Verse. 510 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

اِنَّمَا التَّوْبَۃُ عَلَي اللہِ لِلَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ السُّوْۗءَ بِجَہَالَۃٍ ثُمَّ يَتُوْبُوْنَ مِنْ قَرِيْبٍ فَاُولٰۗىِٕكَ يَتُوْبُ اللہُ عَلَيْھِمْ۝۰ۭ وَكَانَ اللہُ عَلِــيْمًا حَكِـيْمًا۝۱۷
Innama alttawbatu AAala Allahi lillatheena yaAAmaloona alssooa bijahalatin thumma yatooboona min qareebin faolaika yatoobu Allahu AAalayhim wakana Allahu AAaleeman hakeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما التوبة على الله» أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله «للذين يعملون السوء» المعصية «بجهالة» حال أي جاهلين إذا عصوا ربهم «ثم يتوبون من» زمن «قريب» قبل أن يغرغروا «فأولئك يتوب الله عليهم» يقبل توبتهم «وكان الله عليما» بخلقه «حكيما» في صنعه بهم.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال الاذى عنهما، وأخبر على الاطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة وشرطها، ورغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت وهم مصرون فلا تنفعهم التوبة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } تفسير : [البقرة: 54] واحتج القاضي على أنه يجب على الله عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين: الأول: ان كلمة «على» للوجوب فقوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ } يدل على أنه يجب على الله عقلا قبولها. الثاني: لو حملنا قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول وهذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين ولا يلزم التكرار. واعلم أن القول بالوجوب على الله باطل، ويدل عليه وجوه: الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق الله تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، والأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، وهذا الذم محال الثبوت في حق الله تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق الله، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار وذلك باطل، وأما ان كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق الله تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الاله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم وذلك محال لا يقوله عاقل، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل. الحجة الثانية: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة وتركها إما أن يكون على السوية، أولا يكون على السوية، فان كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، وإن حدث عن العبد عاد التقسيم وإن حدث عن الله فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من الله تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وأما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك والفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، وإذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا وفسادا. الحجة الثالثة: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل، والندم والعزم من باب الكراهات والارادات، والكراهة والارادة لا يحصلان باختيار العبد، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر، فثبت أن القول بالوجوب باطل. الحجة الرابعة: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثراً في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل. فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين، فاذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة «على» وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } وبين قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ }. إن قيل: فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا. قلنا: الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للايقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع. أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. المسألة الثانية: أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } وفيه سؤالان: أحدهما: أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة، فعلى هذا: الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم الى التوبة، والسؤال الثاني: أن كلمة «إنما» للحصر، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة، وذلك بالاجماع باطل. والجواب عن السؤال الأول: أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها. والجواب عن السؤال الثاني: أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية، واذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى. واذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة. الأول: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: {أية : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [يوسف: 33] وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته:{أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ } تفسير : [يوسف: 89] وقال تعالى: {أية : يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَـٰلِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [هود: 46] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [البقرة: 67] وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: ياجاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الانسان مع العلم بكونهامعصية أو مع الجهل بذلك. والوجه الثاني: في تفسير الجهالة: أن يأتي الانسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه، وقد علمنا أن الانسان اذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز: انه جاهل بفعله. والوجه الثالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الانسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية، فانه على هذا التقدير يستحق العقاب، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي، فانه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز، وفي هذا الوجه على الحقيقة، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة، وأما الشرط الثاني فهو قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه: أحدها: أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب. وثانيها: للتنبيه على أن مدة عمر الانسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فانها محفوفة بطرفي الأزل والأبد، فاذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم. وثالثها: أن الانسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به، وما هذا حاله فانه يوصف بالقرب. فان قيل: ما معنى «من» في قوله: {مِن قَرِيبٍ }. الجواب: أنه لابتداء الغاية، أي يجعل مبتدأ توبته زمانا قريبا من المعصية لئلا يقع في زمرة المصرين، فأما من تاب بعد المعصية بزمان بعيد وقبل الموت بزمان بعيد فانه يكون خارجا عن المخصوصين بكرامة حتم قبول التوبة على الله بقوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } وبقوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } ومن لم تقع توبته على هذا الوجه فانه يكفيه أن يكون من جملة الموعودين بكلمة «عسى» في قوله: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 102] ولا شك أن بين الدرجتين من التفاوت ما لا يخفى. وقيل: معناه التبعيض، أي يتوبون بعض زمان قريب، كأنه تعالى سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتوبة فهو تائب من قريب، وإلا فهو تائب من بعيد. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذين الشرطين قال: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ }. فان قيل: فما فائدة قوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } بعد قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ }. قلنا: فيه وجهان: الأول: أن قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } إعلام بأنه يجب على الله قبولها، وجوب الكرم والفضل والاحسان، لا وجوب الاستحقاق، وقوله: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } إخبار بأنه سيفعل ذلك. والثاني: أن قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } يعني إنما الهداية الى التوبة والارشاد اليها والاعانة عليها على الله تعالى في حق من أتى بالذنب على سبيل الجهالة ثم تاب عنها عن قريب وترك الاصرار عليها وأتى بالاستغفار عنها. ثم قال: {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } يعني أن العبد الذي هذا شأنه اذا أتى بالتوبة قبلها الله منه، فالمراد بالأول التوفيق على التوبة، وبالثاني قبول التوبة. ثم قال: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } أي وكان الله عليما بأنه إنما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشهوة والغضب والجهالة عليه، حكيما بأن العبد لما كان من صفته ذلك، ثم إنه تاب عنها من قريب فانه يجب في الكرم قبول توبته.

القرطبي

تفسير : فيهما أربع مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} قيل: هذه الآية عامة لكل من عمل ذنباً. وقيل: لمن جهل فقط، والتوبة لكل من عمل ذنباً في موضع آخر. وٱتفقت الأُمة على أن التوبة فرض على المؤمنين؛ لقوله تعالى: { أية : وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [النور:31]. وتصح من ذنب مع الإقامة على غيره من غير نوعه ـ خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب. ولا فرق بين معصية ومعصية ـ هذا مذهب أهل السنة. وإذا تاب العبد فالله سبحانه بالخيار إن شاء قبلها، وإن شاء لم يقبلها. وليس قبول التوبة واجباً على الله من طريق العقل كما قال المخالف؛ لأن من شرط الواجب أن يكون أعلى رتبة من الموجب عليه، والحق سبحانه خالق الخلق ومالكهم، والمكلِّف لهم؛ فلا يصح أن يوصف بوجوب شيء عليه، تعالى عن ذلك، غير أنه قد أخبر سبحانه وهو الصادق في وعده بأنه يقبل التوبة عن العاصين من عباده بقوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ } تفسير : [الشورىٰ: 25.] وقوله: { أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } تفسير : [التوبة: 104]. وقوله: { أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } تفسير : [طه: 82] فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلاً؛ فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب. قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامّة الشروط فقال أبو المعالي؛ يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره: يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز. قال ابن عطية: وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه؛ وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ}. وإذا تقرّر هذا فأعلم أن في قوله «على الله» حذفا وليس على ظاهره، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده. وهذا نحو حديث : قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أتدري ما حق العباد على الله»؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أن يدخلهم الجنة» تفسير : ،. فهذا كله معناه: على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. دليله قوله تعالى: { أية : كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 12] أي وعد بها. وقيل: «على» ها هنا معناها «عند» والمعنى واحد، التقدير: عند الله، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها؛ وهي أربعة؛ الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره؛ فإذا اختلّ شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار، وقد تقدّم في «آل عمران» كثير من معاني التوبة وأحكامها. ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حَدّا؛ ولهذا قال علماؤنا: إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل: «على» بمعنى «من» أي إنما التوبة من الله للذين؛ قاله أبو بكر بن عبدوس، والله أعلم. وسيأتي في «التحريم» الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها. الثانية ـ قوله تعالى {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} السوء في هذه الآية، «والأنعام» { أية : أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ } تفسير : [الأنعام: 54] يعمّ الكفر والمعاصي؛ فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته. قال قتادة: أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمدا كانت أو جهلا؛ وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي. وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا: الجهالة هنا العمد. وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة؛ يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله. وهذا القول جار مع قوله تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } تفسير : [محمد: 36]. وقال الزجاج: يعني قوله «بِجَهَالَةٍ» اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. وقيل: «بجَهَالَةٍ» أي لا يعلمون كُنه العقوبة؛ ذكره ابن فورك. قال ابن عطية؛ وضُعِّف قوله هذا ورُدّ عليه. الثالثة ـ قوله تعالى {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} قال ابن عباس والسدّي: معناه قبل المرض والموت. وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب. وقال أبو مَجْلِز والضحاك أيضاً وعكرمة وابن زيد وغيرهم: قبل المعاينة للملائكة والسّوْق، وأن يُغلَب المرء على نفسه. ولقد أحسن محمود الوّراق حيث قال: شعر : قدّم لنفسك توبةً مَرجوّة قبل المماتِ وقبل حَبْس الألسُن بادِرْ بها غلق النفوسِ فإنها ذُخْرٌ وغُنم للمنِيبِ المحسن تفسير : قال علماؤنا رحمهم الله: وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت؛ لأن الرجاء باقٍ ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل. وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر » تفسير : . قال: هذا حديث حسن غريب. ومعنى ما لم يغرغر. ما لم تبلغ روحه حُلقُومه؛ فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به. قاله الهروي. وقيل: المعنى يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار. والمبادر في الصحة أفضل، وألْحَق لأمله من العمل الصالح. والبعد كلّ البعد الموتُ؛ كما قال. شعر : وأين مكان البعد إلا مكانيا تفسير : وروى صالح المُرّي عن الحسن قال؛ من عيّر أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله به. وقال الحسن أيضاً: إن إبليس لما هبط قال: بعزتك لا أفارق ابن آدم ما دام الرّوح في جسده. قال الله تعالى « حديث : فبعزتي لا أحجب التوبة عن ابن آدم ما لم تغرغر نفسه 2 تفسير : . الرابعة ـقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ} نفى سبحانه أن يدخل في حكم التائبين من حضره الموت وصار في حين اليأس؛ كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان؛ لأن التوبة في ذلك الوقت لا تنفع، لأنها حال زوال التكليف. وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجمهور المفسرين. وأما الكفار يموتون على كفرهم فلا توبة لهم في الآخرة، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو الخلود. وإن كانت الإشارة بقوله إلى الجميع فهو في جهة العصاة عذاب لا خلود معه؛ وهذا على أن السيئات ما دون الكفر؛ أي ليست التوبة لمن عمل دون الكفر من السيئات ثم تاب عند الموت، ولا لمن مات كافراً فتاب يوم القيامة. وقد قيل: إن السيئات هنا الكفر، فيكون المعنى وليست التوبة للكفار الذين يتوبون عند الموت، ولا للذين يموتون وهم كفار. وقال أبو العالية: نزل أوّل الآية في المؤمنين {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ}. والثانية في المنافقين. {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم. {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} يعني الشرق والنزع ومعاينة ملك الموت. {قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} فليس لهذا توبة. ثمّ ذكر توبة الكفار فقال تعالى {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي وجيعاً دائماً. وقد تقدم.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} أي إن قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته. {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ} متلبسين بها سفهاً فإن ارتكاب الذنب سفه وتجاهل، ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} من زمان قريب، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر»تفسير : وسماه قريباً لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى: {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 77] أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيطبع عليها فيتعذر عليهم الرجوع، و {مِنْ} للتبعيض أي يتوبون في أي جزء من الزمان القريب الذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت، أو يزين السوء. {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه بقوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة {حَكِيماً} والحكيم لا يعاقب التائب.

ابن كثير

تفسير : يقول سبحانه وتعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة، ثم يتوب، ولو قبل معاينة الملك يقبض روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأ أو عمداً، فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب، وقال قتادة عن أبي العالية: إنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، رواه ابن جرير. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي الله به، فهو جهالة، عمداً كان أو غيره. وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله، فهو جاهل حين عملها. قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح، نحوه. وقال أبو صالح عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته، وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}: مالم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب. ذكر الأحاديث في ذلك قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش، وعصام بن خالد، قالا: حدثنا ابن ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر» تفسير : رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، به، وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجه، عن عبد الله بن عمرو، وهو وهم، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. (حديث آخر) عن ابن عمر. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا عبدالله بن الحسن الخراساني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدثنا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح، قال: سمعت عبد الله بن عمر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه، وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلا قبل منه».تفسير : (حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن إبراهيم بن ميمونة، أخبرني رجل من ملحان يقال له: أيوب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: من تاب قبل موته بعام، تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر، تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة، تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم، تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة، تيب عليه، فقلت له: إنما قال الله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وأبو عمر الحوضي، وأبو عامر العقدي عن شعبة. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أحدهم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم»تفسير : ، فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم»تفسير : ، فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة»تفسير : ، قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر بنفسه»تفسير : . وقد رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني، فذكر قريباً منه. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقبل توبة عبده مالم يغرغر».تفسير : أحاديث في ذلك مرسلة قال ابن جرير: حدثنا محمد ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر»تفسير : ، هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله. وقد قال ابن جرير أيضاً رحمه الله: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر»تفسير : ، وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر مثله. (أثر آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك، وثم أبو قلابة، فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس، سأله النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله عز وجل: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» تفسير : فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل، وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذ، ولات حين مناص، ولهذا قال: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلآنَ} وهذا كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [غافر: 84] الآيتين، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىۤ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} تفسير : [الأنعام: 158] الآية، وقوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه، لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض. قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} قالوا: نزلت في أهل الشرك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: حدثني أبي عن مكحول: أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان: أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده مالم يقع الحجاب»تفسير : . قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: «حديث : أن تخرج النفس وهي مشركة»تفسير : ، ولهذا قال الله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} أي: موجعاً شديداً مقيماً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ } أي التي كتب على نفسه قبولها بفضله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوءَ } المعصية {بِجَهَالَةٍ } حال أي جاهلين إذ عصوا ربهم {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن } زمن {قَرِيب } قبل أن يغرغروا {فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } يقبل توبتهم {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } في صنعه بهم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} اختلف في المراد بالجهالة على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن كل ذنب أصابه الإِنسان فهو بجهالة، وكل عاص عصى فهو جاهل، وهو قول أبي العالية. والثاني: يريد يعملون ذلك عمداً، والجهالة العمد، وهو قول الضحاك، ومجاهد. والثالث: الجهالة عمل السوء في الدنيا، وهو قول عكرمة. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ثم يتوبون في صحتهم قبل موتهم، وقبل مرضهم، وهذا قول ابن عباس، والسدي. والثاني: قبل معاينة مَلَكِ الموت، وهو قول الضحاك، وأبي مجلز. والثالث: قبل الموت، قال عكرمة: الدنيا كلها قريب. وقد روى قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوبَةَ الْعَبْد ما لَمْ يُغَرْغِرْ ". تفسير : {وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ} إلى قوله: {وَهُمْ كُفَّارٌ} فيه قولان: أحدهما: وهو قول الجمهور أنها نزلت في عُصَاةِ المسلمين. والثاني: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول الربيع. فَسَوّى بين مَن لَمْ يتب حتى مات، وبين من تاب عند حضور الموت وهي [حالة] يعرفها مَنْ حَضَرها. ويحتمل أن يكون عند المعاينة في حال يعلم بها وإن منع من الإِخبار بها.

ابن عطية

تفسير : {إنما} حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبداً، ققد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله تعالى: {أية : إنما الله إله واحد} تفسير : [النساء:171] وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه الحصر، كقوله: إنما الشجاع عنترة فيبقى الحصر في مقصد المادح، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق هذه الصفة للموصوف بمبالغة، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة، وهي في عرف الشرع: الرجوع من شر إلى خير، وحد التوبة: الندم على فارط فعل، من حيث هو معصية الله عز وجل، وإن كان الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة معه، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى شرط العزم على الترك، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمة، والإجماع هي القرينة التي حمل بها قوله تعالى: {أية : وتوبوا إلى الله جميعاً} تفسير : [النور:31] على الوجوب، وتصح التوبة من ذنب من الإقامة على غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب، وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب، فإن التوبة الأولى طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة، والإيمان للكافر ليس نفس توبته، وإنما توبته ندمه على سالف كفره، وقوله تعالى: {على الله} فيه حذف مضاف تقديره: على فضل الله ورحمته لعباده، وهذا نحوحديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سكت قليلاً، ثم قال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يدخله الجنةتفسير : ، فهذا كله إنما معناه: ما حقهم على فضل الله ورحمته، والعقيدة: أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلاً، لكن إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعاً، فمن ذلك تخليد الكفار في النار، ومن ذلك قبول إيمان الكافر، والتوبة لا يجب قبولها على الله تعالى عقلاً، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب، قال أبو المعالي وغيره: فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعاً على الله بقبول التوبة. قال القاضي أبو محمد: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى، فإذا فرضنا رجلاً قد تاب توبة نصوحاً تامة الشروط، فقول أبي المعالي يغلب على الظن قبول توبته، وقال غيره: يقطع على الله تعالى بقبول توبته، كما أخبر عن نفسه عز وجل. قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله تعالى: {أية : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} تفسير : [الشورى:25] وقوله {أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن} تفسير : [طه:82] و {السوء} في هذه الآية يعم الكفر والمعاصي، وقوله تعالى: {بجهالة} معناه: بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، وليس المعنى أن تكون " الجهالة" أن ذلك الفعل معصية، لأن المعتمد للذنوب كان يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعاً، وبما ذكرته في " الجهالة" قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عنهم أبو العالية، وقال قتادة: اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمداً كانت أو جهلاً، وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: " الجهالة" هنا العمد، وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها " جهالة". قال القاضي أبو محمد: يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله، وهذا المعنى عندي جار مع قوله تعالى: {أية : إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} تفسير : [محمد:36، الحديد:20] وقد تأول قول عكرمة بأنه للذين يعملون السوء في الدنيا. قال القاضي أبو محمد: فكأن " الجهالة" اسم للحياة الدنيا، وهذا عندي ضعيف، وقيل {بجهالة}، أي لا يعلم كنه العقوبة، وهذا أيضاً ضعيف، ذكره ابن فورك ورد عليه، واختلف المتأولون في قوله تعالى: {من قريب} فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك قبل المرض والموت، وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق، وأن يغلب المرء على نفسه، وروى أبو قلابة، أن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر، قال: وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح. قال القاضي أبو محمد: فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة، والجمهور حددوا آخر وقتها، وقال إبراهيم النخعي: كان يقال: التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بكظمه، وروى بشير بن كعب والحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله . تفسير : قال القاضي أبو محمد: لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف، فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك، وقوله تعالى: {من قريب} إنما معناه: "من قريب" إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها قريب، والمبادر في الصحة أفضل، والحق لأمله من العمل الصالح، والبعد كل البعد الموت، ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل] شعر : وأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إلاّ مَكَانِيَا تفسير : وقوله تعالى: {وكان الله عليماً حكيماً} أي بمن يتوب وييسره هو للتوبة حكيماً فيما ينفذه من ذلك، وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك. ثم نفى بقوله تعالى: {وليست التوبة} الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين، وقاله الربيع: الآية الأولى قوله: {إنما التوبة على الله} هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله: {وليست التوبة} الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} تفسير : [النساء:48، 116] فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة. قال القاضي أبو محمد: وطعن بعض الناس في هذا القول بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ. وهذا غير لازم، لأنه الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: {أية : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} تفسير : [البقرة:284] ونحو قوله تعالى: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} تفسير : [سورة الأنفال:65] وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، فنحتاج أن نقول، إن قوله: {أية : ويغفر ما دون ذلك} تفسير : [النساء:48، 116] نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائباً من لم يتب إلا مع حضور الموت، فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعاً، لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوي الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه وأعلم الله تعالى أيضاً أن {الذين يموتون وهم كفار} فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة، وقوله تعالى: {أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً} إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فقط، فالعذاب عذاب خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود معه، و {أعتدنا} معناه: يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار مخلوقة بعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِجَهَالَةٍ} كل عاص جاهل، أو الجهالة: العمد، أو عمل السوء في الدنيا {قَرِيبٍ} في صحته قبل مرضه، أو قبل موته، أو قبل معاينة ملك الموت. والدنيا كلها قريب.

الخازن

تفسير : قوله تعالى {إنما التوبة على الله} يعني التوبة التي يقبلها الله تعالى فيكون على بمعنى عند وقيل على بمعنى من أي من الله وقال أهل المعاني إن الله تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة وإذا وعد الله شيئاً أنجز ميعاده وصدق فيه فمعنى قوله على الله أوجب على نفسه من إيجاب أحد عليه لأنه تعالى يفعل ما يريد {للذين يعلمون السوء} يعني الذنوب والمعاصي سميت سوءاً لسوء عاقبتها إذا لم يتب منها {بجهالة} قال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل شيء عصى الله به فهو جهالة عمداً كان أو غيرهن وكل من عصى الله فهو جاهل. وقال ابن عباس: من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء فكل من عصى الله سمي جاهلاً وسمي فعله جهالة وإنما سمي من عصى الله جاهلاً لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب وإذا لم يستعمل ذلك سمي جاهلاً وسمي فعله جهالة وإنما سمي من عصى الله جاهلاً لأنه لم يستعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب وإذا لم يستعمل ذلك سمي جاهلاً بهذا الاعتبار وقيل معنى الجهالة أن يأتي الإنسان بالذنب مع العلم بأنه ذنب لكنه يجهل عقوبته وقيل معنى الجهالة هو اختيار اللذة الفانية على اللذة الباقية {ثم يتوبون من قريب} يعني يتوبون بعد الإقلاع عن الذنب بزمان قريب لئلا يعد في زمرة المصرين وقيل القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته وقيل قبل موته وقيل قبل معاينة ملك الموت ومعاينة أهوال الموت وإنما سميت هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه تنبيه على أن عمر الإنسان وإن طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ولحظة نزول الموت به عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" تفسير : أخرجه الترمذي. الغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيردده في الحلق ولا يصل إليه ولا يقدر على بلعه وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم. وروى البغوي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم" تفسير : فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني وقيل في معنى الآية إن القريب هو أن يتوب الإنسان قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها {فأولئك يتوب الله عليهم} يعني يقبل توبتهم {وكان الله عليماً حكيماً} قال ابن عباس: علم ما في قلوب عباده المؤمنين من التصديق واليقين فحكم بالتوبة قبل الموت ولو بقدر فواق ناقة وقيل في معنى الآية علم أنه إنما أتى بتلك المعصية باستيلاء الشهوة والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوءَ بِجَهَـٰلَةٍ...} الآية. قال * ص *: التوبةُ: مبتدأٌ؛ علَىٰ حذفِ مضافٍ، أي: قَبُولُ التوبةِ. انتهى. قال * ع *: «إنَّمَا»: حاصرةٌ، وهو مَقْصد المتكلِّم بها أبداً، فقد تصادِفُ من المعنَىٰ ما يقتضي العَقْلُ فيه الحَصْر؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ} تفسير : [النساء:171]، وقد لا تصادف ذلك؛ كقوله: «إنَّمَا الشُّجَاعُ عَنْتَرَةُ»، وهي في هذه الآية حاصرةٌ؛ إذ ليستِ التوبةُ إلا لهذا الصِّنْف المذكور، وتصحُّ التوبة، وإن نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حَالٍ بمعاودَةِ الذنْبِ، فإنَّ التوبة الأولَىٰ طاعةٌ قد ٱنقضَتْ وصحَّت، وهو محتاجٌ بعد مواقعة الذَّنْب إلى توبةٍ أُخْرَىٰ مستأنَفَةٍ، وتصحُّ أيضاً التوبةُ من ذَنْب مع الإقامة علَىٰ غيره من غير نَوْعِهِ، خلافاً للمُعْتَزِلَة في قولهم: لا يكُونُ تائباً مَنْ أقام علَىٰ ذَنْب. وقوله تعالى: {عَلَى ٱللَّهِ}، أي: علَىٰ فَضْلِ اللَّه ورحْمتِهِ لعبادِهِ، وهذا نَحْوُ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ»تفسير : ، إنما معناه: ما حقُّهم علَىٰ فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، والعقيدةُ أنَّه لا يجبُ على اللَّه تعالَىٰ شيْءٌ عقلاً، و {ٱلسُّوءَ}؛ في هذه الآية: يعمُّ الكُفْرَ والمعاصِيَ، وقوله تعالى: {بِجَهَالَةٍ}: معناه: بسفاهةٍ، وقلَّةِ تحصيلِ أَدَّىٰ إلى المعصية، وليس المعنَىٰ أنْ تكونَ الجَهَالَةُ بِأنَّ ذلِك الفِعْلَ معصيةٌ؛ لأنَّ المتعمِّد للذُّنوبِ كان يَخْرُجُ من التَّوْبَةِ، وهذا فاسدٌ إجماعاً، وما ذكرتُهُ في الجَهَالة قاله أصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ذَكَرَ ذلك عَنْهم أبو العَالِيَةِ، وقال قتادةُ: ٱجتمع أصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم علَىٰ أنَّ كلَّ مَعْصِيَةٍ، فَهِيَ بِجَهَالَةٍ، عَمْداً كانَتْ أو جهلاً؛ وقال به ابنُ عَبَّاس، ومجاهد، والسُّدِّيُّ، وروي عن مجاهدٍ والضَّحَّاك؛ أنهما قالا: الجَهَالَةُ هنا العَمْد، وقال عِكْرِمَةُ: أمور الدنيا كلُّها جهالة. قال * ع *: يريد الخاصَّة بها الخارِجَةَ عَنْ طاعة اللَّه سبحانه، وهذا المعنَىٰ عندي جَارٍ مع قوله تعالى: {أية : أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} تفسير : [الحديد:20]. واختلف المتأوِّلون في قوله تعالى: {مِن قَرِيبٍ}. فقال ابن عبَّاس والسُّدِّيُّ: معنى ذلك: قَبْلَ المَرَضِ والموتِ، وقال الجمهورُ: معنى ذلك قَبْلَ المعايَنَةِ للملائِكَةِ والسَّوْق، وأن يُغْلَبَ المَرْءُ علَىٰ نفسه، وروى أبو قِلاَبَةَ؛ أنَّ اللَّه تعالَىٰ لَمَّا خَلَقَ آدم فَرَآهُ إبْلِيسُ أَجْوَفَ، ثُمَّ جَرَىٰ لَهُ مَا جَرَىٰ، ولُعِنَ وَأُنْظِرَ، قَالَ: وَعِزَّتِكَ، لاَ بَرِحْتُ مِنْ قَلْبِهِ، مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ، فقَالَ اللَّه تعالَىٰ: «حديث : وَعِزَّتِي لاَ أَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْبَةَ مَا دَام فِيهِ الرُّوحُ».تفسير : قال * ع *: فابنُ عبَّاس (رضي اللَّه عنه) ذكَرَ أحسن أوقاتِ التوبة، والجمهورُ حَدُّوا آخر وقتها، وروى بَشِيرُ بْنُ كَعْب، والحَسَنُ؛ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : إنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ، وَيُغْلَبْ عَلَىٰ عَقْلِهِ».تفسير : قال * ع *: لأنَّ الرجاءَ فيه باقٍ، ويصحُّ منه النَّدَمِ والعَزْم على التركِ، وقوله تعالى: {مِن قَرِيبٍ}، إنما معناه: مِنْ قريبٍ إلَىٰ وقْت الذَّنْبِ، ومُدَّةُ الحياةِ كلِّها قريبٌ، والمبادرةُ في الصِّحَّة أفضلُ، قلت: بل المبادرة واجبَةٌ. وقوله تعالى: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً}، أي: بمَنْ يتوبُ، ويُيَسِّره هو سبحانه للتَّوْبَة {حَكِيماً}: فيما ينفذه من ذلكَ، وفي تَأْخِيرِ من يُؤَخِّر حتَّىٰ يَهْلِكَ، ثم نَفَىٰ بقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ...} الآية: أنْ يدخُلَ في حُكْم التائبين مَنْ حضره موتُهُ، وصار في حَيِّز اليأس؛ كما كان فرعونُ حِينَ صار في غَمْرة المَاءِ، والغَرَقِ، فلم ينفعْهُ ما أظهره من الإيمان؛ وبهذا قال ابنُ عَبَّاس وجماعةُ المفسِّرين. قال * ع *: والعقيدةُ عندي في هذه الآيات: أن مَنْ تاب مِنْ قريبٍ، فله حُكْمُ التائب، فَيَغْلِبُ الظَّنُّ عليه؛ أنه ينعَّم ولا يعذَّب؛ هذا مذهبُ أبي المَعَالِي وغيره. وقال غيرهم: بل هو مغفُورٌ له قطعاً لإخبار اللَّه تعالى بذلك، وأبو المَعَالِي يجعل تلْكَ الأخبار ظَوَاهِرَ مشروطةً بالمَشِيئَةِ، ومَنْ لَم يَتُبْ حتَّىٰ حضره المَوْت، فليس في حُكْم التائبين، فإنْ كان كافراً، فهو يخلَّد، وإن كان مؤمناً، فهو عاصٍ في المشيئة، لكنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عليه، ويَقْوَى الظنُّ في تعذيبه، ويُقْطَعُ من جهة السمْع؛ أنَّ مِنْ هذه الصَّنِيفَةِ مَنْ يَغْفِرُ اللَّه تعالى لَهُ؛ تفضُّلاً منه لا يعذِّبه. وأَعْلَمَ اللَّه تعالَىٰ أيضاً؛ أنَّ الذين يموتُونَ، وهم كفَّار؛ فلا مُستعْتَبَ لهم، ولا توبةَ في الآخِرَةِ. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: إنْ كانتِ الإشارة إلى الذين يموتُونَ، وهم كفَّار، فقَطْ، فالعذَابُ عذَابُ خلودٍ مؤبَّد، وإنْ كانَتِ الإشارة إليهم وإلى مَنْ ينفذ علَيْه الوعيدُ مِمَّنْ لا يتُوبُ إلاَّ مع حضورِ المَوْت، فهو في جهة هؤلاءِ عَذَابٌ لا خلود معه، {وَأَعْتَدْنَا} معناه: يسَّرناه وأحْضَرْناه.

ابن عادل

تفسير : قد تقدَّمَ الكلام على {إِنَّمَا} في أول البقرة [آية 11] وما قيل فيها. و "التوبة"، مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنَّهُ "على الله"، أي: إنَّمَا التَّوْبَةُ مستقرّة على فضل اللَّهِ، ويكون "للذين" متعلقاً بما تَعَلَّقَ به الخبر. وأجاز أبُو البقاء: عند ذِكْرِه هذا الوجه أن يكون "للذين" متعلقاً بمحذوف على أنه حال، قال: فعلى أن يكون {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ} حالاً من الضّمير في الظّرف وهو "على الله"، والعاملُ فيها الظّرفُ أو الاستقرار، أي: كائنةً لِلَّذين، ولا يجوز أن يكون العاملُ في الحال "التوبة"؛ لأنَّه قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بالخبر، وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةِ إليه. الثّاني: أن يكون الخبر "للذين" و "على الله" متعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من شيءٍ محذوف، والتقديرُ: إنما التَّوبة إذا كانت - أو إذْ كانت - على اللَّهِ للذين يعملونَ فـ "إذا" و "إذ" معمولان لـ "الذين" لأن الظَّرْف يتقَدَّمُ على عامله المعنوي و "كان" هذه هي التَّامَّة، وفاعلها هو صاحب الحال، ولا يجوز أن يكون {عَلَى ٱللَّهِ} حالاً من الضَّمير المستتر في {لِلَّذِينَ} والعامل فيها {لِلَّذِينَ}؛ لأنَّهُ عاملٌ معنويٌّ، والحال لا تتقدَّمُ على عاملها المعنوي، هذا ما قاله أبُو البقَاءِ وَنَظَّر هذه المسألة بقولهم: "هذا بُسْراً أطْيَبُ منه رُطَباً" يعني: أنَّ التَّقدير: إذا كان بُسْراً أطيبُ منه إذا كان رُطباً. وفي هذه المسألة أقْوَالٌ كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو حيان مضافين حُذفا من المبتدأ والخبر، فقال: التَّقدِيرُ: إنَّمَا قَبُولُ التوبة مترتب على [فضل] اللَّهِ فـ "على" باقية على بابها يعني من الاستعلاء قوله: {بِجَهَالَةٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنْ يتعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من فاعل {يَعْمَلُونَ}، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السُّوء متلبسين بجهالةٍ، أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، أي: ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وتَجَوُّزٌ. والثاني: أن يتعلق بـ {يَعْمَلُونَ} على أنَّها باء السّببية. قال أبُو حيَّان: أي الحامل لهم على عمل السُّوء هو الجهالة، إذْ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حال عملها لم يُقْدِمُوا عليها كقوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" لأنَّ العقل حينئذ يكون مَغْلُوباً أو مَسْلُوباً. فصل لما ذكر في الآية الأولى أنّ المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال عنهما الإيذاء، وأخبر على الإطلاق أنّه توابٌ رحيمٌ، ذكر هنا وقت التّوبة وشرطها بشرطين: أحدهما: قوله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} وفيه إشكالان: الإشكال الأوَّلُ: أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنَّهُ ذنب لم يستحق عقاباً؛ لأنَّ الخطأ مرفوع عن الأمَّةِ، فعلى هذا الَّذين يعملون السُّوء بجهالة لا حاجة بهم إلى التَّوبة. الإشكال الثَّاني: أن كلمة "إنَّمَا" للحصر، فظاهره يقتضي أن مَنْ أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع. فالجواب عن الأوَّلِ أنَّ اليهوديَّ اختار اليهوديَّة وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنَّهُ يستحقُّ العقاب عليها. والجوابُ عن الثَّاني: أنَّ من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخَفُّ ممَّنْ أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خَصَّ الأوَّل بوجوب قبول التّوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم، وأمَّا القسم الثَّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أن قبول التّوبة غير واجب على اللَّهِ تعالى. ومعنى الآية يحتمل وجهين: الأوَّلُ: أن قوله: {عَلَى ٱللَّهِ} إعلام، فَإنَّهُ يجب على اللَّه قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان وإخبار بأنَّهُ سيفعل ذلك. والثَّاني: إنَّما الهداية إلى التَّوْبَةِ والإعانة عليها على اللَّهِ في حقِّ من أتى بالذَّنب على سبيل الجهالة، ثمَّ تاب قريباً، وترك الإصرار، وأتى بالاستغفار. فصل قال الحسن: معنى الآية: التّوبة التي يقبلها اللَّهُ، فيكون "على" بمعنى عند، وقيل: من الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}. قال قتادةُ: أجمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ ما عُصِيَ اللَّه به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى اللَّه فهو جاهل. قال تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السَّلام -: {أية : أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ} تفسير : [يوسف: 33، 34]. وقال: {أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ} تفسير : [يوسف: 89] وقال لنوح - عليه السلام -: {أية : إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46] وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا: {أية : أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً} تفسير : [البقرة: 67] {أية : أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [البقرة: 67] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي؛ لأنَّهُ لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار كأنَّهُ لا علم له. وقال مجاهدٌ: المراد من الآية العمد. وقيل: أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلاَّ أنه يكون جاهلاً بقدر عقابه. وقيل: أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية لكنه يتمكن من العلم بكونها معصية، كاليهودي يستحق العقاب على يهوديته، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية إلاَّ أنَّه كان متمكناً من تحصيل العلم يكون اليهودية ذنباً ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النَّائم والسّاهي، فإنَّه لو أتى بالقبيح لكنَّه [ما كان متمكناً] من العلم بكونه قبيحاً. فصل استدلَّ القاضي بهذه الآية على أنَّهُ يجب على اللَّهِ عقلاً قبول التَّوْبَةِ؛ لأنَّ كلمة "عَلَى" للوجوب؛ ولأنَّا لو حملنا قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} فرق؛ لأن قوله هذا أيضاً إخبار عن الوقوع، [فإذا جعلنا الأوَّلَ إخباراً عن الوجوب، والثَّاني إخباراً عن الوقوع] ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار. والجوابُ أنَّ القول بالوجوب على اللَّه تعالى باطلٌ لوجوه: الأوَّلُ: أنَّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك، فهذه الملازمة إمَّا أن تكون ممتنعة الثبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى أو غير ممتنعة الثُّبُوتِ في حقِّه، والأوَّلُ باطلٌ، لأنَّ ترك الواجب لما كان مستلزماً هذا الذّم محال الثّبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقّ اللَّه تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثُّبوت، فحينئذ يكون اللَّه تعالى موجباً بالذَّاتِ لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل، وإنْ كان استحقاق الذَّمِّ غير ممتنع الحصول في حقِّ اللَّهِ تعالى، فكلُّ ما كان ممكناً لا يلزم من فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أنَّ القول بالوجوب على اللَّهِ تعالى محال. وثانيها: أنَّ قادرية العبد بالنِّسبة إلى فعل التَّوْبَةِ وتركها إمَّا أن يكون على السَّويَّةِ، أوْ لا، فإن كان على السَّويَّةِ لم يترجح فعل التَّوبة على تركها إلا بمرجِّح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع، وإن حدث علىلا العبد عاد التّقسيم، وإن حدث عن اللَّه تعالى فحينئذٍ إنَّمَا أقبل العبد على التَّوبة بمعونة اللَّه وتقويته، فتكون تلك العقوبة إنْعَاماً مِنَ اللَّهِ تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أنْ ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنَّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على اللَّهِ القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للتّرك وللفعل، فيكون القول بالوجوب أظْهَرُ بطلاناً. ثالثها: التّوبة عبارة عن النَّدم على ما مضى، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلاَّ افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم، وهذا العزم بمحض تخليق اللَّه تعالى، وفعل اللَّه لا يوجب على الله فعلاً آخر فكان القولُ بالوُجُوبِ باطِلاً. ورابعها: أنَّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللَّهِ تعالى وفعل اللَّه تعالى، لصار فعل العبد مؤثّراً في ذات اللَّه تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقولُهُ عاقل. والجوابُ عن حجتهم: أنَّ الله تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين، وإذا وعد اللَّهُ بشيء، وكان الخلفُ في وعده مُحالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة {عَلَى} وبهذا يظهر الفرق بين قوله {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} وبين قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}. فإن قيل: لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر اللَّه تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألاَّ يكون فاعلاً مختاراً. فالجوابُ: أنَّ الإخبارِ عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الإيقاع، وأمَّا قولكم بأن وقوع التَّوبة من حيثُ إنَّهَا هي مؤثرة في وجوب القبول على الله وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ} فهذا هو الشّرطُ الثّاني. قال السدي والكلبي: القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته. وقال عكرمة: قبل الموت. وقيل: قبل أنْ يحيط السّوء بحسناته فيحبطها. وقال الضَّحَّاكُ: قبل مُعَاينة ملك الموت. قوله: {مِن قَرِيبٍ} فيه وجهان: أحدهما: أن تكون "من" لابتداء الغاية، أي: تبتدئ التَّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلاّ يقع في الإصْرارِ، وهذا إنَّمَا يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون "من" لابتداء الغاية في الزَّمَانِ، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنَّهُ لو تاب من زمان بعيدٍ لم يدخل في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبُولِ التّوبة على اللَّهِ المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102]. والثاني: أنَّهَا للتّبعيض أي: بعض زمانٍ قريب يعني أي جُزْء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه، فهو تائبٌ من قريب. وعلى الوجهين فـ "مِنْ" متعلقة بـ "يتوبون"، و "قريب" صِفَةٌ لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلاَّ أنَّ حَذْفَ هذا الموصوف وإقَامةَ هذه الصفةِ مُقَامه ليس بقياسٍ، إذ لا يَنْقَاسُ الحَذْفُ إلاَّ في صور: منها أن تكون الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد، كالأبْطَحِ والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف، نحو: مررت بكاتبٍ، أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها، نحو: اسقني ماءً ولَوْ بَارِداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من ذلك. وفي قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ} إعلامٌ بِسَعَةِ عَفْوِهِ، حيثُ أتى بحرف التّراخي والفاء في قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ} مُؤْذِنَةٌ بتَسَبُّبِ قَبُولِ الله تَوبتهمْ إذا تابوا من قريب، وضَمَّنَ {يَتُوبُونَ} معنى يَعْطِفُ فلذلك [عَدَّى] بـ "على". وأما قوله: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} فَراعَى المضاف المحذوف، إذا التّقدير: إنَّما قبولُ التَّوبَةِ على اللَّهِ، كذا قال الشَّيخ وفيه نَظَرٌ. فصل معنى قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} يعني أنّ العبد الَّذي هذا شأنه إذا أتى بالتَّوبة قبلها منه، فالمراد بالأوَّل التّوفيق إلى التوبة، وبالثَّاني قبول التّوبة. وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} أي: أنَّهُ إنَّما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشّهوة والغضب والجهالة عليه "حكيماً" بأن العبد لما كان من صفته ذلك ثُمَّ إنَّه تاب عنها من قريب فإنه يقبل توبته.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله ‏ {‏إنما التوبة على الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هذه للمؤمنين‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ هذه لأهل النفاق ‏ {‏ولا الذين يموتون وهم كفار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ هذه لأهل الشرك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع قال‏:‏ نزلت الأولى في المؤمنين، ونزلت الوسطى في المنافقين، والأخرى في الكفار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أبي العالية ‏"‏أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون‏:‏ كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصي به فهو جهالة، عمداً كان أو غيره‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مجاهد في قوله ‏ {‏جهالة‏} ‏ قال‏:‏ كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إنما التوبة على الله‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء ‏ {‏ثم يتوبون من قريب‏} ‏ قال‏:‏ في الحياة والصحة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ثم يتوبون من قريب‏} ‏ قال ‏ "‏القريب‏" ‏ ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال‏:‏ لا يزال الرجل في توبة حتى يعاين الملائكة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال ‏"‏القريب‏" ‏ ما لم تنزل به آية من آيات الله أو ينزل به الموت‏. ‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن الضحاك في الآية قال‏:‏ كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة، ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت، فإذا تاب حين ينظر إلى ملك الموت فليس له ذاك‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال‏:‏ الدنيا كلها قريب، والمعاصي كلها جهالة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ‏ {‏ثم يتوبون من قريب‏} ‏ قال‏:‏ ما لم يغرغر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر في الآية قال‏:‏ لو غرغر بها - يعني المشرك بالإسلام - لرجوت له خيراً كثيراً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الحسن قال‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن إبليس لما رأى آدم أجوف قال‏:‏ وعزتك لا أخرج من جوفه ما دام فيه الروح‏.‏ فقال الله تبارك وتعالى‏:‏ وعزتي لا أحول بينه وبين التوبة ما دام الروح فيه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في البعث عن قتادة قال‏:‏ كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال‏:‏ إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة‏.‏ فأنظره إلى يوم الدين فقال‏:‏ وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح‏.‏ قال‏:‏ وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ "حديث : لا أخبركم إلا ما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته أذناي ووعاه قلبي ‏"‏أن عبداً قتل تسعة وتسعين نفساً ثم عرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه فقال‏:‏ إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة‏؟‏ قال بعد قتل تسعة وتسعين نفسا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ فانتضى سيفه فقتله فأكمل به مائة‏.‏ ثم عرضت له التوبة فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل فأتاه فقال‏:‏ إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ ومن يحول بينك وبين التوبة‏؟‏‏!‏ أخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها إلى القرية الصالحة، قرية كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏فاعبد ربك فيها‏.‏ فخرج يريد القرية الصالحة فعرض له أجله في الطريق، فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال إبليس أنا أولى به، إنه لم يعصني ساعة قط‏.‏ فقالت الملائكة‏:‏ إنه خرج تائباً‏.‏ فبعث الله ملكاً فاختصموا إليه فقال‏:‏ انظروا أي القريتين كانت أقرب إليه فألحقوه بها‏.‏ فقرب الله منه القرية الصالحة وباعد منه القرية الخبيثة، فألحقه بأهل القرية الصالحة‏"‏‏ "تفسير : .‏ وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن رجل من الصحابة‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏ما من إنسان يتوب إلى الله عز وجل قبل أن تغرغر نفسه في شدقه إلا قبل الله توبته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ التوبة مبسوطة للعبد ما لم يسق‏.‏ ثم قرأ ‏ {‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن‏} ‏ ثم قال‏:‏ وهل الحضور إلا السوق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن‏} ‏ قال‏:‏ لا يقبل ذلك منه‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال هم أهل الشرك‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ‏{‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال هم أهل الشرك‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ‏ {‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن‏} ‏ فليس لهذا عند الله توبة ‏ {‏ولا الذين يموتون وهم كفار‏} ‏ أولئك أبعد من التوبة‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وليست التوبة‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله بعد ذلك ‏{أية : ‏إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 48‏]‏ فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عمرو قال‏:‏ ما من ذنب مما يعمل بين السماء والأرض يتوب منه العبد قبل أن يموت إلا تاب الله عليه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ كان يقال‏:‏ التوبة مبسوطة ما لم يؤخذ بكظمه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال‏:‏ من تاب قبل موته بفواق تيب عليه‏.‏ قيل‏:‏ ألم يقل الله ‏{‏وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ فقال‏:‏ إنما أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ والحاكم وابن مردويه عن أبي ذرّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الله يقبل توبة عبده‏.‏ أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب‏. قيل‏:‏ وما وقوع الحجاب‏؟‏ قال‏:‏ تخرج النفس وهي مشركة‏ "‏‏.‏

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}[17] قال: التائب يتقي المعصية ويلزم الطاعة، والمطيع يتقي الرياء ويلزم الذكر، والذاكر يتقي العجب ويلزم نفسه التقصير. وحكي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام أن أنين المذنبين أحب إلي من صراخ الصديقين.

السلمي

تفسير : قوله أيضًا: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} [الآية: 17]. قال: للذين يتقربون بالطاعات إلى من لا يتقرب إليه. الآية. وقال محمد بن الفضل رحمه الله: ضمن الله عز وجل التوبة لمن يبدر منه الذنب من غير قصد، لا لمن يضمره ويتأسف على فوته، قال الله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}.

القشيري

تفسير : لا استغفار مع الإصرار: فإن التوبة مع غير إقلاعِ سِمَةٌ الكذَّابين. وقوله: {ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}: يعني عَمِلَ عَمِلَ الجُهّال. وذنب كل أحدٍ يليق بحاله، فالخواص ذنوبهم حسبانهم أنهم بطاعاتهم يستوجبون محلاً وكرامة، وهذا وَهَنٌ في المكانة؛ إذ لا وسيلة إليه إلا به. قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}: على لسان أهل العلم: قبل الموت، وعلى لسان المعاملة: قبل أن تتعود النفس ذلك فيصير لها عادة، قال قائلهم: شعر : قلتُ للنَّفْسِ إنْ أردتِ رجوعاً فارجعي قبل أَنْ يُسدَّ الطريقُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} ظاهر الاية فى انما التوبة على الله على بمعنى من اى انما التوبة من الله يعلمون السوء وعلى لسان القوم الاشارة فيه ان من وقع فى المعصية وقع فى الظلمة والحيرة ولا يرى سبيل الرشد ولم يكن فى وسع البشر ان يهدى نفسه الى طريق الحق فانه هو الهادى متعلقة باوصاف قدمه ويستحيل ان يكون الحادث على وصف القديم فاذا على الله لنعته ووصف نفسه بالهادى لانه الهادى ان يرجع الى عبده المتحير الذى زل قدمه فى شهوات طبعه فانه لا يقدر ان يخلص نفسه من قهر الله انما تخليصه شرط كرمه الفياض الذى وصف به نفسه تعالى للمذنبين الذين يقصودون حظوظ البشرية بغير الاختيار قال كتب ربكم على نفسه الرحمة فبقى على بشرط الظاهر بقوله كتب ربكم على انما الرجوع منه الى العبد شرط الرحمة الواسعة التى بها قال سبقت رحمتى غضبى هذا سنة الله على ابينا أدم صلوات الله عليه بعد كل الحنطة بقوله فتاب عليه انه هو التواب الحريم وقال ثم اجتنبه ربه فتاب عليه وهدى وخص توبته ورجوعه للذين يعملون السوء بجهالة اخبار عن عطفه ولطفه باقوام امتحنهم الله فى بدو الارادة فى بعض حظوظ انفسهم لايقاع نيران الندم والخوف والحياء والاحلال فى قلوبهم لئى يرفعوا اعناقهم عبد انصفاهم بنعوت الكبرياء وبلوغهم حقائق الانبساط ومقامات الاتحاد فيسقطوا عن روية الازلية ومشاهدة الابدية فى فنائهم عن الحدوث وتخلقهم بخلق القدم واضافة السوء اليهم ونسبتهم الى الجهل اى الذين يعملون سنيات الطاعات على روية الاعواض جهلا بمكره وقلة عرفانهم بعزته وتنزيه جلاله عن طاعة المطيعين ومعاصيت العاصين يعلمون الطاعات ويرونها انها هى شئ ويتقربون تعل الحدث الى جناب القدم فاذا صاروا مبصرين جمال مشاهدته استحيوا من ظنون بطاعاتهم فى جلال عظمته وذلك قوله {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} بشوقهم الى لقائه {حَكِيماً} بترتبهم فى معرفته وقيل فى قوله للذين يعملون السوء بجهالة الدين يتقربون بالطاعات الى من لا يتقرب اليه الاية وقال محمد بن الفضل ضمن الله التوبة لمن ينذر منه الذنب من غير قص لا صح الى من يضمره ويتاسف على قوته قال الله تعالى انما التوبة على الله الأية قوله تعالى {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} اى كونوا فى معاشرتهن فى مقام الانس وروح المحبة وفرح العشق حين انتم مخصوصون بالتمكين والاستقامة فى الولاية والابدال حيث اخبر صلى الله عليه وسلم عن كمال مقام انسه بالله وروحه بجمال مشاهدته فقال حبب الى من دنياكم ثلثة الطيب والنساء وجعلت قرة عينى فى الصلاة وهكذا احل يوسف عليه السلام حين هم فيها قال الله تعالى ولقد همت به وهم بها وقال ذو النون المستانس بالله يستانس بكل شئ مليح وجه صحيح وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة وايضا عاشروهن بطلب ولد صالح منهن وايضا عاشروهن اى باشروهن حين رغيبن فى مرادكم منهن فان المعرفون لا يقع الا على استواء من كل الجانبين على نعت واحد وايضا اى عرفوهن صفات الله اسماءه ورغبوهن فى طاعته بنعت العلم وشوقوهن الى جماله وجلاله قيل علموهن السنن والفرائض قال عبد الله بن مبارك العشرة الصحيحة ملا يورثك الندم عاجلا وأجلا قال ابو حفص العاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال فيما ساءك وما كرهت صحبتها قوله تعالى {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} كل امر من الله سبحانه جاء على مخالفة النفوس امتحانا واختبار او النفس كارهة فى العبودية فاذا الزمت عليها حقوق الله بنعت المجاهدة والرياضة واستقمت فى عبودية الله اول ما يطلع على قلبك انوار جنان القرب والمشاهدة قال تعالى ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هى الماوى وفى اجواف ظلام المجاهدات للعارفين شموس المشاهدات واقمار المكاشفات قيل فى تفسير الخير ههنا الوالد الصالح قيل غيب عنك العواقب لئلا تسكن الى مالوف ولا تفروا من مكروه.

اسماعيل حقي

تفسير : {انما التوبة على الله} اى ان قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه اذا قبل توبته {للذين يعملون السوء} اى المعصية صغيرة كانت او كبيرة. فقوله انما التوبة على الله مبتدأ وخبره ما بعده {بجهالة} اى يعملون ملتبسين بها اى جاهلين سفهاء فان ارتكاب الذنب مما يدعو اليه الجهل ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع من جهالته. وفى التيسير ليست هذه جهالة عدم العلم لانه ذنب لان ذلك عذر لكنها التغافل والتجاهل وترك التفكر فى العاقبة كفعل من يجهله ولا يعلمه {ثم يتوبون من قريب} اى من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت اى قبل ان يغرغروا وسماه قريبا لان امد الحياة الدنيا قريب قال تعالى {أية : قل متاع الدنيا قليل} تفسير : [النساء: 77]. فعمر الدنيا قليل قريب الانقضاء فما ظنك بعمر فرد ومن تبعيضية اى يتوبون بعض زمان قريب كأنه سمى ما بين وجود المعصية وبين حضور الموت زمانا قريبا ففى أى جزء تاب من اجزاء هذا الزمان فهو تائب {فاولئك يتوب الله عليهم} اى يقبل توبتهم {وكان الله عليما} بخلقه يعلم اخلاصهم فى التوبة {حكيما} فى صنعه والحكيم لا يعاقب التائب. فعلى المؤمن ان يتدارك الزلة بالتوبة والاستغفار ويسارع فى الرجوع الى الملك الغفار "حديث : ـ روى ـ ان جبريل عليه السلام اتاه عند موته فقال يا محمد الرب يقرئك السلام ويقول من تاب قبل موته بجمعة قبلت توبته قال صلى الله عليه وسلم "الجمعة كثيرة" فذهب ثم رجع وقال قال الله تعالى من تاب قبل موته بساعة قبلت توبته فقال "الساعة كثيرة" فذهب ثم رجع وقال ان الله يقرئك السلام ويقول ان كان هذا كثيرا فلو بلغ روحه الحلق ولم يمكنه الاعتذار بلسانه واستحيى منى وندم بقلبه غفرت له ولا ابالى " .تفسير : قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر " .تفسير : اى لم يبلغ روحه الحلقوم وعند ذلك يعاين ما يصير اليه من رحمة او هوان ولا ينفع حينئذ توبة ولا ايمان قال تعالى {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} تفسير : [غافر: 85]. فالتوبة مبسوطة للعبد يعاين قابض الارواح وذلك عند غرغرته بالروح وانما يغرغر به اذا قطع الوتين فشخص من الصدر الى الحلقوم فعندها المعاينة وعندها حضور الموت فيجب على الانسان ان يتوب قبل المعاينة والغرغرة وهو معنى قوله تعالى {ثم يتوبون من قريب} وانما صحت منه التوبة فى هذا الوقت لان الرجاء باق ويصح الندم والعزم على ترك الفعل: قال السعدى قدس سره شعر : طريق بدست آر وصلحى بجوى شفيعى برانكيز وعذرى بكوى كه ياك لحظه صورت نبندد آمان جو بيمانه برشد بدور و زمان تفسير : والتوبة فرض على المؤمنين ولها شروط اربعة. الندم بالقلب. وترك المعصية فى الحال. والعزم على ان لا يعود الى مثلها. وان يكون ذلك حياء من الله تعالى وخوفا منه لا من غيره. قال الحسن البصرى استغفارنا يحتاج الى استغفار. قال القرطبى فى تذكرته هذا يقوله فى زمانه فكيف فى زماننا هذا الذى يرى فيه الانسان مكبا على الظلم حريصا عليه لا يقلع والسبحة فى يده زاعما انه يستغفر من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف ومن اظلم ممن اتخذ آيات الله هزؤا فيلزم حقيقة الندم ـ روى ـ ان الملائكة تعرج الى السماء بسيآت العبد فاذا عرضوها على اللوح المحفوظ يجدون مكانها حسنات فيخرون على وجوههم ويقولون ربنا انك تعلم انا ما كتبنا عليه الا ما عمل فيقول الله تعالى صدقتم ولكن عبدى ندم على خطيئته واستشفع الىّ بدمعه فغفرت ذنبه وجدت عليه بالكرم وانا اكرم الاكرمين: قال مولانا جلال الدين قدس سره شعر : ازبى هر كريه آخر خنده ايست مرد آخر بين مبارك بنده ايست هر كجا آب روان سبزه بود هر كجا اشك روان رحمت شود تانكريد ابركى خندد جمن تانكريد طفل كى جوشد لبن تفسير : قال احمد بن عبد الله المقدسى سألت ابراهيم بن ادهم عن بدء حاله فقال نظرت من شباك قصرى فرأيت فقيرا بفناء القصر قد اكل الخبز بالماء والملح ثم نام فدعوته وقلت له قد شبعت وتهيأت للنوم قال نعم فتبت الى الله ولبست الليلة مسوحا وقلنسوة من صوف وخرجت حافيا الى مكة. واعلم ان الله اذا اراد بعبد خيرا اصطفاه لنفسه وجعل فى قلبه سراجا يفرق بين الحق الباطل ويبصر عيوب نفسه حتى يترك الدنيا وحطامها ويلقى عليها زمامها: قال جلال الدين رومى قدس سره شعر : ملك برهم زن تو ادهم وار زود تابيابى همجو او ملك خلود اين جهان خود حبس جانهاى شماست هين رويد آن سوكه صحراى شماست تفسير : قال العطار قدس سره شعر : نقاب ازروى جون خورشيد بردار اكر هستى زروى خود خبر دار زكوه قاف جسمانى كذر كن بدار الملك روحانى سفركن مشو مغرور اين ملك مزور نه عزت ماند ونه مال ونه زر اكر رنكت فروشويند زرخسار خريدارت بنامش كس ببازار تفسير : عصمنا الله واياكم من الركون الى الدنيا وموت القلب بالاصرار على الهوى فى الصبح والمساء.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إنما التوبة} التي يُستحق {على الله} قبولُها فضلاً وإحسانًا هي {للذين يعملون السوء} أي: المعاصي متلبسين {بجهالة} أي: سفاهة وجهل وسوء أدب، فكل من اشتغل بالمعصية فهو جاهل بالله، قد انتزع منه الإيمان حتى يفرغ، وإن كان عالمًا بكونها معصية، {ثم يتوبون} بعد تلك المعصية {من قريب} أي: من زمن قريب، وهو قبل حضور الموت؛ لقوله بعدُ: {حتى إذا حضر أحدهم الموت}، وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : إن الله يقبلُ توبةَّ العبْدِ مَا لمْ يُغَرْغِرُ" تفسير : وإنما جعله قريبًا لأن الدنيا سريعة الزوال، متاعها قليل وزمانها قريب، {فأولئك يتوب الله عليهم} تصديقاً لوعده المتقدم، {وكان الله عليمًا} بإخلاصهم التوبة، {حكيمًا} في ترك معاقبة التائب، إذ الحكمة هي وضع الشيء في محله. وعن الحسن: قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : لما أُهبط إبليسُ قال: وعزتك وعظمتك لا أفارق ابنَ آدم حتى تفارقَ روحُه جسدَه، قال الله تعالى: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها " تفسير : . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إنّ الشيطانَ قال: وعزتِك لا أبرح أُغوى عبادكَ، ما دامتْ أرواحهم في أجسادهم. قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". تفسير : قال ابن جزي: وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها، فيُقطع بقبول توبت عند جمهور العلماء. وقال أبو المعالي: يَغُلِب ذلك على الظن ولا يقعطع. هـ. {وليست التوبة} مقبولة {للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} أي: بلغت الحلقوم {قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} فلا توبة لهم، {أولئك أعتدنا} أي: أعددنا وهيأنا {لهم عذابًا أليما}، قال البيضاوي: سوَّى الحقُ تعالى بين من سوَّف التوبة إلى حضور الموت من الفسقة، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة؛ للمبالغة في عدم الاعتداد به في تلك الحالة، وكأنه يقول: توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل: المراد بالذين يعملون السوء: عصاة المؤمنين، وبالذين يعملون السيئات: المنافقون؛ لتضاعف كفرهم، وبالذين يموتون: الكفار. هـ. الإشارة: توبة العوام ليست كتوبة الخواص، إنَّ الله يمهل العوام ترغيبًا لهم في الرجوع، ويُعاقب الخواص على التأخير على قدر مقامهم في القرب من الحضرة، فكلما عظُم القربُ عظمت المحاسبة على ترك المراقبة، منهم من يسامح له في لحظة، ومنهم في ساعة، ومنهم في ساعتين، على قدر المقام، ثم يُعاتبهم ويردهم إلى الحضرة. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي في حاشيته: {إنما التوبة على الله} أي: إنما الهداية بعد الذلة، على الله؛ لأنه الذي يُخلص من قَهْره بكرمه الفياض وبرحمته التي غلبت غضبه، كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىَ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعَام:54]، ونبه على وقوع الذنب بهم قهرًا، ثم تداركهم بالهداية والإنابة، فضلاً على علمه بتربيتهم وتدريجهم لمعرفته بالعلم والحكمة بقوله: {وكان الله عليمًا حكيمًا}. هـ.

الطوسي

تفسير : المعنى: التوبة هي الندم على القبيح مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال: يكفي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على ألا يعود إلى مثله، والاول أقوى، لاجماع الأمة على أنها إذا حصلت على ذلك الوجه أسقطت العقاب، وإذا حصلت على الوجه الثاني ففي سقوط العقاب عنها خلاف، وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن التوبة إنما يقبلها ممن يعمل السوء بجهالة، وقيل في معنى بجهالة أربعة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، وعطا، وابن زيد: هو أن يفعلوها على جهه المعصية لله تعالى، لأن كل معصية لها جهالة، لأنه يدعو اليها الجهل، ويزينها للعبد، وإن كانت عمدا. الثاني - بجهالة، أي بحال كحال الجهالة، التي لا يعلم صاحبها ما عليه في مثلها من المضرة. الثالث - قال الفراء: معنى {بجهالة} أي لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة، كما يعلم الشيء ضرورة. الرابع - {بجهالة} أي وهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي، اختاره الجبائي، قال: يفعلونها بجهالة إما بتأويل يخطؤن فيه. أو بان يفرطوا في الاستدلال على قبحها، قال الرماني: هذا ضعيف، لأنه تأويل بخلاف ما أجمع عليه المفسرون، قال أبو العالية: إن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فبجهالة، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك، وأيضا فانه يوجب أن من علم أنها ذنوب أن لا يكون له توبة، لأن قوله: {إنما التوبة} يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم، وظاهر الآية يدل على أن الله يقبل التوبة من جميع المعاصي كفراً كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي، ويقربه أيضاً قوله: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق.. }تفسير : إلى قوله: {أية : إلا من تاب }تفسير : فاستثنى من القتل، كما استثنى من الزنا والشرك، وحكي عن الحسن أنه قال: لا يقبل الله توبة القاتل. وروي أنه إنما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل رجل على أن يتوب فيما بعد، فأراد صده عن ذلك. وقوله {فأولئك يتوب الله عليهم} بعد قوله {ثم يتوبون من قريب} معناه إن الله يقبل توبتهم إذا تابوا وأنابوا، وقوله: {من قريب} حث على أن التوبة يجب أن تكون عقيب المعصية، خوفا من الاخترام، وليس المراد بذلك أنها لو تأخرت لما قبلت. وقال الزجاج: معناه ثم يتوبون قبل الموت، لأن ما بين الانسان وبين الموت قريب، والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت. وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: القريب ما لم يعاين الموت. وقال علي (ع)، وقد قيل له: فان عاد؟ قال: يغفر الله له ويتوب، مراراً، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. وقال السدي، وابن عباس: في حال الصحة قبل الموت. وقوله: {وكان الله عليماً حكيماً} معناه ها هنا: وكان الله عليما بتوبتهم إن تابوا، وإصرارهم إن أصروا، حكيما في مؤاخذتهم إن لم يتوبوا. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: حديث : لما هبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك، لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر .

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} يعنى انّ التوبة حال كونها واجبة على الله بمقتضى وعده وايجابه ليست الاّ {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} ويجوز ان يكون على الله خبراً. تحقيق كون السّيئّات تماماً بجهالة اعلم انّه تعالى خلق اوّل ما خلق عالم العقول الكلّيّة الّتى يعبّر عنها بالقلم والملائكة المقرّبين والكتاب المبين وغير ذلك من الاسماء اللائقة المطلقة عليها، ثمّ عالم العقول العرضية التي تسمى في لسان الجكماء بأرباب الأنواع وأرباب الطلسمات وبالأرواح وبالصّافّات صفّاً، ثمّ عالم النّفوس الكلّيّة الّتى تسمّى باللّوح المحفوظ والمدبّرات امراً، ثمّ عالم النّفوس الجزئيّة الّتى تسمّى بالملائكة ذوى الاجنحة وبالقدر العلمىّ ولوح المحو والاثبات وبعالم الملكوت العليا وبعالم المثال والاشباح النّوريّة، ثمّ عالم الاجسام علويّة كانت او سفليّة من العناصر ومواليدها وتسمّى بالاشباح الظّلمانيّة والقدر العينىّ، ثمّ عالم الارواح الخبيثة الّتى هى الشّياطين والجنّة والارواح البشريّة الّتى تلحق بها وتسمّى بعالم الملكوت السّفلىّ وهذا العالم بحسب رتبة الوجود تحت عالم الطّبع كما انّ عالم المثال النّورىّ فوق عالم الطّبع، وهذا العالم أنكره كثيرٌ من الحكماء القائلين بالاشباح النّوريّة والاجسام المجرّدة الّتى تسمّى عندهم بعالم المثال وهم اتباع صاحب الاشراق، والمشّاؤن أنكروا المثال النّورىّ فضلاً عن الظّلمانىّ وقالوا: انّ الموجود الممكن امّا مجرّد صرف او مادّىّ صرف وامّا المتقدّر المجرّد عن المادّة فلا وجود له، وامّا المتكلّمون والفقهاء فليس شأنهم البحث عن امثال هذا من حيث اشتغالهم بالفقه والكلام فانّ موضوع الفقه افعال العباد من حيث الصّحّة والفساد الشّرعىّ، وموضوع الكلام العقائد الدّينيّة المأخوذة عن المسلّميّات، والدّليل على وجود العالمين شهود اهل الشّهود لهذين العالمين ومنامات عامّة الخلق ورؤيتهم في المنام الملذّات والموذيات ومطابقة رؤياهم للواقع فى بعض الاوقات، ولولا شهودهم لتينك فى عالم محقّق مطابق لما فى هذا العالم محيط به لما طابق الواقع وخلوّ المثال النّورىّ عمّا يؤذى دليل على المثال الظّلمانىّ، وتصرّفات اهل الشّر فى هذا العالم مثل تصرّفات اهل الخير شاهد على وجود المثال الظّلمانىّ واحاطته بهذا العالم، واطّلاع اهل الشّرّ على المغيبات واشرافهم على الخواطر كاطلاّع اهل الخير يشهد بذلك، واشارات الكتاب وشواهد السّنّة على وجود هذا العالم كثيرة، فتح الله عيوننا بها، ولمّا كانت العوالم تجليّاته تعالى شأنه واسماؤه اللّطفيّة سابقة على اسمائه القهريّة كان خلق العوالم النّوريّة بارواحها واشباحها من تجليّاته اللّطفيّة الخاصة، ولمّا تمّ تجلّياته النّوريّة الخالصة في عالم المثال النّورىّ تجلّى باسمائه اللّطفيّة والقهريّة فصار عالم الطّبع موجوداً، ثمّ تجلّى باسمائه القهريّة بحيث كان اللّطف مقهوراً تحت القهر فصار عالم المثال السّفلى موجوداً، وبوجه آخر لمّا انتهى تجليّاته تعالى الى عالم الطّبع وقفت وما نفذت عنه لكثافته واظلامه فانعكست تلك التّجليّات كانعكاس الضّوء عن المرآة فصار ذلك العكس مثالاً لهذا العالم، نوريّاً صاعداً بازاء المثال النّورىّ النّازل وحصل من كثافة هذا العالم ظلّ ظلمانىّ تحته فصار مثالاً ظلمانيّاً وهذا المثال الظّلمانىّ محلّ للشّياطين وابالستها والجنّة وعفاريتها، وبهذا العالم يصحّح الجحيم ودركاتها وحميمها وحيّاتها وجميع موذياتها وبه يتمّ الارض وطبقاتها، ولا حاجة لنا الى تأويل شيء ممّا ورد فى الشّريعة المطهّرة من امثال ما ورد في المعاد الجسمانىّ والجنّة والشّياطين وغير ذلك كما فعله المشّاؤن والاشراقيّون من الحكماء، ولا الاكتفاء بمحض التّقليد والسّماع عن صادق من غير تحقيق وتفتيش عن حقيقة ما ورد، كما قنع به الشّيخ الرّئيس فى المعاد الجمسانىّ لانكاره العالمين، وكما قنع به المقلّدون الذّين ليس شأنهم التّفتيش والتّحقيق بل نقول: هذا باب من العلم ينفتح منه الف باب لاهل التّحقيق والبصيرة، واهل الله من اهل المكاشفة اكتفوا في بيان هذا الباب بالاشارات من غير كشف حجابٍ اقتفاءً لسنّة السنّة وسيرة الكتاب ولم يأت احد منهم بما فيه تحقيق وتفصيل اتّباعاً لاصحاب الوحى والتّنزيل، ولاهل العالم السّفلىّ كاهل العالم العلوىّ لتجرّدهم عن المادّة قدرة وتصرّف في اجزاء العناصر والعنصريّات اىّ تصرّف شاؤا، وللعنصريّات بواسطة مادّتها جهة قبول عنهم من غير اباء وامتناع، ومن هنا وهم الثّنويّة لمّا كاشف رؤساؤهم هذين العالمين وشاهدوا تصرّف اهلهما في عالم العناصر فقالوا: انّ للعالم مبدئين نوراً وظلمةً او يزدان واهريمن، ومن هنا وهم الزّنادقة من الهنود لمّا كاشف رؤساؤهم العالم السّفلىّ من الملكوت وشاهدوا تصرّف اهله في عالم العناصر ولم يفرّقوا بين الارواح الخبيثة والطيّبة، لانّ للارواح الخبيثة كالارواح الطيّبة نورانيّةً عرضيّةً مانعةً عن ظهور ظلمتها لمن لا يشاهد الارواح الطيّبة، فقالوا انّ طريق الاتّصال بعالم الارواح متعدّد؛ طريق الانبياء والرّياضة بالاعمال الشّرعيّة وهذا ابعد الطّرق، وطريق الرّياضة بالمخالفة للشّرائع الآلهيّة وهذا اقرب الطّرق؛ فيرون انّ اعظم الاعمال فى هذا الباب سفك الدّماء وشربها وخصوصاً دم الانسان والزّنا وخصوصاً مع المحارم فيسفكون الدّماء ويجعلونها فى الدّنان ويشربون منها ويشربون من يدخلونه فى طريقهم منها ويزنون مع النّساء المحصنات فى حضور الازواج، ويهتكون الكتب السّماويّة بتعليقها فى المزابل وغير ذلك من الشنائع وهم صادقون فى انّها اعظم الاعمال فى الوصول الى الارواح، لكنّهم مغالطون بين الارواح الخبيثة والارواح الطيّبة ويقصرون الارواح فى الارواح الخبيثة ولا يدرون انّ الاتصال بها اصطلاء فى النّار ودخول فى الجحيم مع الاشرار. وامثال هذه المغالطات لاصحاب الملل والاديان ايضاً كثيرة فيرون اقبح ما يأتونه حسناً عصمنا الله من العمه والعمى وحفظنا من السّفه والرّدىّ. والحاكم فى العالم العلوىّ هو العقل الّذى هو حقيقة متحقّقة حقيقته عين التعقّل والادراك، والحاكم فى العالم السّفلىّ هو ابليس الّذى هو حقيقة متحقّقة حقيقته عين الجهل، وحديث العقل وجنوده والجهل وجنوده المروىّ عن الصّادق (ع) فى الكافى اشارة الى هاتين لا الجهل الّذى هو عدم ملكة لا حقيقة له، واخبار خلقة الانسان من امتزاج الطينتين اشارة الى انموذج العالمين وحيثيّة قبوله لتصرّف الطّرفين فكل من عمل سوء فبجهته الظّلمانية وحكومة ابليس الّذى هو الجهل وتسخيره، وكلّ من عمل خيراً فبجهته النّورية وحكومة العقل فلا شرّ الاّ بالجهل ولا خير الاّ بالعقل فقوله تعالى: {بِجَهَالَةٍ} بيان لانّه لا يكون السّوء الاّ بجهالة يعنى الاّ بتسخّر عامله للجهل لا تقييد لفعل السّوء، وعن مولينا ومقتدانا ومن هو كالرّوح في ابداننا وعن انفاسه القدسيّة اوراق ارواحنا جعفر الصّادق (ع) كلّ ذنب عمله العبد وان كان عالماً فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه (الى آخر الحديث) وفى ايراد لفظ السّوء مفرداً من غير مبالغة والتّقييد بالجهالة اشارات لطيفة الى انّ من له استعداد التّوبة بعدم ابطال الفطرة، مساويه وان كانت كثيرة فهى قليلة مفردة فى جنب ما يمحوها من الفطرة، وانّها وان كانت بالغة فى القبح فهى ضعيفة غير بالغة، لانّ مصدرها الجهالة العرضيّة وانّ مصدرها وان كان نفس هذا الانسان لكن سببها الجهل الّذى هو مغاير لها بخلاف ذلك كلّه من لم يكن له استعداد التّوبة كما يأتى فى الآية الآتية {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} اى من غير بعد عن دار العلم ومقامه الاصلىّ بالتمكّن فى دار الجهل والتّجوهر به بابطال الفطرة سواء كان مع القرب الزّمانىّ او مع البعد الزّمانىّ حتّى لا ينافى الاخبار فى سعة زمان التّوبة ولا يبقى بين من ذكر فى الآيتين واسطة {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} فى وضع المظهر موضع المضمر وادائه اسم الاشارة وتقديمه على المسند وتكرار لفظة الله من تفخيم شأنهم وتأكيد الحكم ما لا يخفى {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} عطف فيه تعليل لانّ اقتضاء حكمته التّى هى مراقبة الامور الدّقيقة واعطاء كلّ ذى حقّ حقّه جليلاً كان او حقيراً مع العلم باستعداد العباد واستقحاقهم حين توبة العبد وقربه من داره الاصليّة واستحقاقه للقبول والوصول الى داره قبول توبته.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ}: مبتدأ وخبره على حذف مضاف، أى: إنما قبول التوبة ثابت على الله، وقيل: تقدير المضاف يقدر ثابتة على الله، والتوبة المذكورة من العاصى، ويجوز أن تكون من الله، فلا يقدر مضاف من قولك: تاب الله عليه بمعنى قبل توبته. {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ}: أى الذنب يسمى سوء عاقبته. {بِجَهَالَةٍ}: أى بسفه، سواء كان سفهه لعدم علمه، بأن ما عمله ذنب، لأنه لا يعذر بعدم العلم إذا قازف الحديث الصحيح، "حديث : ويل لمن لم يعلم ولم يعمل"تفسير : أو كان سفهه عدم عمله بما علمه، فإن عدم العمل بما علم جهل حقيقة أيضاً أو مجاز، لشبه العالم الخارج عن العمل بعمله بالجاهل، كأنه جهل أنه ذنب، وكأنه جهل أن عليه عقاباً، وكأنه جهل أن لذة الدنيا فانية، وتفسيرى بالسفه من عموم المجاز، لا جمع بين الحقيقة والمجاز، ومما جاء فيه الجهل بمعنى عدم جرى الإنسان على مقتضىعلمه، قول موسى عليه السلام {أية : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} تفسير : أى من المتخذين الناس هزءاً وقوله تعالى لنوح عليه السلام {أية : إنى أعظك أن تكون من الجاهلين}تفسير : وقول يوسف: {أية : أصب إليهن وأكن من الجاهلين}تفسير : وقوله لإخوته: {أية : إذ أنتم جاهلون}تفسير : . قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل ما عصى به الله فهو جهالة، وكل من عصى الله فهو جاهل، حتى ينزع عن جهالته. وللذين متعلق بمحذوف حال من الضمير فى {على الله} أو بما تعلق به على الله، وإذا قلت: إن الظرف متعلق بما تعلق به الخبر، أو النعت، أو الحال فاعلم أنه خبر ثان، أو حال ثان، أو نعت ثان، ويجوز تعليق {على الله} بالتوبة، على معنى: إنما التوبة من الله، أو بمحذوف معرف نعت للتوبة، ذكر مثل هذا بعض المتأخرين، أى التوبة الثابتة على الله والخبر للذين، وبجهالة: حال من واو {يعملون}، والباء للمصاحبة. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ}: أى من زمان قريب وهو جميع ما بعد ذنبه، وقبل معاينة ملك الموت، أو أمر من أمور الآخرة عند احتضاره، وذلك لأن الدنيا كلها زمان قريب، فكيف عمر الإنسان، وكيف ما بعد ذنبه؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرر" تفسير : وروى عطاء أنها تقبل قبل موته ولو بفواق ناقة. قال أبو قلابة: إن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن، وانظر قال: وعز تلك لا برحت من قبله ما دام فيه الروح، فقال الله عز وجل تعالى: وعزتى لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، ويروى: وعزتى وجلالى وارتفاعى فى مكانى لا أزال أغفر له ما دام يستغفرنى، وظاهر هذا الحديث الربانى أوسع لأنه يفيد قبول التوبة، ولو غرغر، ما دامت فيه روحه، ولو عاين أمراً من الآخرة أو ملك الموت، والجواب أنه إذا غرغر لم تبق فيه قدر ما يتوب، وقيل: تبقى قدر ما يتوب لكن لا تقبل، وعن بشير بن كعب والحسن: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرر ويغلب على عقله" تفسير : وذلك قوله الجمهور عن ابن عباس: الغرير أن يتوب قبل مرض موته، وكأنه أراد وقت اختبار التوبة، ولم يرد أنها لا تقبل بعد. وقيل: قبل موته ولو عاين ملك الموت، أو أمر الآخرة، وهو مردود. وقيل: الغرير أن يتوب بعد ذنب قبل أن يعد جملة المصرين، وأراد قائل هذا اختيار وقت التوبة، كما أولت به قول ابن عباس وكأنه قيل على قوليهما إنما التوبة الكاملة المصطفاة على الله الآية، ويدل لهذا التأويل فى كلام ابن عباس أنه صح عنه أنه قال أيضاً: تقبل ما لم يغرر، والغررة وصول الروح أعلا حلقه بحيث لو شرب ماء لردها، وقيل: الغرير أن يتوب قبل أن تتعود النفس ذلك الذنب، فيصير كالطبيعة يتعذر الرجوع عنه، وقيل قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، وفيه التأويل المذكور، ومن للتبعيض فى جميع تلك الأقوال، أى يتوبون فى أى جزء من ذلك الزمان القريب. {فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}: ليس تكريراً لقوله {إنما التوبة} بل وعد بالوفاء بتلك التوبة التى قال إنها عليه كالشىء الواجب على غيره، لمقتضى وعده تعالى. {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً}: بإخلاصهم فى التوبة، أو باستيلاء السوء على القلوب فجعل لهم التوبة. {حَكِيماً}: لا العاقب التائب.

اطفيش

تفسير : {إنّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ} أى من الله متعلق بالتوبة والخبر هو قوله {لِلَّذِينَ} أى ما هى إلا للذين، وإن جعلنا الخبر على الله صح الحصر أيضاً، لأن الحصر بإنما يكون لآخر الكلام بعدها، أى ما هى إلا من الله فيقدر هى للذين، وإن جعلناهما خبرين صح الحصر فيهما معاً، كأنه قيل ما التوبة إلا على الله وما هى إلا للذين، نحو ما زيد إلا جواد شجاع، أى الجواد والشجاعة دائمان فيه {يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ} سفه، قال قتادة أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عصى الله به فهو جهالة ولو مع علم، وأن كل من عصى الله فهو جاهل، ولو عالما قال الله عز وجل: {أية : أصب إليهن} تفسير : [يوسف: 33]، {أية : هل علمتم ما فعلتم} تفسير : [يوسف: 89]، {أية : إنما أعظكم} تفسير : [سبأ: 46]، {أية : قال أعوذ بالله} تفسير : [البقرة: 67] الآيات، أو ذلك تشبيه بمن لم يعلم إذ خالف {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} فى بعض زمان قريب، وهو ما قبل المعاينة ولو طال، قل متاع الدنيا قليل، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر"تفسير : ، وقال الله سبحانه: {أية : حتى إذا حضر أحدهم الموت} تفسير : [النساء: 18]، وزعم أهل التصوف والمعاملة أنه هو ما قبل أن تتعود النفس السوء ويكون لها كالطبيعة فيتعذر الرجوع، وليس مرادهم منع القبول بل البعد {فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ} وفاء بوعده فى قوله: {إنما التوبة عَلَى الله} فإنه وعد وقضاء وهذا إنجاز، فلا تكرير، أو معنى على هنالك الوقوع، لا محالة تشبيه بالوجوب، فإنه لا يخلف الوعد ولا الوعيد ولا واجب عليه {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} فمن شأنه أنه عالم بإخلاصهم، ومن شأن الحكيم أنه لا يعاقب التائب ألبتة، أو إلا يسير يكون له تمحيصاً أو استصلاحاً.

الالوسي

تفسير : ولما وصف سبحانه نفسه بالتواب الرحيم عقب ذلك بيان شرط قبول التوبة بقوله جل شأنه. {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} أي إن قبول التوبة، و على وإن استعملت للوجوب حتى استدل بذلك الواجبة عليه، فالمراد أنه لازم متحقق الثبوت البتة بحكم سبق الوعد حتى كأنه من الواجبات كما يقال: واجب الوجود، وقيل: على بمعنى من، وقيل: هي بمعنى عند، وعليه الطبرسي أي إنما التوبة عند الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء} أي المعصية صغيرة كانت أو كبيرة، والتوبة مبتدأ، و للذين خبره، و على الله متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار، أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير المبتدأ المستكن في متعلق الجار الواقع خبراً على رأي من يجوز تقديم الحال على عاملها المعنوي عند كونها ظرفاً وجعله بعضهم على حدّ هذا بسراً أطيب منه رطباً، وجوز أن يكون على الله متعلقاً بمحذوف وقع صفة للتوبة أي إنما التوبة الكائنة على الله و للذين هو الخبر، وهو ظاهر على رأي من جوز حذف الموصول مع بعض صلته، وذكر أبو البقاء احتمال أن يكون على الله هو الخبر، و للذين متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في متعلق الخبر، ويحتمل أن يكون متعلقاً بما تعلق به الخبر، ولا يخفى أن سوق الآية يؤيد جعل للذين خبراً كما لا يخفى على من لم يتعسف. {بِجَهَـٰلَةٍ} حال من فاعل يعملون أي يعملون السوء متلبسين بها، أو متعلق بيعملون والباء للسببية، والمراد من الجهالة الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل لا عدم العلم خلافاً للجبائي فإن من لا يعلم لا يحتاج إلى التوبة، والجهل بهذا المعنى حقيقة واردة في كلام العرب كقوله:شعر : ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا تفسير : ومن هنا قال مجاهد فيما أخرجه عنه البيهقي في «الشعب»، وغيره: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عصى به فهو جهالة عمداً كان أو غيره، وروي مثل ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال أبو عبد الله رضي الله تعالى عنه: كل ذنب عمله العبد وإن كان عالماً فهو جاهل فيه حين خاطر بنفسه في معصية ربه، فقد حكى الله تعالى قول يوسف عليه السلام لأخوته: {أية : هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَـٰهِلُونَ} تفسير : [يوسف: 89] فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية الله تعالى، وقال الفراء: معنى قوله سبحانه: {بِجَهَالَةٍ} أنهم لا يعلمون كنه ما في المعصية من العقوبة. وقال الزجاج: معنى ذلك اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي من زمان قريب وهو ما قبل حضور الموت كما ينبىء عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ}تفسير : [النساء: 18] الخ يروى حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في آخر خطبة خطبها: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم / تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن اليوم لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله تعالى عليه» ثم قال: «وإن الساعة لكثيرة من تاب قبل موته وقد بلغت نفسه هذه ـ وأهوى بيده الشريفة إلى حلقه ـ تاب الله تعالى عليه»تفسير : . وأخرج أحمد والترمذي عن ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»تفسير : . وأخرج ابن أبـي شيبة عن قتادة قال: كنا عند أنس بن مالك وَثَمّ أبو قلابة فحدث أبو قلابة قال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة فأنظره إلى يوم الدين فقال وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح قال: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروح، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال ـ القريب ـ ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت، وروي مثله عن الضحاك، وعن عكرمة الدنيا كلها قريب وعن الإمام القشيري ـ القريب ـ على لسان أهل العلم قبل الموت، وعلى لسان أهل المعاملة قبل أن تعتاد النفس السوء ويصير لها كالطبيعة، ولعل مرادهم أنه إذا كان كذلك يبعد عن القبول، وإن لم يمتنع قبول توبته، و {مِنْ} تبعيضية كأنه جعل ما بين وجود المعصية وحضور الموت زماناً قريباً، ففي أي جزء من أجزاء هذا الزمان تاب فهو تائب في بعض أجزاء زمان قريب، وجعلها بعضهم لابتداء الغاية. ورجح الأول بأن من إذا كانت لابتداء الغاية لا تدخل على الزمان على القول المشهور، والذي لابتدائيته مذ ومنذ، وفي الإتيان بثم إيذان بسعة عفوه تعالى. {فَأُوْلَٰـئِكَ} أي المتصفون بما ذكر وما فيه من معنى البعد باعتبار كونهم بانقضاء ذكرهم في حكم البعيد، وجوز أن يكون ذلك إيذاناً ببعد مرتبتهم ورفعة شأنهم من حيث إنهم تائبون، والخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح للخطاب، والفاء للدلالة على السببية، واسم الإشارة مبتدأ خبره قوله تعالى: {يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} وما فيه من تكرير الإسناد لتقوية الحكم، وهذا وعد بالوفاء بما وعد به سبحانه أولاً فلا تكرار، وضمن {يَتُوبُ} معنى يعطف فلذا عدي بعلى. وجوز أن يكون ذلك من المذهب الكلامي كأنه قيل: التوبة كالواجب على الله تعالى، وكل ما هو كالواجب عليه تعالى كائن لا محالة فالتوبة أمر كائن لا محالة فالآية الأولى واقعة موقع الصغرى والكبرى مطوية، والآية الثانية واقعة موقع النتيجة. {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً} فيعلم باخلاص من يتوب {حَكِيماً} فلا يعاقب التائب، والجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبلها، والإظهار في مقام الإضمار للإشعار بعلة الحكم.

ابن عاشور

تفسير : استطراد جرّ إليه قوله: {أية : فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما}تفسير : [النساء: 16] والتوبة تقدّم الكلام عليها مستوفى في قوله، في سورة آل عمران (90): {أية : إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثمّ ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم}تفسير : و{إنَّما} للحصر. و{على} هنا حرف للاستعلاء المجازي بمعنى التعهّد والتحقّق كقولك: عليّ لك كذا فهي تفيد تحقّق التعهّد. والمعنى: التوبة تحقّ على الله، وهذا مجاز في تأكيد الوعد بقبولها حتّى جعلت كالحقّ على الله، ولا شيء بواجب على الله إلا وجوب وعده بفضله. قال ابن عطية: إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يَقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وُجوبا. وقد تسلّط الحصر على الخبر، وهو {للذين يعملون}، وذكر له قيدان وهما {بجهالة} و{من قريب}. والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على العمل دون رويَّة، وهي ما قابل الحِلم، ولذلك تطلق الجهالة على الظُلم. قال عمرو ابن كلثوم:شعر : أَلا لا يجهَلَنْ أحدٌ علينا فَنَجْهل فوْقَ جهل الجاهلينا تفسير : وقال تعالى، حكاية عن يوسف «وإلاَّ تَصْرِفْ عنّي كَيْدَهُنّ أصْبُ إليْهن وأكُنْ من الجاهلين». والمراد هنا ظلم النفس، وذكر هذا القيد هنا لمجرّد تشويه عمل السوء، فالباء للملابسة، إذ لا يكون عمل السوء إلاّ كذلك. وليس المراد بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجَهل، وهو انتفاء العلم بما فعله، لأنّ ذلك لا يسمّى جهالة، وإنّما هو من معاني لفظ الجَهل، ولو عمل أحد معصية وهو غير عالم بأنّها معصية لم يكن آثماً ولا يجب عليه إلاّ أن يتعلّم ذلك ويجتنّبه. وقوله: {من قريب}، من فيه للابتداء و{قريب}صفة لمحذوف، أي من زمن قريب من وقت عمل السوء. وتأوّل بعضهم معنى {من قريب} بأنّ القريب هو ما قبل الاحتضار، وجعلوا قوله بعده {حتى إذا حضر أحدهم الموت} يبيّن المراد من معنى (قريب). واختلف المفسّرون من السلف ومَن بَعدهم في إعمال مفهوم القيدين «بجهالة ــــ من قريب» حتّى قيل: إنّ حكم الآية منسوخ بآية {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : [النساء: 48]، والأكثر على أنّ قيد (بجهالة) كوصف كاشف لعمل السوء لأنّ المراد عمل السوء مع الإيمان. فقد روى عبد الرزاق عن قتادة قال: اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فرأوْا أنّ كلّ عمل عصي الله به فهو جهالة عمداً كان أو غيرَه. والذي يظهر أنّهما قيدان ذكراً للتنبيه على أنّ شأن المسلم أن يكون عمله جارياً على اعتبار مفهوم القيدين وليس مفهوماهما بشرطين لقبول التوبة، وأنّ قوله تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيّئات} إلى {وهم كفار} قسيم لمضمون قوله: {إنما التوبة على الله} إلخ، ولا واسطة بين هذين القسمين. وقد اختلف علماء الكلام في قبول التوبة؛ هل هو قطعي أو ظني فيها لتفرّع أقوالهم فيها على أقوالهم في مسألة وجوب الصلاح والأصلح لله تعالى ووجوب العدل. فأمّا المعتزلة فقالوا: التوبة الصادقة مقبولة قطعاً بدليل العقل، وأحسب أنّ ذلك ينحون به إلى أنّ التائب قد أصلح حاله، ورغب في اللحاق بأهل الخير، فلو لم يقبل الله منه ذلك لكان إبقاء له في الضلال والعذاب، وهو منزّه عنه تعالى على أصولهم، وهذا إن أرادوه كان سفسطة لأنّ النظر هنا في العفو عن عقاب استحقّه التائب من قبل توبته لا في ما سيأتي به بعد التوبة. وأمّا علماء السنّة فافترقوا فرقتين: فذهب جماعة إلى أنّ قبول التوبة مقطوع به لأدلّة سمعيّة، هي وإن كانت ظواهر، غير أنّ كثرتهاأفادت القطع (كإفادة المتواتر القطعَ مع أنّ كلّ خبر من آحاد المخبرين به لا يفيد إلاّ الظنّ، فاجتماعها هو الذي فاد القطع، وفي تشبيه ذلك بالتواتر نظر)، وإلى هذا ذهب الأشعري، والغزالي والرازي، وابن عطية ووالده أبو بكر ابن عطية، وذهب جماعة إلى أنّ القبول ظني لا قطعي، وهو قول أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والمازري والتفتزاني، وشرف الدين الفهري وابن الفرس في أحكام القرآن بناء على أنّ كثرة الظواهر لا تفيد اليقين، وهذا الذي ينبغي اعتماده نظراً. غير أنّ قبول التوبة ليس من مسائل أصول الدين فلماذا نطلب في إثباته الدليل القطعي. والذي أراه أنّهم لمّا ذكروا القبول ذكروه على إجماله، فكان اختلافهم اختلافاً في حالة، فالقبول يطلق ويراد به معنى رضي الله عن التائب، وإثباته في زمرة المتّقين الصالحين، وكأنّ هذا هو الذي نظر إليه المعتزلة لمَّا قالوا بأنّ قبولها قطعّي عقلاً. وفي كونه قطعيّا، وكونه عقلاً، نظر واضح، ويدلّ لذلك أنّهم قالوا: إنّ التوبة لا تصحّ إلاّ بعد الإقلاع عن سائر الذنوب ليتحقّق معنى صلاحه. ويطلق القبول ويراد ما وعد الله به من غفران الذنوب الماضية قبل التوبة، وهذا أحسبهم لا يختلفون في كونه سمعياً لا عقلياً، إذ العقل لا يقتضي الصفح عن الذنوب الفارطة عند الإقلاع عن إتيان أمثالها في المستقبل، وهذا هو المختلف في كونه قطعيّا أو ظنيّا، ويطلق القبول على معنى قبول التوبة من حيث إنّها في ذاتها عمل مأمور به كلّ مذنب، أي بمعنى أنّها إبطال الإصرار على الذنوب التي كان مصرّا على إتيانها، فإنّ إبطال الإصرار مأمور به لأنّه من ذنوب القلب فيجب تطهير القلب منه، فالتائب من هذه الجهة يعتبر ممتثلاً لأمر شرعي، فالقبول بهذا المعنى قطعي لأنّه صار بمعنى الإجزاء، ونحن نقطع بأنّ من أتى عَملا مأموراً به بشروطه الشرعية كان عمله مقبولاً بمعنى ارتفاع آثار النهي عنه، ولكن بمعنى الظنّ في حصول الثواب على ذلك. ولعلّ هذا المعنى هو الذي نظر إليه الغزالي إذ قال في كتاب التوبة «إنّك إذا فهمت معنى القبول لم تشكّ في أنّ كلّ توبة صحيحة هي مقبولة إذ القلب خُلق سليماً في الأصل، إذ كلّ مولود يولد على الفطرة وإنّما تفوته السلامة بكدرة ترهقه من غيرة الذنوب، وأنّ نور الندم يمحو عن القلب تلك الظلمة كما يمحو الماء والصابون عن الثواب الوسخ. فمن توهّم أنّ التوبة تصحّ ولا تقبل كمن توهّم أنّ الشمس تطلع والظلام لا يزول، أو أنّ الثوب يغسل والوسخ لا يزول، نعم قد يقول التائب باللسان تبت ولا يقلع، فذلك كقول القصّار بلسانه غسلت الثوب وهو لم يغسله فذلك لا ينظّف الثوب». وهذا الكلام تقريب إقناعي. وفي كلامه نظر بيِّن لأنّا إنّما نبْحث عن طرح عقوبة ثابتة هل حدثان التوبة يَمْحُوها. والإشارة في المسند إليه في قوله: {فأولئك يتوب الله عليهم} للتنبيه على استحضارهم باعتبار الأوصاف المتقدّمة البالغة غاية الخوف من الله تعالى والمبادرة إلى طلب مرضاته، ليعرف أنّهم أحرياء بمدلول المسند الوارد بعد الإشارة، نظير قوله تعالى: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] والمعنى: هؤلاء هم الذين جعلهم الله مستحقّين قبول التوبة منهم، وهو تأكيد لقوله: {إنما التوبة على الله} إلى آخره. وقوله: {وليست التوبة} إلخ تنبيه على نفي القبول عن نوع من التوبة وهي التي تكون عند اليأس من الحياة لأنّ المقصد من العزم ترتُّب آثاره عليه وصلاح الحل في هذه الدار بالاستقامة الشرعية، فإذا وقع اليأس من الحياة ذهبت فائدة التوبة. وقوله: {ولا الذين يموتون وهم كفار} عطف الكفّار على العصاة في شرط قبول التوبة منهم لأنّ إيمان الكافر توبة من كفره، والإيمان أشرف أنواع التوبة، فبيَّن أنّ الكافر إذا مات كافراً لا تقبل توبته من الكفر. وللعلماء في تأويله قولان: أحدهما الأخذ بظاهره وهو أن لا يحول بين الكافر وبين قبول توبته من الكفر بالإيمان إلا حصول الموت، وتأوّلوا معنى {وليست التوبة} له بأنّ المراد بها ندمُهُ يوم القيامة إذا مات كافراً، ويؤخذ منه أنّه إذا آمن قبل أن يموت قُبل إيمانه، وهو الظاهر، فقد ثبت في «الصحيح»: حديث : أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعندَه أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عمّ قل لا إلٰه إلا الله كلمة أحَاجّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: أترغب عن ملّة عبد المطلب. فكان آخر ما قال أبو طالب أنّه على ملّة عبد المطلب، فقال النبي: لأستغفرنّ لك ما لم أنْهَ عنكتفسير : . فنزلت {أية : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم}تفسير : [التوبة: 113] ويؤذن به عطف {ولا الذين يموتون وهم كفار} بالمغايرة بين قوله: {حتى إذا حضر أحدهم الموت} الآية وقوله: {ولا الذين يموتون وهم كفار}. وعليه فوجه مخالفة توبته لتوبة المؤمن العاصي أنّ الإيمان عمل قلبي، ونطق لساني، وقد حصل من الكافر التائب وهو حي، فدخل في جماعة المسلمين وتقوّى به جانبهم وفشت بإيمانه سمعة الإسلام بين أهل الكفر. وثانيهما: أنّ الكافر والعاصي من المؤمنين سواء في عدم قبول التوبة ممّا هما عليه، إذا حضرهما الموت. وتأوّلوا قوله: {يموتون وهم كفار} بأنّ معناه يُشرفون على الموت على أسلوب قوله {أية : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا}تفسير : [النساء: 9] أي لو أشرفوا على أن يتركوا ذرّيّة. والدّاعي إلى التأويل نظم الكلام لأنّ (لا) عاطفة على معمول لخبر التوبة المنفية، فيصير المعنى: وليست التوبة للذين يموتون وهم كفّار فيتوبون، ولا تعقل توبة بعد الموت فتعيّن تأويل (يموتون) بمعنى يشرفون كقوله {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم}تفسير : [البقرة: 240]، واحتجّوا بقوله تعالى في حقّ فرعون {أية : حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين}تفسير : [يونس: 90، 91] المفيد أنّ الله لم يقبل إيمانه ساعتئذ. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأنّ ذلك شأن الله في الذين نزل بهم العذاب أنّه لا ينفعهم الإيمان بعد نزول العذاب إلاّ قوم يونس قال تعالى: {أية : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}تفسير : [يونس: 98] فالغرق عذاب عذّب الله به فرعون وجنده. قال ابن الفرس، في أحكام القرآن: وإذا صحّت توبة العبد فإن كانت عن الكفر قطعنا بقبولها، وإن كانت عن سواه من المعاصي؛ فمن العلماء من يقطع بقبولها، ومنهم من لم يقطع ويظنّه ظنّا اهــــ.

القطان

تفسير : {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ...} انما التوبة مضمونة عند الله، أوجبَ قبولها على نفسه ـ بوعدِه الذي هو أثر من كرمه وفضله ـ للذين يعملون السيئات عن حماقة فيهم، وبفعل الطيش وعدم التبصر، ثم يندمون على ما فرط منهم ويتوبون الى الله. أولئك يقبل توبتهم، لأنه عليم بشئون عباده، يعلم ضعفهم ولا يؤاخذهم عليه. {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ...} ان التوبة غيرُ مقبولة من الذين يعملون السيئات وهم مصّرون عليها، ثم يتوبون عند حضور الموت. كذلك لا تقبل التوبة من الذين يموتون على الكفر، بل لقد أعدّ الله للفريقين عذاباً اليما.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِجَهَالَةٍ} {فَأُوْلَـٰئِكَ} (17) - إنَّ التَوْبَةَ التِي أَوْجَبَ اللهُ تَعَالَى عَلى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ قَبُولَهَا بِوَعْدِهِ كَرَماً مِنْهُ وَتَفْضُّلاً، لَيْسَت إلاّ لِمَنْ يَجْتَرِحُ السَّيِّئَاتِ بِجَهَالةٍ تُلاَبِسُ النَّفْسَ مِنْ ثَوْرَةِ غَضَبٍ، أوْ تَغَلُّبِ شَهْوَةٍ، ثُمَّ لاَ يَلْبَثُ أنْ يَنْدَمَ عَلَى مَا فَرَطَ مِنْهُ، وَيُنِيبُ إلى رَبِّهِ، وَيَتُوبُ وَيُقْلِعَ عَنْهَا. فَأولَئِكَ الذِينَ فَعَلُوا الذُّنُوبَ بِجَهَالَةٍ وَتَابُوا بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ، يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِم، لأنَّ الذُنُوبَ لَمْ تَتَرَسَّخُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَاللهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِضَعْفِ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُم لاَ يَسْلَمُونَ مِنْ عَمَلِ السُّوءِ، فَشَرَعَ بِحِكْمَتِهِ قَبولَ التَّوْبَةِ، فَفَتَحَ لَهُمْ بَابَ الفَضِيلةِ، وَهَدَاهُمْ إلى مَحْوِ السَّيِّئَةِ. السُّوءَ - هُوَ العَمَلُ القَبِيحُ الذِي يَسُوءُ فَاعِلَهُ إذَا كَانَ عَاقِلاً سَوِيَّ الفِطْرَةِ. الجَهَالَةُ - الجَهْلُ وَتَغَلُّبُ السَّفَهِ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ ثَوْرَةِ الشَّهْوَةِ أوِ الغَضَبِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهَا الحِلْمُ وَتَنْسَى الحَقَّ. يَعْمَلُونَ السُّوءَ - يَفْعَلُونَ مَا يَسُوءُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولنلتفت إلى دقة الأداء القرآني، هو سبحانه يقول: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ ..} [النساء: 17] وقد يقول واحد: ما دام الحق شرع التوبة، فلأفعل ما أريد من المعاصي وبعد ذلك أتوب. نقول له: إنك لم تلتفت إلى الحكمة في إبهام ساعة الموت، فما الذي أوحى لك أنك ستحيا إلى أن تتوب؟ فقد يأخذك الموت فجأة وأنت على المعصية، وعليك أن تلتفت إلى دقة النص القرآني: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17]. وفعل السوء بجهالة، أي بعدم استحضار العقوبة المناسبة للذنب، فلو استحضر الإنسان العقوبة لما فعل المعصية. بل هو يتجاهل العقوبة؛ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". تفسير : فلو كان إيمانه صحيحاً ويتذكر تماماً أن الإيمان يفرض عليه عدم الزنَى، وأن عقوبة الزنَى هي الجلد أو الرجم، لما قام بذلك الفعل. والحق قد قال: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} [النساء: 17] فهناك مَنْ يفعل المعصية ويخطط لها ويفرح بها ويُزْهَى بما ارتكب ويفخر بزمن المعصية، وهناك مَنْ تقع عليه المعصية وبمجرد أن تنتهي يظل نادماً ويضرب نفسه ويعذبها ويتساءل لماذا فعلت ذلك؟ وأضرب مثلاً للتمييز بين الاثنين، نجد اثنين يستعد كل منهما للسفر إلى باريس، واحد منهما يسأل قبل سفره عن خبرة مَنْ عاشوا في عاصمة فرنسا، ويحاول أن يحصل على عناوين أماكن اللهو والخلاعة، وما إن يذهب إلى باريس حتى ينغمس في اللهو وعندما يعود يظل يفاخر بما فعل من المعاصي. وأما الآخر فقد سافر إلى باريس للدراسة، وبيْنما هو هناك ارتكب معصية تحت إغراء وتزيين، إذن هو إنسان وقعت عليه المعصية ودون تخطيط، وبعد أن هدأت شِرَّة الشهوة غرق في الندم، وبعد أن عاد استتر من زمن المعصية. هكذا نرى الفارق بين المخطط للمعصية وبين مَنْ وقعت عليه المعصية. والله سبحانه حين قدَّر أمر التوبة على خلقه رحم الخلق جميعاً بتقنين هذه التوبة، وإلا لغرق العالم في شرور لا نهاية لها، بداية من أول واحد انحرف مرة واحدة فيأخذ الانحراف عملاً له، والمهم في التائب أن يكون قد عمل السوء بجهالة، ثم تاب من قريب. والرسول صلى الله عليه وسلم حين حدد معنى {مِن قَرِيبٍ ..} [النساء: 17] قال: (إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر). والحوار الذي دار بين الحق وبين إبليس: {أية : قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 39-40]. إن إبليس قال ذلك وظن أنه سيهلك البشر جميعاً ويوقعهم في المعصية إلا عباد الله الذين اصطفاهم وأخلصهم له، لكن الله - سبحانه - خيَّب ظنه وشرع قبول توبة العبد ما لم يغرغر، لم يصل إلى مرحلة خروج الروح من الجسد. فإذا ما قدم العبد التوبة لحظة الغرغرة فماذا يستفيد المجتمع؟ لن يستفيد المجتمع شيئاً من مثل هذه التوبة؛ لأنه تاب وقت ألاّ شر له؛ لذلك فعلى العبد أن يتوب قبل ذلك حتى يرحم المجتمع من شرور المعاصي. {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ..} [النساء: 17] هل يتوب أولاً، ثم يتوب الله عليه؟ أنه سبحانه يقول: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. هنا وقف العلماء وحق لهم أن يتساءلوا: هل يتوب العبد أولاً وبعد ذلك يقبل الله التوبة؟ أم أن الله يتوب على العبد أولاً ثم يتوب العبد؟، صريح الآية هو: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118] ونقول: وهل يتوب واحد ارتجالاً منه، أو أن الله شرع التوبة للعباد؟ لقد شرع الله التوبة فتاب العبد، فقبل الله التوبة. نحن إذن أمام ثلاثة أمور: هي أن الله شرع التوبة للعباد ولم يرتجل أحد توبته ويفرضها على الله، أي أن أحداً لم يبتكر التوبة، ولكن الذي خلقنا جميعاً قدَّر أن الواحد قد يضعف أمام بعض الشهوات فوضع تشريع التوبة. وهو المقصود بقوله {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118] أي شرع لهم التوبة وبعد ذلك يتوب العبد إلى الله {أية : لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118] وبعد ذلك يكون القبول من الله وهو القائل: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ ..} تفسير : [غافر: 3]. تأمل كلمة {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ ..} [النساء: 17] تجدها في منتهى العطاء، فإذا كان الواحد فقيراً ومديناً وأحال دائنه إلى غنى من العباد فإنّ الدائن يفرح؛ لأن الغنيّ سيقوم بسداد الدين وأدائه إلى الدائن، فما بالنا بالتوبة التي أحالها الله على ذاته بكل كماله وجماله، إنه قد أحال التوبة على نفسه لا على خلقه، وهو سبحانه أوجب التوبة على نفسه ولا يملك واحد أن يرجع فيها، ثم قال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} [النساء: 17] أي أن العبد يرجو التوبة من الله، وحين قال: {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ..} [النساء: 17] أي أن سبحانه قابل للتوب وغافر للذنب وحين يقول سبحانه: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17] فنحن نعلم أن كل تقنين لأي شيء يتطلب علماً واسعاً بما يمكن أن يكون وينشأ. والذين يتخبطون في تقنينات البشر، لماذا يقننون اليوم ثم يعدلون عن التقنين غداً؟ لأنهم ساعة قننوا غاب عنهم شيء من الممكن أن يحدث، فلما حدث ما لم يكن في بالهم استدركوا على تقنينهم. إذن فالاضطراب ينشأ من عدم علم المقنن بكل أحوال مَنْ يقنن لهم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، والمقنن من البشر قد لا يستوعب الأحداث الماضية، وذلك لأنه لا يستوعبها إلا في بيئته أو في البيئة التي وصله خبرها، فحتى في الماضي لا يقدر، ولا في المستقبل يقدر، وكذلك في الحاضر أيضاً، فالحاضر عند بيئة ما يختلف عن الحاضر في بيئة أخرى. ونحن نعرف أن حواجز الغيب ثلاثة: أي أن ما يجعل الشيء غيباً عن الإنسان هو ثلاثة أمور: الأمر الأول: هو الزمن الماضي وما حدث فيه من أشياء لم يرها المعاصرون ولم يعرفوها؛ لذلك فالماضي قد حُجز عن البشر بحجاب وقوع الأحداث في ذلك الماضي؛ ولذلك يلفتنا الله سبحانه وتعالى في تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ ..} تفسير : [القصص: 44]. ورسول الله لم يكن مع موسى ساعة أن قضى الله لموسى الأمر، ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميّاً لا يمكنه أن يقرأ التاريخ أو يتعلمه. ويقول أيضاً سبحانه: {أية : وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 44]. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشهد تلك الأزمان التي يأتيه خبرها عن الله، والرسول أمي بشهادة الجميع ولم يجلس إلى معلم. إذن فالذي اخترق حجاب الزمن وأخبر الرسول بتلك الأحداث هو الله. والأمر الثاني: هو حجاب الحاضر، حيث يكون الحجاب غير قادم من الزمن لأن الزمن واحد، ولكن الحجاب قادم من اختلاف المكان، فأنا أعرف ما يحدث في مكاني، ولكني لا أعرف ما الذي يحدث في غير المكان الذي أوجد به، ولا يقتصر الحجاب في الحاضر على المكان فقط ولكن في الذات الإنسانية بأن يُضمر الشخصُ الشيء في نفسه. فالحق يقول: {أية : وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ ..} تفسير : [المجادلة: 8]. هنا يخبر الله سبحانه الرسول عن شيء حاضر ومكتوم في نفوس أعدائه. وبالله لو لم يكونوا قد قالوه في أنفسهم، لما صدقوا قول الرسول الذي جاءه إخباراً عن الله. وقد خرق الله أمام رسوله حجاب الذات وحجاب المكان. والأمر الثالث: هو حجاب المستقبل، فيقول القرآن: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45]. ونلحظ أن كلمة {أية : سَيُهْزَمُ ..} تفسير : [القمر: 45] فيها حرف "السين" التي تُنبئ عن المستقبل، وقد نزلت هذه الآية في مكة وقت أن كان المسلمون قلة وهم مضطهدون ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم. وعندما يسمعها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينفعل ويقول لرسول الله: أي جمع هذا؟ وجاء الجمع في بدر وولَّى الدبر. حدث ذلك الإخبار في مكة، ووقعت الأحداث بعد الهجرة. وكانت الهجرة في الترتيب الزمني مستقبلاً بالنسبة لوجود المسلمين في مكة. أكان من الممكن أن يقول سبحانه: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] لولا أن ذلك سيحدث بالفعل؟ لو حدث غير ذلك لكذبه المؤمنون به. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك إبلاغاً عن الله وهو واثق، ويطلقها الله على لسان رسوله حُجة فيمسكها الخصم، ثم يثبت صدقها لأن الذي قالها هو مَنْ يخلق الأحداث ويعلمها. ويأتي في الوليد بن المغيرة وهو ضخم وفحل وله مهابة وصيت وسيد من سادة قريش، فيقول الحق: {أية : سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ} تفسير : [القلم: 16]. أي سنضربه بالسيف ضربة تجعل على أنفه علامة في أعلى منطقة فيه. ويأتي يوم بدر، فيجدون الضربة على أنف الوليد. لقد قالها الحق على لسان رسوله في زمن ماض ويأتي بها الزمن المستقبل، وعندما تحدث هذه المسألة فالذين آمنوا بمحمد وبالقرآن الذي نزل على محمد يتأكدون من صدق رسول الله في كل شيء. ويأخذون الجزئية البسيطة ويرقُّونها فيصدقون ما يخبرهم به من أمر الدنيا والآخرة. ويقولون: - إذا أخبرنا رسول الله بغيب يحدث في الآخرة فهو الصادق الأمين، ويأخذون من أحداث الدنيا الواقعة ما يكون دليلاً على صدق الأحداث في الآخرة. ويذيل الحق الآية: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17] أي عليماً بالتقنينات فشَرَّع التوبة لعلمه - جل شأنه - بأنه لو لم يشرِّع التوبة، لكان المذنب لمرة واحدة سبباً في شقاء العالم؛ لأنه - حينئذ - يكون يائساً من رحمة الله. إذن فرحمة منه - سبحانه - بالعالم شرّع الله التوبة. وهو حكيم فإياك أن يتبادر إلى ذهنك أن الحق قد حمى المجرم فحسب حين شرع له التوبة، إنه سبحانه قد حمى غير المجرم أيضاً. وساعة نسمع الزمن في حق الحق سبحانه وتعالى كقوله: "كان" فلا نقول ذلك قياساً على زماننا نحن، أو على قدراتنا نحن، فكل ما هو متعلق بالحق علينا أن نأخذه في نطاق {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. فقد يقول الكافر: "إن علم الله كان" ويحاول أن يفهمها على أنه علم قد حدث ولا يمكن تكراره الآن، لا، فعلم الله كان ولا يزال؛ لأن الله لا يتغير، وما دام الله لا يتغير، فالثابت له من قبل أزلاً يثبت له أبداً, والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وما دام قد قدر سبحانه وضع الشيء، فالشيء إنما جاء عن علم، وحين يطابق الشيء موضعه فهذه هي مطلق الحكمة. والحق يقول: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 17]. لقد شرع الله سبحانه التوبة ليتوب عباده، فإذا تابوا قَبِلَ توبتَهم، وهذا مبني على العلم الشامل والحكمة الدقيقة الراسخة. وانظروا إلى دقة العبارة في قوله: "إنما التوبة على الله"، فساعة يوجد فعل إيجابي يقال: على مَن، لكن عندما لا يأتي بفعل إيجابي لا يقال: عل مَن، بل يقال: ليس بالنفي. إنّ الحق عندما قرر التوبة عليه - سبحانه - وأوجبها على نفسه، للذين يعملون السوء بجهالة ويتوبون فوراً، إنه يدلنا أيضاً على مقابل هؤلاء، فيقول: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} [معناهُ] بِعَمْدٍ. ويقالُ بِعَمْدٍ وَبِغَيْرِ عَمْدٍ. تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: كُلُّ شَيءٍ دُونَ المَوتِ؛ فَهْوَ قَريبٌ.

الأندلسي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} فيه محذوفان التقدير إنما قبول التوبة على فضل الله وليس ذلك على سبيل الوجوب كما ذهب إليه الزمخشري وغيره من المعتزلة. والسوء يعم الكفر والمعاصي. و{بِجَهَالَةٍ} في موضع الحال أي جاهلين بما يترتب على المعصية من العقوبة لأنه لو تيقن العقوبة لما عصى. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} أي من زمان قريب من زمان المعصية فلا يصرون على فعلها. كقوله تعالى: {أية : وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [ال عمران: 135]. {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} نفى تعالى أن تكون التوبة للعاصي الصائر في حيز اليأس من الحياة ولا للذي وافى على الكفر، فالأول كفرعون إذ لم ينفعه إيمانه وهو في غمرة الماء والغرق وكالذين قال تعالى فيهم: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85]، وحضور الموت أول أحوال الآخرة فكما أن من مات على الكفر لا تقبل منه التوبة في الآخرة فكذلك هنا الذي حضره الموت. قال الزمخشري: فإِن قلت: من المراد بالذين يعملون السيئات أهم الفساق من أهل القبلة أم الكفار؟ قلت: فيه وجهان أحدهما: أنه يراد به الكفار لظاهر قوله وهم كفار، وأن يراد به الفساق لأن الكلام إنما وقع في الزانيين والإِعراض عنهما إن تابا وأصلحا، ويكون قوله: وهم كفار، واردا على سبيل التغليظ، كقوله: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]. وقوله: فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر، لأن من كان مصدقاً ومات وهو لا يحدث نفسه بالتوبة حاله قريب من حال الكفار لا يجترىء على ذلك إلا قلب مصمت. انتهى كلامه وهو في غاية الاضطراب لأنه قبل ذلك محل الآية على أنها دالة على قسمين أحدهما: الذين سوفوا بالتوبة إلى حضور الموت. والثاني: الذين ماتوا على الكفر وفي هذا الجواب حمل الآية على أنها أريد بها أحد القسمين إما الكفار فقط وهم الذين وصفوا عنده بأنهم يعملون السيئات ويموتون على الكفر. وعلل هذا الوجه بقوله لظاهر قوله: وهم كفار، فجعل هذه الحالة دالة على أنه أريد بالذين يعملون السيئات هم الكفار وأما الفساق من المؤمنين فيكون قوله: وهم كفار، لا يراد به الكفر حقيقة ولا أنهم يوافون على الكفر حقيقة وإنما جاء ذلك على سبيل التغليظ عنده فقد خالف تفسيره في هذا الجواب صدر تفسيره في الآية أولاً وكل ذلك انتصاراً لمذهبه حتى يرتب العذاب إما للكافر وإما للفاسق، فخرج بذلك عن قوانين النحو. والحمل على الظاهر لأن قوله: وهم كفار، ليس ظاهره إلا أنه قيد في قوله: ولا الذين يموتون، وظاهره الموافاة على الكفر حقيقة وكما أنه شرط في انتفاء قبول توبة الذين يعملون السيئات إيقاعها في حال حضور الموت كذلك شرط في ذلك كفرهم حالة الموت، وظاهر العطف التغاير. والزمخشري في هذا كما قيل في المثل: شعر : حبك للشيء يعمي ويصم تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، قال ابن عباس وعكرمة والحسن وأبو مجلز: كان أولياء الميت أحق بامرأته من أهلها إن شاؤا تزوجها أحدهم أو زوجوها غيرهم أو منعوها وكان ابنه من غيرها يتزوجها وكان ذلك في الأنصار لازماً وفي قريش مباحاً. وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه من غيره يتزوجها. وقال السدي: إن سبق الولي فوضع ثوبه عليها كان أحق [بها أو سبقته إلى أهلها كانت أحق] بنفسها فأذهب الله تعالى ذلك بهذه الآية، والخطاب للأولياء نهوا أن يرثوا النساء المخلفات عن المولي كما يورث المال. والمراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة لا جوازها في حال الطوع استدلالاً بالآية فخرج قيد الكرة مخرج الغالب لأن غالب أحوالهن ان يكنّ مجبورات على ذلك إذا كان أولياؤه أحق بها من أولياء نفسها. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} أي لا تحبسوهن وتضيقوا عليهن. وظاهر هذا الخطاب أنه للأزواج، لقوله: {بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} لأن الزواج هو الذي أعطاها الصداق وكان يكره صحبة زوجته ولها عليه مهر فيحبسها ويضربها حتى تفتدي منه، قاله ابن عباس. ويحتمل أن يكون الخطاب للأولياء والأزواج في قوله: يا أيها الذين آمنوا فلفّوا في هذا الخطاب ثم أفرد كل واحد في النهي بما يناسبه فخوطب الأولياء بقوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً. وخوطب الأزواج بقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فعاد كل خطاب إلى ما يناسبه والظاهر أن قوله: ولا تعضلوهن إن لا نهي. والفعل مجزوم بها والواو عاطفة جملة طلبية على جملة خبرية لتضمن الخبرية معنى النهي. لأن معنى قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ} لا ترثوا النساء. هذا على قول من مذهب إلى أن العطف على الجمل يشترط فيها المناسبة واما على مذهب سيبويه فلا يشترط، فيجوز عطف جملة النهي على جملة الخبر. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون تعضلوهن نصباً عطفاً على ترثوا فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل. وقرأ ابن مسعود: ولا ان تعضلوهن فهذه قراءة تقوّي احتمال النصب، وإن العضل مما لا يحل بالنص وعلى تأويل الجزم هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهة، واحتمال النصب أقوى. "انتهى" ما ذكره من تجويز هذا الوجه وهو لا يجوز وذلك انك إذا عطفت فعلاً منفياً بلا على مثبت وكانا منصوبين فإِن الناصب لا يقدر إلا بعد حرف العطف لا بعد لا فإِذا قلت: أريد أن أتوب ولا أدخل النار، فالتقدير أريد أن أتوب وأن لا أدخل النار لأن الفعل يطلب الأول على سبيل الثبوت. والثاني على سبيل النفي. فالمعنى أريد التوبة وانتفاء دخولي النار فلو كان الفعل المتسلط على المتعاطفين منفياً فكذلك، ولو قدرت هذا التقدير في الآية لم يصح. لو قلت: لا يحل لكم أن لا تعضلوهن لم يصح إلا أن تجعل لا زائدة لا نافية وهو خلاف الظاهر، واما أن تقدر ان بعد لا النافية فلا يصح وإذا قدرت ان بعد لا كان من باب عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر لا من باب عطف الفعل على الفعل فالتبس على ابن عطية العطفان وظن أنه بصلاحية تقدير ان بعد لا، يكون من عطف الفعل على الفعل، وفرق بين قولك: لا أريد أن تقوم وان لا تخرج، وقولك: لا أريد أن تقوم ولا أن تخرج. ففي الأول نفي إرادة وجود قيامه وإرادة انتفاء خروجه فقد أراد خروجه، وفي الثانية نفي إرادة وجود قيامه ووجود خروجه فلا يريد لا القيام ولا الخروج وهذا في فهمه بعض غموض على من لم يتمرن في علم العربية. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وهذا استثناء متصل ولا حاجة إلى دعوى الانقطاع فيه كما ذهب إليه بعضهم وهو استثناء من ظرف زمان عام أو من علة كأنه قيل: ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت أن يأتين، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا أن يأتين. والظاهر أن الخطاب بقوله: ولا تعضلوهن للأزواج إذ ليس للولي حبسها حتى يذهب مما لها إجماعاً من الأمة وإنما ذلك للزوج على ما تبين. والفاحشة هنا الزنا، قاله أبو قلابة والحسن. قال الحسن: إذا زنت البكر جلدت مائة ونفيت سنة وردت إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة: إذا زانت المرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال عطاء: كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود. وقال ابن سيرين وأبو قلابة: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها. وقال قتادة: لا يحل له أن يحبسها ضرراً حتى تفتدي منه، يعني وإن زنت. وقال ابن عباس وعائشة والضحاك وغيرهم: الفاحشة هنا النشوز، فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها. وهذا مذهب مالك. وقال قوم: الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} هذا أمر بحسن المعاشرة. والظاهر أنه أمر للأزواج لأن التلبس بالمعاشرة غالباً إنما هو للأزواج وكانوا يسيئون معاشرة النساء. وقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} هو النصفة في المبيت والنفقة والاجمال في القول. ويقال: المرأة تسمن من أذنها. {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي كرهتم معاشرتهن. وعسى معناها الترجي، ولذلك جاء الجواب للشرط بالفاء من قوله: فعسى. و{شَيْئاً} أي شيئاً من أخلاقهن ولم يعد الضمير عليهن وهو كقوله: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216]، والضمير في فيه: عائد على شيء أو على الكراهة وهو المصدر المفهوم من قوله: ان تكرهوا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن التوبة والثواب، والتأيب الآيب إلى الباب بقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ} [النساء: 17]، إشارة في الآيتين: إنما التوبة على الله التي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبولها، إنما هي توبة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} [النساء: 17] فحسب، فإن للنفس الأمارة صفتين: الظلومية والجهولية، والجهولية داخلة في الظلومية؛ لأن الظلومية تقتضي المعصية والإصرار عليها، والإصرار على المعصية يؤدي إلى الشرك، والشرك يميت القلب، ولهذا وصف الله تعالى الشرك بالظلم العظيم وقال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]، والجهولية تقتضي المعصية فحسب، فالعمل إذا كان مصدره الجهولية فحسب يكون على عقبة التوبة، كما قال تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [النساء: 17]، وللقريب هاهنا معنيان: أحدهما: أن تكون التوبة عقيب المعصية فيقبلها الله فيمحوها بها، كما قيل في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} تفسير : [هود: 114] والحسنات: هي التوبة عقبيها في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اتبع السيئة الحسنة تمحها الحسنة"تفسير : ؛ هي التوبة، والمعنى الثاني: من قريب؛ أي: قبل أن يموت القلب بالإصرار، فإن الله لا يقبل التوبة من قلب ميت؛ لأنها تكون باللسان اضطرارية، وبالقلب اختيارية، {فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} [النساء: 17]؛ يعني: هذا الذي أوجب الله تعالى بفضله على ذمة كرمه قبل خلقهم أن يوفقهم للتوبة، {وَكَانَ ٱللَّهُ} [النساء: 17] في ذلك التقدير، {عَلِيماً} [النساء: 17] بمن يتوب عقيب المعصية، {حَكِيماً} [النساء: 17]، فيما قدر ودبر من الأمور. {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ} [النساء: 18]؛ يعني: المقبولة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} [النساء: 18] المصرين عليها من الظلومية، {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} [النساء: 18]؛ يعني: موت القلب بالإصرار، {قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} [النساء: 18]، باللسان اضطراراً، أو يتوب بترك عمل السوء تكلفاً، ولا يرجع قلبه إلى الله تعالى، فإن أصل التوبة الرجوع بالكلية إلى الله تعالى ظاهراً وباطناً، {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} [النساء: 18]؛ يعني: ولا يقبل توبة من يموت وقلبه ميت بالكفر، {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ} [النساء: 18]؛ أي: قدر قبل خلقهم {عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 18]؛ أي: عذاب الكفر في الدنيا وهو مؤلم في الآخرة. ثم أخبر عن أهل الإيمان، ونهاهم عن عقل النسوان بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} [النساء: 19]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أرشد بقوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} [النساء: 19]، إلى أن هذه المعاملات من عضل النسوان، ومنعهن من الزواج طمعاً في ميراثهن، أو إضرارهن ليفتدين منكم، {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]؛ لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن من المهور، أو تأخذون ما أعطيتموهن من المهر ولو كان قنطاراً، {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} [النساء: 19]. ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} [النساء: 19]، وتصبروا عليه لله تعالى: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19] في الدنيا والآخرة، فإن الخير الكثير ما يكون باقياً ولا يكون الفاني إلا قليلاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : توبة الله على عباده نوعان: توفيق منه للتوبة، وقبول لها بعد وجودها من العبد، فأخبر هنا -أن التوبة المستحقة على الله حق أحقه على نفسه، كرما منه وجودا، لمن عمل السوء أي: المعاصي { بِجَهَالَةٍ } أي: جهالة منه بعاقبتها وإيجابها لسخط الله وعقابه، وجهل منه بنظر الله ومراقبته له، وجهل منه بما تئول إليه من نقص الإيمان أو إعدامه، فكل عاص لله، فهو جاهل بهذا الاعتبار وإن كان عالما بالتحريم. بل العلم بالتحريم شرط لكونها معصية معاقبا عليها { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } يحتمل أن يكون المعنى: ثم يتوبون قبل معاينة الموت، فإن الله يقبل توبة العبد إذا تاب قبل معاينة الموت والعذاب قطعا. وأما بعد حضور الموت فلا يُقبل من العاصين توبة ولا من الكفار رجوع، كما قال تعالى عن فرعون: {أية : حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } تفسير : الآية. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } . تفسير : وقال هنا: { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } أي: المعاصي فيما دون الكفر. { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وذلك أن التوبة في هذه الحال توبة اضطرار لا تنفع صاحبها، إنما تنفع توبة الاختيار. ويحتمل أن يكون معنى قوله: { مِنْ قَرِيبٍ } أي: قريب من فعلهم للذنب الموجب للتوبة، فيكون المعنى: أن من بادر إلى الإقلاع من حين صدور الذنب وأناب إلى الله وندم عليه فإن الله يتوب عليه، بخلاف من استمر على ذنوبه وأصر على عيوبه، حتى صارت فيه صفاتٍ راسخةً فإنه يعسر عليه إيجاد التوبة التامة. والغالب أنه لا يوفق للتوبة ولا ييسر لأسبابها، كالذي يعمل السوء على علم تام ويقين وتهاون بنظر الله إليه، فإنه سد على نفسه باب الرحمة. نعم قد يوفق الله عبده المصر على الذنوب عن عمد ويقين لتوبة تامة [التي] يمحو بها ما سلف من سيئاته وما تقدم من جناياته، ولكن الرحمة والتوفيق للأول أقرب، ولهذا ختم الآية الأولى بقوله: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } . فمِن علمه أنه يعلم صادق التوبة وكاذبها فيجازي كلا منهما بحسب ما يستحق بحكمته، ومن حكمته أن يوفق من اقتضت حكمته ورحمته توفيقَه للتوبة، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله عدمَ توفيقه. والله أعلم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 205 : 31 : 21 - سفين عن عثمن بن الأسود عن مجاهد في قول الله {إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ} قال، ما أتى من خطأ أو عمد، فهو جهالة. [الآية 17]. 206 : 32 : 22 - سفين عن بن جريج عن عطاء مثله.

همام الصنعاني

تفسير : 533- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}: [الآية: 17]، قال: اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء وُصِيَ به الله فهو جَهَالة، عَمْداً كانَ أَوْ غيْرَ ذلِك. 534- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثَّوري، عن مجاهد قال: الجهالة، العَمْد. 537- حدثنا عبد الرزاق، قال: حدَّثنا الثَّوْري، عن رجُلٍ عن الضَّحاك قال: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}: [الآية: 17]، قال: كُلُّ شيءٍ قَبْلَ المت فهو قريبٌ.