Verse. 508 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَالّٰتِيْ يَاْتِيْنَ الْفَاحِشَۃَ مِنْ نِّسَاۗىِٕكُمْ فَاسْتَشْہِدُوْا عَلَيْہِنَّ اَرْبَعَۃً مِّنْكُمْ۝۰ۚ فَاِنْ شَہِدُوْا فَاَمْسِكُوْھُنَّ فِي الْبُيُوْتِ حَتّٰى يَتَوَفّٰىھُنَّ الْمَوْتُ اَوْ يَجْعَلَ اللہُ لَھُنَّ سَبِيْلًا۝۱۵
Waallatee yateena alfahishata min nisaikum faistashhidoo AAalayhinna arbaAAatan minkum fain shahidoo faamsikoohunna fee albuyooti hatta yatawaffahunna almawtu aw yajAAala Allahu lahunna sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(واللاتي يأتين الفاحشة) الزنا (من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) أي من رجالكم المسلمين (فإن شهدوا) عليهن بها (فأمسكوهن) احبسوهن (في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس (حتى يتوفاهن الموت) أي ملائكته (أو) إلى أن (يجعل الله لهن سبيلا) طريقا إلى الخروج منها أمروا بذلك أول الإسلام ثم جعل لهن سبيلا بجلد البكر مائة وتغريبها عاما ورجم المحصنة، وفي الحديث لما بين الحد قال "" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا "" رواه مسلم.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالاحسان الى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم الى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فان ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالاحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سببا لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الانصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الافراط والتفريط، فقال: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اللاتي: جمع التي، وللعرب في جمع «التي» لغات: اللاتي واللات واللواتي واللوات. قال أبو بكر الانباري: العرب تقول في الجمع من غير الحيوان: التي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: {أية : أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً }تفسير : [النساء: 5] وقال في هذه: اللاتي واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد، وأما جمع الحيوان فليس كذلك، بل كل واحدة منها غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات، فهذا هو الفرق، ومن العرب من يسوي بين البابين، فيقول: ما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأول هو المختار. المسألة الثانية: قوله: {يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } أي يفعلنها يقال: أتيت أمرا قبيحا، أي فعلته قال تعالى: {أية : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } تفسير : [مريم: 27] وقال: {أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } تفسير : [مريم: 89] وفي التعبير عن الاقدام على الفواحش بهذه العبارة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما نهى المكلف عن فعل هذه المعاصي، فهو تعالى لا يعين المكلف على فعلها، بل المكلف كأنه ذهب اليها من عند نفسه، واختارها بمجرد طبعه، فلهذه الفائدة يقال: إنه جاء إلى تلك الفاحشة وذهب اليها، إلا أن هذه الدقيقة لا تتم إلا على قول المعتزلة. وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، وأما الفاحشة فهي الفعلة القبيحة وهي مصدر عند أهل اللغة كالعاقبة يقال: فحش الرجل يفحش فحشا وفاحشة، وأفحش إذا جاء بالقبيح من القول أو الفعل. وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح. فان قيل: الكفر أقبح منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يسمى ذلك فاحشة. قلنا: السبب في ذلك أن القوى المدبرة لبدن الانسان ثلاثة: القوة الناطقة، والقوة الغضبية والقوة الشهوانية، ففساد القوة الناطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوة الغضبية هو القتل والغضب وما يشبههما، وفساد القوة الشهوانية هو الزنا واللواط والسحق وما أشبهها، وأخس هذه القوى الثلاثة: القوة الشهوانية، فلا جرم كان فسادها أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خص هذا العمل بالفاحشة والله أعلم بمراده. المسألة الثالثة: في المراد بقوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } قولان: الأول: المراد منه الزنا، وذلك لأن المرأة إذا نسبت إلى الزنا فلا سبيل لأحد عليها إلا بأن يشهد أربعة رجال مسلمون على أنها ارتكبت الزنا، فاذا شهدوا عليها أمسكت في بيت محبوسة إلى أن تموت أو يجعل الله لهن سبيلا، وهذا قول جمهور المفسرين. والقول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني: أن المراد بقوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } السحاقات، وحدهن الحبس إلى الموت وبقوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ }تفسير : [النساء: 16] أهل اللواط، وحدهما الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النور: الزنا بين الرجل والمرأة، وحده في البكر الجلد، وفي المحصن الرجم، واحتج ابو مسلم عليه بوجوه: الأول: أن قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } مخصوص بالنسوان، وقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } مخصوص بالرجال، لأن قوله: {وَٱللَّذَانَ } تثنية الذكور. فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: {وَٱللَّذَانَ } الذكر والأنثى إلا أنه غلب لفظ المذكر. قلنا: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعد قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } سقط هذا الاحتمال. الثاني: هو أن على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات، بل يكون حكم كل واحدة منها باقيا مقرراً، وعلى التقدير الذي ذكرتم يحتاج إلى التزام النسخ، فكان هذا القول أولى. والثالث: أن على الوجه الذي ذكرتم يكون قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } في الزنا وقوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } يكون أيضا في الزنا، فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وإنه قبيح، وعلى الوجه الذي قلناه لا يفضي إلى ذلك فكان أولى. الرابع: أن القائلين بأن هذه الآية نزلت في الزنا فسروا قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } بالرجم والجلد والتغريب، وهذا لا يصح لأن هذه الأشياء تكون عليهن لا لهن. قال تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] وأما نحن فانا نفسر ذلك بأن يسهل الله لها قضاء الشهوة بطريق النكاح، ثم قال أبو مسلم: ومما يدل على صحة ما ذكرناه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» تفسير : واحتجوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه: الأول: أن هذا قول لم يقله أحد من المفسرين المتقدمين فكان باطلا، والثاني: أنه روي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : قد جعل الله لهن سبيلا الثيب ترجم والبكر تجلد» تفسير : وهذا يدل على أن هذه الآية نازلة في حق الزناة. الثالث: أن الصحابة اختلفوا في أحكام اللواط، ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على هذا الحكم من أقوى الدلائل على أن هذه الآية ليست في اللواطة. والجواب عن الأول: أن هذا اجماع ممنوع فلقد قال بهذا القول مجاهد، وهو من أكابر المفسرين، ولأنا بينا في أصول الفقه أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز. والجواب عن الثاني: أن هذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه غير جائز. والجواب عن الثالث: أن مطلوب الصحابة أنه هل يقام الحد على اللوطي؟ وليس في هذه الآية دلالة على ذلك بالنفي ولا بالاثبات، فلهذا لم يرجعوا إليها. المسألة الرابعة: زعم جمهور المفسرين أن هذه الآية منسوخة، وقال أبو مُسْلِم: إنها غيرُ منسوخة، أما المفسرون: فقد بنوا هذا على أصلهم، وهو أن هذه الآية في بيان حكم الزنا، ومعلوم أن هذا الحكم لم يبق وكانت الآية منسوخة ثم القائلون بهذا القول اختلفوا أيضا على قولين: فالأول: أن هذه الآية صارت منسوخة بالحديث وهو ما روى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم»تفسير : ثم ان هذا الحديث صار منسوخا بقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2] وعلى هذا الطريق يثبت أن القرآن قد ينسخ بالسنة وأن السنة قد تنسخ بالقرآن خلاف قول الشافعي: لا ينسخ واحد منهما بالآخر. والقول الثاني: أن هذه الآية صارت منسوخة بآية الجَلْد. واعلم أن أبا بكر الرازي لشدة حرصه على الطعن في الشافعي قال: القول الأول أولى لأن آية الجلد لو كانت متقدمة على قوله: «خذوا عني» فائدة فوجب أن يكون قوله: «خذوا عني» متقدما على آية الجلد، وعلى هذا التقدير تكون آية الحبس منسوخة بالحديث ويكون الحديث منسوخا بآية الجلد، فحينئذ ثبت أن القرآن والسنة قد ينسخ كل واحد منهما بالآخر. واعلم أن كلام الرازي ضعيف من وجهين: الأول: ما ذكره أبو سليمان الخطابي في معالم السنن فقال: لم يحصل النسخ في هذه الآية ولا في هذا الحديث ألبتة، وذلك لأن قوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } يدل على أن امساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله لهن سبيلا وذلك السبيل كان مجملا، فلما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا عني الثيب ترجم والبكر تجلد وتنفى» تفسير : صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا ناسخا لها وصار أيضا مخصصا لعموم قوله تعالى:{أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2] ومن المعلوم أن جعل هذا الحديث بيانا لاحدى الآيتين ومخصصا للآية الأخرى، أولى من الحكم بوقوع النسخ مراراً، وكيف وآية الحبس مجملة قطعا فانه ليس في الآية ما يدل على أن ذلك السبيل كيف هو؟ فلا بد لها من المبين، وآية الجلد مخصوصة ولا بد لها من المخصص، فنحن جعلنا هذا الحديث مبينا لآية / الحبس مخصصا لآية الجلد، وأما على قول أصحاب أبي حنيفة فقد وقع النسخ من ثلاثة أوجه: الأول: آية الحبس صارت منسوخة بدلائل الرجم، فظهر أن الذي قلناه هو الحق الذي لا شك فيه. الوجه الثاني: في دفع كلام الرازي: انك تثبت أنه لا يجوز أن تكون آية الجلد متقدمة على قوله: «خذوا عني» فلم قلت انه يجب أن تكون هذه الآية متأخرة عنه؟ ولم لا يجوز أن يقال: إنه لما نزلت هذه الآية ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟ وتقديره أن قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } مخصوص بالاجماع في حق الثيب المسلم، وتأخير بيان المخصص عن العام المخصوص غير جائز عندك وعند أكثر المعتزلة، لما أنه يوهم التلبيس، واذا كان كذلك فثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك مقارنا لنزول قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } وعلى هذا التقدير سقط قولك: ان الحديث كان متقدما على آية الجلد. هذا كله تفريع على قول من يقول: هذه الآية أعني آية الحبس نازلة في حق الزناة، فثبت أن على هذا القول لم يثبت الدليل كونها منسوخة، وأما على قول أبي مسلم الأصفهاني فظاهر أنها غير منسوخة والله أعلم. المسألة الخامسة: القائلون بأن هذه الآية نازلة في الزنا يتوجه عليهم سؤالات: السؤال الأول: ما المراد من قوله: {مّن نِّسَائِكُمُ }؟ الجواب فيه وجوه: أحدها: المراد، من زوجاتكم كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ } تفسير : [المجادلة: 3] وقوله: {أية : مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } تفسير : [النساء: 23] وثانيها: من نسائكم، أي من الحرائر كقوله:{أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ } تفسير : [البقرة: 282] والغرض بيان أنه لا حد على الاماء. وثالثها: من نسائكم، أي من المؤمنات ورابعها: من نسائكم، أي من الثيبات دون الأبكار. السؤال الثاني: ما معنى قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ }؟ الجواب: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، والحكمة فيه ان المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، وإذا استمرت على هذه الحالة تعودت العفاف والفرار عن الزنا. السؤال الثالث: ما معنى {يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } والموت والتوفي بمعنى واحد، فصار في التقدير: أو يميتهن الموت؟ الجواب: يجوز أن يراد. حتى يتوفاهن ملائكة الموت، كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } تفسير : [النحل: 38} {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ }تفسير : [السجدة: 11] أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن. السؤال الرابع: انكم تفسرون قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } بالحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : قد جعل الله لهن سبيلا البكر تجلد والثيب ترجم» تفسير : وهذا بعيد، لأن هذا السبيل عليها لا لها، فان الرجم لا شك أنه أغلظ من الحبس. والجواب: أن النبي عليه الصلاة والسلام فسر السبيل بذلك فقال: «حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» تفسير : ولما فسر الرسول صلى الله عليه وسلم السبيل بذلك وجب القطع بصحته، وأيضا: له وجه في اللغة فان المخلص من الشيء هو سبيل له، سواء كان أخف أو أثقل.

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأُولى ـ لما ذكر الله تعالى في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهنّ إليهنّ، وانجرّ الأمر إلى ذكر ميراثهنّ مع مواريث الرجال، ذكر أيضاً التغليظ عليهنّ فيما يأتين به من الفاحشة، لئلا تتوهّم المرأة أنه يسوغ لها ترك التعفّف. الثانية ـ قوله تعالى: {وَٱللاَّتِي} «اللاّتي» جمع الّتي، وهو ٱسم مبهم للمؤنث، وهي معرفة ولا يجوز نزع الألف واللام منه للتنكير، ولا يتمّ إلا بصلته؛ وفيه ثلاث لغات كما تقدّم. ويجمع أيضاً «اللاّتِ» بحذف الياء وإبقاء الكسرة؛ و «اللاۤئي» بالهمز وإثبات الياء، و «اللاۤءِ» بكسر الهمزة وحذف الياء، و «الّلا» بحذف الهمزة. فإن جمعت الجمع قلت في اللاّتي: اللّوَاتِي، وفي اللاّء: اللوَائي. وقد روى عنهم «اللواتِ» بحذف الياء وإبقاء الكسرة؛ قاله ٱبن الشجرِي. قال الجوهري: أنشد أبو عبيد: شعر : من اللّواتي والتي واللاّتِ زَعمْنَ أنْ قد كَبُرتْ لِداتِ تفسير : واللَّوَا بإسقاط التاء. وتصغير التي اللّتَيَّا بالفتح والتشديد؛ قال الراجز: شعر : بعد اللُّتَيّا واللَّتَيّا والّتِي تفسير : وبعض الشعراء أدخل على «التي» حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا: يا أللَّه وحده؛ فكأنه شبهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها. وقال: شعر : من ٱجلِك يا لتِي تَيّمْتِ قلبِي وأنتِ بَخِيلةٌ بِالوَدِّ عنِّي تفسير : ويقال: وقع في اللّتَيّا والّتِي؛ وهما ٱسمان من أسماء الداهية. الثالثة ـ قوله تعالى: {يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ} الفاحشة في هذا الموضع الزنا، والفاحشة الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعاقبة والعافية. وقرأ ٱبن مسعود «بِالفاحِشةِ» بباء الجرّ. الرابعة ـ قوله تعالى: {مِن نِّسَآئِكُمْ} إضافة في معنى الإسلام وبيان حال المؤمنات؛ كما قال: { أية : وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ } تفسير : [البقرة: 282] لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب ولا يلحقها هذا الحكم. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} أي من المسلمين، فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعةً تغليظاً على المدّعِي وستراً على العباد. وتعديل الشهود بالأربعة في الزنا حكم ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } تفسير : [النور: 4] وقال هنا: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ}. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: حديث : جاءت اليهود برجل وٱمرأة منهم قد زَنَيَا فقال: (النبي صلى الله عليه وسلم)«ائتوني بأعلم رجلين منكم» فأتَوهُ بابنَيْ صُورِيا فنشدهما: «كيف تجدان أمر هذين في التوراة»؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعةٌ أنهم رأَوْا ذكره في فرجها مثلَ المِيل في المُكْحُلة رُجِما. قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما»؛ قالا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاؤوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميلِ في المكحلة؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهماتفسير : . وقال قوم: إنما كان الشهود في الزنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذْ هو حق يؤخذ من كل واحد منهما، وهذا ضعيف؛ فإن اليمين تدخل في الأموال واللّوْثُ في القسامة ولا مدخل لواحد منهما هنا. السادسة ـ ولا بدّ أن يكون الشهود ذكوراً؛ لقوله: «مِنْكُمْ» ولا خلاف فيه بين الأُمة. وأن يكونوا عدولاً؛ لأن الله تعالى شرط العدالة في البيوع والرجعة، وهذا أعظم، وهو بذلك أولى. وهذا من حمل المطلق على المقيَّد بالدليل، على ما هو مذكور في أُصول الفقه. ولا يكونون ذِمَّةً، وإن كان الحكم على ذميّة، وسيأتي ذلك في «المائدة» وتعلق أبو حنيفة بقوله: {أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} في أن الزوج إذا كان أحد الشهود في القذف لم يلاعن. وسيأتي بيانه في «النور» إن شاء الله تعالى. السابعة ـ قوله تعالى: {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ} هذه أوّل عقوبات الزناة؛ وكان هذا في ابتداء الإسلام؛ قاله عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد حتى نُسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية «النور» وبالرجم في الثيب. وقالت فرقة: بل كان الإيذاء هو الأوّل ثم نسخ بالإمساك، ولكنّ التلاوة أخرت وقدّمت؛ ذكره ٱبن فورك، وهذا الإمساك والحبس في البيوت كان في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة، فلما كثروا وخشي قوّتهم اتخذ لهم سجن؛ قاله ٱبن العربيّ. الثامنة ـ وٱختلف العلماء هل كان هذا السجن حداً أو توَعّدا بالحدّ على قولين: أحدهما ـ أنه توعد بالحدّ، والثاني ـ أنه حدّ؛ قاله ٱبن عباس والحسن. زاد ٱبن زيد: وأنهم مُنِعوا من النكاح حتى يموتوا عقوبة لهم حين طلبوا النكاح من غير وجهه. وهذا يدل على أنه كان حداً بل أشدّ؛ غير أن ذلك الحكم كان ممدوداً إلى غاية وهو الأذى في الآية الأُخرى، على ٱختلاف التأويلين في أيهما قبلُ؛ وكلاهما ممدود إلى غاية وهي قوله عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت: « حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً البكر بالبِكر جلد مائةٍ وتغريب عامٍ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم » تفسير : . وهذا نحو قوله تعالى: { أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ }تفسير : [البقرة: 187] فإذا جاء الليل ٱرتفع حكم الصيام لانتهاء غايته لا لنسخه. هذا قول المحققين المتأخرين من الأُصوليين، فإن النسخ إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه اللّذيْن لا يمكن الجمع بينهما، والجمع ممكن بين الحبس والتعْيِير والجلد والرجْم، وقد قال بعض العلماء: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد؛ لأنهما لا يتعارضان بل يحملان على شخص واحد. وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وإطلاق المتقدّمين النسخ على مثل هذا تجوّز. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَٱللَـٰتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ} أي يفعلنها، يقال: أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها إذا فعلها، والفاحشة الزنا لزيادة قبحها وشناعتها. {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ} فاطلبوا ممن قذفهن أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهن. {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ} فاحبسوهن في البيوت واجعلوها سجناً عليهن. {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} يستوفي أرواحهن الموت، أو يتوفاهن ملائكة الموت. قيل: كان ذلك عقوبتهن في أوائل الإِسلام فنسخ بالحد، ويحتمل أن يكون المراد به التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كيلا يجري عليهن ما جرى بسبب الخروج والتعرض للرجال، لم يذكر الحد استغناء بقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي }تفسير : [النور: 2] {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} كتعيين الحد المخلص عن الحبس، أو النكاح المغني عن السفاح. {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ} يعني الزانية والزاني. وقرأ ابن كثير {وَٱللَّذَانَ} بتشديد النون وتمكين مد الألف، والباقون بالتخفيف من غير تمكين. {فَـئَاذُوهُمَا } بالتوبيخ والتقريع، وقيل بالتعيير والجلد. {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} فاقطعوا عنهما الإيذاء، أو أعرضوا عنهما بالإِغماض والستر. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} علة الأمر بالإِعراض وترك المذمة. قيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً وكان عقوبة الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد. وقيل الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين، والزانية والزاني في الزناة.

ابن كثير

تفسير : كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت، فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ} يعني: الزنا { مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم، وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك، أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي، أثر عليه، وكرب لذلك، وتَرَبَّد وجهه، فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سري عنه، قال: «حديث : خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة»تفسير : ، وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه: «حديث : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» تفسير : قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي، عرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} فلما ارتفع الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خذوا، خذوا، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة»تفسير : . وقد روى الإمام أحمد أيضاً هذا الحديث عن وكيع بن الجراح: حدثنا الفضل بن دلهم عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»تفسير : . وكذا رواه أبو داود مطولاً من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصاباً بواسط. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عباس بن حمدان، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان يرجمان» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت سورة النساء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا حبس بعد سورة النساء»تفسير : . وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الرجم ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـآذُوهُمَا} أي: واللذان يأتيان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير وغيرهما: أي: بالشتم والتعيير والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم، وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا. وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا. وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا ـ لا يكني، وكأنه يريد اللواط ـ والله أعلم، وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به»تفسير : . وقوله: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا} أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه، وصلحت أعمالهما وحسنت، {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. وقد ثبت في الصحيحين: «حديث : إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» تفسير : أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ } الزنا {مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ } أي من رجالكم المسلمين {فَإِن شَهِدُواْ } عليهنّ بها {فَأَمْسِكُوهُنَّ } احبسوهنّ {فِى ٱلْبُيُوتِ } وامنعوهنّ من مخالطة الناس {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ } أي ملائكته {أَوْ } إلى أن {يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } طريقاً إلى الخروج منها أُمِرُوا بذلك أوّل الإسلام ثم جعل لهنّ سبيلاً بجلد البكر مائة وتغريبها عاماً، ورجم المحصنة، وفي الحديث لما بيَّن الحدّ قال « حديث : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلاً » تفسير : رواه مسلم.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء، وإيصال صدقاتهنّ إليهنّ، وميراثهنّ مع الرجال، ذكر التغليظ عليهنّ فيما يأتين به من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهنّ ترك التعفف {وَٱللَّـٰتِى } جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ، وفيه لغات: اللاتي بإثبات التاء، والياء، واللات بحذف الياء، وإبقاء الكسرة لتدل عليها، واللائي بالهمزة والياء، واللاء بكسر الهمزة، وحذف الياء، ويقال في جمع الجمع اللواتي، واللوائي، واللوات، واللواء. والفاحشة: الفعلة القبيحة، وهي مصدر كالعافية، والعاقبة، وقرأ ابن مسعود: "بالفاحشة". والمراد بها هنا: الزنا خاصة، وإتيانها فعلها، ومباشرتها. والمراد بقوله: {مّن نِّسَائِكُمُ } المسلمات، وكذا {مّنكُمْ } المراد به المسلمون. قوله: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ } كان هذا في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ } تفسير : [النور: 2] وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور، وكذلك الأذى باقيان مع الجلد، لأنه لا تعارض بينها بل الجمع ممكن. قوله: {أو يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً } هو ما في حديث عبادة الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا عني قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»تفسير : الحديث. قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } اللذان تثنية الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان كرحيان. قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة، وبين الأسماء المبهمة. وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفاً. وقرأ ابن كثير: "اللذان" بتشديد النون، وهي لغة قريش، وفيه لغة أخرى، وهي: "اللذا" بحذف النون. وقرأ الباقون بتخفيف النون. قال سيبويه: المعنى، وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها: أي: الفاحشة منكم ودخلت الفاء في الجواب، لأن في الكلام معنى الشرط. والمراد باللذان هنا: الزاني، والزانية تغليباً، وقيل: الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة، وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن، ومن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس، ورواه عن ابن عباس، ورواه القرطبي، عن مجاهد، وغيره، واستحسنه. وقال السدي، وقتادة، وغيرهما الآية الأولى في النساء المحصنات، ويدخل معهنّ الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه الطبري، وضعفه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد. وقال ابن عطية: إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه وقيل: كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصت المرأة بالذكر في الإمساك، ثم جمعاً في الإيذاء، قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً. واختلف المفسرون في تفسير الأذى، فقيل التوبيخ، والتعيير، وقيل: السبّ، والجفاء من دون تعيير، وقيل: النيل باللسان، والضرب بالنعال، وقد ذهب قوم إلى أن الأذى منسوخ كالحبس. وقيل: ليس بمنسوخ كما تقدّم في الحبس. قوله: {فَإِن تَابَا} أي: من الفاحشة {وَأَصْلَحَا } العمل فيما بعد {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } أي: اتركوهما وكفوا عنهما الأذى وهذا كان قبل نزول الحدود على ما تقدّم من الخلاف. قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } استئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على الاطلاق، كما ينبىء عنه قوله: {تَوَّاباً رَّحِيماً } بل إنما تقبل من البعض دون البعض، كما بينه النظم القرآني ها هنا، فقوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ } مبتدأ خبره قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ }. وقوله: {عَلَى ٱللَّهِ } متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً عند من يجوز تقديم الحال التي هي ظرف على عاملها المعنوي. وقيل: المعنى: إنما التوبة على فضل الله ورحمته بعباده. وقيل: المعنى: إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة؛ لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين. وقيل: على هنا بمعنى عند، وقيل: بمعنى من. وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى: {أية : وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [النور: 31] وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافاً للمعتزلة، وقيل: إن قوله: {عَلَى ٱللَّهِ } هو الخبر. وقوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ } متعلق بما تعلق به الخبر، أو بمحذوف وقع حالاً. والسوء هنا: العمل السيىء. وقوله: {بِجَهَالَةٍ } متعلق بمحذوف وقع صفة أو حالاً، أي: يعملونها متصفين بالجهالة، أو جاهلين. وقد حكى القرطبي، عن قتادة أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية، فهي بجهالة عمداً كانت أو جهلاً. وحكى عن الضحاك، ومجاهد أن الجهالة هنا: العمد، وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تفسير : [محمد: 36] وقال الزجاج: معناه بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل معناه: أنهم لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك، وضعفه ابن عطية. قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } معناه قبل أن يحضرهم الموت، كما يدل عليه قوله: {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } وبه قال أبو مجلز، والضحاك، وعكرمة، وغيرهم، والمراد قيل: المعاينة للملائكة، وغلبة المرء على نفسه، و «من» في قوله: {مِن قَرِيبٍ } للتبعيض، أي: يتوبون بعض زمان قريب، وهو ما عدا وقت حضور الموت. وقيل معناه: قبل المرض، وهو ضعيف، بل باطل لما قدمنا، ولما أخرجه أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» تفسير : وقيل معناه: يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } هو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم. وقوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تصريح بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة، ثم تاب من قريب. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } "حتى" حرف ابتداء، والجملة المذكورة بعدها غاية لما قبلها، وحضور الموت حضور علاماته، وبلوغ المريض إلى حالة السياق، ومصيره مغلوباً على نفسه مشغولاً بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق، وهي بلوغ روحه حلقومه، قاله الهروي. وقوله: {قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ} أي: وقت حضور الموت. قوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } معطوف على الموصول في قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } أي: ليست التوبة لأولئك، ولا للذين يموتون، وهم كفار مع أنه لا توبة لهم رأساً، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، وأن وجودها كعدمها. وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس في قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ } قال: كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت، فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ } تفسير : [النور: 2] فجعل الله لهنّ سبيلاً. فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روى هذا عنه من وجوه، وأخرج أبو داود في سننه عنه، والبيهقي في قوله: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } إلى قوله: {سَبِيلاً } ثم جمعهما جميعاً، فقال: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا } ثم نسخ ذلك بآية الجلد، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين، أخرجه أبو داود، والبيهقي، عن مجاهد، وأخرجه عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة. وأخرجه البيهقي في سننه، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير. وأخرجه ابن جرير عن السدي. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس في قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } قال: كان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير، وضرب بالنعال، فأنزل الله بعد هذه الآية: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ }تفسير : [النور: 2] فإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } قال: الرجلان الفاعلان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } يعني البكرين. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال: الرجل، والمرأة. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } الآية قال: هذه للمؤمنين وفي قوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } قال: هذه لأهل النفاق {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } قال: هذه لأهل الشرك. وأخرج ابن جرير، عن الربيع مثله. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به، فهو جهالة عمداً كان أو غيره. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن أبي العالية أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد، فهو جهالة. وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي، عن أبي عن صالح، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } الآية، قال: من عمل السوء، فهو جاهل من جهالته عمل السوء {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } قال: في الحياة، والصحة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه قال: القريب ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال: كل شيء قبل الموت، فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت، فليس له ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: القريب: ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر، ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدّمنا ذكره.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ} يعني بالفاحشة: الزنى. {فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ} يعني بيِّنة يجب بها عليهن الحد. {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} اختلفوا في إمساكهن في البيوت هل هو حد أو مُوعد بالحد على قولين: {أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} يعني بالسبيل الحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خُذُواْ عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ". تفسير : واختلفوا في نسخ الجَلْدِ من حد الثيِّب على قولين: أحدهما: أنه منسوخ، وهو قول الجمهور من التابعين والفقهاء. والثاني: أنه ثابت الحكم، وبه قال قتادة، وداود بن علي، وهذه الآية عامة في البكر والثيب، واخْتُلِفَ في نسخها على حسب اختلافهم فيها هل هو حد أو موعد بالحد، فمن قال: هي حد، جعلها منسوخة بآية النور، ومن قال: هي مُوعد بالحد، جعلها ثابتة. قوله عز وجل: {وَالَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا منكُم فَئَاذُوهُمَا} فيها قولان: أحدهما: أنها نزلت في الأبكار خاصة، وهذا قول السدي، وابن زيد. والثاني: أنها عامة في الأبكار والثيِّب، وهو قول الحسن، وعطاء. واختلف في المعنى بقوله تعالى: {وَاللَّذَانِ يِأْتِيَانِهَا مِنكُم} على قولين: أحدهما: الرجل والمرأة، وهو قول الحسن، وعطاء. والثاني: البكران من الرجال والنساء، وهو قول السدي، وابن زيد. وفي الأذى المأمور به ثلاثة أقاويل: أحدها: التعيير والتوبيخ باللسان، وهو قول قتادة، والسدي، ومجاهد. والثاني: أنه التعيير باللسان، والضرب بالنعال. والثالث: أنه مجمل أخذ تفسيره في البكر من آية النور، وفي الثيِّب من السُّنّة. فإن قيل كيف جاء ترتيب الأذى بعد الحبس؟ ففيه جوابان: أحدهما: أن هذه الآية نزلت قبل الأولى، ثم أمر أن توضع في التلاوة بعدها، فكان الأذى أولاً، ثم الحبس، ثم الجلد أو الرجم، وهذا قول الحسن. والثاني: أن الأذى في البكرين خاصة، والحبس في الثَّيِّبين، وهذا قول السدي. ثم اختلف في نسخها على حسب الاختلاف في إجمالها وتفسيرها. {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} يعني تابا من الفاحشة وأصلحا دينهما، فأعرضواْ عنهما بالصفح والكف عن الأذى.

ابن عطية

تفسير : قوله {واللاتي}: اسم جمع التي، وتجمع أيضاً على " اللواتي"، ويقال: اللائي بالباء، و {الفاحشة} في هذا الموضع: الزنا، وكل معصية فاحشة، لكن الألف واللام هنا للعهد، وقرأ ابن مسعود "بالفاحشة" ببناء الجر وقوله: {من نسائكم} إضافة في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب، ولا يلحقها هذا الحكم، وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقال قوم: ذلك ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وكانت هذه أول عقوبات الزناة - الإمساك في البيوت، قال عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد: حتى نسخ بالأذى الذي بعده, ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في الثيب, وقالت فرقة: بل كان الأذى هو الأول، ثم نسخ بالإمساك ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن فورك، و {سبيلاً} معناه مخرجاً بأمر من أوامر الشرع، وروى حطان بن عبد الله الرقاشي حديث : عن عمران بن حصين، أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الوحي، ثم أقلع عنه ووجهه محمر، فقال: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم . تفسير : {واللذان} - تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيان كرحيان المتمكنة وبين الأسماء المبهمات. قال أبو علي: حذفت الياء تخفيفاً إذ قد أمن من اللبس في اللذان، لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين، وقرأ ابن كثير "اللذانّ" بشد النون، وتلك عوض من الياء المحذوفة، وكذلك قرأ هذان، وفذانك, وهاتين، بالتشديد في جميعها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتخفيف جميع ذلك، وشداد أبو عمرو، " فذانك" وحدها ولم يشدد غيرها، {واللذان} رفع بالابتداء، وقيل على معنى: فيما يتلى عليكم " اللذان", واختلف في الأذى، فقال عبادة والسدي: هو التعيير والتوبيخ وقالت فرقة: هو السبُّ والجفاء دون تعيير، وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، قال مجاهد وغيره: الآية الأولى في النساء عامة لهن، محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال، وبين بلفظ التثنية صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عليه، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى {من نسائكم} وقوله في الثانية {منكم} ، وقال السدي وقتادة وغيرهما: الآية الأولى في النساء المحصنات، يريد ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين. قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول تام، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقد رجحه الطبري، وقرأ ابن مسعود " والذين يفعلونه منكم" وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعيير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير محصنهم، وكذلك عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حطان بن عبد الله الرقاشي الذي ذكرته آنفاً، وإن كان في صحيح مسلم فهو خبر آحاد، ثم ورد بالخبر المتواتر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ولم يجلد، فمن قال: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول دون جلد ناسخاً لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأئمة: أن السنة المتواترة تنسخ القرآن، إذ هما جميعاً وحي من الله، ويوجبان جميعاً العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، وصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ماعز، وفي حديث الغامدية، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس، ومن قال إن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، قال: إنما يكون حكم القرآن موقفاً، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن تتناول نسخاً. قال القاضي أبو محمد: وهذا تخيل لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم القرآن على حد النسخ، ولا يرد ذلك نظر، ولا ينخرم منه أصل، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن يقال فيها: إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه، وفي قوله تعالى: الشيخ والشيخة - إذا زنيا - فارجمهوها البتة، وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة، وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال له: فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لأقضين بينكما بكتاب الله تفسير : , ثم أمر أنيساً برجم المرأة إن هي اعترفت، فدل هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن، وأجمعت الأمة على رفع لفظة، وهاتان الآيتان أعني الجلد والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص واحد، وحديث عبادة المتقدم يقوى جميعهما، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم رجمها، وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الحسن وإسحاق بن راهويه، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية: فقوا ولا تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة فنقول: الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه، وإذا لم يستقل فليس بناسخ، وآية الرجم بعد أن يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها، بل تنبني مع الجلد وتجتمع، كما تضمن حديث عبادة بن الصامت، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله: لا تجلدوا الثيب، وأما البكر فلا خلاف أنه يجلد، واختلف في نفيه، فقال الخلفاء الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة: لا نفي اليوم، وقالت جماعة: ينفى وقيل: نفيه سجنه، ولا تنفى المرأة ولا العبد، هذا مذهب مالك وجماعة من العلماء، وقوله: {فأعرضوا عنهما} كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة أن يتوب الزناة، وهو الرجوع عن الزنا والإصرار عليه، فأمر الله تعالى المؤمنين، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن يكف عنهما الأذى، وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو "أعرضوا" وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا، لأن تركهم إنما هو إعراض، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : وأعرض عن الجاهلين} تفسير : [الأعراف:199] وليس الإعراض في الآيتين أمراً بهجرة، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة، وبحسب الجهالة في الآية الأخرى، والله تعالى تواب، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ولزوم الطاعة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْفَاحِشَةَ} الزنا. {فَأَمْسِكُوهُنَ} إمساكهن في البيوت حد منسوخ بآية النور، أو وعد بالحد لقوله تعالى {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَ سَبِيلاً} وهو الحد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم "تفسير : ، فنسخ جلد الثيب عند الجمهور خلافاً لقتادة وداود.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّـٰتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ...} الآية: الفَاحِشَةُ؛ في هذا الموضِعِ: الزِّنَا، وقوله: {مِّن نِّسَائِكُم}، إضافةٌ في معناها الإسلام، وجعل اللَّه الشهادة علَى الزِّنَا خاصَّة لا تَتِمُّ إلا بأربعةِ شُهَدَاءَ، تَغْلِيظاً على المُدَّعي، وسَتْراً على العبادِ. قلت: ومن هذا المعنى ٱشتراطُ رُؤْية كَذَا في كَذَا؛ كَالمِرْوَدِ في المُكْحُلَة. قال * ع *: وكانَتْ أولُ عقوبة الزُّنَاةِ الإمْسَاكَ في البُيُوت، ثم نُسِخَ ذلك بالأذَى الَّذي بَعْده، ثم نُسِخَ ذلك بآية النُّور وبالرَّجْمِ في الثَّيِّب؛ قاله عبادة بنُ الصَّامت وغيره، وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْن؛ أنه قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ، وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقَالَ: «حديث : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً؛ البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ»تفسير : ، خرَّجه مُسْلِم، وهو خَبَرٌ آحادٌ، ثم ورد في الخَبَر المتواتِرِ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم رَجَمَ، وَلَمْ يَجْلِدْ، فَمَنْ قال: إن السُّنَّة المتواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرآن، جعَلَ رَجْمَ الرسول دُونَ جَلْدٍ ناسخاً لجَلْدِ الثيِّب، وهذا الذي عليه الأَمَّة؛ أنَّ السُّنَّة المتواترة تَنْسَخُ القُرآن؛ إذ هما جميعاً وحْيٌ من اللَّه سبحانَهُ، ويوجِبَانِ جميعاً العِلْم والعَمَل. ويتَّجه عندي في هذه النَّازلة بعَيْنها أنْ يُقَالَ: إن الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْد هو القرآن المتَّفَقُ علَىٰ رَفْعِ لفظه، وبقاءِ حُكْمه في قوله تعالى: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَٱرْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ»، وهذا نصٌّ في الرجم، وقد قَرَّره عمر على المِنْبر بمَحْضَر الصَّحابة، والحديثُ بكماله في مُسْلم، والسُّنَّةُ هي المبيِّنة، ولفظُ «البخاريِّ»: «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً؛ الرَّجْمُ لِلثَّيِّب، وَالجَلْدُ لِلْبِكْرِ». انتهى. وقوله تعالى: {وَٱلَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ...} الآية: قال مجاهدٌ وغيره: الآيةُ الأُولَىٰ في النساء عموماً، وهذه في الرِّجال، فعقوبةُ النِّساء الحَبْسُ، وعقوبةُ الرِّجَالِ الأذَىٰ، وهذا قولٌ يقتضيه اللَّفْظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصنافَ الزُّنَاة عامَّة؛ ويؤيِّده مِنْ جهة اللفظ قولُه في الأولَىٰ: {مّن نِّسَائِكُمُ}، وقوله في الثانية: {مّنكُمْ}، وأجمع العلماءُ علَىٰ أنَّ هاتين الآيتين منُسْوخَتَانِ؛ كما تقدَّم.

ابن عادل

تفسير : لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة. وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة. وأيضاً فلا يجعل أمر اللَّه بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد. قوله: {وَٱللاَّتِي} جمع "التي" في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً. وقال أبُو البَقَاءِ: "اللاتي" جمع "التي" على غير قياس. وقيل: هي صيغة] موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة: ثلاث عشرةَ لفظة، وهي: اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و "الأُلى" كقوله: [الطويل] شعر : 1768- فَأمَّا الأُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا تفسير : إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع "الَّذي" و "اللاَّءاتِ" مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله: [الطويل] شعر : 1769- أولَئِكَ إخْوَانِي الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ وأخدَانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالْكَتَمْ تفسير : برفع اللاَّءات. قال ابن الأنباريِّ: العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان: اللاتي، كقوله: {أية : أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً} تفسير : [النساء: 5]. وقال في هذه الآية: اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ: كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ "اللاتي" قولان: أحدهما: أنَّهُ رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان: أحدهما: الجملة من قوله: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ} وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو: "زيدٌ فاضرِبْ" على رأي الجمهور؛ لأنَّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة. الوجه الثاني: أنَّ الخبر محذوف، والتقدير: "فيما يتلى عليكم حكم اللاتي" فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إلى مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ} تفسير : [المائدة: 38]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله: "فاستشهدوا عليهن" "فاجلدوا" دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له. والقولُ الثاني: أنَّ محلَّهُ نصبٌ، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره، والتقدير: اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله: "فاستشهدوا" فتكون المسألةُ من باب الاشتغال؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط ولا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله بعضهمْ، ويقرُبُ منه ما قاله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال: وإذا كان كذلك، أي: كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشَّرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله "فاستشهدوا"؛ لأن "استشهدوا" لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في "اللاتي"، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا. والثَّاني: أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعُهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ لا قَبْلَهُ، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا؟. فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} تفسير : [النساء: 16] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله؛ قال - رحمه الله -: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا} تفسير : [النساء: 16] الاختيار عند سيبويه في "اللذان" الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال: "والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمارِ فعل؛ لأنَّهُ إنَّما أشبه الشّرط، وليس الشبيه بالشيءِ كالشيءِ في حكمه" انتهى. وليس لقائل أن يَقُولَ: مُرَادُهُ النَّصْبُ بإضمار فعل النَّصب على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله: "لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره" فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار. فصل قال القرطبيُّ: الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة: الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ ابن مسعود "بالفاحشة" بباء الجرِّ وقوله: "من نسائكم" في محلِّ النّصب على الحال من الفاعل في "يأتين"، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي: يأتين كائناتٍ من نسائكم. وأما قوله: "منكم" ففيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بقوله: "فاستشهدوا". والثاني: أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة لـ "أربعة" فيكون في محل نصبٍ تقديره: فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم. فصل معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال: أتيت أمراً قبيحاً، أي: فعلته قال تعالى: {أية : لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} تفسير : [مريم: 27] وقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً} تفسير : [مريم: 89] وقال ابن مسعود "بالفاحشة" هي الفعلة القبيحة. قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ: فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنا لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ. فإن قيل: الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يُسمَّى ذلك فاحشة؟ فالجوابُ من وجهين: الأوَّلُ: أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ويُقْدِمُ عَلَيْهِ] وَيُوَافِق على فحشه. الثاني: قال ابن الخطيب: إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ. فصل في شهود الزنا قوله: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} أي: من المسلمين فجعل اللَّهُ الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد. وقال القرطبيُّ: وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن؛ قال الله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ} تفسير : [النور: 4] وقال هنا: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه: جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام: "حديث : ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ مِنْكُم"، فَأتَوْهُ يابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا: كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ؟ قَالاَ: نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَالَ: فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا؟ قَالاَ: ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ فَشَهِدُوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِهِمَا . تفسير : وقال قومٌ: إنَّمَا كان الشُّهود في الزِّنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا. فصل قال جمهورُ المفسرين: المراد من هذه الآية أنَّ المرأةَ إذا أتَت الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللَّهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ: المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 16] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ: الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه: أحدها: أن قوله: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} مخصوص بالنّسوان وقوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 16] مَخْصُوصٌ بالرِّجال؛ لأنَّ قوله "اللذان" تثنية المذكر. فإنْ قيل: لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله: {وَٱللَّذَانَ} الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر. فالجوابُ: لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 16] سقط هذا الاحتمال. وثانيها: أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد مهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل. ثالثها: أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ} في الزنا، وقوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} تفسير : [النساء: 16] في الزِّنَا أيضاً فيفضي إلى تكرار الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين، وإنَّهُ قبيح، وعلى قولنا لا يفضي إلى ذلك فكان أولى. رابعها: أنَّ القائلين بأنَّ هذه الآية نزلت في الزِّنا فسروا قوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} بالجلد والتغريب والرّجم، وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ هذه الأشياء تكون عليهنّ لا لهُنَّ، قال تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ} تفسير : [البقرة: 286] وأمَّا نحن فنفسِّرُ ذلك بتسهيل اللَّه لها قضاء الشَّهوة بطريق النِّكاح. قال أبُو مُسْلِمٍ: يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذَا أتَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ، وَإذَا أتَت الْمَرْأةُ الْمَرْأةَ فَهُمَا زَانِيَتَان" تفسير : . واحتجُّوا على إبطال كلام أبي مسلم بوجوه: الأوَّلُ: أنَّ هذا قول لم يقله أحدٌ من المفسّرين المتقدّمين. الثَّاني: أنَّه روي في الحديث أنَّهُ عليه السَّلام قال: "حديث : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً الثَّيِّبُ تُرْجَمُ وَالْبِكْرُ تُجْلَدُ" تفسير : وهذا يدلُّ على أنَّ هذه الآية نازلة في حقِّ الزُّنَاةِ. الثَّالث: أنّ الصحابة اختلفوا في حكم اللِّواط، ولم يتمسّك أحد منهم بهذه الآية، فعدم تمسكهم بها مع شدَّةِ احتياجهم إلى نَصٍّ يدلُّ على هذا الحكم من أقوى الدَّلائل على أنَّ هذه الآية ليست في اللواطة. وأجاب أبو مسلم عن الأوَّل بأنَّ هذا الإجماع ممنوع، فلقد قال بهذا القول مجاهدٌ، وهو من أكابر المفسرين، وقد ثبت في أصول الفقه أنَّ استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز. والجوابُ عن الثَّاني أنَّ هذا يفضي إلى نسخ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وإنَّهُ غير جائز. وعن الثَّالِثِ أن مطلوب الصَّحابة أنَّهُ هل يُقام الحدُّ على اللوطي، وليس في هذه الآية دلالة على نفي ولا إثبات فلهذا لم يرجعوا إليها. فصل المرادُ من قوله: {مِن نِّسَآئِكُمْ} أي: زوجاتكم لقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [المجادلة: 3] وقوله: {أية : فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} تفسير : [النساء: 23] [من نسائكم] وقيل: أي: من الثيب. وقوله: "فأمسكوهن" أي احبسوهنّ في بيوتكم، والحكمة فيه أنَّ المرأة إنَّمَا تقع في الزِّنَا عند الخروج والبروز، فإذا حُبِسَتْ في البيت لم تقدر على الزِّنَا، وتعتاد العفاف عن الزّنا. قل عبادة بن الصّامت والحسن ومجاهد: كان هذا في ابتداء الإسلام حتى نسخ بالإذى الّذي بعده، ثمَّ نسخ ذلك بالرّجم في الثيّب. وقيل: بل كان الإيذاء أولاً ثمَّ نسخ بالإمساك، ولَكِنَّ التلاوة أخرت. وقال ابن فورك: هذا الإمساك والحبس في البيوت كانَ في صدر الإسلام قبل أن يكثر الجناة. فلما كثروا وخشي قوتهم اتخذوا لهم سجناً، قال ابن العربي فإن قيل: التوفي والموت بمعنى واحد، فيصير التَّقدير: أو يميتهن الموت. فالجوابُ، يجوز أن يريد يتوفاهن ملائكة الموت لقوله: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي} تفسير : [النحل: 28] أو حتّى يأخذهن الموت. فإن قيل: إنكُمْ تفسِّرون قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} الثَّيِّبُ تُرْجَمُ والْبِكْرُ تجلد، وهذا بعيد؛ لأنَّ هذا السبيل عليها لا لها، فإنَّ الرَّجم أغلظ من الحبس. فالجوابُ: أنَّ النَّبي - عليه السَّلام - فَسَرَ السّبيل بذلك في قوله: "حديث : خذوا عني خذوا عني قَد جعل اللَّهُ لهن سبيلاً، الثَّيِّبُ بالثَّيب جلد مائةٍ ورجم بالحجارة، والبكرُ بالبكر جلد مائة وتغريب عام" تفسير : فلما فَسَّرَ الرسول عليه السًّلام السبيل بذلك وجب القطع بِصِحَّته. وأيضاً فله وجه في اللُّغة، لأنَّ المخلص من الشَّيء هو سبيله، سواء كان أخفّ أو أثقل. قوله: "حتى يتوفاهن الموت" "حَتَّى" بمعنى "إلَى" فالفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" وهي متعلقة بقوله "فأمسكوهن" غاية له. وقوله: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أن تكون "أوْ" عاطفة، فيكون الجعل غايةً لإمساكهن أيضاً، فينتصبُ "يجعل" بالعطف على {يَتَوَفَّاهُنَّ}. والثَّاني: أن تكون "أو" بمعنى "إلاَّ" كالَّتِي في قولهم: "لألزمنك أو تقضيني حقي" على أحد المعنيين، والفعل بعدها منصوب أيضاً بإضمار "أنْ" كقوله: [الطويل] شعر : 1770- فَسِرْ في بِلاَدِ اللَّهِ وَالْتَمِسِ الْغِنى تَعِشْ ذَا يَسَارٍ أوْ تَمُوتَ فَتُعْذَرَا تفسير : أي: إلا أن تموت، والفرق بين هذا الوجه والّذي قبله أنَّ الجَعْلَ ليس غاية لإمساكهنَّ في البيوت. قوله: {لَهُنَّ} فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بـ {يَجْعَلَ}. والثَّاني: أنَّهُ متعلِّق بمحذوف، لأنَّهُ حال من {سَبِيلاً} إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدَِّمَ عليها فَنُصِبَ حالاً، هذا إنْ جُعِلَ الجَعْلُ بمعنى الشِّرْع أو الخَلْق، وإنْ جُعِل بمعنى التصيير، فيكون {لَهُنَّ} مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على الأوَّلِ وهو {سَبِيلاً}، وتقديمُه هنا واجب؛ لأنهما لو انْحَلاَّ لمبتدأ وخبرٍ وَجَبَ تقديم هذا الخبر لكونه جارّاً، والمبتدأ نكرة لا مسوغ لها غير ذلك. فصل روي عن علي أنَّهُ جَلَدَ شَرَاحَةَ الهمدانية يوم الخميس مائة ثمَّ رجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب اللَّه ورجمتها بسنَّة رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعامَّة العلماء على أنَّ الثَّيِّب لا تجلد مع الرّجم؛ لأنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية ولم يجلدهما، وقال: "حديث : يَا أنيسُ امْضِ إلَى امْرأةٍ هَذَا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجمْهَا" تفسير : ولم يأمره بالجلد، وعند أبي حنيفة التّغريب أيضا منسوخ في حقِّ البكر، وأكثر أهل العلم على أنَّهُ ثابت، وروى نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ وغَرَّبَ وأن أبا بكر ضَرَبَ وغَرَّبَ. واختلفوا في الإمساك في البيت هل كان حَداً فنسخ أم كان حبساً ليظهر الْحَدُّ؟ على قولين: فقيل: هو توعد بالحد. وقال ابن عبَّاسٍ والحسن: إنَّهُ حَدٌّ، وزاد ابن زيد أنَّهُمْ منعوا من النِّكاحِ حتّى يموتوا عقوبة لهم، لأنهم طلبوا النكاح من غير وجهه، وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ كان حدّاً، بل أشد غير أنَّ ذلك الحكم ثابت محدود إلى غاية، وهو الأذى في الآية الأخرى على اختلاف التأوليين في أيّهما قبل، وكلاهما ممدود إلى غاية، وهو قول عليه السَّلام: "حديث : خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سبيلاً" تفسير : الحديث وهذا كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ} تفسير : [البقرة: 187] فإذا جاء اللَّيْلُ ارتفع حكمُ الصِّيام إلى غايته لا لنسخه، هذا قول المحقِّقين المتأخِّرين، فإن النَّسخ إنَّمَا يكون بين القولين المتعارضين اللَّذين لا يمكن الجمع بينهما والجمع ممكن بَيْنَ الحبس والتّغريب والجلد والرَّجم. وقد قال بعضُ العلماء: إن الأذى والتغريب باقٍ مع الجلد؛ لأنَّهُمَا لا يتعارضان فيحملان على شخص واحد فأمَّا الحبس فمنسوخ بالإجماع، وإطلاق المتقدمين النّسخ على مثل هذا لا يجوز. [وقيل: إن المراد بقوله تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} المراد أن يحبس كل من الرجل والمرأة في مكانه حتى يدركهن الأجل بالموت، أو يتبين الحمل فيجري عليهما حينئذ القصاص انتهى. والله أعلم].

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبزار والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله ‏{‏واللاتي يأتين الفاحشة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت الآية في سورة النور ‏{أية : ‏الزانية والزاني‏}‏ ‏تفسير : [‏النور: 2‏]‏ فجعل الله لهنَّ سبيلاً، فمن عمل شيئاً جلد وأرسل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله بعد ذلك ‏{أية : ‏الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة‏}‏ ‏تفسير : [‏النور: 2‏]‏ فإن كانا محصنين رجما‏.‏ فهذا السبيل الذي جعله الله لهما‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم‏} ‏ وقوله ‏{أية : ‏لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ تفسير : ‏[‏الطلاق: 1‏]‏ وقوله ‏{‏أية : ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 19‏]‏ قال‏:‏ كان ذكر الفاحشة في هؤلاء الآيات قبل أن تنزل سورة النور بالجلد والرجم، فإن جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج فترجم، فنسختها هذه الآية ‏{أية : ‏الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة‏}‏ ‏تفسير : [‏النور: 2‏]‏ والسبيل الذي جعل الله لهن الجلد والرجم‏.‏ وأخرج أبو داود في سننه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏سبيلاً‏} ‏ وذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما جميعاً فقال {أية : واللذان يأتيانها منكم فآذوهما‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 16‏]‏ الآية‏.‏ ثم نسخ ذلك بآية الجلد فقال‏:‏ ‏{أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة‏} ‏تفسير : [‏النور: 2‏]‏‏.‏ وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم‏}‏ يعني الزنا كان أمر أن يحبس، ثم نسختها ‏{أية : ‏الزانية والزاني فاجلدوا‏}‏ ‏تفسير : [‏النور: 2‏]‏‏.‏ وأخرج آدم وأبو داود في سننه والبيهقي عن مجاهد قال ‏"‏السبيل‏"‏ الحد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان هذا بدء عقوبة الزنا، كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً، ويعيران بالقول وبالسب‏.‏ ثم إن الله أنزل بعد ذلك في سورة النور جعل الله لهن سبيلاً، فصارت السنة فيمن أحصن الرجم بالحجارة، وفيمن لم يحصن جلد مائة ونفي سنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنحاس عن قتادة في الآية قال‏:‏ نسختها الحدود‏. ‏ وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن في قوله ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ كان أول حدود النساء أن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏واللاتي يأتين الفاحشة‏}‏ يعني الزنا ‏ {‏من نسائكم‏} ‏ يعني المرأة الثيب من المسلمين ‏ {‏فاستشهدوا عليهن أربعة منكم‏} ‏ يعني من المسلمين الأحرار ‏{‏فإن شهدوا‏} ‏ يعني بالزنا ‏{‏فأمسكوهن‏} ‏ يعني احبسوهن ‏ {‏في البيوت‏} ‏ يعني في السجون‏.‏ وكان هذا في أول الإسلام كانت المرأة إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن، فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق، وليس عليها حد ولا يجامعها، ولكن يحبسها في السجن ‏ {‏حتى يتوفاهن الموت‏} ‏ يعني حتى تموت المرأة وهي على تلك الحال ‏ {‏أو يجعل الله لهن سبيلا‏ً}‏ يعني مخرجاً من الحبس، والمخرج الحد‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ هؤلاء اللاتي قد أنكحن وأحصن إذا زنت المرأة كانت تحبس في البيوت، ويأخذ زوجها مهرها فهو له‏.‏ وذلك قوله ‏{أية : ‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً}‏ ‏تفسير : [‏البقرة: 229‏] ‏{‏إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ الزنا حتى جاءت الحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرها ميراثاً، فكان السبيل هو الحد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والشافعي والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدرامي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود والطحاوي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان عن عبادة بن الصامت قال‏:‏‏‏ "حديث : ‏‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وترمَّد وجهه‏.‏ وفي لفظ لابن جرير‏:‏ يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك‏.‏ فأنزل الله عليه ذات يوم، فلما سري عنه قال‏: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن سلمة بن المحبق قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال ‏‏ "حديث : ‏لما نزلت الفرائض في سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "لا حبس بعد سورة النساء"‏ "‏‏.‏

القشيري

تفسير : إنما اعتبر في ثبوت الفاحشة - التي هي الزنا - زيادة الشهود إسبالاً لِسَتْرِ الكَرِمِ على إجرام العِباد، فإنَّ إقامة الشهود - على الوجه الذي في الشرع لإثبات تلك الحالةَ - كالمُتَعَذِّرِ. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - لمَاعِز لما قال له: يا رسول الله - صلوات الله عليك - إنِّي زنيتُ فَطَهِّرْني. فقال: لعلِّك قَبَّلَتَ.. ثم قال في بعض المرات: "استنكهوه". ففي هذا أقوى دليل لما ذكرت من إسباله الستر على الأعمال القبيحة.

اسماعيل حقي

تفسير : {واللاتى} جمع التى {يأتين الفاحشة} الاتيان الفعل والمباشرة والفاحشة الفعلة القبيحة اريد بها الزنى لزيادة قبحه على كثير من القبائح اى اللاتى يفعلن الزنى كائنات {من نسائكم} اى من زوجاتكم {فاستشهدوا عليهن اربعة منكم} اى فاطلبوا ان يشهد عليهن باتيانها اربعة من رجال المؤمنين واحرارهم {فان شهدوا} عليهن بذلك {فأمسكوهن فى البيوت} فاحبسوهن فيها واجعلوها سجنا عليهن {حتى يتوفاهن الموت} اى يأخذهن الموت ويستوفى ارواحهن. وفيه تهويل للموت وابراز له فى صورة من يتولى قبض الارواح او يتوفاهن ملائكة الموت {او يجعل الله لهن سبيلا} اى طريقا يخرجن به من الحبس بان تنكح فانه مغن عن السفاح اى الزنى {واللذان} تثنية الذى {يأتيانها} اى الفاحشة {منكم} هما الزانى والزانية بطريق التغليب. قال السدى اريد بهما البكران منهما كما ينبىء عنه كون عقوبتهما اخف من الحبس المخلد وبذلك يندفع التكرار {فآذوهما} فوبخوهما وذموهما وقولوا لهما أما استحييتما أما خفتما الله وذلك بعد الثبوت {فان تابا} عما فعلا من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجر الاذية وقوارع التوبيخ {واصلحا} اى لعملهما وغير الحال {فاعرضوا عنهما} بقطع الاذية والتوبيخ فان التوبة والاصلاح مما يمنع استحقاق الذم والعقاب {ان الله كان توابا رحيما} مبالغا فى قبول التوبة {رحيما} واسع الرحمة. واعلم ان الرجل اذا زنى بامرأة وهما محصنان فحدهما الرجم لا غير وان كانا غير محصنين فحدهما الجلد لا غير وان كان احدهما محصنا والآخر غير محصن فعلى المحصن منهما الرجم وعلى الآخر الجلد والمحصن هو ان يكون عاقلا بالغا مسلما حرا دخل بامرأة بالغة عاقلة حرة مسلمة بنكاح صحيح فالرجم كان مشروعا فى التوراة ثم نسخ بآية الايذاء من القرآن ثم صار الإيذاء منسوخا بآية الحبس وآية الايذاء وان كانت متأخرة فى الترتيب والنظم الا انها سابقة على الاولى نزولا ثم صار الحبس منسوخا بحديث عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة " .تفسير : ثم نسخ هذا كله بآية الجلد {أية : الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تفسير : [النور: 2]. وصار الحد هو الجلد فى كل زان وزانية ثم صار منسوخا بالرجم فى حق المحصن بحديث ماعز رضى الله عنه وبقى غير المحصن فى حكم الجلد وهو الترتيب فى الآيات والاحاديث وعليه استقر الحكم عندنا كذا فى تفسير التيسير. فالواجب على كل مسلم ان يتوب من الزنى وينهى الناس عن ذلك فان كل موضع ظهر فيه الزنى ابتلاهم الله بالطاعون ويزيد فقرهم. "حديث : قال ابن مسعود رضى الله عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أى ذنب اعظم عند الله قال "ان تجعل لله ندا وهو خلقك" قلت ثم أى قال "ان تقتل ولدك خشية ان يأكل معك" قلت ثم أى قال "ان تزنى بحليلة جارك" " .تفسير : واشد الزنا ما هو مصر عليه وهو الرجل الذى يطلق امرأته وهو يقيم معها بالحرام ولا يقر عند الناس مخافة ان يفتضح فكيف لا يخاف فضيحة الآخرة يوم تبلى السرائر يعنى تظهرالاسرار فاحذر فضيحة ذلك اليوم واجتنب الزنى ولا تصر عليه فانه لا طاقة لك مع عذاب الله وتب الى الله فان الله كان يقبل التوبة عن عباده ان الله كان توابا رحيما: قال مولانا جلال الدين الرومى قدس سره شعر : مركب توبه عجائب مركبست برفلك تازد بيك لحظه زبست جون برآرند از بشيمانى انين عرش لرزد ازانين المذنبين عمرا كربكذشت بيخش اين دم است آب توبه اش ده اكر اوبى نمست بيخ عمرت رابده آب حيات تادرخت عمر كردد باثبات جمله ماضيها ازين نيكو شوند زهر بارينه ازين كرد دجوقند تفسير : والاشارة فى تحقيق الآيتين ان {واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم} هى النفوس الامارة بالسوء والفاحشة ما حرمته من اعمال الظاهر وحرمته الطريقة من احوال الباطن وهى الركون الى غير الله قال عليه السلام "حديث : سعد غيور وانا اغير منه والله اغير منا ولهذا حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " .تفسير : {فاستشهدوا عليهن} على النفوس باتيان الفاحشة {اربعة منكم} اى من خواص العناصر الاربعة التى انتم منها مركبون وهى التراب ومن خواصه الخسة والركاكة والذلة والطمع والمهانة واللؤم. والماء ومن خواصه اللين والعجز والكسل والانوثة والشره فى المأكل وفى المشرب. والهواء ومن خواصه الحرص والحسد والبخل والحقد والعداوة والشهوة والزينة. والنار ومن خواصها التبختر والتكبر والفخر والصلف والحدة وسوء الخلق وغير ذلك مما يتعلق بالاخلاق الذميمة ورأسها حب الدنيا والرياسة واستيفاء لذاتها وشهواتها {فان شهدوا} اى ظهر بعض هذه الصفات من النفوس {فامسكوهن فى البيوت} فاحبسوهن فى سجن المنع عن التمتعات الدنيوية فان الدنيا سجن المؤمن واغلقوا عليهن ابواب الحواس الخمس {حتى يتوفاهن الموت} اى تموت النفس اذا انقطع عنها حظوظها دون حقوقها والى هذا اشار بقوله عليه السلام "حديث : موتوا قبل ان تموتوا " .تفسير : {او يجعل الله لهن سبيلا} بانفتاح روزنة القلوب الى عالم الغيوب فتهب منها الطاف الحق وجذبات الالوهية التى جذبة منها توازىعمل الثقلين {واللذان يأتيانها منكم} اى النفس والقالب يأتيان الفواحش فى ظاهر الافعال والاعمال وباطن الاحوال والاخلاق {فآذوهما} ظاهرا بالحدود وباطنا بترك الحظوظ وكثرة الرياضات والمجاهدات {فان تابا} ظاهرا وباطنا {واصلحا} لذلك {فاعرضوا عنهما} باللطف بعد العنف وباليسر بعد العسر فان مع العسر يسرا {ان الله كان توابا} لمن تاب {رحيما} لمن اصلح من تفسير نجم الدين الرازى الكبرى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} النساء {اللاتي يأتين الفاحشة} أي: الزنى، سُمِّيَ فاحشة لفُحش قبحه وبشاعة فعله شرعًا، {من نسائكم} المسلمات، {فاستشهدوا عليهن} أي: اطلبوا مَنْ رَمَاهُنَّ بذلك أن يُشْهِدوا {عليهن أربعة منكم}، أي: من عدول المؤمنين يرونهما كالمرود في المكحلة، وإنما جعلوا أربعة مبالغة في الستر على المؤمن، أو ليكون على كل حال واحد اثنان، {فإن شهدوا} عليهن بذلك {فأمسكوهن في البيوت}، واجعلوه سجنًا لهن {حتى يتوفاهن الموت} أي: يستوفي أجلّهن الموتُ، أو يتوفاهن ملك الموت، {أو يجعل الله لهن سبيلاً} كتعيين الحد المخلّص من السجن، وكان هذا في أول الإسلام ثم نُسخ بما في سورة النور من الحدود، ويحتمل أن يراد التوصية بإمساكهن بعد أن يُجلدن كي لا يَعُدْن إلى الزنى بسبب الخروج والتعرض للرجال. واكتفى بذكر حدِّهن، بما في سورة النور، وهذا الإمساك كان خاصًا بالنساء بدليل قوله {واللذان يأتيانها منكم} أي: الزاني والزانية منكم، {فآذوهما} بالتوبيخ والتقريع ـ {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} أي: اقطعوا عنهما الأذى، أو أعرِضوا عنهما بالإغماض عن ذكر مساوئهما. قيل: إن هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً، وكان عقوبة الزنى الأذى ثم الحبس ثم الجلد، وقيل، الحبس في المساحقات، والإيذاء في اللواطين، وما في سورة النور في الزناة. والذي يظهر. أن الحكم كان في أول الإسلام في الزنا: الإمساك للنساء في البيوت بعد الإيذاء بالتوبيخ، فتُمسك في بيتها حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلاً بالتزوج بمن يعفها عنه. والإيذاء للرجال بالتعيير والتقريع والتحجيم حتى تتحقق توبته، ثم نسخ ذلك كله بالحدود، وهو جَلْد البكر مائة وتغريبة عامًا ورجم المحصن. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي للعبد، إذا طَغَتْ عليه نفسُه، وأرادت ارتكاب الفواحش، أن يستشهد عليها الحفظة، الذين يحفظون عليه تلك المعاصي، فإن لم تستحِ، فليعاقبها بالحبس في سجن الجوع والخلوة والصمت، حتى تموت عن تلك الشهوات، أو يجعل الله لها طريقًا بالوصول إلى شيخ يُغيِّبه عنها، أو بوارد قوي من خوف مزعج أو شوق مقلق، فإن تابت وأصلحت، أعرض عنها واشتغل بذكر الله، ثم يغيب عما سواه. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال أكثر المفسرين، كالضحاك، وابن زيد، والجبائي، والبلخي، والزجاج، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، والسدي: إن هذه الآية منسوخة، لأنه كان الفرض الأول أن المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك، أربعة شهود، أن تحبس في البيت أبداً حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين. واللاتي جمع التي، وكذلك اللواتي، قال الشاعر: شعر : من اللواتي والتي واللاتي زعمن أن كبرت لداتي تفسير : ويجمع اللاتي باثبات الياء وبحذفها، قال الشاعر: شعر : من اللات لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا تفسير : وقوله: {أو يجعل الله لهن سبيلاً} قيل في معنى السبيل ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعبد الله بن كثير، أنه الجلد للبكر مائة، وللثيب المحصن الرجم، وإذا جلد البكر فانه ينفى سنة عندنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. و [الثاني] قال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب عليه الرجم فانه يجلد أولا ثم يرجم عند أكثر أصحابنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وعبادة بن الصامت، وجماعة ذكرناهم في الخلاف. وفي أصحابنا من يقول: ذلك يختص الشيخ والشيخة، فاذا لم يكونا كذلك فليس عليهما غير الرجم، وأكثر الفقهاء على أنهما لا يجتمعان، وثبوت الرجم معلوم من جهة التواتر على وجه لا يختلج فيه شك، وعليه اجماع الطائفة، بل اجماع الأمة، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، وهم لا يعتد بخلافهم. وقوله: {يأتين الفاحشة} يعني بالفاحشة، وحذف الباء كما يقولون: أتيت أمراً عظيما، أي: بأمر عظيم، وتكلمت كلاماً قبيحاً، أي بكلام قبيح. وقال أبو مسلم: {واللاتي يأتين الفاحشة} قال: هما المرأة تخلوا بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن: {أو يجعل الله لهن سبيلاً} فالتزويج والاستغناء بالحلال، وهذا قول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فانهم لا يختلفون أن الفاحشة المذكورة في الآية الزنا، وأن هذا الحكم منسوخ، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع). ولما نزل قوله: {أية : الزانية والزاني } تفسير : قال النبي (صلى الله عليه وسلم):حديث : قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم .

الجنابذي

تفسير : {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} هذه الآية فى كيفيّة سياسة الخارجين من الحدود {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} فاطلبوا من القاذف اربعة رجال من المؤمنين {فَإِن شَهِدُواْ} بالكيفيّه المعتبرة فى الشّهادة على الزّنا {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} لمّا كان هذه الآية فى ابتداء تأسيس السّياسات لم يشدّد في السّياسة، ولمّا تمّ الاسلام وقوى انزلت سورة النّور والحدّ والرّجم للزّانى والزّانية ولذا قالوا نسخت هذه الاية بما فى سورة النّور والسبيل هو الحدّ والرّجم.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} الفاحشة الزنا {فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم} الخطاب للأزواج أي اطلبوا ممن قذفهنَّ أن يأتي بأربعة شهداء، وقيل: الخطاب للحكام أي فاسمعوا شهادة أربعة عليهنَّ {فأمسكوهنَّ في البيوت} قيل: معناه فاجلدوهنَّ في البيوت محبوسات وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخ بقوله تعالى: {أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تفسير : [النور: 2] فلم يبق إلا الجلد للبكر والرجم للمحصنة ويجوز أن يكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الجلد لأن ذلك معلوم في الكتاب والسنَّة، ويريد إمساكهن في البُيوت بعد الحد صيانةً لهنَّ عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج والتعرض للرجال، قوله تعالى: {أو يجعل الله لهنَّ سبيلاً} وهو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح، وقيل: السبيل هو الحد لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت، قوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم} يريد بها الزنا {فآذوهما} فوبخوهما وذموهما {فإن تابا وأصلحا} وغيَّرا الحال {فأعرضوا عنهما} واقطعوا التوبيخ والمذمَّة فإن التوبة تمنع استحقاق الذمّ والعقاب، قوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة} أولاً الآية نزلت في المؤمنين، ووسطها في المنافقين، وآخرها في الكفار الذين يموتون على كفرهم مصرين، قوله تعالى: {ثم يتوبون من قريب} القريب: ما قبل حضور الموت ألا ترى إلى قوله تعالى: {حتى إذا حضر أحدهم الموت} فبين أن وقت الاحضار هو الذي لا تقبل فيه التوبة، وروى أبو أيوب الأنصاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : وعن ابن عباس: من قبل أن ينزل به سلطان الموت، وعن الضحّاك: كل توبة قبل الموت قريب.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ} يعني الزنا {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} قيل: هذه الآية نزلت بعد الآية التي بعدها في التأليف. {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا} يعني الفاحشة {مِنكُمْ} من الرجال، {فَآذُوهُمَا} أي: بالألسنة {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. ثم نزلت هذه الآية {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}. ثم نزل في سورة النور: (أية : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ)تفسير : [النور:2]. وهذا في تفسير الحسن. وقال غيره: {فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} قال: كان هذا بدءَ عقوبة الزنا. كانت المرأة تحبس، ويؤذيان جميعاً بالقول والشتيمة، قال: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}. فجعل سبيلهن الجلد والرجم: إن كانا محصنين رجماً، وإن كانا غير محصنين جلد كل واحد منهما مائة جلدة. قال الحسن: إن جاء الشهود الأربعة جميعاً أقيم بشهادتهم الحد، وإن جاءوا مفترقين جلد كل إنسان منهم جلد القاذف ثمانين. ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة. قوله: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ} أي إنما التجاوز من الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} ذكر بعض العلماء قال: كل ذنب أتاه عبد فهو بجهالة. قال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي: ما دون الموت؛ يقال: ما لم يغرغر بنفسه. {فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}. قال الحسن: نزلت هذه الآية في المؤمنين: ثم ذكر الكفار فقال: {وَلَيْسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} يعني الشرك بالله {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ} عند معاينة ملك الموت قبل أن تخرج نفسه من الدنيا {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} أي رجعت الآن {وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}. قال الحسن: لا يقبل إيمان الكافر عند الموت ولا توبته ولا توبة صاحب الكبائر. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا إن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهما لمن اجتنب الكبائر . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: إن إبليس لما أهبط إلى الأرض قال: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام روحه في جسده، فقال الله: وعزتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر بنفسه. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة. قال: وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة.

اطفيش

تفسير : {وَاللاَّتِى يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ}: الزنا، أى يفعلنها. وقرأ ابن مسعود يأتين بالفاحشة وشاعت الفاحشة فى الزنى لزيادة قبحه على أكثر القبائح. {مِن نِّسَآئِكُمْ}: جنس النساء الموحدات وحكم نساء المشركين كحكمهن. {فَاسْتَشْهِدُواْ}: ممن قذفهن. {عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً}: رجالا أربعة عدولا ولا يجوز النساء مع الرجال. {مِّنْكُمْ}: من المسلمين أى اطلبوا شهادتهم هل كانت وحصلت والخطاب للمسلمين مثله فى نسائكم، وبلى ذلك الحكام من المسلمين ولذلك قيل: الخطاب للحكام، وقيل: الخطاب للأزواج فى المواضع الثلاثة، لكن يراد فى قوله {مِّنْكُمْ} من جنسكم وكذا الخلاف بعد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه إنما جعل الله الشهود أربعة مستراً يستركم به دون فواحشكم. وذلك تغليظاً على المدعى وستر على العبادة، كما اشترط لذلك أيضاً أن يرى هن فى هن كالمرود فى المكحلة، وليس كما قيل: إنهم كانوا أربعة، ليكون اثنان على كل منهما. {فَإِنْ شَهِدُواْ}: عليهن بالزنى. {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ}: سجناً لهن، لأن بروزهن داع للزنا، فإن سجن فى البيوت لم يلتقين بالرجال فلم يزنين. {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ}: أى يستكمل الموت أو ملك الموت، عدد أنفسهن ومدتهن بأن بلغ أجلهن، أو يقبض الموت، أو ملك لموت أوراحهن، وإسناد التوفى بمعنى استكمال العمر مجاز على الوجهين، وبمعنى القبض حقيقة لملك الموت مجاز للموت. {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}: يعلمه الله، ولما نزلت الآية الرجم وآية الجلد علمنا أن السبيل عند الله الرجم والجلد، قال عبادة بن الصامت: حديث : كان نبى الله، صلى الله عليه وسلم. إذا نزل عليه حكم كرب لذلك وتربد وجهه فأنزل الله عليه ذات يوم، فبقى كذلك فلما سرى عنه قال: "خذوا عنى خذوا عنى"تفسير : . قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفى بسنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وليست آيتا الرجم والجلد ناسختين لهذه الآية كما قالوا: لأن هذا الحكم المذكور فى الآية وهو حبسهن إلى الموت، قد ذكر الله عز وجل أجلا بقوله {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} فما هذا إلا حكم مقيد بأجل، كأنه قيل: حتى ينزل الله الجلد والرجم، وإنما يكون النسخ إذا لم يذكر الله أجلا لحكم المنسوخ، بل تركه عنده ولم يذكره لنا مجملا ولا مفصلا، هذا عندى والعلم عند الله، وكذا لا نسخ إذا قلنا أن الجلد والرجم نزلا قبل هذه الآية، وأن المحصنة لم تدخل فى هذه الآية بل ترجم، وأن المراد فى الآية: التى لم تحصن فتجلد وتحبس فى البيت على جهة الحفظ حتى يصونها القبر بالموت، أو يصونها زوج تتزوجه بعد الجلد، وإنما قلت: لا نسخ فى هذا الوجه أيضاً إذا أريد بالأمر بالحبس الندب لبقائه على كل مخوف عليها مرغباً فيه مؤكداً، والوجوب على جهة الحفظ، لا على جهة كونه حدا، وأما على وجوبه وكونه حدا فمنسوخ بالرجم، والجلد، وليس كما قيل إن الآية منسوخة بإجماع، بل لم يستمر وجوب الحبس بالجماع، ووزعم بعض من قال بالنسخ لها، أن ناسخها حديث عبادة المذكور آنفاً، والحديث منسوخ بآية الجلد بمعنى أنه نسخ قيده بآية الجلد، وكذا قيل: الرجم فيه للثيب، وجلده فإن الرجم والجلد لم يقيد فيهما البكر بالبكر والثيب بالثيب بل البكر يجلد ولو زنى بالثيب، والثيب يرجم ولو زنى بالبكر، وكذا جمع الجلد والرجم على الثيب، فإنه بقى الرجم وزال الجلد فى آية الرجم، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه رجم يهوديا ويهودية، وموحدتين ولم يجلدهم هذا مذهب الجمهور. وزعمت جماعة أن الجمع باق وبه قال على والحسن وإسحاق بن راهويه، وداود وأهل الظاهر، وروى أن عليا جلد امرأة من همدان يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولعله سمى الرجم سنة لنسخ تلاوة أيته، وبقاء عمله صلى الله عليه وسلم به، وأمره به أو لأنه يثبت عنده تحقيق أن ذلك كان آية تتلى ثم نسخ لفظها، وقال أبو مسلم الخلولانى المراد بالتى يأتين الفاحشة: السحاقات وهم المتراكبات، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : سحاق النساء زنى بينهن"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"تفسير : فعلى قوله يكون حكم الساحقات الحبس، ثم نزل الرجم والجلد فتجلد الساحقات أو يرجمن، ولا قائل بذلك سواه، ولكن نسبة بعض أيضاً إلى مجاهد وأبى مسلم، ولا جلد ولا رجم ولا تغريب على طفل أو مجنون ولا رجم على عبد أو أمة، بل عليهما جلد خمسين أحصنا أو لم يحصنا نصف جلد الحر غير المحصن، وقيل أربعين إن لم يحصنا، وخمسين إن أحصنا، وعلى بقاء تغريب البكر سنة بعد جلده مائة يغرب العبد والأمة بعد الجلد المذكور نصف سنة، نصف تغريب الحر، وقيل: لا يغرب العبد، وإنما يغرب الحر لأن العبد مال، والجمهور على بقاء الحر البكر بعد جلده، وبه قال الشافعى، وقال أبو حنيفة وحماد: لا يغرب، والصحيح الأول لورود التغريب فى صحيح الربيع - رحمه الله - وكذا فى حديث عبادة المتقدم، وتغريب المرأة كالرجل فى قوله تغربيه. وقال مالك والأوزاعى: لا تغريب على النساء لأنهن عورات، وفى تغربيهن تضييع لهن، وتعريض للفتنة، ويرد عليه حديث عبادة: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة، وأن أبا بكر وعمر جلدا وغربا، والمشرك كالمسلم فى جميع أحكام الرجم والجلد والتغريب. وقال أبو حنيفة: لا رجم على مشرك، ويرده رجمه صلى الله عليه وسلم يهوديا ويهودية.

اطفيش

تفسير : {وَالاَّتِى} بلام واحدة حذفت فى الخط، بعدها لام، خروجا عن التكرير فى الخط وتبعتها فى الحذف خطا الألف التى من شأنها أن تكتب حمراء زيادة على خط الإمام، ولا حذف فى النطق، بل لو كتب كما ينطق به، لكان هكذا اللاتى بلام ولام الألف وهو اسم وضع للجماعة، وقيل جمع التى، وكذا الكلام فى اللتان واللذان والذين هو اسم وضع لاثنين أو اثنتين أو تثنية وجمع {يَأْتِيَنَ الفَاحِشَةَ} الزنى سمى فاحشة لزيادة قبحه {مِن نِسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا} اطلبوا ممن ذكرهن بالزنى الشهادة {عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً} شهادة أربعة {مِّنكُمْ} أيها المؤمنون البلغ العقلاء الأحرار، وقيل جعل شهادة الزنى أربعة ليشهد على الرجل اثنان، وعلى المرأة اثنان كسائر الحقوق، أعنى ليكون ذلك حصة فى العدد، وإلا فالأربعة كلهم شهدوا على الرجل، وكلهم شهدوا على المرأة، وربما لا يعرفون المرأة، بل يعرفون الرجل، فإنما ذلك مناسبة لا تعليل صحيح، والواضح أَنها جعلت أربعة تغليظاً على ذاكر الزنى عن غيره، وسترا علىالعباد، والجملة خبر اللاتى، ولو كانت أمرا وقدر بعض اقصدوا اللاتى أو تعمدوا اللاتى على الاشتغال، أو الاستئناف وبعض مما يتلى عليكم حكم اللاتى {فَإِنْ شَهِدُوا} أى الأربعة منكم بالزنى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البُيُوتِ} منعاً عن الخروج الذى هو سبب الزنى بتعرضهن أو تعريض الرجال له، فلا يوجد خارجاً إلا من لا تزنى {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ} أى يتوفى أزواجهن {الْمَوتُ} أى يأخذ الموت أزواجهن كاملة لا يبقى منهن واحدة، والتوفى الاستيفاء، وهوالقبض، شبه الموت بإنسان أو ملك ورمز إليه بالقبض، فذلك استعارة بالكناية، أو يقدر مضاف أى حتى يتوفى أزواجهن ملك الموت، أو ملائكة الموت، لأن لعزرائيل أعوانا، وليس التفسير بيميتهن ملك الموت قويا، وأولى منه جعل ذلك من إسناد ما للفاعل إلى أثر فعله، وهذا الحبس قبل نزول جلد مائة فى غير المحصنات، وجلد الأمة خمسين {أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} هو جلد التى لم تحصن، ورجم الحرة المحصنة، لما نزل الجلد والرجم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هما السبيل، خذوا عنى، خذوا عنى"تفسير : ، وليس ذلك نسخا، بل غاية، لأنه ذكر السبيل هما غاية، وآية الجلد ودلائل الرجم بيان لا نسخ، وقبل ذلك تحبس بلا طلاق وينفق عليها زوجها، وترد الصداق لزوجها، وذلك الحبس للمباعدة عن الرجال، وكأن الأمور بالتدريج، وإن قلنا نزل الجلد والرجم فلعلها كان المراد حبس غير المحصنة بعد جلدها وكان السبيل تزوجها بعد عدة الزنى لأنه يغنى عن الزنى، وقال أبو مسلم: الفاحشة السحاق، والسبيل التزوج المغنى عنه، ويبحث بأنه لو كان المراد السحاق لكانت العقوبة منعهن عن مخالطات النساء لا الحبس فى البيوت، ويجاب بأن المراد حبس بعضهن عن بعض، ويبحث أيضاً بأن قوله منكم ينافى السحاق، لأن المتبادر من قوله منكم من الرجال، ولو احتمل أن المراد منكم معشر من آمن، وقوى بعضهم إرادة السحاق فى قوله: "والتى يأتين الفاحشة" وإرادة اللواط فى قوله: "أية : واللذان يأتيانها" تفسير : [النساء: 16] بانفراد النساء فى آية، والرجال فى آية، وبأن لا يخلو القرآن عن حكم اللواط والسحاق وليس ذلك بحجة.

الالوسي

تفسير : {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ} شروع في بيان بعض الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء إثر بيان أحكام المواريث، و {وَٱللاَّتِي} جمع التي على غير قياس، وقيل: هي صيغة موضوعة للجمع، وموضعها رفع على الابتداء، والفاحشة ما اشتد قبحه، واستعملت كثيراً في الزنا لأنه من أقبح القبائح، وهو المراد هنا على الصحيح، والإتيان في الأصل المجيء، وفي «الصحاح» يقال: أتيته أتياً قال الشاعر:شعر : فاختر لنفسك قبل أتى العسكر تفسير : وأتوته أتوة لغة فيه، ومنه قول الهذلي:شعر : كنت إذا أتوته من غيب تفسير : وفي «القاموس» أتوته أتوة وأتيته أتياً وإتياناً وإتيانه بكسرهما، ومأتاة وأتيا كعتى، ويكسر جئته، وقد يعبر به كالمجيء والرهق والغشي عن الفعل، وشاع ذلك حتى صار حقيقة عرفية، وهو المراد هنا فالمعنى يفعلن الزنا أي يزنين، والتعبير بذلك لمزيد التهجين، وقرأ ابن مسعود {يَأْتِينَ} ـ فالإتيان على أصله المشهور، و {مِنْ} متعلقة بمحذوف وقع حالاً من فاعل {يَأْتِينَ} والمراد من النساء ـ كما قال السدي وأخرجه عنه ابن جرير ـ النساء اللاتي قد أنكحن وأحصن، ومثله عن ابن جبير {فَٱسْتَشْهِدُواْ} أي فاطلبوا أن يشهد {عَلَيْهِنَّ} بإتيانهن الفاحشة {أَرْبَعةً مّنْكُمْ} أي أربعة من رجال المؤمنين وأحرارهم قال الزهري: مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود، واشترط الأربعة في الزنا تغليظاً على المدعي وستراً على العباد، وقيل: ليقوم نصاب الشهادة كاملاً على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ولا يخفى ضعفه، والجملة خبر المبتدأ والفاء مزيدة فيه لتضمن معنى الشرط، وجاز الإخبار بذلك لأن / الكلام صار في حكم الشرط حيث وصلت اللاتي بالفعل ـ قاله أبو البقاء ـ وذكر أنه إذا كان كذلك لم يحسن النصب على الاشتغال لأن تقدير الفعل قبل أداة الشرط لا يجوز، وتقديره بعد الصلة يحتاج إلى إضمار فعل غير فاستشهدوا لأنه لا يصح أن يعمل النصب في {ٱللاَّتِى}، وذلك لا يحتاج إليه مع صحة الابتداء وأجاز قوم النصب بفعل محذوف تقديره اقصدوا اللاتي أو تعمدوا، وقيل: الخبر محذوف والتقدير فيما يتلى عليكم حكم اللاتي، فالجار والمجرور هو الخبر وحكم هو المبتدأ فحذفا لدلالة فاستشهدوا لأنه الحكم المتلو عليهم، والخطاب قيل: للحكام، وقيل: للأزواج. {فَإِن شَهِدُواْ} عليهن بالإتيان. {فَأَمْسِكُوهُنَّ} أي فاحبسوهن عقوبة لهن {فِى ٱلْبُيُوتِ} واجعلوها سجناً عليهن {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} المراد بالتوفي أصل معناه أي الاستيفاء وهو القبض تقول: توفيت مالي على فلان واستوفيته إذا قبضته. وإسناده إلى الموت باعتبار تشبيهه بشخص يفعل ذلك فهناك استعارة بالكناية والكلام على حذف مضاف، والمعنى حتى يقبض أرواحهن الموت ولا يجوز أن يراد من التوفي معناه المشهور إذ يصير الكلام بمنزلة حتى يميتهن الموت ولا معنى له إلا أن يقدر مضاف يسند إليه الفعل أي ملائكة الموت، أو يجعل الإسناد مجازاً من إسناد ما للفاعل الحقيقي إلى أثر فعله. {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} أي مخرجاً من الحبس بما يشرعه من الحدّ لهن ـ قاله ابن جبير ـ وأخرج الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك واربدّ وجهه، وفي لفظ لابن جرير يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك فأنزل عليه ذات يوم فلما سرى عنه قال: «حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر جلد مائة ثم نفي سنة» تفسير : وروى ابن أبـي حاتم عن ابن جبير أنه قال: كانت المرأة أول الإسلام إذا شهد عليها أربعة من المسلمين عدول بالزنا حبست في السجن فإن كان لها زوج أخذ المهر منها ولكنه ينفق عليها من غير طلاق وليس عليها حد ولا يجامعها. وروى ابن جرير عن السدي كانت المرأة في بدء الإسلام إذا زنت حبست في البيت وأخذ زوجها مهرها حتى جاءت الحدود فنسختها، وحكاية النسخ قد وردت في غير ما طريق عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ورويت عن أبـي جعفر، وأبـي عبد الله رضي الله تعالى عنهما، والناسخ عند بعض آية الجلد على ما في سورة النور وعند آخرين إن آية الحبس نسخت بالحديث، والحديث منسوخ بآية الجلد، وآية الجلد بدلائل الرجم. وقال الزمخشري: ((من الجائز أن لا تكون الآية منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال، ويكون السبيل على هذا النكاح المغني عن السفاح))، وقال الشيخ أبو سليمان الخطابـي في «معالم السنن»: إنه لم يحصل النسخ في الآية ولا في الحديث وذلك أن الآية تدل على أن إمساكهن في البيوت ممدود إلى غاية أن يجعل الله تعالى لهن سبيلاً ثم إن ذلك السبيل كان مجملاً فلما قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني» إلى آخر ما في الحديث صار ذلك بياناً لما في تلك الآية لا ناسخاً له، وصار مخصصاً لعموم آية الجلد، وقد تقدم لك في سورة البقرة ما ينفعك في تحقيق هذا المقام فتذكره.

سيد قطب

تفسير : مضى الشوط الأول من السورة, يعالج تنظيم حياة المجتمع المسلم واستنقاذه من رواسب الجاهلية بإقامة الضمانات لليتامى وأموالهم وأنفسهم في محيط الأسرة, وفي محيط الجماعة, يعالج نظام التوارث في المحيط العائلي, ويرد تلك الضمانات وهذا النظام إلى مصدرهما الأساسي: وهو ألوهية الله للبشر, وربوبيته للناس, وإرادته من خلقهم جميعاً من نفس واحدة, وإقامة المجتمع الإنساني على قاعدة الأسرة, وعلى أساس التكافل. وردهم في كل شؤون حياتهم إلى حدود الله وعلمه وحكمته, ومجازاتهم على أساس طاعته في هذا كله أو معصيته. فأما هذا الشوط الثاني فيمضي في تنظيم حياة المجتمع المسلم, واستنقاذه من رواسب الجاهلية, بتطهير هذا المجتمع من الفاحشة, وعزل العناصر الملوثة التي تقارفها, من الرجال والنساء, مع فتح باب التوبة لمن يشاء من هذه العناصر أن يتوب ويتطهر, ويرجع إلى المجتمع نظيفاً عفيفاً.. ثم باستنقاذ المرأة مما كانت ترزح تحته في الجاهلية من خسف وهوان, ومن عسف وظلم, حتى تقوم الأسرة على أساس سليم ركين, ومن ثم يقوم المجتمع - وقاعدته الأسرة - على أرض صلبة وفي جو نظيف عفيف.. وأخيراً ينظم جانباً من حياة الأسرة, ببيان المحرمات في الشريعة الإسلامية وبيان ما وراءهن من الحلال. وبهذا البيان ينتهي هذا الشوط, وينتهي هذا الجزء كذلك. {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم, فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت, حتى يتوفاهن الموت, أو يجعل الله لهن سبيلاً. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما. فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما. إن الله كان تواباً رحيماً}.. إن الإسلام يمضي هنا على طريقه, في تطهير المجتمع وتنظيفه; وقد اختار - في أول الأمر - عزل الفاحشات من النسوة، وإبعادهن عن المجتمع, متى ثبت عليهن ارتكاب الفاحشة. وإيذاء الرجال, الذين يأتون الفاحشة الشاذة, ويعملون عمل قوم لوط. ولم يحدد نوع الإيذاء ومداه. ثم اختار - فيما بعد - عقاب هؤلاء النسوة وعقاب الرجال أيضاً عقوبة واحدة هي حد الزنا كما ورد في آية سورة النور, وهي الجلد; وكما جاءت بها السنة أيضاً, وهي الرجم. والهدف الأخير من هذه أو تلك هو صيانة المجتمع من التلوث, والمحافظة عليه نظيفاً عفيفاً شريفاً. وفي كل حالة وفي كل عقوبة يوفر التشريع الإسلامي الضمانات, التي يتعذر معها الظلم والخطأ والأخذ بالظن والشبهة; في عقوبات خطيرة, تؤثر في حياة الناس تأثيراً خطيراً. {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً}.. وفي النص دقة واحتياط بالغان. فهو يحدد النساء اللواتي ينطبق عليهن الحد: {من نسائكم} - أي المسلمات - ويحدد نوع الرجال الذين يستشهدون على وقوع الفعل: {من رجالكم} - أي المسلمين - فحسب هذا النص يتعين من توقع عليهن العقوبة إذا ثبت الفعل. ويتعين من تطلب إليهم الشهادة على وقوعه. إن الإسلام لا يستشهد على المسلمات - حين يقعن في الخطيئة - رجالاً غير مسلمين. بل لا بد من أربعة رجال مسلمين. منكم. من هذا المجتمع المسلم. يعيشون فيه, ويخضعون لشريعته, ويتبعون قيادته, ويهمهم أمره, ويعرفون ما فيه ومن فيه. ولا تجوز في هذا الأمر شهادة غير المسلم, لأنه غير مأمون على عرض المسلمة, وغير موثوق بأمانته وتقواه, ولا مصلحة له ولا غيرة كذلك على نظافة هذا المجتمع وعفته, ولا على إجراء العدالة فيه. وقد بقيت هذه الضمانات في الشهادة حين تغير الحكم, وأصبح هو الجلد أو الرجم.. {فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت}.. لا يختلطن بالمجتمع, ولا يلوثنه, ولا يتزوجن, ولا يزاولن نشاطاً.. {حتى يتوفاهن الموت}.. فينتهي أجلهن, وهن على هذه الحال من الإمساك في البيوت. {أو يجعل الله لهن سبيلاً}.. فيغير ما بهن, أو يغير عقوبتهن, أو يتصرف في أمرهن بما يشاء.. مما يشعر أن هذا ليس الحكم النهائي الدائم, وإنما هو حكم فترة معينة, وملابسات في المجتمع خاصة. وأنه يتوقع صدور حكم آخر ثابت دائم. وهذا هو الذي وقع بعد ذلك, فتغير الحكم كما ورد في سورة النور, وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن لم تتغير الضمانات المشددة في تحقيق الجريمة. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا سعيد, عن قتادة, عن الحسن, عن حطان بن عبد الله الرقاشي, عن عبادة بن الصامت. قال "حديث : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا نزل عليه الوحي أثر عليه, وكرب لذلك, وتغير وجهه. فأنزل الله عليه عز وجل ذات يوم, فلما سري عنه قال: خذوا عني.. قد جعل الله لهن سبيلاً.. الثيب بالثيب, والبكر بالبكر. الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة. والبكر جلد مائة ثم نفي سنة" تفسير : .. وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة, عن الحسن, عن حطان, عن عبادة بن الصامت. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظه: "حديث : خذوا عني. خذوا عني. قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة" تفسير : .. وقد ورد عن السنة العملية في حادث ماعز والغامدية كما ورد في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمهما ولم يجلدهما. وكذلك في حادث اليهودي واليهودية اللذين حكم في قضيتهما, فقضى برجمهما ولم يجلدهما.. فدلت سنته العملية على أن هذا هو الحكم الأخير: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما. فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان تواباً رحيماً}. والأوضح أن المقصود بقوله تعالى {واللذان يأتيانها منكم...} هما الرجلان يأتيان الفاحشة الشاذة. وهو قول مجاهد - رضي الله عنه - وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما: {فآذوهما}: هو الشتم والتعيير والضرب بالنعال! {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما}.. فالتوبة والإصلاح - كما سيأتي - تعديل أساسي في الشخصية والكينونة والوجهة والطريق والعمل والسلوك. ومن ثم تقف العقوبة, وتكف الجماعة عن إيذاء هذين المنحرفين الشاذين. وهذا هو الإعراض عنهما في هذا الموضع: أي الكف عن الإيذاء. والإيماءة اللطيفة العميقة: {إن الله كان تواباً رحيماً}.. وهو الذي شرع العقوبة, وهو الذي يأمر بالكف عنها عند التوبة والإصلاح. ليس للناس من الأمر شيء في الأولى, وليس لهم من الأمر شيء في الأخيرة. إنما هم ينفذون شريعة الله وتوجيهه. وهو تواب رحيم. يقبل التوبة ويرحم التائبين. واللمسة الثانية في هذه الإيماءة, هي توجيه قلوب العباد للاقتباس من خلق الله والتعامل فيما بينهم بهذا الخلق. وإذا كان الله تواباً رحيماً, فينبغي لهم أن يكونوا هم فيما بينهم متسامحين رحماء; أمام الذنب الذي سلف, وأعقبه التوبة والإصلاح. إنه ليس تسامحاً في الجريمة, وليس رحمة بالفاحشين. فهنا لا تسامح ولا رحمة. ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين, وقبولهم في المجتمع, وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه, وتطهروا منه, وأصلحوا حالهم بعده, فينبغي - حينئذ - مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة, ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها; مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس, واللجاج في الخطيئة, وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة. والإفساد في الأرض, وتلويث المجتمع, والنقمة عليه في ذات الأوان. وقد عدلت هذه العقوبة كذلك - فيما بعد - فروى أهل السنن حديثاً مرفوعاً عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "حديث : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". تفسير : وتبدو في هذه الأحكام عناية المنهج الإسلامي بتطهير المجتمع المسلم من الفاحشة; ولقد جاءت هذه العناية مبكرة: فالإسلام لم ينتظر حتى تكون له دولة في المدينة, وسلطة تقوم على شريعة الله, وتتولاها بالتنفيذ. فقد ورد النهي عن الزنا في سورة الإسراء المكية: {أية : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً} تفسير : كما ورد في سورة المؤمنون: {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}...{أية : والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت إيمانهم فإنهم غير ملومين} تفسير : وكرر هذا القول في سورة المعارج. ولكن الإسلام لم تكن له في مكة دولة, ولم تكن له فيها سلطة; فلم يسن العقوبات لهذه الجريمة التي نهى عنها في مكة, إلا حين استقامت له الدولة والسلطة في المدينة, ولم يعتبر النواهي والتوجيهات وحدها كافية لمكافحة الجريمة, وصيانة المجتمع من التلوث. لأن الإسلام دين واقعي, يدرك أن النواهي والتوجيهات وحدها لا تكفي, ويدرك أن الدين لا يقوم بدون دولة وبدون سلطة. وإن الدين هو المنهج أو النظام الذي تقوم عليه حياة الناس العملية, وليس مجرد مشاعر وجدانية تعيش في الضمير, بلا سلطة وبلا تشريع, وبلا منهج محدد, ودستور معلوم! ومنذ أن استقرت العقيدة الإسلامية في بعض القلوب في مكة, أخذت هذه العقيدة تكافح الجاهلية في هذه القلوب, وتطهرها وتزكيها. فلما أن أصبحت للإسلام دولة في المدينة, وسلطة تقوم على شريعة معلومة, وتحقق في الأرض منهج الله في صورة محددة, أخذ يزاول سلطته في صون المجتمع من الفاحشة عن طريق العقوبة والتأديب - إلى جانب التوجيه والموعظة - فالإسلام كما قلنا ليس مجرد اعتقاد وجداني في الضمير, إنما هو - إلى جانب ذلك - سلطان ينفذ في واقع الحياة ذلك الاعتقاد الوجداني, ولا يقوم أبداً على ساق واحدة. وكذلك كان كل دين جاء من عند الله. على عكس ما رسخ خطأ في بعض الأذهان من أن هناك أدياناً سماوية جاءت بغير شريعة, وبغير نظام، وبغير سلطان.. كلا! فالدين منهج للحياة. منهج واقعي عملي. يدين الناس فيه لله وحده, ويتلقون فيه من الله وحده. يتلقون التصور الاعتقادي والقيم الأخلاقية, كما يتلقون الشرائع التي تنظم حياتهم العملية. وتقوم على هذه الشرائع سلطة تنفذها بقوة السلطان في حياة الناس, وتؤدب الخارجين عليها وتعاقبهم, وتحمي المجتمع من رجس الجاهلية. لتكون الدينونة لله وحده, ويكون الدين كله لله. أي لا تكون هناك آلهة غيره - في صورة من الصور - آلهة تشرع للناس, وتضع لهم القيم والموازين, والشرائع والأنظمة. فالإله هو الذي يصنع هذا كله. وأيما مخلوق ادعى لنفسه الحق في شيء من هذا فقد ادعى لنفسه الألوهية على الناس.. وما من دين من عند الله يسمح لبشر أن يكون إلهاً وأن يدعي لنفسه هذه الدعوى, ويباشرها.. ومن ثم فإنه ما من دين من عند الله يجيء اعتقاداً وجدانياً صرفاً, بلا شريعة عملية, وبلا سلطان ينفذ به هذه الشريعة! وهكذا أخذ الإسلام في المدينة يزاول وجوده الحقيقي; بتطهير المجتمع عن طريق التشريع والتنفيذ, والعقوبة والتأديب. على نحو ما رأينا في هذه الأحكام التي تضمنتها هذه السورة, والتي عدلت فيما بعد, ثم استقرت على ذلك التعديل. كما أرادها الله. ولا عجب في هذه العناية الظاهرة بتطهير المجتمع من هذه الفاحشة; والتشدد الظاهر في مكافحتها بكل وسيلة. فالسمة الأولى للجاهلية - في كل زمان - كما نرى في جاهليتنا الحاضرة التي تعم وجه الأرض - هي الفوضى الجنسية, والانطلاق البهيمي, بلا ضابط من خلق أو قانون. واعتبار هذه الاتصالات الجنسية الفوضوية مظهراً من مظاهر "الحرية الشخصية" لا يقف في وجهها إلا متعنت! ولا يخرج عليها إلا متزمت! ولقد يتسامح الجاهليون في حرياتهم "الإنسانية" كلها, ولا يتسامحون في حريتهم "البهيمية" هذه! وقد يتنازلون عن حرياتهم تلك كلها, ولكنهم يهبون في وجه من يريد أن ينظم لهم حريتهم البهيمية ويطهرها! وفي المجتمعات الجاهلية تتعاون جميع الأجهزة على تحطيم الحواجز الأخلاقية, وعلى إفساد الضوابط الفطرية في النفس الإنسانية, وعلى تزيين الشهوات البهيمية ووضع العناوين البريئة لها, وعلى إهاجة السعار الجنسي بشتى الوسائل, ودفعه إلى الإفضاء العملي بلا ضابط, وعلى توهين ضوابط الأسرة ورقابتها, وضوابط المجتمع ورقابته, وعلى ترذيل المشاعر الفطرية السليمة التي تشمئز من الشهوات العارية, وعلى تمجيد هذه الشهوات وتمجيد العري العاطفي والجسدي والتعبيري! كل هذا من سمات الجاهلية الهابطة التي جاء الإسلام ليطهر المشاعر البشرية والمجتمعات البشرية منها. وهي هي بعينها سمة كل جاهلية.. والذي يراجع أشعار امرىء القيس في جاهلية العرب يجد لها نظائر في أشعار الجاهلية الإغريقية والجاهلية الرومانية.. كما يجد لها نظائر في الآداب والفنون المعاصرة في جاهلية العرب والجاهليات الأخرى المعاصرة أيضاً! كما أن الذي يراجع تقاليد المجتمع, وتبذل المرأة, ومجون العشاق, وفوضى الاختلاط في جميع الجاهليات قديمها وحديثها يجد بينها كلها شبهاً ورابطة, ويجدها تنبع من تصورات واحدة, وتتخذ لها شعارات متقاربة! ومع أن هذا الانطلاق البهيمي ينتهي دائماً بتدمير الحضارة وتدمير الأمة التي يشيع فيها - كما وقع في الحضارة الإغريقية, والحضارة الرومانية, والحضارة الفارسية قديماً - وكما يقع اليوم في الحضارة الأوربية وفي الحضارة الأمريكية كذلك, وقد أخذت تتهاوى على الرغم من جميع مظاهر التقدم الساحق في الحضارة الصناعية. الأمر الذي يفزع العقلاء هناك. وإن كانوا يشعرون - كما يبدو من أقوالهم - بأنهم أعجز من الوقوف في وجه التيار المدمر! مع أن هذه هي العاقبة, فإن الجاهليين - في كل زمان وفي كل مكان - يندفعون إلى الهاوية, ويقبلون أن يفقدوا حرياتهم "الإنسانية" كلها أحياناً, ولا يقبلون أن يقف حاجز واحد في طريق حريتهم "البهيمية". ويرضون أن يستعبدوا استعباد العبيد, ولا يفقدوا حق الانطلاق الحيواني! وهو ليس انطلاقاً, وليس حرية. إنما هي العبودية للميل الحيواني والانتكاس إلى عالم البهيمة! بل هم أضل! فالحيوان محكوم - في هذا - بقانون الفطرة, التي تجعل للوظيفة الجنسية مواسم لا تتعداها في الحيوان، وتجعلها مقيدة دائماً بحكمة الإخصاب والإنسال. فلا تقبل الأنثى الذكر إلا في موسم الإخصاب, ولا يهاجم الذكر الأنثى إلا وهي على استعداد! أما الإنسان فقد تركه الله لعقله; وضبط عقله بعقيدته. فمتى انطلق من العقيدة, ضعف عقله أمام الضغط, ولم يصبح قادراً على كبح جماح النزوة المنطلقة في كيانه. ومن ثم يستحيل ضبط هذا الاندفاع وتطهير وجه المجتمع من هذا الرجس, إلا بعقيدة تمسك بالزمام, وسلطان يستمد من هذه العقيدة, وسلطة تأخذ الخارجين المتبجحين بالتأديب والعقوبة. وترد الكائن البشري بل ترفعه من درك البهيمة إلى مقام "الإنسان" الكريم على الله. والجاهلية التي تعيش فيها البشرية, تعيش بلا عقيدة, كما تعيش بلا سلطة تقوم على هذه العقيدة, ومن ثم يصرخ العقلاء في الجاهليات الغربية ولا يستجيب لهم أحد; لأن أحداً لا يستجيب لكلمات طائرة في الهواء ليس وراءها سلطة تنفيذية وعقوبات تأديبية. وتصرخ الكنيسة ويصرخ رجال الدين ولا يستجيب لهم أحد; لأن أحداً لا يستجيب لعقيدة ضائعة ليس وراءها سلطة تحميها, وتنفذ توجيهاتها وشرائعها! وتندفع البشرية إلى الهاوية بغير ضابط من الفطرة التي أودعها الله الحيوان! وبغير ضابط من العقيدة والشريعة التي أعطاها الله الإنسان! وتدمير هذه الحضارة هو العاقبة المؤكدة, التي توحي بها كل تجارب البشرية السابقة. مهما بدا من متانة هذه الحضارة, وضخامة الأسس التي تقوم عليها. "فالإنسان" - بلا شك - هو أضخم هذه الأسس. ومتى دمر الإنسان, فلن تقوم الحضارة على المصانع وحدها, ولا على الإنتاج! وحين ندرك عمق هذه الحقيقة, ندرك جانباً من عظمة الإسلام، في تشديد عقوباته على الفاحشة لحماية "الإنسان" من التدمير; كي تقوم الحياة الإنسانية على أساسها الإنساني الأصيل. كما ندرك جانباً من جريمة الأجهزة التي تدمر أسس الحياة الإنسانية بتمجيد الفاحشة وتزيينها, وإطلاق الشهوات البهيمية من عقالها, وتسمية ذلك أحياناً "بالفن" وأحياناً "بالحرية" وأحياناً "بالتقدمية".. وكل وسيلة من وسائل تدمير "الإنسان" ينبغي تسميتها باسمها.. جريمة.. كما ينبغي الوقوف بالنصح والعقوبة في وجه هذه الجريمة!.. وهذا ما يصنعه الإسلام. والإسلام وحده; بمنهجه الكامل المتكامل القويم. على أن الإسلام لا يغلق الأبواب في وجه الخاطئين والخاطئات, ولا يطردهم من المجتمع إن أرادوا أن يعودوا إليه متطهرين تائبين، بل يفسح لهم الطريق ويشجعهم على سلوكه. ويبلغ من التشجيع أن يجعل الله قبول توبتهم - متى أخلصوا فيها - حقاً عليه سبحانه يكتبه على نفسه بقوله الكريم. وليس وراء هذا الفضل زيادة لمستزيد. {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب. فأولئك يتوب الله عليهم. وكان الله عليماً حكيماً. وليست التوبة للذين يعملون السيئات, حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن, ولا الذين يموتون وهم كفار. أولئك أعتدنا لهم عذاباً اليماً}. ولقد سبق في هذا الجزء حديث عن التوبة. في ظلال قوله تعالى في سورة آل عمران: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم...} تفسير : وهو بجملته يصح نقله هنا! ولكن التعبير في هذه السورة يستهدف غرضاً آخر.. يستهدف بيان طبيعة التوبة وحقيقتها: إن التوبة التي يقبلها الله, والتي تفضل فكتب على نفسه قبولها هي التي تصدر من النفس, فتدل على أن هذه النفس قد أنشئت نشأة أخرى. قد هزها الندم من الأعماق, ورجها رجاً شديداً حتى استفاقت فثابت وأنابت, وهي في فسحة من العمر, وبحبوحة من الأمل, واستجدت رغبة حقيقية في التطهر, ونية حقيقية في سلوك طريق جديد.. {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم. وكان الله عليماً حكيماً}.. والذين يعملون السوء بجهالة هم الذين يرتكبون الذنوب.. وهناك ما يشبه الإجماع على أن الجهالة هنا معناها الضلالة عن الهدى - طال أمدها أم قصر - ما دامت لا تستمر حتى تبلغ الروح الحلقوم.. والذين يتوبون من قريب: هم الذين يثوبون إلى الله قبل أن يتبين لهم الموت, ويدخلوا في سكراته, ويحسوا أنهم على عتباته. فهذه التوبة حينئذ هي توبة الندم, والانخلاع من الخطيئة, والنية على العمل الصالح والتكفير. وهي إذن نشأة جديدة للنفس, ويقظة جديدة للضمير.. {فأولئك يتوب الله عليهم}.. {وكان الله عليماً حكيماً}.. يتصرف عن علم وعن حكمة. ويمنح عباده الضعاف فرصة العودة إلى الصف الطاهر, ولا يطردهم أبداً وراء الأسوار, وهم راغبون رغبة حقيقية في الحمى الآمن والكنف الرحيم. إن الله - سبحانه - لا يطارد عباده الضعاف, ولا يطردهم متى تابوا إليه وأنابوا. وهو - سبحانه - غني عنهم, وما تنفعه توبتهم, ولكن تنفعهم هم أنفسهم, وتصلح حياتهم وحياة المجتمع الذي يعيشون فيه. ومن ثم يفسح لهم في العودة إلى الصف تائبين متطهرين. {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني تبت الآن}. فهذه التوبة هي توبة المضطر, لجت به الغواية, وأحاطت به الخطيئة. توبة الذي يتوب لأنه لم يعد لديه متسع لارتكاب الذنوب, ولا فسحة لمقارفة الخطيئة. وهذه لا يقبلها الله, لأنها لا تنشىء صلاحاً في القلب ولا صلاحاً في الحياة, ولا تدل على تبدل في الطبع ولا تغير في الاتجاه. والتوبة إنما تقبل لأنها الباب المفتوح الذي يلجه الشاردون إلى الحمى الآمن, فيستردون أنفسهم من تيه الضلال, وتستردهم البشرية من القطيع الضال تحت راية الشيطان, ليعملوا عملاً صالحاً - إن قدر الله لهم امتداد العمر بعد المتاب - أو ليعلنوا - على الأقل - انتصار الهداية على الغواية. إن كان الأجل المحدود ينتظرهم, من حيث لا يشعرون أنه لهم بالوصيد.. {ولا الذين يموتون وهم كفار}.. وهؤلاء قد قطعوا كل ما بينهم وبين التوبة من وشيجة, وضيعوا كل ما بينهم وبين المغفرة من فرصة.. {أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً}. اعتدناه: أي أعددناه وهيأناه.. فهو حاضر في الانتظار لا يحتاج إلى إعداد أو إحضار! وهكذا يشتد المنهج الرباني في العقوبة, ولكنه في الوقت ذاته يفتح الباب على مصراعيه للتوبة. فيتم التوازن في هذا المنهج الرباني الفريد, وينشىء آثاره في الحياة كما لا يملك منهج آخر أن يفعل في القديم والجديد.. والموضوع الثاني في هذا الدرس هو موضوع المرأة.. ولقد كانت الجاهلية العربية - كما كانت سائر الجاهليات من حولهم - تعامل المرأة معاملة سيئة.. لا تعرف لها حقوقها الإنسانية, فتنزل بها عن منزلة الرجل نزولاً شنيعاً, يدعها أشبه بالسلعة منها بالإنسان. وذلك في الوقت الذي تتخذ منها تسلية ومتعة بهيمية, وتطلقها فتنة للنفوس, وإغراء للغرائز, ومادة للتشهي والغزل العاري المكشوف.. فجاء الإسلام ليرفع عنها هذا كله, ويردها إلى مكانها الطبيعي في كيان الأسرة وإلى دورها الجدي في نظام الجماعة البشرية. المكان الذي يتفق مع المبدأ العام الذي قرره في مفتتح هذه السورة: {أية : الذي خلقكم من نفس واحدة, وخلق منها زوجها, وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء}.. تفسير : ثم ليرفع مستوى المشاعر الإنسانية في الحياة الزوجية من المستوى الحيواني الهابط إلى المستوى الإنساني الرفيع, ويظللها بظلال الاحترام والمودة والتعاطف والتجمل; وليوثق الروابط والوشائج, فلا تنقطع عند الصدمة الأولى, وعند الانفعال الأول: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً, ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة - وعاشروهن بالمعروف, فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً, ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج, وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً. أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض, وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً؟ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً}.. كان بعضهم في الجاهلية العربية - قبل أن ينتشل الإسلام العرب من هذه الوهدة ويرفعهم إلى مستواه الكريم - إذا مات الرجل منهم فأولياؤه أحق بامرأته, يرثونها كما يرثون البهائم والمتروكات! إن شاء بعضهم تزوجها, وإن شاءوا زوجوها وأخذوا مهرها - كما يبيعون البهائم والمتروكات! - وإن شاءوا عضلوها وأمسكوها في البيت. دون تزويج, حتى تفتدي نفسها بشيء.. وكان بعضهم إذا توفي عن المرأة زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبه, فمنعها من الناس, وحازها كما يحوز السلب والغنيمة! فإن كانت جميلة تزوجها; وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها, أو تفتدي نفسها منه بمال! فأما إذا فاتته فانطلقت إلى بيت أهلها قبل أن يدركها فيلقي عليها ثوبه, فقد نجت وتحررت وحمت نفسها منه! وكان بعضهم يطلق المرأة, ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد; حتى تفتدي نفسها منه, بما كان أعطاها.. كله أو بعضه! وكان بعضهم إذا مات الرجل حبسوا امرأته على الصبي فيهم حتى يكبر فيأخذها! وكان الرجل تكون اليتيمة في حجره يلي أمرها، فيحبسها عن الزواج, حتى يكبر إبنه الصغير ليتزوجها, ويأخذ مالها! وهكذا. وهكذا. مما لا يتفق مع النظرة الكريمة التي ينظر بها الإسلام لشقي النفس الواحدة; ومما يهبط بإنسانية المرأة وإنسانية الرجل على السواء.. ويحيل العلاقة بين الجنسين علاقة تجار, أو علاقة بهائم! ومن هذا الدرك الهابط رفع الإسلام تلك العلاقة إلى ذلك المستوى العالي الكريم, اللائق بكرامة بني آدم, الذين كرمهم الله وفضلهم على كثير من العالمين. فمن فكرة الإسلام عن الإنسان، ومن نظرة الإسلام إلى الحياة الإنسانية، كان ذلك الارتفاع, الذي لم تعرفه البشرية إلا من هذا المصدر الكريم. حرم الإسلام وراثة المرأة كما تورث السلعة والبهيمة, كما حرم العضل الذي تسامه المرأة, ويتخذ أداة للإضرار بها - إلا في حالة الإتيان بالفاحشة, وذلك قبل أن يتقرر حد الزنا المعروف - وجعل للمرأة حريتها في اختيار من تعاشره ابتداء أو استئنافاً. بكراً أم ثيباً مطلقة أو متوفى عنها زوجها. وجعل العشرة بالمعروف فريضة على الرجال - حتى في حالة كراهية الزوج لزوجته ما لم تصبح العشرة متعذرة - ونسم في هذه الحالة نسمة الرجاء في غيب الله وفي علم الله. كي لا يطاوع المرء انفعاله الأول, فيبت وشيجة الزوجية العزيزة. فما يدريه أن هنالك خيراً فيما يكره, هو لا يدريه. خيراً مخبوءاً كامناً, لعله إن كظم انفعاله واستبقى زوجه سيلاقيه: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً, ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وعاشروهن بالمعروف. فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً, ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}.. وهذه اللمسة الأخيرة في الآية, تعلق النفس بالله, وتهدىء من فورة الغضب, وتفثأ من حدة الكره, حتى يعاود الإنسان نفسه في هدوء; وحتى لا تكون العلاقة الزوجية ريشة في مهب الرياح. فهي مربوطة العرى بالعروة الوثقى. العروة الدائمة. العروة التي تربط بين قلب المؤمن وربه, وهي أوثق العرى وأبقاها. والإسلام الذي ينظر إلى البيت بوصفه سكناً وأمناً وسلاماً, وينظر إلى العلاقة بين الزوجين بوصفها مودة ورحمة وأنساً, ويقيم هذه الآصرة على الاختيار المطلق, كي تقوم على التجاوب والتعاطف والتحاب.. هو الإسلام ذاته الذي يقول للأزواج: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}.. كي يستأني بعقدة الزوجية فلا تفصم لأول خاطر, وكي يستمسك بعقدة الزوجية فلا تنفك لأول نزوة, وكي يحفظ لهذه المؤسسة الإنسانية الكبرى جديتها فلا يجعلها عرضة لنزوة العاطفة المتقلبة, وحماقة الميل الطائر هنا وهناك.. وما أعظم قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرجل أراد أن يطلق زوجه "لأنه لا يحبها".. "ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية وأين التذمم؟".. وما أتفه الكلام الرخيص الذي ينعق به المتحذلقون باسم "الحب" وهم يعنون به نزوة العاطفة المتقلبة، ويبيحون باسمه - لا انفصال الزوجين وتحطيم المؤسسة الزوجية - بل خيانة الزوجة لزوجها! أليست لا تحبه؟! وخيانة الزوج لزوجته! أليس أنه لا يحبها؟! وما يهجس في هذه النفوس التافهة الصغيرة معنى أكبر من نزوة العاطفة الصغيرة المتقلبة. ونزوة الميل الحيواني المسعور. ومن المؤكد أنه لا يخطر لهم أن في الحياة من المروءة والنبل والتجمل والاحتمال, ما هو أكبر وأعظم من هذا الذي يتشدقون به في تصور هابط هزيل.. ومن المؤكد طبعاً أنه لا يخطر لهم خاطر.. الله.. فهم بعيدون عنه في جاهليتهم المزوّقة! فما تستشعر قلوبهم ما يقوله الله للمؤمنين: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}.. إن العقيدة الإيمانية هي وحدها التي ترفع النفوس, وترفع الاهتمامات, وترفع الحياة الإنسانية عن نزوة البهيمة, وطمع التاجر, وتفاهة الفارغ! فإذا تبين بعد الصبر والتجمل والمحاولة والرجاء. أن الحياة غير مستطاعة, وأنه لا بد من الانفصال, واستبدال زوج مكان زوج, فعندئذ تنطلق المرأة بما أخذت من صداق, وما ورثت من مال, لا يجوز استرداد شيء منه, ولو كان قنطاراً من ذهب. فأخذ شيء منه إثم واضح, ومنكر لا شبهة فيه: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج, وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً. أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً؟}. ومن ثم لمسة وجدانية عميقة, وظل من ظلال الحياة الزوجية وريف, في تعبير موح عجيب: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض, وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً؟}.. ويدع الفعل: {أفضى} بلا مفعول محدد. يدع اللفظ مطلقاً, يشع كل معانيه, ويلقي كل ظلاله, ويسكب كل إيحاءاته. ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر, والوجدانات والتصورات, والأسرار والهموم, والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب. يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار, وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان.. وفي كل اختلاجة حب إفضاء. وفي كل نظرة ود إفضاء. وفي كل لمسة جسم إفضاء, وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء. وفي كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء. وفي كل شوق إلى خلف إفضاء. وفي كل التقاء في وليد إفضاء.. كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحي العجيب: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض}.. فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادي الصغير, ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع, وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه ذلك الحشد من صور الماضي, وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف! ثم يضم إلى ذلك الحشد من الصور والذكريات والمشاعر عاملاً آخر, من لون آخر: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}.. هو ميثاق النكاح, باسم الله, وعلى سنة الله.. وهو ميثاق غليظ لا يستهين بحرمته قلب مؤمن; وهو يخاطب الذين آمنوا, ويدعوهم بهذه الصفة أن يحترموا هذا الميثاق الغليظ. وفي نهاية هذه الفقرة يحرم تحريماً باتاً - مع التفظيع والتبشيع - أن ينكح الأبناء ما نكح آباؤهم من النساء. وقد كان ذلك في الجاهلية حلالاً. وكان سبباً من أسباب عضل النساء أحياناً, حتى يكبر الصبي فيتزوج امرأة أبيه, أو إن كان كبيراً تزوجها بالوراثة كما يورث الشيء! فجاء الإسلام يحرم هذا الأمر أشد التحريم: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً}.. ويبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات - وإن كنا نحن البشر لا نحيط بكل حكمة التشريع, ولا يتوقف خضوعنا له, وتسليمنا به, ورضاؤنا إياه على إدراكنا أو عدم إدراكنا لهذه الحكمة, فحسبنا أن الله قد شرعه, لنستيقن أن وراءه حكمة, وأن فيه المصلحة. نقول: يبدو لنا من حكمة هذا التحريم ثلاثة اعتبارات: الأول أن امرأة الأب في مكان الأم. والثاني: ألا يخلف الابن أباه; فيصبح في خياله نداً له. وكثيراً ما يكره الزوج زوج امرأته الأول فطرة وطبعاً, فيكره أباه ويمقته! والثالث: ألا تكون هناك شبهة الإرث لزوجة الأب. الأمر الذي كان سائداً في الجاهلية. وهو معنى كريه يهبط بإنسانية المرأة والرجل سواء. وهما من نفس واحدة, ومهانة أحدهما مهانة للآخر بلا مراء. لهذه الاعتبارات الظاهرة - ولغيرها مما يكون لم يتبين لنا - جعل هذا العمل شنيعاً غاية الشناعة.. جعله فاحشة. وجعله مقتاً: أي بغضاً وكراهية. وجعله سبيلاً سيئاً.. إلا ما كان قد سلف منه في الجاهلية, قبل أن يرد في الإسلام تحريمه. فهو معفو عنه. متروك أمره لله سبحانه.. والفقرة الثالثة في هذا الدرس, تتناول سائر أنواع المحرمات من النساء. وهي خطوة في تنظيم الأسرة, وفي تنظيم المجتمع على السواء: {حرمت عليكم أمهاتكم, وبناتكم, وأخواتكم, وعماتكم, وخالاتكم, وبنات الأخ, وبنات الأخت, وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم, وأخواتكم من الرضاعة, وأمهات نسائكم, وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم - وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وإن تجمعوا بين الأختين - إلا ما قد سلف - إن الله كان غفوراً رحيماً. والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم - كتاب الله عليكم - وأحل لكم ما وراء ذلكم...}.. والمحارم - أي اللواتي يحرم الزواج منهن - معروفة في جميع الأمم, البدائية والمترقية على السواء. وقد تعددت أسباب التحريم, وطبقات المحارم عند شتى الأمم, واتسعت دائرتها في الشعوب البدائية, ثم ضاقت في الشعوب المترقية. والمحرمات في الإسلام هي هذه الطبقات المبينة في هذه الآية والآية التي قبلها, والآية التي بعدها.. وبعضها محرمة تحريماً مؤبداً, وبعضها محرمة تحريماً مؤقتاً.. وبعضها بسبب النسب, وبعضها بسبب الرضاعة, وبعضها بسبب المصاهرة. وقد ألغى الإسلام كل أنواع القيود الأخرى، التي عرفتها المجتمعات البشرية الأخرى. كالقيود التي ترجع إلى اختلاف الأجناس البشرية وألوانها وقومياتها. والقيود التي ترجع إلى اختلاف الطبقات ومقاماتها الاجتماعية في الجنس الواحد والوطن الواحد.. والمحرمات بالقرابة في شريعة الإسلام أربع طبقات: أولاها: أصوله مهما علوا. فيحرم عليه التزوج من أمه وجداته من جهة أبيه أو من جهة أمه مهما علون: {حرمت عليكم أمهاتكم}.. وثانيتها: فروعه مهما نزلوا. فيحرم عليه التزوج ببناته وبنات أولاده ذكورهم وإناثهم مهما نزلوا: {وبناتكم}.. وثالثتها: فروع أبويه مهما نزلوا. فيحرم عليه التزوج بأخته وببنات إخوته وأخواته وببنات أولاد إخوته وأخواته: {وأخواتكم}... {وبنات الأخ, وبنات الأخت}.. ورابعتها: الفروع المباشرة لأجداده. فيحرم عليه التزوج بعمته وخالته, وعمة أبيه وعمة جده لأبيه أو أمه, وعمة أمه وعمة جدته لأبيه أو أمه.. {وعماتكم وخالاتكم}.. أما الفروع غير المباشرة للأجداد فيحل الزواج بهم. ولذلك يباح التزاوج بين أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات. والمحرمات بالمصاهرة خمس: 1- أصول الزوجة مهما علون. فيحرم على الرجل الزواج بأم زوجته, وجداتها من جهة أبيها أو من جهة أمها مهما علون. ويسري هذا التحريم بمجرد العقد على الزوجة: سواء دخل بها الزوج أم لم يدخل: {وأمهات نسائكم}.. 2- فروع الزوجة مهما نزلن. فيحرم على الرجل الزواج ببنت زوجته, وبنات أولادها, ذكوراً كانوا أم إناثاً مهما نزلوا. ولا يسري هذا التحريم إلا بعد الدخول بالزوجة: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن. فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم}.. 3- زوجات الأب والأجداد من الجهتين - مهما علوا - فيحرم على الرجل الزواج بزوجة أبيه, وزوجة أحد أجداده لأبيه أو أمه مهما علوا.. {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف}.. أي ما سلف في الجاهلية من هذا النكاح وقد كانت تجيزه.. 4- زوجات الأبناء, وأبناء الأولاد مهما نزلوا. فيحرم على الرجل الزواج بامرأة ابنه من صلبه, وامرأة ابن ابنه، أو ابن بنته مهما نزل: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم}.. وذلك إبطالاً لعادة الجاهلية في تحريم زوجة الابن المتبنى. وتحديده بابن الصلب. ودعوة أبناء التبني إلى آبائهم - كما جاء في سورة الأحزاب. 5- أخت الزوجة.. وهذه تحرم تحريماً مؤقتاً, ما دامت الزوجة حية وفي عصمة الرجل. والمحرم هو الجمع بين الأختين في وقت واحد: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف}.. أي ما سلف من هذا النكاح في الجاهلية وقد كانت تجيزه.. ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب والصهر. وهذه تشمل تسع محارم: 1- الأم من الرضاع وأصولها مهما علون: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}. 2- البنت من الرضاع وبناتها مهما نزلن (وبنت الرجل من الرضاع هي من أرضعتها زوجته وهي في عصمته). 3- الأخت من الرضاع, وبناتها مهما نزلن {وأخواتكم من الرضاعة}. 4- العمة والخالة من الرضاع (والخالة من الرضاع هي أخت المرضع. والعمة من الرضاع هي أخت زوجها). 5- أم الزوجة من الرضاع (وهي التي أرضعت الزوجة في طفولتها) وأصول هذه الأم مهما علون. ويسري هذا التحريم بمجرد العقد على المرأة - كما في النسب. 6- بنت الزوجة من الرضاع (وهي من كانت الزوجة قد أرضعتها قبل أن تتزوج بالرجل) وبنات أولادها مهما نزلوا. ولا يسري هذا التحريم إلا بعد الدخول بالزوجة. 7- زوجة الأب أو الجد من الرضاع مهما علا (والأب من الرضاع هو من رضع الطفل من زوجته. فلا يحرم على هذا الطفل الزواج بمن أرضعته فحسب, وهي أمه من الرضاع. بل يحرم عليه كذلك الزواج بضرتها التي تعتبر زوجة أبيه من الرضاع). 8- زوجة الابن من الرضاع مهما نزل. 9- الجمع بين المرأة وأختها من الرضاع, أو عمتها أو خالتها من الرضاع، أو أية امرأة أخرى ذات رحم محرم منها من ناحية الرضاع.. والنوع الأول والثالث من هذه المحرمات ورد تحريمهما نصاً في الآية. أما سائر هذه المحرمات فهي تطبيق للحديث النبوي: "حديث : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" تفسير : .. (أخرجه الشيخان).. هذه هي المحرمات في الشريعة الإسلامية, ولم يذكر النص علة للتحريم - لا عامة ولا خاصة - فكل ما يذكر من علل, إنما هو استنباط ورأي وتقدير.. فقد تكون هناك علة عامة. وقد تكون هناك علل خاصة بكل نوع من أنواع المحارم. وقد تكون هناك علل مشتركة بين بعض المحارم. وعلى سبيل المثال يقال: إن الزواج بين الأقارب يضوي الذرية, ويضعفها مع امتداد الزمن. لأن استعدادات الضعف الوراثية قد تتركز وتتأصل في الذرية. على عكس ما إذا تركت الفرصة للتلقيح الدائم بدماء أجنبية جديدة, تضاف استعداداتها الممتازة, فتجدد حيوية الأجيال واستعداداتها. أو يقال: إن بعض الطبقات المحرمة كالأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. وكذلك نظائرهن من الرضاعة. وأمهات النساء, وبنات الزوجات - الربائب والحجور - يراد أن تكون العلاقة بهن علاقة رعاية وعطف, واحترام وتوقير, فلا تتعرض لما قد يجد في الحياة الزوجية من خلافات تؤدي إلى الطلاق والانفصال - مع رواسب هذا الانفصال - فتخدش المشاعر التي يراد لها الدوام. أو يقال: إن بعض هذه الطبقات كالربائب في الحجور, والأخت مع الأخت, وأم الزوجة وزوجة الأب.. لا يراد خدش المشاعر البنوية أو الأخوية فيها. فالأم التي تحس أن ابنتها قد تزاحمها في زوجها, والبنت والأخت كذلك, لا تستبقي عاطفتها البريئة تجاه بنتها التي تشاركها حياتها, أو أختها التي تتصل بها, أو أمها, وهي أمها! وكذلك الأب الذي يشعر أن إبنه قد يخلفه على زوجته. والابن الذي يشعر أن أباه الراحل أو المطلق غريم له, لأنه سبقه على زوجته! ومثله يقال في حلائل الأبناء الذين من الأصلاب, بالنسبة لما بين الابن والأب من علاقة لا يجوز أن تشاب! أو يقال: إن علاقة الزواج جعلت التوسيع نطاق الأسرة, ومدها إلى ما وراء رابطة القرابة. ومن ثم فلا ضرورة لها بين الأقارب الأقربين, الذين تضمهم آصرة القرابة القريبة. ومن ثم حرم الزواج من هؤلاء لانتفاء الحكمة فيه, ولم يبح من القريبات إلا من بعدت صلته, حتى ليكاد أن يفلت من رباط القرابة. وأياً ما كانت العلة, فنحن نسلم بأن اختيار الله لا بد وراءه حكمة, ولا بد فيه مصلحة. وسواء علمنا أو جهلنا, فإن هذا لا يؤثر في الأمر شيئاً, ولا ينقص من وجوب الطاعة والتنفيذ, مع الرضى والقبول. فالإيمان لا يتحقق في قلب, ما لم يحتكم إلى شريعة الله, ثم لا يجد في صدره حرجاً منها ويسلم بها تسليماً. ثم تبقى كلمة أخيرة عامة عن هذه المحارم, ونص التشريع القرآني المبين لها: إن هذه المحرمات كانت محرمة في عرف الجاهلية - فيما عدا حالتين اثنتين: ما نكح الآباء من النساء، والجمع بين الأختين. فقد كانتا جائزتين - على كراهة من المجتمع الجاهلي.. ولكن الإسلام - وهو يحرم هذه المحارم كلها - لم يستند إلى عرف الجاهلية في تحريمها. إنما حرمها ابتداء, مستنداً إلى سلطانه الخاص. وجاء النص: {حرمت عليكم أمهاتكم... إلخ}.. والأمر في هذا ليس أمر شكليات; إنما هو أمر هذا الدين كله. وإدراك العقدة في هذا الأمر هو إدراك لهذا الدين كله, وللأصل الذي يقوم عليه: أصل الألوهية وإخلاصها لله وحده.. إن هذا الدين يقرر أن التحليل والتحريم هو من شأن الله وحده, لأنهما أخص خصائص الألوهية. فلا تحريم ولا تحليل بغير سلطان من الله. فالله - وحده - هو الذي يحل للناس ما يحل, ويحرم على الناس ما يحرم. وليس لأحد غيره أن يشرع في هذا وذاك, وليس لأحد أن يدعي هذا الحق. لأن هذا مرادف تماماً لدعوى الألوهية! ومن ثم فإن الجاهلية تحرم أو تحلل، فيصدر هذا التحريم والتحليل عنها باطلاً بطلاناً أصلياً, غير قابل للتصحيح، لأنه لا وجود له منذ الابتداء. فإذا جاء الإسلام إلى ما أحلت الجاهلية أو حرمت, فهو يحكم ابتداء ببطلانه كلية بطلاناً أصلياً، ويعتبره كله غير قائم. بما أنه صادر من جهة لا تملك إصداره - لأنها ليست إلهاً - ثم يأخذ هو في إنشاء أحكامه إنشاء. فإذا أحل شيئاً كانت الجاهلية تحله, أو حرم شيئاً كانت الجاهلية تحرمه, فهو ينشىء هذه الأحكام ابتداء. ولا يعتبر هذا منه اعتماداً لأحكام الجاهلية التي أبطلها كلها, لأنها هي باطلة, لم تصدر من الجهة التي تملك وحدها إصدار هذه الأحكام.. وهي الله.. هذه النظرية الإسلامية في الحل والحرمة تشمل كل شيء في الحياة الإنسانية, ولا يخرج عن نطاقها شيء في هذه الحياة.. إنه ليس لأحد غير الله أن يحل أو يحرم, في نكاح, ولا في طعام, ولا في شراب, ولا في لباس, ولا في حركة, ولا في عمل, ولا في عقد, ولا في تعامل, ولا في ارتباط, ولا في عرف, ولا في وضع.. إلا أن يستمد سلطانه من الله, حسب شريعة الله. وكل جهة أخرى تحرم أو تحلل شيئاً في حياة البشر - كبر أم صغر - تصدر أحكامها باطلة بطلاناً أصلياً, غير قابل للتصحيح المستأنف. وليس مجيء هذه الأحكام في الشريعة الإسلامية تصحيحاً واعتماداً لما كان منها في الجاهلية. إنما هو إنشاء مبتدأ لهذه الأحكام, مستند إلى المصدر الذي يملك إنشاء الأحكام. وهكذا أنشأ الإسلام أحكامه في الحل والحرمة, وهكذا أقام الإسلام أوضاعه وأنظمته. وهكذا نظم الإسلام شعائره وتقاليده. مستنداً في إنشائها إلى سلطانه الخاص. لقد عني القرآن بتقرير هذه النظرية, وكرر الجدل مع الجاهليين في كل ما حرموه وما حللوه.. عني بتقرير المبدأ. فكان يسأل في استنكار: {أية : قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟}.. {أية : قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم}.. {أية : قل: لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير...} تفسير : إلخ.. وكان يردهم بهذه الاستنكارات إلى ذلك المبدأ الأساسي. وهو أن الذي يملك حق التحريم والتحليل هو الله وحده. وليس ذلك لأحد من البشر.. لا فرد ولا طبقة ولا أمة, ولا الناس أجمعين.. إلا بسلطان من الله. وفق شريعة الله.. والتحليل والتحريم - أي الحظر والإباحة - هو الشريعة, وهو الدين. فالذي يحلل ويحرم هو صاحب الدين الذي يدين الناس. فإن كان الذي يحرم ويحلل هو الله, فالناس إذن يدينون لله, وهم إذن في دين الله, وإن كان الذي يحرم أو يحلل أحداً غير الله, فالناس إذن يدينون لهذا الأحد; وهم إذن في دينه لا في دين الله. والمسألة على هذا الوضع هي مسألة الألوهية وخصائصها. وهي مسألة الدين ومفهومه. وهي مسألة الإيمان وحدوده.. فلينظر المسلمون في أنحاء الأرض أين هم من هذا الأمر؟ أين هم من الدين وأين هم من الإسلام.. إن كانوا ما يزالون يصرون على ادعائهم للإسلام!!!

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الآية في هذه السورة معضل، وافتتاحها بواو العطف أعضل، لاقتضائه اتّصالها بكلام قبلها. وقد جاء حدّ الزنا في سورة النور، وهي نازلة في سنة ست بعد غزوة بني المطلق على الصحيح، والحكم الثابت في سورة النور أشدّ من العقوبة المذكورة هنا، ولا جائز أن يكون الحدّ الذي في سورة النور قد نسخ بما هنا لأنّه لا قائل به. فإذا مضينا على معتادنا في اعتبار الآي نازلة على ترتيبها في القراءة في سورها، قلنا إنّ هذه الآية نزلت في سورة النساء عقب أحكام المواريث وحراسة أموال اليتامى، وجعلنا الواو عاطفة هذا الحكم على ما تقدّم من الآيات في أوّل السورة بما يتعلّق بمعاشرة النساء، كقوله: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}تفسير : [النساء: 4] وجزمنا بأنّ أوّل هذه السورة نزل قبل أوّل سورة النور، وأنّ هذه العقوبة كانت مبدأ شرع العقوبة على الزنا فتكون هاته الآية منسوخة بآية سورة النور لا محالة، كما يدلّ عليه قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلاً} قال ابن عطية: أجمع العلماء على أنّ هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة النور. ا هـ، وحكى ابن الفرس في ترتيب النسخ أقوالاً ثمانية لا نطيل بها. فالواو عاطفة حكم تشريع عقب تشريع لمناسبة: هي الرجوع إلى أحكام النساء، فإنّ الله لمّا ذكر أحكاماً من النكاح إلى قوله: {وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة} وما النكاح إلاّ اجتماع الرجل والمرأة على معاشرة عمادها التأنّس والسكون إلى الأنثى، ناسب أن يعطف إلى ذكر أحكام اجتماع الرجل بالمرأة على غير الوجه المذكور فيه شرعاً، وهو الزنا المعبّر عنه بالفاحشة. فالزنا هو أن يقع شيء من تلك المعاشرة على غير الحال المعروف المأذون فيه، فلا جرم أن كان يختلف باختلاف أحوال الأمم والقبائل في خرق القوانين المجعولة لإباحة اختصاص الرجل بالمرأة. ففي الجاهلية كان طريق الاختصاص بالمرأة السبي أو الغَارة أو التعويض أو رغبة الرجل في مصاهرة قوم ورغبتهم فيه أو إذن الرجل امرأته بأن تستبضع من رجل ولداً كما تقدّم. وفي الإسلام بطلت الغارة وبطل الاستبضاع، ولذلك تجد الزنا لا يقع إلاّ خفية لأنّه مخالفة لقوانين الناس في نظامهم وأخلاقهم. وسمّي الزنا الفاحشة لأنّه تجاوز الحدّ في الفساد وأصل الفحش الأمر الشديد الكراهية والذمّ، من فعلٍ أو قولٍ، أو حالٍ ولم أقف على وقوع العمل بهاتين الآيتين قبل نسخهما. ومعنى: {يأتين} يَفْعَلْن، وأصل الإتيان المجيء إلى شيء فاستعير هنا الإتيان لفعل شيء لأنّ فاعل شيء عن قصد يُشبه السائر إلى مكان حتّى يَصله، يقال: أتى الصلاة، أي صَلاها، وقال الأعشى:شعر : لِيَعْلَمَ كلُّ الورى أنّني أتَيْتُ ا لمُرُوءَةَ من بابها تفسير : وربما قالوا: أَتى بفاحشة وبمكروه كأنّه جاء مُصَاحباً له. وقوله: {من نسائكم} بيان للموصول وصلته. والنساء اسم جمعِ امرأة، وهي الأنثى من الإنسان، وتطلق المرأة على الزوجة فلذلك يطلق النساء على الإناث مطلقاً، وعلى الزوجات خاصّة ويعرف المراد بالقرينة، قال تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم}تفسير : [الحجرات: 11] ثم قال ــــ {أية : ولا نساء من نساء}تفسير : [الحجرات: 11] فقابل بالنساء القومَ. والمراد الإناث كلهنّ، وقال تعالى: {أية : فإن كن نساء فوق اثنتين}تفسير : [النساء: 11] الآية المتقدّمة آنفاً والمراد هنا مطلق النساء فيشمل العذارى العَزَبَاتِ. وضمير جمع المخاطبين في قوله: {من نسائكم} والضمائر المُوالية له، عائدة إلى المسلمين على الإجمال، ويتعيّن للقيام بما خوطبوا به مَنْ لهم أهلية القيام بذلك. فضمير {نسائكم} عامّ مراد به نساء المسلمين، وضمير {فاستشهدوا} مخصوص بمن يهمّه الأمر من الأزواج، وضمير {فأمسكوهن} مخصوص بولاة الأمور، لأنّ الإمساك المذكور سجن وهو حكم لا يتولاّه إلاّ القضاة، وهم الذين ينظرون في قبول الشهادة فهذه عمومها مراد به الخصوص. وهذه الآية هي الأصل في اشتراط أربعة في الشهادة على الزنى، وقد تقرّر ذلك بآية سورة النور. ويعتبر في الشهادة الموجبة للإمساك في البيوت ما يعتبر في شهادة الزنى لإقامةِ الحدّ سواء. والمراد بالبيوت البيوت التي يعيّنها ولاة الأمور لذلك. وليس المراد إمساكهن في بيوتهنّ بل يُخرجن من بيوتهنّ إلى بيوت أخرى إلاّ إذا حُوّلت بيت المسجونة إلى الوضع تحت نظر القاضي وحراسته، وقد دلّ على هذا المعنى قوله تعالى في آية سورة الطلاق عند ذكر العدّةِ{أية : لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}تفسير : [الطلاق: 1]. ومعنى {يتوفاهن الموت} يتقاضاهن. يقال: تَوَفَّى فلان حقَّه من فلان واستوفاه حقّه. والعرب تتخيّل العمر مجزّءاً. فالأيام والزمانُ والموتُ يستخلصه من صاحبه منجَّما إلى أن تتوفّاه. قال طرفة:شعر : أرى العمر كَنزا ناقصا كلّ ليلة وما تَنْقُصْ الأيامُ والدهرُ ينفَدِ تفسير : وقال أبو حيّة النميري:شعر : إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلة تَقاضاه شيء لا يَمَلُّ التقاضيا تفسير : ولذلك يقولون تُوفيِّ فلان بالبناء للمجهول أي توفَّى عُمُرَهُ فجعل الله الموت هو المتقاضي لأعمار الناس على استعمالهم في التعبير، وإن كان الموت هو أثَرُ آخر أنفاس المرء، فالتوفيّ في هذه الآية وارِد على أصل معناه الحقيقي في اللغة. ومعنى {أو يجعل الله لهن سبيلاً} أي حكماً آخر. فالسبيل مستعار للأمر البيّن بمعنى العقاب المناسب تشبيها له بالطريق الجادّة. وفي هذا إشارة إلى أنّ إمساكهنّ في البيوت زجر موقّت سيعقبه حكم شاف لما يَجده الناس في نفوسهم من السخط عليهنّ ممّا فَعَلْنَ. ويشمل قوله: {واللاّتي يأتين الفاحشة} جميع النساء اللائي يأتين الفاحشة من محصنات وغيرهنّ. وأمّا قوله {والذان يأتيانها} فهو مقتض نوعين من الذكور فإنّه تثنية الذي وهو اسم موصول للمذكّر، وقد قوبل به اسمُ موصول النساء الذي في قوله: {واللاّتي يأتين الفاحشة} ولا شكّ أنّ المراد بــــ {اللذان} صنفان من الرجال: وهما صنف المحصنين، وصنف غير المحصنين منهم، وبذلك فسّره ابن عباس في رواية مجاهد، وهو الوجه في تفسير الآية، وبه يتقوّم معنى بيِّن غير متداخل ولا مُكَرّر. ووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرّز من التماس العذر فيه لغير المحصنين. ويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله، وهو تفسير السدّي وقتادة، فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي عقوبة الحبس في البيوت، وللرجال عقوبة على الزنى، هي الأذى سواء كانوا محصنين بزوجات أم غير محصنين، وهم الأعزبون. وعلى الوجه الثاني تكون قد جعلت للنساء عقوبتين: عقوبة خاصّة بهنّ وهي الحبس، وعقوبة لهنّ كعقوبة الرجال وهي الأذى، فيكون الحبس لهنّ مع عقوبة الأذى. وعلى كلا الوجهين يستفاد استواء المحصن وغير المحصن من الصنفين في كلتا العقوبتين، فأمّا الرجال فبدلالة تثنية اسم الموصول المراد بها صنفان اثنان، وأمّا النساء فبدلالة عموم صيغة {نسائكم}. وضمير النصب في قوله: {يأتيانها} عائد إلى الفاحشة المذكورة وهي الزنا. ولا التفات لكلام من توهّم غير ذلك. والإيذاء: الإيلام غير الشديد بالفعل كالضرب غير المبرح، والإيلام بالقول من شتم وتوبيخ، فهو أعمّ من الجلد، والآية أجملته، فهو موكول إلى اجتهاد الحاكم. وقد اختلف أيمّة الإسلام في كيفية انتزاع هذين العقوبتين من هذه الآية: فقال ابن عباس، ومجاهد: اللاتي يأتين الفاحشة يعمّ النساء خاصّة فشمل كلّ امرأة في سائر الأحوال بكراً كانت أم ثيّبا، وقوله: {والذان} تثنية أريد بها نوعان من الرجال وهم المحصن والبكر، فيقتضي أنّ حكم الحبس في البيوت يختصّ بالزواني كلّهنّ، وحكم الأذى يختصّ بالزناة كلّهم، فاستفيد التعميم في الحالتين إلاّ أن استفادته في الأولى من صيغة العموم، وفي الثانية من انحصار النوعين، وقد كان يغني أن يقال: واللاتي يأتين، والذين يأتون، إلاّ أنّه سلك هذا الأسلوب ليحصل العموم بطريقين مع التنصيص على شمول النوعين. وجُعل لفظ (اللاتى) للعموم ليستفاد العموم من صيغة الجمع فقط. وجعل لفظ و{الذان} للنوعين لأنّ مفرده وهو الذي صالح للدلالة على النوع، إذ النوع يعبّر عنه بالمذكَّر مثل الشخص، ونحو ذلك، وحصل مع ذلك كلّه تفنّن بديع في العبارة فكانت بمجموع ذلك هاته الآية غاية في الإعجاز، وعلى هذا الوجه فالمراد من النساء معنى ما قابل الرجال وهذا هو الذي يجدر حمل معنى الآية عليه. والأذى أريد به هنا غير الحبس لأنّه سبق تخصيصه بالنساء وغير الجلد، لأنّه لم يشرع بعدُ، فقيل: هو الكلام الغليظ والشتم والتعيير. وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال، بناء على تأويله أنّ الآيةَ شرعت عقوبة للزنا قبل عقوبة الجلد. واتّفق العلماء على أنّ هذا حكم منسوخ بالجلد المذكور في سورة النور، وبما ثبت في السنّة من رجم المحصنين وليس تحديد هذا الحكم بغايةِ قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلاً} بصارف معنى النسخ عن هذا الحكم كما توهّم ابن العربي، لأنّ الغاية جعلت مبهمة، فالمسلمون يترقّبون ورود حكم آخر، بعد هذا، لا غِنى لهم عن إعلامهم به. واعلَمْ أنّ شأن النسخ في العقوبات على الجرائم التي لم تكن فيها عقوبة قبل الإسلام، أن تنسخ بأثقل منها، فشرع الحبس والأذى للزناة في هذه السورة، وشرع الجلد بآية سورة النور، والجلد أشدّ من الحبس ومن الأذى، وقد سوّي في الجلد بين المرأة والرجل، إذ التفرقة بينهما لا وجه لبقائها، إذ كلاهما قد خرق حكماً شرعياً تبعا لشهوة نفسية أو طاعة لغيره. ثم إنّ الجلد المعيَّن شرع بآية سورة النور مطلقاً أو عامّا على الاختلاف في محمل التعريف في قوله: {أية : الزانية والزاني}تفسير : [النور: 2]؛ فإن كان قد وقع العمل به كذلك في الزناة والزواني: محصنين أو أبكاراً، فقد نسخه الرجم في خصوص المحصنين منهم، وهو ثابت بالعمل المتواتر، وإن كان الجلد لم يعمل به إلاّ في البكرين فقد قيّد أو خصّص بغير المحصنين، إذ جعل حكمهما الرجم. والعلماء متّفقون على أنّ حكم المحصنين من الرجال والنساء الرجم. والمحصن هو من تزوّج بعقد شرعي صحيح ووقع البناء بعد ذلك العقد بناء صحيحاً. وحكم الرجم ثبت من قبل الإسلام في شريعة التوراة للمرأة إذا زنت وهي ذات زوج، فقد أخرج مالك، في «الموطأ»، ورجال الصحيح كلّهم، حديث عبد الله بن عمر: «حديث : أنّ اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أنّ رجلاً وامرأة زنيا، فقال رسول الله «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» فقالوا «نفضحهم ويجلدون» فقال عبد الله بن سلام «كذبتم إنّ فيها الرجم» فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام «ارفع يدك» فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: «صدق يا محمد فيها آية الرجم» فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجما تفسير : وقد ذكر حكم الزنا في سفر التثنية (22) فقال «إذا وجد رجل مضطجعاً مع امرأة زوجةِ بعللٍ يُقتل الاثنان، وإذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فاضطجع معها فوُجدا، يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضّة وتكون هي له زوجة ولا يقدر أن يطلّقها كلّ ايّامه». وقد ثبت الرجم في الإسلام بما رواه عبادة بن الصامت أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خذوا عني خذوا عني. قد جعل الله لهنّ سبيلاً، البكر بالبكر ضرب مائة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم»تفسير : . ومقتضاه الجمع بين الرجم والجلد، ولا أحسبه إلاّ توهّما من الراوي عن عبادة أو اشتبه عليه، وأحسب أنّه لذلك لم يعمل به العلماء فلا يجمع بين الجلد والرجم. ونسب ابن العربي إلى أحمد بن حنبل الجمع بين الرجم والجلد. وهو خلاف المعروف من مذهبه. وعن علي بن أبي طالب أنه جمع بين الجلد والرجم. ولم يصحّ. ثم ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء بالرجم ثلاثة أحاديث: أوّلها قضيّة ماعز بن مالك الأسلمي، أنّه جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه ثلاث مرّات ثم بعث إلى إهله فقال: به جنون؟ قالوا: لا، وأبكر هو أم ثيّب؟ قالوا: بل ثيِّب. فأمر به فرجم. الثاني: قضيّة الغامدية، أنّها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا وهي حبلى فأمرها أن تذهب حتّى تضع، ثم حتّى ترضعه، فلمّا أتمّت رضاعه جاءت فأمر بها فرجمت. الثالث: حديث أبي هريرة، وخالد الجهني، حديث : أنّ رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر ــــ وهو أفقههما ــــ: أجَلْ يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي في أن أتكلّم؟ قال: تكَلَّمْ. قال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إنّي سألت أهلَ العلم فأخبروني أنَمَّا على ابني جلدُ مائة وتغريب عام، وأخبروني أنّما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَا والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله، أمَّا غنمك وجاريتك فرَدٌّ عليك ــــ وجلَد ابنه مائة وغربه عاما ــــ واغْدُ يا أُنَيْسُ (هو أُنيْس بن الضَّحاك ويقال ابن مرثد الأَسلَمي) على زوجةِ هذا، فإن اعترفت فارجُمها، فاعترفت فرَجَمَهاتفسير : . قال مالك والعسيف الأجير. هذه الأحاديث مرسل منها اثنان في «الموطأ»، وهي مسندة في غيره، فثبت بها وبالعمل حكم الرجم للمحصنَيْن، قال ابن العربي: هو خبر متواتر نسخ القرآن. يريد أنّه متواتر لدى الصحابة فلتواتره أجمعوا على العمل به. وأمّا ما بلغ إلينا وإلى ابن العربي وإلى من قبله فهو أخبار آحاد لا تبلغ مبلغ متواتر، فالحقّ أنّ دليل رجم المحصنين هو ما نقل إلينا من إجماع الصحابة وسنتعرّض إلى ذلك في سورة النور، ولذلك قال بالرجم الشافعي مع أنّه لا يقول بنسخ القرآن بالسّنة. والقائلون بأنّ حكم الرجم ناسخ لحكم الحبْس في البيوت قائلون بأنّ دليل النسخ هو حديث قد: {جعل الله لهن سبيلاً} وفيه (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) فتضمنّ الجلد، ونسب هذا القول للشافعي وجماعة، وأورد الجصّاص على الشافعي أنّه يلزمه أنّ القرآن نُسخ بالسنّة، وأنّ السنّة نسخت بالقرآن، وهو لا يرى الأمرين، وأجاب الخطابي بأنّ آية النساء مغياة، فالحديث بيَّن الغاية، وأنّ آية النور نزلت بعد ذلك، والحديث خصّصها من قبلِ نزولها. قلت: وعلى هذا تكون آية النور نزلت تقريراً لبعض الحكم الذي في حديث الرجم، على أنّ قوله: إنّ آية النساء مغيّاة، لا يُجدي لأنّ الغاية المبهمة لمّا كان بيانها إبطالا لحكم المغيَّي فاعتبارُها اعتبارُ النسخ، وهل النسخ كلّه إلاّ إيذان بوصول غاية الحكم المرادة لله غير مذكورة في اللفظ، فذكرها في بعض الأحكام على إبهامها لا يكسو النزول غير شعار النسخ. وقال بعضهم شُرع الأذى ثم نسخ بالحبس في البيوت وإن كان في القراءة متأخّرا. وهذا قول لا ينبغي الالتفات إليه فلا مخلص من هذا الإشكال إلاّ بأن نجعل إجماع الصحابة على ترك الإمساك في البيوت، وعلى تعويضه بالحدّ في زمان النبوءة فيؤول إلى نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، ويندفع ما أورده الجصَّاص على الشافعي، فإنّ مخالفة الإجماع للنصّ تتضمّن أنّ مستند الإجماع ناسخ للنصّ. ويتعيّن أن يكون حكم الرجم للمحصَن شرع بعد الجلد، لأنّ الأحاديث المروية فيه تضمّنت التغريب مع الجَلد، ولا يتصوّر تغريب بعد الرجم، وهو زيادة لا محالة لم يذكرها القرآن، ولذلك أنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه زيادة على النصّ فهو نسخ عنده. قال ابن العربي في الأحكام: أجمع رأي خيار بني إسماعيل على أنّ من أحدث حدثا في الحرم يغرّب منه، وتمادى ذلك في الجاهلية فكان كلّ من أحدث حدثاً غرّب من بلده إلى أن جاء الإسلام فأقرّه في الزنا خاصَّة. قلت: وكان في العرب الخَلع وهو أن يُخلع الرجل من قبيلته، ويشهدون بذلك في الموسم، فإن جرّ جريرة لا يطالب بها قومه، وإن اعتدي عليه لا يطلب قومه دية ولا نحوها، وقد قال امرؤ القيس:شعر : به الذيب يَعْوِي كالخَليع المُعَيَّلِ تفسير : واتّفقوا على أنّ المرأة لا تغرّب لأنّ تغريبها ضيعة، وأنكر أبو حنيفة التغريب لأنّه نقْل ضرّ من مكان إلى آخر وعوّضه بالسجن ولا يعرف بين أهل العلم الجمع بين الرجم والضرب ولا يظنّ بشريعة الإسلام ذلك ورُوي أنّ عليّا جَلد شراحة الهمْدانية ورجمها بعد الجلد، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله. وقرن بالفاء خبر الموصولين من قوله: {فاستشهدوا} وقوله {فآذوهما} لأنّ الموصول أشرب معنى الشرط تنبيها على أنّ صلة الموصول سبب في الحكم الدالّ عليه خبره، فصار خبر الموصول مثل جواب الشرط ويظهر لي أنّ ذلك عندما يكون الخبر جملة، وغير صالحة لمباشرة أدوات الشرط، بحيث لو كانت جزَاء للزم اقترانها بالفاء. هكذا وجدنا من استقراء كلامهم، وهذا الأسلوب إنّما يقع في الصلات التي تُومِىء إلى وجه بناء الخبر، لأنّها التي تعطي رائحة التسبّب في الخبر الوارد بعدها. ولك أن تجعل دخول الفاء علامة على كون الفاء نائبة عن (أَمَّا). ومن البيّن أنّ إتيانَ النساء بالفاحشة هو الذي سبّب إمساكهن في البيوت، وإن كان قد بني نظم الكلام على جعل {فاستشهدوا عليهن} هو الخبر، لكنّه خبر صوري وإلاّ فإنّ الخبر هو {فأمسكوهن}، لكنّه جيء به جواباً لشرط هو متفرّع على {فإن شهدوا} ففاء {فاستشهدوا} هي الفاء المشبّهة لفاء الجواب، وفاء {فإن شهدوا} تفريعية، وفاء {فأمسكوهن} جزائية، ولولا قصد الاهتمام بإعداد الشهادة قبل الحكم بالحبس في البيوت لقيل: واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فأمسكوهنّ في البيوت إن شهد عليهنّ أربعة منكم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى:{فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}. لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلاً أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا}تفسير : [النور: 2] الآية. وقوله في الثيب: {الشَّيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيمٌ} لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأرضاه وإن كانت منسوخة التلاوة. وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن حكم الرجم مأخوذ أيضاً من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة وهي قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُون} تفسير : [آل عمران: 23] فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان ورجمهما النَّبي صلى الله عليه وسلم، فذمُّه تعالى في هذا الكتاب للمعرض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن، دليل قرآني واضح على بقاء حكم الرجم، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد قوله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: "حديث : خذوا عني: قد جعل الله لهنَّ سبيلاً" تفسير : الحديث.

الواحدي

تفسير : {واللاتي يأتين الفاحشة} يفعلن الزِّنا {فاستشهدوا عليهنَّ أربعة منكم} أَيْ: من المسلمين {فإن شهدوا} عليهنَّ بالزِّنا {فأمسكوهنَّ} فاحبسوهنَّ {في البيوت} في السُّجون، وهذا كان في أوَّل الإِسلام، إذا كان الزَّانيان ثَيِّبين حُبسا ومُنعا من مخالطة النَّاس، ثمَّ نُسخ ذلك بالرَّجم، وهو قوله: {أو يجعل الله لهنَّ سبيلاً} وهو سبيلهنَّ الذي جعله الله لهنَّ. {واللذان يأتيانها} أَي: البكرين يزنيان ويأتيان الفاحشة {فآذوهما} بالتَّعنيف والتَّوبيخ، وهو أنْ يقال لهما: انتهكتما حرمات الله، وعصيتماه واستوجبتما عقابه. {فإن تابا} من الفاحشة {وأصلحا} العمل فيما بعد فاتركوا أذاهما، وهذا كان في ابتداء الإِسلام، ثمَّ نسخه قوله: {أية : الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ...} تفسير : الآية. {إنما التوبةُ على الله} أَي: إنما التوبة التي أوجب الله على نفسه بفضله قَبولَها {للذين يعملون السوء بجهالة} أي: إنّ ذنبَ المؤمن جهلٌ منه، والمعاصي كلُّها جهالة، ومَنْ عصى ربَّه فهو جاهل {ثم يتوبون من قريب} أَيْ: من قبل الموت ولو بِفُواق ناقة {فأولئك يتوب الله عليهم} يعود عليهم بالرحمة {وكان اللَّهُ عليماً حكيماً} علم ما في قلوب المؤمنين من التصديق، فحكم لهم بالتوبة قبل الموت بقدر فُواق ناقة. {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} أَي: المشركين والمنافقين {ولا الذين يموتون وهم كفار} يعني: ولا توبة لهؤلاء إذا ماتوا على كفرهم؛ لأنَّ التَّوبة لا تُقبل في الآخرة. {أولئك أعتدنا} أَيْ: هيَّأنا وأعددنا. {يا أيها الذين آمنوا لا يحلُّ لكم.. } الآية. كان الرَّجل إذا ماتَ ورث قريبُه من عصبته امرأتَه، وصار أحقَّ بها من غيره، فأبطل الله ذلك، وأعلم أنَّ الرَّجل لا يرث المرأة من الميت، وقوله: {أن ترثوا النساء كرهاً} يريد: عين النِّساء كرهاً، أَيْ: [نكاح النساء] وهنَّ كارهاتٌ {ولا تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} كان الرَّجل يمسك المرأة وليس له فيها حاجةٌ إضراراً بها حتى تفتدي بمهرها، فَنُهوا عن ذلك، ثمَّ استثنى فقال: {إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينة} أيْ: الزِّنا، فإذا رأى الرَّجل من امرأته فاحشةً فلا بأس أن يضارَّها حتى تختلع منه {وعاشروهنَّ بالمعروف} أَيْ: بما يجب لهنَّ من الحقوق، وهذا قبل أن يأتين الفاحشة {فإن كرهتموهن...} الآية. أَيْ: فيما كرهتم ممَّا هو لله رضى خيرٌ كثيرٌ وثوابٌ عظيمٌ، والخير الكثير في المرأة المكروهة أن يرزقه الله منها ولداً صالحاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اللاتي: جمع التي إسم موصول للمؤنث المفرد واللاتي للجمع المؤنث. الفاحشة: المراد بها هنا الزنى. من نسائكم: المحصنات. سبيلا: طريقا للخروج من سجن البيوت. يأتيانها: الضمير عائد إلى الفاحشة المتقدم ذكرها. فأعرضوا عنهما: اتركوا أذيتهما بعد أن ظهرت توبتهما. التوبة: أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح مع تركه والعزم على عدم العودة إليه. السوء: كل ما أساء إلى النفس والمراد به هنا السيئات. بجهالة: لا مع العمد والإِصرار وعدم المبالاة. اعتدنا: أعددنا وهيأنا. أليما: موجعاً شديد الإِيجاع. معنى الآيات: لما ذكر تعالى بحدوده وذكر جزاء متعديها، ذكر هنا معصية من معاصيه وهي فاحشة الزنى، ووضع لها حداً وهي الحبس في البيوت حتى الموت أو إلى أن ينزل حكما آخر يخرجهن من الحبس وهذا بالنسبة إلى المحصنات. فقال تعالى {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} أي من المسلمين يشهدون بأن فلانة زنت بفلان فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا. أما غير المحصنات وهن الأبكار فقد قال تعالى فى شأنهن. واللذان يأتيانها منك فآذوها أي بالضرب الخفيف والتقريع والعتاب، مع الحبس للنساء أما الرجال فلا يحبسون وإنما يكتفى بأذاهم إلى أن يتوبوا ويصلحوا فحينئذ يعفى عنهم ويكف عن أذيتهم هذا معنى قوله تعالى {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}. ولم يمض على هذين الحدين إلا القليل من الزمن حتى أنجز الرحمن ما وعد وجعل لهن سبيلاً فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان جالساً بين أصحابه حتى أنزل الله تعالى عليه الحكم النهائي في جريمة الزنى فقال صلى الله عليه وسلم: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والمراد من الثيب بالثيب أي إذا زنى نثيب بثيب وكذا البكر بالبكر. وبهذا أوقف الحد الأول في النساء والرجال معاً ومضى الثاني أما جلد البكرين فقد نزل فيه آية النور: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} تفسير : [الآية: 2]، وأما رجم المحصنين فقد مضت فيه السنة فقد رجم ماعز، والغامدية بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حد قائم إلى يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [15] والثانية [16] وأما الآيتان بعدهما وهما [17] [18] فقد أخبر تعالى أن الذين يستحقون التوبة وثبتت لهم من الله تعالى هم المذنبون الذين يرتكبون المعصية بسبب جهالة منهم، ثم يتوبون من قريب لا يسوفون التوبة ولا يؤخرونها أما الذين يجترحون السيآت مع علم منهم وإصرار، ولا يتوبون إثر غشيان الذنب فلا توبة تضمن لهم فقد يموتون بلا توبة شأنهم شأن الذين يعملون السيئآت ولا يتوبون حتى إذا مرض أحدهم وظهرت عليه علامات الموت وأيقن أنه ميت لا محالة قال إنه تائب كشأن الكافرين إذا تابوا عند معاينة الموت فلا تقبل منهم توبة أبداً. هذا معنى الآيتين الكريمتين الأولى {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي يقبل توبتهم لأنه عليم بضعف عباده حكيم يضع كل شيء في موضعه اللائق به ومن ذلك قبول توبة من عصوه بجهالة لا بعناد ومكابرة وتحد، ثم تابوا من قريب لم يطيلوا مدة المعاصي والثانية {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ}، كما هي ليست للذين يعيشون على الكفر فإذا جاء أحدهم الموت قال تبت كفرعون فإنه لما عاين الموت بالغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين فرد الله تعالى عليه: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 91] وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} إشارة إلى كل من مات على غير توبة بارتكابه كبائر الذنوب، أو بكفر وشرك، إلا أن المؤمن الموحد يخرج من النار بإيمانه، والكافر يخلد فيها. نعوذ بالله من النار وحال أهلها. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- عظم قبح فاحشة الزنى. 2- بيان حد الزنى قبل نسخه بآية سورة النور، وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في رجم المحصن والمحصنة. 3- التوبة التي تفضل الله بها هي ما كان صاحبها أتى ما أتى من الذنوب بجهالة لا بعلم وإصرار ثم تاب من قريب زمن. 4- الذين يسوفون التوبة ويؤخرونها يخشى عليهم أن لا يتوبوا حتى يدركهم الموت وهم على ذلك فيكونون من أهل النار، وقد يتوب أحدهم، لكن بندرة وقلة وتقبل توبته إذا لم يعاين إمارات الموت لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : رواه الترمذي وأحمد وغيرهما وإسناده حسن. 5- لا تقبل توبة من حشرجت نفسه وظهرت عليه علامات الموت، وكذا الكافر من باب أولى لا تقبل له توبة بالإِيمان إذا عاين علامات الموت كما لم تقبل توبة فرعون.

القطان

تفسير : الفاحشة والفحش والفحشاء: ما عظُم قبحه من الافعال والأقوال. والمراد بها هنا الزنا. كانت الآيات السابقة تعالج تنظيم حياة المجتمع الاسلامي، فعُنيتْ بحقوق اليتامى والسفهاء المالية، كما عنيت بحقوق النساء وشؤون الميراث، فأبطلتْ ما كان عليه أهل الجاهلية في توزيع الميراث وبينت القسمة العادلة بياناً شافيا. أما هذه الآية فإنها تعالج حياة المجتمع المسلم، وتطهيره من الفاحشة التي كانت متفشية في أهل الجاهلية. وكان الحكم في ابتداء الاسلام ان المرأة اذا ثبت زناها بشهادة أربعة رجال حُبست في بيتها فلا تخرج منه حتى تموت. وهو ما تحكم به هذه الآية. لكنه لم يستمر فقد جاء تفصيل الحكم لاحقا في سورة النور وفي الاحاديث الصحيحة. واللاتي يأتين الزنا من نسائكم، بعد ثبوته عليهن بحق، فاحبسوهن أيها المؤمنون في البيوت وامنعوهن من الخروج الى ان يتوفاهن الله {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} اي يفتح لهن طريقاً مستقيما للحياة، بالزواج أو التوبة. قال ابن عباس: هذا كان الحكم لهذه الفاحشة ثم أبدله الله في سورة النور وجعله الجَلْد.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللاَّتِي} {ٱلْفَاحِشَةَ} {نِّسَآئِكُمْ} {يَتَوَفَّاهُنَّ} (15) - كَانَ الحُكْمُ فِي ابْتِدَاءِ الإِسْلاَمِ أنَّ المَرْأَةَ إذا زَنَتْ، وَثَبَتَ زِنَاهَا بِالبَيِّنَةِ العَادِلَةِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أرْبَعَةِ شُهَدَاءٍ مِنَ الرِّجَالِ العُدُولِ، حُبِسَتْ فِي بَيْتٍ فَلاَ تُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ حَتَّى تَمُوتَ. وَبَقيَ الحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَةَ النُّورِ فَنَسَخَهَا بِالجَلْدِ لِلْبِكْرِ، وَبِالرَّجْمِ لِلثَّيِّبِ، وَفْقاً لِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ، فَكَانَتْ هِيَ السَّبيل التِي يَجْعَلُهَا اللهُ لِلْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ فِي قَوْلِهِ (أَوْ يَجْعَل اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً). الفَاحِشَةَ - هِيَ الزِّنَى في هَذِهِ الآيَةِ وَهِيَ لُغَةً الفِعْلُ القَبِيحُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{وَٱللاَّتِي} اسم موصول لجماعة الإناث، وأنا أرى أن ذلك خاص باكتفاء المرأة بالمرأة. وماذا يقصد بقوله: {فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً ..} [النساء: 15]؟ إنه سبحانه يقصد به حماية الأعراض، فلا يلغ كل واحد في عرض الآخر، بل لا بد أن يضع لها الحق احتياطاً قوياً، لأن الأعراض ستجرح، ولماذا "أربعة" في الشهادة؟ لأنهما اثنتان تستمتعان ببعضهما، ومطلوب أن يشهد على كل واحدة اثنان فيكونوا أربعة، وإذا حدث هذا ورأينا وعرفنا وتأكدنا، ماذا نفعل؟ قال سبحانه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ ..} [النساء: 15] أي احجزوهن واحبسوهن عن الحركة، ولا تجعلوا لهن وسيلة التقاء إلى أن يتوفاهن الموت {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15] وقد جعل الله. والذين يقولون: إن هذه المسألة خاصة بعملية بين رجل وامرأة، نقول له: إن كلمة "واللاتي" هذه اسم موصول لجماعة الإناث، أما إذا كان هذا بين ذكر وذكر. ففي هذه الحالة يقول الحق: {أية : وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 16]. الآية هنا تختص بلقاء رجل مع رجل، ولذلك تكون المسألة الأولى تخص المرأة مع المرأة، ولماذا يكون العقاب في مسألة لقاء المرأة بالمرأة طلباً للمتعة هو الإمساك في البيوت حتى يتوفاهن الموت؟ لأن هذا شر ووباء يجب أن يحاصر، فهذا الشر معناه الإفساد التام، لأن المرأة ليست محجوبة عن المرأة؛ فلأن تحبس المرأة حتى تموت خير من أن تتعود على الفاحشة. ونحن لا نعرف ما الذي سوف يحدث من أضرار، والعلم ما زال قاصراً، فالذي خلق هو الذي شرع أن يلتقي الرجل بالمرأة في إطار الزواج وما يجب فيه من المهر والشهود، وسبحانه أعد المرأة لاستقبال، وأعد الرجل للإرسال، وهذا أمر طبيعي، فإذا دخل إرسال على استقبال ليس له، فالتشويش يحدث. وإن لم يكن اللقاء على الطريقة الشرعية التي قررها مَنْ خلقنا فلا بد أن يحدث أمر خاطئ ومضر، ونحن عندما نصل سلكاً كهربائياً بسلك آخر من النوع نفسه. أي سالب مع سالب أو موجب مع موجب تشب الحرائق، ونقول: "حدث ماس كهربائي"، أي أن التوصيلة الكهربائية كانت خاطئة. فإذا كانت التوصيلة الكهربائية الخاطئة في قليل من الأسلاك قد حدث ما حدث منها من الأضرار، أفلا تكون التوصيلة الخاطئة في العلاقات الجنسية مضرة في البشر؟ إنني أقول هذا الكلام ليُسَجَّل، لأن العلم سيكشف - إن متأخراً أو متقدماً - أن لله سراً، وحين يتخصص رجل بامرأة بمنهج الله "زوجني .. وتقول له زوجتك" فإن الحق يجعل اللقاء طبيعياً. أما إن حدث اختلاف في الإرسال والاستقبال فلسوف يحدث ماس صاعق ضار، وهذه هي الحرائق في المجتمع. أكرر هذا الكلام ليسجل وليقال في الأجيال القادمة: إن الذين من قبلنا قد اهتدوا إلى نفحة من نفحات الله، ولم يركنوا إلى الكسل، بل هداهم الإيمان إلى أن يكونوا موصولين بالله، ففطنوا إلى نفحات الله. والحق هو القائل: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. فإذا كنا قد اهتدينا إلى معرفة أن اتصال سلك صحيح بسلك صحيح فالكهرباء تعطي نوراً جميلاً. أما إذا حدث خطأ في الاتصال، فالماس يحدث وتنتج منه حرائق، كذلك في العلاقة البشرية، لأن المسألة ذكورة وأنوثة. والحق سبحانه القائل: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ..} تفسير : [الذاريات: 49]. فإذا كان النور الجميل يحدث من الاتصال الصحيح بين الموجب والسالب في غير الإنسان، وتحدث الحرائق إن كان الاتصال خاطئاً، فما بالنا بالإنسان؟ وفي بعض رحلاتنا في الخارج، سألنا بعض الناس: - لماذا عَدَّدتم للرجل نساءً، ولم تعددوا رجالاً للمرأة؟ هم يريدون أن يثيروا حفيظة المرأة وسخطها على دين الله؛ حتى تقول المرأة الساذجة - متمردة على دينها - : "ليس في هذا الدين عدالة"؛ لذلك سألت من سألوني: أعندكم أماكن يستريح فيها الشباب المتحلل جنسياً؟ فكان الجواب: نعم في بعض الولايات هناك مثل هذه الأماكن. قلت: بماذا احتطتم لصحة الناس؟ قالوا: بالكشف الطبي الدوري المفاجئ. قلت: لماذا؟ قالوا: حتى نعزل المصابة بأي مرض. قلت: أيحدث ذلك مع كل رجل وامرأة متزوجين؟ قالوا: لا. قلت: لماذا؟؟ فسكتوا ولم يجيبوا، فقلت: لأن الواقع أن الحياة الزوجية للمرأة مع رجل واحد تكون المرأة وعاء للرجل وحده لا ينشأ منها أمراض، ولكن المرض ينشأ حين يتعدد ماء الرجال في المكان الواحد. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يستبقي النوع بقاء نظيفاً؛ لذلك قال: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]. والمقصود بـ "نسائكم" هنا المسلمات، لأننا لا نشرع لغيرنا، لأنهم غير مؤمنين بالله، وطلب الشهادة يكون من أربعة من المسلمين، لأن المسلم يعرف قيمة العرض والعدالة. وإن شهدوا فليحدث حكم الله بالحبس في البيوت. وقد عرفنا ذلك فيما يسمى في العصر الحديث بالحجر الصحي الذي نضع فيه أصحاب المرض المعدي. وهناك فرق بين من أُصِبْن بـ "مرض معدٍ" ومن أصبن بـ "العطب والفضيحة". فإذا كنا نعزل أصحاب المرض المعدي فكيف لا نعزل اللاتي أصبن بالعطب والفضيحة؛ لذلك يقول الحق: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15] أي أن تظل كل منهما في العزل إلى أن يأتي لكل منهن ملك الموت. وحدثتنا كتب التشريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الآية على أنها تختص بزنَى يقع بين رجل وامرأة وليس بين امرأتين. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خذوا عني خذوا عني: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". تفسير : ثم جاء التشريع بعد ذلك فصفى قضية الحدود إلى أن البكر بالبكر جلد، والثيب بالثيب رجم. وبعض من الناس يقول: إن الرجم لم يرد بالقرآن. نرد فنقول: ومَنْ قال: إن التشريع جاء فقط بالقرآن؟ لقد جاء القرآن معجزة ومنهجاً للأصول، وكما قلنا من قبل: إن الحق قال: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ..} تفسير : [الحشر: 7]. وبعد ذلك نتناول المسألة: حين يوجد نص ملزم بحكم، قد نفهم الحكم من النص وقد لا نفهمه، فإذا فهمنا فله تطبيق عملي في السيرة النبوية. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بالنص فقط ولكن جاء بالعمل نفسه، فالأسوة تكون بالفعل في إقامة الحد؛ لأن الفعل أقوى من النص، فالنص قد يوجد ولا يطبق لسبب كالنَّسْخ للحكم مثلاً، أما الفعل فإنه تطبيق، وقد رجم الرسول ماعزا والغامدية ورجم اليهودي واليهودية عندما جاءوا يطلبون تعديل حكم الرجم الوارد بالتوراة. إذن فالفعل من الرسول أقوى من النص وخصوصاً أن الرسول مشرع أيضاً. وقال واحد مرة: إن الرجم لمَنْ تزوج، فماذا نفعل برجل متزوج قد زنَى بفتاة بكر؟ والحكم هنا: يُرجم الرجل وتجلد الفتاة، فإن اتفقا في الحالة، فهما يأخذان حكماً واحداً. وإن اختلفا فكل واحد منهما يأخذ الحكم الذي يناسبه. وحينما تكلم الحق عن الحد في الإماء - المملوكات - قال: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25]. ويفهم من ذلك الجلد فقط، لأن الرجم لا يمكن أن نقوم بتقسيمه إلى نصفين، فالأمة تأخذ في الحد نصف الحرة، لأن الحرة البكر في الزنَى تجلد مائة جلدة، والأمَة تجلد خمسين جلدة. وما دام للأمَة نصف حد المحصنة، فلا يأتي - إذن - حد إلا فيما ينصَّف، والرجم لا ينصَّف، والدليل أصبح نهائياً من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرع وليس مستنبطاً، وقد رجم رسول الله. ولماذا تأخذ الأمَةُ نصف عقاب الحرة؟ لأن الإماء مهدورات الكرامة، أما الحرائر فلا. ولذلك فهند امرأة أبي سفيان قالت: أوَ تزني الحرة؟ قالت ذلك وهي في عنف جاهليتها. أي أن الزنَى ليس من شيمة الحرائر، أما الأَمَةُ فمهدورة الكرامة نظراً لأنه مُجترأ عليها وليست عرض أحد. لذلك فعليها نصف عقاب المحصنات، وقد تساءل بعضهم عن وضع الأمة المتزوجة التي زنت، والرجم ليس له نصف. نقول: الرجم فقد للحياة فلا نصف معه، إذن فنصف ما على المحصنات من العذاب، والعذاب هو الذي يؤلم. ونستشهد على ذلك بآية لنبين الرأي القاطع بأن العذاب شيء، والقتل وإزهاق الحياة شيء آخر، ونجد هذه الآية هي قول الحق على لسان سليمان عليه السلام حينما تفقد الطير ولم يجد الهدهد: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..} تفسير : [النمل: 21]. إذن، فالعذاب غير الذبح، وكذلك يكون العذاب غير الرجم. فالذي يحتج به البعض ممن يريدون إحداث ضجة بأنه لا يوجد رجم؛ لأن الأمة عليها نصف ما على المحصنات، والرجم ليس فيه تنصيف نقول له: إن ما تستشهد به باطل؛ لأن الله فرق بين العذاب وبين الذبح، فقال على لسان سليمان: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..} تفسير : [النساء: 21] فإذا كان العذاب غير إزهاق الروح بالذبح، والعذاب أيضاً غير إزهاق الروح بالرجم. إذن فلا يصح أن يحاول أحد الإفلات من النص وفهمه على غير حقيقته ولنناقش الأمر بالعقل: حين يعتدي إنسان على بكر، فما دائرة الهجوم على العرض في البكر؟ إنها أضيق من دائرة الهجوم على الثيب؛ لأن الثيب تكون متزوجة غالباً، فقصارى ما في البكر أن الاعتداء يكون على عرضها وعرض الأب والأخ. أما الثيب فالاعتداء يكون على عرض الزوج أيضاً، وهكذا تكون دائرة الاعتداء أكبر، إنه اعتداء على عرض الأب والأم. والإخوة والأعمام مثل البكر، وزاد على ذلك الزوج والأبناء المتسلسلون. فإذا كان الآباء والأمهات طبقة وتنتهي، فالأبناء طبقة تستديم؛ لذلك يستديم العار. واستدامة العار لا يصح أن تكون مساوية لرقعة ليس فيها هذا الاتساع، فإن سوينا بين الاثنين بالجلد فهذا يعني أن القائم بالحكم لم يلحظ اتساع جرح العرض. إن جرح العرض في البكر محصور وقد ينتهي لأنه يكون في معاصرين كالأب والأم والإخوة، لكن ما رأيك أيها القائم بالحكم في الثيب المتزوجة ولها أولاد يتناسلون؟ إنها رقعة متسعة، فهل يساوي الله - وهو العادل - بين ثيب وبكر بجلد فقط؟ إن هذا لا يتأتى أبداً. إذن فالمسألة يجب أن تؤخذ مما صفّاه رسول الله وهو المشرِّع الثاني الذي امتاز لا بالفهم في النص فقط، ولكن لأن له حق التشريع فيما لم يرد فيه نص! فسنأخذ بما عمله وقد رجم رسول الله فعلاً، وانتهى إلى أن هذا الحكم قد أصبح نهائياً، الثيب بالثيب هو الرجم، والبكر بالبكر هو الجلد، وبكر وثيب كل منهما يأخذ حكمه، ويكون الحكم منطبقاً تماماً، وبذلك نضمن طهارة حفظ النوع؛ لأن حفظ النوع هو أمر أساسي في الحياة باستبقاء حياة الفرد واستبقاء نوعه، فاستبقاء حياة الفرد بأن نحافظ عليه، ونحسن تربيته ونطعمه حلالاً، ونحفظ النوع بالمحافظة على طهارة المخالطة. والحق سبحانه وتعالى يمد خلقه حين يغفلون عن منهج الله بما يلفتهم إلى المنهج من غير المؤمنين بمنهج الله، ويأتينا بالدليل من غير المؤمنين بمنهج الله، فيثبت لك بأن المنهج سليم. ولقد تعرضنا لذلك من قبل مراراً ونكررها حتى تثبت في أذهان الناس قال الحق: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]. فلا يقولن قائل: إن القرآن أخبر بشيء لم يحدث لأن الإسلام لم يطبق ولم يظهر على الأديان كلها. ونرد عليه: لو فهمت أن الله قال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} تفسير : [التوبة: 33] وأضاف سبحانه: {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]، {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [غافر: 14] كما جاء في موقع آخر من القرآن الكريم، لقد أوضح الحق أن الإسلام يظهر ويتجلى مع وجود كاره له وهو الكافر والمشرك. ولم يقل سبحانه: إن الإسلام سيمنع وجود أي كافر أو مشرك. وكيف يكره الكفار والمشركون إظهار الله للإسلام؟ إنهم لا يدينون بدين الإسلام؛ لذلك يحزنهم أن يظهر الإسلام على بقية الأديان. وهل يظهر الإسلام على الأديان بأن يسيطر عليها ويبطل تلك الأديان؟ لا. إنه هو سبحانه يوضح بالقرآن والسنة كما يوضح لأهل الأديان الأخرى: بأنكم ستضطرون وتضغط عليكم أحداث الدنيا وتجارب الحياة فلا تجدون مخلصاً لكم مما أنتم فيه إلا أن تطبقوا حكماً من حكم الإسلام الذي تكرهونه. وحين تضغط الحياة على الخصم أن ينفذ رأي خصمه فهذا دليل على قوة الحجة، وهذا هو الإظهار على الدين كله ولو كره الكافرون والمشركون، وهذا قد حدث في زماننا، فقد روعت أمة الحضارة الأولى في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1981 بما يثبت صدق الإسلام في أنه حين ضمن ووضع للمخالطات التي تبقي النوع نظاماً، وهو التعاقد العلني والزواج المشروع، فالحق قد ضمن صحة الخلق. لكن الحضارة الأمريكية لم تنتبه إلى عظمة قانون الحق سبحانه فَرُوِّعت بظهور مرض جديد يسمى "الإيدز" و "إيدز" مأخوذة من بدايات حروف ثلاث كلمات: حرف "a"، وحرف "i" و، "d". ومعنى اسم المرض بالترجمة العربية الصحيحة "نقص مناعي مكتسب" والوسيلة الأولى للإصابة به هي المخالطة الشاذة، ونشأت من هذه المخالطات الشاذة فيروسات، هذه الفيروسات ما زال العلماء يدرسون تكوينها، وهي تفرز سموماً وتسبب آلاماً لا حصر لها، وإلى الآن يعيش أهل الحضارة الغربية هول الفزع والهلع من هذا المرض. ومن العجيب أن هذه الفيروسات تأتي من كل المخالطات الشاذة سواء أكانت بين رجل ورجل، أو بين رجل وامرأة على غير ما شرع الله. لقد جعل الحق سبحانه وتعالى عناصر الزواج "إيجاباً" و "قبولاً" و "علانية" إنه جعل من الزواج علاقة واضحة محسوبة أمام الناس، هذا هو النظام الرباني للزواج الذي جعل في التركيب الكيميائي للنفس البشرية "استقبالاً" و "إرسالاً". والبشر حين يستخدمون الكهرباء، فالسلك الموجب والسلك السالب - كما قلنا - يعطيان نوراً في حالة استخدامهما بأسلوب طبيعي، لكن لو حدث خلل في استخدام هذه الأسلاك فالذي يحدث هو ماس كهربائي تنتج منه حرائق. وكذلك الذكورة والأنوثة حين يجمعها الله بمنطق الإيجاب والقبول العلني على مبدأ الإسلام، فإن التكوين الكيميائي الطبيعي للنفس البشرية التي ترسل، والنفس البشرية التي تستقبل تعطي نوراً وهو أمر طبيعي. وأوضحنا من قبل أن الإنسان حين يجد شاباً ينظر إلى إحدى محارمه، فهو يتغير وينفعل ويتمنى الفتك به، لكن إن جاء هذا الشاب بطريق الله المشروع وقال والد الشاب لوالد الفتاة: "أنا أريد خطبة ابنتك لابني" فالموقف يتغير وتنفرج الأسارير ويقام الفرح. إنها كلمة الله التي أثرت في التكوين الكيميائي للنفس وتصنع كل هذا الإشراق والبِشر، وإعلان مثل هذه الأحداث بالطبول والأنوار والزينات هو دليل واضح على أن هناك حاجة قد عملت وأحدثت في النفس البشرية مفعولها الذي أراده الله من الاتصال بالطريق النظيف الشريف العفيف. فكل اتصال عن غير هذا الطريق الشريف والعفيف لابد أن ينشأ عنه خلل في التكوين الإنساني يؤدي إلى أوبئة نفسية وصحية قد لا يستطيع الإنسان دفعها مثل ما هو كائن الآن. وعلى هذا فيكون قول الحق سبحانه: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [النساء: 15]. وكانت هذه مرحلة أولية إلى أن طبق الرسول إقامة الحد. ويقول الحق: {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما بيّن سبحانه وتعالى حكم الرجال والنساء في باب النكاح والميراث، بيّن حكم الحدود فيهن إِذا ارتكبن الحرام، ثم أعقبه بالتحدير عن عادات الجاهلية من ظلم النساء، وأكل مهورهن، وعدم معاملتهن المعاملة الإِنسانية الشريفة. اللغَة: {وَٱللاَّتِي} جمع التي على غير قياس {ٱلْفَاحِشَةَ} الفعلة القبيحة والمراد بها هنا الزنا {وَٱللَّذَانِ} تثنية الذي {ٱلتَّوْبَةُ} أصل التوبة الرجوع وحقيقتها الندم على فعل القبيح {كَرْهاً} بفتح الكاف بمعنى الإِكراه وبضمها بمعنى المشقة {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} تفسير : [الأحقاف: 15] {تَعْضُلُوهُنَّ} تمنعوهن يقال عضل المرأة إِذا منعها الزواج {بُهْتَاناً} ظلماً وأصله الكذب الذي يتحير منه صاحبه {أَفْضَىٰ} وصل إليها، وأصله من الفضاء وهو السعة {مِّيثَاقاً غَلِيظاً} عهداً شديداً مؤكداً وهو عقد النكاح. سَبَبُ النّزول: روي أن أهل الجاهلية كانوا إِذا مات الرجل جاء ابنه من غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله وألقى عليها ثوباً، فإِن شاء تزوجها بالصَّداق الأول وإِن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها فأنزل الله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً..}. التفسِير: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} أي اللواتي يزنين من أزواجكم فاطلبوا أن يشهد على اقترافهن الزنا أربعة رجال من المسلمين الأحرار {فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ} أي فإِن ثبتت بالشهود جريمتهن فاحبسوهن في البيوت {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} أي احبسوهنَّ فيها إِلى الموت {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} أي يجعل الله لهنَّ مخلصاً بما يشرعه من الأحكام قال ابن كثير: كان الحكم في ابتداء الإِسلام أن المرأة إِذا ثبت زناها بالبيِّنة العادلة حُبست في بيت فلا تُمكَّن من الخروج منه إِلى أن تموت، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} أي واللذان يفعلان الفاحشة والمراد به الزاني والزانية بطريق التغليب {فَآذُوهُمَا} أي بالتوبيخ والتقريع والضرب بالنعال {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} أي فإِن تابا عن الفاحشة وأصلحا سيرتهما فكفّوا عن الإِيذاء لهما {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} أي مبالغاً في قبول التوبة واسع الرحمة. قال الفخر الرازي: "خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الإِيذاء بالرجل لأن المرأة إِنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز فإِذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فإِنه لا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إِلى الخروج في إِصلاح معاشه واكتساب قوت عياله فلا جرم جعلت عقوبتهما مختلفة" {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} أي إِنما التوبة التي كتب الله على نفسه قبولها هي توبة من فعل المعصية سفهاً وجهالة مقدِّراً قبح المعصية وسوء عاقبتها ثم ندم وأناب {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي يتوبون سريعاً قبل مفاجأة الموت {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي يتقبل الله توبتهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بخلقه حكيماً في شرعه {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} أي وليس قبول التوبة ممن ارتكب المعاصي واستمر عليها حتى إِذا فاجأه الموت تاب وأناب فهذه توبة المضطر وهي غير مقبولة وفي الحديث "حديث : إِن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أي يموتون على الكفر فلا يُقبل إِيمانهم عند الاحتضار {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي هيأنا وأعددنا لهم عذاباً مؤلماً {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} أي لا يحل لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع ينتقل بالإِرث من إِنسان إِلى آخر وترثوهن بعد موت أزواجهن كرهاً عنهن قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إِذا مات الرجل كان أولياؤه أحقَّ بامرأته إِن شاءوا تزوجها أحدهم، وإِن شاءوا زوجوها غيرهم، وإن شاءوا منعوها الزواج {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} أي ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج أو تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما دفعتموه لهن من الصَّداق {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} أي إِلا في حال إِتيانهن بفاحشة الزنا وقال ابن عباس: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي صاحبوهن بما أمركم الله به من طيب القول والمعاملة بالإِحسان {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} أي فإِن كرهتم صحبتهن فاصبروا عليهن واستمروا في الإِحسان إِليهن فعسى أن يرزقكم الله منهن ولداً صالحاً تَقَرُّ به أعينكم، وعسى أن يكون في الشيء المكروه الخير الكثير وفي الحديث الصحيح "حديث : لا يَفْركْ "أي لا يبغض" مؤمنٌ مؤمنة إِن كره منها خُلُقاً رضي منها آخر" تفسير : ثم حذّر تعالى من أخذ شيء من المهر بعد الطلاق فقال {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} أي وإِن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أي والحال انكم كنتم قد دفعتم مهراً كبيراً يبلغ قنطاراً {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أي فلا تأخذوا ولو قليلاً من ذلك المهر {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} استفهام إِنكاري أي أتأخذونه باطلاً وظلماً؟ {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي كيف يباح لكم أخذه وقد استمتعتم بهن بالمعاشرة الزوجية؟ {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أي أخذن منكم عهداً وثيقاً مؤكداً هو "عقد النكاح" قال مجاهد: الميثاق الغليظ عقدة النكاح وفي الحديث "حديث : اتقوا الله في النساء فإِنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعاً من البيان والبديع وهي بإِيجاز كما يلي: 1- المجاز العقلي في قوله {يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} والمراد يتوفاهنَّ الله أو ملائكته. 2- الاستعارة في {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} استعار لفظ الميثاق للعقد الشرعي. 3- الجناس المغاير في {فَإِن تَابَا... تَوَّاباً} وفي {كَرِهْتُمُوهُنَّ... أَن تَكْرَهُواْ}. 4- المبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} لتعظيم الأمر والمبالغة فيه. فَائِدَة: كنّى الله تعالى عن الجماع بلفظ الإِفضاء {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} لتعليم المؤمنين الأدب الرفيع قال ابن عباس: "الإِفضاء في هذه الآية الجماعُ ولكنَّ الله كريم يكني". تنبيه: خطب عمر رضي الله عنه فقال: أيها الناس لا تغالوا في مهور النساء فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصدَقَ امرأة من نسائه ولا أحداً من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟ يقول تعالى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} فقال رضي الله عنه: أصابت امرأة وأخطأ عمر".

الجيلاني

تفسير : {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ} الفعلة القبيحة التي هي الزنا، وهن {مِن نِّسَآئِكُمْ} وفي حجركم ونكاحكم، فأُخبرتم بها - العياذ بالله - فعليكم في تلك الحالة ألاَّ تبادروا إلى رميها ورجمها، بل {فَٱسْتَشْهِدُواْ} اطلبوا الشهداء من المخبر؛ ليشهدوا {عَلَيْهِنَّ} بالزنا، والمعتبر أن يكون {أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} أي: من عدول، رجالكم، بشرط ألاَّ يسبق منهم تحبسس وترقب، بل وقع منهم النظر بغتة على سبيل الاتفاق، فيرون ما يرون، كالميل في المكحلة، مستكرهين، مستعجبين. {فَإِن شَهِدُواْ} هؤلاء الشهود على الوجه المعهود، فعليكم أيها المؤمنون، المستحفظون لحدود الله ألاَّ تضطروا، ولا تستعجلوا في مقتهنَّ وإخراجهنَّ، بل عليكم الإمساك {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ} التي أنتم فيها بلا مراودة إليهن؛ كيلا يلحق عليكم بالإخراج عار آخر، بل اتركوهن فيها {حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ} الطبيعي {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ} أي: يحكم الله {لَهُنَّ} أي: في حقهن {سَبِيلاً} [النساء: 15] حكماً مبرماً، هذا في بدء الإسلام، ثم نُسخ بآية الرجم والجلد. {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا } أي: الفعلة القبيحة التي هي اللواطة، وهما الآتي والمأتي {مِنكُمْ} أيها الرجال وهذا أفحش من الزنا؛ لخروج كلٍّ منهما عن حد الله، وانحطاطهما عن كمال الإنسان؛ لارتكابهما شئاً لا يقتضيه العقل والشرع بخلاف الزن، ولشناعها وخباثتها لم يعيِّن لها سبحانه حداً في كتابه المبيِّن لأخلاق الإنسان، كأن هؤلاء ليسوا من الإنسان، بل من البهائم، بل أسوأ حالاً منها، لذلك قال: {فَآذُوهُمَا} إيذاءً بليغاً، وتعزيزاً شديداً حتى يمتنعوا {فَإِن تَابَا} وامتنعا { وَأَصْلَحَا} ما أفسد بالتوبة والندامة {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} متغفرين لهما من الله، مستشفعين عنهما، غير موبخين ومقرعين عليهما {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لأحوال عباده المذنبين {كَانَ تَوَّاباً} لهم، يرجعهم عمَّا صدر عنهم نادمين {رَّحِيماً} [النساء: 16] يعفو عنهم. ثم قال سبحانه: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ} أي: ما التوبة المبرورة المقبولة إلا التوبة الناشئة من محض الندامة المتفرعة على تنبيه القلب عن قبيح المعصية، وهي المصححة، الباعثة {عَلَى} قبول {ٱللَّهِ} إياها، النافعة {لِلَّذِينَ} أي: للمؤمنين الذين {يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ} الفعلة الذميمة لا عن قصد وروية، بل {بِجَهَالَةٍ} عن قبحه ووخامة عاقبته {ثُمَّ} لمَّا تأملوا وأدركوا قبحها {يَتُوبُونَ} يبادرون إلى التوبة والرجوع {مِن} زمانٍ {قَرِيبٍ} أي: قبل الانتهاء إلى وقت الإلجاء {فَأُوْلَـٰئِكَ} التائبون، المبادرون على التوبة قبل حلول الأجل {يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} أي: يقبل توبتهم بعدما وفقهم عليها، ولقنهم بها {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع على ضمائرهم {عَلِيماً} بمعاصيهم في سابق علمه {حَكِيماً} [النساء: 17] في إلزام التوبة عليهم ليجبروا بها ما انكسروا على نفوسهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: النساء { اللاتي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } أي: الزنا، ووصفها بالفاحشة لشناعتها وقبحها. { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } أي: من رجالكم المؤمنين العدول. { فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ } أي: احبسوهن عن الخروج الموجب للريبة. وأيضا فإن الحبس من جملة العقوبات { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ } أي: هذا منتهى الحبس. { أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا } أي: طريقا غير الحبس في البيوت، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك حتى جعل الله لهن سبيلا وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن. { و } كذلك { الَّلذَانِ يَأْتِيَانِهَا } أي: الفاحشة { مِنْكُمْ } من الرجال والنساء { فَآذُوهُمَا } بالقول والتوبيخ والتعيير والضرب الرادع عن هذه الفاحشة، فعلى هذا يكون الرجال إذا فعلوا الفاحشة يؤذون، والنساء يحبسن ويؤذين. فالحبس غايته إلى الموت، والأذية نهايتها إلى التوبة والإصلاح، ولهذا قال: { فَإِنْ تَابَا } أي: رجعا عن الذنب الذي فعلاه وندما عليه، وعزما على أن لا يعودا { وَأَصْلَحَا } العمل الدال على صدق التوبة { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } أي: عن أذاهما { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } أي: كثير التوبة على المذنبين الخطائين، عظيم الرحمة والإحسان، الذي -من إحسانه- وفقهم للتوبة وقبلها منهم، وسامحهم عن ما صدر منهم. ويؤخذ من هاتين الآيتين أن بينة الزنا، لا بد أن تكون أربعة رجال مؤمنين، ومن باب أولى وأحرى اشتراط عدالتهم؛ لأن الله تعالى شدد في أمر هذه الفاحشة، سترًا لعباده، حتى إنه لا يقبل فيها النساء منفردات، ولا مع الرجال، ولا ما دون أربعة. ولا بد من التصريح بالشهادة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة، وتومئ إليه هذه الآية لما قال: { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } لم يكتف بذلك حتى قال: { فَإِنْ شَهِدُوا } أي: لا بد من شهادة صريحة عن أمر يشاهد عيانًا، من غير تعريض ولا كناية. ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} [15] 113- أخبرني شعيب بن يوسف، عن يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطَّان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني، خذوا غني، قد جعل الله لهنَّ سبيلا، البِكرُ بالبِكر جلد مائة ونفي سنة، والثَّيِّب بالثَّيِّب جلد مائة ورجم بالحجارة ".

همام الصنعاني

تفسير : 531- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة في قولِهِ عزَّ وجل: {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ}: [الآية: 15]، قال: نسختها الحدود. 535- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثّوري، عن صالح، عن الشعبي، في قوله تعالى: {ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ}: [الآية: 15]، قال: الزِّنا. 536- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا الثَّوري وقال غيره: الخروج من المعصية.