٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد بيان سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد ترغيبا في الطاعة وترهيبا عن المعصية فقال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } وفيه بحثان. البحث الأول: ان قوله: {تِلْكَ } إشارة إلى ماذا؟ فيه قولان: الأول: أنه إشارة إلى أحوال المواريث. القول الثاني: أنه إشارة الى كل ما ذكره من أول السورة الى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم، حجة القول الأول أن الضمير يعود الى أقرب المذكورات، وحجة القول الثاني أن عوده الى الأقرب اذا لم يمنع من عوده الى الأبعد مانع يوجب عوده الى الكل. البحث الثاني: أن المراد بحدود الله المقدرات التي ذكرها وبينها، وحد الشيء طرفه الذي يمتاز به عن غيره، ومنه حدود الدار، والقول الدال على حقيقة الشيء يسمى حداً له، لأن ذلك القول يمنع غيره من الدخول فيه، وغيره هو كل ما سواه. المسألة الثانية: قال بعضهم: قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وقوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } مختص بمن أطاع أو عصى في هذه التكاليف المذكورة في هذه السورة، وقال المحققون: بل هو عام يدخل فيه هذا وغيره، وذلك لأن اللفظ عام فوجب أن يتناول الكل. أقصى ما في الباب ان هذا العام إنما ذكر عقيب تكاليف خاصة، إلا أن هذا القدر لا يقتضي تخصيص العموم، ألا ترى أن الوالد قد يقبل على ولده ويوبخه في أمر مخصوص، ثم يقول: احذر مخالفتي ومعصيتي ويكون مقصوده منعه من معصيته في جميع الأمور، فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الثالثة: قرأ نافع وابن عامر: (ندخله جنات) (ندخله نارا)بالنون في الحرفين، والباقون بالياء. أما الأول: فعلى طريقة الالتفات كما في قوله: {أية : بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } تفسير : [آل عمران: 150] ثم قال: {أية : سَنُلْقِى } تفسير : [آل عمران: 151] بالنون. وأما الثاني: فوجهه ظاهر. المسألة الرابعة: ههنا سؤال وهو أن قوله: {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ } إنما يليق بالواحد ثم قوله بعد ذلك {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } إنما يليق بالجمع فكيف التوفيق بينهما؟ الجواب: أن كلمة (من) في قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ } مفرد في اللفظ جمع في المعنى فلهذا صح الوجهان. المسألة الخامسة: انتصب «خالدين» «وخالدا» على الحال من الهاء في «ندخله» والتقدير: ندخله خالدا في النار. المسألة السادسة: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن فساق أهل الصلاة يبقون مخلدين في النار. وذلك لأن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } إما أن يكون مخصوصا بمن تعدى في الحدود التي سبق ذكرها وهي حدود المواريث، أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى التقديرين يلزم دخول من تعدى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تعدى وهو من أهل الصلاة أو ليس من أهل الصلاة، فدلت هذه الآية على القطع بالوعيد، وعلى ان الوعيد مخلد، ولا يقال: هذا الوعيد مختص بمن تعدى حدود الله، وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر. فانه هو الذي تعدى جميع حدود الله، فانا نقول: هذا مدفوع من وجهين: الأول: انا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود الله خرجت الآية عن الفائدة لأن الله تعالى نهى عن اليهودية والنصرانية والمجوسية، فتعدي جميع حدوده هو أن يترك جميع هذه النواهي، وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والمجوسية والنصرانية معا وذلك محال، فثبت أن تعدى جميع حدود الله محال فلو كان المراد من الآية ذلك لخرجت الآية عن كونها مفيدة، فعلمنا ان المراد منه أي حد كان من حدود الله. الثاني: هو أن هذه الآية مذكورة عقيب آيات قسمة المواريث، فيكون المراد من قوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } تعدى حدود الله في الأمور المذكورة في هذه الآيات. وعلى هذا التقدير يسقط هذا السؤال. هذا منتهى تقرير المعتزلة وقد ذكرنا هذه المسألة على سبيل الاستقصاء في سورة البقرة. ولا بأس بأن نعيد طرفا منها في هذا الموضع فنقول: أجمعنا على أن هذا الوعيد مختص بعدم التوبة لأن الدليل دل على انه إذا حصلت التوبة لم يبق هذا الوعيد، فكذا يجوز أن يكون مشروطا بعدم العفو، فان بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو امتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفو، ونحن قد ذكرنا الدلائل الكثيرة على حصول العفو، ثم نقول: هذا العموم مخصوص بالكافر، ويدل عليه وجهان: الأول: انا إذا قلنا لكم: ما الدليل على أن كلمة (من) في معرض الشرط تفيد العموم؟ قلتم: الدليل عليه أنه يصح الاستثناء منه، والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: ان صح هذا الدليل فهو يدل على أن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } مختص بالكافر: لأن جميع المعاصي يصح استثناؤها من هذا اللفظ فيقال: ومن يعص الله ورسوله إلا في الكفر، والا في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ } في جميع أنواع المعاصي والقبائح وذلك لا يتحقق إلا في حق الكافر، وقوله: الاتيان بجميع المعاصي محال لأن الاتيان باليهودية والنصرانية معا محال، فنقول: ظاهر اللفظ يقتضي العموم إلا إذا قام مخصص عقلي أو شرعي، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم ويقوي ما ذكرناه. الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية مختصة بالكافر: أن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يفيد كونه فاعلا للمعصية والذنب، وقوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } لو كان المراد منه عين ذلك للزم التكرار، وهو خلاف الأصل، فوجب حمله على الكفر، وقوله: بأنا نحمل هذه الآية على تعدي الحدود المذكورة في المواريث. قلنا: هب أنه كذلك إلا أنه يسقط ما ذكرناه من السؤال بهذا الكلام، لأن التعدي في حدود المواريث تارة يكون بأن يعتقد أن تلك التكاليف والأحكام حق وواجبة القبول إلا أنه يتركها، وتارة يكون بأن يعتقد أنها واقعة لا على وجه الحكمة والصواب، فيكون هذا هو الغاية في تعدي الحدود، وأما الأول فلا يكاد يطلق في حقه أنه تعدى حدود الله، وإلا لزم وقوع التكرار كما ذكرناه، فعلمنا أن هذا الوعيد مختص بالكافر الذي لا يرضى بما ذكره الله في هذه الآية من قسمة المواريث، فهذا ما يختص بهذه الآية من المباحث، وأما بقية الأسئلة فقد تقدم ذكرها في سورة البقرة،والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {تِلْكَ} إشارة إلى الأحكام التي قدمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث. {حُدُودُ ٱللَّهِ} شرائعه التي هي كالحدود المحدودة التي لا يجوز مجاوزتها. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.
ابن كثير
تفسير : أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة؛ بحسب قربهم من الميت، واحتياجهم إليه، وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها، ولهذا قال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيها، فلم يزد بعض الورثة، ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته { يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـارُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: لكونه غير ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن أيوب عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى، حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة» قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} ـ إلى قوله ـ {عَذَابٌ مُّهِينٌ} قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عَبْدَة بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُدَّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت، فيُضارّان في الوصية، فتجب لهما النار» تفسير : وقال: قرأ عليّ أبو هريرة من ههنا: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٌٍّ} ـ حتى بلغ ـ {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عبد الله بن جابر الحداني، به، وقال الترمذي: حسن غريب، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {تِلْكَ } الأحكام المذكورة من أمر اليتامى وما بعده {حُدُودُ ٱللَّهِ } شرائعه التي حدّها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدّوها {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيما حكم به {يُدْخِلْهُ } بالياء والنون التفاتا {جَنَّٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {تَلْكَ حُدُودُ اللهِ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: شروط الله، وهو قول السدي. والثاني: طاعة الله، وهو قول ابن عباس. والثالث: سُنّة الله وأمرُه. والرابع: فرائض الله التي حدها لعباده. والخامس: تفصيلات الله لفرائضه.
ابن عطية
تفسير : وقوله: {تلك حدود الله} الآية {تلك} إشارة إلى القسمة المتقدمة في المواريث، والحد: الحجز المانع لأمر ما أن يدخل على غيره أو يدخل عليه غيره، ومن هذا قولهم للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه إحداد المرأة وهو امتناعها عن الزينة، هذا هو الحد في هذه الآية، وقوله: {من تحتها} يريد من تحت بنائها، وأشجارها الذي من أجله سميت جنة، لأن أنهار الجنة إنما هي على وجه أرضها في غير أخاديد، وحكى الطبري: أن الحدود عند السدي هنا شروط الله، وعند ابن عباس: طاعة الله، وعند بعضهم، سنة الله، وعند بعضهم، فرائض الله، وهذا كله معنى واحد وعبارة مختلفة، و {خالدين} قال الزجاج: هي حالة على التقدير، أي مقدرين {خالدين فيها}, وجمع {خالدين} على معنى {من} بعد أن تقدم الإفراد مراعاة للفظ {من} وعكس هذا لا يجوز. وقوله: {ومن يعص الله ورسوله} الآية، قرأ نافع وابن عامر " ندخله" بنون العظمة، وقرأ الباقون, يدخله بالياء فيهما جميعاً، وهذه آيتا وعد ووعيد، وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجَّى الله تعالى على التزام هذه الحدود في قسمة الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة، وقد كلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن وغيره.
ابن عبد السلام
تفسير : {حُدُودُ اللَّهِ} شروطه، أو طاعته، أو سننه وأمره، أو فرائضه التي حدها للعباد، أو تفصيله لفرائضه.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {تلك حدود الله} يعني الأحكام التي تقدم ذكرها في هذه السورة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث وإنما سماها حدوداً لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها وقال ابن عباس يريد ما حد الله من فرائضه {ومن يطع الله ورسوله} يعني في شأن المواريث ورضي بما قسم الله له وحكم عليه {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله} يعني في شأن المواريث ولم يرض بقسمة الله ورسوله {ويتعد حدوده} يعني ويتجاوز ما أمر الله تعالى به {يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} فإن قلت كيف قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم إن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار. قلت قال الضحاك المعصية هنا الشرك وروى عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية من لم يرض بقسمة الله ويتعد ما قال الله يدخله ناراً وقال الكلبي: يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدود الله استحلالاً إذا ثبت ذلك فمن رد حكم الله ولم يرض بقسمته كفر بذلك وإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل وفاته إذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلداً في النار بكفره فلا دليل في الآية للمعتزلة والله أعلم. قوله تعالى: {واللاتي} هو جمع التي وهي يخبر بها عن المؤنثة خاصة {يأتين الفاحشة} يعني يفعلن الفاحشة يقال أتيت أمراً قبيحاً إذا فعلته والفاحشة في اللغة الفعلة القبيحة، وقيل الفاحشة عبارة عن كل فعل أو قول يعظم قبحه في النفوس ويقبح ذكره في الألسنة حتى يبلغ الغاية في جنسه وذلك مخصوص بشهوة الفرج الحرام ولذلك أجمعوا على أن الفاحشة ها هنا هي الزنا وإنما سمي الزنى فاحشة لزيادة قبحه {من نسائكم} قيل هن الزوجات وقيل المراد بهن جنس النساء {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} يعني من المسلمين وهذا خطاب للأزواج أي اطلبوا أربعة من الشهود ليشهدوا عليهن وقيل هو خطاب للحكام اي استمعوا شهادة أربع عليهن. ويشترط في هذه الشهادة العدالة والذكورة قال عمر بن الخطاب: إنما جعل الله الشهود أربعة ستراً يستركم به دون فواحشكم {فإن شهدوا} يعني الشهود بالزنا {فأمسكوهن في البيوت} أي فاحبسوهن في البيوت والحكمة في حبسهن أن المرأة إنما تقع في الزنى عند الخروج والبروز للرجال فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنى {حتى يتوفاهن الموت} يعني تتوفاهن ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن {أو يجعل الله لهن سبيلاً} وهذا الحكم كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ثم نسخ الحبس بالحدود وجعل الله لهن سبيلاً (م) عن عبادة بن الصامت قال: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه حكم كرب لذلك وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم فبقي كذلك فلما سري عنه قال: حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". تفسير : فصل اتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة ثم اختلفوا في ناسخها فذهب بعضهم إلى أن ناسخها هو حديث عبادة بن الصامت المتقدم وهذا على مذهب من يرى نسخ القرآن بالسنة وذهب بعضهم إلى أن الآية الحد التي في سورة النور وقيل إن هذه الآية منسوخة الصامت المتقدم وهذا على مذهب من يرى نسخ القرآن بالنسة بالحديث والحديث منسوخ بآية الجلد وقال أبو سلمان الخطابي: لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في الحديث وذلك لأن قوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً} يدل على إمساكهن في البيوت ممدوداً إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلاً وأن ذلك السبيل كان مجملاً فلما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً" تفسير : الحديث صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية المجملة لا ناسخاً لها. وأجمع العلماء على جلد البكر الزاني مائة ورجم المحصن وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف البلوغ والعقل والحرية والإصابة في نكاح صحيح وهو الثيب واختلفوا في جلد الثيب ورجمه فذهب طائفة إلى أنه يجب الجمع بينهما وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والحسن وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال جماهير العلماء الواجب على المحصن الزاني الرجم وحده لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما. وأما تغريب البكر والزاني ونفيه سنة فمذهب الشافعي وجماهير العلماء وجوب ذلك وقال أبو حنيفة وحماد لا يقضى بالنفي أحد إلاّ أن يراه الحاكم تعزيراً، وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء ويروى مثله عن علي قال لأن المرأة عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة وحجة الشافعي وجماهير العلماء ظاهر حديث عبادة بن الصامت وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" تفسير : وروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وإن عمر ضرب وغرب وإن كان الزاني عبداً فعليه جلد خمسين وفي تغريبه قولين. فإن قلنا إنه يغرب ففيه قولان أصحهما أنه يغرب سنة قياساً على حده وأن كان الزاني مجنوناً أو أنه يغرب ففيه قولان: أصحهما أنه يغرب نصف سنة قياساً على حده وإن كان الزاني مجنوناً أو غير بالغ فلا جلد عليه.
ابن عادل
تفسير : لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية. وقوله تعالى: {تِلْكَ} إشارة إلى ما ذكر من المواريث؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ. وقيل: إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ: الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار؛ لأنَّها تميزها من غيرها. قوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وقوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. قيل: مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة. وقال المحقِّقُون: بل هو عام؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ. قوله: {يُدْخِلْهُ} حَمَلَ على لفظ "مَنْ"، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله: {يُطِعِ ٱللَّهَ} و{يُدْخِلْهُ} وعلى معناها، فجمع في قوله: {خَالِدِينَ} وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني: الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ. قوله: {خَالِدِينَ} في نصبه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في {يُدْخِلْهُ} وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول. والثَّاني: أن يكون نَعْتاً لـ {جَنَّاتٍ} من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً، نحو: مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، فـ "قائمة" وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ. وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون: إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين؛ نحو: " زيدٌ عمرو ضاربُه هو"، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو: "زيدٌ هندُ ضاربُها"، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ. واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ {أية : إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} تفسير : [الأحزاب:53] بجر "غير" مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال: غير ناظرين إناه أنتم. ومنه قول الآخر: [البسيط] شعر : 1767- قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ تفسير : ولم يقل: بَانُوهَا هُمْ. وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره: هم بانوها فـ "قومي" مبتدأ أوَّلٌ، و"ذُرا" مبتدأ ثان، و"هُمْ مبتدأ ثالث، و"بانوها" خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل. وقد منع الزمخشريُّ كون "خَالِدينَ" و"خَالِداً" صفةٌ لـ "جَنَّاتِ" و"ناراً". فقال: فإن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين لـ "جنات" و "ناراً"؟ قلت: لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك: "خالدين هم فيها"، و"خالداً هو فيها". ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع "خالداً" ولم يتعرض لذلك مع "خالدين" ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ. وقرأ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا "نُدْخِلْهُ" في الموضعين، وفي سورة الفتح [الآية 17] وفي سورة التغابن [الآية 9] والطلاق [الآية 11] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى. فإن قيل: كيف جمع {خَالِدِينَ} في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين؟. فالجواب: قالوا: لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً لـ "جنات"، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد "دخل" من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به؟ الأوَّل: قول الجمهور. والثاني: قول الأخفش، فكذلك {جَنَّاتٍ}، و {نَاراً}. فصل قالت المعتزلةُ: هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار؛ لأنَّ قوله {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ: هذا مدفوع من وجهين: الأوَّلُ: أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه. الثَّاني: أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث. وأجيب بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول: هذا العموم مخصوصٌ بالكافر لوجهين: الأوَّلُ: أنا إذا قلنا لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة "من" في معرض الشَّرط تفيد العموم؟ قلتم: لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [منه، والاستثناء] يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول: إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يختص بالكافرِ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال: ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي أن قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله: الإتيان بجميع المعاصي محال قال: وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول: ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم. والوجه الثاني: في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله: "ويتعد حدوده" لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم: تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث. قلنا: هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [يكون] بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [يكون] بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث. فصل قال ابن عبَّاسٍ: الإضرار في الوصيَّة من الكبائر؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد. وفي الحديث "حديث : إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [اللَّهُ] بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ". تفسير : وفي الحديث: "حديث : مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة" تفسير : والزيادة في الوصيَّة تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر.
البقاعي
تفسير : ولما كان فطم أنفسهم عن منع الأطفال والنساء شديداً عليهم لمرونهم عليه بمرور الدهور الطويلة على إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه الترغيب والترهيب لئلا يغتر بوصف الحليم، فقال معظماً للأمر بأداة البعد ومشيراً إلى جميع ما تقدم من أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره: {تلك} أي هذه الحدود الجليلة النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة، بل من أول القرآن {حدود الله} أي الملك الأعظم، فمن راعاها - ولو لم يقصد طاعته، بل رفعاً لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على الضعيف المنبىء عن البخل وسفول الهمة - نال خيراً كبيراً، فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ممن يطيع الله {ومن يطع الله} الحائز لصفتي الجلال والإكرام {ورسوله} أي في جميع طاعاته هذه وغيرها، بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه؛ قال الأصبهاني: "من" عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه. ولما تشوف السامع بكليته إلى الخبر التفت إليه تعظيماً للأمر - على قراءة نافع وابن عامر بالنون - فقال: {ندخله جنات} أي بساتين، وقراءة الجماعة بالياء عظيمة أيضاً لبنائها على الاسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطاً بلذة الالتفات {تجري من تحتها الأنهار} أي لأن أرضها معدن المياه، ففي أي موضع أردت جرى نهر. فهي لا تزال يانعة غضة، وجمع الفائزين بدخول الجنة في قوله: {خالدين فيها} تبشيراً بكثرة الواقف عند هذه الحدود، ولأن منادمة الإخوان من أعلى نعيم الجنان. ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم، بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظماً بأداة البعد: {وذلك} أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها {الفوز العظيم *} أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلى الله عليه وسلم بأنها مطيعة راشدة. ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه الترهيب فطماً لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال: {ومن يعص الله} أي الذي له العظمة كلها {ورسوله} أي في ذلك وغيره {ويتعد حدوده} أي التي حدها في هذه الأحكام وغيرها، وأفرد العاصي في النيران في قوله: {يدخله ناراً خالداً فيها} لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان، ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله: {وله عذاب مهين *}. ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب، وتارة يكون بالزجر والعتاب، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحساناً إليه بكفه عن الفساد، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد، وكان من أفحش العصيان الزنى، وكان الفساد في النساء أكثر، والفتنة بهن أكبر، والضرر منهن أخطر، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم؛ قدمهن فيه اهتماماً بزجرهن فقال: {واللاتي} وهو جمع "التي" ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك {أية : مثنى وثلاث ورباع}تفسير : [النساء: 3] وإلى كثرة الفساد منهن {يأتين} أي يفعلن - من إطلاق السبب على المسبب، والتعبير به أبلغ {الفاحشة} أي الفعلة الشديدة الشناعة، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث وما تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش، وأنه لا ينفي بالمظنة، بل بعد التحقق على ما في سورة النور، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه، وكونه من الزنى، قال ابو حيان في النهر: والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة، ومن الرجال اللواط، ثم بين الموصول بقوله: {من نسائكم} أي الحرائر {فاستشهدوا} أي فاطلبوا أن تشهدوا {عليهن أربعة} من الرجال. ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطاً يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم عليهم قال: {منكم} أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها {فإن شهدوا} أي بذلك {فأمسكوهن} أي فاحبسوهن {في البيوت} أي وامنعوهن من الخروج، فإن ذلك أصون لهن، وليستمر هذا المنع {حتى يتوفاهن الموت} أي يأتيهن وهن وافيات الأعراض {أو يجعل الله} المحيط علمه وحكمته {لهن سبيلاً *} اي للخروج قبل الموت بتبين الحد أو بالنكاح، وإن لم يشهد الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {تلك حدود الله} يعني طاعة الله، يعني المواريث التي سمى. وقوله {ويتعدَّ حدوده} يعني من لم يرض بقسم الله وتعدَّى ما قال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي {تلك حدود الله} بقول: شروط الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {تلك حدود الله} يعني سنة الله وأمره في قسمة الميراث {ومن يطع الله ورسوله} فيقسم الميراث كما أمره الله {ومن يعص الله ورسوله} قال: يخالف أمره في قسمة المواريث {يدخله ناراً خالداً فيها} يعني من يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون، كانوا لا يعدون أن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيباً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {ومن يطع الله ورسوله} قال: في شأن المواريث التي ذكر قبل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة {تلك حدود الله} التي حد لخلقه وفرائضه بينهم في الميراث والقسمة، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {ومن يطع الله ورسوله} قال: من يؤمن بهذه الفرائض. وفي قوله {ومن يعص الله ورسوله} قال من لا يؤمن بها. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة "تفسير : . ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم {تلك حدود الله} إلى قوله {عذاب مهين}. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة ". تفسير : وأخرج ابن ماجه من وجه آخر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث من وجه ثالث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله به ميراثه من الجنة ". تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو.
ابو السعود
تفسير : {تِلْكَ} إشارةٌ إلى الأحكام التي تقدمت في شؤون اليتامى والمواريثِ وغيرِ ذلك {حُدُودُ ٱللَّهِ} أي شرائعُه المحدودةُ التي لا تجوز مجاوزتُها {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في جميع الأوامرِ والنواهي التي من جملتها ما فُصّل هٰهنا، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لما ذكر آنفاً {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ} نُصب على الظرفية عند الجمهورِ وعلى المفعولية عند الأخفشِ {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} صفةٌ لجنات منصوبة حسب انتصابِها {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} حالٌ مقدرةٌ من مفعول يدخِلْه، وصيغةُ الجمعِ بالنظر إلى جمعية (مَنْ) بحسب المعنى كما أن إفرادَ الضميرِ بالنظر إلى إفراده لفظاً {وَذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما مر من دخول الجناتِ الموصوفةِ على وجه الخلودِ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بكمال علوِّ درجتِه {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ وراءَه. وُصف الفوزُ وهو الظفرُ بالخير بالعظيم إما باعتبار مُتعلّقِه أو باعتبار ذاتهِ فإن الفوزَ بالعظيم عظيمٌ والجملةُ اعتراض.
القشيري
تفسير : حدوده: أوامره ونواهيه، وما تعبَّد به عباده. وأصل العبودية حفظ الحدود، وصون العهود، ومَنْ حَفظَ حَدَّه لم يُصِبْهُ مكروه ولا آفة، وأصلُ كلِّ بلاء مجاوزة الحدود.
البقلي
تفسير : {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} حسم الله سبحانه ابواب حكمته فى امر فرائضه فى كميتها وكيفيتها على الخليقة لوضع رقابهم على باب الربوبية عجز او تواضعا فى عظمته وكبريائه واستاثر نفسه بعلم ذلك لئلا تجاوز حدود احد من خلقه ولكل صادر وارد معارفه وكواشفه حد يمنعه من مطالعة صمدية واحديته وحدود الله برزخ بين بحر الحدث وبحر القدم لا ختلطان لان القدم منزه عن مباشرة الحدثان قال محمد بن الفضل حدود الله اوامره ونواهيه فمن تخطاها فقد ضل فى سبيل الرشد قيل تلك حدود الله الا الاظهار من الاحوال المريدين على حسب طاقتهم لها فان التعدى فيها يهلكهم وقال ابو عثمان ما هلك امرء لزم حده ولم يتعد طوره وقال بعض البغداديين العبد ينقلب فى جميع الاوقات على الحدود دخل فى هتك الحرمات قال الله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها لان المرتع الى جانب الحمى ربما يخالط الحمى.
اسماعيل حقي
تفسير : {تلك} اى الاحكام التى تقدمت فى امر اليتامى والوصايا والمواريث {حدود الله} شرائعه التى هى كالحدود المحدودة التى لا يجوز مجاوزتها {ومن يطع الله ورسوله} فى جميع الاوامر والنواهى التى من جملتها ما فصل ههنا {يدخله جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها} صيغة الجمع اى خالدين بالنظر الى جمعية من بحسب المعنى {وذلك} اى هذا الثواب {الفوز العظيم} اى النجاة الوافرة يوم القيامة والظفر الذى لا ظفر وراءه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: توحيد الضمير في {نُدخله} مراعاة للفظ {من}. وجمع الحال في {خالدين} مراعاة للمعنى. و {خالدين} و {خالدًا}: حال مقدرة من ضمير {نُدخله}، كقولك، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدًا به غدًا، وليسا صفتين لجنات ونارًا، وإلا لوجب إبراز الضمير؛ لأنهما جرتا على غير مَنْ هُمَا له. يقول الحقّ جلّ جلاله: {تلك} الأحكام التي شرعناها لكم في أمر الوصايا والمواريث، هي {حدود الله} حدَّها لكم لتقفوا معها ولا تتعدوها {ومن يطع الله} فيما أمر به وحدّه {ورسوله} فيما شرَّعه وسنَّه {ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز} أي: الفلاح {العظيم}، {ومن يعص الله} فيما أمر ونهى، {ورسوله} فيما شرعه، {ويتعدّ حدوده} التي حدها، فتجاوز إلى متابعة هواه، {ندخله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين}. وهذا إذا أنكر مشروعيتها فيكون كافرًا، وإلاَّ كان عاصيًا في حكم المشيئة، ومذهب أهل السنة أنه لا يخلد، وحملوا الآية على الكافر، أو عبارة عن طول المدة، كما في قاتل النفس. والله أعلم. الإشارة: قد حدَّ الحق ـ جل جلاله ـ لأهل الشريعة الظاهرة حدودًا قام ببيانها العلماء، وحدَّ لأهل الحقيقة ـ وهي سر الولاية ـ حدودًا، قام بها الأولياء، فمن قام بحدود الشريعة الظاهرة كان من المؤمنين الصالحين، ومن تعداها كان من العاصين الظالمين، ومن قام بحدود الحقيقة الباطنية، وصحب أهلها كان المحسنين العارفين المقربين، ودخل جنة المعارف، ومن تعدَّ حدود الحقيقة، أو لم يصحب أهلها كان من عوام أهل اليمين، وله عذاب الحجاب في غم الحساب، وقال في الحاشية: في حد حدوده إشارة للعبودية، في إخراج كل عن نظره واختياره، ثم انقياده وذلته لحكم ربه، والوقوف عند حدوده. وقال الورتجبي: قيل: {تلك حدود الله} أي: الإظهار من الأحوال للمريدين على حسب طاقتهم لها، فإن التعدي فيها يهلكهم، وقال أبو عثمان: ما هلك امرؤ لزم حده ولم يتعد طوره. هـ. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة: قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون في الموضعين، الباقون بالياء، فمن قرأ بالياء فلأن ما تقدم لفظ الغائب ومن قرأ بالنون عدل عن خطاب الغائب إلى الاخبار عن الله بنون العظمة، كما قال: {أية : بل الله مولاكم } تفسير : وقال بعده: "سنلقي" فعدل عن الغائب. المعنى، والاعراب: قال الفراء، والزجاج: معنى {تلك} هذه، كأنه قال هذه حدود الله واختلفوا في معنى الحدود، فقال السدي: تلك شروط الله، وقال ابن عباس: تلك طاعة الله، وقال قوم: تلك فرائض الله وأمره، وقال قوم: تلك تفصيلات الله لفرائضه، وهو الأقوى، لأن أصل الحد هو الفصل، مأخوذاً من حدود الدار التي تفصلها من غيرها، فمعنى الآية: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض التي فرضها لأحيائكم من أمواتكم حدود الله، يعني فصول بين طاعة الله ومعصيته على ما قال ابن عباس، والمعنى تلك حدود طاعة الله، وانما اختص لوضوح المعنى للمخاطبين. فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله، فما الفائدة في هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - للتأكيد، والثاني - أن الوجه في إعادته ما علق به من الوعد والوعيد الصريح. فان قيل: لم خصت الطاعة في قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واجب في كل طاعة إذا فعلت لوجه الوجوب؟ قلنا: للبيان عن عظم موقع هذه الطاعة، مع التذكير بما يستحق عليها ترغيباً فيها بوعد مقطوع. وقوله: {يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} نصب على الحال. قال الزجاج والتقدير: يدخلهم مقدرين الخلود فيها، والحال يستقبل فيها، كما تقول: مررت برجل معه باز، صائداً به غدا، أي يقدِّر الصيد به غدا. وقوله: {وذلك الفوز العظيم} معناه الفلاح العظيم، فوصفه بأنه عظيم ولم يبين بالاضافة إلى ماذا، لأن المراد به أنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الخيانة في التركة، من حيث كان أمر الدنيا حقيراً بالاضافة إلى أمر الآخرة. وقوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده} معناه يعصي الله فيما بينه من الفرائض، وأموال اليتامى، {ويتعد} معناه: يتجاوز ما بين له، {يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين} وخالداً نصب على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من الهاء في يدخله. والآخر - أن يكون صفة لنار في قول الزجاج، كقولك: زيد مررت بدار ساكن فيها، على حذف الضمير، والتقدير: ساكن هو فيها، لأن إسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل لو قلت: يسكن فيها. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن فاسق أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب لا محالة، وهذا لا دلالة لهم فيه من وجوه، لأن قوله: {ويتعد حدوده} إشارة إلى من يتعدى جميع حدود الله، ومن كان كذلك فعندنا يكون كافراً، وأيضاً فلا خلاف أن الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة، وإن كان فعل المعصية، وتعدى حداً فانه خارج منها، فان جاز لهم إخراج الصغيرة منها لدليل، جاز لنا أن نخرج من يتفضل الله عليه بالعفو، أو يشفع فيه النبي (صلى الله عليه وسلم). وأيضاً فان التائب لا بد من إخراجه من هذه الآية لقيام الدلالة على وجوب قبول التوبة، فكذلك يجب أن يشترط من يتفضل الله باسقاط عقابه، فان قالوا: قبول التوبة واجب، والعفو ليس بواجب، قلنا: قبول التوبة واجب إذا حصلت، وكذلك سقوط العقاب واجب إذا حصل العفو، فان قالوا: يجوز أن لا يختار الله العفو، قلنا: وكذلك يجوز ألا يختار العاصي التوبة، فان جعلوا الآية دالة على أن الله لا يختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالة على أن العاصي لا يختار التوبة، على أن هذه الآية معارضة بآيات كثيرة، في وقوع العفو، كقوله: {أية : ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } تفسير : على ما سنبينه فيما بعد. وقوله: {أية : إن الله يغفر الذنوب جميعاً } تفسير : وقوله:{أية : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم }تفسير : فان شرطوا في آياتنا التوبة، شرطنا في آياتهم إرتفاع العفو، والكلام في ذلك مستقصىً في الوعيد، لا نطول بذكره هذا الكتاب. ويمكن - مع تسليم ذلك - أن تحمل الآية على من يتعدى الحدود مستحلا لها، فانه يكون كافراً، ويتناوله الوعيد، على أن عند كثير من المرجئة العموم لا صيغة له، فمن أين ان "من" يفيد جميع العصاة؟ وما المنكر أن تكون الآية مختصة بالكفار.
الجنابذي
تفسير : {تِلْكَ} التّى امرناكم بها من آداب المعاشرة في حقّ اليتامى والازواج والتّوارث {حُدُودُ ٱللَّهِ} الّتى من تجاوز عنها افترسه الغيلان ومن دخل فيها كان آمنا {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في المحافظة على حدوده صار من خواصّ الله، ومن صار من خواصّ الله {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} آية الفروض والانصباء وان كانت مجملة غير وافية بتمام الفروض ولا ببيان الزّيادة على الفروض ولا النّقيصة عنها لكن اهل الكتاب الّذين نزل فيهم بيّنوه لنا فلا حاجة لنا الى ما قاسته عقولنا النّاقصة ومسئلة العول والتّعصيب الّتى هى من امّهات ما تخالف العامّة والخاصّة فيها نشأت من الاعراض عن اهل الكتاب والاتّكال على العقول النّاقصة في كلّ باب.
الهواري
تفسير : قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} أي: سنته وأمره في قسمة المواريث. {وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} أي في قسمة المواريث كما أمره الله، {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} قد فسّرنا الفوز العظيم قبل هذا الموضع. وقال بعضهم: تلك حدود الله التي حدّ لخلقه، وفرائضه بينهم من الميراث وقسمته، فانتهوا إليها، ولا تتعدوا ذلك إلى غيره. قال: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ} في قسمة المواريث ولم يقسمها كما أمره الله، وذلك أن [المنافقين كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان الصغار، كانوا يظهرون الإِسلام وهم على ما كانوا عليه في الشرك وكان] أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان، وإنما كَانُوا يُوَرِّثُونَ من يحترف وينفع ويدفع. قوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} أي يخالف أمره في قسمة المواريث {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي من الهوان. ذكر عن عبد الله بن عمر قال: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى إذا كان عند موته حاف في وصيته، فجعل ذلك خاتمة عمله فأدخله النار. وقال بعضهم: من أجنف في وصيته سلكت به في وادي ألوى تفرغ في جهنم.
اطفيش
تفسير : {تِلْكَ}: الأحكام المذكورة من أمر النكاح واليتامى وأولى القربى والمساكين وما بعده من الوصايا والمواريث. {حُدُودُ اللَّهِ}: أحكامه الممنوع مجاوزتها. {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: يفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه فى الميراث وغيره. {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}: أفرد الضمير المحل فى {يطع} ويدخله نظراً للفظ من جمع خالداً باعتبار معناها، ونصب خالدين على أنه حال مقدرة من الهاء، وليس حالا من جنات الموصوفة بالجملة، ولا نعتاً لها لأن النعت والحال ونحوهما إذا جرين على غير ما هن له برز الضمير فيهن، وهنا لم يبرز، ولو برز لقيل: خالدين هم، وأجاز الكوفيون ألا يبرز إذا لم يكن لبس، كما هنا، وكذا خالداً حال من هاء يدخله، مقدرة لانعت لـ "نارا" لعدم البروز، إذ لم يقل: خالداً هو، وأجازه الكوفيون لعدم اللبس. وقرأ غير نافع وابن عامر: يدخله بالمثنات التحتية فى الموضع، أى: يدخله الله. {وَذلِكَ}: المذكور من دخول الجنات والخلود فيها، أو ذلك الخلود. {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}: الذى لا يعد غيره فوزاً بالنسبة إليه، وذلك باعتبار حظوظ النفس، وإلا فحلاوة الطاعة وحب الله أعظم.
اطفيش
تفسير : {تِلكَ} الأشياء المذكورة من النكاح وأمر اليتامى والميراث والوصايا والديون {حُدُودُ اللهِ} حدها وشرعها، لا تتجاوز ما وجب فعله، لا يترك، وما حرم لا يفعل، ولا يكون الوارث عبداً، ولا مشركا، ولا قاتلا المورث مشركا مخالفاً لملة مشرك، ويتوارث مشركان متفقان ملة، والبسط فى الفروع {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمر به وفيما نهى عنه {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ} جمع مراعاة لمعنى من، وهو حال مِن مَن، أو نعت جنات، أو حال من جنات، وضميره المستتر عائد إليهم لا إليها، ولم يبرز لظهور المراد، هذا قول الكوفيين ولو برز لقيل خالداهم، ومن العجيب إجازة حمل الآية عليه مع أنه لا دليل عليه ولا داعى إليه {فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}.
الالوسي
تفسير : {تِلْكَ} أي الأحكام المذكورة في شؤون اليتامى والمواريث وغيرها، واقتصر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على المواريث {حُدُودُ ٱللَّهِ} أي شرائعه أو طاعته أو تفصيلاته أو شروطه، وأطلقت عليها الحدود لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض، والإظهار في مقام الإضمار لما مرت الإشارة إليه {يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ} نصب على الظرفية عند الجمهور، وعلى المفعولية عند الأخفش. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} أي من تحت أشجارها وأبنيتها، وقد مرّ الكلام في ذلك {ٱلأَنْهـٰرَ} أي ماؤها {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدرة من مفعول {يُدْخِلْهُ } لأن الخلود بعد الدخول فهو نظير قولك: مررت برجل معه صقر يصيد به غداً، وصيغة الجمع لمراعاة معنى {مِنْ} كما أن إفراد الضمير لمراعاة لفظها {وَذَٰلِكَ} أي دخول الجنات على الوجه المذكور {ٱلْفَوْزُ} أي الفلاح والظفر بالخير {ٱلْعَظِيمِ} في نفسه أو بالإضافة إلى حيازة التركة على ما قيل؛ والجملة اعتراض.
ابن عاشور
تفسير : الإشارة إلى المعاني والجمل المتقدّمة. والحدود جمع حَدّ، وهو ظرف المكان الذي يميز عن مكان آخر بحيث يمنع تجاوزه، واستُعمل الحدود هنا مجازاً في العمل الذي لا تحلّ مخالفته على طريقة التمثيل. ومعنى {ومن يطع الله ورسوله} أنّه يتابع حدوده كما دلّ عليه قوله في مقابله {ويتعد حدوده}. وقولُه: {خالداً فيها} استُعمل الخلود في طول المدّة. أو أريد من عصيان الله ورسوله العصيان الأتمُّ وهو نبذ الإيمان، لأنّ القوم يومئذ كانوا قد دخلوا في الإيمان ونبذوا الكفر، فكانوا حريصين على العمل بوصايا الإسلام، فما يخالف ذلك إلاّ من كان غير ثابت الإيمان إلاّ من تاب. ولعلّ قوله: {وله عذاب مهين} تقسيم، لأنّ العصيان أنواع: منه ما يوجب الخلود، ومنه ما يوجب العذاب المهين، وقرينة ذلك أنّ عطف {وله عذاب مهين} على الخلود في النار لا يُحتاج إليه إذا لم يكن مراداً به التقسيم، فيضطرّ إلى جعله زيادةَ توكيد، أو تقول إنّ محط العطف هو وصفه بالمهين لأنّ العرب أباة الضيم، شمّ الأنوف، فقد يحذرون الإهانة أكثر ممّا يحذرون عذاب النار، ومن الأمثال المأثورة في حكاياتهم (النار ولا العار). وفي كتاب «الآداب» في أعجاز أبياته «والحرّ يصبر خوف العار للنار». وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو جعفر {ندخله} في الموضعين هنا ــــ بنون العظمة، وقرأه الجمهور ــــ بياء الغيبة ــــ والضمير عائد إلى اسم الجلالة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تلك حدود الله: تلك إسم إشارة أشير به إلى سائر ما تقدم من أحكام النكاح وكفالة اليتامى وتحريم أكل مال اليتيم، وقسمة التركات. وحدود الله هي ما حده لنا وبينه من طاعته وحرم علينا الخروج عنه والتعدي له. الفوز العظيم: هو النجاة من النار ودخول الجنة. العذاب المهين: ما كان فيه إهانة للمعذب بالتقريع والتوبيخ ونحو ذلك. معنى الآيتين: لما بين تعالى ما شاء من أحكام الشرع وحدود الدين أشار إلى ذلك بقوله: تلك حدود الله قد بينتها لكم وأمرتكم بالتزامها، ومن يطع الله ورسوله فيها وفي غيرها من الشرائع والأحكام فجزاؤه أنه يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، أنهار العسل واللبن والخمر والماء، وهذا هو الفوز العظيم حيث نجاه من النار وأدخله الجنة يخلد فيها أبدا. ومن يعص الله تعالى ورسوله بتعد تلك الحدود وغيرها من الشرائع والأحكام ومات على ذلك فجزاؤه أن يدخله ناراً يخلد فيها وله عذاب مهين. والعياذ بالله من عذابه وشر عقابه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان حرمة تعدي حدود الله تعالى. 2- بيان ثواب طاعة الله ورسوله وهو الخلود في الجنة. 3- بيان جزاء معصية الله ورسوله وهو الخلود في النار والعذاب المهين فيها.
القطان
تفسير : تلك الأحكام المذكورة في بيان المواريث وما سبقها، هي شرائع الله تعالى التي حددها لعباده ليعلموا بها ولا يتعدّوها، فمن استقام وأطاع الله والرسول واتبع هذه الشرائع كان جزاؤه الجنة التي تجري فيها الأنهار خالدا فيها، منعماً راضياً مرضيّا، وذلك هو الفوز العظيم. ومن لم يتقيد بها فانه يكون عاصيا لله والرسول، فجزاؤه نار جهنم مخلداً فيها معذباً مهانا. قراءات: قرأ نافع وابن عامر "ندخله" بالنون.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (13) - وَهَذِهِ الأنْصِبَةُ التِي حَدَّدَهَا اللهُ تَعَالَى لِلْوَرَثَةِ بِحَسَبِ قُرْبِهِمْ مِنَ المَيِّتِ هِيَ حُدُودُ اللهِ، فَلاَ تَعْتَدُوا فِيها، وَلاَ تَتَجَاوَزُوهَا. وَمَنْ يُطِعْ أَمْرَ اللهِ، وَأَمْرَ رَسُولِهِ، فِيمَا فَرَضَهُ اللهُ لِلْوَرَثَةِ، فَلَمْ يُنْقِصْ لِبَعْضِهِمْ، وَلَمْ يَزِدْ بَعْضَهُمْ بِحِيلةٍ .. أَدْخَلَهُ اللهُ جَنَّةً تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ خَالِداً فِيها، وَهَذا هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ. حُدُودُ اللهِ - حُدُودُ مَا شَرَعَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأحكام المتقدمة والأمور السابقة كلها حدود الله، وحين يحدّ الله حدوداً، أي يمنع أن يلتبس حق بحق، أو أن يلتبس حق بباطل؛ فهو الذي يضع الحدود وهو الذي فصل حقوقاً عن حقوق. ونحن عندما نقوم بفصل حقوق عن حقوق في البيوت والأراضي فنحن نضع حدوداً واضحة، ومعنى "حد" أي فاصل بين حقين بحيث لا يأخذ أحد ما ليس له من آخر. والحدود التي نصنعها نحن والتي قد لا يتنبه إليها كثير من الناس، هي نوعان: نوع لا يتعدى بالبناء، فعندما يريد واحد أن يبني، فالأول يبني على الأرض التي هي حق له، ويكون الجداران ملتصقين بعضهما ببعض. وعندما يزرع فلاح بجانب فلاح آخر فكل فلاح يزرع في أرضه وبين القطعتين حد، وهذا يحدث في النفع. لكن لنفترض أن فلاحاً يريد أن يزرع أرزاً، وجاره لن يزرع أرزاً، فالذي لن يزرع الأرز قد تأخذ أرضه مياهاً زائدة، فالمياه تصلح للأرز وقد تفسد غيره، ولذلك يكون الحكم هنا أن يقيم زارع الأرز حداً اسمه "حد الجيرة" ليمنع الضرر، وهو ليس "حد الملكية" فزارع الأرز هنا ينقص من زراعته مسافة مترين، ويصنع بهما حد الجيرة، حتى لا تتعدى المياه التي يُروى بها الأرز إلى أرض الجار. إنه حد يمنع الضرر، وهو يختلف عن الحد الذي يمنع التملك. إذن فمن ناحية حماية الإنسان لنفسه من أن يوقع الضرر بالآخرين عليه أن ينتبه إلى المقولة الواضحة: "لا تجعل حقك عند آخر حدك، بل اجعل حقك في الانتفاع بعيداً عن حدك"، وهذا في الملكية. وذلك إذا كان انتفاعك بما تملكه كله سيضر بجارك. وكذلك يعاملنا الله، ويقول في الأوامر: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 229]. وفي النواهي يقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187]. أي أنك إذا ما تلقيت أمراً، فلا تتعد هذا الأمر، وهذه هي الملكية، وإذا ما تلقيت نهياً فلا تقرب الأمر المنهي عنه. مثال ذلك النهي عن الخمر، فالحق لا يقول: "لا تشرب الخمر"، وإنما يقول: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 90]. أي لا تذهب إلى المكان الذي توجد فيه من الأصل، كن في جانب وهذه الأشياء في جانب آخر. ولذلك قلنا في قصة أكل آدم من الشجرة: أقال الحق: "لا تأكلا من الشجرة"؟ أم قال ولا تقربا هذه الشجرة؟ سبحانه قال: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ..} تفسير : [الأعراف: 19]. وهذا حد اسمه "حد عدم المضارة" إنه أمر بعدم الاقتراب حتى لا يصاب الإنسان بشهوة أو رغبة الأكل من الشجرة. وكذلك مجالس الخمر لأنها قد تغريك. ففي الأوامر يقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 229] وهذا ما يتعلق بالملكية. وفي النواهي يقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مُشْتَبِهات لا يعلمها كثير من الناس فمَنْ اتقى المشبّهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومَنْ وقع في المشبَّهات وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يُوشك أن يُواقِعَه، ألا وإن لكل ملك حِمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صَلَحتْ صَلَحَ الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" . لذلك تجنب حدود الله. مثال ذلك قول الحق: {أية : وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي ٱلْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 187]. إن الحق يأمر المعتكف بالمسجد أنه عندما تأتي له زوجة لتناقشه في أمر ما فعلى المؤمن أن يمتثل لأمر الله بعدم مباشرة الزوجة في المسجد. ولا يجعل المسائل قريبة من المباشرة، لأن ذلك من حدود الله. وسبحانه يقول: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187]. وهنا في مسائل الميراث يقول الحق: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [النساء: 13]. وكان يكفي أن يقول الحق - من بعد بيان الحدود -: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ ..} [النساء: 13] ولكنه قال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ..} [النساء: 13] وذلك لبيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع حدوداً من عنده لما حل، وأن يضع حدوداً لما حرم. وهذا تفويض من الله لرسوله في أنه يُشرِّع؛ لذلك فلا تقل في كل شيء: "أريد الحكم من القرآن". ونرى مَنْ يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه حرام حرمناه. هؤلاء لم يلتفتوا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم مفوض في التشريع وهو القائل: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. إنه صلى الله عليه وسلم مفوض من الله، وهؤلاء الذين ينادون بالاحتكام إلى القرآن فحسب يريدون أن يشككوا في سنة رسول الله، إنهم يحتكمون إلى كتاب الله، وينسون أو يتجاهلون أن في الكتاب الكريم تفويضاً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرع. هم يقولون: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وقولهم لمثل هذا الكلام دليل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقول، لأنهم لو لم يقولوا لقلنا: يا رسول الله لقد قلت: روى المقدام بن معدي كرب قال: حرم النبي صلى الله عليه وسلم "أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي وغيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله". فكيف يا سيدي يا رسول الله ذلك، ولم يقل أحد هذا الكلام؟ إذن فقولهم الأحمق دليل على صدق الرسول فيما أخبر. ويسخرهم الحق، فينطقون بمثل هذا القول لنستدل من قول خصوم النبي على صدق كلام النبي. والحق يقول: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ ..} [النساء: 13] والذي يطيع الله ورسوله في الدنيا هو مَنْ أخذ التكليف وطبقه ويكون الجزاء هو دخول الجنة في الآخرة. لكن إدخال الجنة هل هو منهج الدين، أو هو الجزاء على الدين؟ إنه الجزاء على الدين، وموضوع الدين هو السلوك في الدنيا، ومَنْ يسير على منهج الله في الدنيا يدخل الجنة في الآخرة، فالآخرة ليست موضوع الدين، لكن موضوع الدين هو الدنيا، فعندما تريد أن تعزل الدنيا عن الدين نقول لك: لم تجعل للدين موضوعاً، إياك أن تقول: موضوع الدين هو الآخرة لأن الآخرة هي دار الجزاء، وفي حياتنا نأخذ هذا المثل: هل الامتحان موضوع المناهج، أو أن المناهج يقرأها الطالب طوال السنة، وهي موضوع الامتحان؟ إن المناهج التي يدرسها الطالب هي موضوع الامتحان، وكذلك فالدنيا هي موضوع الدِّين، والآخرة هي جزاء لمَنْ نجح ولمَنْ رسب في الموضوع؛ لذلك فإياكم أن تقولوا: دنيا ودين، فلا يوجد فصل بين الدنيا والدين؛ لأن الدنيا هي موضوع الدين. فالدنيا ُتُقابلها الآخرة والدين لهما. الدنيا مزرعة والآخرة محصدة. بهذا نرد على من يقول: إن الدنيا منفصلة عن الدين. ومَنْ يطع الله ورسوله يدخله جنة واحدة أوجنتين أو جنات، وهل دلالة "مَنْ" للواحد؟ لا، إن "مَنْ" تدل على الواحد، وتدل على المثنى وتدل على الجمع، مثال ذلك نقول: جاء مَنْ لقيته أمس ونقول أيضاً: جاء مَنْ لقيتهما أمس، وتقول ثالثاً: جاء مَنْ لقيتهم أمس. إذن فـ"مَنْ" صالحة للمفرد والمثنى والجمع. والحق هنا لا يتكلم عن فرد هنا أو جمع. كما قلنا في أول الفاتحة: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. على الرغم من أن القياس أن تقول: "إياك أعبد وإياك أستعين". لكن قال سبحانه: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5] ليوضح لنا أن المؤمنين كلهم وحدة واحدة في العبادة. وهناك مَنْ يقول إذا دلت: (مَنْ) على المفرد فقد لحظنا لفظها، وإذا دلت على المثنى أو الجمع فقد لحظنا معناها. ولمَنْ يقول ذلك نقول: إن هذا الكلام غير محقق علمياً؛ لأن لفظ "مَنْ" لم يقل أحد إنه للمفرد. بل إنها موضوعة للمفرد والمثنى والجمع. فلا تقل: استعمل لفظ "مَنْ" مراعاة للفظ أو مراعاة للمعنى، لأن لفظ "مَنْ" موضوع لمعان ثلاثة هي المفرد والمثنى والجمع. وقد سألني أخ كريم في جلسة من الجلسات: لماذا يقول الحق سبحانه في سورة الرحمن: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} تفسير : [الرحمن: 46]. فقلت له: إن سورة الرحمن استهلها الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-3]. وبعد ذلك قال الحق: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن: 14-15]. وقال سبحانه: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} تفسير : [الرحمن: 31]. وقال تعالى: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} تفسير : [الرحمن: 33]. إذن فمَنْ خاف مقام ربه، هو من الجن أو من الإنس، إن كان من الجن فله جنة، وإن كان من الإنس فله جنة أخرى. إذن فمَنْ خاف مقام ربه فله جنتان. وهناك مَنْ يقول جنتان لكل واحد من الإنس والجن، لأن الله لا يعاني من أزمة أماكن، فحين شاء أزلاً أن يخلق خلقاً أحصاهم عداً من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، وعامل الكل على أنه مؤمن مطيع، وأنشأ لكل واحد مكانه في الجنة، وعامل سبحانه الكل على أنه عاصٍ، وأنشأ له مقعداً في النار، وذلك حتى لا يفهم أحد أن المسألة هي أزمة أماكن. فإذا دخل صاحب الجنة جنته، بقيت جنة الكافر التي كانت معدة له على فرض أنه مؤمن؛ لذلك يقول الحق: {أية : وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الزخرف :72]. فيرث المؤمنون ما كان قد أعد لغيرهم لو آمنوا. إذن فالمعاني نجدها صواباً عند أي أسلوب من أساليب القرآن. وهنا يقول الحق: {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [النساء: 13] ويجب أن نفهم أن النهر هو الشق الذي يسيل فيه الماء وليس هو الماء، الحق يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [النساء: 13] فأين تجري الأنهار؟ أتجري الأنهار تحت زروعها، أم تحت بنيانها؟ ونعرف أن الزروع هي التي تحتاج إلى مياه، ونحن نريد أن نبعد المياه عن المباني كيف؟ ولكن ليس هناك شيء مستحيل على الله؛ لأنها تصميمات ربانية. فالخلق قد تشق نهراً، ونجد من بعد ذلك النشع يضرب في المباني، لكن تصميمات الحق بطلاقة القدرة؛ تكون فيه الجنات تجري من تحتها مياه الأنهار، ولا يحدث منها نشع، سواء من تحت أبنية الجنات أو من تحت زروعها والذي يقبل على أسلوب ربه ويسأله أن يفيض عليه ويلهمه، فهو - سبحانه - يعطيه ويمنحه فالحق مرة يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [النساء: 13] ومرة أخرى يقول: {أية : جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100] فهذا ممكن وذاك ممكن: فقوله - سبحانه - {أية : جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100] قد يشير إلى أن الأنهار تكون آتية من موقع آخر وتجري وتمر من تحت الجنات. لا. هي تجري منها أيضاً يقول الله تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [النساء: 13] حتى لا يظن أحد أن هناك من يستطيع أن يسد عنك المياه من أعلى. إنها أنهار ذاتية. وعندما نقرأ أن الأنهار تجري من تحت الجنات بما فيها ومَنْ فيها من قصور فقد يقول قائل: ألا أستطيع أن آخذ من هذه وأنا مهندس أضع تصميمات مباني الدنيا وآخذ من قول الحق إنه من الممكن أن تقيم مباني تجري من تحتها الأنهار؟ وبالفعل أخذ البشر هذا الأمر اللافت. نحن نقيم القناطر وهي مبانٍ وتجري من تحتها الأنهار، وعندما تكون المواصفات صحيحة في الطوب والأسمنت إلى آخر المواصفات فلا نشع يحدث ولا خلخلة في المبنى. فالخلل الذي يحدث في المباني عندنا، إنما يأتي من آثر الخيانة في التناول. ومن الممكن أن تجري الأنهار تحت قصور الجنة. التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ألاَ يوحي ذلك للمهندس المسلم أن يحيا في هذه اللفتة الإلهية ويأخذ منها علماً ويستطيع أن يقيم مباني تجري من تحتها الأنهار؟ لو تنبهت إلى ذلك إيمانية مهندس وأخذ يتعلم عن ربه كيفية أداء العمل. لفعل ذلك بتوفيق الله. ولنتكلم على مصر التي تعاني من أزمة إسكان، ونجد أن المساحة المائية تأخذ قدراً كبيراً من الأرض، سواء أكانت النيل، أم الفروع التي تأخذ من النيل، وكذلك الترع الصغيرة وكذلك الطرق فلو أن هناك هندسة إيمانية لاستغلت المساحات والمسطحات المعطلة، نقيم عليها مباني تسع مرافق الدولة كلها، ويتم إنجاز المباني فوق الطرق وفوق المياه وفوق المصارف. وليس معنى ذلك أن نبني كل الأماكن حتى تصير مسدودة بالمباني، ولكن نبني الثلث، ونترك فراغاً مقدار الثلثين حتى لا نفسد المنظر، ولا نتعدى على أرض خضراء مزروعة، إنها إيحاءات إيمانية على المهندس المسلم أن يفكر فيها. إن بلداً كالقاهرة تحتاج إلى مرافق مختلفة متنوعة، ونستطيع أن نبني على الفراغات سواء أكانت فراغات في مساحات النيل شرط مراعاة الفراغات والزروع اللازمة لجمال البيئة وتنقيتها من التلوث. أم نبني المرافق تحت الأرض، ولن تكون هناك أزمات للإسكان أو المرافق، هذا بالإضافة إلى الانتفاع بالصحراء في هذا المجال. والحق يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ..} [النساء: 13] صحيح أن الجنة ستكون نعيماً ليس على قدر تصورك ولكن على قدر كمال وجمال قدرة الحق، فالنعيم الذي يتنعم فيه الإنسان يكون على قدر التصور في معطيات النعيم، وقلنا قديماً: إن عمدة إحدى القرى قال: أريد أن أبني مضيفة وحجرة للتيلفون، ومصطبة نفرشها. هذا هو النعيم في تصور العمدة. ونحن في الحياة نخاف أن نترك النعيم بالموت أو يتركنا النعيم. لكن كيف يكون النعيم عند صانع كل التصورات وهو الحق سبحانه وتعالى؟ لذلك تكون جنات النعيم دائمة، فلا أنت تموت ولا هي تذهب. والخلود هنا له معنى واضح إنه بقاء لا فناء بعده {وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيم} [النساء: 13] وما هو "الفوز"؟ إنه النصر، إنه الغلبة، إنه النجاح، إنه الظفر بالمطلوب. فإذا كان فوزنا في الدنيا يعطينا جائزة نفرح بها، فالفرح قد يستمر مدة الدنيا التي يملكها الواحد منا، فما بالنا بالفوز الذي يأتي في الآخرة وهو فوز الخلود في جنة من صنع ربنا، أليس ذلك فوزاً عظيماً؟ إننا إذا كنا نفرح في الدنيا بالفوز في أمور جزئية فما بالنا بالفوز الذي يمنحه الحق ويليق بعظمته سبحانه وتعالى، ولو قسنا فوز الدنيا بفوز الآخرة لوجدنا فوز الآخرة له مطلق العظمة، ومهما ضحى المؤمن في سبيل الآخرة، فهناك فوز يعوض كل التضحيات، ويسمو على كل هذا. وإذا قال قائل: ألم يكن من الأفضل أن يقول: ذلك الفوز الأعظم نقول له: إنك سطحي الفهم لأنه لو قال ذلك لكان فوز الدنيا عظيماً، لأن الأعظم يقابله العظيم، والعظيم يقابله الحقير فحين يقول الحق عن فوز الآخرة: إنه عظيم، فمعنى ذلك أن فوز الدنيا حقير، والتعبير عن فوز الآخرة هو تعبير من الحق سبحانه. وبعد ذلك يأتي الحق بالمقابل: فيقول: {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} معناهُ فَرَائِضُ الله.
الأندلسي
تفسير : {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} الأولى أن تكون تلك إشارة إلى الأحكام السابقة في أحوال اليتامى والزوجات والوصايا والمواريث وجعل هذه الشرائع حدوداً لأنها مضروبة موقتة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتعدوها إلى غيرها. {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} حمل أولاً على لفظة من في قوله: يطع، ويدخله فأفرد ثم حمل على المعنى في خالدين فجمع وانتصاب خالدين على الحال المقدرة والعامل فيه يدخله وصاحب الحال هو ضمير المفعول في يدخله. قال ابن عطية: وجمع خالدين على معنى من بعد أن تقدم الأفراد مراعاة للفظ من وعكس هذا لا يجوز. "انتهى". وما ذكر أنه لا يجوز من تقدم الحمل على المعنى ثم على اللفظ جائز عند النحويين. وفي مراعاة الحمليْن تفصيل وخلاف مذكور في كتب النحو المطولة. وقال الزمخشري: فإِن قلت: هل يجوز أن يكونا صفتين لجنات وناراً؟ قلت: لا لأنهما جريا على غير من هماله فلا بد من الضمير وهو قولك خالدين هم فيها وخالدا هو فيها. "انتهى". وما ذكره ليس مجمعاً عليه بل فرع على مذهب البصريين وأما عند الكوفيين فيجوز ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذا لم يلبس على تفصيل لهم في ذلك ذكر في النحو وقد جوز ذلك في الآية الزجاج والتبريزي أخذاً بمذهب الكوفيين. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ} حمل على لفظ من في جميع الضمائر فأفرد وزاد هاهنا على العصيان تعدى الحدود وذكر مقابلة الإِهانة لأنه لا يتعداها إلا من اغتر فناسبته الاهانة. وأفرد هنا خالداً وجمع في الآية قبله لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع في غيره دخلها هو ومن يشفع فيه والعاصي لا يدخل النار به غيره فبقي وحيداً. "انتهى". {وَٱللاَّتِي} جمع التي وهي إحدى الجموع التي لها. والفاحشة هنا الزنا بإِجماع من المفسرين، إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصبهاني في أن الفاحشة هنا المساحقة، وإن قوله: واللذان يأتيانها منكم في اللواط. وقول غيرهما من المفسرين أن الآيتين في الزنا ومناسبة الآيتين لما قبلهما أنه ذكر من يعصي الله ويتعدى حدوده فاتبع ذلك بذكر بعض أحوال العصاة. {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} السبيل هو ما استقر عليه حكم الزنا من الحد، وهو: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب رجم بالحجارة وثبت تفسير السبيل، بهذا من حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجب المصير إليه. وحديث عبادة ليس بناسخ لهذه الآية ولا لآية الجلد بل هو مبيّن لمجمل في هذه الآية إذ غيا إمساكهن في البيوت إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً وهو مخصص لعموم آية الجلد وفي تفسير مجاهد وأبي مسلم في الفاحشة انها السحاق فالسبيل عندهما أن تتزوج المساحقة. وفي قوله: {فَٱسْتَشْهِدُواْ} دلالة على طلب الاستشهاد وجواز نظر الشاهد إلى فرج المزنيّ بها لأجل الشهادة. {وَٱللَّذَانِ} تثنية الذي وغلب التذكير إذا المراد الزاني والزانية. وقرىء للذان بالتشديد. {يَأْتِيَانِهَا} الضمير عائد على الفاحشة. {فَآذُوهُمَا} يدل على مطلق الإِيذاء وتبين في غير هذه الآية تعيين الأذى بالجلد والرجم للمحض وبالجلد فقط للبكرين واعتبار شهادة أربعة في هذه الآية كما سبق في الآية قبلها. {فَإِن تَابَا} أي عن المعصية. {وَأَصْلَحَا} عملهما في الطاعة. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} هي متاركة. ودل ذلك على أن الأذى المذكور في الآية ليس ما تقرر آخراً في الشرع من الجلد والرجم، بل هو ضرب بالأيدي والنعال وتقبيح للفعل، وما أشبه ذلك.
الجيلاني
تفسير : {تِلْكَ} المذكورات من الأمور المتعلقة بأحوال الأموات {حُدُودُ ٱللَّهِ} الموضوعة بينكم أيها المؤمنون بالله ورسوله {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ} في امتثال أوامره واجتناب نواهيه {وَرَسُولَهُ} في جميع ما جاء به من عند ربه من الأمور المتعلقة؛ لتهذيب الظاهر والباطن من الكدورات البشرية والعلائق الدينية {يُدْخِلْهُ} الله بفضله ولطفه {جَنَّاتٍ} منتزهات التوحيد وهي اليقين العلمي والعيني والحقي {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أنهار المعارف الجزئية من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وهم لا يتحولون عنها، بل صاروا {خَالِدِينَ فِيهَا} أبداً {وَذٰلِكَ} أي: الخلود فيها، هو {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [النساء: 13] والفضل الكريم، طوبى لمن فاز من الله بالفوز العظيم. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ} بإنكار الأوامر، والإصرار على النواهي {وَرَسُولَهُ} بالتكذيب والإيذاء وعدم الإطاعة {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} الموضوعة بين عباده {يُدْخِلْهُ} الله باسمه المنتقم {نَاراً} هي نار البعد والطرد عن كنفه وجوده، فصار {خَالِداً فِيهَا} أبداً {وَلَهُ} بعصيانه وإصراره عليه {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14] يبعده عن ساحة عن الحضور. أدركنا بلطفك يا خفي الألطاف. ثم لمَّا بيَّن سبحانه أحكام المواريث وأحكام أحوال المتوارثين، وعين سهامهم وأنصباءهم، أراد أن يحذر المؤمنين عن الزنا التي هي هتك حرمة الله الموضوعة بين الإزواجات الحبية الإلهية، واختلاط الأنساب المصححة للأحكام المذكورة، وبالجملة: هي الخروج عن السنة الإلهية التي سنَّها بين عباده على طريق الحكمة والمصلحة الإلهية الصالحة، والمصلحة لأصل فطرتهم التي خُلقوا عليها، هي التوحيد الذاتي. والزنا يتصور بين المرء والمرأة الأجنبية المحرمة؛ لذلك قدم سبحانه أمر النساء، وبيَّن أحكامهن وأحال حكم الرجال على المقايسة؛ لقباحتها وشناعتها، كأنه استبعد سبحانه عن أهل الإيمان أمثال هذه الآثام والجرائم العظام الأخر الناقصات؛ ولأنهن في أنفسهن شباك شياطين، يصطادون بهن ضعفاء المؤمنين وأقوياءهم أيضاً، على ما نطق به حديث النبي - صلوات الله على قائله -: "حديث : ما آيس الشيطان من ابن آدم إلا ويأتيهم من قبل النساء ".
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وفي قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ} إشارة إلى: إن تلك الوراثة والأنصباء حدود حدها الله لورثة الدين على قدر تعارف أرواحهم في عالم الأرواح، وعلى نسبته مناسباً في القرابة النسبية والسببية، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ". تفسير : {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 13] فقد حق نسبته في الدين، {يُدْخِلْهُ} [النساء: 13] نسبه، {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [النساء: 13] على قدر استحقاقه في الوراثة المحققة بالطاعة؛ لأنه من الوارثين {أية : ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ}تفسير : [المؤمنون: 11]، {وَذٰلِكَ} [النساء: 13] الوراثة والميراث، {ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [النساء: 13]. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [النساء: 14] فقد حق إبطال نسبته في الدين، {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} [النساء: 14] في الوراثة بقرابة الدين عصيانه ويعذبه {يُدْخِلْهُ نَاراً} [النساء: 14]؛ اي: نار القطيعة والحرمان على قدر استحقاقه في المعصية والتعدي، {خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14] من هذا الخلود في نار الحسرة والحرمان، وفوات نعيم الجنان ولقاء الرحمن. ثم أخبر عن مهاد أهل الفواحش بقوله تعالى: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} [النساء: 15]، إشارة في الآيتين: إن اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم هي النفوس الأمارة بالسوء، والفاحشة: ما حرمته الشريعة من أعمال الظاهر وهي المعاصي، وحرمته الطريقة من أحوال الباطن وهي الركون إلى غير الله تعالى، يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأعراف: 33]، فما ظهر منها فهو الأعمال، وما بطن منها فهو الأحوال، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لسعد غيور وأنا أغير منه والله أغير منا"تفسير : ؛ ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ} [النساء: 15]؛ أي: على النفوس بإتيان الفاحشة، {أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} [النساء: 15]؛ أي: من خواص العناصر الأربعة التي أنتم منها مركبون وهي: التراب: ومن خواصه الخسة والركاكة، والذلة والطمع، والمهتانة واللوم، والماء: ومن خواصه اللين والعجز والكسل، والأنوثة والخبوثة، والشره في المأكل والمشرب، والهواء: ومن خواصه الحرص والحسد والبخل، والحقد والعداوة، والشهوة والزينة، والنار: ومن خواصها التبختر والتكبر، والفجر والصلف، والغضب والحدة وسوء الخلق وغير ذلك مما يتعلق بالأخلاق الذميمة، ورأسها حب الدنيا والرياسة واستياء لذاتها وشهواتها، {فَإِن شَهِدُواْ} [النساء: 15]؛ أي: يظهر بعض هذه الصفات من النفوس، {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ} [النساء: 15]، فاحبسوهن في سجن المنع عن التمتعات الدنيوية، فإن الدنيا سجن المؤمن، وأغلقوا عليهن أبواب الحواس الخمس {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} [النساء: 15]؛ أي: تموت النفس إذا انقطع عنها حظوظها دون حقوقها، إلى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : موتوا قبل أن تموتوا"تفسير : ، {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]، بانفتاح روزنة القلوب إلى عالم الغيب، فتهب منها ألطاف الحق وجذبات الإلوهية التي جذبة منها توازي عمل الثقلين. { وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} [النساء: 16]؛ أي: النفس والغالب اللذان يأتيان الفواحش في ظاهر الأفعال والأعمال، وباطن الأحوال والأخلاق {فَآذُوهُمَا} [النساء: 16]، ظاهراً بالحدود، وباطناً بترك الحظوظ وكثرة الرياضات والمجاهدات، {فَإِن تَابَا} [النساء: 16] ظاهراً وباطناً، {وَأَصْلَحَا} [النساء: 16] كذلك {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} [النساء: 16] باللطف بعد العنف، وبالرفق بعد الخرق، وباليسر بعد العسر، {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح: 5]، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً} [النساء: 16]، لمن تاب، {رَّحِيماً} [النساء: 16] لمن أصلح.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة بتقديره تعالى أنصباء الوارثين. ثم قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } فالوصية للوارث بزيادة على حقه يدخل في هذا التعدي، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" ثم ذكر طاعة الله ورسوله ومعصيتهما عموما ليدخل في العموم لزوم حدوده في الفرائض أو ترك ذلك فقال: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } بامتثال أمرهما الذي أعظمه طاعتهما في التوحيد، ثم الأوامر على اختلاف درجاتها واجتناب نهيهما الذي أعظمُه الشرك بالله، ثم المعاصي على اختلاف طبقاتها { يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } فمن أدى الأوامر واجتنب النواهي فلا بد له من دخول الجنة والنجاة من النار. { وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل به النجاة من سخطه وعذابه، والفوز بثوابه ورضوانه بالنعيم المقيم الذي لا يصفه الواصفون. { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ويدخل في اسم المعصية الكفر فما دونه من المعاصي، فلا يكون فيها شبهة للخوارج القائلين بكفر أهل المعاصي فإن الله تعالى رتب دخول الجنة على طاعته وطاعة رسوله. ورتب دخول النار على معصيته ومعصية رسوله، فمن أطاعه طاعة تامة دخل الجنة بلا عذاب. ومن عصى الله ورسوله معصية تامة يدخل فيها الشرك فما دونه، دخل النار وخلد فيها، ومن اجتمع فيه معصية وطاعة، كان فيه من موجب الثواب والعقاب بحسب ما فيه من الطاعة والمعصية. وقد دلت النصوص المتواترة على أن الموحدين الذين معهم طاعة التوحيد، غير مخلدين في النار، فما معهم من التوحيد مانع لهم من الخلود فيها.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [13] 112- أنا علي بن حُجر، نا علي بن مُسْهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الإضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14) }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):