Verse. 511 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلَيْسَتِ التَّوْبَۃُ لِلَّذِيْنَ يَعْمَلُوْنَ السَّـيِّاٰتِ۝۰ۚ حَتّٰۗي اِذَا حَضَرَ اَحَدَھُمُ الْمَوْتُ قَالَ اِنِّىْ تُبْتُ الْـــٰٔنَ وَلَا الَّذِيْنَ يَمُوْتُوْنَ وَھُمْ كُفَّارٌ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ اَعْتَدْنَا لَھُمْ عَذَابًا اَلِـــيْمًا۝۱۸
Walaysati alttawbatu lillatheena yaAAmaloona alssayyiati hatta itha hadara ahadahumu almawtu qala innee tubtu alana wala allatheena yamootoona wahum kuffarun olaika aAAtadna lahum AAathaban aleeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وليست التوبة للذين يعملون السيئات» الذنوب «حتى إذا حضر أحدهم الموتُ» وأخذ في النزع «قال» عند مشاهدة ما هو فيه «إنِّي تبت الآن» فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه «ولا الذين يموتون وهم كفار» إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم «أولئك أعتدنا» أعددنا «لهم عذابا أليما» مؤلما.

18

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر شرائط التوبة المقبولة أردفها بشرح التوبة التي لا تكون مقبولة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على أن من حضره الموت وشاهد أهواله فان توبته غير مقبولة، وهذه المسألة مشتملة على بحثين: البحث الأول: الذي يدل على أن توبة من وصفنا حاله غير مقبولة وجوه: الأول: هذه الآية وهي صريحة في المطلوب، الثاني: قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر: 85] الثالث: قال في صفة فرعون: {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرٰءيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [يونس: 90، 91] فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الايمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولا، الرابع: قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبّ ٱرْجِعُونِ لَعَلّى أَعْمَلُ صَـٰلِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } تفسير : [المؤمنون: 99، 100] الخامس: قوله تعالى: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ وَلَن يُؤَخِرَ اللهُ نفساً إذا جَاءَ أَجَلها} تفسير : [المنافقون: 10، 11] فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت. السادس: روى أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، أي ما لم تتردد الروح في حلقه، وعن عطاء: ولو قبل موته بفواق الناقة. وعن الحسن: أن ابليس قال حين أهبط إلى الأرض: وعزتك لا أفارق ابن آدم ما دامت روحه في جسده، فقال: وعزتي لا أغلق عليه باب التوبة ما لم يغرغر. واعلم أن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } [النساء: 18] أي علامات نزول الموت وقربه، وهو كقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ } تفسير : [البقرة: 180]. البحث الثاني: قال المحققون: قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة، بل المانع من قبول التوبة مشاهدة الأحوال التي عندها يحصل العلم بالله تعالى على سبيل الاضطرار، وإنما قلنا إن نفس القرب من الموت لا يمنع من قبول التوبة لوجوه: الأول: أن جماعة أماتهم الله تعالى ثم أحياهم مثل قوم من بنى إسرائيل، ومثل أولاد أيوب عليه السلام، ثم إنه تعالى كلفهم بعد ذلك الاحياء، فدل هذا على أن مشاهدة الموت لا تخل بالتكليف. الثاني: أن الشدائد التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشدائد الحاصلة عند القولنج، ومثل الشدائد التي تلقاها المرأة عند الطلق أو أزيد منها، فاذا لم تكن هذه الشدائد مانعة من بقاء التكليف فكذا القول في تلك الشدائد. الثالث: أن عند القرب من الموت إذا عظمت الآلام صار اضطرار العبد أشد وهو تعالى يقول: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } تفسير : [النمل: 62] فتزايد الآلام في ذلك الوقت بأن يكون سببا لقبول التوبة أولى من أين يكون سبباً لعدم قبول التوبة، فثبت بهذه الوجوه أن نفس القرب من الموت ونفس تزايد الآلام والمشاق، لا يجوز أن يكون مانعاً من قبول التوبة، ونقول: المانع من قبول التوبة أن الانسان عند القرب من الموت إذا شاهد أحوالا وأهوالا صارت معرفته بالله ضرورية عند مشاهدته تلك الأهوال، ومتى صارت معرفته بالله ضرورية سقط التكليف عنه، ألا ترى أن أهل الآخرة لما صارت معارفهم ضرورية سقط التكليف عنهم وإن لم يكن هناك موت ولا عقاب، لأن توبتهم عند الحشر والحساب وقبل دخول النار، لا تكون مقبولة. واعلم أن ههنا بحثا عميقاً أصوليا، وذلك لأن أهل القيامة لا يشاهدون إلا أنهم صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتا، ويشاهدون أيضا النار العظيمة وأصناف الأهوال، وكل ذلك لا يوجب أن يصير العلم بالله ضروريا، لأن العلم بأن حصول الحياة بعد أن كانت معدومة يحتاج إلى الفاعل علم نظري عند أكثر شيوخ المعتزلة، وبتقدير أن يقال: هذا العلم ضروري لكن العلم بأن الاحياء لا يصح من غير الله لا شك أنه نظري، وأما العلم بأن فاعل تلك النيران العظيمة ليس إلا الله، فهذا أيضا استدلالي، فكيف يمكن ادعاء أن أهل الآخرة لأجل مشاهدة أهوالها يعرفون الله بالضرورة ثم هب أن الأمر كذلك، فلم قلتم بأن العلم بالله إذا كان ضروريا منع من صحة التكليف. وذلك أن العبد مع علمه الضروري بوجود الاله المثيب المعاقب قد يقدم على المعصية لعلمه بأنه كريم، وأنه لا ينفعه طاعة العبد ولا يضره ذنبه، وإذا كان الأمر كذلك، فلم قالوا: بأن هذا يوجب زوال التلكيف وأيضا: فهذا الذي يقوله هؤلاء المعتزلة من أن العلم بالله في دار التكليف يجب أن يكون نظريا، فاذا صار ضروريا سقط التكليف: كلام ضعيف، لأن من حصل في قلبه العلم بالله إن كان تجويز نقيضه قائما في قلبه، فهذا يكون ظنا لا علما، وإن لم يكن تجويز نقيضه قائما، امتنع أن يكون علم آخر أقوى منه وآكد منه، وعلى هذا التقدير لا يبقى ألبتة فرق بين العلم الضروري وبين العلم النظري فثبت أن هذه الأشياء التي تذكرها المعتزلة كلمات ضعيفة واهية، وأنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فهو بفضله وعد بقبول التوبة في بعض الأوقات، وبعدله أخبر عن عدم قبول التوبة في وقت آخر، وله أن يقلب الأمر فيجعل المقبول مردوداً، والمردود مقبولا {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23]. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر قسمين، فقال في القسم الأول: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوء بِجَهَـٰلَةٍ } تفسير : [النساء: 17] وهذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب، وقال في القسم الثاني: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث: وهم الذين لم يجزم الله تعالى بقبول توبتهم، ولم يجزم برد توبتهم. فلما كان القسم الأول: هم الذين يعملون السوء بجهالة، والقسم الثاني: هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين: هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد، ثم يتوبون، فهؤلاء ما أخبر الله عنهم أنه يقبل توبتهم، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم، بل تركهم في المشيئة، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء }. المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا تقبل توبته قال: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ } وفيه وجهان: الأول: معناه الذين قرب موتهم، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت، كذلك الايمان لا يقبل عند القرب من الموت. الثاني: المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم. المسألة الرابعة: تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين: الأول: قالوا إنه تعالى قال: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلأَنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق. الثاني: أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الاعلام معنى. والجواب: أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 81] وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات، ثم نقول الضمير يجب أن يعود الى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات من قوله: {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } هو قوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فلم لا يجوز أن يكون قوله: {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } عائدا إلى الكفار فقط، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك، فبين أن ايمانهم عند الموت غير مقبول، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله من الفاسق، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله: {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مختصاً بالكافرين، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والاذلال. أما الوجه الثاني: مما عولوا عليه: فهو أنه أخبر أنه لا توبة عند المعاينة، واذا كان لا توبة حصل هناك تجويز العقاب وتجويز المغفرة، وهذا لا يخلو عن نوع تخويف وهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] على أن هذا تمسك بدليل الخطاب، والمعتزلة لا يقولون به والله أعلم. المسألة الخامسة: أنه تعالى عطف على الذين يتوبون عند مشاهدة الموت، الكفار، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه، فهذا يقتضي أن الفاسق من أهل الصلاة ليس بكافر، ويبطل به قول الخوارج: إن الفاسق كافر، ولا يمكن أن يقال: المراد منه المنافق لأن الصحيح أن المنافق كافر، قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } تفسير : [المنافقون: 1] والله أعلم. المسألة السادسة: أعتدنا: أي أعددنا وهيأنا، ونظيره قوله تعالى في صفة نار جهنم: {أية : أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 24] احتج أصحابنا بهذه الآية على أن النار مخلوقة لأن العذاب الأليم ليس إلا نار جهنم وبرده، وقوله: {أَعْتَدْنَا } إخبار عن الماضي، فهذا يدل على كون النار مخلوقة من هذا الوجه،والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} سوى بين من سوف يتوب إلى حضور الموت من الفسقة والكفار، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة، وكأنه قال وتوبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء. وقيل المراد بالذين يعملون السوء عصاة المؤمنين، وبالذين يعملون السيئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم، وبالذين يموتون الكفار. {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تأكيد لعدم قبول توبتهم، وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء، والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة، وقيل أصله أعددنا فأبدلت الدال الأولى تاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ } الذنوب {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ } وأخذ في النزع {قَالَ } عند مشاهدة ما هو فيه {إِنّى تُبْتُ ٱلْئَ ٰنَ} فلا ينفعه ذلك ولا يقبل منه {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب لا تقبل منهم {أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا } أعددنا {لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } مؤلماً.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} عصاة المسلمين عند الجمهور أو المنافقون، سَوَّى بين من لم يتب وبين التائب عند حضور الموت.

النسفي

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ ٱلآنَ } أي ولا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال التكليف بحضور أسباب الموت ومعاينة ملك الموت، فإن توبة هؤلاء غير مقبولة لأنها حالة اضطرار لا حالة اختيار، وقبول التوبة ثواب ولا وعد به إلا لمختار {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ } في موضع جر بالعطف على «للذين يعملون السيئات» أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات ولا للذين يموتون {وَهُمْ كُفَّارٌ } قال سعيد بن جبير: الآية الأولى في المؤمنين، والوسطى في المنافقين، والآخرى في الكافرين. وفي بعض المصاحف بلامين وهو مبتدأ خبره. {أُوْلَٰـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } أي هيأنا من العتيد وهو الحاضر أو الأصل أعددنا فقلبت الدال تاء. كان الرجل يرث امرأة مورثه بأن يلقي عليها ثوبه فيتزوجها بلا مهر فنزلت { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك أو مكرهات « كرهاً » بالفتح من الكراهة وبالضم: حمزة وعلي من الإكراه مصدر في موضع الحال من المفعول. والتقييد بالكره لا يدل على الجواز عند عدمه، لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه كما في قوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ }تفسير : [الإسراء: 31]. وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } وهو منصوب عطفاً على «أن ترثوا» و«لا» لتأكيد النفي أي لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن، أو مجزوم بالنهي على الاستئناف فيجوز الوقف حينئذ على « كرها». والعضل: الحبس والتضييق {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } من المهر واللام متعلقة بـ «تعضلوا» {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } هي النشوز وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع. وعن الحسن: الفاحشة الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع {مُّبَيِّنَةٍ} وبفتح الياء: مكي وأبو بكر، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له كأنه قيل: ولا تعضلوهن في جميع الأوقات إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لأن يأتين بفاحشة. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } لقبحهن أو سوء خلقهن {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ } في ذلك الشيء أو في الكره {خَيْراً كَثِيراً } ثواباً جزيلاً أو ولداً صالحاً. والمعنى فإن كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين، وأدنى إلى الخير، وأحبت ما هو بضد ذلك ولكن للنظر في أسباب الصلاح. وإنما صح قوله {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ } جزاء للشرط لأن المعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه. وكان الرجل إذا رأى امرأة فأعجبته بهت التي تحته ورماها بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها فقيل: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } أي تطليق امرأة وتزوج أخرى {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ } وأعطيتم إحدى الزوجات، فالمراد بالزوج الجمع لأن الخطاب لجماعة الرجال {قِنْطَاراً } مالاً عظيماً كما في «آل عمران». وقال عمر رضي الله عنه على المنبر: لا تغالوا بصدقات النساء. فقالت امرأة: أنتبع قولك أم قول الله: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنطَاراً }. فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، تزوجوا على ما شئتم {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ } من القنطار {شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } أي بيناً، والبهتان أن تستقبل الرجل بأمر قبيح تقذفه به وهو بريء منه لأنه يبهت عند ذلك أي يتحير. وانتصب بهتاناً على الحال أي باهتين وآثمين. ثم أنكر أخذ المهر بعد الإفضاء فقال {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } أي خلا بلا حائل ومنه الفضاء، والآية حجة لنا في الخلوة الصحيحة أنها تؤكد المهر حيث أنكر الأخذ وعلل بذلك {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } عهداً وثيقاً وهو قول الله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ }تفسير : [البقرة: 229]. والله تعالى أخذ هذا الميثاق عى عباده لأجلهن فهو كأخذهن، أو قول النبي عليه السلام «حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله »تفسير : ولما نزل «لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً» قالوا: تركنا هذا لا نرثهن كرهاً ولكن نخطبهن فننكحهن برضاهن فقيل لهم: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاءِ } وقيل: المراد بالنكاح الوطء أي لا تطئوا ما وطيء آباؤكم، وفيه تحريم وطء موطوءة الأب بنكاح أو بملك يمين أو بزنا كما هو مذهبنا وعليه كثير من المفسرين. ولما قالوا: كنا نفعل ذلك فكيف حال ما كان منا؟ قال: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } أي لكن ما قد سلف فإنكم لا تؤاخذون به، والاستثناء منقطع عن سيبويه. ثم بين صفة هذا العقد في الحال فقال {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } بالغة في القبح {وَمَقْتاً } وبغضاً عند الله وعند المؤمنين وناس منهم يمقتونه من ذوي مروآتهم ويسمونه نكاح المقت وكان المولود عليه يقال له المقتى {وَسَاءَ سَبِيلاً } وبئس الطريق طريقاً ذلك. ولما ذكر في أول السورة نكاح ما طاب أي حل من النساء وذكر بعض ما حرم قبل هذا وهو نساء الآباء ذكر المحرمات الباقيات وهن سبع من النسب وسبع من السبب، وبدأ بالنسب فقال: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } والمراد تحريم نكاحهن عند البعض، وقد ذكرنا المختار في شرح المنار. والجدة من قبل الأم أو الأب ملحقة بهن {وَبَنَـٰتُكُمْ } وبنات الابن وبنات البنت ملحقات بهن، والأصل أن الجمع إذا قوبل بالجمع ينقسم الآحاد على الآحاد فتحرم على كل واحد أمه وبنته {وَأَخَوٰتُكُمْ } لأب وأم أو لأب أو لأم {وَعَمَّـٰتُكُمْ } من الأوجه الثلاثة {وَخَـٰلَـٰتُكُمْ } كذلك {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ } كذلك {وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ } كذلك. ثم شرع في السبب فقال {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ } الله تعالى نزل الرضاعة منزلة النسب فسمى المرضعة، أما للرضيع والمراضعة أختاً وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير الرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها خالته، وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، وأصله قوله عليه السلام "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"تفسير : {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } وهن محرمات بمجرد العقد {وَرَبَائِبُكُمُ } سمى ولد المرأة من غير زوجها ربيباً وربيبة لأنه يربّهما كما يرب ولده في غالب الأمر، ثم اتسع فيه فسميا بذلك وإن لم يربهما {ٱلَّٰتِى فِي حُجُورِكُمْ } قال داود: إذ لم تكن في حجره لا تحرم. قلنا: ذكر الحجر على غلبة الحال دون الشرط، وفائدته التعليل للتحريم وأنهن لاحتضانكم لهن أو لكونهن بصدد احتضانكم كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على بناتكم {مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } متعلق بـ «ربائبكم» أي الربيبة من المرأة المدخول بها حرام على الرجل حلال له إذا لم يدخل بها. والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم «بنى عليها وضرب عليها الحجاب» أي أدخلتموهن الستر والباء للتعدية. واللمس ونحوه يقوم مقام الدخول، وقد جعل بعض العلماء « اللاتي دخلتم بهن» وصفاً للنساء المتقدمة والمتأخرة وليس كذلك، لأن الوصف الواحد لا يقع على موصوفين مختلفي العامل، وهذا لأن النساء الأولى مجرورة بالإضافة، والثانية بـ «من»، ولا يجوز أن تقول «مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات» على أن تكون الظريفات نعتاً لهؤلاء النساء وهؤلاء النساء كذا قال الزجاج وغيره، وهذا أولى مما قاله صاحب الكشاف فيه. {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فلا حرج عليكم في أن تتزوجوا بناتهن إذا فارقتموهن أو متن {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ } جمع حليلة وهي الزوجة لأن كل واحد منهما يحل للآخر، أو يحل فراش الآخر من الحل، أو من الحلول {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } دون من تبنيتم فقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب حين فارقها زيد وقال الله تعالى: {أية : لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ }تفسير : [الأحزاب: 37]. وليس هذا لنفي الحرمة عن حليلة الابن من الرضاع {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ } أي في النكاح وهو في موضع الرفع عطف على المحرمات أي وحرم عليكم الجمع بين الأختين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } وعن محمد بن الحسن رحمه الله أن أهل الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب ونكاح الأختين فلذا قال فيهما:. «إلا ما قد سلف»

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} قال ابن عباس: يريد الشرك وقال أبو العالية وسعيد بن جبير: هم المنافقون وقال سفيان الثوري هم المسلمون ألا ترى أنه قال ولا والذين يموتوا وهم كفار {حتى إذا حضر أحدهم الموت} يعني وقع في النزاع وعاين ملائكة الموت وهو حالة السوق حين تساق الروح للخروج من جسده {قال إني تبت الآن} قال المحققون قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه وهو قوله تعالى: حتى إذا أدركه الغرق. قال: آمنت أنه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}تفسير : [غافر: 85] فإن قلت قد تعلقت الوعيدية بهذه الآية وقالوا أخبر الله تعالى إن عصاة المؤمنين إذا أهملوا أمرهم إلى انقضاء آجالهم حصلوا على عذاب الآخرة مع الكفار لأن الله تعالى جمعهم في قوله أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً، وأيضاً أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند معاينة الموت وأسبابه. قلت ليس الأمر على ما زعموا فقد روي عن ابن عباس في قوله وليست التوبة للذين يعملون السيئات يريد الشرك وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية الأولى في المؤمنين يعني قوله: إنما التوبة على الله والوسطى في المنافقين يعني قوله وليست التوبة والأخرى في الكافرين يعني قوله ولا الذين يموتون وهم كفار وإذا كانت الآية نازلة في المنافقين والكفار فلا وجه لحملها على المؤمنين وعلى تقدير أن تكون الآية نازلة في عصاة المؤمنين فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات الآية، ثم أنزل الله تعالى بعد ذلك إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون لك لمن يشاء فحرم الله المغفرة على من مات وهو كافر وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يؤيسهم من المغفرة فعلى هذا القول تكون الآية منسوخة في حق المؤمنين. وقوله تعالى: {ولا الذين يموتون وهم كفار} معناه لا توبة للكفار إذا ماتوا على كفرهم وإنما لم تقبل توبتهم في الآخرة لرفع التكليف في الآخرة ومعاينة ما وعدوا به من العقاب {أولئك أعتدنا لهم} أي هيأنا لهم {عذاباً أليماً} قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} نزلت في أهل المدينة وذلك أنهم كانوا في الجاهلية في أول الإسلام إذا مات الرجل وخلف امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبة من ذوي عصبته، فألقى ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره فإن شاء تزوجها بغير صداق إلاّ الصداق الأول الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها غيره وأخذ هو صداقها وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضراها بذلك لتفتدي منه بما ورثت من الميت أو تموت هي فيرثها فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه كانت أحق بنفسها وكانوا على ذلك حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقيل اسمه قيس بن أبي قيس فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها فلم ينفق عليها يضارها بلك لتفتدي منه فأتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله إن أبا قيس توفي وورث نكاحي ابنه فلا هو ينفق عليّ ولا هو يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال اقعدي في بيتك حتى يأتي أمر الله فيك فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} يعني ميراث نكاح النساء وقيل في معناه إن ترثوا أموالهن كرهاً يعني وهن كارهات {ولا تعضلوهن} أي ولا تمنعوهن من الأزواج وأصل العضل المنع {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} يعني لتضجر فتفتدي ببعض مالها قيل هو خطاب للأزواج قال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له امرأة وهو كاره لها ولصحبتها ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي منه وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله عن ذلك وقيل كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها ثم يطلقها يضارها بذلك فنهوا عن ذلك وهو خطاب لأولياء الميت فنهاهم الله عن عضل المرأة ثم قال تعالى: {إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة} يعني فحينئذٍ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم واختلفوا في الفاحشة المبينة فقيل هي النشوز وسوء الخلق وإيذاء الزوج وأهله، وقيل الفاحشة هي الزنى يعني أن المرأة إذا نشزت أو زنت حلّ للزوج أن يسألها الخلع وقيل كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ منها زوجها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ الله ذلك بالحدود {وعاشروهن بالمعروف} قيل هو راجع للكلام الذي قبله والمعنى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وعاشروهن بالمعروف هو الإجمال في القول والمبيت والنفقة وقيل هو أن تصنع لها كما تحب أن تصنع لك {فإن كرهتموهن} يعني فإن كرهتم عشرتهن وصحبتهن وآثرتم فراقهن {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} قال ابن عباس: ربما رزق منها ولداً صالحاً فجعل الله في ولدها خيراً كثيراً فتنقلب تلك الكراهة محبة والنفرة رغبة، وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهية لها لأنه إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلباً للثواب وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى وقيل في معنى الآية إنكم إن كرهتموهن ورغبتم في فراقهن فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً وذلك بأن تخلص من هذا الزوج الكاره لها وتتزوج غيره خيراً منه.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني: المعاصي، لما ذكر شَرَائِطَ التَّوْبَةِ المقبولة، أرْدَفَهَا بِشَرْحِ التَّوبة التي لا تكونُ مقبولة، قوله: {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} "حتَّى" حرف ابتداء، والجملةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَهَا غايةٌ لما قَبْلََهَا، أي: ليست التَّوْبَةُ لقوم يَعْمَلُونَ السَّيَئاتِ، وغايةُ عملهم إذَا حَضَرَ أحدَهُمُ المَوْتُ قالوا "كيت وكيت" هذا وجه حَسَنٌ، ولا يجوزُ أنْ تكُونَ "حتى" جارّة لـ "إذا" أي: يعملون السَّيِّئاتِ إلى وقت حضور الموتِ من حيثُ إنَّهَا شرطيَّةٌ، والشَّرْطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا "حتَّى" جارَّةً تعلَّقت بـ "يعملون" وأدوات الشَّرْطِ لا يعملُ فيها ما قَبْلَهَا، ألا ترى أنَّهُ يجوزُ "بمَنْ تمرر أمْرُرْ"، ولا يجوز: مَرَرْتُ بمن يقم أكرمْه، لأنَّ له صَدر الكلام، ولأنَّ "إذا" لا تَتَصَرَّفُ على المَشْهُورِ كما تَقَدَّمَ في أوَّل البَقَرَةِ؛ واستدلَّ ابْنُ مَالِك على تصرُّفِهَا بوجُوهٍ: منها جرها بـ "حتَّى" نحو: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا} تفسير : [الزمر: 71] {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ} تفسير : [يونس: 22] وفيه من الإشكال [ما ذكرته لك] وقد تَقَدمَ تقرير ذلك عند قوله، {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ} تفسير : [النساء: 6]. فصل دلت هذه الآية عَلَى أنَّ من حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهد أهواله لا تقبل توبته، ويُؤيِّدُهُ أيضاً قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} تفسير : [غافر: 85]. وقال في صفةِ فِرْعَونَ {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [يونس: 90، 91] وقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} تفسير : [المؤمنون: 99- 100] وقوله {أية : وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ} تفسير : [المنافقون: 10، 11]. وقال عليه السلام "حديث : إن اللَّه - تعالى - يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" تفسير : وعن عطاءٍ: ولو قبل موته بفواق النَّاقَةِ. وعن الحسن: أنَّ إبليس قال حين أهْبِطَ إلى الأرض وعِزّتِكَ لا أفارق ابْنَ آدم ما دَامَ روحه في جَسَده. فقال: وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عليه بَابَ التَّوْبَةِ ما لم يغرغر. فصل قال المُحَقِّقُونَ: قُرْبُ الموتِ لا يمنعُ من قَبُولِ التَّوْبَةِ، بل المانع من قبول التَّوْبَةِ مشاهدة الأهوال الَّتي عندها يحصل العلم باللَّهِ تعالى على سَبِيل الاضطرار. وقالوا: لأنَّ جماعة أماتهم اللَّه تعالى ثُمَّ أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، وأولاد أيُّوب - عليه السَّلاَمُ - ثمَّ إنَّهُ تعالى كلَّفهم بعد ذلك الإحياء، فَدَلَّ ذلك على أنَّ مُشَاهَدَةِ الموت لا تخلّ بالتكليف ولأنّ الشَّدائِدَ التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشَّدائد الحاصلة عند القولنج ومثل الشّدائد التي تَلْْقاها المرأةُ عند الوِلادَةِ أو أزْيد، فلمَّا لم تكن هذه الشَّدائد مانعة من بقاء التكاليف فكذا القول في تلك الشّدائد. وأيضاً فالقرب من الموت إذَا عَظُمَتِ الآلامُ [صار اضطرارُ العبد أشَدَّ، واللَّهُ تعالى يقول {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62] فتزايد الآلام] في ذلك الوقت بأن يكون سبباً لِقَبُولِ التَّوبة أولى مِنْ أن يكون سبباً لعدم قَبُولِ التَّوْبَة. فصل لما بيّن تعالى أنَّهُ يقبل التَّوبةَ من القسم الأوَّل، وهم الذين يعملونَ السُّوءَ بجهالة، وبَيَّنَ في هذا القسم الثَّاني يعملون السَّيِّئات أنَّهُ لا يقبل توبتهم فبقي بحكم التَّقسيم العقلي قِسْمٌ ثَالِثٌ مَتَوَسط بين هذين القسمين، وهم الَّذِينَ يعملون السُّوءَ على سبيل العَمْدِ ثم يَتُوبُونَ فلم يخبرْ عنهم أنَّهُ يَرُدُّ توبتهم، بل تركهم في المَشِيئَةِ حيث قال: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]. قوله: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} "الذين" مجرور المحل عطفاً على قوله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي: لَيْسَت التَّوْبَةُ لهؤلاء، ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مَاتَ كافراً وبين من لم يَتُبْ إلاَّ عند معاينة الموتِ في عدمِ قَبُولِ تَوْبَتِه، والمراد بالعاملين السيئات المنافقون. وأجَازَ أبُو البَقَاءِ في {ٱلَّذِينَ} أن يكون مرفوع المحلّ على الابتداء وخبره "أولئك" وما بَعْدَهُ مُعْتَقِداً أنَّ اللامَ لام الابتداء وليست بـ "لا" النَّافية، وهذا الَّذي قاله من كون اللام لام الابتداء لا يصحُّ أن يكون قد رُسِمَتْ في المُصْحَفِ لامٌ داخلة على {ٱلَّذِينَ} فيصير "وللذين" وليس المرسوم كذلك، وإنَّمَا هو لام وألف، وألف لام التَّعريف الدَّاخلة على الموصول وصورته: ولا الذين. فصل قيل: المراد بـ {الذين يعملون السيئات} العصاة وبـ {الذين يموتون وهم كفّار} الذي يموت كافراً؛ لأنَّ المعطوف يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقيل: المرادُ بالأوَّل: المنافقون، وبالثاني: الكفَّار. قال ابْنُ الخطيب: وهذا لا يصحُّ؛ لأنَّ المنافقَ كافرٌ فيدخل في الثَّاني ويمكن أن يجاب بأنَّ المنافق لما أظهر الإيمان فَمَنْ لم يَعْلَمْ حاله يعتقد أنَّ حكمه حكم المُؤمن، {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1] و "أولئك" يجوزُ أن تكون إشارة إلى {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ} وهم كفَّار؛ لأنَّ اسم الإشارةِ يجري مجرى الضَّمير فيعود إلى أقرب مذكور، ويجوزُ أن يُشَار بِه إلى الصّنفين الذين يَعْمَلُونَ السيِّئاتِ، والذين يموتون وهم كفار. {أَعْتَدْنَا} أي: أحْضَرِنَا وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّار مخلوقة؛ لأنَّ العذاب الأليم ليس إلاَّ جهنم وقد أخبر عنه بصيغة الماضي، واللَّهُ أعلم.

ابو السعود

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ} تصريحٌ بما فُهم من قصر القَبولِ على توبة من تاب من قريب، وزيادةُ تعيـينٍ له ببـيان أن توبةَ مَنْ عداهم بمنزلة العدمِ، وجمعُ السيئاتِ باعتبار تكررِ وقوعِها في الزمان المديدِ لا لأن المرادَ بها جميعُ أنواعِها وبما مرّ من السوء نوعٌ منها {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلآنَ} حتى حرفُ ابتداءٍ والجملةُ الشرطيةُ بعدها غايةٌ لما قبلها أي ليس قبولُ التوبةِ للذين يعملون السيئاتِ إلى حضور موتِهم وقولهم حينئذٍ إني تبتُ الآنَ، وذكرُ الآن لمزيد تعيـينِ الوقتِ، وإيثارُ قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبارِ والتحاشي عن تسميته توبةً {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} عطفٌ على الموصول الذي قبله أي ليس قبولُ التوبةِ لهؤلاء ولا لهؤلاء وإنما ذُكر هؤلاء مع أنه لا توبةَ لهم رأساً مبالغةً في بـيان عدمِ قبولِ توبةِ المُسوِّفين وإيذاناً بأن وجودَها كعدمها بل في تكرير حرفِ النفيِ في المعطوف إشعارٌ خفيٌّ بكون حالِ المسوِّفين في عدم استتباعِ الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر، والمرادُ بالموصولَيْن إما الكفارُ خاصةً وإما الفساقُ وحدهم، وتسميتُهم في الجملة الحاليةِ كفاراً للتغليظ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ}،تفسير : [آل عمران، الآية 97] وأما ما يعمُّ الفريقين جميعاً فالتسميةُ حينئذٍ للتغليب، ويجوز أن يراد بالأول الفسقَةُ وبالثاني الكفرةُ، ففيه مبالغةٌ أخرى {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الفريقين، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بترامي حالهم في الفظاعة وبُعدِ منزلتِهم في السوء، وهو مبتدأٌ خبرُه {أَعْتَدْنَا لَهُمْ} أي هيأنا لهم {عَذَاباً أَلِيماً} تكريرُ الإسناد لما مر من تقوية الحُكمِ، وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بكون العذابِ مُعدًّا لهم ووصفُه للتفخيم الذاتي والوصفي. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً} كان الرَّجلُ إذا مات قريبُه يُلْقي ثوبَه على امرأته أو على خِبائها ويقول أَرِثُ امرأته كما أرث مالَه فيصير بذلك أحقَّ بها من كل أحدٍ ثم إن شاء تزوّجها بلا صَداقٍ غيرَ الصَّداقِ الأولِ وإن شاء زوَّجَها غيرَه وأخذ صَداقَها ولم يُعْطِها منه شيئاً وإن شاء عضَلها لتفتديَ نفسها بما ورِثَتْ من زوجها، وإن ذهبت المرأةُ إلى أهلها قبل إلقاءِ الثوبِ فهي أحقُّ بنفسها فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم لا يحِلُّ لكم أن تأخُذوهن بطريق الإرثِ على زعمكم كما تُحازُ المواريثُ وهن كارهاتٌ لذلك أو مُكْرهاتٌ عليه، وقيل كانوا يُمسِكونهن حتى يَمُتْن ويرِثوا منهن فقيل لهم لا يحل لكم ذلك وهن غيرُ راضياتٍ بإمساككم، وقرىء لا تحِلُّ بالتاء الفوقيةِ على أنّ (أنْ ترثوا) بمعنى الوراثة، وقرىء كُرْهاً بضم الكاف وهي لغة كالضَّعْف والضُّعف، وكان الرجلُ إذا تزوج امرأةً ولم تكن من حاجته حَبَسها مع سوء العِشرةِ والقهرِ وضيَّقَ عليها لتفتديَ نفسَها منه بمالها وتختلِعَ فقيل لهم {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} عطفاً على ترِثوا و(لا) لتأكيد النفْي، والخطابُ للأزواج، والعضْلُ الحبسُ والتضيـيقُ ومنه عضَلت المرأةُ بولدها إذا اختنقت رحِمُها فخرج بعضُه وبقيَ بعضُه أي ولا أن تُضَيِّقوا عليهن {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} أي من الصَّداق بأن يدفعن إليكم بعضَه اضطراراً فتأخُذوه منهن، وإنما لم يُتعرَّضْ لفعلهن إيذاناً بكونه بمنزلة العدمِ لصدوره عنهن اضطراراً، وإنما عُبّر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ ولا بالإذهاب للمبالغة في تقبـيحه ببـيان تضمُّنِه لأمرين كلٌّ منهما محظورٌ شنيعُ الأخذِ والإذهابِ منهن، لأنه عبارةٌ عن الذهاب مستصحباً به {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ} على صيغة الفاعلِ من بـيَّن بمعنى تَبـيَّن، وقرىء على صيغة المفعولِ وعلى صيغة الفاعل من أبان بمعنى تبـين أي بـيِّنةِ القُبحِ: من النشوز وشكاسةِ الخلُقِ وإيذاءِ الزوجِ وأهلِه بالبَذاء والسَّلاطةِ، ويعضُده قراءة أُبـي إلا أن يُفْحِشْن عليكم، وقيل الفاحشة الزنا، وهو استثناءٌ من أعم الأحوالِ أو أعمِّ الأوقاتِ أو أعمِّ العللِ أي ولا يحلِ لكم عضْلُهن في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات أو لعلة من العِللِ إلا في حال إتيانِهن بفاحشة أو إلا في وقت إتيانِهن أو إلا لإتيانهن بها فإن السببَ حينئذٍ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخُلْع. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} خطابٌ للذين يُسيئون العِشرةَ معهن، والمعروفُ ما لا يُنكِرُه الشرعُ والمروءةُ، والمرادُ هٰهنا النَّصَفَةُ في المبـيت والنفقةُ والإجمالُ في القول ونحو ذلك {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} وسئِمْتم صُحبتَهن بمقتضى الطبـيعةِ من غير أن يكون من قِبَلهن ما يوجب ذلك من الأمور المذكورةِ فلا تفارِقوهن بمجرد كراهةِ النفسِ واصبِروا على معاشرتهن {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} علةٌ للجزاء أُقيمت مُقامه للإيذان بقوة استلزامِها إياه، كأنه قيل فإن كرِهتُموهن فاصبِروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرَهونه خيراً كثيراً ليس فيما تُحبّونه، وعسى تامةٌ رافعةٌ لما بعدها مُستغنيةٌ عن تقدير الخبرِ، أي فقد قرَّبتْ كراهتُكم شيئاً وجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً، فإن النفسَ ربما تكره ما هو أصلحُ في الدين وأحمدُ عاقبةً وأدنى إلى الخير، وتحبُّ ما هو بخلافه فليكنْ نظرُكم إلى ما فيه خيرٌ وصلاحٌ دون ما تهوى أنفسُكم، وذكرُ الفعلِ الأولِ مع الاستغناء عنه وانحصارُ العلية في الثاني للتوسل إلى تعميم مفعولِه ليُفيدَ أن ترتيبَ الخيرِ الكثيرِ من الله تعالى ليس مخصوصاً بمكروه دون مكروهٍ بل هو سنةٌ إلٰهيةٌ جاريةٌ على الإطلاق حسَبَ اقتضاءِ الحكمةِ، وأن ما نحن فيه مادةٌ من موادّها، وفيه من المبالغة في الحمل على ترك المفارقةِ وتعميمِ الإرشادِ ما لا يخفى. وقرىء ويجعلُ مرفوعاً على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، والجملةُ حاليةٌ تقديرُه وهو أي ذلك الشيءُ يجعل اللَّهُ فيه خيراً كثيراً، وقيل تقديرُه واللَّهُ يجعل بوضع المُظهر موضِعَ المُضمرِ، وتنوينُ خيراً لتفخيمه الذاتي ووصفُه بالكثرة لبـيان فخامتِه الوصفيةِ والمرادُ بها هٰهنا الولدُ الصالحُ وقيل الأُلفةُ والمحبة.

القشيري

تفسير : يعني إذا كُشِف الغطاءُ وصارت المعارف ضرورية أُغْلِقَ بابُ التوبة؛ فإن مِنْ شرط التكليف أن يكون الإيمان غيبياً. ثم إن في هذه الطريقة إذا عُرِفَ بالخيانة لا يشم بعده حقيقة الصدق. قال داود - عليه السلام - في آخر بكائه لما قال الله تعالى لِمَ تبكي يا داود، وقد غفرت لك وأرضيت خصمك وقبلت توبتك؟ فقال: إلهي، الوقت الذي كان بي رُدَّه إليَّ. فقال: هيهات يا داود، ذاك وُدٌّ قد مضى!! وفي معناه أنشدوا: شعر : فَخَلِّ سبيلَ العين بعدك للبكا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ

اسماعيل حقي

تفسير : {وليست التوبة للذين يعملون السيآت} اى الذنوب {حتى اذا حضر احدهم الموت} اى وقع فى سكرات الموت وشاهد ملك الموت سوى علاماته فان التوبة تقبل فيها {قال} عند النزع ومشاهدة ما فيه {انى تبت الآن} من ذنوبى يعنى لا يقبل التوبة منه ثمة لانها حالة الاضطرار دون حالة الاختيار {ولا الذين يموتون} عطف على الذين يعملون السيآت اى ليست التوبة للذين ماتوا {وهم كفار} مصرون على كفرهم اذا تابوا عند قرب الموت او عند معاينة العذاب فى الآخرة {اولئك} اى الفريقان {اعتدنا} اصله اعددنا ابدلت الدال الاولى تاء {لهم عذابا اليما} اى هيأنا لهم عذابا وجيعا دائما. اعلم ان الله تعالى سوى بين من سوف التوبة واخرها الى حضور الموت من الفسقة وبين من مات على الكفر فى نفى التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها فى تلك الحالة كأنه قال توبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء فى انه لا توبة لهم لان حضرة الموت اول احوال الآخرة فكما ان الميت على الكفر قد فاتته التوبة على اليقين فكذلك المسوف الى حضرة الموت لعدم محلها وتلك التسوية لكيلا يهمل المذنب فى امر التوبة ولا يتأهل العاقل فى المسارعة الى طلب المغفر: قال جلال الدين رومى قدس سره شعر : كرسيه كردى تونامه عمر خويش توبه كن زانهاكه كردستى توبيش توبه آرند وخدا توبه بذير امر او كيرند واو نعم الامير تفسير : واذا هب من الله رياح العناية تجد العبد يسرع الى التوبة ويمد نفسه الى اسبابها ويتأثر بشىء يسير فيتوب عن قبح معاملته. قال ابو سليمان الدارانى اختلفت الى مجلس قاص فأثر فى قلبى كلامه فلما قمت لم يبق فى قلبى شىء فعدت ثانيا فبقى اثر كلامه فى قلبى حتى رجعت الى منزلى وكسرت آلة المخالفات ولزمت الطريق فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا اراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركى ابا سليمان شعر : مرد بايد كيرداندر كوش ورنوشته اسد بند برديوار تفسير : قال تعالى {أية : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} تفسير : [آل عمران: 133]. فمسارعة المذنب بالتوبة وترك الاصرار والرجوع الى باب الملك الغفار ومسارعة المطيع بالاجتناب عن السيآت وزيادة الخيرات والحسنات قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : صاحب اليمين امين عل صاحب الشمال فاذا عمل العبد حسنة يكتب له صاحب اليمين عشرا". شعر : نكوكارى از مردم نيك رأى يكى رابده مى نويسد خداى "حديث : واذا عمل سيئة واراد صاحب الشمال ان يكتب قال صاحب اليمين امسك فيمسك ست ساعات او سبع ساعات فان استغفر فيها لم يكتب عليه وان لم يستغفر كتب سيئة واحدة " .تفسير : فالواجب على كل مسلم ان يتوب الى الله حين يصبح وحين يمسى ولا يؤخرها. قال ابو بكر الواسطى قدس سره التأنى فى كل شىء حسن الا فى ثلاث خصال عند وقت الصلاة وعند دفن الميت والتوبة عند المعصية وكان فى الامم الماضية اذا اذنبوا حرم عليهم حلال واذا اذنب واحد منهم ذنبا وجد على بابه او جبهته مكتوبا ان فلان ابن فلان قد اذنب كذا وتوبته كذا فسهل الله الامر على هذه الامة فقال {أية : ومن يعمل سوأ أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} تفسير : [النساء: 110]. ـ روى ـ ان الله لما لعن ابليس سأله النظرة فانظره اى امهله الى قيام الساعة فقال انظر ماذا ترى فقال وعزتك وجلالك لا اخرج من صدر عبدك حتى تخرج نفسه فقال الرب وعزتى وجلالى لا أحجب التوبة عن عبدى حتى تخرج نفسه فانظر الى رحمة الله ورأفته على عباده انه سماهم مؤمنين بعدما اذنبوا فقال {أية : وتوبوا إلى الله جميعا أيّه المؤمنون} تفسير : [النور: 31]. وأحبهم بعد التوبة فقال {أية : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}تفسير : [البقرة: 222]. قال الحافظ قدس سره شعر : بمهلتى كه سبهرت دهد زراه مرو تراكه كفت كه اين زال ترك دستان كفت تفسير : فينبغى ان لا يغتر الانسان بشىء من الاشياء فى حال من الاحوال فانه وان كان يمهل ولكن لا يهمل فان الموت يجيئ البتة اذا فنى العمر وامتلأ الاناء

الطوسي

تفسير : المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يقبل التوبة من الذي يعمل المعاصي حتى إذا حضره الموت قال: إني تبت الآن، وأجمع أهل التأويل على أن الآية تناولت عصاة أهل الصلاة، إلا ما حكي عن الربيع أنه قال: إنها في المنافقين، وهذا غلط لأن المنافقين كفار، وقد بين الله الكفار بقوله: {ولا الذين يموتون وهم كفار} وقال الربيع أيضاً: إن الآية منسوخة بقوله: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. تفسير : وهذا خطأ لأن النسخ لا يدخل في الخبر الذي يجري هذا المجرى، ومن جوز العفو بلا توبة يمكنه أن يقول: إن التوبة التي وعد الله باسقاط العقاب عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لا يسقط العقاب، ولا يمنع ذلك من أن يتفضل الله باسقاط العقاب ابتداء بلا توبة، كما لو خرج من دار الدنيا من غير توبة أصلا، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه، فليس في الآية ما ينافي القول بجواز العفو من غير توبة. وقال جميع المفسرين، كابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، وابن زيد، وغيرهم: إن الذين يحتضرون لا تقبل لهم توبة، غير إن الذين يحضرون الميت لا يعرفون تلك الحال معرفة يمكن بها الاشارة إليها. فان قيل: فلم لم تقبل التوبة في الآخرة؟ قيل: لرفع التكليف، وحصول الالجاء إلى فعل الحسن دون القبيح، والملجأ لا يستحق بفعله ثواباً ولا عقاباً، لأنه يجري مجرى الاضطرار. وحكي الرماني عن قوم أنهم قالوا بتكليف أهل الآخرة، وان التوبة إنما لم يجب قبولها، لأن صاحبها هناك في مثل حال المتعوذ بها، لا المخلص فيها، وهذا خطأ، لأن الله تعالى يعلم أسرارهم كما يعلم إعلانهم. وقوله: {أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً} معناه أعددنا، وقال قوم: التاء بدل من الدال، وقال آخرون هو أفعلنا من العتاد، ومعناه اعددنا، وعتاد الرجل: عدته، وهو الأصل. والشيء العتيد هو المعد، والعتيدة: طبلة معدة للطيب، ومعنى إعداد العذاب لهم، إنما هو بخلق النار التي هي مصيرهم. والاليم بمعنى المؤلم. وليس في الآية ما يمنع من جواز العفو عن مرتكبي الكبائر بلا توبة، لأن قوله: {أولئك} يحتمل أن يكون راجعاً إلى الكفار لأنه جرى ذكر الكفار وهم أقرب إلى أولئك من ذكر الفساق، ويحتمل أن يكون التقدير: أعتدنا لهم عذاباً، إن لم نشأ العفو عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العذاب، وألا يأمنوا أن يفعل بهم ذلك، وإن كان تعالى يعلم هل يعفو أو لا يعفو.

الجنابذي

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} بيان وتأكيد لمفهوم الآية الاولى كأنّه تعالى قال: انّما التّوبة لهؤلاء لا لغيرهم، وفى ايراد السّيئّات بالصّيغة الّتى فيها شوب مبالغة مجموعة محّلاة باللام من غير تقييد بالجهل اشارة الى انّ المسوّفين للتّوبة ابطلوا الفطرة ومن أبطلوا الفطرة صاروا متجوهرين بالجهل فلم يبق ميزٌ واثنينيّة بين الجهل وذواتهم وانّ مساويهم لتجوهرهم بالجهل وان كانت قليلة القبح فهى بالغة فى القبح، وانّهم عاملون لجميع السّيّئات لتجوهرهم بالجهل الّذى هو مصدر الجميع، وكلّ من تجوهر بالجهل كلّ ما عمل فهو سيّئة فكأنّه قال: ليست التّوبة للّذين يعملون السّيّئات جميعها {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} يعنى عاين الموت كما فى الاخبار {قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وفى هذه الآية من التّحقير والتّأكيد ما لا يخفى وهذه الآية كأنّها معترضة بين آيات الآداب لاستطراد ذكر التّوبة.

اطفيش

تفسير : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أى لا توبة لمن أصر على المعاصى حتى حضره الموت، بأن عاين ملك الموت أو أمراً من الآخرة، ولا لمن كافراً غير تائب، وتاب فى الآخرة بعد موته، فمن أخرها حتى غرغر، ومن لم يتب ألبته سواءً، لأنه تاب على الاضطرار لا الاختيار، وذلك عنه كندم أهل النار، ومنه إيمان فرعون حين غرق، وأراه جبريل عليه السلام ما حكم به على نفسه، كما يأتى إن شاء الله تعالى فى سورة يونس، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}تفسير : وقوله تعالى:{أية : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا..}تفسير : الآية وقوله تعالى: {أية : يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل}.تفسير : وقيل: من عاين الموت وأمر الآخرة تقبل توبته، إلا المشرك، فعن ابن عباس فى قوله تعالى {وليست التوبة للذين يعملون السيئات} يريد المشركين، وعن سعيد بن جبير: إنما التوبة على الله فى المؤمنين وليست التوبة فى الذين اعتقدوا الشرك وأظهروا التوحيد، ولا الذين يموتون فى المشركين نطقاً ونية. {أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}: هيأنا لهم عذاباً أليماً، من الآن بعد توبة يعذبونه بعد موته، أى أعتدنا لهم ما يعذبون به، وكان أهل المدينة فى الجاهلية وأول الإسلام إذا مات الرجل منهم وله امرأة جاء ابنه من غيرها، أو قريبه العصبة كأب أو أخ ما لم يكن أباها أو ابنها أو عمها فألقى ثوبه على تلك المرأة أو على خبائه. وقال ورثت امرأته كما ورثت ماله، يفعل ذلك الأقرب، وإن تعدد مع استواء، فالسابق فيصير أحق بها من سائر الناس، ومن أوليائها ومن نفسها، فإن شاء زوجها من غير صداق، إلا الصداق الأول الذى أصدقها الميت إن أعطاها الميت كفى، وإلا أعطاها إياه من التركة، أو من ماله، وإن شاء زوجها من إنسان آخر، وأخذ صداقها الأول الذى أصدقها هذا الزوج الأخير، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عطلها إذا لم يحب تزوجها لكونها عجوزاً أو ذميمة، وكره فراقها لما لها، وأساء عشرتها ومنعها من الأزواج حتى تفتدى منه بما ورثت من الميت، إن ورثت أو بغيره أو حتى تموت فيرثها، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقى عليه ثوبه، فهى أحق بنفسها فكانوا على هذا حتى توفى أبو قيس بن الأسلت الأنصارى، وترك امرأته كبيشه بنت معز الأنصارية، مقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقيل يقال له قيس بن أبى قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها لا ينفق عليها لتفتدى منه، حديث : فأتت كبيشة رسول الله، صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أبا قيس ورثنى ابنه، فلا هو ينفق على، ولا هو يدخل بى ولا يخلى سبيلى. فقال "اقعدى فى بيتك حتى يأتى أمر الله فيك" فأنزل الله عز وجل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً} .

اطفيش

تفسير : {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ} بأن عاين شيئاً من أمر الآخرة، فإن ذلك كيوم القيامة، أو هو أولها، وقيل العيان تقبل، ولو شاهد أهوال الموت، وإنما تقبل إن لم تكن اضطراراً كالكفار فى الآخرة، فإنهم آمنوا اضطراراً، ولا اضطرار مانع قبل المعاينة {قَالَ} حين عاين {إنّى تُبْتُ الآَنَ} هذا فى فاسق ومشرك ماتا قبل الموت، وقت لا تقبل، سوّى فى عدم قبول التوبة بينهما وبين مشرك يتوب فى الآخرة بعد الموت وهو المراد بقوله {وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} أو أراد بكفار المشركين والفاسقين يتوبون بعد الموت سوى بينهم وبين من تاب من المشركين والفاسقين فى الدنيا حين لا تنفع التوبة فلم بك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا وانظر مع هذا قوله صلى الله عليه وسلم فى آخر خطبة، "حديث : من تاب وقد بلغت روحه حلقه تاب الله عليه" تفسير : ، ومع قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تاب قبل الغرغرة قبلت توبته"تفسير : ، رواه الترمذى عن ابن عمر، وذكر أبو قلابة، أنه سأل إبليس النِظرة، فأنظره إلى يوم القيامة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه روح، فقال الله عز وجل: حديث : وعزتى لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه الروحتفسير : ، ويجاب بأن الغرغرة أخطر من الحلق، وأن الموحد تقبل عنه ما دام فيه الروح والعلم لله تعالى، وظاهر الآية العكس، وعن ابن عباس، لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له حيراً كثيراً، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : يغفر الله لعبده ما لم يقع الحجاب، قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال تخرج نفسه وهى مشركة"تفسير : ، ويجاب أيضاً بأن معنى الآية أن المسوف والمصر لا تتحقق توبتها، وقيل لا تقبل توبة الآيس، وقيل الآية الأولى فى المؤمنين، والثانية في المنافقين، والثالثة فى المشركين {أُوْلَئِكَ} المتسوفون بالتوبة إلى حين لا تنفع، والذين ماتوا وهم كفار، وكلا القسمين، كافر كفر نعمة، أو كفر شرك، إلا أن القسم الأول لمن تعاطى التوبة لم يسمه باسم الكفر لأنه بحسب تعاطيه غير كافر {أعْتَدْنَا} هيأنا، وهذا أولى من دعوى أن التاء عن دال من الإعداد، والماصدق واحد {لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}.

الالوسي

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ} على الله {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي المعاصي وجمعت باعتبار تكرر وقوعها في الزمان المديد لا لأن المراد بها جميع أنواعها وبما مر من السوء نوع منها {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} بأن شاهد الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال وعاين ملك الموت وانقطع حبل الرجاء {قَالَ إِنّى تُبْتُ ٱلئَـٰنَ} أي هذا الوقت الحاضر، وذكر لمزيد تعيين الوقت، وإيثار قال على تاب لإسقاط ذلك عن درجة الاعتبار والتحاشي عن تسميته توبة، ولو أكده ورغب فيه، ولعل سبب ذلك كون تلك الحالة أشبه شيء بالآخرة بل هي أول منزل من منازلها، والدنيا دار عمل ولا جزاء، والآخرة دار جزاء ولا عمل، و حتى حرف ابتداء، والجمل الشرطية بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة لقوم يعملون السيئات إلى حضور موتهم، وقولهم: كيت وكيت. {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} عطف على الموصول قبله أي ليس قبول التوبة / لهؤلاء ولا لهؤلاء، والمراد من ذكر هؤلاء مع أنه لا توبة لهم رأساً المبالغة في عدم قبول توبة المسوّفين والإيذان بأن وجودها كالعدم بل في تكرير حرف النفي في المعطوف كما قيل إشعار خفي بكون حال المسوّفين في عدم استتباع الجدوى أقوى من حال الذين يموتون على الكفر والكثير من أهل العلم على أن المراد بالذين يعملون السيئات ما يشمل الفسقة والكفرة، ومن الذين يموتون الخ الكفار فقط، وجوز أن يراد بالموصولين الكفار خاصة، وأن يراد بهما الفسقة وحدهم، وتسميتهم في الجملة الحالية كفاراً للتغليظ، وأن يراد بهما ما يعم الفريقين جميعاً فالتسمية حينئذ للتغليب، وأخرج ابن جرير عن الربيع وابن المنذر عن أبـي العالية أن الآية الأولى: نزلت في المؤمنين والثانية: في المنافقين، والثالثة: في المشركين، وفي جعل الوسطى في المنافقين مزيد ذمّ لهم حيث جعل عمل السيئات من غيرهم في جنب عملهم بمنزلة العدم، فكأنهم عملوها دون غيرهم، وعلى هذا لا يخفى لطف التعبير بالجمع في أعمالهم، وبالمفرد في المؤمنين لكن ضعف هذا القول بأن المراد بالمنافقين إن كان المصرين على النفاق فلا توبة لهم يحتاج إلى نفيها، وإلا فهم وغيرهم سواء. هذا واستدل بالآية على أن توبة اليائس كإيمانه غير مقبول، وفي المسألة خلاف فقد قيل: إن توبة اليائس مقبولة دون إيمانه لأن الرجاء باق ويصح معه الندم، والعزم على الترك، وأيضاً التوبة تجديد عهد مع الرب سبحانه، والإيمان إنشاء عهد لم يكن وفرق بين الأمرين، وفي «البزازية» أن الصحيح أنها تقبل بخلاف إيمان اليائس، وإذا قبلت الشفاعة في القيامة وهي حالة يائس فهذا أولى، وصرح القاضي عبد الصمد الحنفي في «تفسيره» إن مذهب الصوفية أن الإيمان أيضاً ينتفع به عند معاينة العذاب، ويؤيده أن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره صرح في «فتوحاته» بصحة الإيمان عند الاضطرار، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيراً كثيراً. وأيد بعضهم القول بقبول توبة الكافر عند المعاينة بما أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ» والحاكم وابن مردويه عن أبـي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله يقبل توبة عبده ـ أو يغفر لعبده ـ ما لم يقع الحجاب قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: تخرج النفس وهي مشركة»تفسير : ولا يخفى أن الآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل القول الأول، وأجاب بعض المحققين عنها بأن مفادها أن قبول توبة المسوّف والمصر غير متحقق، ونفي التحقق غير تحقق النفي فيبقى الأمر بالنسبة إليهما بين بين، وأنه تعالى إن شاء عفا عنهما وإن شاء لم يعف وآية {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [النساء: 48] تبين أنه سبحانه لا يشاء المغفرة للكافر المصر ويبقى التائب عند الموت من أي ذنب كان تحت المشيئة، وزعم بعضهم أنه ليس في الآية الوسطى توبة حقيقية لتقبل بل غايه ما فيها قول، إني تبت الآن وهو إشارة إلى عدم وجود توبة صادقة، ولذا لم يقل وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت تاب ـ وعلى تسليم أن التعبير بالقول لنكتة غير ذلك يلتزم القول بأن التقييد بالآن مشعر بعدم استيفاء التوبة للشروط لأن فيه رمزاً إلى عدم العزم على عدم العود إلى ما كان عليه من الذنب فيما يأتي من الأزمنة إن أمكن البقاء، ومن شروط التوبة الصحيحة ذلك فتدبر. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون من الفريقين المترامي حالهم إلى الغاية القصوى في الفظاعة {أَعْتَدْنَا لَهُمْ} أي هيأنا لهم، وقيل: أعددنا فأبدلت الدال تاءاً {عَذَاباً أَلِيماً} أي مؤلماً موجعاً، وتقديم الجار على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بكون العذاب مهيئاً لهم، والتنكير للتفخيم، وتكرير الإسناد لما مر، واستدل المعتزلة بالآية على وجوب العقاب لمن مات من مرتكبـي الكبائر من المؤمنين قبل التوبة، وأجيب بأن تهيئة العذاب هو / خلق النار التي يعذب بها، وليس في الآية أن الله تعالى يدخلهم فيها البتة، وكونه تعالى يدخل من مات كافراً فيها معلوم من غير هذه الآية، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أعتدنا لهم عذاباً أليماً إن لم تعف كما تدل على ذلك النصوص، ويروى عن الربيع أن الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [النساء: 48]. واعترض بأن أعتدنا خبر ولا نسخ في الأخبار، وقيل: إن {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فلا إشكال كما لو جعل إشارة إلى الفريقين وأريد بالأول المنافقون، وبالثاني المشركون.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآنَ} {أُوْلَـٰئِكَ} (18) - أمَّا الذِينَ يَفْعَلُونَ السَّيِّئَاتِ، وَيَسْتَمِرُّونَ فِي فِعْلِهَا وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَيها، وَلاَ يَتُوبُونَ حَتَّى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِهِم، أيْ حَتَّى يَحْضُرُهُمْ مَلَكُ المَوْتِ، فَيَقُولُونَ: تُبْنَا الآنَ، وَالذِين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، فَهَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ يَتَوَعَّدُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِالعَذَابِ الأَلِيمِ المُوجِعِ الذِي أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ. (وَجَعَلَ اللهُ تَوْبَةَ التَّائِبِ وَهُوَ عَلى فِرَاشِ المَوْتِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يوضح الحق أن توبة هؤلاء الذين يعملون السيئات لم توجد من قريب، وهم يختلفون عن الذين كتب الله قبول توبتهم، هؤلاء الذين يعيشون وتستحضر نفوسهم قِيَم المنهج، إلا أن النفوس تضعف مرة. أما الذين لا يقبل منهم التوبة فهم أصحاب النفوس التي شردت عن المنهج في جهات متعددة، وهم لم يرتكبوا "سوءاً" واحداً بل ارتكبوا السيئات. فالذي ارتكب سوءاً واحداً فذلك يعني أنه ضعيف في ناحية واحدة ويبالغ ويجتهد في الزوايا والجوانب الأخرى من الطاعات التي لا ضعف له فيها ليحاول ستر ضعفه. إنك ترى أمثال هذا الإنسان في هؤلاء الذين يبالغون في إقامة مشروعات الخير، فهذه المشروعات تأتي من أناس أسرفوا على أنفسهم في ناحية لم يقدروا على أنفسهم فيها فيأتوا في نواحي خير كثيرة، ويزيدوا في فعل الخير رجاء أن يمحو الله سيئاتهم التي تركوها وأقلعوا وتابوا عنها. ومن ذلك نعلم أن أحداً لا يستطيع أن يمكر مع الله؛ فالذي أخذ راحته في ناحية، يوضح له الله: أنا سآتي بتعبك من نواحٍ أخرى لصالح منهجي، ويسلط الله عليه الوهم، ويتخيل ماذا ستفعل السيئة به، فيندفع إلى صنع الخير. وكأن الحق يثبت للمسيء: أنت استمتعت بناحية واحدة، ومنهجي وديني استفادا منك كثيراً، فأنت تبني المساجد والمدارس وتتصدق على الفقراء، كل هذا لأن عندك سيئة واحدة. إذن فلا يمكن لأحد أن يمكر على الله، وعبر القرآن عن صاحب السيئة بوصف هذه الزلة بكلمة "السوء"، ولكنه وصف الشارد الموغل في الشرود عن منهج الله بأنه يفعل "السيئات"، فهو ليس صاحب نقطة ضعف واحدة، لكنه يقترف سيئات متعددة، ويمعن في الضلال، ولا يقتصر الأمر على هذا بل يؤجل التوبة إلى لحظة بلوغ الأجل، بل إنهم قد لا ينسبون الخير الصادر منهم إلى الدين مثلما يفعل الملاحدة، أو الجهلة الذين لا يعلمون بأن كل خير إنما يأمر به الدين. مثال ذلك مذهب "الماسونية"، يقال: إن هذا المذهب وضعه اليهود، والظاهر في سلوك الماسونيين أنهم يجتمعون لفعل خير ما يستفيد منه المجتمع، وما خفي من أفعال قمة أعضاء الماسونية أنهم يخدمون أغراض الصهيونية، وقد ينضم إليهم بعض ممن لا يعرفون أهداف الماسونية الفعلية ليشاركوا في عمل الخير الظاهر. ونقول لكل واحد من هؤلاء: انظر إلى دينك، وتجده يحضك على فعل مثل هذا الخير، فلماذا تنسبه إلى الماسونية ولا تفعله على أنه أمر إسلامي. ولماذا لا تنسب هذا الخير إلى الإسلام وتنسبه لغير الإسلام؟ وفي هذا العصر هناك ما يسمّى بأندية "الروتاري" ويأخذ الإنسان غرور الفخر بالانتماء إلى تلك الأندية، ويقول: "أنا عضو في الروتاري" وعندما تسأله: لماذا؟ يجيب: إنها أندية تحض على التعاون والتواصل والمودة والرحمة، ونقول له: وهل الإسلام حرم ذلك؟ لماذا تفعل مثل هذا الخير وتنسبه إلى "الروتاري"، ولا تفعل الخير وتنسبه إلى دينك الإسلام؟ إذن فهذا عداء للمنهج. ونجد الشاردين عن المنهج، مثلهم كمثل الرجل الذي قالوا له: ما تريد نفسك الآن؟ وأراد الرجل أن يحاد الله فقال: تريد نفسي أن أفطر في يوم رمضان، وعلى كأس خمر، وأشتري كأس الخمر هذه بثمن خنزير مسروق. إنه يريد فطر رمضان وهو محرّم، ويفطر على خمر وهي محرمة، وبثمن خنزير والخنزير حرام على المسلم، والخنزير مسروق أيضاً. وسألوه: ولماذا كل هذا التعقيد؟ فقال: حتى تكون هذه الفعلة حراماً أربع مرات. إذن فهذه مضارة لله، وهذا رجل شارد عن المنهج. فهل هذا يتوب الله عليه؟ لا، {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ..} [النساء: 18] وعند لحظة الموت يبدأ الجبن وتتمثل أخلاق الأرانب، ولماذا لم يصر على موقفه للنهاية؟ لأنه جاء إلى اللحظة التي لا يمكن أن يكذب فيها الإنسان على نفسه {إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ ..} [النساء: 18] لكن التوبة لا تقبل، ولن ينتفع بها المجتمع، وشر مثل هذا الإنسان انتهى، وتوبته تأتي وهو لا يقدر على أي عمل، إذن فهو يستهزئ بالله؛ فلا تنفعه التوبة. ولكن انظروا إلى رحمة الله واحترامه للشهادة الإيمانية التي يقر فيها المؤمن بأنه "لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". هذا المؤمن جعله الله في مقابل الكافر، فيأخذ عذاباً على قدر ما فعل من ذنوب، ويأتي احترام الحق سبحانه لإيمان القمة لقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فيوضح سبحانه: لن نجعلك كالكافر؛ بدليل أنه عطف عليه {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ..} [النساء: 18]، وإنما يقدر للمؤمن العاصي من العذاب على قدر ما ارتكب من معاصٍ، ويحترم الحق إيمان القمة، فيدخلون الجنة؛ لذلك لم يقل الحق: إنهم خالدون في النار. وإنما قال: {أُوْلَـٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} [النساء: 18] و {أُوْلَـٰئِكَ ..} [النساء: 18] تعني الصنفين - المؤمن والكافر - فالعذاب لكل واحد حسب ذنبه. ويقول الحق من بعد ذلك: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} معناهُ أَعدَدْنَا. والأَلِيمُ: المُوجِعُ.

الجيلاني

تفسير : {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ} الصادرة حين الإلجاء والاضطرار نافعة {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} في مدة أعمارهم، مسوفين التوبة فيها {حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} الملجئ إليها {قَالَ} متحسراً، متأسفاً مضطراً بعدما آيس من الحياة، وأبصر أمارات الموت في نفسه على السكرات: {إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ} على وجه التأكيد والمبالغة، وهي لا تنفع له وإن بالغ، والسر في عدم قبول الله إياها؛ لأن الإنابة والرجوع إلى الله لا بد أن يكون عن قصد واختيار، حتى يعتبر عند الله ويُقبل، لا عن الإلجاء الاضطرار؛ إذ لا يتصف التائب حينئذ بالعبودية والإطاعة وقصد التقرب إلى الله. بل {وَلاَ } فرق بينهم وبين الكافرين {ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ} في حال الموت {كُفَّارٌ} كما كان {أُوْلَـٰئِكَ} المسوفون، المقصرون في أمر التوبة {أَعْتَدْنَا} هيأنا باسمنا المنتقم في النشأة الأخرى {لَهُمْ عَذَاباً} حرماناً وطرداً {أَلِيماً} [النساء: 18] مؤلماً؛ لرؤيتهم التائبين المبادرين عليها في مقعهد صدقٍ عند مليكٍ مقتدرٍ على الإنعام والانتقام. تُب علينا بفضلك، إنك أنت التواب الرحيم. ثم لمَّا كانت العادة في الجاهلية إيراث النساء كرهاً، وذلك أنه لو مات واحد منهم وله عصبة، ألقى ثوبه على امرأة الميت، فكانت في تصرفه وحمايته، وله اختيارها، سواء تزوجها بالصداق الأول أو إكراهاً أو طوعاً، ويضر عليها، ويمنعها إلى أن يُقدِّم له مثل صداقها، ثم أطلقها، نبَّه سبحانه على المؤمنين ألاَّ تصدر عنهم أمثال هذا فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بالله ورسوله اتركوا جميع ما كان عليكم في جاهليتكم قبل الإيمان، سيما إيراث النساء، واعلموا أنه {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} في دينكم وشرعكم {أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ} أي: نساء أقاربكم ومورثكم، وتزوجوهن أو تفدوا منهن {كَرْهاً} حال كونكم مكرهين، أو هن كارهات لتزويجكم. {وَ} أيضاً من الحدود المتعلقة بأمور النساء أن {لاَ تَعْضُلُوهُنَّ} مطلقاً؛ أي: لا يحل أن تضيقوا على نسائكم حين انتقضت محبتكم إياهن، وقلَّ وقعن عندكم إلى أن تلجئوهن بالفدية والخلع { لِتَذْهَبُواْ} حين الطلاق {بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} أو كلها حين النكاح {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ} - العياذ بالله تعالى - {بِفَٰحِشَةٍ} فعلةٍ قبيحةٍ، محرمةٍ عقلاً وشرعاً {مُّبَيِّنَةٍ} ثابتةٍ ظاهرةٍ {وَ} إن لم يأتين بشيءٍ من الفواحش {عَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن عقلاً وشرعاً {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} طبعاً عليكم أن تكذبوا طباعكم المخالفة للعقل والشرع؛ إذ هي من طغيان القوة البهيمية، لا تبالوا بها وبمقتضاها {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} بمقتضى طبعكم {وَ} لا تعلمون أن {يَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ} بمقتضى حكمته ومصلحته {خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19] نافعاً لكم ولغيركم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 207 : 33 : 3 - سفين عن يعلى بن النعمن قال، أخبرني من سمع بن عمر يقول، التوبة مبسوطة للعبد ما لم يُسق. ثم قرأ {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ} قال، يا هؤلاء، هل ترون الحضور الا السوق. [الآية 18].

همام الصنعاني

تفسير : 530- عبد الرزاٌ، قال: أنبأنا الثَّوري، عنْ يَعْلى بن النعمان، قال: أخبرني مَنْ سمِع ابن عُمَر يقُول: التَّوْبةُ مبْسطةٌ للعبد ما لم يُسَقْ، ثم قرأ ابْنُ عمر {وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ}: [الآية: 18]، قال: ثم قال وهَل حضورٌ إلا السَّوْق.