذفت الفاعل، وأقمت المفعولَ مُقامَهُ، وجئتَ بالحال من الفاعل لم يَجزْ، فكذلك هذا، ثم خَرَّجه على أحد وجهين: إما بفعل يَدُلُّ عليه ما قبله من المعنى؛ ويكون عاماً لمعنى ما يتسلَّط على المال بالوصية أو الدِّيْن، وتقديره: يلزمُ ذلك مالَهُ، أو يوجبه [فيه] غَير مُضَارٍّ بورثته بذلك الإلزامِ أو الإيجاب. وإمَّا بفعلٍ مَبْني للفاعل لدلالَةِ المبني للمفعول عليه، أي: يوصي غير مُضارٍّ، فيصيرُ نظير قوله: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ} تفسير : [النور: 36، 37] على قراءة من قرأ بفتح الباء. فصل اعلم أنَّ الضّرار في الوَصِيَّةِ يقعُ على وجوهٍ: منها: أن يوصي بأكثر من الثُّلُثِ، أو يُقِرَّ بكلِّ ماله، أو ببعضه لآخر، أو يُقِرَّ على نفسه بدين لا حقيقةَ له دَفْعاً للميراث عن الورثة، أو يُقِرَّ بأنَّ الدّين الذي كان له على فلان قد استوفاه ووصل إليه، أو يبيع شيئاً بثمن رخيص، أو يشتري شيئاً بثمن غالٍ، كلُّ ذلك لغرض ألاَّ يصلَ المالُ إلى الورثة، أو يوصي بالثُّلُث لا لوجه اللَّهِ ولكن لغرض تنقيص حقوق الورثةِ، فهذا هو [وجه] الإضرار في الوصيةِ. روى عكرمة عن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإضْرَارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ"تفسير : ، وعن شَهْر بْنِ حَوْشَب عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَإذَا أوْصَى وَجَارَ فِي وَصِيَّتِه خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِشرِّ عَمَلِهِ؛ فَيدخُل النَّارَ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَملِ أهْلِ النَّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيَخْتِمُ اللَّهُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ"تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فَرَضَهُ اللَّهُ - تعالى - قَطَعَ اللَّهُ - تعالى - مِيراثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ"تفسير : ويدلُّ على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 13] قال ابنُ عبَّاسٍ: في الوصيَّةِ {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [النساء: 14] قال: في الوصِيَّةِ. فصل هل يجب إخراج الزكاة والحج من التركة؟ قال الشَّافِعِيُّ: إذَا أخَّرَ الزَّكاةَ والحج حتَّى مات يجب إخراجهما من التَّركة. وقال أبو حَنِيفَةَ: "لا تجب". حجَّةُ الوجوب أنَّهَا دينٌ، وقال تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}. وقال عليه الصَّلاة والسَّلامُ: "حديث : أرَأيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ" تفسير : وقال عليه السلام: "حديث : دينُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى ". تفسير : قوله: {وَصِيَّةٍ} في نصبها أربعة أوجه: أحدها: أنَّهُ مصدرٌ مؤكَّد، أي: يوصيكم اللَّهُ [بذلك] وَصِيَّة. الثَّاني: أنها مصدر في موضع الحال، والعامل فيها {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ} قاله ابنُ عَطِيَّةَ. والثَّالِثُ: أنَّهَا منصوبةٌ على الخروج إمَّا مِنْ قوله: {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ}، أو من قوله: {لِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}، وهذه عبارةٌ تشبه عبارة الكوفيين. والرَّابعُ: أنَّها منصوبةٌ باسم الفاعل وهو {مُضَآرٍّ} والمُضَارَّة لا تقع بالوصيَّةِ بل بالورثة، لكنَّه لَمَّا وَصَّى اللَّهُ - تعالى - بالورَثَة جَعَلَ المُضَارَّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصيّة مُبَالَغةً في ذلك، وَيُؤيَّدُ هذا التخريج قراءة الحسن: {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ} بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز، وَصَارَ نظير قولهم: "يا سارِقَ الليلةَ"، التقدير: يا سارقاً في اللَّيْلة، ولكنَّهُ أضاف اسم الفاعل إلى ظرفه مجازاً واتِّساعاً، فكذلك هذا أصله: "غير مضار في وصية من الله"، فاتُّسعَ في هذا إلى أنَّ عُدَّيَ بنفسه من غير واسطةٍ، لما ذكرنا من قَصْد المبالغة، وهذا أحْسَنُ تخريجاً من تخريج أبي البَقَاءِ فإنَّهُ ذكر في تخريج قراءة الحَسَنِ وجهين: أحدهما: أنَّهُ على حذف "أهل" أو "ذي" أي: غير مضارِّ أهل وصيَّةٍ، أو ذي وَصِيَّة. والثَّاني: على حذف وقت، أي: وقت وصيَّة، قال وهو مِنْ إضافَةِ الصِّفة إلى الزَّمانِ، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارسُ حربٍ، أي: فارس في الحرب، وتقولُ: هو فارسُ زمانه، أي: فارس في زمانه، كذلك تقدير القراءة: غير مضارٍّ في وقت الوصيَّة. ومفعول {مُضَآرٍّ} محذوفٌ إذا لم تُجعَلْ {وَصِيَّةً} مفعولةً، أي: غير مضارٍّ وَرَثتِهِ بوصيَّةِ. فَإنْ قيل: ما الحكمةُ في أنَّهُ ختم الآية الأولى بقوله: "فريضة من الله والله عليم حليم" وختم هذه الآية بقوله: "وصية من الله"؟ فالجوابُ: أنَّ لفظ الفرض أقوى وأؤكد من لفظ الوَصِيَّةِ، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصيَّةِ ليدلَّ بذلك على أنَّ الكلَّ، وإن كان واجب الرِّعاية، إلاَّ أن رعاية حال الأولاد أولى وأقوى، ثم قال: {والله عليم حليم} عليم بمن جار أو عدل في وصيته "حليم" على الجائر لا يعالجه بالعقوبة وهذا وعيدٌ.

البقاعي

تفسير : ولما كان الإرث بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده، وقدمه على الإرث بقرابة الأخوة تعريفاً بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة، وقدم منه الرجل لأنه أفضل فقال: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} وبين شرط هذا بقوله: {إن لم يكن لهن ولد} أي منكم أو من غيركم، ثم بين الحكم على التقدير الآخر فقال: {فإن كان لهن ولد} أي وارث وإن سفل سواء كان ابناً أو بنتاً {فلكم الربع مما تركن} أي تركت كل واحدة منهن، ويغسلها الزوج لأن الله أضافها إليه باسم الزوجية، والأصل الحقيقة، ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحلُّ نكاح أختها وأربع سواها، لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة، وذلك لا يمنع علقة النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل العدة لو كان الفراق بالطلاق، ثم كرر حكم الوصية اهتماماً بشأنها فقال: {من بعد وصية يوصين بها} أي الأزواج أو بعضهن، ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي أن يكون مستحضراً في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس {أو دين}. ولما بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلماً أنه على النصف مما للزوج - كما مضى في الأولاد -: {ولهن} أي عدداً كن أو لا {الربع مما تركتم} أي يشتركن فيه على السواء إن كن عدداً، وتنفرد به الواحدة إن لم يكن غيرها، ثم بين شرطه بقوله: {إن لم يكن لكم ولد} ثم بين حكم القسم الآخر بقوله: {فإن كان لكم ولد} أي وارث {فلهن الثمن مما تركتم} كما تقدم في الربع، ثم كرر الخروج عن حق الموروث فقال: {من بعد وصية توصون بها أو دين}. ولما فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل بواسطة، ولما كان قسمين، لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف، أمهم واحدة وآباؤهم شتى، وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى، وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان، وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة البنوة؛ أكدها بما يقتضيه حالها، فجعلها في قصتين، ذكر إحداهما هنا إدخالاً لها في حكم الوصية المفروضة، وختم بالأخرى السورة لأن الختام من مظنات الاهتمام. ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها، وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل، فقال تعالى: {وإن كان} أي وجد {رجل يورث} ي من ورث حال كونه {كلالة} أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد، أو يكون يورث من: أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك: لا هو ولد للميت ولا والد، ووارثه أيضاً كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد، فالمورث كلالة وارثه، والوارث كلالة مورثة؛ قال الأصبهاني: رجل كلالة، وامرأة كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر كالدلالة والوكالة، وهو بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوة من الإعياء، وقد تطلق الكلالة على القرابة من غير جهة الولد والوالد، ومنه قولهم: ما ورث المجد عن كلالة {أو} وجدت {امرأة} أي تورث كذلك، ويجوز أن يكون (يورث) صفة، و (كلالة) خبر كان {وله} خبر كان {وله} أي للمذكور وهو الموروث على أي الحالتين كان. ولما كان الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي بين الذكر والأنثى لضعفها قال {أخ أو أخت} أي من الأم - بإجماع المفسرين، وهي قراءة أبيّ وسعد بن مالك رضي الله عنهما {فلكل واحد منهما السدس} أي من تركته، من غير فضل للذكر على الأنثى. ولما أفهم ذلك - أي بتحويل العبارة المذكورة من أن يقال: فله السدس - أنهما إن كانا معاً كان لهما الثلث، وكان ذلك قد يفهم أنه إن زاد وارثه زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله: {فإن كانوا} أي ما أفهمه (أخ أو أخت) من الوراث منهم {أكثر من ذلك} أي واحد، كيف كانوا {فهم شركاء} أي بالسوية {في الثلث} أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما، لا يزادون على ذلك شيئاً، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بياناً للاهتمام بها فقال: {من بعد وصية يوصى بها أو دين}. ولما كان الميت قد يضار ورثته، أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهراً أو باطناً كأن يقر بماله لأجنبي، أو بدين لا حقيقة له، أو بدين كان له بأنه استوفاه؛ ختم الآية بالزجر عن ذلك بقوله: {غير مضار} مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقوله {أية : لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً}تفسير : [النساء: 11]؛ قال الأصبهاني: والإضرار في الوصية من الكبائر، ثم أكد ذلك بقوله مصدراً ليوصيكم: {وصية من الله} أي الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيماً للأمر باكتناف الوصية بأولها وأخرها، وهو دون الفريضة في حق الأولاد، لأن حقهم آكد. ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع، وكان ذلك خلاف مألوفهم وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة؛ اقتضى الحال الوعظ بالترغيب والترهيب، فختم القصة بقوله: {والله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال، وللإشارة إلى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة، ثم قال: {عليم} أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل، نية أو غيرها {حليم *} فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بإمهاله، فإنه إذا أخذ بعد طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم! وفي الوصفين مع التهديد استجلاب للتوبة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏ولكم نصف ما ترك أزواجكم‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يقول‏:‏ للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره، فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى فللزوج الربع مما تركت من المال من بعد وصية يوصي بها النساء أو دين عليهن - والدين قبل الوصية فيها تقديم - ‏ {‏ولهن الربع‏..‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ يعني للمرأة الربع مما ترك زوجها من الميراث إن لم يكن لزوجها الذي مات عنها ولد منها ولا من غيرها، فإن كان للرجل ولد ذكر أو أنثى فلها الثمن مما ترك الزوج من المال، وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة - والكلالة الميت الذي ليس له ولد ولا والد - ‏ {‏فإن كانوا أكثر من ذلك‏} ‏ يعني أكثر من واحد، إثنين إلى عشرة فصاعداً‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدرامي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص. أنه كان يقرأ ‏ "‏وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أم" ‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن الشعبي قال‏:‏ ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة من الأم مع الجد شيئاً قط‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏وله أخ أو أخت‏} ‏ قال‏:‏ هؤلاء الإخوة من الأم فهم شركاء في الثلث قال‏:‏ ذكرهم وأنثاهم فيه سواء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال‏:‏ قضى عمر بن الخطاب أن ميراث الإخوة من الأم بينهم الذكر فيه مثل الأنثى‏.‏ قال‏:‏ ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذه الآية التي قال الله ‏{‏فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث‏}‏‏.‏ وأخرج الحاكم عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد في أم وزوج وإخوة لأب، وأم وإخوة لأم. إن الإخوة من الأب والأم شركاء الإخوة من الأم في ثلثهم وذلك أنهم قالوا‏:‏ هم بنو أم كلهم، ولم تزدهم الأم إلا قرباً فهم شركاء في الثلث‏.‏ وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت في المشركة قال‏:‏ هبوا أن أباهم كان حماراً ما زادهم الأب إلا قرباً، وأشرك بينهم في الثلث‏.‏ ذكر الأحاديث الواردة في الفرائض أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم، وإنه ينسى، وهو أول ما ينزع من أمتي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفرائض، لا يجدان من يقضي بها ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال‏:‏ كتب عمر إلى أبي موسى‏:‏ إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ تعلموا الفرائض، واللحن، والسنة، كما تعلمون القرآن‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ تعلموا الفرائض فإنها من دينكم‏.‏ وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ من قرأ منكم القرآن فليتعلم الفرائض، فإن لقيه أعرابي قال‏:‏ يا مهاجر أتقرأ القرآن‏؟‏ فيقول‏:‏ نعم‏.‏ فيقول‏:‏ وأنا أقرأ‏.‏ فيقول الأعرابي‏:‏ أتفرض يا مهاجر‏؟‏ فإن قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ زيادة خير‏.‏ وإن قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فما فضلك عليَّ يا مهاجر‏؟‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ تعلموا الفرائض، والحج، والطلاق، فإنه من دينكم‏.‏ وأخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أَفْرَضُ أمتي زيد بن ثابت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن الزهري قال‏:‏ لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن عطاء بن يسار ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة‏.‏ فأنزل الله عليه لا ميراث لهما‏.‏ وأخرجه الحاكم موصولاً من طريق عطاء عن أبي سعيد الخدري‏.‏ وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول‏:‏ عجباً للعمة تورِث ولا ترث‏.‏ وأخرج الحاكم عن قبيصة بن ذؤيب قال‏:‏ جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت‏:‏ إن لي حقاً في ابن ابن‏.‏ أو ابن ابنة لي مات‏.‏ قال‏:‏ ما علمت لك حقاً في كتاب الله، ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً، وسأسأل‏.‏ فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس قال‏:‏ من شهد ذلك معك‏؟‏ فشهد محمد بن مسلمة، فأعطاها أبو بكر السدس‏.‏ وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت. أن عمر لما استشارهم في ميراث الجد والإخوة قال زيد‏:‏ كان رأيي أن الإخوة أولى بالميراث، وكان عمر يرى يومئذ أن الجد أولى من الإخوة، فحاورته وضربت له مثلاً، وضرب علي وابن عباس له مثلاً يومئذ‏.‏ السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد‏. وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدتين من الميراث السدس بينهما بالسوية‏.‏ وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ أول من أعال الفرائض عمر، تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً، قال‏:‏ والله ما أدري كيف أصنع بكم، والله ما أدري أيكم قدَّم الله ولا أيكم أخَّر، وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص‏.‏ ثم قال ابن عباس‏:‏ وأيم الله لو قدَّم من قدَّم الله وأخَّر من أخر الله ما عالت فريضته‏.‏ فقيل له‏:‏ وأيها قدَّم الله‏؟‏ قال‏:‏ كل فريضة لم يهبطها الله من فريضة إلا إلى فريضة‏:‏ فهذا ما قدَّم الله، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخَّر الله فالذي قدَّم كالزوجين والأم، والذي أخَّر كالأخوات والبنات‏.‏ فإذا اجتمع ‏من قدَّم الله وأخرَّ بدئ بمن قدَّم فأعطى حقه كاملاً، فإن بقي شيء كان لهن وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال‏:‏ أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في المال نصفاً وثلثاً وربعاً، إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو متُّ أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما تقول‏:‏ قال‏:‏ فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين‏.‏ ما حكم الله بما قالوا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت‏.‏ أنه أول من أعال الفرائض، وأكثر ما بلغ العول مثل ثلثي رأس الفريضة‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس. أنه كان يقول‏:‏ من شاء لاعنته عند الحجر الأسود، إن الله لم يذكر في القرآن جداً ولا جدة إن هم إلا الآباء، ثم تلا ‏{أية : ‏واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب‏}‏ ‏تفسير : [‏يوسف: 38‏]‏‏. وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال‏:‏ أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد‏. ‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن علي قال‏:‏ من سرَّه أن يتقحَّم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة‏. وأخرج مالك والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الله بن مغفل قال‏:‏ ما أحدث في الإسلام قضاء بعد قضاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعجب إليَّ من قضاء معاوية، إنا نرثهم ولا يرثونا، كما أن النكاح يحل لنا فيهم ولا يحلُّ لهم فينا‏. ‏وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ليس للقاتل من الميراث شيء ‏"‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏غير مضار‏} ‏ الآية‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار‏} ‏ يعني من غير ضرار لا يقر بحق ليس عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضار للورثة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏غير مضار‏}‏ قال‏:‏ في الميراث لأهله‏.‏ وأخرج النسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ ‏ {‏غير مضار‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : الأضرار في الوصية من الكبائر‏ .‏ تفسير : وأخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص‏ ‏"حديث : ‏أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال‏:‏ يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بالثلثين‏؟‏ قال‏: لا‏.‏ قال‏:‏ فالشطر‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فالثلث‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال‏:‏ إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال‏:‏ وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : الثلث كثير ‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ ذكر عند عمر الثلث في الوصية قال‏:‏ الثلث وسط، لا بخس ولا شطط‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصي بالثلث لم يترك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يقولون‏:‏ الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كان يقال‏:‏ السدس خير من الثلث في الوصية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال‏:‏ من أوصى بوصية لم يحف فيها ولم يضار أحداً كان له من الأجر ما لو تصدق في حياته في صحته‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ كانوا يكرهون أن يموت الرجل قبل أن يوصي، قبل أن تنزل المواريث‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ} من المال. شروعٌ في بـيان أحكامِ القِسمِ الثاني من الورثة، ووجهُ تقديمِ حكمِ ميراثِ الرجالِ مما لا حاجة إلى ذكره {إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ} أي ولدٌ وارثٌ من بطنها أو من صُلْب بنيها أو بني بنيها وإن سفَلَ ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً لأن لفظ الولدِ ينتظِمُ الجميعَ منكم أو من غيركم، والباقي لورثتهن من ذوي الفروضِ والعِصاباتِ أو غيرِهم، ولبـيت المالِ إن لم يكن لهن وارثٌ آخرُ أصلاً {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} على نحو ما فُصِّل والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذِكرَ تقديرِ عدمِ الولدِ وبـيانِ حكمِه مستتبِعٌ لتقدير وجودِه وبـيانِ حكمِه {فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} من المال والباقي لباقي الورثةِ {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ} متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده {يُوصِينَ بِهَا} في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لوصيةٍ، وفائدتُها ما مر من ترغيب الميتِ في الوصية وحثِّ الورثةِ على تنفيذها {أَوْ دَيْنٍ} عطفٌ على وصيةٍ سواءٌ كان ثبوتُه بالبـينة أو بالإقرار، وإيثارُ {أَوْ} على الواو لما مر من الدِلالة على تساويهما في الوجوب والتقدمِ على القسمة، وكذا تقديمُ الوصيةِ على الدين ذِكْراً من إبراز كمالِ العنايةِ بتنفيذها {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} على التفصيل المذكورِ آنفاً والباقي لبقية ورثتِكم من أصحاب الفروضِ والعصباتِ أو ذوي الأرحامِ أو لبـيت المالِ إن لم يكن لكم وارثٌ آخرُ أصلاً {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ} على النحو الذي فُصل {فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} من المال والباقي للباقين {مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} الكلامُ فيه كما فُصِّل في نظيرَيْه، فُرض للرجل بحق الزواجِ ضعفُ ما فرض للمرأة كما في النسب لمزيَّته عليها وشرفِه الظاهِرِ، ولذلك اختُص بتشريف الخطابِ، وهكذا قياسُ كلِّ رجلٍ وامرأةٍ اشتركا في الجهة والقُرب، ولا يستثنى منه إلا أولادُ الأمِّ والمُعتِقُ والمعتقةُ، وتستوي الواحدةُ والعددُ منهن في الربع والثمن. {وَإِن كَانَ رَجُلٌ} شروع في بـيان أحكامِ القسمِ الثالثِ من الورثة المحتمِلِ للسقوط، ووجهُ تأخيرِه عن الأولَيْن بـيِّنٌ، والمرادُ بالرجل الميتُ وقوله تعالى: {يُورَثُ} على البناء للمفعول من ورِث لا من أَوْرث، خبر كان أي يورث منه {كَلَـٰلَةً} الكلالةُ في الأصل مصدرٌ بمعنى الكَلالِ وهو ذهابُ القوةِ من الإعياء، استُعيرت للقرابة من غير جهة الوالدِ والولدِ لضَعفهما بالإضافة إلى قرابتهما، وتُطلق على من لم يخلِّفْ ولداً ولا والداً وعلى مَن ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة، كما تطلق القَرابةُ على ذوي القرابة، وقد جُوِّز كونُها صفةً كالهَجاجَة والفَقَاقة للأحمق، فنصبُها إما على أنها مفعولٌ له أي يورثُ منه لأجل القرابةِ المذكورةِ أو على أنها حالٌ من ضمير يورث أي حالَ كونِه ذا كلالةٍ أو على أنها خبرٌ لكان ويورث صفةٌ لرجل أي إن كان رجلٌ موروثٌ ذا كلالةٍ ليس له والدٌ ولا ولدٌ وقرىء يُورِّثُ على البناء للفاعل مخففاً ومشدداً، فانتصابُ كلالةً إما على أنها حالٌ من ضمير الفعلِ والمفعولُ محذوفٌ أي يُورِثُ وارثَه حال كونِه ذا كلالةً وإما على أنها مفعولٌ به أي يورِّث ذا كلالةً وإما على أنه مفعولٌ له أي يورَث لأجل الكلالة {أَو ٱمْرَأَةٌ} عطف على رجلٌ مقيدٌ بما قُيِّد به أي أو امرأةٌ تورث كذلك، ولعل فَصْلَ ذكرِها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالتِه في الأحكام {وَلَهُ} أي للرجل ففيه تأكيدٌ للإيذان المذكورِ حيث لم يتعرَّضْ لها بعد جَرَيانِ ذكرِها أيضاً، وقيل: الضميرُ لكل منهما {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي من الأم فحسب وقد قرىء كذلك فإن أحكامَ بني الأعيانِ والعَلاّتِ هي التي ذُكرت في آخر السورةِ الكريمةِ والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير يورَث أو من رجلٌ على تقدير كونِ {يُورَثُ} صفةً، وسيقت لتصوير المسألةِ، وذكرُ الكَلالةِ لتحقيق جريانِ الحكمِ المذكورِ وإن كان مع مَنْ ذُكر ورَثةٌ أخرى بطريق الكلالة، وأما جرَيانُه في صورة وجودِ الأمِّ أو الجدةِ مع أن قرابتَهما ليست بطريق الكَلالة فبإجماعٍ {فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا} من الأخ والأختِ {ٱلسُّدُسُ} من غير تفضيلٍ للذكر على الأنثى لأن الإدلأَ إلى الميت بمحض الأنوثة. {فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ} أي أكثرَ من الأخ أو الأختِ المنفردَيْن بواحد أو بأكثرَ، والفاءُ لما مر أن ذكرَ احتمالِ الانفرادِ مستتبِعٌ لذكر احتمالِ التعدد {فَهُمْ شُرَكَاء فِى ٱلثُّلُثِ} يقتسمونه بالسوية والباقي لبقية الورثةِ من أصحاب الفروضِ والعَصَباتِ. هذا وأما جوازُ أن يكون يُورَث في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث ــ على أن المرادَ به الوراثُ، والمعنى وإن كان رجلٌ يجعل وارثاً لأجل الكلالةِ أو ذا كلالةٍ أي غيرَ والدٍ أو ولدٍ، ولذلك الوارث أخٌ أو أختٌ فلكل واحدٍ من ذلك الوارثِ وأخيه أو أختِه السدسُ فإن كانوا أكثرَ من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثةً أو أكثرَ فهم شركاءُ في الثلث المُوزَّعِ للاثنين لا يزاد عليه شيءٌ ــ فبمعزل من السَّداد، أما أولاً: فلأن المعتبرَ على ذلك التقديرِ إنما هو الأخوةُ بـين الوارثِ وبـين شريكِه في الإرث من أخيه أو أختِه لا ما بـينه وبـين مورِّثه من الأخوة التي عليها يترتبُ حكمُ الإرثِ وبها يتِمُّ تصويرُ المسألةِ، وإنما المعتبرُ بـينهما الوراثةُ بطريق الكلالةِ وهي عامةٌ لجميع صورِ القَراباتِ التي لا تكون بالولادة فلا يكون نصيبُه ولا نصيبُ شريكِه مما ذكر بعينه، ومن ادَّعى اختصاصَها بالإخوة لأمَ متمسكاً بالإجماع على أن المرادَ بالكلالة هٰهنا أولادُ الأمِّ فقد اعترف ببطلان رأيه من حيث لا يحتسب، كيف لا ومبناه إنما هو الإجماعُ على أن المرادَ بالإخوة في قوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} هو الإخوةُ لأم خاصةً حسبما شهِدت به القراءةُ المحْكيةُ والآيةُ الآتيةُ في آخر السورةِ الكريمةِ، ولولا أن الرجلَ عبارةٌ عن الميت والأُخوّةُ معتبرةٌ بـينه وبـين ورثتِه لما أمكن كونُ الكلِّ أولادَ الأمِّ، ثم إن الكلالةَ كما نبّهتُ عليه باقيةٌ على إطلاقها ليس فيها شائبةُ اختصاصٍ بأولاد الأمِّ فضلاً عن الإجماع على ذلك، وإلا لاقتصر البـيانُ على حكم صورةِ انحصارِ الورثةِ فيهم، وإنما الإجماعُ فيما ذكر من أن المرادَ بالأخ والأختِ مَنْ كان لأمَ خاصةً، وأنت خبـير بأن ذلك في قوة الإجماعِ على أن يُورَثَ من ورِث لا من أَورَثَ فتدبر، وأما ثانياً: فلأنه يقتضي أن يكون المعتبرُ في استحقاق الورثةِ في الفرض المذكورِ إخوةً بعضَهم لبعض من جهة الأمِّ فقط لما ذُكر من الإجماع مع ثبوت الاستحقاقِ على تقدير الأُخوةِ من الجهتين، وأما ثالثاً: فلأن حُكمَ صورةِ انفرادِ الوارثِ عن الأخ والأختِ يبقى حينئذ غيرَ مُبـيِّنٍ، وليس من ضرورة كونِ حظِّ كلَ منهما السدسَ عند الإجماع كونُه كذلك عند الانفراد، ألا يرى أن حظ كلَ من الأختين الثلثُ عند الاجتماعِ والنصفُ عند الانفراد؟ وأما رابعاً: فلأن تخصيصَ أحدِ الورثةِ بالتوريث وجعلَ غيرِه تبعاً له فيه مع اتحادِ الكلِّ في الإدلاءِ إلى المُورِّث مما لا عهدَ به. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} الكلامُ فيه كالذي مر في نظائره خلا أن الدَيْن هٰهنا موصوفٌ بوصف الوصيةِ جرياً على قاعدة تقيـيدِ المعطوفِ مما قُيِّد به المعطوفُ عليه لاتفاق الجمهورِ على اعتبار عدمِ المُضارَّةِ فيه أيضاً وذلك إنما يتحقق فيما يكون ثبوتُه بالإقرار في المرض، كأنه قيل أو دينٍ يوصىٰ به {غَيْرَ مُضَارّ} حال من فاعل فعلٍ مُضمر يدل عليه المذكورُ وما حُذف من المعطوف اعتماداً عليه كما أنّ رجالٌ في قوله تعالى: {أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلآصَالِ رِجَالٌ } تفسير : [النور، الآية 36، 37] على قراءة المبنيِّ للمفعول فاعل لفعل ينبىء عنه المذكورُ ومن فاعل الفعلِ المذكورِ والمحذوفِ اكتفاءً به على قراءة البناءِ للفاعل، أي يوصىٰ بما ذكر من الوصية والدَّيْن حالَ كونِه غيرَ مضارَ للورثة، أي بأن يوصيَ بما زاد على الثلث أو تكونُ الوصية لقصد الإضرارِ بهم دون القُربةِ وبأن يُقِرَّ في المرض بدَين كاذباً، وتخصيصُ هذا القيدِ بهذا المقام لما أن الورثةَ مَظِنةٌ لتفريط الميتِ في حقهم {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدرٌ مؤكدٌ لفعل محذوفٍ وتنوينُه للتفخيم، ومن متعلقةٌ بمضمر وقع صفةً له مؤكدةً لفخامته الذاتية بالفخامة الإضافية، أي يوصيكم بذلك وصيةً كائنةً من الله كقوله تعالى: {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء، الآية 11. وسورة التوبة، 60] ولعل السرَّ في تخصيص كلَ منهما بمحله الإشعارُ بما بـين الأحكامِ المتعلقةِ بالأصول والفروعِ وبـين الأحكامِ المتعلّقةِ بغيرهم من التفاوت حسب تفاوُتِ الفريضةِ والوصية وإن كانت كلتاهما واجبة المراعاةِ، أو منصوبٌ بغيرَ مُضارَ على أنه مفعولٌ به فإنه اسمُ فاعلٍ معتمدٍ على ذي الحالِ، أو منفيٌّ معنىً فيعمل في المفعول الصريحِ، ويعضُده القراءةُ بالإضافة أي غيرَ مضارٍ لوصية اللَّهِ، وعهدُه لا في شأن الأولادِ فقط كما قيل إذ لا تعلقَ لهم بالمقام بل في شأن الورثةِ المذكورةِ هٰهنا، فإن الأحكامَ المفصَّلةَ كلَّها مندرجةٌ تحت قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ}[النساء، الآية 11] جاريةٌ مَجرى تفسيرِه وبـيانه، ومُضارّتُها الإخلالُ بحقوقهم ونقصُها بما ذُكر من الوصية بما زاد على الثلث والوصيةِ لقصد الإضرارِ دون القُربةِ والإقرارِ بالدين كاذباً، وإيقاعُها على الوصية مع أنها واقعةٌ على الورثة حقيقةً كما في قوله: شعر : يا سارقَ اللَّيلةِ أهلَ الدارِ تفسير : للمبالغة في الزجر عنها بإخراجها مُخرجَ مُضارَّةِ أمرِ اللَّهِ تعالى ومضادَّتهِ، وجعلُ الوصيةِ عبارةً عن الوصية بالثلث فما دونه يقتضي أن يكونَ (غيرَ مضارَ) حالاً من ضمير الفعلِ المتعلقِ بالوصية فقط وذلك يؤدي إلى الفصل بـين الحالِ وعاملِها بأجنبـيٍّ هو المعطوفُ على وصية مع أنه لا تنحسِمُ به مادةُ المُضارّةِ لبقاء الإقرارِ بالدين عن إطلاقه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بالمُضارِّ وغيرِه {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة فلا يَغترَّ بالإمهال، وإيرادُ الاسمِ الجليلِ مع كفاية الإضمارِ لإدخال الروعةِ وتربـيةِ المهابة.

القشيري

تفسير : الإشارة في ثبوت الميراث للأقربين من الورثة بالنَّسب؛ والسبب أنَّ الميت إذا مات تحمَّل القريبُ أحزانَه فعوَّض اللهُ الوارثَ على ما يقاسيه ويخامر قلبه من التوجُّع مالَ الموروث.. وكذا سُنَّهُ - سبحانه - التعويضُ على مقاساة الأذى - جوداً منه لا وجوباً عليه - كما توهَّم قوم. وكلُّ مَنْ كان أقربَ نسباً أو أقوى سبباً من الميت كان أكثر استحقاقاً لميراثه، وفي معناه أنشدوا: شعر : وما بات مطوياً على أريحية (.... ...) عقب النوى موت الفتى ظل مغرما

اسماعيل حقي

تفسير : {ولكم نصف ما ترك ازواجكم} من المال اذا متن وبقيتم بعدهن {ان لم يكن لهن ولد} اى ولد وارث من بطنها او من صلب بنيها او بنى بنيها وان سفل ذكرا كان او انثى واحدا كان او متعددا منكم او من غيركم والباقى لورثتهن من ذوى الفروض والعصبات او غيرهم او لبيت المال ان لم يكن لهن وارث آخر اصلا {فان كان لهن ولد} على نحو ما فصل {فلكم الربع مما تركن} اى تركت ازواجكم من المال والباقى لباقى الورثة {من بعد وصية} متعلق بكلتا الصورتين الا بما يليه وحده {يوصين بها او} من بعد قضاء {دين} سواء كان ثبوته بالبينة او بالاقرار {ولهن الربع مما تركتم} ان متم وبقين بعدكم {ان لم يكن لكم ولد} ذكر او انثى منهن او من غيرهن اوولد ابن والباقى لبقية وراثتكم من اصحاب الفروض والعصبات او ذوى الارحام او لبيت المال ان لم يكن لكم وارث آخر اصلا {فان كان لكم ولد} على التفصيل المذكور {فلهن الثمن مما تركتم} من المال والباقى للباقين {من بعد وصية توصون بها او دين} اى بعد اخراج الوصية وقضاء الدين هذا كله اذا لم يمنع مانع من الموانع الاربعة كقتل واختلاف دين ورق واختلاف دار {وان كان رجل} اى ذكر ميت {يورث} اى يورث منه من ورث لا من اورث صفة رجل {كلالة} خبر كان اى من لا ولد له ولا والد وهى فى الاصل مصدر بمعنى الكلال وهو الاعياء فى التكلم ونقصان القوة فيه فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لضعفها بالنسبة الى القرابة من جهتهما {او امرأة} عطف على رجل مقيد بما قيد به اى ان كان الميت انثى يورث منها كلالة {وله} اى وللميت الموروث منه سواء كان رجلا او امرأة {اخ او اخت} كلاهما من الام بالاجماع لان حكم غيرهما سيبين فى آخر السورة {فلكل واحد منهما} اى اى من الاخ والاخت من الام {السدس} من غير تفضيل للذكر على الانثى لان الادلاء الى الميت بمحض الانوثة {فان كانوا} اى اولاد الام {اكثر} فى الوجود {من ذلك} اى من الاخ او الاخت المنفردين بواحد او اكثر {فهم شركاء فى الثلث} يقتسمونه بالسوية لا يزيد نصيب ذكرهم على انثاهم والباقى لبقية الورثة من اصحاب الفروض والعصبات {من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار} قوله غير مضار نصب حالا من فاعل يوصى المقدر المدلول عليه بقوله يوصى على البناء للمفعول اى يوصى الميت بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مدخل الضرر علىالورثة بما زاد على الثلث او تكون الوصية لقصد الاضرار بهم وبان يقر فى المرض بدين كاذبا {وصية من الله} اى يوصيكم الله وصية بها لا يجوز تغيرها قال عليه السلام "حديث : من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة " .تفسير : {والله عليم} بالمضار وغيره {حليم} لا يعاجل بالعقوبة فلا يغتر بالامهال.

ابن عجيبة

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ...} يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولكم} أيها الأزواج، من ميراث أزواجكم {نصف} ما تركن {إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد} وارث، ذكرًا أو أنثى، مفردًا أو متعددًا، من بطنها أو من صلب بنيها أو بني بنيها وإن سفل، منكم أو من غيركم، {فلكم الربع مما تركن}، بعد قضاء الدين وإخراج الوصية. {ولهن} أي: الزوجات من ميراث الزوج {الربع} مما ترك {إن لم يكن} له ولد لا حق، ذكرًا أو أنثى، على وزان ما تقدم في الزوجة، {فإن كان لكم ولد فلهن الثمن} تنفرد به إن كانت واحدة، ويُقسم بينهن إن تعددن، ولا ينقص لأهل السهام مما فرض الله لهم إلا ما نقصه العَوْل على مذهب الجمهور، خلافًا لابن عباس، فإنه لا يقول بالعول. فإن قيل: لِمَ كرر قوله: {من بعد وصية} مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم يذكره قبل ذلك إلا مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين؟ فالجواب: أن الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، فكل واحدة قضية مستقلة، فلذلك ذكر مع كل واحدة، بخلاف الأول؛ فأن الموروث فيه واحد، ذكرَ حكم ما يرث منه أولاده وأبواه، وهي قضية واحدة، فلذلك قال فيه: {من بعد وصية} مرة واحدة. قاله ابن جزي. قال البيضاوي: فرض للرجل بحق الزواج ضِعف ما للمرأة كما في النسب، وهكذا قياس كل رجل وامرأة، إذا اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة. هـ. الأشارة: إذا ماتت النفس، ولم تبق لها بقية، وورثت الروحُ ما كان لها من العلوم الكسبية: النقلية والعقلية، وأضافته إلى مَالهَا من العلوم الوهبية، فانقلب الجميع وهبيًا، قال بعض شيوخ أشياخنا: (كنت أعرف أربعة عشر علمًا، فلما دخلت علم الحقيقة شرطت ذلك كله، فلم يبقى إلا الكتاب والسنة)، أو كما قال: وقال أبو سليمان الداراني: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام، جالت في الملكوت، ثم عادت إلى صاحبها بطرائف العلوم، من غير أن يؤدي إليها عالمٌ علمًا. فإن بقي للنفس بقية، نقص ميراث الروح منها، بقدر البقية، كما أن الزوج ينقص ميراثه مع الفرع، وكذلك إذا ماتت الروح بالرجوع عن طريق الجِد، ورثت النفسُ ما كان لها من العلوم الوهبية، والمعاني والأسرار القدسية، فتأكلها، وتردها نقلية حسية، بعد أن كانت وهبية ذوقية، فتتحسس المعاني، وتتكثف الأواني. والعياذ بالله من السلب بعد العطاء، إلا أن ميراث النفس من الروح أقوى، فإن بقي للروح شيء من الحياة، نقص ميراث النفس منها، كنقص الزوجة مع الفرع من ميراث الزوج، والله تعالى أعلم. ثم ذكر ميراث الأخ للأخ، فقال: {...وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} قلت: الكلالة: انقطاع النسل، بحيث لم يبقى للميت فرع ولا أصل، لا ذكر ولا أنثى، وهو مصدر من تَكَلَّلهُ النسبُ، إذا أحاط به كالإكليل، لأن ورثته أحاطوا به ولَيْسوا منه. ونظم بعضهم معنى الكلالة، فقال: شعر : إن امرؤٌ يَسْأَلُ عن كَلاَلَة هو انْقِطاعُ النَّسْلِ لآ مَحَاله لا والدُ يَبْقَى ولا مولوُد قدْ هَلَكَ الأبْنَاءُ والجُدُود تفسير : فتحتمل أن تطلق هنا على الميت، أو على الورثة، أو على الوراثة، أو على القرابة أو على المال. فإن كانت على الميت، فإعرابه خبر كان، و {يورث} صفة، أو {يورث} خبر كان، و {كلالة} حال من الضمير في {يورث}، أو "كان" تامة، و {يورث} صفة و {كلالة} حال من الضمير. وإن كانت على الورثة، فهو خبر كان، على حذف مضاف؛ أي: ذا كلالة، وإن كانت الوِرَاثة فهو مصدر في موضع الحال، وإن كانت القرابة، فهو مفعول من أجله، أي: يورث من أجل القرابة. وإن كانت للمال، فهو مفعول ثانِ ليورث، وكل من هذه يحتمل أن تكون "كان" تامة أو ناقصة. قاله ابن جزي. و {غير مضار}، منصوب على الحال، أو العامل فيه {يوصى}، و {مضار} أسم فاعل، ووصية: مصدر ليوصي، أو مفعول {مضار} . يقول الحقّ جلّ جلاله: وإن كان الميث رجلاً أو امرأة، يُورثان كلالة، بحيث لا فرع لهما ولا أصل، قد انقطع عمود نسبهما، ولهما أخ أو أخت لأم {فلكل واحد منهما السدس}. {فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}، الذكر والأنثى سواء، لأن الإدلاء للميت بمحض الأنوثة، ومفهوم الآية: أنهما لا يرثان مع الأم والجدة، كما لا يرثان مع البنت وبنت الابن، إذ ليس حينئذٍ بكلالة، وإنما قيدنا الأخ والأخت بكونهما للأم لأن الأخ الشقيق أو للأب سيأتي في آخر السورة. والأخت تقدم أنَّ لها النصف، وأيضًا: قد قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود،: " وله أخ أو أخت لأم". وهذا كله {من بعد وصية يوصى بها أو دين} حال كونه {غير مُضارٍ} في الوصية أو الدين، كالوصية بأكثر من الثلث، أو للوارث، أو فِرارًا منه، فإن عُلِم أنه قصد الإضرار، رد ما زاد على الثلث، واختلف في رد الثلث على قولين. قاله ابن جزي. {وصيًة من الله}، أي: نوصيكم وصية، أو غير مضار وصية من الله. قال ابن عباس: (الإضرار في الوصية من الكبائر). {والله عليم} بمصالح عباده، يقسم المال على حسب المصلحة، {حليم} لا يعاجل بالعقوبة من خالف حدوده. الإشارة: اعلم أن الأخوة في الشيخ كالأخوة في النسب، لأنهم يرضعون من ثدي واحدة ولبن واحد، فإن مات أحدهم، ورث أخوه المدد الذي كان يأخذه من شيخه، وكذا إذا رجع ـ فإنه موت ـ فينقلب المدد إلى أخيه، ومثاله كماء فُرِّقَ على قواديس، فإذا انسدت إحدى القواديس رجع الماء إلى الأخرى، فإن كانوا أكثر من واحد فهم شركاء في ذلك المدد، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : قوله: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} لا خلاف أن للزوج نصف ما تترك الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فان كان لها ولد فله الربع أيضاً بلا خلاف سواء كان الولد منه أو من غيره، وإن كان ولد لا يرث لكونه مملوكا، أو كافراً، أو قاتلا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوه كعدمه. وكذلك حكم الزوجة، لها الربع إذا لم يكن للزوج ولد، على ما قلناه في الزوجة سواء، فان كان له ولد، كان لها الثمن، وما تستحقه الزوجة إن كانت واحدة فهو لها، وإن كن اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً لم يكن لهن أكثر من ذلك بلا خلاف، ولا يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الأحوال، ولا الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه، ولا يدخل عليهما النقصان، وكذلك الأبوان لا ينقصان في حال من الأحوال من السدسين، لأن العول عندنا باطل على ما بيناه في مسائل الخلاف. وكل من ذكر الله له فرضاً، فانما يستحقه إذا أخرج من التركة الكفن، والدين، والوصية، فان استغرق الدين المال لم تنفذ الوصية، ولا ميراث، وإن بقي نفذت الوصية، ما لم تزد على ثلث ما يبقي بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث. وقوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت} يعني من الأم، بلا خلاف. الاعراب: "وكلالة" نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتكون كان تامة، وتقديره: يورث متكلل النسب كلالة. والثاني - بأن يكون خبر كان، ذكره الرماني، والبلخي، وتقديره {فإن كان} {رجل} إسم كان ويورث: صفته. وكلالة خبره. والأول هو الوجه، لأن {يورث} هو الذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، بخلاف من يورث ميراث الصلب، ويورث كلالة عصبة وغير عصبة. المعنى: واختلفوا في معنى الكلالة، فقال أبو بكر وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن اسحاق: هو ما عدا الوالد والولد. وروي عن ابن عباس في رواية أخرى، أن الكلالة ما عدا الولد، وورّث الاخوة من الأم السدس مع الأبوين، وهذا خلاف إجماع أهل الاعصار. وقال ابن زيد: الميت يسمى كلالة. وقال جابر، وابن زيد: من عدا الوالد والولد من الورثة يسمى كلالة، فعلى هذا يسمى الزوج والزوجة كلالة، وقال قوم: الكلالة هو الميت الذي لا ولد له، ولا والد. وعندنا أن الكلالة هم الاخوة والأخوات، فمن ذكر في هذه الآية هو من كان من قبل الأم، ومن ذكر في آخر السورة فهو من قبل الأب والأم، أو من قبل الأب. اللغة: وأصل الكلالة: الاحاطة، فمنه الاكليل، لاحاطته بالرأس، ومنه الكل لاحاطته بالعدد، والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هو الولد والوالد، ومنه الكلال، لأنه تعب قد أحاط. وقال أبو مسلم: أصلها من كلّ إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بُعدٍ على كلال وإعياء. وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذاً من الكلالة، وهي مصدر الأكل، وهو الظهر، وقال: قرأت على أبي أسامة في كتاب الجيم، لأبي عمرو الشيباني: تقول العرب: ولاني فلان أكله على وزن أظله، أي: ولاني ظهره، قال وهذا الاسم تعرفه العرب، وتخبر به عن جملة النسب والوراثة، قال عامر بن الطفيل: شعر : وأني وان كنت ابن فارس عامر وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني عامر عن كلالة أبى الله ان أسمو بأم ولا أب تفسير : هكذا أنشده الرازي في كتابه، وينشد عن وراثة. وقال زياد بن زيد العذري: شعر : ولم أرث المجد التليد كلالة ولم يأن مني فترة لعقيب تفسير : والكل الثقل، ويقولون لابن الأخ ومن يجري مجراه، ممن يعال على وجه التبرع: هذا كلي، ومن قال: إن الأب لا يدخل في الكلالة استدل بقول الشاعر: شعر : فان أبا المرء أحمى له ومولى الكلالة لا يغضب تفسير : فأفرد الأب من الكلالة. ولا خلاف أن الاخوة والأخوات من الأم يتساوون في الميراث. الاعراب: وقوله: {وصية} نصب على المصدر بقوله: {يوصيكم الله} وصية وقال الفراء: نصب بقوله: {فلكل واحد منهما السدس} وصية كما نقول: لك درهمان نفقة إنى أهلك، والأول أعم فائدة، وأولى. وقوله: {والله عليم حليم} معناه ها هنا: عليم بمصالح خلقه، حليم بامهال من يعصيه، فلا يغتر مغتر بامهاله. وقوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} ثم قال: {وله أخ أو أخت} ولم يقل: لهما، كما تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، ويجوز: فليصلها، ويجوز: فليصلهما، فالاول يردّ الكناية إلى الأخ، والثاني على الاخت، والثالث عليهما، كل ذلك حسن. وقوله: {غير مضار} نصب على الحال، يعني: يوصي بذلك غير مضار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصباً على أنه مفعول به. وحكى البلخي عن أبي عبيدة، وذكره الزجاج: {يورث} بكسر الراء، قال: ومعناه من ليس بولد ولا والد، ومن نصب الراء أراد المصدر. المعنى: ومسائل المواريث وفروعها بسطناها في النهاية والمبسوط، وأوجزناها في الايجاز، في الفرائض، لا نطول بذكرها في الكتاب، غير أنا نعقد ها هنا جملة تدل على المذهب فنقول: الميراث يستحق بشيئين: نسب وسبب، فالسبب الزوجية، والولاء، والولاء على ثلاثة أقسام: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة، ولا يستحق الميراث بالولاء إلا مع عدم ذوي الانساب. والميراث بالزوجية ثابت مع جميع الورّاث، سواء ورثوا بالفرض أو بالقرابة، ولا ينقص الزوج عن الربع في حال، ولا يزاد على النصف، والزوجة لا تزاد على الربع، ولا تنقص من الثمن على وجه. والميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض، والقرابة، فالميراث بالفرض لا يجتمع فيه إلا من كانت قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع الوالدين أو أحدهما، فانه متى انفرد واحد منهم أخذ المال كله، بعضه بالفرض، والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ما سمي له، والباقي يرد عليهم، إن فضل. على قدر سهامهم، وان نقص، لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات، دون الأبوين، أو أحدهما، ودون الزوج والزوجة. ولا يجتمع مع الاولاد، ولا مع الوالدين، ولا مع أحدهما أحد ممن يتقرب لهما، كالكلالتين فانهما لا تجتمعان مع الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، ولا مع الوالدين، ولا مع أحدهما أباً كان أو أماً، بل تجتمع كلالة الأب وكلالة الأم، فكلالة الأم إن كان واحداً كان له السدس، وإن كانا إثنين فصاعداً كان لهم الثلث، لا ينقصون منه، والباقي لكلالة الأب، فان زاحمهم الزوج أو الزوجة دخل النقص على كلالة الأب دون كلالة الأم، ولا تجتمع كلالة الأب والأم مع كلاله الأب خاصة، فان اجتمعا كان المال لكلالة الأب والأم، دون كلالة الأب، ذكراً كان أو أنثى، أو ذكوراً، أو أناثاً، أو ذكوراً وأناثاً ومن يورّث بالقرابة دون الفرض لا يجتمع إلا [مع] من كانت قرباه واحدة، وأسبابه ودرجته متساوية، فعلى هذا لا يجتمع مع الولد للصلب ولد الولد، ذكراً كان ولد الصلب أو أنثى، لأنه أقرب بدرجة، وكذلك لا يجتمع مع الأبوين ولا مع أحدهما من يتقرب بهما من الاخوة والأخوات، والجد والجدة على حال، ولا يجتمع الجد والجدة مع الولد للصلب، ولا مع ولد الولد وإن نزلوا، ويجتمع الأبوان مع ولد الولد وإن نزلوا، لأنهم بمنزلة الولد للصلب، إذا لم يكن ولد الصلب، والجد والجدة يجتمعان مع الاخوة والأخوات، لأنهم في درجة واحدة والجد من قبل الأب بمنزلة الاخ من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الأخت من قبله، والجد من قبل الأم بمنزلة الأخ من قبلها، والجدة من قبلها بمنزلة الأخت من قبلها، وأولاد الاخوة والأخوات يقاسمون الجد والجدة، لأنهم بمنزلة آبائهم، ولا يجتمع مع الجد والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة، والخال والخالة، ولا الجد الاعلى، ولا الجدة العليا، وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لا تنحصر، وفيما ذكرناه تنبيه على مالم نذكره. وأما المسائل التي اختلف قول الصحابة فيها، فقد ذكرناها في خلاف الفقهاء، فلا وجه لذكرها ها هنا، لأنه يطول به الكتاب.

الجنابذي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} والمراد بها هنا الاخوة والاخوات من جهة الامّ خاصّة وللآية وجوه عديدة بحسب الاعراب والمعنى لا يتغيّر المقصود بها {أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} بالزّيادة على الثّلث او بقصد الاضرار بالاقرار على الوارث يوصيكم {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} فلا تخالفوه {حَلِيمٌ} فلا تغترّوا بعدم تعجيل مؤاخذته واحذروا فى العاقبة من معاقبته.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ}. أو ولد ابن. وولد البنات لا يرثون شيئاً ولا يحجبون [وارثاً] {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} ذكر أو أنثى {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وهي مثل الأولى. {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ} أو ولد ولد {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} وإن ترك رجل امرأَةً أو امرأتين أو ثلاثاً وأربعاً، فالربع بينهن سواء، إذا لم يكن له ولد أو ولد ولد، فإن كان له ولد، أو ولد ولد، ذكر أو أنثى، فالثمن بينهن سواء. {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وهي مثل الأولى. {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} من الأم {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}. ذكروا أنهم الإِخوة من الأم؛ فإن كان واحداً فله السدس، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث. ذكرهم وأنثاهم فيه سواء. ذكر بعض المفسّرين قال: الكلالة الذي لا ولد له ولا والد ولا جد. ذكروا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: إلا إن هذه الآية التي في أوّل سورة النساء من شأن الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد، والآية التي بعدها أنزلها الله في الزوج والزوجة، والآية التي بعدها في الاخوة من الأم، والآية التي أنزلها الله في آخر النساء أنزلها في الاخوة من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، يعني قوله: (أية : وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ) تفسير : [الأنفال:75] مما جرّت الرحم من العصبة. قوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} قد فسّرناه في الآية الأولى. قوله: {غَيْرَ مُضَارٍّ} أي: في الميراث أهله. يقول: لا يقرّ بحق ليس عليه، ولا يوصي بأكثر من الثلث مضارة لهم. قوله: {وَصِيَّةً مِّنَ اللهِ} أي تلك القسمة، {وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ}: ذكر أو أنثى، منكم أو من غيركم، من بطنها أو من صلب ابنها أو ابن ابنها وإن سفل كان يرثها وإلا فللزوج النصف، ولو كان مثل أن يكون مشركاً أو عبداً أو قاتلالها. {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ}: وارث على حد ما ذكر من التعميم. {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وقال ابن مسعود: الولد الذى لا يورث لا يحجب الزوج إلى الربع، ولا الزوجة إلى الثمن، ولا يحجب غيرها أيضاً حجب حرمان أو نقص. {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ}: وارث على التعميم المذكور، وعلى خلاف ابن مسعود. {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ}: كذلك. {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}: فرض للزوج بحق الزواج نصف مال الزوجة منه، وهكذا للذكر نصف الأنثى التى معه فى الجهة والقرب، إلا ولد الأم أو لمسألة المشتركة، قيل: والمعتق والمعتقة، فإن حظ المعتق عبداً، أو حظ المعتقة إذا أعتقت عبداً سواء على قول غيرنا فى توريثهما الكل، إن لم يترك العبد وارثاً فى العصبة إن ترك وارثاً، وأما إذا اشتكا فى العتق فيقدر ملكها فيه، وكذا أبو نوح يورث للمعتق أو المعتقة الكل إذا لم يكن وارث ولا عاصب ولا رحم، وإن كان فلا شىء المعتق او المعتقة، وإذا مات الرجل عن زوجتين أو عن ثلاث أو أربع قسمن الثمن أو الربع. {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ}: جملة يورث نعت لرجل، وكلالة خبر كان، وامرأة معطوف على رجل، ونعته محذوف، والمعطوف على الخبر محذوف، أى أو امرأة تورث كلالة، أى أو كانت امرأة تروث كلالة، و يجوز عطف امرأة على رجل بلا تقدير عطف خبر محذوف، فلو رد الخبر لأن الكلالة يطلق على الواحد فصاعداً، ولأن العطف بأو ويجوز، والكلالة من الرجال والنساء من لا ولد له ولا والد، أى: وإن كان الرجل الموروث، أو المرأة الموروثة لم يترك ولداً ولا والدا، هذا قول أكثر الصحابة، ومنهم على وابن مسعود وابن عباس وعمر وزيد ابن ثابت وعطاء والضحاك وأبو بكر، و هذا هو الصحيح، ويدل له حديث جابر المذكور عند قوله تعالى {أية : يوصيكم الله فى أولادكم}تفسير : لأنه قتل أبوه يوم أحد ولم يخلف ولداً ولا والداً وفيه نزل {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم}تفسير : وذلك اشتقاق من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت، أو من كل يكل أى ذهبت حدثه، فإن مات هو وأبوه وولده أو لم يكن له ولد فقد كل نسبه. وقيل بمعنى القرابة استعيرت من هذا المعنى وأصله على كل حال مصدر، أو من كل يكل بمعنى أحاط كالإكليل، لإحاطته بالرأس، وذلك أن الورثة محيطة بالميت، بخلاف الولادة والأبوه فإنهما توالد يتزايد ويتتابع على نسق واحد، وفى رواية عن عمر وابن عباس وهو قول طاووس وسعيد بن جبير: الكلالة من لم يخلف ولداً، لقوله تعالى: {أية : قل الله يفتيكم فى الكلالة أن امرؤ هلك ليس له ولد}تفسير : ولم يقل ولا والد، وهو استدلال قوى لأن الكلالة مذكورة فيه، وعنونها بأنها لم يكن له ولد بجائز، ولم يكن له أيضاً أب لكن عدم وجوده أمر موافق، أو لعمدة فى تسميته فى هذه الآية كلالة، هو كونه لا ولد له، إذ قال فى جواب الكلالة: ليس له ولد، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا واقعة حال وذلك قول أبى بكر. قال الشعبى: سئل أبو بكر الصديق رضى الله عنه عن الكلالة. فقال: سأقول فيها قولا برأيى، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان، أراه: ما خلا الولد والوالد، ولما استخلف عمر قال: إنى لأستحي من الله أن أرى شيئاً قاله أبو بكر. وقيل: الكلالة اسم للحى من ورثة من لم يخلف من ذكر على القولين وهو قول نسبه بعض لأبى بكر وجمهور من قال: الكلالة غير الولد والوالد. وقال ابن زيد: الكلالة الذى لم يخلف ولداً ولا والداً، والورثة الذين ليس فيهم والد ولا ولد، فالكلالة تطلق على الميت المذكور تارة، وعلى ورثته المذكورين تارة، وقال أبو الخير سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: لا تعجبوا من هذا يسألنى عن الكلالة وما أعضل بأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم شىء ما أعضلت بهم الكلالة. قال عمر: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عهد إلينا فيها عهداً ننتهى إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب البر. وقال فى خطبته: إنى لا أدع بعدى شيئاً أهم عندى من الكلالة ما راجعت النبى صلى الله عليه وسلم فى شىء ما راجعته فى الكلالة، وما أغلظ لى فى شىء ما أغلظ فى الكلالة حتى طعن بأصبعه فى صدرى. وقال يا عمر: ألا تكفيك آية الصيف، وذلك أن الله جل وعلا أنزل فى الكلالة آيتين إحدهما فى الشتاء وهى هذه الآية فى أول سورة النساء نزلت فى الشتاء، والأخرى فى آخرها نزلت فى الصيف، وفيها من البيان ما ليس فى آية الشتاء، ثم إذا جعلنا الكلالة تطلق على الموروث المذكور أو الورثة المذكورين، وفسرنا الآية بالموروث فالإعراب ما ذكر، والرجل فى الآية الميت، وإن فسرناها بالورثة المذكورين أو جعلنا الكلالة الورثة المذكورين فقط، فالرجل فيه حى وارث والإعراب هكذا يورث مضارع من أورث بهمزة التعدية، فيتعدى لثان، وهو كلالة فكلالة مفعول ثان، والأول نائب الفاعل، مستتر أى: وإن كان رجل صيره الله يرث كلالة، وكان لا خبر لها، أن جملة ورث نعت رجل، وكلالة مفعول ثان، إلا أنه قد يقال إن رجلا يسوغ الابتداءه تنوع، لأن الكلام فى تنويع الورثة، فصح أن يكون اسم لكان فيصح أن يكون جملة يورث خبر كان، وهذا الوجه يجوز أيضاً إذا جعلنا الرجل الميت، ويورث: من ورث الثلاثى، وهو الوجه الأول، الذى ذكرته أولا، وعليه فكلالة خبر ثان، ويجوز فى هذا الوجه الأول أيضاً أن يكون كلالة حالا من المستتر فى يورث، قيل: أو مفعول لأجله مراعاة لمعنى المصدر فى كلالة وإذا جعلنا يورث من أورث بهمزة التعدية، جاز مع ما مر وجهه آخر، وهو أن المفعول الثانى محذوف، أى: يورث غيره، أى صيره الله يرث غيره، فحينئذ يكون كلالة حالا من ضمير يورث، أو مفعولا من أجله على ما مر آنفاً، ويدل على أن المراد بالرجل: الميت، قرأ بعض: يورث بالبناء للفاعل، وبعض: يورث بالتشديد والبناء للفاعل، على معنى أن المعنى خلف كلالة يرثه فكأنه بموته صيره هو وارثاً، وكلالة: مفعول أول على هاتين القراءتين. والثانى محذوف، أى: يورث أو يورث كلالة حالا مالاً. {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ}: الواو للحال، وصاحب الحال ضمير يورث، سواء جعلناه من ورث الثلاثى، أو من أورث، فعلى الأول يكون سوق الآية على أن للميت أخاً واحداً، أو أختاً واحدة، وعلى الثانى يكون له أخ مع آخر أو مع أخت فيشكل الأمر حينئذ، فيتكلف الجواب، بأن يقال معنى قوله: فلكل واحد منهما السدس، أن لهما الثلث بقسمانه سواء، فذلك سدس لكل واحد، وهذا يوهم التكرير مع قوله: وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث، فيتكلف الجواب بأنه لما كان قوله: فلكل واحد منها السدس، يوهم أنهُ لو كان ثلاثة لكان لهما ثلاثة أسداس، دفع هذا أبوهم بقوله: وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث، وإن قلت: يبقى على هذا حكم ما إذا خلف أخاً واحداً أو أختاً واحدة غير مبين، قلت: يؤخذ مما ذكر لأنه إذا كان لكل منهما سدس، إذا اجتمع مع الآخر كان له سدس، إذا انفرد مع قوله: فهم شركاء فى الثلث، فإنهُ دليل أن الواحد له ما ذكر قبله وهو السدس، فلا يخفى رجحان أن الرجل هو الميت، وأن يورث من الثلاثى لسلامته من التكلف، لأن المعنى حينئذ أنه مات وخلف أخاً، أو خلف أختاً، فلكل واحد منهما إذا خلفه وحده ليس معه آخر السدس. وأجمعوا أن المراد الأخ أو الأخت من الأم. وقد قرأ أبى: وله أخ أو أخت من الأم وسعد بن وقاص: وله أخ أو أخت من أم. فالكلالة فى الآية بالإجماع: من ترك أخاً أو أختاً أو أكثر من جهة الأم أو من مات أخوه من أمه، وله آخر أو أخرى، ويدل على أنهما من الأم أنه ذكر آخر سورة أن للأختين الثلثين، وللإخوة المال كله، مع أنه جعل هنا السدس للواحد والثلث لما فوق، ولم يزيدوا على الثلث، وأن السدس أو الثلث فرض الأم، فالأخ منها أولى به. قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى خطبته: إلا أن الآية التى أنزل الله فى أول سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها فى الولد والوالد والأم، والآية الثانية فى الزوج والزوجة والإخوة والأم، والآية الثالثة التى ختم الله بها سورة النساء فى الإخوة والأخوات من الأب والأم والتى ختم الله بها سورة الأنفال فى أولى الأرحام. {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا}: إذا لم يكن معه آخر، أو من هذا الرجل الحى الذى صير وارثاً، والأخ الذى معه أو الأخت. {السُّدُسُ}: وفى قوله {وله}، وقوله {فلكل واحد} تغليب الذكر وكذا فى {يورث} إذا عطفنا امرأة على رجل بلا تقدير للفظ توريث لها، لأن المنعوت المعطوف قد يرد تقديم نعته عليه، نحو: جاء رجل صالحان وامرأة، ووجه التغليب فى يورث، وله أنه يستحق رجل أن يقال يورث وله، واستحق امراة أن يقال تورث ولها، فوقع ما استحق رجل، وجاء ذلك بالإفراد بدون أن يقال: يورثان ولهما، لأن العطف بأو فكأنه قيل: يورث أحدهما ولأحدهما، ووجه التغليب فى لكل واحد أنها تستحق واحدة، وأنه يستحق واحد فقيل بما استحق، ويجوز عود ضمير يورث وضمير له إلى أحدهما، على أن امرأة فى نية التقديم، ويجوز الاكتفاء بالكلام على الرجل، فتلحق المرأة به أو يقدر لها، أى أو امرأة تورث وله أخ أو أخت ولها أخ أو أخت. {فَإِنْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثِ}: يقسمونه سواء الذكر أو الأنثى، لأنهم كلهم أدلوا إلى الميت بالأنثى وهو الأم، والكلام شامل لما إذا كانت أخوات أو أختان، لا ذكر معهن، لأن هذا أيضاً يعد من باب التغليب، لأن المعنى وإن كان أصحاب الأخوة وربما دلت الآية على أن وجود الأم أو الجدة يمنع كون الأخ إلى الأخت فصاعداً كلالة، فلا يرثون بالإجماع مع وجود إحداهما، كما لا يرثون مع البنت أو بنت الابن، لكنهم يرثون بالإجماع مع وجود الأم والجدة، فالإجماع خص عموم الآية، واعلم أن الوارث إما متصل نفسه إلى الميت وهو أعلى وهو قرابة الولادة، أو بعقد النكاح، وهذا بعده لأنه عرضى، وإما منفصل بواسطة كالأخوة للأم وهو دون ذلك فأخر فى الآية. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى}: ذلك الرجل. {بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}: أى أو دين يوصى به أو دين يقر به، والإيصاء به: إقرار، وكذا فيما مضى ولعله لم يذكر ذلك، لأن الدين كما يثبت بالإقرار عند الموت يثبت ببينة يأتى بها من قوله "فأطلق" فلا يقدر له محذوف، وفى صحيح الربيع بن حبيب، والبخارى ومسلم، أنه لا يحل لامرئ يؤمن بالله له شىء يوصى به، أن يبيت ليلة إلا ووصية مكتوبة عند رأسه، وذلك تمثيل لأن فى رواية: ليلتين، وفى أخرى ثلاث ليال، والمراد أن يوصى بها. كما تجوز، وذلك ببينة عادلة، فلا يكفى وجودها عنده، بلا بينة عند الإنكار لأنها عند ذلك لا يصدق عليه فى الحكم أنها وصيته. والمراد فى الآية الوصية الجائزة والواجبة، فى الحديث الوصية الواجبة: وهى وصية الأقرب والوصية بحقوق الله وحقوق العباد، مما لم يعتد أن يسمى ديناً، والوصية بالثلث لغير الوارث، أما بأكثر منه فلا تجوز إلا إن أجازها الوارث أما للوارث فلا، ولو بأقل إلا إن أجازها غيره من الورثة، والوصية بحق العباد فى حكم الدين، حديث : قال صلى الله عليه وسلم: لسعد بن أبى وقاص وهو فى الصحاح الثلاثة المذكورة بعد كلام الثلث: "والثلث خير كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا وصية لوارث إلا إن شاء الورثة ". تفسير : {غَيْرَ مُضَآرٍّ}: للورثة أو لغيرهم، بأن يقر لبعض الورثة أو غيرهم بما لا يلزمه، أو يقول إن كذا وكذا عندى أمانة لفلان مما يوهم الحق ويحكم به فى ظاهر الحكم، إذ لو أظهر ذلك وصية لم تثبت للوارث إلا برضاهم، أو أظهر أن ذلك وصية، لم يثبت لغير الوارث إلا الثلث وأقل، أما إذا أقر بحق لغير الوارث، ثم إنه تبين أنه لا حق له، فلا يثبت له بالإقرار لظهور بطلانه وعدمه، ولا بالوصية، لأنه لم يوص له أيضاً، ودخل فى الضرار المذكور أن لا تكون له رغبة مباحة، أو واجبة فى الإيصاء ولكنه أبغض الوارث فنقص عنه بإيصاء، وأن يبيع برخص، أو يشترى بغلاء أيها ما فقد لا يفطنون لذلك فيردوه للثلث، أو يرد الوارث إلى القيمة، وقيل: معنى {غير مضار}: أن لا يجاوز الثلث فى الوصية لغير الوارث، ولا يوصى لوارث حتى أنه إن أوصى بذلك لم تكن القسمة بعد تلك الوصية، بل تبطل ويقسم المال إلا الثلث فما دون لغير الوارث، إلا إن أجازوا ما زاد، أو أجازوا ما أوصى به الوارث. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع ميراثاً فرضه الله، قطع الله ميراثه من الجنة"تفسير : . قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الرجل ليعمل والمرأة تعمل أهل الجنة بطاعة لله عز وجل، بستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيضاران فى الوصية فتجب لهما النار"تفسير : . ثم قرأ أبو هريرة من بعد وصية إلى الفوز العظيم. قال ابن عباس رضى الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الضرار فى الوصية من الكبائر"تفسير : . قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ضار فى وصية ألقاه الله تعالى فى واد جهنم"تفسير : وعمت الأحاديث كما عمت الآية بحذف المفعول، وذلك أن الضرار لا يختص بالوارث، ألا ترى أنه إذا أقر بما لم يكن، وكانت المحاصة بالزبون فى ماله فقد ضار الغرماء، وكذا إذا أقر بما لم يكن ولم تكن المحاصة بالزبون وكانت بالوصايا فى الثلث، فنقصت وصية الأقرب عما يجزىء، أو نقصت الوصية الواجبة، كالوصية بالزكاة، ولولا إقراره لكملت الوصايا فى الثلث، أو زادت أنصبائها، و{مضار} مفاعل بضم الميم وكسر العين لغة بغير المفاعلة، بل لموافقة وصف المجرد، أى: غير ضار أو للمبالغة العائدة إلى النفى، أى مغاير للضر مغايرة عظيمة، وغير: حال من ضمير يوصى، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: من طريق ابن عباس يوصى بالبناء للمفعول فيكون {غير} حالا من فاعله من الذى ناب عنه نائب الفاعل وهو الضمير المجرور فى {بها} وفيه اعتبار الفاعل بعد حذفه وفى هذا الإعراب ضعف، بل {غير} حال من ضمير فى الفعل المحذوف المبنى للفاعل، الذى دل عليه المبنى للمفعول، أى يوصى ذلك الرجل غير مضار. {وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ}: مفعول مطلق مؤكد لكنه نائب عن عامله، ألا ترى أن مقتضى أن لا يقال يوصيكم الله وصية من الله، بل يوصيكم الله وصية منه، فلما حذف الفعل والفاعل الظاهر، أتى به مؤخراً مع بعد المفعول المطلق، أو مفعول به لمضار، لأن {مضار}: اسم فاعل شبه مخالفة وصية الله بكونه يضرها، والمضارة إنما تتحقق فى الورثة وغيرهم لا فى الوصية، أو ذلك من المجاز العقلى، بأن تكون المضارة حقيقة، لكن التجوز فى تعلقها بالوصية، وفى الوجهين مبالغة فى الزجر عن المضارة، ويدل لكون وصية مفعولا به لمضار. قرأ الحسن: غير مضار وصية بجر وصية، وإسقاط تنوين مضار، والمعنى على المفعولية: أن الله جل وعلا قد أوصى نبيه أم للميت ثلث ماله فقط. الحديث ان الله جعل لكم ثلث أموالكم بعد وفاتكم فلا تخالفوا هذه الوصية بالزيادة الموهمة الثبوت بالاحتيال، ولا تضروا الورثة بها، أو أن الله جل وعلا قد أوجب وصية الأقرب إلا ما نسخ منها بالإرث أو الحديث "حديث : أنه لا وصية لوارث"تفسير : فلا تخلفوا هذه الوصية بتركها ولا تضروا أصحابها بتركها أو أن الله جل وعلا قد أوصى بالأولاد فلا تخالفوا وصيته بالترك، ولا تضاروهم به، أو لا تخالفوها، وتضاروا غيرهم، بالإسراف فى الوصية والإقرار، الموهمين الصحة بالاحتيال، أو المراد هذه الوصايا كلها. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ}: بمصالح العباد، ومضارهم فيما يفرض عليهم من الأحكام، وبمن يجوز ومن لا يجوز، فذلك تهديد للذى يضار، وإرشاد إلى الإذعان لأحكامه تعالى. {حَلِيمٌ}: لا يعاجل بالعقوبة، وخصت السنة من الورثة المذكورين القاتل والعبد والأمة والمخالف بالملة، فإنهم لا يرثون.

اطفيش

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إن لَّمْ يَكُن لَهُنَّ وَلَدٌ} أو ولد ابن، ولو سفل منكم أو من زوج قبلكم، أو من زنى أن نكاح باطل، كان الولد أو ولد الابن ذكراً أو أنثى أو خنثى {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} بأحد الأوجه المذكورة {فَلَكُمُ ألرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} إلا إن كان الولد بأحد الأوجه المذكورة قاتلا لها أو عبداً مشركا، فإن للزوج مع وجوده النصف عند الجمهور، وقال ابن مسعود الربع، وما ذكرنا من ميراث الأزواج {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوْصِينَ بِهَآ أَو دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ} تنقرد به المتحدة وتقسمه المتعددات {مِمَّا تَرَكْتُمْ إن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} أو ولد ابن وإن سفل ذكراً أو أنثى منها، أو من غيرها {فَإِن كانَ لَكُمْ وَلَدٌ} بأحد الأوجه هذه {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} منفرد به المتحدة وتقسمه المتعددات {مِمَّا ترَكْتُمْ} ما ذكرنا من ميراث الزوجات {مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} وهكذا كل امرأة شاركت رجلا فى الجهة والقرب تكون نصفه فى النسب والزواج إلا ولد الأُم والإخوة فى المشتركة والمعتقة فإنهن يساوين الرجل فإن أعتقت المرأة لرجل عبداً أو أمة ومات ولم يترك وارثا فماله بينهما نصفين {وَإن كَانَ رَجُلٌ} مات، فمسوغ الابتداء بالنكرة نعت محذوف كما رأيت إن لم نجعل قوله {يُورَثُ} نعت رجل، والفعل ثلاثى أى يورث ماله {كَلاَلَةً} أى لم يخلف ولداً ولا والداً، فصاعدا وسافلا، والكلالة هو ذلك الميت، وهو خبر كان أو خبر ثان، والأول يورث، أو حال من ضمير يورث على أنه لا خبر لكان، أو خبره يورث أو تعليل أى للكلالة أى القرب {أَوِ امْرَأَةٌ} أى أو كانت امرأة تورث كلالة، والكلالة فى الأصل مصدر بمعنى الإعياء، استعمل للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها، وتستعمل لمن لم يخلف والداً ولا ولداً، أو على من ليس والداً ولا ولد، أو عليه تحمل الآية، وعنه صلى الله عليه وسلم من لم يخلف ولداً ولا والداً، على جد ما مر، أو يعطف على رجل فيكون يورث عائداً إلى الأحد الشامل لهما شمولا بدليا، وفصل عن رجل للإيذان بشرفه وإصالته فى الأحكام، ولأنه سبب النزول، لقول جابر بن عبد الله، وهو مريض، كيف الإرث يا رسول الله وإنما يرثنى كلالة يعنى رجلا كلالة {وَلَهُ} أولها، أو ترد الهاء إلى الأحد الشامل {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} من الأم كما قرأ أُبىّ، وقرأ سعد بن مالك، وسعيد بن أبى وقاص من أم، وهو إجماع وقد قال: قل الله يفتيكم فى الكلالة، فأثبت للأختين الثلثين وللإخوة الكل وهنا للإخوة الثلث وللواحد السدس فما هنا من الأم، وما هنالك من الأم والأب أو من الأب، وأن ما هنا السدس والثلث، وهما فرض الأم، فهما لأولادهما، لا لبنى الأعمام والعمات، ويجب العمل بالقراءة الشاذة إذا صح سندها كما يعمل بخبر الواحد {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} إذا انفرد {فَإن كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ} كأخ وأخت اجتمعا، أو أختين أو أخوين فصاعدا فى ذلك كله {فَهُمْ شُرَكآءُ فِى الثُّلُثِ} سهم الذكر وسهم الأنثى سواء، كما هو مقتضى إطلاق الشركة لأن الإدلاء بمحض الأنوثة، ويرثون ولو مع وجود الأم مع أنهم أدلوا بها، وكذا مع الجدة {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} للورثه بالإيصاء للوارث بأكثر من تباعته، وإبهام أنه تباعته أو بالإيصاء له بلا تباعه موهما أنها تباعة، أو لغير الوارث بأكثر من الثلث موهما أنها تباعة مع أنه لا تباعة أو مع أنها تباعة والزائد عليها أكثر من الثلث، وكالوصية البيع للوارث بالرخص، والشراء منه بالغلاء مطلقا، ولغير الوارث بالرخص أو الشراء منه بالغلاء، بحيث يفوق الثلث، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة"تفسير : ، رواه ابن ماجه عن أنس، وعن ابن عباس: الاضرار بالوصية كبيرة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل فى وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة"تفسير : ، رواه أبو هريرة، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة فى حياتكم" تفسير : {وَّصِيَّةً مِّنَ اللهِ} أوصى الله بذلك إيصاء، فكان وصية بدل إيصاء، وجر لفظ الجلالة بمن وأضر، أو مفعول لمضار كما قرأ الحسن مضار وصية، بالإضافة نهى أن يضر وصية بتغييرها فيكون أسند المضارة عليها إسناداً إيقاعياً، لأنها محل التغيير {وَاللهُ عَلِيمٌ} بمن ضر، وغيره مِن من أوفى {حَلِيمٌ} لا يعجل العقوبة، فلا يغرنكم حلمه فبعده عقاب المصر.

الالوسي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ} إن دخلتم بهن أولا {إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ} ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو متعدداً منكم كان أو من غيركم، ولذا قال سبحانه: {لَهُنَّ} ولم يقل لكم، ولا فرق بين أن يكون الولد من بطن الزوجة وأن يكون من صلب بنيها أو بني بنيها إلى حيث شاء الله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} على ما ذكر من التفصيل، وروي عن ابن عباس أن ولد الولد لا يحجب والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن ذكر تقدير عدم الولد وبيان حكمه مستتبع لتقدير وجوده وبيان حكمه {فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} من المال والباقي في الصورتين لبقية الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، أو ذوي الأرحام، أو لبيت المال إن لم يكن وارث آخر {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} متعلق بكلتا الصورتين لا بما يليه وحده، والكلام على فائدة الوصف وكذا على تقديم الوصية ذكراً قد مر آنفاً فلا فائدة في ذكره {وَلَهُنَّ} أي الأزواج تعددن أو لا {ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} على التفصيل المتقدم. {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا} فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما فرض للمرأة كما في النسب لمزية عليها ولذا اختص بتشريف الخطاب، وتقديم ذكر حكم ميراثه وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب، ولا يستثنى من ذلك إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة لاستواء الذكر والأنثى منهم. {وَإِن كَانَ رَجُلٌ} المراد بالرجل الميت وهو اسم كان {يُورَثُ} على البناء للمفعول من ورث الثلاثي خبر كان، والمراد يورث منه فإن ورث تتعدى بمن وكثيراً ما تحذف {كَلَـٰلَةً} هي في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو الإعياء قال الأعشى:شعر : فآليت لا أرثي لها من (كلالة) ولا من حفي حتى ألاقي محمداً تفسير : ثم استعيرت واستعملت استعمال الحقائق للقرابة من غير جهة الوالد والولد لضعفها بالنسبة إلى قرابتهما، وتطلق على من لم يخلف والداً ولا ولداً، وعلى من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين بمعنى ذي كلالة كما تطلق القرابة على ذوي القرابة وجعل ذلك بعضهم من باب التسمية بالمصدر وآخرون جوزوا كونها صفة ـ كالهجاجة ـ للأحمق قال الشاعر:شعر : (هجاجة) منتخب الفؤاد كأنه نعامة في واد تفسير : وتستعمل في المال الموروث مما ليس بوالد ولا ولد إلا أنه استعمال غير شائع وهي في جميع ذلك لا تثنى ولا تجمع، واختار كثير كون أصلها من تكلله النسب إذ أحاط به، ومن ذلك الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته بالعدد، وقال الحسين بن علي المغربـي: أصل الكلالة عندي ما تركه الإنسان وراء ظهره أخذاً من الْكَلّ وهو الظهر والقفا، ونصبها على أنها مفعول له أي يورث منه لأجل القرابة المذكورة، أو على أنها حال من ضمير {يُورَثُ} أي حال كونه ذا كلالة واختاره الزجاج، أو على أنها خبر لكان؛ و {يُورَثُ} صفة لرجل أي إن كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وذكر أبو البقاء احتمال كون {كَانَ} تامة، و {رَجُلٌ} فاعلها، و {يُورَثُ} صفة له، و {كَلَـٰلَةً} حال من الضمير في يورث، واحتمال نصبها على هذا الاحتمال على أنها مفعول له أيضاً ظاهر، وجوز فيها الرفع على أنها صفة، أو بدل من الضمير إلا أنه لم يعرف أحد قرأ به فلا يجوز القراءة به أصلاً، وجعل نصبها على الاستعمال الغير الشائع على أنها مفعول ثان ليورث. وقرىء {يُورَثُ} و {يُورَثُ} بالتخفيف والتشديد على البناء للفاعل، فانتصاب {كَلَـٰلَةً} إما على أنها حال من ضمير الفعل والمفعول محذوف أي يورث وارثه حال كونه ذا كلالة، وإما على أنها مفعول به أي يورث ذا كلاله، وإما على أنها مفعول له أي يورث لأجل الكلالة كذا قالوا، ثم إن الذي عليه أهل الكوفة وجماعة من الصحابة والتابعين هو أن الكلالة هنا بالمعنى الثالث، وروي عن آخرين ـ منهم ابن جبير وصح به خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أنها بالمعنى الثاني، ولم نر نسبة القولين الآخرين لأحد من السلف، والأول منهما غير بعيد، والثاني سائغ إلا أن فيه بعداً كما لا يخفى. {أَو ٱمْرَأَةٌ} عطف على {رَجُلٌ} مقيد بما قيد به، وكثيراً ما يستغنى بتقييد المعطوف عليه عن تقييد المعطوف، ولعل فصل ذكرها عن ذكره للإيذان بشرفه وأصالته في الأحكام، وقيل: لأن سبب النزول كان بيان حكمه بناءاً على ما روي عن جابر أنه قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت: كيف الميراث وإنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض لذلك {وَلَهُ} أي الرجل، وتوحيد الضمير لوجوبه فيما وقع بعد، أو حتى أن ما ورد على خلاف ذلك مؤل عند الجمهور كقوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء: 135] وأتى به مذكراً للخيار بين أن يراعى المعطوف أو المعطوف عليه في مثل ذلك، وقد روعي هنا المذكر لتقدمه ذكراً وشرافة، ويجوز أن يكون الضمير لواحد منهما، والتذكير للتغليب، وجوز أن يكون راجعاً للميت، أو الموروث ولتقدم ما يدل عليه، وأبعد من جوز أن يكون عائداً للرجل، وضمير المرأة محذوف، والمراد وله أو لها: {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أي من الأم فقط ـ وعلى ذلك عامة المفسرين ـ حتى أن بعضهم حكى الإجماع عليه. وأخرج غير واحد عن سعيد بن أبـي وقاص أنه كان يقرأ (وله أخ أو أخت من أم)، وعن أبـي من الأم، وهذه القراءة وإن كانت شاذة إلا أن كثيراً من العلماء استند إليها بناءاً على أن الشاذ من القراءات إذا صح سنده كان كخبر الواحد في وجوب العمل به خلافاً لبعضهم، ويرشد إلى هذا القيد أيضاً أن أحكام بني الأعيان والعلات هي التي تأتي في آخر السورة الكريمة، وأيضاً ما قدر هنا لكل واحد من الأخ والأخت، وللأكثر وهو السدس، والثلث هو فرض الأم، فالمناسب أن يكون ذلك لأولاد الأم، ويقال لهم إخوة أخياف، وبنو الأخياف، والإضافة بيانية، والجملة في محل النصب على أنها حال من ضمير {يُورَثُ} أو من {رَجُلٌ} على تقدير كون {يُورَثُ} صفة له ومساقها لتصوير المسألة، وذكر الكلالة لتحقيق جريان الحكم المذكور، وإن كان مع من ذكر ورثة أخرى بطريق الكلالة ولا يضر عند من لم يقل بالمفهوم جريانه في صورة الأم، أو الجدة مع أن قرابتهما ليس بطريق الكلالة، وكذا لا يضر عند القائل به أيضاً للإجماع على ذلك {فَلِكُلّ وٰحِدٍ مّنْهُمَا} أي الأخت والأخ {ٱلسُّدُسُ} مما ترك من غير تفضيل للذكر على الأنثى، ولعله إنما عدل عن ـ فله السدس ـ إلى هذا دفعاً لتوهم أن المذكور حكم الأخ، وترك حكم الأخت لأنه يعلم منه أن لها نصف الأخ بحكم الأنوثة والحكمة في تسوية الشارع بينهما تساويهما في الإدلاء إلى الميت بمحض الأنوثة. {فَإِن كَانُواْ} أي الأخوة والأخوات من الأم المدلول عليهم بما تقدم والتذكير للتغليب {أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ} أي المذكور بواحد، أو بما فوقه والتعبير باسم الإشارة دون الواحد لأنه لا يقال أكثر من الواحد حتى لو قيل أوّل بأن المعنى زائداً عليه، وبعض المحققين التزم التأويل هنا أيضاً إذ لا مفاضلة بعد انكشاف حال المشار إليه، ولعل التعبير باسم الإشارة حينئذ تأكيد الإشارة إلى أن المسألة فريضة، والفاء لما مر من أن ذكر احتمال الانفراد مستتبع لذكر احتمال العدد. {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي ٱلثُّلُثِ} يقتسمونه فيما بينهم بالسوية، وهذا مما لا خلاف فيه لأحد من الأمة، والباقي لباقي الورثة من أصحاب الفروض والعصبات، وفيه خلاف الشيعة، هذا ومن الناس من جوز أن يكون (يورث) في القراءة المشهورة مبنياً للمفعول من أورث على أن المراد به الوارث، والمعنى وإن كان رجل يجعل وارثاً لأجل الكلالة؛ أو ذا كلالة أي غير والد ولا ولد، ولذلك الوارث أخ أو أخت فلكل من ذلك الوارث، أو أخيه أو أخته السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك أي من الاثنين بأن كانوا ثلاثة، أو أكثر فهم شركاء في الثلث الموزع للاثنين لا يزاد عليه شيء، ولا يخفى أن الكلام عليه قاصر عن بيان حكم صورة انفراد الوارث عن الأخ والأخت ومقتض أن يكون المعتبر في استحقاق الورثة للفرض المذكور إخوة بعضهم لبعض من جهة الأم فقط، وخارج على مخرج لا عهد به، وفيه أيضاً ما فيه، وقد أوضح ذلك مولانا شيخ الإسلام قدس سره بما لا مزيد عليه. {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ} أي من غير ضرار لورثته فلا يقر بحق ليس عليه، ولا يوصى بأكثر من الثلث قاله ابن جبير فالدين هنا مقيد كالوصية، وفي {يُوصِى} قراءتان سبعيتان في البناء للمفعول والبناء للفاعل، و {غَيْرَ} على القراءة الأولى حال من فاعل فعل مبني للفاعل مضمر يدل عليه المذكور، وما حذف من المعطوف اعتماداً عليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ * رِجَالٌ } تفسير : [النور: 36ـ37] على قراءة {يُسَبّحُ} بالبناء للمفعول، وقول الشاعر:شعر : (ليبك) يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح تفسير : وعلى القراءة الثانية حال من فاعل الفعل المذكور والمحذوف اكتفاءاً به، ولا يلزم على هذا الفصل بين الحال وذيها بأجنبـي كما لا يخفى، أي يوصى بما ذكر من الوصية والدين حال كونه غير مضار، ولا يجوز أن يكون حالا من الفاعل المحذوف في المجهول لأنه ترك بحيث لا يلتفت إليه فلا يصح مجيء الحال منه، وجوز فيه أن يكون صفة مصدر أي إيصاء غير مضار، واختار بعضهم جعله حالاً من وصية أو دين أي من بعد أداء وصية أو دين غير مضار ذلك الواحد؛ وجعل التذكير للتغليب وليس بشيء، وجوز هذا البعض أن يكون المعنى على ما تقدم غير مضر نفسه بأن يكون مرتكباً خلاف الشرع بالزيادة على الثلث وهو صحيح في نفسه إلا أن المتبادر الأول وعليه مجاهد وغيره. ويحتمل ـ كما قال جمع ـ أن يكون المعنى غير قاصد الإضرار بل القربة، وذكر عصام الملة أن المفهوم من الآية أن الإيصاء والإقرار بالدين لقصد الإضرار لا يستحق التنفيذ وهو كذلك إلا أن إثبات القصد مشكل إلا أن يعلم ذلك بإقراره، والظاهر أن قصد الإضرار لا القربة بالوصية بالثلث فما دونه لا يمنع من التنفيذ، فقد أخرج ابن أبـي شيبة عن معاذ بن جبل قال: إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم، نعم ذاك محرم بلا شبهة وليس كل محرم غير منفذ فإن نحو العتق والوقف للرياء والسمعة محرم بالإجماع مع أنه نافذ، ومن ادعى تخصيص ذلك بالوصية فعليه البيان وإقامة البرهان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الإضرار بالوصية من الكبائر، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً «حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة"تفسير : . {وَصِيَّةً مّنَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية، والتنوين للتفخيم، ومن متعلقة بمحذوف وقع صفة للنكرة مؤكداً لفخامتها، ونظير ذلك {أية : فَرِيضَةً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 11] ولعل السر في تخصيص كل منهما بمحله ما قاله الإمام من ((أن لفظ الفرض أقوى وآكد من لفظ الوصية، فختم شرح ميراث الأولاد بذكر الفريضة، وختم شرح ميراث الكلالة بالوصية ليدل بذلك على أن الكل وإن كان واجب الرعاية إلا أن القسم الأول وهو رعاية حال الأولاد أولى))، وقيل إن الوصية أقوى من الفرض للدلالة على الرغبة وطلب سرعة الحصول، فختم شرح ميراث الكلالة بها لأنها لبعدها ربما لا يعتنى بشأنها فحرض على الاعتناء بها بذكر الوصية ولا كذلك ما تقدم، أو منصوب بمضار على أنه مفعول به له إما بتقدير أي أهل وصية الله تعالى، أو على المبالغة لأن المضارة ليست للوصية بل لأهلها فهو على حدّ يا سارق الليلة أهل الدار ومضارتها الإخلال بحقوقهم ونقصها بما ذكر من الوصية بما زاد على الثلث، أو به مثلا لقصد الإضرار دون القربة والإقرار بالدين كاذباً. والمراد من الأهل الورثة المذكورة هٰهنا ووقع في بعض العبارات أن المراد وصية الله تعالى بالأولاد، ولعل المراد بهم الورثة مطلقاً بطريق التعبير عن الكلِّي بأشهر أفراده كما عبر عن مطلق الانتفاع بالمال بأكله وإلا فهو غير ملائم وإنما نصب مضار المفعول به لأنه اسم فاعل معتمد على ذي الحال، أو منفى معنى فيعمل في المفعول الصريح، ويشهد لهذا الاحتمال قراءة الحسن {غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً} بالإضافة، وذكر أبو البقاء في هذه القراءة وجهين: الأول: أن التقدير غير مضار أهل وصية فحذف المضاف، والثاني: أن التقدير غير مضار وقت وصية فحذف وهو من إضافة الصفة إلى الزمان، ويقرب من ذلك قولهم: هو فارس حرب أي فارس في الحرب، وتقول: هو فارس زمانه أي في زمانه، والجمهور لا يثبتون الإضافة بمعنى في، ووقع في «الدر المصون» احتمال أنه منصوب على الخروج ولم يبين المراد من ذلك، ووقع في «همع الهوامع» في المفعول به: إن الكوفيين يجعلونه منصوباً على الخروج ولم يبينه أيضاً، قال الشهاب: فكأن مرادهم أنه خارج عن طرفي الإسناد، فهو كقولهم: فضلة فلينظر. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بالمضار وغيره، وقيل: بما دبره بخلقه من الفرائض {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة فلا يغترن المضار بالإمهال أو لا يغترن من خالفه فيما بينه من الفرائض بذلك، والإضمار في مقام الإظهار لإدخال الروعة وتربية المهابة، ثم اعلم أن الله سبحانه أورد أقسام الورثة في هذه الآيات على أحسن الترتيبات، وذلك أن الوارث إما أن يتصل بالميت بنفسه من غير واسطة، أو يتصل به بواسطة فإن اتصل بغير واسطة فسبب الاتصال إما أن يكون النسب أو الزوجية، فحصل هنا ثلاثة أقسام: أشرفها وأعلاها الاتصال الحاصل ابتداءاً من جهة النسب، وذلك هو قرابة الولادة، ويدخل فيها الأولاد والوالدان، وثانيها الاتصال الحاصل ابتداءاً من جهة الزوجية وهذا القسم متأخر في الشرف عن القسم الأول لأن الأول ذاتي والثاني عرضي؛ والذاتي أشرف من العرضى، وثالثها الاتصال الحاصل بواسطة الغير وهو المسمى بالكلالة، وهذا القسم متأخر عن القسمين الأولين لوجوه: أحدها: أن الأولاد والوالدين والأزواج والزوجات لا يعرض لهم السقوط بالكلية، وأما الكلالة فقد يعرض لها السقوط بالكلية، وثانيها: أن القسمين الأولين ينتسب كل واحد منهما إلى الميت بغير واسطة، والكلالة ينتسب إلى الميت بواسطة، والثابت ابتداءاً أشرف من الثابت بواسطة، وثالثها: أن مخالطة الإنسان بالوالدين والأولاد والأزواج والزوجات أكثر وأتم من مخالطته بالكلالة وكثرة المخالطة مظنة الألفة والشفقة وذلك يوجب شدة الاهتمام بأحوالهم، فلهذه الأسباب وأشباهها أخر الله سبحانه ذكر ميراث الكلالة عن ذكر القسمين الأولين فما أحسن هذا الترتيب وما أشدّ انطباقه على قوانين المعقولات ـ كما قاله الإمام.

ابن عاشور

تفسير : هذه فريضة الميراث الذي سببه العصمة، وقد أعطاها الله حقّها المهجور عند الجاهلية إذ كانوا لا يورّثون الزوجين: أمّا الرجل فلا يرث امرأته لأنّها إن لم يكن لها أولاد منه، فهو قد صار بموتها بمنزلة الأجنبي عن قرابتها من آباء وإخوة وأعمام، وإن كان لها أولاد كان أولادها أحقّ بميراثها إن كانوا كباراً، فإن كانوا صغاراً قبض أقرباؤهم مالهم وتصرّفوا فيه، وأمّا المرأة فلا ترث زوجها بل كانت تعدّ موروثة عنه يتصرّف فيها ورثته كما سيجيء في قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}تفسير : [النساء: 19]. فنوّه الله في هذه الآيات بصلة العصمة، وهي التي وصفها بالميثاق الغليظ في قوله: {أية : وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}تفسير : [النساء: 21]. والجمع في {أزواجكم} وفي قوله: {مما تركتم} كالجمع في الأولاد والآباء، مراد به تعدّد أفراد الوارثين من الأمّة، وههنا قد اتّفقت الأمّة عى أنّ الرجل إذا كانت له زوجات أنهنّ يشتركن في الربع أو في الثمن من غير زيادة لهنّ، لأنّ تعدّد الزوجات بيد صاحب المال فكان تعددّهنّ وسيلة لإدخال المضرّة على الورثة الآخرين بخلاف تعدّد البنات والأخوات فإنّه لا خيار فيه لربّ المال. والمعنى: ولكلّ واحد منكم نصف ما تركت كلّ زوجة من أزواجه وكذلك قوله: {فلكم الربع مما تركن}. وقوله: {ولهن الربع مما تركتم} أي لمجموعهنّ الربع ممّا ترك زوجهنّ. وكذلك قوله: {فلهن الثمن مما تركتم} وهذا حذق يدلّ عليه إيجاز الكلام. وأعقبت فريضة الأزواج بذكر {من بعد وصية يوصين بها أو دين} لئلا يتوهّم متوهّم أنّهنّ ممنوعات من الإيصاء ومن التداين كما كان الحال في زمان الجاهلية. وأمّا ذكر تلك الجملة عقب ذكر ميراث النساء من رجالهنّ فجريا على الأسلوب المتّبع في هذه الآيات، وهو أن يعقب كلّ صنف من الفرائض بالتنبيه على أنّه لا يُستحقّ إلاّ بعد إخراج الوصيّة وقضاء الدين. بعد أن بيّن ميراث ذي الأولاد أو الوالدَيْن وفصّله في أحواله حتّى حالة ميراث الزوجين، انتقل هنا إلى ميراث من ليس له ولد ولا والد، وهو الموروث كلالة، ولذلك قابل بها ميراث الأبوين. والكلالةُ اسم للكلال وهو التعب والإعياء قال الأعشى:شعر : فآليتُ لا أرثي لَها مِن كلالة ولا من حفى حتّى أُلاقي مُحَمَّدا تفسير : وهو اسم مصدر لا يثنيّ ولا يجمع. ووصفت العرب بالكلالة القرابةَ غيرَ القربى، كأنّهم جعلوا وصوله لنسب قريبه عن بُعد، فأطلقوا عليه الكلالة على طريق الكناية واستشهدوا له بقول من لم يسمّوه:شعر : فإنّ أبا المرءِ أحمى له ومَوْلى الكلالة لا يُغْضَبُ تفسير : ثم أطلقوه على إرث البعيد، وأحسب أنّ ذلك من مصطلح القرآن إذ لم أره في كلام العرب إلاّ ما بعد نزول الآية. قال الفرزدق:شعر : ورثتم قَنَاةَ المجد لا عن كلالة عن ابنَيْ مناف عبدِ شمس وهاشمِ تفسير : ومنه قولهم: ورِث المجدَ لاعن كلالة. وقد عدّ الصحابة معنى الكلالة هنا من مشكل القرآن حتّى قال عُمر بن الخطاب: «ثلاث لأن يكون رسول الله بَيّنهن أحبّ إليّ من الدنيا: الكلالةُ، والربا، والخلافةُ». وقال أبو بكر: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان والله منه بريء، الكلالة ما خلا الولدَ والوالدَ». وهذا قول عمر، وعلي، وابن عباس، وقال به الزهري، وقتادة والشعبي، وهو قول الجمهور، وحكي الإجماع عليه، وروي عن ابن عباس «الكلالة من لا ولد له» أي ولو كان له والد وينسب ذلك لأبي بكر وعمر أيضاً ثم رجعا عنه، وقد يستدلّ له بظاهر الآية في آخر السورة: {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد}تفسير : [النساء: 176] وسياق الآية يرجّح ما ذهب إليه الجمهور لأنّ ذكرها بعد ميراث الأولاد والأبوين مؤذن بأنّها حالة مخالفة للحالين. وانتصب قوله: {كلالة} على الحال من الضمير في {يورث} الذي هو كلالة من وارثه أي قريب غير الأقرب لأنّ الكلالة يصحّ أن يوصف بها كلا القريبين. وقوله: {أو امرأة} عطف على {رجل} الذي هو اسم (كان) فيشارك المعطوف المعطوف عليه في خبر (كان) إذ لا يكون لها اسم بدون خبر في حال نقصانها. وقوله: {وله أخ أو أخت} يتعيّن على قول الجمهور في معنى الكلالة أن يكون المراد بهما الأخ والأخت للأمّ خاصّة لأنَّه إذا كان الميّت لا ولد له ولا والد وقلنا له أخ أو أخت وجعلنا لكلّ واحد منهما السدس نعلم بحكم ما يُشْبه دلالةَ الاقتضاء أنّهما الأخ والأخت للأم لأنّهما لمّا كانت نهاية حظّهما الثلث فقد بقي الثلثان فلو كان الأخ والأخت هما الشقيقين أو اللذين للأب لاقتضى أنّهما أخذا أقلّ المال وترك الباقي لغيرهما وهل يكون غيرهما أقرب منهما فتعيّن أنّ الأخ والأخت مراد بهما اللذان للأمّ خاصّة ليكون الثلثان للإخوة الأشقّاء أو الأعمام أو بني الأعمام. وقد أثبت الله بهذا فرضاً للإخوة للأمّ إبطالا لما كان عليه أهل الجاهلية من إلغاء جانب الأمومة أصلاً، لأنّه جانب نساء ولم يحتج للتنبيه على مصير بقيّة المال لما قدّمنا بيانه آنفاً من أنّ الله تعالى أحال أمر العصابة على ما هو متعارف بين من نزل فيهم القرآن. وعلى قول ابن عباس في تفسير الكلالة لا يتعيّن أن يكون المراد بالأخ والأخت اللذين للأمّ إذ قد يفرض للإخوة الأشقّاء نصيب هو الثلث ويبقى الثلثان لعاصب أقوى وهو الأب في بعض صور الكلالة غير أنّ ابن عباس وافق الجمهور على أنّ المراد بالأخ والأخت اللذان للأمّ وكان سبب ذلك عنده أنّ الله أطلق الكلالة وقد لا يكون فيها أب فلو كان المراد بالأخ والأخت الشقيقين أو اللذين للأب لأعطيناهما الثلث عند عدم الأب وبقي معظم المال لمن هو دون الإخوة في التعصيب فهذا فيما أرى هو الذي حدا سائر الصحابة والفقهاء إلى حمل الأخ والأخت على الذين للأمّ. وقد ذكر الله تعالى الكلالة في آخر السورة بصورة أخرى سنتعرّض لها. {غير مضار} حال من ضمير {يوصى} الأخير، ولمّا كان فعل يوصي تكريراً، كان حالا من ضمائر نظائره. ومضارّ الأظهر أنّه اسم فاعل بتقدير كسر الراء الأولى المدغمة أي غير مضارّ ورثته بإكثار الوصايا، وهو نهي عن أن يقصد الموصي من وصيته الإضرارَ بالورثة. والإضرارُ منه ما حدّده الشرع، وهو أن يتجاوز الموصي بوصيّته ثلث ماله وقد حدّده النبي بقوله لسعد بن أبي وقّاص الثلثُ والثلث كثير. ومنه ما يحصل بقصد الموصي بوصيته الاضرار بالوارث ولا يقصد القربة بوصيّته، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {غير مضار}. ولمّا كانت نيَّة الموصي وقصدُه الإضرار لا يُطلع عليه فهو موكول لدينه وخشية ربّه، فإن ظهر ما يدلّ على قصده الإضرار دلالة واضحة، فالوجه أن تكون تلك الوصيّة باطلة لأنّ قوله تعالى: {غير مضار} نهي عن الإضرار، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. ويتعيّن أن يكون هذا القيد مقيِّدا للمطلق في الآي الثلاث المتقدّمة من قوله {من بعد وصية} إلخ، لأنّ هذه المطْلقات متّحدة الحكم والسبب. فيحمِل المطْلَق منها على المقيّد كما تقرّر في الأصول. وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية حكم مسألة قصد المعطي من عطيّته الإضرار بوارثه في الوصيّة وغيرها من العطايا، والمسألة مفروضة في الوصيّة خاصّة. وحكى ابن عطية عن مذهب مالك وابن القاسم أنّ قصد المضارّة في الثلث لا تردّ به الوصيّة لأنّ الثلث حقّ جعله الله له فهو على الإباحة في التصرّف فيه. ونازعه ابن عرفة في التفسير بأنّ ما في الوصايا الثاني من «المدوّنة»، صريح في أنّ قصد الإضرار يوجب ردّ الوصيّة وبحث ابن عرفة مكين. ومشهور مذهب ابن القاسم أن الوصية تردّ بقصد الإضرار إذا تبيّن القصد غير أنّ ابن عبد الحكم لا يرى تأثير الإضرار. وفي شرح ابن ناجي على تهذيب المدوّنة أنّ قصد الإضرار بالوصيّة في أقلّ من الثلث لا يوهن الوصيّة على الصحيح. وبه الفتوى. وقوله: {وصية} منصوب على أنّه مفعول مطلق جاء بدلا من فعله، والتقدير: يوصيكم الله بذلك وصيّة منه فهو ختم للأحكام بمثل ما بدئت بقوله: {أية : يوصيكم الله}تفسير : [النساء: 11] وهذا من ردّ العجز على الصدر. وقوله: {والله عليم حليم} تذييل، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعاً مثاره الجهل والقساوة. فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب. فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم. وقد بيّنت الآيات في هذه السورة الميراث وأنصباءه بين أهل أصول النسب وفروعه وأطرافه وعصمة الزوجية، وسكتت عمّا عدا ذلك من العصبة وذوي الأرحام وموالي العتاقة وموالي الحلف، وقد أشار قوله تعالى: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : في سورة الأنفال (75) وقوله: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} تفسير : في سورة الأحزاب (6) إلى ما أخذ منه كثير من الفقهاء توريث ذوي الأرحام. وأشار قوله الآتي قريباً {أية : ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}تفسير : [النساء: 33] إلى ما يؤخذ منه التوريث بالولاء على الإجمال كما سنبيّنه، وبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم توريث العصبة بما رواه رواة أهل الصحيح عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ألحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلى رَجُلٍ ذَكَر»تفسير : وما رواه الخمسة ــــ غير النسائي ــــ عن أبي هريرة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات وترك مالا فماله لمَوالي العصبة ومن ترك كَلا أو ضَياعا فأنا وليّه» تفسير : وسنفصّل القول في ذلك في مواضعه المذكورة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ}. المراد في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس وعند التعدد يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم، سواء إخوة الأم بدليل بيانه تعالى أن الإخوة من الأب أشقاء أولا، يرث الواحد منهم كل المال، وعند اجتماعهم يرثون المال كله للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال في المنفرد منهم وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، وقال في جماعتهم: وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة هم الإخوة من الأب، كانوا أشقاء أو لأب. كما أجمعوا على أن قوله: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} الآية. أنها في إخوة الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من أم. والتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع كما قال الناظم: شعر : ويسألونك عن الكلالة هي انقطاع النسل لا محالة لا والد يبقى ولا مولود فانقطع الأبناء والجدود تفسير : وهذا قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وأكثر الصحابة وهو الحق إن شاء الله تعالى. واعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد و الوالد، وعلى الميت الذي لم يخلف والداً ولا ولداً، وعلى الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد. وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد. إلا أنه استعمال غير شائع واختلف في اشتقاق الكلالة. واختار كثير من العلماء أن أصلها من تكاله إذا أحاط به ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته بالعدد لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله ولا فرعه. وقال بعض العلماء: أصلها من الكلال بمعنى الإعياء: لأن الكلالة أضعف من قرابة الآباء والأبناء. وقال بعض العلماء: أصلها من الكل بمعنى الظهر وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره، واختلف في إعراب قوله كلالة. فقال بعض العلماء هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف. أي: يورث في حال كونه ذا كلالة أي قرابة غير الآباء والأبناء، واختاره الزجاج وهو الأظهر، وقيل هي مفعول له، أي: يورث لأجل الكلالة أي القرابة، وقيل هي خبر كان، ويورث صفة لرجل، أي: كان رجل موروث ذا كلالة ليس بوالد ولا ولد، وقيل غير ذلك والله تعالى أعلم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 12- للزوج نصف ما تركت الزوجة إن لم يكن لها ولد منه أو من غيره فإن كان لها ولد فلزوجها الربع من بعد وصية تُوصِى بها أو دين. وللزوجة - واحدة أو متعددة - الربع مما ترك الزوج إن لم يكن له منها أو من غيرها ولد، فإن كان له منهن أو من غيرهن فللزوجة أو الزوجات الثمن من بعد وصية يُوصى بها أو دين، وولد الابن كالولد فيما تقدم. وإن كان الميت رجلاً أو امرأة ولا ولد له ولا والد وترك أخاً لأم أو أختاً لأم فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء فى الثلث يستوى فى ذلك ذَكَرُهم وأنثاهم بمقتضى الشركة من بعد أداء الديون التى عليه وتنفيذ الوصية التى لا تضر بالورثة، وهى التى لا تتجاوز ثلث الباقى بعد الدين، فالزموا - أيها المؤمنون - ما وصاكم الله به، فإنه عليم بمن جار أو عدل منكم، حليم لا يعاجل الجائر بعقوبة. 13- تلك الأحكام المذكورة فى بيان المواريث وما سبقها، شرائع الله التى حدَّدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها، ومن يطع الله ورسوله فيما حكم به كان جزاؤه الجنة التى تجرى فيها الأنهار خالداً فيها وذلك الفوز العظيم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أزواجكم: الأزواج هنا الزوجات. ولد: المراد هنا بالولد ابن الصلب ذكراً كان أو أنثى وولد الولد مثله. الربع: واحد من أربعة. كَلاَلَة: الكلالة أن يهلك هالك ولا يترك ولداً ولا والداً ويرثه إخوته لأمه. له أخ أو أخت: أي من الأم. غير مضار: بهما - أي الوصية والدين - أحداً من الورثة. حليم: لا يعاجل بالعقوبة على المعصية. معنى الآية الكريمة: كانت الآية قبل هذه في بيان الوراثة بالنسب وجاءت هذه في بيان الوراثة بالمصاهرة والوارثون بالمصاهرة الزوج والزوجات قال تعالى: ولكم نصف ما ترك أزواجكم فمن ماتت وتركت مالاً ولم تترك وَلَداً ولا وَلَدَ ولدٍ ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها النصف، وإن تركت ولداً أو ولد ولد ذكراً كان أو أنثى فإن لزوجها من تركتها الربع لا غير لقول الله تعالى {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ}. وهذا من بعد سداد الدين إن كان على الهالكة دين، وبعد إخراج الوصية إن أوصت الهالكة بشيء، لقوله تعالى {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}.هذا ميراث الزوج أما ميراث الزوجة من زوجها فهو الربع إن لم يترك الزوج ولداً ولا ولد ولد ذكراً كان أو أنثى فإن ترك ولداً أو ولد ولد فللزوجة الثمن، وهذا معنى قوله تعالى {وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ}. هذا وإن كان للزوج الهالك زوجتان أو أكثر فإنهن يشتركن في الربع بالتساوي إن لم يكن للهالك ولد، وإن كان له ولد فلهن الثمن يشتركن فيه بالتساوي وقوله تعالى وإن كان رجلٌ يورث كلالة أو امرأة أي تورث كلالة أيضاً، والموروث كلالة وهو من ليس له والد ولا ولد، وإنما يرثة إخوته لأمه كما في هذه الآية أو إخوته لأبيه وأمه كم في آية الكلالة في آخر هذه السورة، فإن كان له أخ من أمه فله السدس وكذا إن كانت له أخت فلها السدس، وإن كانوا اثنين فأكثر فلهم الثلث لقوله تعالى: وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة، ولَه أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصيّة يُوصى بها أو دين غير مضار، بأن يوصى بأكثر من الثلث، أو يقر بدين وليس عليه دين وإنما حسدا للورثة أو بغضا لهم لا غير، فإن تبين ذلك فلا تنفذ الوصية ولا يسدد الدين وتقسم التركة كلها على الورثة، وقوله تعالى: وصّية من الله أي وصاكم أيها المؤمنون بهذا وصيّة فهي جديرة بالاحترام والامتثال. والله عليم بنياتكم وأحوالكم وما يضركم وما ينفعكم فسلموا له قسمته وأطيعوه فيها وهو حليم لا يعاجل بالعقوبة فلا يغركم حلمه إن بطشه شديد وعذابه أليم. هداية الآية من هداية الآية: 1- بيان ميراث الزوج من زوجته، والزوجة والزوجات من زوجهن. 2- بيان ميراث الكلالة وهو من لا يترك والداً ولا ولداً فيرثه إخوته فقط يحوطون به إحاطة الإِكليل بالرأس فلذا سُمِيّت الكلالة. 3- إهمال الوصيّة أو الدين إن علم إن الغرض منها الإِضرار بالورثة فقط. 4- عظم شأن المواريث فيجب معرفة ذلك وتنفيذه كما وصى الله تعالى.

القطان

تفسير : ونصيب الزوج من زوجته نصف الميراث ان لم يكن لها ولد منه أو من غيره، فان كان لها ولد فللزوج الربع. ونصيب الزوجة أو الزوجات، من زوجهنّ الرُّبع اذا لم يكن له ولد، فان كان له منهن او من غيرهن ولد ـ فللزوجة أو الزوجات الثمن. وولد الولد كالولد فيما تقدم. وكل هذه القسمة من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين. وبعد ان بيّن سبحانه وتعالى حكم ميراث الأولاد والوالدين والأزواج ممن يتصل بالميت مباشرة ـ شرع يبين من يتصل به بالواسطة، وهو الكلالة، فقال: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً...} وان كان الميت رجلا أو أمراة يورَث كلالة، اي ليس له ولد ولا والد ولا أم، وترك أخاً لأم أو اختا لأم ـ فنصيب كل واحد منهما السدس. فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث للذَّكر مثل الانثى، من بعد تنفيذ الوصية وقضاء الدَّين ان وُجد. وفي كل ما تقدم يجب ان تكون الوصية من ثلث الميراث فقط، لا تزيد عليه، حتى لا تضر الورثة. وقلنا هنا إن الأخ والأخوات لأم، لأن الإخوة الاشقاء سيأتي حكمهم في آخر السورة. والوصية مستحسنة، وقد قال علي بن أبي طالب: لأن أُوصي بالخمس أحبّ الي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحبُّ الي من أن أوصي بالثلث. فالزموا ايها المؤمنون ما وصاكم الله به، فانه عليم بما ينفعكم، حليم لا يعاجل الجائر بالعقوبة. قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر وابن عباس عن عاصم "يوصى" بفتح الصاد.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَزْوَاجُكُمْ} {كَلاَلَةً} {وَاحِدٍ} (12) - يُبَيّنُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المِيرَاثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَبَيْنَ الإِخْوَةِ: فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ مَالِ زَوْجَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ، وَالنِّصُفُ الآخَرُ يَرِثُهُ عَصَبَتُهَا أوْ ذَوُو أرْحَامِهَا. أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا وَلَدٌ، فِإنَّ الزَّوْجَ يَرِثُ الرُّبْعَ. وَلِلزَّوْجَةِ رُبْعُ المِيرَاثِ إنْ لَم يَكُنْ لِزَوْجِهَا وَلَدٌ، فِإنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ وَرِثَتِ الزَّوْجَةُ الثُّمُنَ، بَعْدَ أدَاءِ الدَّيْنِ وَإخْرَاجِ الوَصِيَّةِ. وَإذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أصُولٌ (آبَاءٌ) أوْ فُرُوعٌ (أبْنَاءٌ أوْ أحْفَادٌ) وَوَرِثَهُ إخْوَتُهُ وَحَوَاشِيهِ (وَالكَلاَلَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الإِكْلِيلِ وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِالرَّأسِ مِنْ جَوَانِبِهِ) فَيُخْرَجُ الدَّيْنُ أَوَّلاً، ثُمَّ تُخْرَجُ الوَصِيَّةُ، ثُمَّ تُوَزَّعُ التَّرِكَةُ مِيرَاثاً عَلَى المُسْتَحِقِّينَ. وَالأخُ المَذْكُورُ فِي هَذِهِ الآيةِ هُوَ الأخُ لأمٍّ، وَكَذَلِكَ الأُخْتُ. وَالإِخْوَةُ لأمٍّ يَخْتَلِفُونَ عَنْ بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ مِنْ وُجُوهٍ: (أ) - فَهُمْ يَرِثُونَ مَعْ مَنْ أدْلوا بِهِ وَهُوَ الأمُّ. (ب) - ذُكُورُهُمْ وَإنَاثُهُمْ سَواءٌ فِي المِيْرَاثِ. (ج) - لاَ يَرِثُونَ إلا إذا كَانَ المَيِّتْ يُورَثُ كَلاَلَةً، فَلاَ يَرِثُونَ مَعَ الأصْلِ وَالفَرْعِ. (د) - لاَ يُزَادُونَ عَنِ الثُّلُثِ وَإنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ} يَعْنِي أنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ التِي يُوصِي بِهَا المِيِّتُ يُقْصَدُ بِهَا العَدْلُ، وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الإِضْرَارِ وَالجُورِ وَالحَيْفِ، كَأنْ يُرِيدَ حِرْمَانَ بَعْضِ الوَرَثَةِ، أَوْ إنْقَاصِ حِصَّتِهِمْ أوْ زِيَادَتَهَا عَمَّا فَرَضَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الفَرِيضَةِ، فَمَنْ سَعَى فِي ذَلِكَ كَانَ كَمَنْ يُضَادُّ اللهَ فِي حُكْمِهِ وَشَرْعِهِ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ: "حديث : الإِضْرَارُ فِي الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبَائِرِ"تفسير : . وَاللهُ تَعَالَى عَليمٌ بِمَا يَنْفَعُكُمْ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِنِيَّاتِ المُوَصِّينَ مِنْكُمْ، حَلِيمٌ لاَ يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ أحْكَامِهِ عَسَى أنْ تَتُوبُوا إليهِ. غَيْرَ مُضَارٍّ - لاَ يُقْصَدُ بِهِ إلى الإِضْرَارِ. كَلاَلَةً - مَيِّتٌ لاَ وَلَدَ لَهُ وَلاَ وَالِدَ وَحَوْلَهُ وَرَثَةٌ مِنْ حَوَاشِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآيات تسير في إيضاح حق الذكر مثل حظ الأنثيين؛ وهذه عدالة؛ لأن الرجل حين تموت امرأته قد يتزوج حتى يبني حياته، والمرأة حين يموت زوجها فإنها تأخذ ميراثها منه وهي عرضة أن تتزوج وتكون مسئولة من الزوج الجديد. إن المسألة كما أرادها الله تحقق العدالة الكاملة. والكلالة - كما قلنا - أنه ليس للمتوفي والد أو ولد، أي لا أصل له ولا فصل متفرع منه. فإذا كان للرجل الكلالة أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء بالثلث، وذلك أيضاً من بعد الوصية التي يوصى بها أو دين. ولماذا يتم تقرير هذا الأمر؟ لنرجع مرة أخرى إلى آية الكلالة التي جاءت في آخر سورة النساء. إن الحق يقول فيها: {أية : فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [النساء: 176]. في الآية الأولى التي نحن بصددها يكون للواحد من الإخوة سدس ما ترك إذا انفرد، فإذا كان معه غيره فهم شركاء في الثلث. هذا إذا كانوا إخوة من الأم. أما الآية التي يختص بها الحق الأختين بالثلثين من التركة إذا لم يكن معهما ما يعصبهما من الذكور فهي في الإخوة الأشقاء أو الأب، هكذا يفصل القرآن ويوضح بدقة مطلقة. وماذا يعني قوله الحق: {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم} [النساء: 12]؟ إنه سبحانه يريد إقامة العدل، فلا ضرر لأحد على الإطلاق في تطبيق شرع الله؛ لأن الضرر إنما يأتي من الأهواء التي تفسد قسمة الله. فقد يكون هناك مَنْ يرغب ألا يرث العم من بنات أخيه الشقيق، أو لأب، أو يريد آخر ألا يُدْخل أولاد الإخوة الذكور أشقاء أو لأب في ميراث العمة أو بنات العم الشقيق أو لأب، لمثل هؤلاء من أصحاب الهوى نقول: إن الغرم على قدر الغنم، بالله لو أنك مت وتركت بنات ولهن عمّ، أليس مطلوباً من العم أن يربي البنات؟ فلماذا يجبر الحق العم على رعاية بنات أخيه إن توفي الأخ ولم يترك شيئاً؟ لذلك يجب أن تلتفت إلى حقيقة الأمر عندما يأتي نصيب للعم في الميراث. وعلينا أن نعرف أن الغرم أمامه الغنم. وقلنا: إن القرآن الكريم يجب أن يؤخذ جميعه فيما يتعلق بالأحكام، فإذا كان في سورة النساء هذه يقول الحق سبحانه وتعالى في آخر آية منها: {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [النساء: 176]. فما الفرق بين الكلالة حين يجعل الله للمنفردة النصف وللاثنتين الثلثين، وبين الكلالة التي يجعل الله فيها للمنفرد السدس، ويجعل للأكثر من فرد الاشتراك في الثلث دون تمييز للذكر على الأنثى؟ لابد أن نفرق بين كلالة وكلالة.. هما متحدتان في أنه لا أصل ولا فرع للمتوفي. والمسألة هنا تتعلق بالإخوة. ونقول: إن الإخوة لها مصادر متعددة. هذه المصادر إما إخوة من أب وأم، وإما أخوة لأب، وإما إخوة لأم. فإذا كان أخ شقيق أو لأب فهو من العصبة الأصلية، وهما المعنيان في الآية 176 من السورة نفسها. وبذلك تكون آية السدس والثلث التي نحن بصددها الآن متعلقة بالإخوة لأم. إذن فالكلالة إما أن يكون الوارث أخاً لأم فقط، وإما أن يكون أخاً لأب، أو أخاً لأب وأم. فالحكمان لذلك مختلفان؛ لأن موضع كل منهما مختلف عن الآخر. وإلا لو أن مستشرقاً قرأ هذه الآية وقرأ الآية الأخرى وكلتاهما متعلقتان بميراث الكلالة، وأراد هذا المستشرق أن يبحث عن شيء يطعن به ديننا ويطعن به القرآن لقال - والعياذ بالله - القرآن متضارب، فهو مرة يقول: للكلالة السدس، ومرة يقول: الثلث، ومرة أخرى النصف، ومرة أخرى الثلثان، ومرة للذكر مثل حظ الأنثيين! ونرد على من يقول ذلك: أنت لم تلاحظ المقصود الفعلي والواقعي للكلالة؛ لذلك فأنت تفهم شيئاً وتغيب عنك أشياء. والحق قال: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ..} [النساء: 12] ولنا أن نلاحظ أن في كل توريث هذه "البعدية" أي أن التوريث لا يتأتى إلا من بعد الوصية الواجبة النفاذ والدَّيْن. ولنا أن نسأل: أيهما ينفذ أولاً، الوصية أم الدين؟ والإجابة: لا شك أنه الدين؛ لأن الدين إلزام بحق في الذمة، والوصية تطوع، فكيف تقدم الوصية - وهي التطوع - على الدين، وهو للإلزام في الذمة. وعندما يقول: {غَيْرَ مُضَآرٍّ ..} [النساء: 12] لابد أن نعرف جيداً أن شرع الله لن يضر أحداً، وما المقصود بذلك؟ المقصود به الموصي، ففي بعض الأحيان يكون المورِّث كارهاً لبعض المستحقين لحقهم في ميراثه، فيأتي ليوصي بمنع توريثهم أو تقليل الأنصباء، أو يأتي لواحد بعيد يريد أن يعطيه شيئاً من الميراث ولا يعطي لمَنْ يكرهه من أهله وأقاربه المستحقين في ميراثه، فيقر لذلك الإنسان بدين، فإذا ما أقر له بدين حتى وإن كان مستغرقاً للتركة كلها، فهو يأخذ الدين وبذلك يترك الورثة بلا ميراث. وهذا يحدث في الحياة ونراه، فبعض من الناس أعطاهم الله البنات ولم يعطهم الله ولداً ذكراً يعصِّبهم، فيقول الواحد من هؤلاء لنفسه: إن الأعمام ستدخل، وأبناء الأعمام سيدخلون في ميراثي، فيريد أن يوزع التركة على بناته فقط، فيكتب ديناً على نفسه للبنات. ونقول لهذا الإنسان: لا تجحف، أنت نظرت إلى أن هؤلاء يرثون منك، ولكن يجب أن تنظر إلى الطرف المقابل وهو أنك إذا مت ولم تترك لبناتك شيئاً وهن لا عصبة لهن، فمَنْ المسئول عنهن؟ إنهم الأعمام، فالغرم هنا مقابل الغنم، ولماذا تطلب البنات الأعمام أمام القضاء ليأخذن النفقة منهم في حالة وفاة الأب دون أن يترك له ثروة. فكيف تمنع عن إخوتك ما قرره الله لهم؟ وهناك بعض من الناس يرغب الواحد منهم ألا يعطي عمومته أو إخوته لأي سبب من الأسباب، فماذا يفعل؟ إنه يضع الوصية؛ لذلك حدد الإسلام الوصية بمقدار الثلث، حتى لا تحدث مضارة للورثة. وقد حاول البعض من هؤلاء الناس أن يدّعوا كذباً، أن هناك ديناً عليهم، والدين مستغرق للتركة حتى لا يأخذ الأقارب شيئاً. والإنسان في هذا الموقف عليه أن يعرف أنه واقف في كل لحظة في الحياة أو الممات أمام الله، وكل إنسان أمين على نفسه. لذلك قال الحق سبحانه: {أية : آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 11]. والحق يلفتنا ألا نضر أحداً بأي تصرف؛ لأنها توصية من الله لكل ما يتعلق بالحكم توريثاً ووصية وأداء دين، كل ذلك توصية من الله، والتوصية ليست من مخلوق لمخلوق، ولكنها من الله؛ لذلك ففيها إلزام وفرض، فسبحانه القائل: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً ..} تفسير : [الشورى: 13]. والوصية هنا افتراض، ومثل ذلك يقول الحق: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 151]. وما دامت التوصية تأتي من المالك الأعلى، فمعنى ذلك أنها افتراض، ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد تناولها بالخواطر الإيمانية: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم} [النساء: 12] أي إياكم أن تتصرفوا تصرفاً قد يقره ويمضيه القضاء، ولكنه لا يبرئكم أمام الله؛ لأنه قد قام على باطل. مثال ذلك: هناك إنسان يموت وعليه دين، عندئذ يجب تسديد الدين، لكن أن يكتب الرجل ديناً على نفسه غير حقيقي ليحرم بعضاً من أقاربه من الميراث فعليه أن يعرف أن الله عليم بالنوايا التي وراء التصرفات. فإن عمَّيتم أيها البشر على قضاء الأرض، فلن تعموا على قضاء السماء. وهذه مسألة تحتاج إلى علم يتغلغل في النوايا، إذن فمسألة القضاء هذه هي خلاف بين البشر والبشر، ولكن مسألة الديانة وما يفترضه الحق، فهو موضوع بين الرب وبين عبيده، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث شريف: "حديث : إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إليّ، فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمَنْ قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ". تفسير : إن الرسول يعلمنا أنه بشر، أي أنه لا يملك علم الغيب ومداخل المسائل، وعندما يرفع المسلمون إليه قضاياهم فقد يكون أحدهم أكثر قدرة على الفصاحة وذلاقة اللسان، ويستطيع أن يقلب الباطل حقاً، والآخر قليل الحيلة، فيحكم النبي بمقتضى البيِّنة القضائية، ولكن الأمر الواقع يتنافى مع تسلسل الحق؛ لذلك يعلمنا أنه بشر، وأننا حين نختصم إليه يجب ألا يستخدم واحد منا ذلاقة اللسان في أخذ ما ليس له؛ لأنه حتى لو أخذ شيئاً ليس له بحكم من الرسول صلى الله عليه وسلم، فليعلم أنه يأخذ قطعة من الجحيم. إذن فمعنى ذلك أنه يجب علينا أن نحذر في الأمور، فلا نُعَمِّي ولا نأخذ شيئاً بسلطان القضاء ونهمل مسألة الديانة. فالأمور التي تتعلق بالدِّين لا يجوز للمؤمن المساس بها، إياكم أن تظنوا أن حكم أي حاكم يحلل حراماً أو يحرم حلالاً، لا. فالحلال بيّن، والحرام بيّن، والقاضي عليه أن يحكم بالبينات الواضحة. ومثال على ذلك: هب أنك اقترضت من واحد ألفاً من الجنيهات، وأخذ عليك صكاً، ثم جاء المقترض وسدد ما عليه من قرض وقال لمَنْ اقترض منه: "عندما تذهب إلى منزلك أرجو أن ترسل لي الصك" ثم سبق قضاء الله، وقال أهل الميت: "إن الصك عندنا" واحتكموا إلى القضاء ليأخذوا الدَّين. هنا يحكم القضاء بضرورة تسديد الدين مرة أخرى، لكن حكم الدِّين في ذلك يختلف، فالرجل قد سدد الدين ولا يصح أبداً أن يأخذ الورثة الدَّين مرة أخرى إذا علموا أن مورِّثهم حصل على دينه. ولذلك يقول لنا الحق: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيم} [النساء: 12] حتى نفرق بين الديانة وبين القضاء. والحق يقول لنا: إنه: {حَلِيم} [النساء: 12] فإياك أن تغتر بأن واحداً حدث منه ذلك، ولم ينتقم الله منه في الدنيا، فعدم انتقام الله منه في الدنيا لا يدلّ على أنه تَصَرَّفَ حلالاً، لكن هذا حلم من الله وإمهال وإرجاء ولكنَّ هناك عقاباً في الآخرة. وبعد بيان هذه الأمور يقول الحق سبحانه وتعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً} فالكَلاَلَةُ: مَنْ لَمْ يَرِثهُ أَبٌ أَو ابنٌ. والكَلاَلَةُ: الأُخْوةُ والأَخَواتُ مِنَ الأُمِ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ} الآية. لما ذكر تعالى ميراث الفروع من الأصول وميراث الأصول من الفروع أخذ في ذكر ميراث المتصلين بالسبب لا بالنسب وهو الزوجية هنا ولم يذكر في القرآن التوارث بسبب الولاء والتوارث المستقر في الشرع هو بالنسب والسبب الشامل للزوجية والولاء وكان في صدر الاسلام يتوارث بالموالاة والحلف والهجرة فنسخ ذلك وقدم ذكر ميراث سبب الزوجية على ذكر الكلالة وإن كان بالنسب لتواشج ما بين الزوجين واتصالهما واستغناء كل واحد منهما بعشرة صاحبه دون عشرة الكلالة. وبدىء بخطاب الرجال لما لهم من الدرجات على النساء ولما كان الذكر من الأولاد حظه من الأنثى مثل حظ الأنثيين جعل في سبب التزوج الذكر له مثلاً حظ الأنثى ومعنى فإِن كان لهن ولد أي منكم أيها الوارثون أو في غيركم، والولد هنا ظاهره أنه في ولدته لبطنها ذكراً كان أو أنثى واحداً كان أو أكثر وحكم بين الذكور منها وإن سفلوا حكم الولد للبطن في أن فرض الزوج منها الربع مع وجوده بإِجماع والكلالة خلوّ الميت عن الولد والوالد. والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوة من الاعياء، فاستعيرت للقرابة من غير جهة الولد والوالد لأنها بالاضافة إلى قرابتها كالة ضعيفة. وقرىء يورث مبنياً للمفعول، ويورث مبنياً للفاعل، فعلى قراءة من قرأ يورث فانتصابها على المال من الضمير المستكن في يورث إذا وقع على الوارث احتيج إلى تقدير ذا كلالة لأن الكلالة ليست نفس الضمير في يورث، وإن كان معنى الكلالة القرابة فانتصابها على أنه مفعول من أجله أي يورث لأجل الكلالة. وعلى قراءة من قرأ يورث بكسر الراء فإِن كانت الكلالة هي الميت فانتصابها على الحال والمفعولان محذوفان التقدير يورث وارثه ما له في حال كونه كلالة وإن كان المعنى بها الوارث فانتصاب الكلالة على المفعول به بيورث ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره يورث كلالة ماله أو القرابة فعلى المفعول من أجله والمفعولان محذوفان أيضاً. {أَو ٱمْرَأَةٌ} معطوف على قوله: رجل، وحذف منه الكلالة لدلالة ما قبلها عليه وظاهر. {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} الاطلاق إذ الاخوة تكون من الاخياف والأعيان وأولاد العلات وأجمعوا على أن المراد في هذه الآية الاخوة للأم ويوضح ذلك قراءة أبيّ وله أخ أو أخت من الأم. {فَإِن كَانُوۤاْ} الضمير عائد على الوارث ومعنى أكثر زائداً على أخ أو أخت. {فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ} وسيأتي أيضاً حكم الكلالة في آخر هذه السورة وجاءت الوصية مطلقة وهي مقيدة في الشرع بالثلث فما دونه إن كان للموصي وارث فإِن لم يكن له وارث فأجاز شريك وأبو حنيفة وأصحابه الوصية بجميع ماله. {غَيْرَ مُضَآرٍّ} انتصب على الحال من الفاعل في يوصي وهذا القيد ليس مخصوصاً بهذه الآية الأخيرة بل هو معتبر في قوله: يوصي أولاً ويوصين وتوصون وحذف لدلالة ما بعده عليه، والمعنى غير مضار ورثته ووجوه الضرر كثيرة كان يوصي بأكثر من الثلث أو يجابى به أو يهبه أو يصرفه إلى وجوه القرب من عتق وغيره فراراً عن وارث محتاج أو يقر بدين ليس عليه. وانتصب: {وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ} على أنه مصدر مؤكد أي يوصيكم الله بذلك وصية كما انتصب فريضة من الله أو مصدر في موضع الحال والعامل يوصيكم. وقرىء بإِضافة مضار لوصية، والمعنى غير مضار في وصية حذف في وأضاف اسم الفاعل كما قال: شعر : يا سارق الليلة أهل الدار تفسير : أصله يا سارقاً في الليلة، وانظر إلى حسن هذا التقسيم في الميراث وسبب الميراث هو الاتصال بالميت فإِن كان بغير واسطة فهو السبب وبدأ فيه بالفروع والأصول أو بسبب وهو الزوجية فالأول ذاتي والثاني عرضي ثم ذكر آخر الكلالة وهي الميراث الحواشي وليس أصولاً ولا فروعاً للميت والمذكورون في الآيتين قبل آية الكلالة لا يسقط أحد منهم في الميراث بخلاف الكلالة.

الجيلاني

تفسير : {وَلَكُمْ} أيها الذكور {نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ} من الإناث {إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ} منكم أو من غيركم، أو ولد ولدس وإن سفل {فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ} أو ولد ولدٍ كما ذكر {فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} هن أيضاً {مِن بَعْدِ} تنفيذ {وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ} للفقراء {أَوْ} أداء {دَيْنٍ} لازمٍ عليهن {وَلَهُنَّ} أي: للنساء الوارثات {ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} أيها الأزواج {إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ} منها أو من غيرها، أو ولد ولدٍ مثل ما مر {فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ} على التعميم المذكور {فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم} ذلك أيضاً {مِّن بَعْدِ} تنفيذ {وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَآ} تقرباً إلى الله {أَوْ} قضاء {دَيْنٍ} لزم على ذمتكم. {وَإِن كَانَ} المتوفى {رَجُلٌ يُورَثُ} منه، وكان {كَلَٰلَةً} ليس لها والد ولا ولد {أَو ٱمْرَأَةٌ} كذلك {وَلَهُ} للرجل {أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} لأمٍ؛ لأن حكم الأخ والأخت من الأبوين أو من الأب سيجيء في آخر السورة، فلا بد أن يصرف ها هنا إلى ما صرف {فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ} من ماله {فَإِن كَانُوۤاْ} أي: الإخوة والأخوات من الأم {أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ} بأجمعهم {شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ} على السوية؛ لاشتراك السبب بينهم، ذلك أيضاً {مِن بَعْدِ} إخراج {وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} يُقتضى فعليكم أيها الحكام أن تتخذوا هذه القسمة {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً} عهداً صادراً، ناشئاً {مِّنَ ٱللَّهِ} لإصلاح أحوال عباده {وَٱللَّهُ} المصلحُ بين عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم {حَلِيمٌ} [النساء: 12] لا يعجل بالانتقام على من امتنع عن حكمه.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 204 : 30 : 40 - سفين عن أبي داود عن عكرمة عن ابن عباس قال، الضرار عند الوصية من الكبائر، ثم قرأ {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ} الى قوله عز وجل {أية : عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [النساء: 14] [الآية 12].