٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير {وَٱللَّذَانَ } و {أية : هـٰذان} تفسير : [الحج:19] مشددة النون، والباقون بالتخفيف، وأما أبو عمرو فانه وافق ابن كثير في قوله: {أية : فَذَانِكَ } تفسير : [القصص: 32] أما وجه التشديد قال ابن مقسم: إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين: أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن «الذي وهذا» مبنيان على حرف واحد وهو الذال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها، وقال غيره: سبب التشديد فيها ان النون فيها ليست نون التثنية، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنية، وقيل زادوا النون تأكيدا، كما زادوا اللام، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم، فكان استحقاقها العوض أشد. المسألة الثانية: الذين قالوا: ان الآية الأولى في الزناة قالوا: هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه؟ وذكروا فيه وجوها: الأول: أن المراد من قوله: {أية : وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } تفسير : [النساء: 15] المراد منه الزواني، والمراد من قوله: {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ } الزناة، ثم انه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الايذاء بالرجل، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فاذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى، فاذا تاب ترك إيذاؤه، ويحتمل أيضاً أن يقال إن الايذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة، والحبس كان من خواص المرأة، فاذا تابا أزيل الايذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة، وهذا أحسن الوجوه المذكورة. الثاني: قال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجل والنساء، وبالآية الأولى الثيب، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين. قالوا: ويدل على هذا التفسير وجوه: الأول: أنه تعالى قال: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ } فأضافهن إلى الأزواج. والثاني: أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب. والثالث: أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب. والرابع: قال الحسن: هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير: واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما. ثم نزل قوله: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ } تفسير : [النساء: 15] يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن، وهذا القول عندي في غاية البعد، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات. الخامس: ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره. والسادس: أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لا بد وأن يكونوا أربعة، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الامام والحد، فان تابا قبل الرفع إلى الامام فاتركوهما. المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه لا بد في تحقيق هذا الايذاء من الايذاء باللسان وهو التوبيخ والتعيير، مثل أن يقال: بئس ما فعلتما، وقد تعرضتما لعقاب الله وسخطه، وأخرجتما أنفسكما عن اسم العدالة، وأبطلتما عن أنفسكما أهلية الشهادة. واختلفوا في أنه هل يدخل فيه الضرب؟ فعن ابن عباس أنه يضرب بالنعال، والأول أولى لأن مدلول النص إنما هو الايذاء، وذلك حاصل بمجرد الايذاء باللسان، ولا يكون في النص دلالة على الضرب فلا يجوز المصير اليه. ثم قال تعالى: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } يعني فاتركوا ايذاءهما. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً } معنى التواب: أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب اليه من ذنبه، وأما قوله: {كَانَ تَوبَا } فقد تقدم الوجهُ فيه.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱللَّذَانَ} «اللَّذَانِ» تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيَان كرحيَان ومصطفيَان وشجيَان. قال سيبويه: حذفت الياء ليُفرق بين الأسماء المتمكنة والأسماء المبهمات. وقال أبو علي: حذفت الياء تخفيفاً، إذ قد أمِن اللبس في اللذان؛ لأن النون لا تنحذف، ونون التثنية في الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القومِ؛ فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. وقرأ ابن كثير «اللّذَانِّ» بتشديد النون، وهي لغة قريش؛ وعلّته أنه جعل التشديد عوضاً من ألف «ذا» على ما يأتي بيانه في سورة «القصص» عند قوله تعالى: { أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ } تفسير : [القصص: 32]. وفيها لغة أُخرى «اللّذَا» بحذف النون. هذا قول الكوفيين. وقال البصريون: إنما حذفت النون لطول الاسم بالصلة. وكذلك قرأ «هَذَانّ» و «فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ» بالتشديد فيهما. والباقون بالتخفيف. وشدّد أبو عمرو «فَذَانِّكَ بُرْهَانَانِ» وحدها. و «اللّذَانِ» رفع بالابتداء. قال سيبويه: المعنى وفيما يتلى عليكم اللذان يأتيانها، أي الفاحشة «مِنْكُمْ». ودخلت الفاء في «فَآذُوهُمَا» لأن في الكلام معنى الأمر؛ لأنه لما وُصِل الذي بالفعل تمكّن فيه معنى الشرط؛ إذ لا يقع عليه شيء بعينه، فلما تمكن الشرط والإبهام فيه جرى مجرى الشرط فدخلت الفاء، ولم يعمل فيه ما قبله من الإضمار كما لا يعمل في الشرط ما قبله؛ فلما لم يحسن إضمار الفعل قبلهما ليُنصَبا رُفعا بالابتداء؛ وهذا ٱختيار سيبويه. ويجوز النصب على تقدير إضمار فعل، وهو الاختيار إذا كان في الكلام معنى الأمر والنهي نحو قولك: اللذيْن عندك فأكرمهما. الثانية ـ قوله تعالى: {فَآذُوهُمَا} قال قتادة والسدي: معناه التوبيخ والتعيير. وقالت فرقة: هو السبّ والجفاء دون تعيير. ٱبن عباس: النيل باللسان والضرب بالنعال. قال النحاس: وزعم قوم أنه منسوخ. قلت: رواه ٱبن أبي نجيح عن مجاهد قال: {وَٱللَـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ} و {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا} كان فى أوّل الأمر فنسختهما الآية التي في «النور». قاله النحاس: وقيل وهو أولى: إنه ليس بمنسوخ، وأنه واجب أن يؤدّبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما وخالفتما أمر الله عز وجل. الثالثة ـ وٱختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: «وَاللاَّتِي» وقوله: «وَاللَّذَانِ» فقال مجاهد وغيره: الآية الأُولى في النساء عامّة محصناتٍ وغير محصناتٍ، والآية الثانية في الرجال خاصة. وبيّن لفظ التثنية صنفي الرجال من أحْصَن ومن لم يُحصن؛ فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذَى. وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصناف الزناة. ويؤيّده من جهة اللفظ قوله في الأُولى: «مِنْ نِسَائِكُمْ» وفي الثانية «مِنْكُمْ»؛ واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس. وقال السدي وقتادة وغيرهما: الأُولى في النساء المحصنات. يريد: ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البِكرين. قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه. وقد رجّحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد؛ لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة. وقيل: كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل؛ فخُصّت المرأة بالذِّكْر في الإمساك ثم جمعا في الإيذاء. قال قتادة: كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً؛ وهذا لأن الرجل يحتاج إلى السعي والاكتساب. الرابعة ـ واختلف العلماء أيضاً في القول بمقتضى حديث عبادة الذي هو بيان لأحكام الزناة على ما بيّناه: فقال بمقتضاه عليّ بن أبي طالب لا اختلاف عنه في ذلك، وأنه جلد شُرَاحَة الهمْدانية مائة ورجمها بعد ذلك، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بهذا القول الحسن البصري والحسن بن صالح بن حيّ وإسحاق، وقال جماعة من العلماء: بل على الثيب الرجم بلا جلد. وهذا يروى عن عمر وهو قول الزهريّ والنخعِيّ ومالك والثوريّ والأُوزاعيّ والشافعيّ وأصحاب الرأي وأحمد وأبي ثور؛ متمسّكين بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رجم ماعِزاً والغامِدية ولم يجلدهما، حديث : وبقوله عليه السلام لأُنَيْس: «اغد على ٱمرأةِ هذا فإن ٱعترفت فارجمها» تفسير : ولم يذكر الجلد؛ فلو كان مشروعاً لما سكت عنه. قيل لهم: إنما سكت عنه؛ لأنه ثابت بكتاب الله تعالى، فليس يمتنع أن يسكت عنه لشهرته والتنصيص عليه في القرآن؛ لأن قوله تعالى: { أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2] يعم جميع الزناة. والله أعلم. ويبين هذا فعل عليّ بأخذه عن الخلفاء رضي الله عنهم ولم ينكر عليه فقيل له: عملت بالمنسوخ وتركت الناسخ. وهذا واضح. الخامسة ـ واختلفوا في نفي البكر مع الجلد؛ فالذي عليه الجمهور أنه ينفى مع الجلد؛ قاله الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، وهو قول ابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، وبه قال عطاء وطاوس وسفيان ومالك وٱبن أبي ليلى والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال بتركه حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن. والحجة للجمهور حديث عُبادة المذكور، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، حديث العَسِيف وفيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما غنمك وجاريتك فرد عليك » تفسير : وجلد ٱبنه مائة وغرّبه عاماً. أخرجه الأئمة. ٱحتج من لم ير نفيه بحديث أبي هريرة في الأَمَةَ. ذكر فيه الجلد دون النفي. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب قال: غرّب عمر ربيعة بن أبي أُمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بِهَرْقل فتنصَّر؛ فقال عمر: لا أغرّب مسلماً بعد هذا. قالوا: ولو كان التغريب حَدّاً لله تعالى ما تركه عمر بعدُ. ثم إن النص الذي في الكتاب إنما هو الجلد، والزيادة على النص نسخ؛ فيلزم عليه نسخ القاطع بخبر الواحد. والجواب: أمّا حديث أبي هريرة فإنَّما هو في الإماء لا في الأحرار وقد صحّ عن عبد الله بن عمر أنه ضرب أَمَتَه في الزنا ونفاها. وأما حديث عمر وقوله: لا أغرب بعده مسلماً، فيعني في الخمر ـ والله أعلم ـ لما رواه نافع عن ابن عمر: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ضرب وغرّب، وأن أبا بكر ضرب وغرّب، وأن عمر ضرب وغرب. أخرجه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه عن أبي كريب محمد بن العلا الهمْدانِيّ عن عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع. قال الدارقطنيّ: تفرّد به عبد الله بن إدريس ولم يسنده عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النفي فلا كلام لأحد معه، ومن خالفته السنة خاصمته. وبالله التوفيق. وأما قولهم: الزيادة على النص نسخ، فليس بمسلّم، بل زيادة حكم آخر مع الأصل. ثم هو قد زاد الوضوء بالنبيذ بخبر لم يصح على الماء، واشترط الفقر في القُرْبَى؛ إلى غير ذلك مما ليس منصوصاً عليه في القرآن. وقد مضى هذا المعنى في البقرة ويأتي. السادسة ـ القائلون بالتغريب لم يختلفوا في تغريب الذكَر الحرّ، وٱختلفوا في تغريب العبد والأُمة؛ فممن رأى التغريب فيهما ٱبن عمر جلد مملوكة له في الزنا ونفاها إلى فَدَك وبه قال الشافعيّ وأبو ثور والثوري والطبريّ وداود. وٱختلف قول الشافعيّ في نفي العبد، فمرّة قال: أستخير الله في نفي العبد، ومرة قال: ينفى نصف سنة، ومرة قال: ينفى سنة إلى غير بلده؛ وبه قال الطبري. واختلف أيضاً قوله في نَفْي الأُمَة على قولين. وقال مالك: يُنفى الرجل ولا تُنفى المرأة ولا العبد، ومن نُفي حُبس في الموضع الذي ينفى إليه. وينفى من مصر إلى الحجاز وشَغْب وأسوان ونحوها، ومن المدينة إلى خيبر وفَدَك؛ وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز. ونفى عليّ من الكوفة إلى البصرة. وقال الشافعيّ: أقل ذلك يوم وليلة. قال ٱبن العربي: كان أصل النفي أن بني إسماعيل أجمع رأيهم على أن من أحدث حدثاً في الحرَم غُرِّب منه، فصارت سنّة فيهم يدينون بها؛ فلأجل ذلك ٱستنّ الناس إذا أحدث أحد حدَثا غُرِّب عن بلده، وتمادى ذلك في الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في الزنا خاصة. ٱحتج من لم ير النفي على العبد بحديث أبي هريرة في الأَمَّة؛ ولأن تغريبه عقوبة لمالكه تمنعه من منافعه في مدّة تغريبه، ولا يناسب ذلك تصرف الشرع، فلا يعاقب غير الجاني. وأيضاً فقد سقط عنه الجمعة والحج والجهاد الذي هو حق لله تعالى لأجل السيد؛ فكذلك التغريب. والله أعلم. والمرأة إذا غرِّبت ربما يكون ذلك سبباً لوقوعها فيما أخرجت من سببه وهو الفاحشة، وفي التغريب سبب لكشف عورتها وتضييع لحالها؛ ولأن الأصل منعها من الخروج من بيتها وأن صلاتها فيه أفضل. وقال صلى الله عليه وسلم: « حديث : اعروا النساء يلزمن الحِجال » تفسير : فحصل من هذا تخصيص عموم حديث التغريب بالمصلحة المشهود لها بالاعتبار. وهو مختلف فيه عند الأُصوليين والنظار. وشذت طائفة فقالت: يجمع الجلد والرجم على الشيخ، ويجلد الشاب؛ تمسكا بلفظ «الشيخ» في حديث زيد بن ثابت أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة » تفسير : خرّجه النسائي. وهذا فاسد؛ لأنه قد سماه في الحديث الآخر « حديث : الثيب 2 تفسير : . السابعة ـ قوله تعالى: {فَإِن تَابَا} أي من الفاحشة. {وَأَصْلَحَا} يعني العمل فيما بعد ذلك. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} أي ٱتركوا أَذاهما وتعييرهما. وإنما كان هذا قبل نزول الحدود. فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية. وليس المراد بالإعراض الهِجْرة، ولكنها متاركة معرض؛ وفي ذلك احتقار لهم بسبب المعصية المتقدّمة، وبحسب الجهالة في الآية الأُخرى. والله تَوَّابٌ أي راجع بعباده عن المعاصي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱللَّذَانَ } بتخفيف النون وتشديدها {يَأْتِيَٰنِهَا } أي الفاحشة: الزنا أو اللواط {مِّنكُمْ } أي الرجال {فَئَاذُوهُمَا } بالسبّ والضرب بالنعال {فَإِن تَابَا } منها {وَأَصْلَحَا } العمل {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } ولا تؤذوهما {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً } على من تاب {رَّحِيماً } به وهذا منسوخ بالحدّ إن أريد بها الزنا، وكذا إن أريد بها اللواط عند الشافعي لكنّ المفعول به لا يرجم عنده - وإن كان محصناً- بل يُجلد ويُغرّب، وإرادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير والأوّل قال أراد الزاني والزانية، ويردّه تبيينهما ب «من» المتصلة بضمير الرجال واشتراكهما في الأذى والتوبة والإعراض وهو مخصوص بالرجال لما تقدّم في النساء من الحبس.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالَّلذاَنِ} في الأبكار، أو في الثيب والأبكار، والمراد باللذين الرجل والمرأة، أو البكران من الرجال والنساء. {فَأَذُوهُمَا} بالتعيير والتوبيخ، أو بالتعيير والضرب بالنعال، وكلاهما منسوخ، أو الأذى مجمل فسره آية النور في الأبكار، والسنة في الثيب. ونزلت هذه الآية قبل الأولى فيكون الأذى أولاً ثم الحبس ثم الجلد أو الرجم، أو الأذى للأبكار والحبس للثيب. {تَابَا} من الفاحشة. {وَأَصْلَحَا} دينهما. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} بالصفح والكف عن الأذى.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واللذان} هو تثنية الذي {يأتيانها} يعني يأيتان الفاحشة {منكم} من رجالكم ونسائكم وقيل هما البكران اللذان لم يحصنا وهما غير المعنيين بالآية الأولى وقيل المراد بمن ذكر في الأولى النساء وهذه للرجال لأن الله تعالى حكم في الآية بالحبس في البيت على النساء وهو اللائق بحالهن لأن المرأة إنما تفعل الفاحشة عند الخروج فإذا حبست في البيت انقطعت مادة المعصية، وأما الرجل فلا يمكن حبسه في البيت لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه واكتساب قوت عياله فجعلت عقوبة الرجل الزاني الأذية بالقول والفعل {فآذوهما} يعني عيروهما بالقول باللسان وهو أن يقال له أما خفت الله أما استحيت من الله حين زنيت وقال ابن عباس: سبوهما واشتموهما وفي رواية عنه قال: هو باللسان واليد يؤذي بالتعيير ويضرب بالنعال {فإن تابا} يعني من الفاحشة {وأصلحا} يعني العمل فيما يأتي {فأعرضوا عنهما} أي اتركوهما ولا تؤذوهما {إن الله كان تواباً} يعني أنه تعالى يعود على عبده بفضله ومغفرته ورحمته إذا تاب إليه وهذا الحكم كان في ابتداء الإسلام كان حد الزاني الأذى بالتوبيخ والتعيير بالقول باللسان فلما نزلت الحدود وثبتت الأحكام نسخ ذلك الأذى بالآية التي في سورة النور وهي قوله تعالى: {أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} تفسير : [النور: 2] الآية فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً وكان قد أحصن وسواء في هذا الحكم المسلم واليهودي لأنه ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا وكانا قد أحصنا وقال أبو حنيفة: لا رجم على اليهودي لأن المشرك ليس بمحصن وأجيب عنه بأن المراد بهذا الإحصان إحصان العفاف لا إحصان الفرج.
ابن عادل
تفسير : {وَٱللَّذَانَ} الكلام عليه كالكلام على "اللاتي" إلاَّ أن في كلام أبي البقاء ما يوهمُ جواز الاشتغال فيه فإنه قال: الكلام في "اللذان" كالكلام في "اللاتي" إلاَّ أنَّ مَنْ أجاز النَّصب يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور، تقديره: أذُوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عَرِيَ من الضَّمير، لأنَّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله: "من أجاز النصب" يحتملُ من أجازه النَّصب المتقدِّم في "اللاتي" بإضمار فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو "اقصدوا" ويحتمل من أجاز النَّصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلاَّ ان هذا بعيدٌ؛ لأنَّ الآيتين من وادٍِ واحدٍ، فلا يُظَنُّ به أنَّهُ يمنع في إحداهما ويجيزُ في الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جرّ والفعلُ الَّذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في "يأتيانهما" للفاحشة. وقرأ عبد الله "يأتين بالفاحشة"، أي: يَجئْنَ، ومعنى قراءة الجمهور "يَغْشَيْنَها ويخالطنها". وقرأ الجمهور "واللذان" بتخفيف النُّون. وقرأ ابن كثير "واللذانِّ" هنا "واللذينِّ" في السجدة [آية 29] بتشديد النون، ووجهها جعل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن "الَّذي" مثل "القاضي"، و "القاضي" تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ ["ياء"] "الَّذي" و "الَّتي" أن تثبت في التثنية، ولكنهم حَذَفُوها، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهةً على هذا، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ. وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب. وقراءة ابن كثير في "حم" السجدة {أية : أَرِنَا ٱللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا} تفسير : [فصلت: 29] حجةٌ عليه. قال ابن مقسم: إنَّمَا شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين: أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر: أن "الّذي وهذا" مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذَّال، فأرادوا تقوية كل واحد منهما، بأن زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها. وقيل: سبب التّشديد فيها أنَّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية. وقيل: زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام. وقرئ: "اللَّذَأَنِّ" بهمزة وتشديد النون، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة [الآية: 7]. وقرأ عبد الله: {والذين يفعلونه منكم} وهذه قراءة مشكلة؛ لأنَّهَا بصيغة الجمع، وبعدها ضمير تثنية وَقَدْ يُتَكَلَّفُ تخريجٌ لها، وهو أنَّ "الذين" لَمَّا كان شاملاً لصنفي الذّكورِ والإناثِ عَادَ الضَّميرُ عليه مثنى اعتباراً بما انْدَرَجَ تحته، وهذا كما عاج ضَمِيرُ الجمع على المُثَنَّى الشّامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحْتَه، كقوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9]، و {أية : هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ} تفسير : [الحج: 19] كذا قاله أبو حيان. قال شهاب الدِّينِ: وفيه نظر، فإنَّ الفَرْقَ ثابتٌ، وذلك لأن "الطَّائفة" اسم لجماعة، وكذلك "خَصْم"؛ لأنَّهُ في الأصل مصدرٌ فأطلِقَ على الجمع. وأصل "فآذوهما" فآذِيُوهما، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَت الياء الّتي هي لام الكلمة وضُمَّ ما قبل الواوِ لِتَصِحَّ. فصل اختلفوا في وجهِ هذا التّكرير، فقال مُجَاهِدٌ: الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال، وَخُصَّ الحبسُ في البيتِ بالمرأة، وخُصَّ الإيذاء بالرجال؛ لأنَّ المرأة إنَما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية، وأمَّا الرَّجل فلا يمكن حبسه في البيت؛ لأنَّهُ يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله. وقيل: إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجُل والمرأة، والحبس كان من خواصّ المرأة. وقال السُّدِّيُّ: المرادُ بهذه الآية البكرُ من الرِّجال والنِّساء وبالآية الأولى للثيب لوجوه: الأوَّل: قوله: {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ} فأضافهن إلى الأزواج. الثَّاني: أنَّهُ سماهنَّ نساء، وهذا الاسم أليق بالثَّيب. الثالث: أنَّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثّيب. وقال أبو مسلم: الآية الأولى في السّحاقات، وهذه في أهل اللّواط، وقد تَقَدَّمَ. وقيل: إنَّهُ بَيَّن في الآية الأولى أنَّ الشهداء على الزِّنَا لا بدّ وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنَّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما. فصل قال عطاء وقتادة: قوله "فآذوهما" يعني فعيروهما باللسان: أما خِفْتَ اللَّهَ؟ أما استحييت من الله حين زنيت. وقال مُجَاهِدٌ: سبوهما واشتموهما. وقيل: يقال لهما: "بئس ما فعلتما" وخالفتما أمر اللَّه. وقال ابن عبَّاس: هو باللسان واليد يُؤذي بالتعيير وضرب النعال. قوله تعالى: {فَإِن تَابَا} أي: من الفاحشة {وَأَصْلَحَا} العمل فيما بعد {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ}، فاتركوهما ولا تؤذوهما، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} ومعنى التواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضاً فقال: {والّذان} وهو تثنية "الذي" وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء المتمكنة {يأتيانها منكم} أي من بكر أو ثيب، أو رجل أو امرأة، ويثبت ذلك بشهادة الأربعة - كما تقدم {فآذوهما} وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان وغيره آية الجلد وسنة الرجم {فإن تابا} أي بالندم والإقلاع والعزم على عدم العود {وأصحا} أي بالاستمرار على ما عزما عليه، ومضت مدة علم فيها الصدق في ذلك {فأعرضوا عنهما} أي عن أذاهما، وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر حتى يحصل الاستبراء، ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {كان تواباً} أي رجاعاً بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من المنزلة {رحيماً *} أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له، فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا المذنبين إذا تابوا، ولا يكن أذاكم لهم إلا لله ليرجعوا، وليكن أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه الإلهية، ويؤيده أن المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه "حديث : قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" تفسير : فالحديث مبين لما أجمل في الآية من ذكر السبيل. ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة، وكان الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في العواقب، وكان ذلك إنما هو في الشباب؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفاً بوقت التوبة وشرطها مرغباً في تعجيلها مرهباً من تأخيرها: {إنما التوبة} وهي رجوع العبد عن المعصية اعتذاراً إلى الله تعالى، والمراد هنا قبولها، سماه باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها، فكأنه لا حقيقة لها. ولما شبه قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها، لأنه لا يبدل القول لديه؛ عبر بحرف الاستعلاء المؤذن بالوجوب حثاً عليها وترغيباً فيها فقال: {على الله} أي الجامع بصفات الكمال {للذين يعملون السوء} أيَّ سوء كان من فسق أو كفر، وقال: {بجهالة} إشارة إلى شدة قبح العصيان، لا سيما الزنى من المشايخ، لإشعار السياق ترهيباً بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه "حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام الكذاب، والعائل المزهو "تفسير : وهو في مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر "تفسير : وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة، وذلك لأن حضور الموت بالقوة القريبة من الفعل وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره بالفعل، وذلك ينبغي أن يكون مذهباً لداعية الجهل، ماحقاً لعرامة الشباب، سواء قلنا: إن المراد بالجهالة ضد الحلم، أو ضد العلم؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي: قال أبو عبد الله - يعني القزاز: والجاهلية الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذاً من الجهل الذي هو ضد العلم والذي هو ضد الحلم, قال وأصل الجهل من قولهم: استجهلت الريح الغصن - إذا حركته، فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى. فالمعنى حينئذ: يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة وخفة أخرجتهم عن الحق والعلم, فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية الذين لا يعلمون، وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله: {ثم يتوبون} أي يجددون التوبة. ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال: {من} أي من بعض زمان {قريب} أي من زمن المعصية وهم في فسحة من الأجل، وذلك كناية عن عدم الإصرار إلى الموت، ولعله عبر بثم إشارة إلى بُعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية، لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر، ولذلك أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله - مسبباً عن توبتهم واعداً أنه فاعل ما أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء: {فأولئك} أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان {يتوب الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليهم} أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة القرب قبل مواقعة الذنب {وكان الله} أي المحيط علماً وقدرة {عليماً} أي بالصادقين في التوبة والكاذبين وبنياتهم، فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه حالهم {حكيماً} فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها، فمهما فعله لم يمكن نقضه. ولما بين سبحانه المقبول أتبعه المطرود فقال: {وليست التوبة} أي قبولها {للذين يعملون السيئات} أي واحدة بعد أخرى مصرين عليها فسقة كانوا أو كفرة، غير راجعين من قريب، بل يمهلون {حتى إذا حضر} ولما كان تقديم المفعول - على وجه يجوّز كل سامع وقوعه عليه - أهول، لكونه يصير مرتقباً حال فاعله، خائفاً من عاقبته قال: {أحدهم الموت} أي بأن وصل إلى حد الغرغرة، وهي حالة المعاينة {قال} أي بلسانه كفرعون، أو قلبه {إني تبت الآن} فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جداً بالتعبير بقريب {ولا الذين} أي وليست التوبة للذين {يموتون وهم كفار} حقيقة أو مجازاً، من غير أن يتوبوا، ولا عند الغرغرة، فسوى بين الفسق والكفر تنفيراً من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته، ولذلك جمعهما في العذاب بقوله - جواباً لمن كأنه قال: فما جزاء هذين الصنفين: {أولئك} أي البعداء من الرحمة، الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة، والذين ماتوا مصرين {أعتدنا} أي هيأنا وأحضرنا {لهم عذاباً} ولما كان تأخير التوبة لذة نفسانية ختم بقوله: {أليماً *} أي نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة المؤمنين، لأن توبتهم في تلك الحالة عدم، والميت من غير توبة من المؤمنين في المشيئة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {واللذان يأتيانها منكم...} الآية. قال: كان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير وضرب بالنعال. فأنزل الله بعد هذه الآية {أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تفسير : [النور: 2] وإن كانا محصنين رجما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد {واللذان يأتيانها منكم} قال: الرجلان الفاعلان. وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله {فآذوهما} يعني سبا. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {واللذان} يعني البكرين اللذين لم يحصنا {يأتيانها} يعني الفاحشة وهي الزنا {منكم} يعني من المسلمين {فآذوهما} يعني باللسان، بالتعيير والكلام القبيح لهما بما عملا، وليس عليهما حبس لأنهما بكران ولكن يعيران ليتوبا ويندما {فإن تابا} يعني من الفاحشة {وأصلحا} يعني العمل {فأعرضوا عنهما} يعني لا تسمعوهما الأذى بعد التوبة {إن الله كان توابا رحيما} فكان هذا يفعل بالبكر والثيب في أول الإسلام، ثم نزل حد الزاني فصار الحبس والأذى منسوخا، نسخته الآية التي في السورة التي يذكر فيها النور {أية : الزانية والزاني...} تفسير : [النور: 2]. وأخرج ابن جرير عن عطاء {واللذان يأتيانها منكم} قال: الرجل والمرأة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: ثم ذكر الجواري والفتيان الذين لم ينكحوا فقال {واللذان يأتيانها منكم...} الآية. فكانت الجارية والفتى إذا زنيا يعنفان ويعيران حتى يتركا ذلك. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} قال: عن تعييرهما.
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ} هما الزاني والزانيةُ تغليباً، قال السدي أُريد بهما البِكْران منهما كما ينبىء عنه كونُ عقوبتهِما أخفَّ من الحبس المخلّد وبذلك يندفع التكرارُ إلا أنه يبقى حكمُ الزاني المحصَنِ مبهماً لاختصاص العقوبةِ الأولى بالمحصنات، وعدمِ ظُهورِ إلحاقهِ بأحد الحكمين دلالةٌ لخفاء الشِرْكة في المناط {فَـآذُوهُمَا} أي بالتوبـيخ والتقريعِ، وقيل بالضرب بالنعال أيضاً والظاهرُ أن إجراءَ هذا الحكمِ أيضاً إنما يكون بعد الثبوتِ لكنْ ترك ذكره تعويلاً على ما ذكر آنفاً {فَإِن تَابَا} عما فعلا من الفاحشة بسبب ما لقيا من زواجرِ الأذيةِ وقوارعِ التوبـيخِ كما ينبىء عنه الفاء {وَأَصْلَحَا} أي أعمالهما {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} بقطع الأذيةِ والتوبـيخِ فإن التوبةَ والصلاحَ مما يمنع استحقاقَ الذمِّ والعقابِ. وقد جُوِّز أن يكون الخطابُ للشهود الواقفين على هَناتهما، ويراد بالإيذاء ذمُّهما وتعنيفُهما وتهديدُهما بالرفع إلى الولاة، وبالإعراض عنهما تُرك التعرُّضُ لهما بالرفع إليهم. قيل كانت عقوبةُ الفريقين المذكورين في أوائل الإسلامِ على ما مر من التفصيل ثم نُسخ بالحدّ لما روي أن النبـيّ عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : خُذوا عني خُذوا عني قد جعل الله لهن سبـيلاً الثيبُ تُرجم والبِكرُ تُجلد». تفسير : وقيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً وكانت عقوبةُ الزناةِ الطلقاءِ الأذى ثم الحبسُ ثم الجلدُ ثم الرجمُ، وقد جُوِّز أن يكون الأمرُ بالحبس غيرَ منسوخٍ بأن يُتركَ ذكرُ الحدِّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة ويوصىٰ بإمساكهن في البـيوت بعد إقامةِ الحدِّ صيانةً لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروجِ من البـيوت والتعرُّضِ للرجال. ولا يخفى أنه مما لا يساعده النظمُ الكريمُ وقال أبو مسلم وعزاه إلى مجاهد: إن الأولى في السّحّاقات وهذه في اللوّاطين وما في سورة النورِ في الزناة والزواني متمسكاً بأن المذكورَ في الأولى صيغةُ الإناثِ خاصةً وفي الثانية صيغةُ الذكورِ ولا ضرورةَ للمصير إلى التغليب على أنه لا إمكانَ له في الأولى ويأباه الأمرُ باستشهاد الأربعةِ فإنه غيرُ معهودٍ في الشرع فيما عدا الزنا {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً} مبالغاً في قبول التوبةِ {رَّحِيماً} واسعَ الرَّحمةِ وهو تعليلٌ للأمر بالإعراض. {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان أن قبولَ التوبةِ من الله تعالى ليس على إطلاقه كما ينبىء عنه وصفُه تعالى بكونه تواباً رحيماً بل هو مقيدٌ بما سينطِق به النصُّ الكريمُ، فقولُه تعالى التوبةُ مبتدأٌ وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء} خبرُه، وقولُه تعالى على الله متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ من الاستقرار، فإن تقديمَ الجارِّ والمجرورِ على عامله المعنويِّ مما لا نزاعَ في جوازه وكذا الظرفُ، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المبتدإ المستكنِّ فيما تعلق به الخبرُ على رأي من جوَّز تقديمَ الحالِ على عاملها المعنويِّ عند كونِها ظرفاً أو حرفَ جر كما سبق في تفسير قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ} تفسير : [آل عمران، الآية 97] وأيًّا ما كان فمعنى كونِ التوبةِ عليه سبحانه صدورُ القَبولِ عنه تعالى، وكلمةُ على للدِلالة على التحقق ألبتةَ بحكم جري العادةِ وسبْقِ الوعدِ حتى كأنه من الواجبات عليه سبحانه، وهذا مُراد مَنْ قال: كلمةُ على بمعنى مِنْ وقيل هي بمعنى عند، وعن الحسن يعني التوبةَ التي يقبلُها اللَّهُ تعالى وقيل هي التوبةُ التي أوجب اللَّهُ تعالى على نفسه بفضله قبولَها، وهذا يشير إلى أن قوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ} صفةٌ للتوبة بتقديرِ مُتعلَّقِه معرفةً على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أي إنما التوبةُ الكائنةُ على الله، والمرادُ بالسوء المعصيةُ صغيرةً كانت أو كبـيرة، وقيل الخبرُ على الله وقوله تعالى للذين متعلقٌ بما تعلق به الخبرُ أو بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في مُتعلَّق الخبر، وليس فيه ما في الوجه الأولِ من تقديم الحال على العامل المعنويِّ إلا أن الذي يقتضيه المقامُ ويستدعيه النظامُ هو الأولُ لما أن ما قبله من وصفه تعالى بكونه تواباً رحيماً إنما يقتضي بـيانَ اختصاصِ قبولِ التوبةِ منه تعالى بالمذكورين وذلك إنما يكونُ بجعل قولهِ تعالى للذين الخ خبراً، ألا ترى إلى قوله عز وجل: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ للَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَاتِ} تفسير : [النساء، الآية: 18] الخ فإنه ناطقٌ بما قلنا كأنه قيل إنما التوبةُ لهؤلاء لا لهؤلاء {بِجَهَالَةٍ} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يعملون أي يعملون السوءَ متلبّسين بها أي جاهلين سفهاءَ، أو بـيعملون على أن الباءَ سببـيةٌ أي يعملونه بسبب الجهالةِ لأن ارتكابَ الذنبِ مما يدعو إليه الجهلُ، وليس المرادُ به عدمَ العلمِ بكونه سوءاً بل عدمَ التفكرِ في العاقبة كما يفعله الجاهلُ قال قتادة: اجتمع أصحابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم فرأوْا أن كلَّ شيء عَصَىٰ به ربَّه فهو جهالةٌ عمداً كان أو خطأ. وعن مجاهد من عصى الله تعالى فهو جاهلٌ حتى ينزِعَ عن جهالته وقال الزجاج يعني بقوله (بجهالة) اختيارَهم اللذة الفانيةَ على اللذة الباقية {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي من زمان قريب وهو ما قبلَ حضورِ الموتِ كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} تفسير : [النساء، الآية: 18] الخ فإنه صريح في أن وقتَ الاحتضارِ هو الوقتُ الذي لا تقبل فيه التوبةُ فبقيَ ما وراءَه في حيِّز القَبول. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قبل أن ينزِلَ به سلطانُ الموتِ وعن الضحاك كلُّ توبةٍ قبل الموتِ فهو قريبٌ. وعن إبراهيمَ النَخَعيِّ: ما لم يُؤخَذْ بكَظَمِه وهو مجرى النفَس، وروى أبو أيوبَ عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : أن اللَّهَ تعالى يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغرغِرْ»تفسير : وعن عطاءٍ لو قبل موته بفُواق ناقة، وعن الحسن أن إبليسَ قال حين أُهبط إلى الأرض وعزتِك لا أفارق ابنَ آدمَ ما دام روحُه في جسده، فقال تعالى: "وعزتي لا أُغلق عليه بابَ التوبةِ ما لم يُغرغِرْ" ومن تبعيضيةٌ أي يتوبون بعضَ زمانٍ قريبٍ كأنه سُمِّي ما بـين وجودِ المعصيةِ وبـين حضورِ الموتِ زماناً قريباً ففي أي جُزءٍ تاب من أجزاء هذا الزمانِ فهو تائب {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما ذكر، وما فيه من معنى البُعد باعتبار كونِهم بانقضاء ذكرِهم في حكم البعيدِ، والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وما فيه من تكرير الإسنادِ لتقوية الحكم وهذا وعدٌ بقَبول توبتهم إثرَ بـيانِ أن التوبة لهم والفاءُ للدِلالة على سببـيتها للقَبول {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} مبالِغاً في العلم والحِكمةِ فيبني أحكامَه وأفعالَه على أساس الحِكمةِ والمصلحةِ والجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلَها، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ للإشعار بعلة الحُكمِ، فإن الألوهية أصلٌ لاتصافه تعالى بصفات الكمالِ.
القشيري
تفسير : الأمر بفنون العقوبات لهم على فعل ذلك أبلغ شيءٍ في الردع والمنع منه بالرفع، لعلّ العبد يحذر ذلك فلا يستحق التعذيب الأعظم.
الطوسي
تفسير : القراءة، واللغة: قرأ ابن كثير: {واللذان} بتشديد النون، وكذلك: "هذان" "وفذانك"، ووافقه أبوعمرو في: فذانك. الباقون بالتخفيف، قال أبو علي: من شدد النون فوجهه أنه عوض من الحذف الذي لحق الكلمة، لأن قولهم: (ذا) قد حذف لامها، وقد حذف الياء من اللذان في التثنية، لأن أصله اللذيان، فعوض عن ذلك التشديد، وفي العرب من يقول: اللذ بلا ياء، وفي التثنية اللذا، وفي الجمع اللذو، وللمرأة اللت، واللتا، واللات، بلا ياء، وطي تقول مكان الذي: ذو، ومكان التي: ذات. المعنى: والمعني بقوله: {اللذان} فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الحسن، وعطا: الرجل والمرأة، وقال السدي وابن زيد: هما البكران من الرجل والنساء، وقال مجاهد: هما الرجلان الزانيان، قال الرماني: قول مجاهد لا يصح، لأنه لو كان كذلك لم يكن للنثية معنى، لأنه إنما يجيء الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لأنه لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الذي يعم جميعهم، وأما التثنية فلا فائدة فيها، قال: والأول أظهر. قال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال:حديث : السحاق زناء النساء بينهن، ومباشرة الرجل للرجل زناء، ومباشرة المرأة للمرأة زناء،تفسير : قال: ولا يعرف في كلام العرب جمع بين الذكر والأنثى في لفظ التذكير إلا إذا تقدمه ما يدل عليه، كقوله: {أية : إن المسلمين والمسلمات}،تفسير : ثم قال: {أية : أعد الله لهم }تفسير : وإلى هذا التأويل في معنى الرجلين ذهب أهل العراق، فلا يحدون للوطي، وهذا قول بعيد، والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة الزنا، وأن الحكم المذكور في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك، والبلخي، والجبائي، والطبري، والزجاج، وغيرهم. وبعضهم قال: نسخها الحدود بالرجم أو الجلد. وقوله: {فآذوهما} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هو التعيير باللسان، والضرب بالنعال. وقال قتادة، والسدي، ومجاهد: هو التعيير والتوبيخ، فان قيل: كيف ذكر الاذى بعد الحبس؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها - قال الحسن إن هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن توضع في التلاوة بعد، فكان الأذى أولا، ثم الحبس، بعد ذلك، ثم نسخ الحبس بالجلد أو بالرجم. الثاني - قال السدي: انه في البكرين خاصة، دون الثيبين، والأولى في الثيبين دون البكرين. والثالث - قال الفراء: هذه الآية نسخت الاولى، قال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة، لأنها نسخت بالرجم أو الجلد، والرجم ثبت بالسنة، ومن خالف في ذلك يقول: هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، وأضيف إليه الرجم زيادة لا نسخاً، فلم يثبت نسخ القرآن بالسنة. فأما الأذى المذكور في الآية، فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويعنف، ويوبخ على فعله، ويذم. وإنما لا يقتصر عليه، فزيد في الأذى إقامة الحد عليه، وإنما نسخ الاقتصار عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} بزجر الرّجل وحبس المرأة {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} وخلّوا سبيلهما {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} يتوب على من تاب ويرحم على من ندم، ولمّا اوهم من نسبة وصف التّوبة والرّحمة اليه تعالى انّه يتوب على العاصى اىّ عاص كان استدركه فقال تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ}.
اطفيش
تفسير : {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا}: يأتيان الفاحشة. {مِنكُمْ}: يا أهل ملة التوحيد، وحكم المشرك فى المسألة حكم الموحد والمراد: الرجلان اللذان يلاوطان. {فَآذُوهُمَا}: بالكلام والتعبير بزناهما، والضرب الخفيف بنحو النعال إذ لا يمكن حبس الرجل حتى يتوفاه الموت لأنه يقوم على عياله بالكسب، فكان حده الإيذاء. {فَإِن تَابَا}: عن اللواط. {وَأَصْلَحَا}: عملا، الأعمال الصالحة، بأن كفا أنفسهما عن مجاورة من يدعو لذلك وممارسته، والتكليم بما يدعو لذلك والنظر المؤدى لذلك. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ}: عن إيذائهما إلى الستر عليهما، فيكون حكم الزانى بالمرأة غير مذكور فى السورة، إذ ذكر فى الآية الأولى: حبس النساء إذا زنين برجل، أو فى الثانية حكم المتلاوطين، فتأخر ذكر حكمه حتى نزل الجلد والرجم، ولا بأس بذلك، ولله تعجيل ما شاء وتأخير ما شاء. ويجوز أن يكون المراد باللذان يأتيانها: الإنسانين الذين يأتيانها الذكر مع ذكر أو الذكر مع الأنثى، فالأنثى تحبس كما ذكر فى الآية الأولى، وتزاد الإيذاء بهذه الآية والذكر يؤذى ثم كان الجلد والرجم وكان بالسنة قتل الملاوطين بالسيف، أو الرجم، أو بالرمى بهما من شاهق فيموتا، ولو لم يحصنا. وقال بعضهم: اللذان يأتيانها هما الرجل والمرأة يزنى كل منهما بالآخر، ثنيا باللذان تغليباً الذكر، والإيذاء بالتغريب والجلد، وهذا خلاف الظاهر لأنه قد أفرد النساء أولا، قيل: نزلت هذه الآية قبل الأولى واللذان مبتدأ خبره محذوف أى: مما يتلى عليكم اللذان، أى: حكم اللذان. وقيل: مبتدأ خبره جملة الأمر بعده والفاء فيها لشبه المبتدأ باسم الشرط فى العموم الإبهام. وقرأ ابن كثير {اللذان} بتشديد النون وتمكين الألف. وقرأ بتشديد النون وهمز الألف وبدأ بالرجل فى السرقة وبالأنثى فى الزنى لأن الرجل أقوى فى السرقة والمرأة أقوى فى الاحتيال فى الزنى، إذا أرادت. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}: هذه علة لقوله {فأعرضوا}.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِانِ} إعرابه إعراب اللاتى يأتين الفاحشة {يَأْتِيانِهَا} أى الفاحشة، زنى بامرأة أو لواط رجل بآخر {مِنكُمْ} من الرجال على التفسير باللواط، ومن المؤمنين والمؤمنات على التفسير بزنى رجل بامرأة، ويجرى الحكم على المشركين، ويدل للتفسير باللواط قوله منكم، فإنه يتبادر فيه مع قوله اللذان، فإن أصلهما الذكور لا الذكور والإناث معا، وكذا يأتيان، ويدل له أيضا أن حكم المرأة قد مر، وهو الإمساك فى البيت حتى تموت، أو يجعل الله لها سبيلا، والرجل لا يحبس فى ذلك لاحتياجه إلى الكسب خارجا لنفسه وعياله، بل يؤذى كما قال الله عز وجل {فَأذُوهُمَا} بالشتم والتعيير، ويقال له، أما خفت الله إذ زنيت، وبالضرب بما خف كالنعل، وذلك كله فى أول الإسلام تدريجا، ثم نسخ برجم المحصن وجلد غيره، وزعم الشافعى ان المفعول به لا يرجم ولو كان محصنا، بل يجلد ويغرب عاما، وقيل يقتلان بالسيف ولو لم يحصنا، وقيل يرجمان ولو لم يحصنا، ولا شىء على من لم يبلغ أو جن أو أكره وله العفو، وكذا لسيد الأمة أو العبد، ولو رضى العبد أو الأمة، لا إن رضى السيد،ولا رجم ولا جلد إلا بغيوب الحشفة {فِإن تَأبَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ} اتركوا أذاهما {إنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً} على التائب {رَّحِيماً} به أى أعرضوا عن إيذائهما لأنه تواب رحيم، وقيل قوله اللذان يأتيانها إلى قوله رحيما مقدم، تقدم نزوله على قوله: "أية : واللاتى يأتين" تفسير : [النساء: 15] إلى قوله "أية : سبيلا" تفسير : [النساء: 15] وأن عقوبة الزنى أولا الأذى ثم الحبس ثم الجلد.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ} هما الزاني والزانية بطريق التغليب، قاله السدي وابن زيد وابن جبير، أراد بهما البكران اللذان لم يحصنا، ويؤيد ذلك كون / عقوبتهما أخف من الحبس المخلد، وبذلك يندفع التكرار لكن يبقى حكم الزاني المحصن غير ظاهر. وقرأ ابن كثير {وَٱللَّذَانَ} بتشديد النون وهي لغة وليس مخصوصاً بالألف كما قيل بل يكون مع الياء أيضاً وهو عوض عن ياء الذي المحذوف إذ قياسه اللذيان والتقاء الساكنين هنا على حده كما في دابة وشابة {فَـئَاذُوهُمَا} أي بعد استشهاد أربعة شهود عليهما بالإتيان، وترك ذكر ذلك تعويلاً على ما ذكر آنفاً، واختلف في الإيذاء على قولين: فعن ابن عباس أنه بالتعيير والضرب بالنعال، وعن السدي وقتادة ومجاهد أنه بالتعيير والتوبيخ فقط {فَإِن تَابَا} عما فعلا من الفاحشة بسبب الإيذاء كما ينبىء عنه الفاء {وَأَصْلَحَا} أي العمل. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا} أي اصفحوا عنهما وكفوا عن أذاهما {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً} مبالغاً في قبول التوبة {رَّحِيماً} واسع الرحمة والجملة في معرض التعليل للأمر بالإعراض، والخطاب هنا للحكام، وجوز أن يكون للشهود الواقفين على فعلتهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى القضاة والجر إلى الولاة وفتح باب الشر عليهما، وبالإعراض عنهما ترك التعرض لهما بذلك، والوجه الأول هو المشهور، والحكم عليه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور أيضاً عند الحسن وقتادة والسدي والضحاك وابن جبير وغيرهم، وإلى ذلك ذهب البلخي والجبائي والطبري وقال الفراء: إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها، وهذا مما لا يتمشى على القول بأن المراد بالموصول البكران كما لا يخفى، وذهب أبو مسلم إلى أنه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقات وهن النساء اللاتي يستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور، وزيف هذا القول بأن لم يقل به أحد، وبأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدل على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك، وأيضاً جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقات لكانت العقوبة لهن اختلاط بعضهنّ ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دل ذلك على أن المراد ـ باللاتي يأتين الفاحشة ـ الزانيات، وأجاب أبو مسلم بأنه قول مجاهد ـ وهو من أكابر المفسرين المتقدمين ـ وقد قال غير واحد: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك على أنه تبين في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية فلذا اختلفوا، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجناً عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في قوة فامنعوهنّ عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حد، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده أيضاً لفظ منكم فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى: {أية : أَرْبَعةً مّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15] وأيضاً لو كان كل واحدة من الآيتين وارداً في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له، وأيضاً على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحد منهما مقرراً على حاله، وعلى ما قاله الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضاً على ما قالوه يكون الكتاب / خالياً عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمناً لذلك وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه: {أية : مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء}تفسير : [الأنعام: 38]، و {أية : تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء}تفسير : [النحل: 89] وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول لمجاهد، ففي «مجمع البيان» أنه حمل اللذان يأتيانها على الرجلين الزانيين، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه أنهما الفاعلان وهو ليس بنص على أنهما اللائطان على أن حمل {ٱللاَّتِى} في الآية الأولى على السحاقات لم نجد فيه عنه رواية صحيحة بل قد أخرجوا عنه ما هو ظاهر في خلافه، فقد أخرج آدم والبيهقي في «سننه» عنه في تلك الآية أنه كان أمر أن يحبس ثم نسختها {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ} تفسير : [النور: 2] وما ذكر من العلاوة مسلم لكن يبعد هذا التأويل أنه لا معنى للتثنية في الآية الثانية لأن الوعد والوعيد إنما عهدا بلفظ الجمع ليعم الآحاد أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس ولا نكتة للعدول عن ذلك هنا على تقرير أبـي مسلم بل كان المناسب عليه الجمع لتكون آية اللواطة كآية السحاق، ولا يرد هذا على ما قرره الجمهور لأن الآية الأولى عندهم للإناث الثيبات إذا زنين، والآية الثانية للذكر البكر والأنثى البكر إذا زنيا فغوير بين التعبيرين لقوة المغايرة بين الموردين، ويحتمل أيضاً أن تكون المغايرة على رأيهم للإيذان بعزة وقوع زنا البكر بالنسبة إلى وقوع زنا الثيب لأن البكر من النساء تخشى الفضيحة أكثر من غيرها من جهة ظهور أثر الزنا، وهو زوال البكارة فيها ولا كذلك الثيب، ولا يمكن اعتبار مثل هذه النكتة في المغايرة على رأي أبـي مسلم إذ لا نسلم أن وقوع اللواطة من الرجال أقل من وقوع السحاق من النساء بل لعل الأمر بالعكس، وكون مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حد اللوطي وكمية ذلك والإيذاء لا يصلح حداً ولا بياناً للكمية ـ ليس بشيء ـ كما يرشد إلى ذلك أن منهم من لم يوجب عليه شيئاً، وقال: تؤخر عقوبته إلى الآخرة، وبه أخذ الأئمة رضي الله تعالى عنهم على أنه أي مانع من أن يعتبر الإيذاء حداً بعد أن ذكر في معرض الحدّ وتفوض كيفيته إلى رأي الإمام فيفعل مع اللوطي ما ينزجر به مما لم يصل إلى حد القتل؛ وكون الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض في غاية الخفاء كما لا يخفى. نعم ما في حيز العلاوة مما لا بأس به، وما ذكر من أن التغليب خلاف الأصل مسلم لكنه في القرآن العظيم أكثر من أن يحصى، واعتباره في منكم تبع لاعتباره في اللذان وذكر مثله قبل بلا تغليب فيه ربما يؤيد اعتبار التغليب فيه ليغاير الأول فيكون لذكره بعده أتم فائدة ألا ترى كيف أسقط من الآية الثانية الاستشهاد مع اشتراطه إجماعاً اكتفاءاً بما ذكر في الآية الأولى لاتحاد الاستشهادين في المسألتين، ودعوى لزوم التكرار في الموضع الواحد على رأي الجمهور ليست في محلها على ما أشرنا إليه في تفسير الآية، ودعوى الاحتياج إلى التزام القول بالنسخ لا تضر لأن النسخ أمر مألوف في كثير من الأحكام، وقد نص عليه هنا جماعة من الصحابة والتابعين على أن في كون فرضية الحدّ نسخاً في الآية الأولى مقالاً يعلم مما قدمناه في البقرة، وإذا جعل {أية : أَوْ يَجْعَلَ} تفسير : [النساء: 15] الخ معتبراً في الآية الثانية إلا أنه حذف منها اكتفاءاً بما في الأولى كما يشير إلى ذلك خبر عبادة بن الصامت جرى المقال في الآيتين ولزوم خلو الكتاب عن بيان حكم السحاق واللواطة على رأي الجمهور دون رأيه في حيز المنع أما على تقدير تسمية السحاق واللواطة زنا فظاهر، وأما على تقدير عدم التسمية فلأن ذكر ما يمكن قياسهما عليه في حكم البيان لحكمهما، وكم حكم ترك التصريح به في الكتاب اعتماداً على القياس ـ كحكم النبيذ، وكحكم الجد وغيرهما ـ اعتماداً على بيان ما يمكن القياس عليه وذلك لا ينافي كونه تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء وأنه ما فرط فيه من شيء، / ومن ادعى أن جميع الأحكام الدينية مذكورة في القرآن صريحاً من غير اعتبار قياس، فقد ارتكب شططاً وقال غلطاً، وبالجملة المعول عليه ما ذهب إليه الجمهور، ويد الله تعالى مع الجماعة، ومذهب أبـي مسلم وإن لم يكن من الفساد بمحل إلا أنه لم يعوّل عليه ولم تحط رحال القبول لديه، وهذا ما عندي في تحقيق المقام وبالله سبحانه الاعتصام.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 16- والرجل والمرأة اللذان يزنيان وهما غير متزوجين فلهما عقوبة محدودة - إذا ثبت الزنا بشهادة شهود أربعة عدول - فإن تابا بعد العقوبة فلا تذكِّروهما بما ارتكبا ولا تعيِّروهما به، إن الله يقبل برحمته توبة التائبين. 17- إنما يقبل الله التوبة من الذين يرتكبون المعاصى والذنوب بجهل منهم لعاقبتها، ثم يبادرون بالتوبة قبل حضور الموت، فهؤلاء يقبل الله توبتهم وهو عليم لا يخفى عليه صدق التوبة، حكيم لا يخطئ فى تقدير الأحكام والأمور. 18- وليس قبول التوبة للذين يرتكبون الذنوب ويستمرون في ممارستها ولا يبادرون بالإقلاع عنها والندم عليها، إلى أن يحضر أحدهم الموت فيقول: إنى أعلن الندم والتوبة الآن، كما لا تقبل التوبة من الذين يموتون على الكفر، وقد أعد الله للفريقين عذاباً أليماً في دار الجزاء. 19- يا أيها الذين آمنوا لا يجوز لكم أن تجعلوا النساء كالمتاع، فترثوهن زوجات لكم من غير صداق، وهن كارهات، ولا تظلموهن بالتضييق عليهن لينزلن عن بعض ما آتيتموهن من مهور، ولا تضيقوا عليهن لتستردوا بعض ما آتيتموهن من مال إلا أن يرتكبن إثماً بيناً بنشوز أو سوء خلق أو فجور، فلكم أن تضيِّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق، وعليكم - أيها المؤمنون - أن تحسنوا عشرة نسائكم قولاً وعملاً فإن كرهتموهن لعيب فى الخَلْق أو الخُلُق أو غيرهما فاصبروا ولا تتعجلوا فراقهن فعسى أن يجعل الله فى المكروه لكم خيراً كثيراً، وعلم الأمور كلها عند الله.
القطان
تفسير : أما اللذان يرتكبان الزنا أو اللواط وهما غير متزوجين، فلتكن عقوبتهما الإيذاء بالتوبيخ والتأنيب بعد ثبوت ذلك بشهادة أربعة من الرجال. فإن تابا ورجعا وأصلحا عملهما فأعرِضوا عنهما ولا تذكّروهما بما ارتكبا أو تعيِّروهما به، لأن الله يقبل التوبة من عباده ويعفو عنهم برحمته الواسعة. وقال بعض المفسرين ان المراد باللاتي في أول الآية: من يأتين المساحقة، والمراد باللذان: من يأتيان اللواطة ثم عدلت العقوبة بعد ذلك. قراءات: قرأ ابن كثير "واللذان" بتشديد النون.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱللَّذَانَ} {يَأْتِيَانِهَا} {فَآذُوهُمَا} (16) - نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الرَّجُلَينِ إذا فَعَلاَ اللّوَاطَةَ، وَكَانَ الحُكْمُ أنَّهُ إذا ثَبَتَ الفِعْلُ عَلَى الرَّجُلينِ آذَاهُما المُسْلِمُونَ بِالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالتَّعْيِيرِ، وَهذا العِقَابُ يُنْزَلُ بِهِما إذا لَمْ يَتُوبا وَيُصْلِحَا، فَإنْ تَابَا وَأصْلَحَا عَمَلَهما وَغَيَّرا أحْوَالَهما، بِالإِقْبَالِ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ مِنْ أدْرَانِ المَعَاصِي التِي فَرَطَتْ مِنْهُما، فَيَأمُرُ اللهُ تَعَالَى بِالكَفِّ عَنْ إيْذَائِهِمَا بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، لأنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَى العَبْدِ التَّائِبِ، وَهُوَ وَاسِعُ الرَّحْمَةِ. وَبَقِيَ الحُكْمُ كَذَلِكَ حَتَّى نُسِخَ بِآيَةِ الجَلْدِ مِنْ سُورَةِ النُّورِ، وَبِالسُّنَّةِ فِي رَجْمِ المُحْصَنِ، (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حديث : مَنْ رَأيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِتفسير : ) (وَمِنَ المُفَسِّرينَ مَنْ قَالَ إنَّ المَقْصُودَ هُنا الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ اللّذَانِ يَرْتَكِبَانِ جَرِيمَةَ الزِّنى. فَإذا ثَبَتَ الفِعْلُ عَلَيْهِمَا، كَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ أنْ يُؤْذُوهُمَا بِالتَّوبِيخِ وَالتَّأنِيبِ، وَالأوَّلُ أظْهَرُ).
الثعلبي
تفسير : {وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ} يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة {مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} يعني من المسلمين {فَإِن شَهِدُواْ} عليها بالزنا { فَأَمْسِكُوهُنَّ} فأحبسوهن {فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت؛ وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} تفسير : [النور: 2]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ". تفسير : فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكماً وهو الإستشهاد {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ} يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: فهما البكران يزنيان {فَآذُوهُمَا} قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال. {فَإِن تَابَا} من الفاحشة {وَأَصْلَحَا} العمل فيما بعد {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ} ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة. روى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: حديث : إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟ فقال: "تكلم". فقال: إن ابني كان عسيفاً على هذا قال مالك: والعسيف الأجير فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردَّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاماً". وأمر أنيس الأسلمي أن يأتي إمرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها . تفسير : روى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرَّب مروان في إمارته. وروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله:حديث : أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنك مجنون؟ " قال: لا، قال: "أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم بالمصلّى، فلما أذاقته الحجارة فرَّ، وأدرك فرجمه حتى مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه خيراً ولم يصل عليه . تفسير : سليمان بن بريدة عن أبيه قال: حديث : جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: "ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه" قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي صلى الله عليه وسلم "ممَّ أطهرك؟ " قال: من الزنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك مجنون؟" وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: "أَشَرِبَ خمراً"، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أزنيت أنت؟ " قال: نعم فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم، وجاء النبي فقال: "استغفروا لماعز بن مالك"، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها" . تفسير : وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الإعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند،أقامه مقام صفة. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله للذين يعملون السوء بجهالة، اختلفوا في معنى الجهالة: فقال مجاهد والضحاك: هي العمد. وقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته. وقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قتادة: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أنّ كل شيء عُصيَ به ربّه فهو جهالة، عمداً كان أو غيره. وقال الزجاج: معنى قوله: {بِجَهَالَةٍ} اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام {أية : مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ} تفسير : [الأنعام: 54]، {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها. قال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت. عكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب. أبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت. أبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة. زيد بن أسلم عن عبد الرحمن (السلماني) قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم ". تفسير : قال الثاني: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم ". تفسير : قال الثالث: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة ". تفسير : فقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله عزّ وجلّ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه ". تفسير : خالد بن (سعدان) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه" ثم قال: "إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه" ثم قال: "إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه" ثم قال: "إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه" ثم قال: "إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يُغرغر بها تاب الله عليه ". تفسير : المسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أُفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله عزّ وجلّ: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر ". تفسير : وعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي ". تفسير : قال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت. {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني المعاصي {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} ووقع في النزع {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ} فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته {قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} موضع (الذين) خفض يعني ولا الذين يتوبون {وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي هيّئنا، والاسم منه العتاد. قال عدي بن الرقاع: شعر : تأتيه أسلاب الأعزة عنوة قسراً ويجمع للحروب عتادها تفسير : وقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد. وقال الشاعر الجعفي: شعر : حملوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} أي على كره منهن. قال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلاّ بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عضلها ومنعها من الازواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورتث من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبهُ فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن). وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: حديث : يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله" قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلاّ كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} تفسير : الآية. وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة. والباقون: بالفتح. قال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أُكره عليه فهو كَره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كُره بضم الكاف. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} كفعل أهل الجاهلية. وعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها. وقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون لهُ المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك، ثم قال: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فحينئذ يحل لكم أضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن، واختلفوا في الفاحشة: فقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلَّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز. جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: "حديث : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". تفسير : وقوله {مُّبَيِّنَةٍ} بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. قال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له. {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شيئا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون. مكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه عزّ وجلّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} ما لم يكن من قبلها نشوز ولا اتيان فاحشة {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} وهو المال الكثير، وقد مرَّ تفسيره {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أي من القنطار شيئاً {أَتَأْخُذُونَهُ} استفهام نهي وتوبيخ {بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتاناً وإثماً مبيناً، ثم قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} على معنى الاستعظام، كقوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28] {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}. قال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}. قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. مجاهد: هو كلمة النكاح التي يُستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته. الشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} عن عطاء الخراساني: حديث : قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وصهري" فلذلك رغبت فيها. فقال علي (رضي الله عنه): إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم . تفسير : وعن ابن سيرين: إن الحسن(رضي الله عنه) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم. وروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير النكاح أيسرهُ" وقال صلى الله عليه وسلم لرجل: "أترضى أن أُزوجك فلانة؟ " قال: نعم، قال للمرأة: "أترضين أن أزوجك فلاناً؟ " قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقاً ولم يعطها شيئاً، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقاً ولم أعطها شيئاً، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف. وعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار . تفسير : وبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم. حماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم. وعن غيلان بن جرير أن مطرفاً تزوج امرأة على عشرة ألف أواق. فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر عن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يُبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة. عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من يُمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها ". تفسير : قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها. سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مُذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أواق وهو أربعة دراهم. تفسير : ثابت البناني عن أنس: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: "ما هذا؟ " فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بارك الله لك أولم ولو بشاة" . تفسير : يقال: هي خمسة دراهم. وعن سهل بن سعد الساعدي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياماً طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل عندك من شيء تصدقها إياه؟" قال: ما عندي إلاّ إزاري هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئاً" فقال: ما أجد شيئاً. فقال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا و سورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "زوجتك بما معك من القرآن" . تفسير : وعن عبد الله بن عامر عن أبيه: حديث : أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرضيت مالك بهاتين النعلين؟" قال: نعم فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم . تفسير : وعن أبي حدرد الأسلمي قال: حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم استعينه في مهر امرأة فقال: "كم تصدقها؟ " قلت: مائتي درهم. فقال: "لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم" . تفسير : مسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أعطى في صداق ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل ". تفسير : وعن أبي سعيد الخدري: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بامرأة على عشرة دراهم . تفسير : أحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمرة عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين. وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من استحل بدرهم فقد استحل"تفسير : قال وكيع: في النكاح. وعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرَّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أصدقها سوطاً لحلت. المغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى تواب ورحيم، ونعرف أن صفة المبالغة بالنسبة لله لا تعني أن هناك صفة لله تكون مرة ضعيفة ومرة قوية، وكل صفات الله واحدة في الكمال المطلق. وقلت من قبل: إنني عندما أقول: "فلان أكاَّل" قد يختلف المعنى عن قولي: "فلان آكل"، فبمثل هذا القول أبالغ في وصف إنسان يأكل بكثرة، فهل هو يأكل كثيراً في الوجبة الواحدة، أو أن الوجبة ميزانها محدود لكن هذا الموصوف يعدد الوجبات، فبدلاً من أن يأكل ثلاث مرات فهو يأكل خمس مرات، عندئذ يقال له: "أكَّال"، أي أَنّه أكثر عدد الوجبات، وإن كانت كل وجبة في ذاتها لم يزد حجمها. أو هو يأتي في الوجبة الواحدة فيأكل أضعاف ما يأكله الإنسان العادي في الوجبة العادية، فيأكل بدلاً من الرغيف أربعة، فنقول: إنه "أكول"، إذن فصيغة المبالغة في الخلق إما أن تنشأ في قوة الحدث الواحد، وإما أن تنشأ من تكرار الحدث الواحد. إن قولك: "الله توَّاب" معناه أنه عندما يتوب على هذا وذاك وعلى ملايين الملايين من البشر، فالتوبة تتكرر. وإذا تاب الحق في الكبائر أليست هذه توبة عظيمة؟ هو تواب ورحيم لأنه سبحانه وتعالى يتصف بعظمة الحكمة والقدرة على الخلق والإبداع، وهو الذي خلق النفس البشرية ثم قنن لها قوانين وبعد ذلك جرم من يخالف هذه القوانين، وبعد أن جرم الخروج عن القوانين وضع عقوبة على الجريمة. والتقنين في ذاته يقطع العذر، فساعة أن قنن الحق لا يستطيع واحد أن يقول: "لم أكن أعلم"؛ لأن ذلك هو القانون، وحين يجرم فهذا إيذان منه بأن النفس البشرية قد تضعف، وتأتي بأشياء مخالفة للمنهج، فنحن لسنا ملائكة، وسبحانه حين يقنن يقطع العذر، وحين يجرم فهو إيذان بأن ذلك من الممكن أن يحدث. وبعد ذلك يعاقب، وهناك أفعال مجرمة، ولكن المشرِّع الأول لم يجرمها ولم يضع لها قانوناً، لا عن تقصير منه، ولكن التجريم يأتي كفرع. إن الله سبحانه قد قدر أن النفس البشرية قد تفعل ذلك، كالسرقة - مثلاً - إنه سبحانه وضع حداً للسرقة، وقد تضعف النفس البشرية فتسرق، أو تزني؛ لذلك فالحد موجود، لكن هناك أشياء لا يأتي لها بالتجريم والعقوبة، وكأنه سبحانه يريد أن يدلنا من طرف خفي على أنها مسائل ما كان يتصور العقل أن تكون. مثال ذلك اللواط، لم يذكر له حداً، لماذا؟ لأن الفطرة السليمة لا تفعله، بدليل أن اللواط موجود في البشر وغير موجود في الحيوان. لكن ليس معنى ألا يجرم الحق عملاً أنه لا يدخل في الحساب، لا، إنه داخل في الحساب بصورة أقوى؛ لأن التجريم والعقوبة على التجريم تدل على أن الفعل من الممكن أن يحدث، وحين يترك هذه المسألة بدون تجريم، فمعنى ذلك أن الفطرة السليمة لا يصح أن تفعلها، ولذلك لم يضع لها حداً أو تجريماً، وترك الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المكلف بالتشريع أن يضع حداً لهذه المسألة. إذن فعدم وجود نص على جريمة أو عقوبة على جريمة ليس معناه ألا يوجد حساب عليها، لا. هناك حساب، فقد تكون العقوبة أفظع، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بإلقاء الفاعل للواط والمفعول به من أعلى جبل. إن عقوبتهما أن يموتا بالإلقاء من شاهق جبل، إذن فالعقوبة أكثر من الرجم. وهكذا نعرف أن عدم التجريم وعدم التقنين بالعقوبة لأي أمر غير مناسب للعقل وللفطرة السليمة دليل على أَنَّ هذا الأمر غير مباح، والحق لم يترك تلك الأمور سكوتاً عنها، ولكن هو إيحاء من طرف خفي أن ذلك لا يصح أن يحدث، بدليل أنه لا تحدث في الحيوانات التي هي أدنى من الإنسان. وبعد ذلك قد يتعلل الإنسان الفاعل لمثل هذا القبح الفاحش بأنها شهوة بهيمية. نقول: يا ليت شهوتك المخطئة في التعبير عن نفسها بهيمية؛ لأن البهائم لا يحدث منها مثل ذلك الفعل أبداً، فلا أنثى الحيوانات تقترب من أخرى، وكذلك لا يوجد ذكر حيوان يقترب من ذكر آخر، وإذا ما حملت أنثى الحيوان فإنها لا تسمح لأي ذكر من الحيوانات بالاقتراب منها، إذن فالقبح الفاحش من المخالطة على غير ما شرع الله يمكن أن نسميها شهوة إنسانية، فالبهائم لا ترتكب مثل تلك الأفعال الشاذة. ومن يقول عن الشهوة إنها بهيمية فهو يظلم الحيوانات. والحق سبحانه وتعالى على الرغم من هذه الخطايا يوضح لنا: أنه التواب الرحيم، لماذا؟ انظر الحكمة في التوبة وفي قبولها، فلو لم تحدث معصية من الإنسان الذي آمن، لفقد التكليف ضرورته. معنى التكليف أنه عملية يزاحم الإنسان فيها نفسه ويجاهدها لمقاومة تنفيذ المعاصي أو لحملها على مشقة الطاعة. فمقاومة الإنسان للمعاصي خضوعاً للتكليف الإيماني دليل على أن التكليف أمر صحيح، اسمه "تكليف" وإلا لخلقنا الله كالملائكة وانتهت المسألة. وحين يشرع الله التوبة، فذلك يدل على أن الإنسان ضعيف، قد يضعف في يوم من الأيام أمام معصية من المعاصي، وليس معنى ذلك أن يطرده الله من عبوديته له سبحانه، بل هو يقنن العقوبة، وتقنين العقوبة للعاصي دليل على أنه سبحانه لم يُخرج الذي اختار الإسلام وعصى من حظيرة الإسلام أو التكليف، ولو فرضنا أن الحق سبحانه لم يقنن التوبة لصارت اللعنة مصير كل من يضعف أمام شهوة، ولصار العاصي متمرداً لا يأبه ولا يلتفت من بعد ذلك إلى التكليف، يَلِغُ في أعراض الناس ويرتكب كل الشرور. إذن فساعة شرع الله التوبة سدَ على الناس باب "الفاقدين" الذين يفعلون ذنباً ثم يستمرون فيه، ومع ذلك فسبحانه حين تاب على العاصي رحم من لم يعص إنه القائل: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً} [النساء: 16] ولو قال الحق إنه تواب فقط لأذنب كل واحد منا لكي يكون الوصف معه وقائم به لا محالة، ولكنه أيضاً قال: {تَوَّاباً رَّحِيماً} [النساء: 16] أي أنه يرحم بعضاً من خلقه فلا يرتكبون أي معصية من البداية. فالرحمة ألا تقع في المعصية. وبعد ذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى للتوبة: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ ...}
همام الصنعاني
تفسير : 532- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَم عَنْ قتادة في قوله تعالى: {وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ}: [الآية: 16]، قال: نَسَخْتَها الْحُدُودُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):