٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} توحيد الضمير في يدخله، وجمع {خَـٰلِدِينَ} للفظ والمعنى. وقرأ نافع وابن عامر {ندخله} بالنون و {خَـٰلِدِينَ} حال مقدرة كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غدا، وكذلك خالداً وليستا صفتين لجنات وناراً وإلا لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ } بالوجهين[يدخله وندخله] {نَاراً خَٰلِداً فِيهَا وَلَهُ } فيها {عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة وروعي في الضمائر في الآيتين لفظ «من» وفي «خالدين» معناها.
ابو السعود
تفسير : {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ولو في بعض الأوامرِ والنواهي قال مجاهد فيما اقتُصَّ من المواريث وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرضَ بقَسْم اللَّهِ تعالى ويتعدَّ ما قال اللَّهُ تعالى، وقال الكلبـي يعني ومن يكفرْ بقسمة اللَّهِ المواريثَ ويتعدَّ حدودَه استحلالاً. والإظهارُ في موقع الإضمارِ للمبالغة في الزجر بتهويل الأمرِ وتربـيةِ المهابة {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} شرائعَه المحدودة في جميع الأحكامِ فيدخُل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً {يُدْخِلْهُ} وقرىء بنون العظمةِ في الموضعين {نَارًا} أي عظيمةً هائلةً لا يقادَرُ قدرُها {خَالِداً فِيهَا} حال كما سبق، ولعل إيثارَ الإفرادِ هٰهنا نظراً إلى ظاهر اللفظِ، واختيارُ الجمعِ هناك نظراً إلى المعنى للإيذان بأن الخلودَ في دار الثوابِ بصفة الاجتماعِ أجلبُ للأنس كما أن الخلودَ في دار العذاب بصفة الانفرادِ أشدُّ في استجلاب الوحشة {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي وله مع عذاب الحريقِ الجُسماني عذابٌ آخرُ مُبهمٌ لا يعرف كُنهُه، وهو العذابُ الروحاني كما يُؤْذِنُ به وصفُه والجملةُ حالية. {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ} شروعٌ في بـيان بعضٍ آخَرَ من الأحكام المتعلقةِ بالنساءِ إثرَ بـيانِ أحكامِ المواريثِ، واللاَّتي جمعُ التي بحسب المعنى دون اللفظِ وقيل جمعٌ على غير قياسٍ، والفاحشةُ الفَعلةُ القبـيحةُ أريد بها الزنا لزيادة قُبحِه، والإتيانُ الفعلُ والمباشرةُ يقال أتى الفاحشةَ أي فعلها وباشرها وكذا جاءها ورهَقها وغشِيَها، وقرىء بالفاحشة، فالإتيانُ بمعناه المشهورِ، و(من) متعلقةٌ بمحذوف وقعَ حالاً من فاعل يأتي أي اللاَّتي يفعلْن الزنا كائناتٍ من نسائكم أي من أزواجكم كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } تفسير : [المجادلة، الآية 3] وقوله تعالى: {أية : مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } تفسير : [النساء، الآية 23] وبه قال السدي {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ} خبرٌ للموصول، والفاءُ للدلالة على سببـية ما في حيز الصلةِ للحكم، أي فاطلبوا أن يشهَدَ عليهن بإتيانها أربعةٌ من رجال المؤمنين وأحرارِهم. {فَإِن شَهِدُواْ} عليهن بذلك {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ} أي فاحبِسوهن فيها واجعلوها سِجْناً عليهن {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ} أي إلى أن يستوفيَ أرواحَهن {ٱلْمَوْتُ} وفيه تهويلٌ للموت وإبرازٌ له في صورة من يتولى قبضَ الأرواحِ ويتوفاها، أو يتوفاهن ملائكةُ الموتِ {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} أي يشرع لهن حكماً خاصًّا بهن ولعل التعبـيرَ عنه بالسبـيل للإيذان بكونه طريقاً مسلوكاً فليس فيه دَلالةٌ على كونه أخفَّ من الحبس كما قاله أبو مسلم.
القشيري
تفسير : وإنما هما عقوبتان: معجلة ومؤجلة، ويقترن بهما جميعاً الذُّلُّ؛ فلو اجتهد الخلائق على إذلال المعاصي بمثل الذل الذي يلحقهم بارتكاب المعصية لم يقدموا عليها: لذلك قال قائلهم: من بات مُلِماً بذنب أصبح وعليه مذلته، فقلت ومن أصبح مُبِرَّاً بِبِرٍ ظلَّ وعليه مهابته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يعص الله ورسوله} ولو فى بعض الاوامر والنواهى {ويتعد حدوده} شرائعه المحدودة فى جميع الاحكام {يدخله نارا} اى عظيمة هائلة لا يقادر قدرها {خالدا فيها وله عذاب مهين} اى وله غير عذاب الحريق الجسمانى عذاب آخر لا يعرف كنهه وهو العذاب الروحانى كما يؤذن به وصفه والجملة حالية وافرد خالدا فى اهل النار وجمع فى اهل الجنة لان فى الانفراد وحشة وعذابا للنفس وذلك انسب بحال اهل النار. اعلم ان الاطاعة سبب لنيل المطالب الدنيوية والاخروية ويرشدك على شرف الاطاعة ان كلب اصحاب الكهف لما تبعهم فى طاعة الله وعدله دخول الجنة شعر : بابدان يار كشت همسرلوط خاندان نبوتش كم شد سك اصحاب كهف روزى جند بى مردم كرفت ومردم شد تفسير : فاذا كان من اتبع المطيعين كذلك فما ظنك بالمطيعين. قال حاتم الاصم قدس سره الزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة والآخرة راغبة. ومن كلامه من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب من ادعى حب الجنة من غير انفاق ماله فهو كذاب. ومن ادعى محبة الله من غير ورع عن محارم الله فهو كذاب. ومن ادعى محبة النبى عليه السلام من غير محبة الفقراء فهو كذاب وكلما ازداد العبد فى عبادة الله وطاعته ازداد قربا منه وبعدا من كيد الشيطان. قال السرى سألت معروف الكرخى عن الطائعين لله بأى شىء قدروا على الطاعة قال بخروج الدنيا من قلوبهم ولو كانت فى قلوبهم ما صحت لهم سجدة: قال جلال الدين الرومى قدس سره شعر : بند بكسل باش آزاد اى بسر جند باشى بند سيم وبند زر هركه از ديدار برخوردار شد ان جهان درجشم اومردارشد ذكر حق كن بانك غولا نرابسوز جشم تركس را ازين كركس بدوز تفسير : ومن اكرمه الله بمعرفة عظمته اضطر الى كمال طاعته ـ حكى ـ ان شابا من بنى اسرائيل رفض دنياه واعتزل الناس وجعل يتعبد فى بعض النواحى فخرج اليه رجلان من مشايخ قومه ليرداه الى منزله فقالا له يا من اخذت بامر شديد لا صبر عليه فقال لهما الشاب قيامى بين يدى الله اشد من هذا فقالا ان كل اقربائك مشتاق اليك فعبادتك فيهم افضل فقال الشاب ان الله تعالى اذا رضى عنى يرضى كل قريب وبعيد فقالا له انت شاب لا تعلم وانا جربنا هذا الامر وانا نخاف العجب فقال لهما الشاب من عرف نفسه لم يضره العجب فنظر احدهما الى صاحبه فقال له قم فان هذا الشاب وجد ريح الجنة ولا يقبل قولنا. وعن وهب بن منبه كان داود عليه السلام جعل نوبة عليه وعلى اهله واولاده ولا تمر ساعة من الليل الا وهو يصلى ويذكر ففي سره تحرك قلبه بالنظر الى طاعته وكان بين يديه نهر فانطق الله ضفدعا فقال والذى اكرمك بالنبوة انه منذ خلقنى الله تعالى وانا قائم على رجل ما استرحت مع انى لا ارجو الثواب ولا اخاف اعقاب فما عجبك فيه يا داود فعلم ان المحسن هو الذى يعلم انه مسيئ ولا يعجب بطاعته فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله من رؤيته وسائر الامراض الفاسدة ولذلك كان الكبار يختارون الوحدة. قال الامام جعفر الصادق وكذا سفيان الثورى هذا زمان السكوت وملازمة البيوت فقيل لسفيان اذا لازمنا بيوتنا فمن اين يحصل لنا الرزق قال اتقوا الله فان الله يرزق المتقين من غير كسب كما قال تعالى {أية : ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}تفسير : [الطلاق: 2-3]. قال جلال الدين الرومى شعر : بردل خودكم نه انديشه معاش عيش كم نايد توبر دركاه باش
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ}: فى الوصية أو قسم المواريث أو غير ذلك بأن آمن وأقر وخالف أو بأن أنكر. {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا}: فالآية دليل على خلود الفاسق، ولا دليل مسلم على تخصيص الخلود بالمنكر، فقول الضحاك المعصية هنا الشرك وقول الكلبى: إنها استحلال غير ما أحل الله، وهو شرك، دعوى لا دليل عليها، وعن ابن عباس رضى الله عنه: من لم يرض بقسمة الله ويتعد ما قال، يدخله ناراً خالداً فيها، والفاسق يسمى غير راض، ويسمى متعدياً كما يسمى المشرك بذلك. وذلك كلام مشهور بين الصحابة وغيرهم، وفى الحديث يطلقان على الموحد أنه راض بقضاء الله وغير راض. {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}: فى النار.
اطفيش
تفسير : {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} أفرد هنا مراعاة للفظ من، واختار الإفراد لأن دخول النار بانفراد أشد وحشة، ومن الغريب إجازة حمله على أنه نعت ناراً سببيَّا، وأن الأصل خالداً هو مثل ما مر {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} له، وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو"تفسير : ، أى لكثرة المال أو للتهاون بالدين، وللظلم ولفشو الجهل.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيما أمر به من الأحكام أو فيما فرض من الفرائض، وقال ابن جريج: من لا يؤمن بما فصل سبحانه من المواريث، وحكي مثله عن ابن جبير. {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ} التي جاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن جملتها ما قص لنا قبل، أو يتعد حدوده في القسمة المذكورة استحلالاً كما حكي عن الكلبـي {يُدْخِلْهُ} قرأ نافع وابن عامر بالنون في الموضعين {نَارًا} أي عظيمة هائلة {خَـٰلِداً فِيهَا} حال كما سبق، وأفرد هنا وجمع هناك لأن أهل الطاعة أهل الشفاعة وإذا شفع أحدهم في غيره دخلها معه، وأهل المعاصي لا يشفعون فلا يدخل بهم غيرهم فيبقون فرادى، أو للإيذان بأن الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع الذي هو أجلب للأنس، والخلود في دار العقاب بصفة الانفراد الذي هو أشد في استجلاب الوحشة، وجوز الزجاج والتبريزي كون {أية : خَالِدِينَ} تفسير : [النساء: 13] هناك و (خالداً) هنا صفتين لجنات / أو نار، واعترض بأنه لو كان كذلك لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له، وتعقبه أبو حيان بأن هذا على مذهب البصريين، ومذهب الكوفيين جواز الوصفية في مثل ذلك ولا يحتاج إلى إبراز الضمير إذ لا لبس {وَلَهُ عَذَابٌ} أي عظيم لا يكتنه {مُّهِينٌ} أي مذل له والجملة حالية، والمراد جمع أمرين للعصاة المعتدين عذاب جسماني وعذاب روحاني، نسأل الله تعالى العافية. واستدل بالآية من زعم أن المؤمن العاصي مخلد في النار، والجواب أنها لا تصدق عليه إما لأنها في الكافر على ما سمعت عن الكلبـي وابن جبير وابن جريج وإما لأن المراد من حدود الله تعالى جميع حدوده لصحة الاستثناء والمؤمن العاصي واقف عند حد التوحيد، وإما لأن ذلك مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط بعدم التوبة عند الزاعم، وفي ختم آيات المواريث بهذه الآية إشارة إلى عظم أمر الميراث ولزوم الاحتياط والتحري وعدم الظلم فيه، وقد أخرج ابن ماجه عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله ميراثه من الجنة»تفسير : . وأخرج منصور عن سليمان بن موسى والبيهقي عن أبـي هريرة نحو ذلك، وأخرج الحاكم عن ابن مسعود أن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو، وكأن عدم القسم إما للتهاون في الدين وعدم المبالاة وكثرة الظلم بين الناس، وإما لفشو الجهل وعدم من يعرف الفرائض، فقد ورد عن أبـي هريرة مرفوعاً «حديث : إن علم الفرائض أول ما ينزع من الأمة»تفسير : ، وأخرج البيهقي، والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها»تفسير : ولعل الاحتمال الأول أظهر. وهذا وقد سددنا باب الإشارة في الآيات لما في فتحه من التكلف، وقد تركناه لأهله.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 14- ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدود ما شرعه مستبيحاً ذلك التعدى، يجزه ناراً مخلداً فيها، يعذب بها بدنه، إلى جانب عذاب مهين تتألم به روحه. 15- واللاتى يأتين الزنا من النساء إن شهد عليهن أربعة من الرجال العادلين يمسكن فى البيوت محافظة عليهم ودفعاً للفساد والشر حتى يأتيهن الموت أو يفتح الله لهن طريقاً للحياة المستقيمة بالزواج والتوبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَالِداً} (14) - وَمَنْ يَعْصِ اللهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، وَيَتَعَدَّ حُدُودَ شَرْعِ اللهِ، وَيُصِرَّ عَلَى العِصْيَانِ، دُونَ اسْتِشْعَارِ خَوْفٍ أوْ نَدَمٍ، يُدْخِلْهُ اللهُ نَاراً، وَيَبْقى خَالِداً فِيها أبَداً، وَلَهُ فِيها عَذَابٌ مُذِلٌّ مُهِينٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وسبحانه قال من قبل: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ..} [النساء: 14] والحدود إما أن تبين الأوامر وحدها وإما أن تبين النواهي وحدها. فهي شاملة أن يطيعها الطائع أو يعصيها العاصي. فإن كنت تطيع فلك جزاء الطاعة وتأخذ الجنات والخلود والفوز العظيم. لكن ماذا عمَّنْ يعصي؟ إن له المقابل، وهذا هو موقفه وجزاؤه أنَّ له العذاب. {وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14]. هنا نجد "ناراً" واحدة، وهناك نجد "جنات". هذا ملحظ أول، وإذا كنا منتبهين ونقبل على كتاب الله، ونعرف أن المتكلم هو الله، فإننا نجد الملحظ الثاني وهو خلود للمؤمنين في الجنات، أما الكافر فسيدخل النار. ولم يقل الحق: نيراناً، ولم يقل الحق أيضاً: "خالدين" لماذا؟ لأن المؤمنين سيكونون في الجنة على سرر متقابلين، ويتزاورون، وكل واحد يستمتع بكل الجنان، وأيضاً إن المرء إذا كان له من عمله الصالح الكثير وقصّر أولاده الذين اشتركوا معه في الإيمان، فإن الحق - سبحانه - يلحق به ذريته ويكون هو وذريته في النعيم والجنان كرامة له. فتكون الجنان مع بعضها وهذا أدعى للأُنْس. ولكن الموقف يختلف مع الكافر، فلن يلحق الله به أحداً وكل واحد سيأخذ ناره، وحتى لا يأنسوا مع بعضهم وهم في النار، فالأنس لن يطولوه أيضاً، فكل واحد في ناره تماماً مثل الحبس المنفرد في زنزانة. ولن يأنس واحد منهم بمعذب آخر. إذن فهناك "جنات" و "نار" و "خالدين" و "خالداً"، وكل استخدام للكلمة له معنى. والطائع له جنات يأتنس فيها بذريته وإخوته أهل الإيمان ويكونون خالدين جميعاً في الجنات، أما العاصي فهو في النار وحده خالداً {وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14]. إن العذاب يكون مرة أليماً، ومثال ذلك أن يؤلم واحد عدوه فيتجلد عدوه حتى لا يرى شماتة الذي يعذبه. ويقول الشاعر: شعر : وتجلدي للشامتين أريهمو أني لِرَيْبِ الدهر لا أتضعضع تفسير : فيكتم الألم عن خصمه، لكن هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهناك إهانة في النفس، فعذاب الله يجمع الألم والإهانة، إياك أن تفهم أن هناك مَنْ يقدر على أن يتجلد كما يتجلد البشر عند وقوع العذاب في الدنيا - إن عذاب الآخرة مهين ومذل للنفس في آن واحد. وهكذا نجد أن المرحلة الأولى من سورة النساء عالجت وحدة الإنسان أباً، ووحدته أماً، وعالجت كيف بث الله منهما رجالاً كثيراً ونساء. وعالجت السورة أيضاً ما يطرأ مما يجري به قدر الله في بعض خلقه بأن يتركوا أيتاماً ضعافاً، وأنّه سبحانه أراد استبقاء الحياة الكريمة للنفس الإنسانية؛ لذلك طلب أن نصنع الخير والمودة مع اليتامى، ووضع أسلوب التعامل الإيماني معهم، وأن نكون أوصياء قائمين بالعدالة والإرادة الحسنة العفيفة لأموالهم، إلى أن يبلغوا سن الرشد فيتسلموها. وأيضاً عالجت السورة أمراً آخر وهو استبقاء الحياة الكريمة للنساء والأطفال ضمن النسيج الاجتماعي. ذلك أن العرب كانوا يمنعون النساء من الميراث، ويمنعون - كذلك - من الميراث مَنْ لم يطعن برمح ولم يضرب بخنجر أو سيف ولم يشترك في رد عدوان. فأراد الله سبحانه لهذه الفئة الذليلة المضطهدة أن تأخذ حقها ليعيش العنصران في كرامة ويستبقيا الحياة في عزة وهمة وفي قوة، فشرع الحقُ نصيباً محدداً للنساء يختلف عن نصيب الرجال مما قل أو كثر، وبعد ذلك استطرد ليتكلم عن الحقوق في المواريث. وأوضح سبحانه الحدود التي شرعها لهذا الأمر، فمَنْ كان يريد جنات الله فليطع الله ورسوله فيما حدّ من حدود. ومَنْ استغنى عن هذه الجنات فليعص الله ليكون خالداً في النار. إذن فالحياة الإنسانية هبة من الله لعباده، ومن كرمه سبحانه أن أوجد لها - قبل أن يوجدها - ما يقيم أود الحياة الكريمة لذلك الإنسان المكرم، فوفد الإنسان على الخير، ولم يفد الخير على الإنسان، أي أنّ الحق سبحانه لم يخلق الإنسان أولاً ثم صنع له من بعد ذلك الشمس والقمر والأرض والعناصر. لا، لقد خلق الله هذه العناصر التي تخدم الإنسان أولاً وأعدها لاستقبال الطارق الجديد - الإنسان - الذي اختاره سبحانه ليكون خليفة في الأرض. فالخير في الأرض الذي نستبقي به الحياة سبق وجود الإنسان، وهذه عناية من الحق الرحمن بمخلوقه المكرم وهو الإنسان. وجعل الله للإنسان وسيلة للتكاثر وربطها بعملية الإمتاع، وهذه الوسيلة في التكاثر تختلف عن وسائل التكاثر في الزروع والحيوانات، فوسيلة التكاثر في كل الكائنات هي لحفظ النوع فقط. وأراد - سبحانه وتعالى - أن يكون الإمتاع مصاحباً لوسيلة التكاثر الإنساني، ذلك أن المشقَّات التي يتطلبها النسل كثيرة، فلا بد أن يجعل الله في عملية التكاثر متعة تغري الإنسان. وأراد الحق سبحانه بذلك أن يأتي بالضعاف ليجعل منهم حياة قوية. ويوصينا الحق باليتيم من البشر، وقد يقول قائل: ما دام الحق سبحانه وتعالى يوصينا حتى ننشئ من اليتيم إنساناً قوياً وأن نحسن إلى اليتيم، فلماذا أراد الله أن يموت والد اليتيم؟. نقول: جعل الحق هذا الأمر حتى لا تكون حياة الإنسان ضربة لازب على الله، إنه يخلق الإنسان بعمر محدد معروف له سبحانه ومجهول للإنسان، فالإنسان قد يموت جنيناً أو طفلاً أو صبياً أو رجلاً أو هرماً، بل نحن نجد في الحياة إنساناً هرماً ما زال يحيا بيننا ويموت حفيد حفيده، لماذا؟. لأن الله أراد أن يستر قضية الموت عن الناس، فلا معرفة للإنسان بالعمر الذي سوف يحياه ولا بزمان الموت، ولا مكان الموت، حتى يكون الإنسان منا دائماً على استعداد أن يموت في أي لحظة. وما دام الإنسان يعيش مستعداً لأن يموت في أي لحظة، فعليه أن يستحي أن يلقي الله على معصية. وأيضاً لنعلم أن المنهج الإيماني؛ منهج يجعل المؤمنين جميعاً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فإذا مات رجل وترك طفلاً يتيماً، ووجد هذا اليتيم آباء من المجتمع الإيماني، فإن المنهج الإيماني يستقر في قلب اليتيم اطمئناناً ويقيناً. ومن حكمة الموت ألا يفتن أحد في أبيه أو في الأسباب الممنوحة من الله للآباء، بل نكون جميعاً موصولين بالله. وما دام الحق سبحانه قد وضع لنا الأسباب لاستبقاء الحياة، ووضع لنا أسلوب السعي في الأرض لتستبقي الحياة بالحركة فيها، فقد وضع أيضاً الوسيلة الكريمة لاستبقاء النوع وجعل من حركة الأصل ما يعود على الفرع، فلم يُغر الله الإنسان وحده بالحركة لنفسه، ولكن أغراه أن يتحرك في الحياة حركة تسعه وتسع مَنْ يعول، ويوضح الحق للإنسان: أن حركتك في الأرض ستنفع أولادك أيضاً. ولذلك أوجد الله سبحانه في نفس كل واحد غريزة الحنان والحب. ونحن نرى هذه الغريزة كآية من آيات الله متمكنة في نفوس الآباء. ولهذا يسعى الأب في الحياة ليستفيد هو وأولاده. والذي يتحرك حركة واسعة في الحياة قد يأتي عليه زمان يكفيه عائد حركته بقية عمره؛ لأنه تحرك بهمة وإخلاص؛ وأفاء الله عليه الرزق الوفير، وقد يتحرك رجل لمدة عشرين عاماً أو يزيد ويضمن لنفسه ولأولاده من بعده الثروة الوفيرة، وهناك مَنْ يكد ويتعب في الحياة ويكسب رزقاً يكفيه ويكفي الأبناء والأحفاد. وهكذا نجد الذين يتحركون لا يستفيدون وحدهم فقط، ولكن المجتمع يستفيد أيضاً. وتشاء حكمة الله العالية بأن يفتت الثروة بقوانين الميراث لتنتشر الثروة وتتوزع بين الأبناء فتشيع في المجتمع، وهذا اسمه التفتيت الانسيابي. كأن نجد واحداً يملك مائة فدان وله عدد من الأبناء والبنات. وبعد وفاة الرجل يرث الأبناء والبنات كل تركته، وهكذا تتفتت الثروة بين الأبناء تفتيتاً انسيابياً وليس بالتوزيع القهري الذي يُنشئ الحقد والعداوة، ويريد الحق أن نحترم حركة المتحرك، وأن تعود له حركة حياته ولمَنْ يعول فقال سبحانه: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 36]. هو سبحانه لا يقول لأي واحد: هات المال الذي وهبته لك. وقلت سابقاً: إنه سبحانه وتعالى يحنن عبداً على عبد فيقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الحديد: 11]. إن الله سبحانه يحترم حركة العبد، ويحترم ما ملك العبد بعرقه، ويوصي الحق العبد الغني: إن أخاك العبد الفقير في حاجة، فأقرضني - أنا الله - بإعطائك الصدقة أو الزكاة لأخيك الفقير. ولم يقل للعبد الغني: أقرض أخاك، ولكنه قال أقرضني. لماذا لأنه سبحانه هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود، وهو المتكفل برزقهم جميعاً، المؤمن منهم والكافر. ولذلك ضمن الرزق للجميع وأمر الأسباب بأن تستجيب حتى للكافر، لأنه سبحانه هو الذي استدعاه للوجود. وسبحانه وضع هذا التوريث، ليصنع التفتيت الانسيابي للملكية حتى لا يأتي التفتيت القسري الذي يجعل بعضاً من الأبناء وقد نشأوا في نعمة وأخذوا من مسائل الحياة ما يريدون، وعندما يأتي عليهم هذا التفتيت القسري، يصبحون من المساكين الذين فاجأتهم الأحداث القسرية بالحرمان، فهم لم يستعدوا لهذا الفقر المفاجئ. لكن عندما يأتي التفتيت الانسيابي فكل واحد يعد نفسه لما يستقبله، وبذاتية راضية وبقدرة على الحركة، ولذلك قال الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} تفسير : [محمد: 36]. إنه سبحانه لا يقول: أنا الذي ملكتك هذا المال، ولا أنا الذي رزقتك هذا الرزق، مع أنه - سبحانه - هو الذي ملكك ورزقك هذا المال حقاً ولكنه يوضح لك حقك في الحركة، فيقول بعد ذلك: {أية : إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} تفسير : [محمد:37]. ولو ألح عليك فأنت تبخل بها لأنك جنيتها بتعب وعرق. ولكن ما الفرق بين إنسان لم يسرف على نفسه، بل عاش معتدلاً، ثم أبقى شيئاً لأولاده؛ والذي جاء بدخله كله وبدده فيما حرمه الله وأسرف على نفسه في المخدرات وغيرها، ما الفرق بين هذا وذاك؟. الفرق هو احترام الحق سبحانه لأثر حركة الإنسان في الحياة، لذلك يوضح: أنا لا أسألكم أموالكم، لأني إن سألتكم أموالكم فقد تبخلون، لأن مالكم عائد من أعمالكم. ويقول الحق: {أية : وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} تفسير : [محمد: 37] وإذا ظهر وخرج الضغن في المجتمع فالويل للمجتمع كله؛ ولذلك نجد أن كل حركة من هذه الحركات القسرية ينشأ منها بروز الضغن في المجتمع كله، وساعة يبرز الضغن في المجتمع، انتهى كل شيء جميل. ولذلك وضع الحق أسس ووسائل استبقاء الحياة الكريمة. وضع أسساً للضعيف بما يحميه، وكذلك للنساء اللاتي كن محرومات من الميراث قبل الإسلام، وجعل الحق - سبحانه وتعالى - لتوريث الأطفال والأبناء والنساء حدوداً {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النساء: 13] وإياكم أن تتعدوا هذه الحدود؛ لأن الإنسان إذا ما تعدى هذه الحدود، فلا بد أن يكون من أهل النار - والعياذ بالله - فقد وضع الله تلك القواعد لاستبقاء حياتك وحياة من تعول. وهناك لون آخر من الاستبقاء، هو استبقاء النوع، لأن للإنسان عمراً محدوداً في الحياة وسينتهي؛ لذلك يجب أن يستبقي الإنسان النوع في غيره، كيف؟ نحن نتزوج كي يرزقنا الله بالذرية والبنين والحفدة وتستمر حلقات، وهذا استبقاء للنوع الإنساني. والحق يريد أن يكون الاستبقاء للنوع كريماً؛ لذلك يأمرنا الحق - سبحانه - أن نستبقي النوع بأن نختار له الوعاء الطاهر، فإياك أن تستبقي نوعاً من وعاءٍ خبيثٍ نجسٍ، اختلطت فيه مياه أناس متعددين، فلا يدري أحد لمَنْ ينسب الولد فيصير مضيعاً في الكون، مجهول النسب فأوضح الله للإنسان أن يختار لنفسه الوعاء النظيف ليستبقي النوع بكرامة. والحصول على الأوعية النظيفة يكون بالزواج، فيختار الرجل أنثى عفيفة ذات دين وترضي به زوجاً أمام أعين الناس جميعاً، ويصير معروفاً للجميع أن هذه امرأة هذا، وهذا زوجها، دخوله وخروجه غير ممقوت أو موقوت. وما ينشأ من الذرية بعد ذلك يكون قطعاً منسوباً إليه. ويخجل الإنسان أن يكون ابنه مهيناً أو عارياً أو جائعاً أو غير معترف به؛ لذلك يحاول الأب أن يجعل من ابنه إنساناً مستوفياً لكل حقوقه مرفوع الرأس غير مهين، لا يقدحه واحد فَيَسُبُّهُ وينال منه قائلاً: جئت من أين؟ أو مَنْ أبوك؟ فلا يعيش الطفل كسير الجناح ذليلاً طوال عمره. فأراد سبحانه استبقاء النوع برابطة تكون على عين الجميع، وأن تكون هذه الرابطة على الطريق الشرعي. ومن العجيب أننا نجد هذه المسألة ذات آثار واضحة في الكون، فالتي تحاول أن تزيل أثر جريمتها يجبرها الحنان الطبيعي كأم ألا تلقي ابنها الوليد في البحر بل أمام مسجد؛ فالطفل مربوط بحنان أمه ولكن الحنان غير شرعي ولذلك ترمي الأم الزانية بطفلها أمام المسجد حتى يلتقطه واحد من الناس الطيبين، فالزانية نفسها تعرف أنه لا يدخل المسجد إلا إنسان طيب قد يحن على الوليد ويأخذ هذا الطفل ويصير مأموناً عليه. وهي لا تلقي بوليدها عند خمارة أو دار سينما، ولكن دائماً تضعه عند أبواب المساجد، فالحنان يدفعها إلى وضع الطفل غير الشرعي في مثل هذا المكان؛ لأنها تخاف عليه، لذلك تلفه وتضعه في أحلى الملابس، وإن كانت غنية فإنها تضع معه بعضاً من المال؛ لأن الحنان يدفعها إلى ذلك، والحياء من الذنب هو الذي يجعلها تتخلص من هذا الطفل. إنها - كما قلنا - تحتاط بأن تضعه في مكان يدخله أناس طيبون فيعثر عليه رجل طيب، يأخذه ويكون مأموناً عليه. إذن فحتى الفاسق المنحرف عن دين الله يحتمي في دين الله؛ وهذا شيء عجيب. والله يريد أن يبني بقاء النوع على النظافة والطهر والعفاف ولا يريد لجراثيم المفاسد أن توجد في البيوت؛ لذلك يشرع العلاقة بين الرجل والمرأة لتكون زواجاً أمام أعين الناس. ويأخذ الرجل المرأة بكلمة الله. وأضرب هذا المثل: نحن نجد الرجل الذي يحيا في بيت مطل على الشارع وله ابنة وسيمة والشباب يدورون حولها - ولو عرف الرجل أن شاباً يجيء ويتعمد لينظر إلى ابنته فماذا يكون موقف الرجل من الشاب؟ إن الرجل قد يسلط عليه مَنْ يضربه أو يبلغ ضده الشرطة ويغلي الرجل بالغيظ والغَيْرة. وما موقف الرجل نفسه عندما تدق الباب أسرة شاب طيب يطلبون الزواج من ابنته؟ يفرح الرجل ويسأل الابنة عن رأيها، ويبارك للأم ويأتي بالمشروبات ويوجه الدعوات لحفل عقد القرآن، فما الفرق بين الموقفين؟ لماذا يغضب الأب من الشاب الذي يتلصص؟ لأن هذا الشاب يريد أن يأخذ البنت بغير حق الله، أما الشاب الذي جاء ليأخذ الابنة زوجة بحق الله وبكلمة الله فالأب يفرح به وينزل الأمر عليه برداً وسلاماً. وبعد ذلك يتسامى الأمر، ويتم الزفاف ويزور الأب ابنته صباح الزفاف ويرغب أن يرى السعادة على وجهها. إن الفارق بين الموقفين هو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله في النساء فإنهن عَوانٌ في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". تفسير : وما دام الله هو الذي خلق الرجل والمرأة وشرع أن يجتمعا وتكون كلمة الشاب: "أريد أن أتزوج ابنتك" برداً وسلاماً على قلب الأب، ويكون الفرح والاحتفال الكبير؛ لأن هذه مسألة عفاف وطهر. والله يريد أن يجعل استبقاء النوع الإنساني استبقاءً نظيفاً لا يُخجل أن تجيء منه ولادة، ولا يخجل منه المولود نفسه، ولا يُذَم في المجتمع أبداً، إذا استبقينا النوع بهذا الشكل؛ فهذا هو الاستبقاء الجميل للنوع. واستبقاء النوع هو الذي تأتي من أجله العملية الجنسية وأراد الله أن يشرعها حلالاً على علم الناس ويعرفها الجميع. وقد سألني سائل وأنا في الجزائر: لماذا تقوم العلاقة بين الرجل والمرأة على كلمات نحو: "زوجتك موكلتي، أو تقول هي زوجتك نفسي" ويقبل الرجل، وتنكسر العلاقة بكلمة "أنت طالق"؟ وأجبته: لماذا يستبيح الرجل لنفسه أن يمتلك بضع الزوجة بكلمتين؟ ويستكثر أن تخرج من عصمته بكلمتين؟ فكما جاءت بكلمة تذهب بكلمة. إن الحق سبحانه وتعالى كما استبقى الحياة بالعناصر التي تقدمت، يريد أن يستبقي النوع بالعناصر التي تأتي، وأوضح لنا أن كل كائن يتكاثر لا بد له من إخصاب، الإخصاب يعني أن يأتي الحيوان المنوي من الذكر لبويضة الأنثى كي ينشأ التكاثر، والتكاثر في غير الإنسان يتم بعملية قسرية. ففي الحيوانات نرى الأنثى وهي تجأر بالصوت العالي عندما تنزل البويضة في رحمها كالبقرة مثلاً، حتى يقول الناس جميعاً: إن البقرة تطلب الإخصاب، وعندما يذهب بها صاحبها إلى الفحل ليخصبها تهدأ، ولا تمكن فحلاً آخر منها من بعد ذلك، وهكذا يتم حفظ النوع في الحيوانات. أما في النباتات؛ فالأنثى يتم تلقيحها ولو على بعد أميال .. ونحن نعرف بعضاً من ذكور النبات وإناثها مثل ذكر النخل والجميز، لكننا لا نعرف التفريق بين ذكورة وأنوثة بعض النباتات، وقد يعرفها المتخصصون فقط، وبعد النباتات تكون الذكورة والأنوثة في عود واحد كالذرة مثلاً؛ فالأنوثة توجد في "الشراشيب" التي توجد في "كوز" الذرة، وعناصر الذكورة توجد في السنبلة التي يحركها الهواء كي تنزل لتخصب الأنوثة، وكذلك القمح. وهناك أنواع من النباتات لا نعرف ذكورتها! بالله أيوجد أحدٌ عنده ذكر مانجو أو ذكر برتقال؟ إذن هناك أشياء كثيرة لا نعرفها، لكن لا بد من أن تتلاقح إخصاباً لينشأ التكاثر، فيوضح ربنا: اطمئنوا أنا جعلت الرياح حاملة لوسائل اللقاح، يأخذ الريح اللواقح إلى النباتات، والنبات الذي يكون تحت مستوى الريح يسخر الله له أنواعاً من الحشرات غذاؤها في مكانٍ مخصوصٍ من النبات وله لون يجذبها، حشرة يجذبها اللون الأحمر، وحشرة يجذبها اللون الأبيض؛ لأن الحشرة تذهب للذكورة فيعلق بها حيوان الذكورة، فتذهب إلى الأنثى المتبرجة بالزينة، وهذه العملية تحدث ولا ندري عنها شيئاً. مَنْ الذي يلقح؟ مَنْ الذي يعلمها؟ إنه الله القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فاستبقى لنا الأنواع غريزياً وقسرياً، بدون أن نعرف عن الكثير منها شيئاً، حتى المطر لا يمكن أن ينزل إلا إذا حدث عملية تلقيح. ولذلك يقول الحق: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} تفسير : [الحجر: 22]. إذن الحق قد استبقى لك أيها الإنسان أنواع مقومات حياتك بما لا تدريه، وجعل هذه المسائل قسرية بحيث يؤدي كل كائن وظيفته وتنتهي المسألة، لكن حين كان لك اختيار، وتوجد مشقات كثيرة في الإنجاب وحفظ النوع، فقد قرن - سبحانه - حفظ النوع بالمتعة، وإياك أن تعزل حفظ النوع عن المتعة، فإن أخذت المتعة وحدها فقد أخذت الفرع وتركت الأصل، فلابد أن تفعلها لحفظ النوع المحسوب عليك. إذن فإياك أن تلقي حيوانك المنوي إلا في وعاء نظيف، محسوب لك وحدك كي لا تنشأ أمراض خبيثة تفتك بك وبغيرك، ولكيلا ينشأ جيل مطموس النسب، ولكيلا يكون مهيناً ولا مدنساً في حياته؛ فإياكم أن تأخذوا قضية حفظ النوع منفصلة عن المتعة فيها. ولذلك - فسبحانه - سيتكلم عن المرأة عندما تتصل بامرأة بالسحاق، أو الرجل يكتفي بالرجل باللواط للمتعة، أو رجل ينتفع بامرأة على غير ما شرع الله. فعندما تنتفع امرأة مع امرأة، وينتفع الرجل بالرجل للاستمتاع، نقول لها: أنت أيتها المرأة أخذتِ المتعة وتركتِ حفظ النوع، وأنت يا رجل أخذت المتعة وتركت حفظ النوع، والحق يريد لك أن تأخذ المتعة وحفظ النوع معا. فيوضح سبحانه أنه لا بد أن تكون المتعة في ضوء منهج الله. واسمعوا قول الله: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):