٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى بعد وصف التوبة عاد الى أحكام النساء، واعلم أن أهل الجاهلية كانوا يؤذون النساء بأنواع كثيرة من الايذاء، ويظلمونهن بضروب من الظلم، فالله تعالى نهاهم عنها في هذه الآيات. فالنوع الأول: قوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: كان الرجل في الجاهلية اذا مات وكانت له زوجة جاء ابنه من غيرها أو بعض أقاربه فألقى ثوبه على المرأة وقال: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فصار أحق بها من سائر الناس ومن نفسها، فان شاء تزوجها بغير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من إنسان آخر وأخذ صداقها ولم يعطها منه شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبين أن ذلك حرام وأن الرجل لا يرث امرأة الميت منه، فعلى هذا القول المراد بقوله: {أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء } عين النساء، وأنهن لا يورثن من الميت. والقول الثاني: ان الوراثة تعود الى المال، وذلك أن وارث الميت كان له أن يمنعها من الأزواج حتى تموت فيرثها مالها، فقال تعالى: لا يحل لكم أن ترثوا أموالهن وهن كارهات. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي {كَرْهاً } بضم الكاف، وفي التوبة {أية : أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } تفسير : [التوبة: 53] وفي الأحقاف {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } تفسير : [الأحقاف: 15] كل ذلك بالضم، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف بالضم، والباقي بالفتح، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالفتح في جميع ذلك، قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال الفراء: الكره بالفتح الاكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو كره بالضم. النوع الثاني: من الأشياء التي نهى الله عنها مما يتعلق بالنساء قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في محل {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } قولان: الأول: انه نصب بالعطف على حرف «أن» تقديره: ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا أن تعضلوهن في قراءة عبدالله، والثاني: أنه جزم بالنهي عطفا على ما تقدم تقديره، ولا ترثوا ولا تعضلوا. المسألة الثانية: العضل: المنع، ومنه الداء العضال، وقد تقدم الاستقصاء فيه في قوله: {أية : فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوٰجَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 232]. المسألة الثالثة: المخاطب في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } من هو؟ فيه أقوال: الأول: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالاكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. الثاني: أنه خطاب للوارث بأن يترك منعها من التزوج بمن شاءت وأرادت، كما كان يفعله أهل الجاهلية وقوله: {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } معناه أنهم كانوا يحبسون امرأة الميت وغرضهم أن تبذل المرأة ما أخذت من ميراث الميت، الثالث: أنه خطاب للأولياء ونهى لهم عن عضل المرأة، الرابع: أنه خطاب للأزواج. فانهم في الجاهلية كانوا يطلقون المرأة وكانوا يعضلونهن عن التزوج ويضيقون الأمر عليهن لغرض أن يأخذوا منهن شيئا، الخامس: أنه عام في الكل. أما قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في الفاحشة المبينة قولان: الأول: أنها النشوز وشكاسة الخلق وإيذاء الزوج وأهله، والمعنى إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخلع، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: إلا أن يفحش عليكم. والقول الثاني: أنها الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي. المسألة الثانية: قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ } استثناء من ماذا؟ فيه وجوه: الأول: انه استثناء من أخذ الأموال، يعني لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلا إذا زنت، والقائلون بهذا منهم من قال: بقي هذا الحكم وما نسخ، ومنهم من قال: انه منسوخ بآية الجلد. الثاني: أنه استثناء من الحبس والامساك الذي تقدم ذكره في قوله: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ } تفسير : [النساء: 15] وهو قول أبي مسلم وزعم أنه غير منسوخ. الثالث: يمكن أن يكون ذلك استثناء من قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لأن العضل هو الحبس فدخل فيه الحبس في البيت، فالأولياء والأزواج نهوا عن حبسهن في البيوت إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فعند ذلك يحل للأولياء والأزواج حبسهن في البيوت. المسألة الثالثة: قرأ نافع وأبو عمرو {مُّبَيّنَةٍ } بكسر الياء و{أية : آيات مُّبَيّنَـٰتٍ } تفسير : [النور: 34] بفتح الياء حيث كان، قال لأن في قوله: {مُبَيّنَـٰتٍ } قصد إظهارها، وفي قوله: {بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } لم يقصد اظهارها، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بالفتح فيهما، والباقون بكسر الياء فيهما، أما من قرأ بالفتح فله وجهان: الأول: أن الفاحشة والآيات لا فعل لهما في الحقيقة، إنما الله تعالى هو الذي بينهما. والثاني: ان الفاحشة تتبين، فان يشهد عليها أربعة صارت مبينة، وأما الآيات فان الله تعالى بينها، وأما من قرأ بالكسر فوجهه أن الآيات إذا تبينت وظهرت صارت أسبابا للبيان وإذا صارت أسبابا للبيان جاز إسناد البيان اليها، كما أن الاصنام لما كانت أسبابا للضلال حسن اسناد الاضلال اليها كقوله تعالى: {أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36]. النوع الثالث: من التكاليف المتعلقة بأحوال النساء قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } وكان القوم يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم: وعاشروهن بالمعروف، قال الزجاج: هو النصفة في المبيت والنفقة، والاجمال في القول. ثم قال تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } أي كرهتم عشرتهن بالمعروف وصحبتهن، وآثرتم فراقهن {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } والضمير في قوله {فِيهِ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: المعنى انكم إن كرهتم صحبتهن فأمسكوهن بالمعروف فعسى أن يكون في صحبتهن الخير الكثير ومن قال بهذا القول فتارة فسر الخير الكثير بولد يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة وتارة بأنه لما كره صحبتها ثم إنه يحمل ذلك المكروه طلبا لثواب الله، وأنفق عليها وأحسن اليها على خلاف الطبع، استحق الثواب الجزيل في العقبى والثناء الجميل في الدنيا، الثاني: أن يكون المعنى إن كرهتموهن ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل الله في تلك المفارقة لهن خيرا كثيرا، وذلك بأن تتخلص تلك المرأة من هذا الزوج وتجد زوجا خيراً منه، ونظيره قوله: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } تفسير : [النساء: 130] وهذا قول أبي بكر الأصم، قال القاضي: وهذا بعيد لأنه تعالى حث بما ذكر على سبيل الاستمرار على الصحبة، فكيف يريد بذلك المفارقة. النوع الرابع: من التكاليف المتعلقة بالنساء.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} هذا متصل بما تقدّم ذكره من الزوجات. والمقصود نفي الظلم عنهنّ وإضرارهنّ والخطاب للأولياء. و «أن» في موضع رفع بـ «يَحِلُّ»؛ أي لا يحل لكم وراثة النساء. و «كَرْهاً» مصدر في موضع الحال. واختلفت الروايات وأقوال المفسرين في سبب نزولها؛ فروى البخاري: عن ابن عباس {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزّلت هذه الآية في ذلك. وأخرجه أبو داود بمعناه. وقال الزهري وأبو مَجْلِز: كان من عادتهم إذا مات الرجل يُلقي ابنُه من غيرها أو أقربُ عصبته ثوبه على المرأة فيصير أحق بها من نفسها ومن أوليائها؛ فإن شاء تزوّجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت؛ وإن شاء زوّجها من غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئاً؛ وإن شاء عَضَلها لتفْتَدِيَ منه بما ورثته من الميت أو تموت فيرثها، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهنّ من أزواجهنّ فتكونوا أزواجاً لهنّ. وقيل: كان الوارث إن سبق فألقى عليها ثوباً فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها؛ قاله السدّي. وقيل: كان يكون عند الرجل عجوز ونفسه تتوق إلى الشابّة فيكره فراق العجوز لمالها فيمسكها ولا يقربها حتى تَفْتدي منه بمالها أو تموت فيرث مالها. فنزلت هذه الآية. وأُمر الزوج أن يطلقها إن كره صحبتها ولا يمسكها كرها؛ فذلك قوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. والمقصود من الآية إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تُجعل النساءُ كالمال يُورَثْن عن الرجال كما يورث المال. و «كُرها» بضم الكاف قراءة حمزة والكسائي، الباقون بالفتح، وهما لغتان. وقال القتبي: الكره (بالفتح) بمعنى الإكراه، والكره (بالضم) المشقة. يقال: لِتفعل ذلك طوعا أو كرها، يعني طائعا أو مكرها. والخطاب للأولياء. وقيل؛ لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العِشرة طماعِية إرثها، أو يفتدين ببعض مهورهنّ، وهذا أصح. واختاره ابن عطية قال: ودليل ذلك قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ} وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج، على ما يأتي بيانه في المسألة بعد هذا. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} قد تقدّم معنى العضل وأنه المنع في «البقرة». {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} اختلف الناس في معنى الفاحشة؛ فقال الحسن: هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلاية: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارّها ويشق عليها حتى تفتدي منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهنّ. وقال ابن سيرين وأبو قلابة: لا يحلّ له أن يأخذ منها فدية إلا أن يجد على بطنها رجلاً. قال الله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. وقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وقتادة: الفاحشة المبينة في هذه الآية البُغْض والنُّشُوز، قالوا: فإذا نشزت حلّ له أن يأخذ مالها؛ وهذا هو مذهب مالك. قال ابن عطية: إلا أني لا أحفظ له نَصاً في الفاحشة في الآية. وقال قوم: الفاحشة البَذَاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا؛ وهذا في معنى النشوز. ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخُلْع؛ إلاّ أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها رُكُونا إلى قوله تعالى: {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ}. وقال مالك وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال ابن عطية: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تُحِل أخذ المال. قال أبو عمر: قول ابن سِيرين وأبي قِلابة عندي ليس بشيء؛ لأن الفاحشة قد تكون البذاء والأذى؛ ومنه قيل للبذي: فاحِش ومتفحِّش، وعلى أنه لو ٱطلع منها على الفاحشة كان له لِعَانُها، وإن شاء طلقها؛ وأمّا أن يضارّها حتى تفتدِي منه بما لها فليس له ذلك، ولا أعلم أحداً قال: له أن يضارّها ويسيء إليها حتى تختلع منه إذا وجدها تزني غير أبي قلابة. والله أعلم. وقال الله عز وجل: { أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 229] يعني في حسن العشرة والقيام بحق الزوج وقيامه بحقها { أية : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 229]. وقال الله عز وجل: { أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4] فهذه الآيات أصل هذا الباب. وقال عطاء الخراساني: كان الرجل إذا أصابت ٱمرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود. وقول رابع «إلاَّ أَنْ يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبيِّنَة» إلا أن يزنين فيحبسن في البيوت؛ فيكون هذا قبل النسخ، وهذا في معنى قول عطاء، وهو ضعيف. الثالثة ـ وإذا تنزلنا على القول بأن المراد بالخطاب في العَضْل الأولياء ففقْهُه أنه متى صَحّ في وليٍّ أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها، إلا الأب في بناته؛ فإنه إن كان في عضله صلاح فلا يُعْتَرض، قولاً واحد، وذلك بالخاطب والخاطبين وإن صح عضله ففِيه قولان في مذهب مالك: أنه كسائر الأولياء، يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطَلَبَه. والقول الآخر ـ لا يعرض له. الرابعة ـ يجوز أن يكون «تَعْضُلُوهُنَّ» جزماً على النهي، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويجوز أن يكون نصباً عطفاً على {أَن تَرِثُواْ} فتكون الواو مشتركة عطفت فعلاً على فعل. وقرأ ابن مسعود {وَلاَ أَن تَعْضُلُوهُنَّ} فهذه القراءة تقوى احتمال النصب، وأن العضل مما لا يجوز بالنص. الخامسة ـ قوله تعالى: {مُّبَيِّنَةٍ} بكسر الياء قراءة نافع وأبي عمرو، والباقون بفتح الياء. وقرأ ابن عباس «مُبِيْنَةٍ» بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيءُ، يقال: أبان الأمُر بنفسه، وأبنته وبَيّن وبَيَّنْتُه، وهذه القراءات كلها لغاتٌ فصيحة.. السادسة ـ قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة. والخطاب للجميع، إذ لكل أحدٍ عِشْرةٌ، زوجاً كان أو ولياً؛ ولكنّ المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج، وهو مثل قوله تعالى: { أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } تفسير : [البقرة:229]. وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وألاّ يَعبِس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مُنطْلقاً في القول لا فَظاً ولا غليظاً ولا مُظْهِراً ميلاً إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازَجَة. ومنه قول طرفة: شعر : فلئن شطّتْ نَوَاها مرّةً لعلَى عهد حَبيبٍ مُعْتَشِر تفسير : جعل الحبيب جمعا كالخليط والغريق. وعاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعْتَشروا. فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهنّ لتكون أْدْمَةُ ما بينهم وصحبتهم على الكمال، فإنه أهْدأُ للنفس وأَهْنَأ للعيش. وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القَضَاء. وقال بعضهم: هو أن يتصَنّع لها كما تتصنَع له. قال يحيى بن عبدالرحمن الحنظلي: أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في مِلْحَفَة حمراءَ ولِحيتُه تقطُر من الغَالِية، فقلت: ما هذا؟ قال: إن هذه المِلحفة ألقتها علي امرأتي ودهنْتني بالطِّيب، وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن، وقال ابن عباس رضي الله عنه: إني أحِب أن أتزينّ لامرأتي كما أحِب أن تتزينّ المرأة لي. وهذا داخل فيما ذكرناه. قال ابن عطية: وإلى معنى الآية ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : فاستمتع بها وفيها عِوَجٌ » تفسير : أي لا يكن منك سوء عشرة مع اعوجاجها؛ فعنها تنشأ المخالفة وبها يقع الشقاق، وهو سبب الخُلْع. السابعة ـ استدل علماؤنا بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} على أن المرأة إذا كانت لا يكفيها خادمٌ واحد أن عليه أن يخدمها قدر كفايتها، كابْنَة الخليفة والملِك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأن ذلك هو المعاشرة بالمعروف. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خِدمة نفسها، وليس في العالم امرأة إلا وخادم واحد يكفيها؛ وهذا كالمقاتل تكون له أفراس عِدّة فلا يْسهم له إلا لفرس واحد؛ لأنه لا يمكنه القتال إلا على فرس (واحد). قال علماؤنا: وهذا غلط؛ لأن مثل بنات الملوك اللآئى لهنّ خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد؛ لأنها تحتاج من غسل ثيابها وإصلاح مضجعها وغير ذلك إلى ما لا يقوم به الواحد، وهذا بيّن. والله أعلم. الثامنة ـ قوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نُشُوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يَؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين. و {أَن} رفع بـ «عَسَى» وأنْ والفعل مصدر. قلت: ومن هذا المعنى ما ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا يفْرَك مؤمن مؤمِنةً إن كرِه منها خُلُقاً رضي منها آخر » تفسير : أو قال «غيره». المعنى: أي لا يبغضها بغضاً كُلياً يحمله على فراقها. أي لا ينبغي له ذلك بل يغفر سيئتها لحسنتها ويتغاضى عما يكره لما يُحب. وقال مكحول: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالى فيُخَار له، فيسخط على ربه عز وجل فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خيَر له. وذكر ابن العربي قال أخبرني أبو القاسم بن حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي بكر ابن عبد الرحمن حيث قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من العلم والدين في المنزلة والمعرفة. وكانت له زوجة سيئة العِشْرة وكانت تقصِّر في حقوقه وتؤذيه بلسانها؛ فيقال له في أمرها ويُعدْل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله عليَّ النعمة في صحة بدني ومعرفتي وما ملكت يميني، فلعلها بُعثت عقوبة على ذنبي فأخاف إن فارقتها أن تنزل بي عقوبةٌ هي أشدّ منها. قال علماؤنا: في هذا دليل على كراهة الطلاق مع الإباحة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إن الله لا يكره شيئاً أباحه إلا الطلاق والأكل وإن الله ليبغض المعى إذا امتلأ ».
البيضاوي
تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً} كان الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته وقال: أنا أحق بها ثم إن شاء تزوجها بصداقها الأول، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها لتفتدي بما ورثت من زوجها، فنهوا عن ذلك. وقيل: لا يحل لكم أن تأخذوهن على سبيل الإِرث فتتزوجوهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه. وقرأ حمزة والكسائي {كَرْهاً} بالضم في مواضعه وهما لغتان. وقيل بالضم المشقة وبالفتح ما يكره عليه. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} عطف على {أَن تَرِثُواْ}، ولا لتأكيد النفي أي ولا تمنعوهن من التزويج، وأصل العضل التضييق يقال عضلت الدجاجة ببيضها. وقيل الخطاب مع الأزواج كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة حتى يرثوا منهن أو يختلعن بمهورهن. وقيل تم الكلام بقوله كرهاً ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ} كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له تقديره ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقت أن يأتين بفاحشة، أو ولا تعضلوهن لعلة إلا أن يأتين بفاحشة. وقرأ ابن كثير وأبو بكر {مُّبَيّنَةٍ} هنا وفي الأحزاب والطلاق بفتح الياء والباقون بكسرها فيهن. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالإِنصاف في الفعل والإِجمال في القول. {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} أي فلا تفارقوهن لكراهة النفس فإنها قد تكره ما هو أصلح ديناً وأكثر خيراً، وقد تحب ما هو بخلافه. وليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير، وعسى في الأصل علة فأقيم مقامه. والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم.
ابن كثير
تفسير : قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني، واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي، واسمه عطاء، كوفي أعمى، كلاهما عن ابن عباس، بما تقدم. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك، تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع عن سفيان، عن علي ابن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوباً، كان أحق بها، فنزلت: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} قال: كان الرجل إذا مات، وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وروى العوفي عنه: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. وقال زيد بن أسلم في الآية: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء: أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة، حبسها أهله على الصبي يكون فيهم، فنزلت: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} الآية. وقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي، كان ابنه أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء؛ أخاه أو ابن أخيه. وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية. وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليه، فألقى عليها ثوباً، فإن كان له ابن صغير، أو أخ، حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت، فأتت أهلها، ولم يلق عليها ثوباً، نجت، فأنزل الله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. وقال مجاهد في هذه الآية: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته، فيتزوجها، أو يزوجها ابنه، رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد، ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم. وقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} أي: لا تُضَارّوهن في العشرة؛ لتترك لك ما أصدقتها، أو بعضه، أو حقاً من حقوقها عليك، أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} يقول: ولا تقهروهن {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} يعني: الرجل تكون له امرأة، وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: أخبرني سماك بن الفضل عن ابن البَيْلماني، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} في الجاهلية، {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} في الإسلام. وقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد ابن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا، يعني: إذا زنت، فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 229] الآية، وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا والعصيان، والنشوز وبذاء اللسان، وغير ذلك. يعني: أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه، ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفرداً به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي؛ نهى عن ذلك. قال عكرمة والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله، كان في أمر الجاهلية، ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة؛ ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته وأرضته، أذن لها، وإلا عضلها، قال: فهذا قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} الآية. وقال مجاهد في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} هو كالعضل في سورة البقرة. وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {أية : وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 228] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» تفسير : وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: «حديث : هذه بتلك» تفسير : ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء، يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} تفسير : [الأحزاب: 21] وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، ولله الحمد. وقوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} أي: فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن، فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح: «حديث : لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقاً، رضي منها آخر».تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة، ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئاً، ولو كان قنطاراً من المال، وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا. وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر ابن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق، ثم رجع عن ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تَغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته، أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة، ثم رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي العجفاء، واسمه هرم بن نسيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (طريق أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صُدُق النساء؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصَّدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله، أو كرامة، لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا النساء صداقهم على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} الآية؟ قال: فقال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل، إسناده جيد قوي. (طريق أخرى) قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} من ذهب قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود (فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً) فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. (طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال: قال عمر ابن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغُصَّة يعني يزيد بن الحصين الحارثي فمن زاد، ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: {وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. ولهذا قال منكراً: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة، وقد أفضيت إليها، وأفضت إليك؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: «حديث : الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب؟» تفسير : قالها ثلاثاً، فقال الرجل: يا رسول الله، مالي؟ ـ يعني: ما أصدقها ـ قال «حديث : لا مال لك، إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها»تفسير : . في سنن أبي داود وغيره: عن بصرة بن أكثم أنه تزوج امرأة بكراً في خدرها، فإذا هي حامل من الزنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: «حديث : الولد عبد لك. فالصداق في مقابلة البضع» تفسير : ولهذا قال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}. وقال تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقاً غَلِيظاً} روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد. وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس في قوله؛ {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقاً غَلِيظاً} قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي، نحو ذلك. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في الآية: هو قوله: «حديث : أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» تفسير : فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة، قال: وكان فيما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، قال له: «حديث : جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي» تفسير : رواه ابن أبي حاتم، وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: «حديث : واستوصوا بالنساء خيراً؛ فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله».تفسير : وقال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية، يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظاماً واحتراماً أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع حدثنا أشعث ابن سوار عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي أبو قيس ـ يعني: ابن الأسلت ـ وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولداً، وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال: «حديث : خيراً» تفسير : ثم قالت: إن ابنه قيساً خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولداً، فما ترى؟ فقال لها: «حديث : ارجعي إلى بيتك»تفسير : ، قال: فنزلت {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} الآية، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد ضمرة، وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة بنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية. وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولاً به في الجاهلية، ولهذا قال: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} كما قال: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح» تفسير : قال: فدل على أنه كان سائغاً لهم ذلك، فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحاً فيما بينهم، فقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، حدثنا قراد، حدثنا ابن عيينة عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ}، وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، والله أعلم. وعلى كل تقدير، فهو حرام في هذه الآية، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} وقال: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأنعام: 151] وقال: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] فزاد ههنا: {وَمَقْتاً} أي: بغضاً، أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة؛ لأنهن أمهات؛ لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس، صلوات الله وسلامه عليه. وقال عطاء بن أبي رباح في قوله: {وَمَقْتاً} أي: يمقت الله عليه، {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي: وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا، فقد ارتد عن دينه، فيقتل، ويصير ماله فيئاً لبيت المال؛ كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة. وفي رواية: ابن عمر، وفي رواية: عن عمه: أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله. وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أشعث عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقده له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: أي عم أين بعثك النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه. (مسألة): وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية، فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضاً بذلك، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة حديج الحمصي مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: هذا المتاع، لو كان له متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرَشي، وكان فقيهاً، فلما دخل عليه، قال: إن هذه أتيت بها مجردة، فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له، ثم قال: نعم ما رأيت، ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة، فقال: دونك هذه بيض بها ولدك، قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة، فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي رضي الله عنه.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يَٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء } أي ذاتهن {كَرْهاً } بالفتح والضم لغتان أي مكرهيهن على ذلك كانوا في الجاهلية يرثون نساء أقربائهم فإن شاؤوا تزوَّجوهن بلا صداق أو زوّجوهن وأخذوا صداقهن، أو عضلوهن حتى يفتدين بما ورثته، أو يمتن فيرثوهن فنُهُوا عن ذلك {وَلاَ } أن {تَعْضُلُوهُنَّ } أي تمنعوا أزواجكم عن نكاح غيركم بإمساكهنّ ولا رغبة لكم فيهنّ ضِرَارا {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } من المهر {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } بفتح الياء وكسرها أي بيِنت أو هي بينة أي زنا أو نشوز فلكم أن تضارّوهنّ حتى يفتدين منكم ويختلعن {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي بالإِجمال في القول والنفقة والمبيت {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } فاصبروا {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } ولعله يجعل فيهنّ ذلك بأن يرزقكم منهنّ ولداً صالحاً.
الشوكاني
تفسير : هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات، والمقصود نفي الظلم عنهنّ، والخطاب للأولياء، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها، وهو ما أخرجه البخاري، وغيره، عن ابن عباس في قوله: {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت. وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى يموت، أو تردّ إليه صداقها. وفي لفظ لابن جرير، وابن أبي حاتم عنه: فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت، فيرثها. وقد روي هذا السبب بألفاظ، فمعنى قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } أي: لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث، فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم، وتحبسونهن لأنفسكم {وَلاَ } يحل لكم أن {تَعْضُلُوهُنَّ } عن أن يتزوجن غيركم لتأخذوا ميراثهن إذا متن، أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح. قال الزهري، وأبو مجلز: كان من عاداتهم إذا مات الرجل، وله زوجة ألقى ابنه من غيرها، أو أقرب عصبته ثوبه على المرأة، فيصير أحق بها من نفسها، ومن أوليائها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، ولم يعطها شيئاً، وإن شاء عضلها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت، فيرثها، فنزلت الآية. وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهنّ مع سوء العشرة طمعاً في إرثهنّ، أو يفتدين ببعض مهورهنّ، واختاره ابن عطية. قال: ودليل ذلك قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } إذا أتت بفاحشة، فليس للوليّ حبسها حتى تذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج. قال الحسن: إذا زنت البكر، فإنها تجلد مائة وتنفى، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه. وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل، فلا بأس أن يضارّها، ويشقّ عليها حتى تفتدى منه. وقال السدي: إذا فعلن ذلك، فخذوا مهورهنّ. وقال قوم: الفاحشة البذاءة باللسان، وسوء العشرة قولاً وفعلاً. وقال مالك، وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. هذا كله على أن الخطاب في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } للأزواج، وقد عرفت مما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لمن خوطب بقوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } فيكون المعنى: ولا يحلّ لكم أن تمنعوهنّ من الزواج: {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ } أي: ما آتاهنّ من ترثونه: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } جاز لكم حبسهنّ عن الأزواج، ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج، وتستعفّ من الزنا، وكما أن جعل قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } خطاباً للأولياء فيه هذا التعسف، كذلك جعل قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } خطاباً للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته لسبب نزول الآية الذي ذكرناه، والأولى أن يقال إن الخطاب في قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ } للمسلمين، أي: لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرهاً، كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحلّ لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم، أي: تحبسوهن عندكم مع عدم رغوبكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من المهر يفتدين به من الحبس، والبقاء تحتكم، وفي عقدتكم مع كراهتكم لهنّ: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } جاز لكم مخالعتهنّ ببعض ما آتيتموهنّ. قوله: {مُّبَيّنَةٍ } قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، وحمزة، والكسائي بكسر الياء. وقرأ الباقون بفتحها. وقرأ ابن عباس: "مُّبِيْنَةٍ" بكسر الباء، وسكون الياء من أبان الشيء، فهو مبين. قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } أي: بما هو معروف في هذه الشريعة، وبين أهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج، أو لما هو أعم، وذلك يختلف باختلاف الأزواج في الغنى، والفقر، والرفاعة، والوضاعة: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ } لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة، ولا نشوز {فَعَسَى } أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة، وتبدلها بالمحبة، فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد، فيكون الجزاء على هذا محذوفاً مدلولاً عليه بعلته، أي: فإن كرهتموهنّ، فاصبروا: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً }. قوله: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} قد تقدم بيانه في آل عمران، والمراد به هنا: المال الكثير، فلا تأخذوا منه شيئاً. قيل: هي محكمة، وقيل: هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة: {أية : ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله} تفسير : [البقرة: 229] والأولى أن الكل محكم، والمراد هنا: غير المختلعة لا يحل لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئاً. قوله: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } الاستفهام للإنكار والتقريع. والجملة مقررة للجملة الأولى المشتملة على النهي. وقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ، وهي: الإفضاء. قال الهروي: وهو إذا كانا في لحاف واحد، جامع، أو لم يجامع، وقال الفراء: الإفضاء، أن يخلو الرجل والمرأة، وإن لم يجامعها. وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: الإفضاء في هذه الآية: الجماع وأصل الإفضاء في اللغة: المخالطة، يقال للشيء المختلط فضاً، ويقال القوم فوضى وفضاً، أي: مختلطون لا أمير عليهم. قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } معطوف على الجملة التي قبله، أي: والحال أن قد أفضى بعضكم إلى بعض، وقد أخذن منكم ميثاقاً غليظاً، وهو عقد النكاح، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»تفسير : وقيل: هو قوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] وقيل: هو الأولاد. قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نكح ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء} نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم. ثم بين سبحانه وجه النهي عنه، فقال: {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً } هذه الصفات الثلاث تدل على أنه من أشدّ المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه نكاح المقت. قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي، عن نكاح المقت، فقال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها، أو مات عنها، ويقال لهذا الضيزن، وأصل المقت البغض، من مقته يمقته مقتاً، فهو ممقوت، ومقيت. قوله: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } هو استثناء منقطع أي: لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه، وقيل: إلا بمعنى بعد، أي: بعد ما سلف. وقيل: المعنى: ولا ما سلف، وقيل: هو استثناء متصل من قوله: {مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعلق بالمحال، يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوا، فلا يحلّ لكم غيره. قوله: {وَسَاء سَبِيلاً } هي جارية مجرى بئس في الذم، والعمل، والمخصوص بالذم محذوف، أي: ساء سبيلاً سبيل ذلك النكاح. وقيل: إنها جارية مجرى سائر الأفعال، وفيها ضمير يعود إلى ما قبلها. وقد أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وقد كان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبيشة بنت معمر بن معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت، فتوفي عنها، فجنح عليها ابنه، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت، فأنكح، فنزلت هذه الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن عبد الرحمن بن البيلماني في قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام. قال ابن المبارك: {أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } في الجاهلية، {ولا تعضلوهنّ} في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } قال: لا تضر بامرأتك لتفتدي منك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } يعني: أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال: كان العضل في قريش بمكة: ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه، فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خطبها خاطب، فإن أعطته، وأرضته أذن لها، وإلا عضلها، وقد قدمنا عن ابن عباس في بيان السبب ما عرفت. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } قال: البغض، والنشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حل له منها الفدية. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن الضحاك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن الحسن قال الفاحشة هنا: الزنا. وأخرج ابن جرير، عن أبي قلابة، وابن سيرين نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } قال: خالطوهنّ. قال ابن جرير: صحفه بعض الرواة، وإنما هو: خالقوهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة قال: حقها عليك الصحبة الحسنة، والكسوة، والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ } يعني: صحبتهن بالمعروف {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً } فيطلقها، فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الخير الكثير أن يعطف عليها، فترزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن نحو ما قال مقاتل. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ } الآية، قال: إن كرهت امرأتك، وأعجبك غيرها، فطلقت هذه، وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها، وإن كان قنطاراً. وأخرج سعيد بن منصور، وأبو يعلى. قال السيوطي بسند جيد: أن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} فقال: اللهم غفرا كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر، فقال: يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه، فليفعل. قال ابن كثير: إسناده جيد قويّ، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة، هذا أحدها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الإفضاء هو الجماع، ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } قال: الغليظ: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه، وقال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح: آلله عليك لتمسكنّ بمعروف، أو لتسرحنّ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر: كان إذا نكح قال: أنكحتك على ما أمر الله به، إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أنس بن مالك نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة، ومجاهد في قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } قال: أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: هو قول الرجل ملكت. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: كلمة النكاح التي تستحلّ بها فروجهن. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في سننه في قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } أنها نزلت لما أراد ابن أبي قيس بن الأسلت أن يتزوج امرأة أبيه بعد موته. وأخرج ابن المنذر، عن الضحاك: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } إلا ما كان في الجاهلية. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن البراء قال: لقيت خالي، ومعه الراية قلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه، وآخذ ماله.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً}. وسبب ذلك أن أهل المدينة في الجاهلية كانوا إذا مات أحدهم عن زوجة، كان ابنه وقريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها كأبيه بالصداق الأول، وإن شاء زوجها وملك صداقها، وإن شاء عضلها عن النكاح حتى تموت فيرثها أو تَفْتَدِي منه نفسها بصداقها، إلى أَنْ تُوفِّيَ أبو قيس بن الأسلت عن زوجته كبيشة بنت معن بن عاصم فأراد ابنه أن يتزوجها فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تُرِكْتُ فأُنْكَح، فنزلت هذه الآية. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه خطاب لورثة الأزواج أن [لا] يمنعوهن من التزويج كما ذكرنا، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وعكرمة. والثاني: أنه خطاب للأزواج أن [لا] يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية وهو قول ابن زيد. والثالث: أنه خطاب للأزواج أن [لا] يحبسواْ النساء كرهاً ليفتدين نفوسهن أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج، وهذا قول قتادة، والشعبي، والضحاك. والرابع: أنه خطاب للأولياء وهذا قول مجاهد. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِّينَةٍ} فيها ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الزنى، وهو قول الحسن، وأبي قلابة والسدي. والثاني: أنها النشوز، وهو قول ابن عباس، وعائشة. والثالث: أنها البذاء والأذى. وقد روي عن مقسم في قراءة ابن مسعود "وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يُفْحِشْنَ". {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً} قال ابن عباس: يعني الولد الصالح. قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيئاً} يعني أنهن قد ملكن الصداق، وليس مِلْكُهُنَّ للصداق موقوفاً على التمسك بهن، بل ذلك لهن مع إمساكهن، وفراقهن. {أَتَأْخُذُونُه بُهْتَاناً} فيه قولان: أحدهما: ظلماً بالبهتان. والثاني: أن يبهتها أن جعل ذلك ليسترجعه منها. وإنما منع من ذلك مع الاستبدال بهن وإن كان ممنوعاً منه وإن لم يستبدل بهن أيضاً لِئَلا يتوهم متوهم أنه يجور مع استبدال غيرها بها أن يأخذ ما دفعه إليها ليدفعه إلى من استبدل بها منه وإن كان ذلك عموماً. قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} فيه قولان: أحدهما: أن (الإفضاء) الجماع، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والسدي. والثاني: أنه الخلوة، وهو قول أبي حنيفة. {وَأَخَذْنَ مِنكم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه عقد النكاح الذي استحل به الفرج، وهو قول مجاهد. والثاني: أنه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وهو قول الضحاك، والسدي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة. والثالث: أنه ما رواه موسى بن عبيدة، صعدة بن يسار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النِّسَاءَ عِندَكُم عَوانٌ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ وَاسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ فَلَكُم عَلَيهِنَّ حَقٌ وَلَهُنَّ عَلَيكُم حَقٌ، وَمِنْ حَقِّكُم عَلَيهِنَّ أَلاَّ يُوطِئْنَ فَرشَكُم أَحدَاً وَلاَ يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ". تفسير : واختلف في ثبوت حكمها أو نسخه على قولين: أحدهما: أنها محكمة، لا يجوز له أن يْأخذ منها شيئاً مما أعطاها سواء كانت هي المريدة للطلاق أو هو، وهو قول بكر بن عبد الله المزني. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}، وهذا قول ابن زيد. وقال أبو جعفر الطبري وغيره: حكمها ثابت عند عن خوف النشوز فيجوز أن يفاديها. قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في قوم كانوا يَحْلُفْون الآباء على نسائهم، فجاء الإسلام بتحريم ذلك وعفا عما كان منهم في الجاهلية أن يؤاخذواْ به إذا اجتنبوه في الإسلام، وهذا قول ابن عباس، وقتادة وعطاء، وعكرمة. والثاني: يعني لا تنكحواْ كنكاح آبائكم في الجاهلية على الوجه الفاسد، إلا ما سلف منكم في جاهليتكم فإنه معفو عنه إذا كان مما يجوز الإقرار عليه، وهذا قول بعض التابعين. والثالث: معناه: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء بالنكاح الجائز، إلا ما قد سلف منهم بالزنى والسفاح، فإن نكاحهن حلال لكم، لأنهن لم يَكُنَّ حلالاً، وإنما كان نكاحهن فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً، وهذا قول ابن زيد. والرابع: إلا ما قد سلف فدعوه فإنكم تؤاخذون به، قالوه وهذا من الاستثناء المنقطع، ومنهم من جعله بمعنى لكن. {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} والمقت شدة البغض لقبح مرتكبه، ومنه قولهم قد مقته الناس إذا أبغضوه، ورجل مقيت، وكان يقال لولد الرجل من امرأة أبيه المقتي. {وَسَاءَ سَبِيلاً} يعني طريقاً.
ابن عطية
تفسير : اختلف المتأولون في المعنى قوله تعالى: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} فقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته في أهلها، إن شاؤوا تزوجها أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها الزواج، فنزلت الآية في ذلك، قال أبو إمامة بن سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، ذكر النقاش: أن اسم ولد أبي قيس محصن. قال القاضي أبو محمد: كانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي، ألا ترى أن أبا عمرو بن أمية، خلف على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافراً وأبا معيط وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامها، وقال بمثل هذا القول الذي حكيت عن ابن عباس عكرمة والحسن البصري وأبو مجلز، قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن الأنصارية، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها، وقال السدي: كان ولي الميت إذا سبق فألقى على امرأة الميت ثوبه، فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها. قال القاضي أبو محمد: والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا منفعة في ذكر جميع ذلك، إذ قد أذهبه الله بقوله: {لا يحل لكم} ومعنى الآية على هذا القول: {لا يحل لكم} أن تجعلوا النساء كالمال، يورَثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض المتأولين: معنى الآية: {لا يحل لكم} عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثها، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عمرو وابن كبير: "كَرهاً" بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكَره والكُره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء: هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {ولا تعضلوهن} الآية، فقال ابن عباس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة، ويمسكونها حتى تموت إذا كانت دميمة، وقال نحوه الحسن وعكرمة. قال القاضي أبو محمد: ويجيء في قوله: {آتيتموهن} خلط أي ما آتاها الرجال قبل، فهي كقوله: {أية : فاقتلوا أنفسكم} تفسير : [البقرة:54] وغير ذلك وقال ابن عباس أيضاً: هي في الأزواج، في الرجل يمسك المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال مثله قتادة، وقال ابن البيلماني: الفصل الأول من الآية هو في أمر الجاهلية، والثاني في العضل، هو في أهل الإسلام في حبس الزوجة ضراراً للفدية، وقال ابن مسعود، معنى الآية: لا ترثوا النساء كفعل الجاهلية، {ولا تعضلوهن} في الإسلام، وقال نحو هذا القول السدي والضحاك، وقال السدي: هذه الآية خطاب للأولياء، كالعضل المنهي عنه في سورة البقرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا يقلق، إلا أن يكون العضل من ولي وارث، فهو يؤمل موتها، وإن كان غير وارث فبأي شيء يذهب؟ وقال ابن زيد: هذا العضل المنهي عنه في هذه الآية هو من سير الجاهلية في قريش بمكة، إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته ورشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن العضل في اللغة الحبس في شدة ومضرة، والمنع من الفرج في ذلك فمن ذلك قولهم: أعضلت الدجاجة وعضلت إذا صعب عليها وضع البيضة، ومنه أعضل الداء إذا لحج ولم يبرأ، ومنه داء عضال. ومشى عرف الفقهاء على أن العضل من الأولياء في حبس النساء عن التزويج، وهو في اللغة أعم من هذا حسبما ذكرت، يقع من ولي ومن زوج، وأقوى ما في هذه الأقوال المتقدمة، أن المراد الأزواج، ودليل ذلك قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة} وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بما لها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما سنبين بعد إن شاء الله، وكذلك قوله: {وعاشروهن بالمعروف} إلى آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته، وإن حان ذلك يحتمل أن يكون أمراً منقطعاً من الأول يخص به الأزواج، وأما العضل فمنهي عنه كل من يتصور في نازلة عاضلاً، ومتى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها ولم يلتفت، إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في أمره إشكال فلا يعترض قولاً واحداً، وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك: أحدهما أنه كسائر الأولياء: يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه، والقول الآخر إنه لا يعرض له، ويحتمل قوله: {ولا تعضلوهن} أن يكون جزماً، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويحتمل أن يكون {تعضلوهن} نصباً عطفاً على {ترثوا} فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل، وقرأ ابن مسعود: " ولا أن تعضلوهن" فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص، وعلى تأويل الجزم هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهية، واحتمال النصب أقوى، واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه، وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه، وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن، وقال عطاء الخراساني: كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود، وهذا قول ضعيف، وقال ابن عباس رحمه الله: " الفاحشة" في هذه الآية البغض والنشوز، وقاله الضحاك وغيره، قالوا: فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو مذهب مالك، إلا أني لا أحفظ له نصاً في معنى "الفاحشة" في هذه الآية، وقال قوم "الفاحشة" البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنى النشوز، ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركوناً إلى قوله تعالى: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} وقال مالك وأصحابه وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. قال القاضي أبو محمد: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال، وقرأ ابن مسعود: " إلا أن يفحشن وعاشروهن". قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف مفرط لمصحف الإمام، وكذلك ذكر أبو عمرو عن ابن عباس وعكرمة وأبيّ بن كعب، وفي هذا نظر، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر " مبنيَّة" و "آيات مبينَّات" بفتح الياء فيهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم: "مبينة" و "مبيِّنات" - بكسر الياء فيهما، وقرأ نافع وأبو عمرو: " مبيَّنة" بالكسر، و "مبيَّنات" بالفتح - وقرأ ابن عباس: "بفاحشة مبينة" بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة، يقال: بين الشيء وأبان: إذا ظهر، وبان الشيء وبينته، وقوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} أمر للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجاً كان أو ولياً، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة: [الرمل] شعر : فَلَئِنْ شَطَّتْ نَوَاهَا مَرَّةً لَعَلَى عَهْدٍ حبيبٍ مُعْتَشرْ تفسير : جعل - الحبيب - جمعاً كالخليط والفريق، يقال: عاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا، وأرى اللفظة من أعشار الجزور، لأنها مقاسمة ومخالطة ومخالقة جميلة، فأمر الله تعالى الرجال بحسن صحبة النساء، وإلى هذا ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : فاستمتع بها وفيها عوج، تفسير : ثم أدب تعالى عباده بقوله: {فإن كرهتموهن} إلى آخر الآية: قال السدي: الخير الكثير في المرأة الولد، وقال نحوه ابن عباس. قال القاضي أبو محمد: ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة شيء لأنه يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه، فيحسن الصبر، إذ عاقبته إلى خير، إذا أريد به وجه الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا} كان أهل المدينة في الجاهلية إذا مات [أحدهم] عن زوجه كان ابنه وقريبه أولى بها من نفسها ومن غيرها، إن شاء نكحها بالصداق الأول، وإن شاء زوجها وملك صداقها، وإن شاء عضلها عن النكاح حتى تموت فيرثها، أو تفتدي منه بصداقها، فمات أبو القيس بن الأسلت عن زوجته "كبشة" فأراد ابنه أن يتزوجها فأتت الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت... {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ} نهى ورثة الزوج أن يمنعوهن من التزوج كما ذكرنا، أو نهى الأزواج أن يعضلوهن بعد الطلاق كما كانت قريش تفعله في الجاهلية، أو نهى الأزواج عن حبسهن كرهاً ليفتدين أو يمتن فيرثوهن، أو نهى الأولياء عن العضل. {بِفَاحِشَةٍ} بزنا، أو نشوز، أو أذىً وبذاءة. {خَيْرًا كَثِيرًا} الولد الصالح.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَاءَ كَرْهاً...} الآية: قال ابن عَبَّاس: كانوا في الجاهليَّة، إذا مات الرجُلُ كانَ أولياؤه أحَقَّ بٱمرأته مِنْ أهلها، إنْ شاؤوا تزوَّجها أحدُهُم، وإن شاؤوا زوَّجوها مِنْ غيرهم، وإن شاؤوا مَنَعُوهَا الزَّوَاج، فنزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ. وقال بعضُ المتأوِّلين: معنى الآية: لا يحلُّ لكم عَضْل النساءِ اللواتِي أنْتُم أولياء لهنَّ، وإمساكُهُنَّ دون تزويجٍ؛ حتى يَمُتْنَ، فتورَثُ أموالُهُنَّ. قال * ع *: فعلَىٰ هذا القولِ: فالموروث مالُهَا، لا هِيَ؛ وروي نَحْوَ هذا عن ابْنِ عَبَّاس. وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ...} الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كَانُوا يَرِثُون المرأةَ، لأنهم كانوا يتزوَّجونها؛ إذا كانَتْ جميلةً، ويمسِكُونها حتَّىٰ تموتَ؛ إذا كانت دميمةً؛ وقال نحوَهُ الحَسَن، وعِكْرِمَة، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: هي في الأزواج في الرَّجُل يُمْسِكُ المرأَةَ، ويسيءُ عِشْرتها؛ حتى تَفْتَدِيَ منه؛ فذلك لا يحلُّ له، وقَالَ مثلَهُ قتادةَ، وهو أقوى الأقوال؛ ودليل ذلك: قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ}، وإذا أتَتْ بفاحشةٍ، فليس للوليِّ حَبْسُهَا حتَّى يذهب بمالِهَا؛ إجماعاً من الأُمَّة، وإنما ذلك للزَّوْج علَىٰ ما سنبيِّنه الآن (إن شاء اللَّه)، وكذلك قوله: {عَاشِرُوهُنَّ...} إلى آخر الآية، يظهر منه تقويةُ ما ذكرته. واختلِفَ في معنى «الفَاحِشَةِ» هنا، فقال الحسَنُ بنُ أبي الحَسَن: هو الزِّنَا، قال أبو قِلاَبَةَ: إذا زنَتِ ٱمرأةُ الرجُلِ، فلا بأس أنْ يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها؛ حتى تَفْتَدِيَ منْه، وقال السُّدِّيُّ: إذا فعلْنَ ذلك، فَخُذُوا مهورَهُنَّ. قلْتُ: وحديثُ المتلاعنَيْن يضعِّف هذا القولَ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَذَاكَ بِمَا ٱسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا...» تفسير : الحديث. وقال ابنُ عبَّاس وغيره: الفاحشةُ في هذه الآية: البُغْضُ والنُّشُوز؛ فإذا نَشَزَتْ، حلَّ له أنْ يأخذ مالَهَا. قال * ع *: وهو مذهبُ مالكٍ. وقال قوم: الفاحشةُ: البَذَاء باللِّسان، وسوءُ العِشْرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنَى النُّشُوز. قال * ع *: والزنا أصعَبُ علَى الزَّوْج من النُّشُوز والأذَىٰ، وكُلُّ ذلك فاحشةٌ تُحِلُّ أَخْذَ المالِ. وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}: أمرٌ يعمُّ الأزواجَ والأولياءَ، ولكنَّ المتلبِّس في الأغلب بهذا الأمر الأزواجُ، والعِشْرَةُ: المخالطةُ والممازجة. وقوله تعالى: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}، قال السُّدِّيُّ: الخيرُ الكثيرُ في المرأة الولَدُ، وقال نحوَهُ ابْنُ عَباس. قال * ع *: ومِنْ فصاحة القرآن العمومُ الذي في لفظَةِ «شَيْء»؛ لأنه يطَّرد هذا النَّظَرُ في كلِّ ما يكرهه المرءُ ممَّا يجمُلُ الصبْرُ عليه، ويحسُنُ، إذ عاقبةُ الصَّبْرِ إلَىٰ خيرٍ، إذا أريد به وَجْهُ اللَّهِ. وقوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ...} الآية: لما مَضَىٰ في الآية المتقدِّمة حُكْمُ الفِرَاقِ الذي سبَبَهُ المرأةُ، وأنَّ للزوج أخْذَ المالِ منْها، عَقَّبَ ذلك بِذكْرِ الفِراقِ الذي سبَبَه الزَّوْجُ، والمَنْع من أخْذ مالها مع ذلك. وقال بعضُ النَّاس: يؤخَذُ من الآية جوازُ المُغَالاة بالمُهُور، وقال قوم: لا تُعْطِي الآيةُ ذلك؛ لأن التمثيل إنما جاء على جهة المبالغةِ. والبُهْتان: مصدر في موضعِ الحالِ، ومعناه: مُبْهتاً، ثم وعَظَ تعالَىٰ عباده، و {أَفْضَىٰ}: معناه: بَاشَرَ، وقال مجاهدٌ وغيره: الإفْضَاءُ في هذه الآية: الجماعُ، قال ابنُ عَبَّاس: ولكنَّ اللَّه كريمٌ يَكْنِي. واختلف في المراد بالميثاقِ الغَليظِ. فقال الحسن وغيره: هو قوله تعالَىٰ: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} تفسير : [البقرة:229] وقال مجاهدٌ، وابنُ زَيْدٍ: الميثاقُ الغليظُ: عُقْدةُ النِّكاحِ، وقولُ الرَّجُلِ: نَكَحْتُ، ومَلَكْتُ النِّكاحَ، ونحوه، فهذه التي بها تستحلُّ الفرُوج. وقال عكرمة، والرَّبيع: الميثاقُ الغليظُ يفسِّره قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً فَإنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ، أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وٱسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ».
ابن عادل
تفسير : هذا مُتَّصِلٌ بما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الزوجاتِ. قال المُفَسِّرُونَ: نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهليَّة، وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا مات الرَّجُلُ وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألْقَى ثوبه على تلك المرأة وقال: وَرِثْتُ امْرأتَهُ كما وَرِثْتُ ماله، فصار أحقُّ بها من سَائِرِ النَّاسِ ومن نفسها فإن شَاءَ تَزَوَّجَهَا بغير صَدَاق، إلاَّ الصّداق الأوّل الّذي أصْدَقَهَا الميت، وإن شاء زَوَّجَهَا من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عَضَلها ومنعها من الأزْوَاج يُضَارها لتفتدي منه بما أخذت من الميت أو تموت هي فيرثها، وإنْ ذهبت المرَأةُ إلى أَهلها قبل أنْ يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بِنَفْسِهَا فكانوا على هذا حتى حديث : مات أبو قيس الأسْلَتِ الأنْصَارِي وترك امرأته كُبيشة بنت معن الأنصاريّة فقام ابْنٌ له من غيرها يقال له محصن، وقال مقاتل بْنُ حيَّان: اسمه قيس بْنُ أبِي قَيْسٍ، وطرح ثَوْبَهُ عليها فَوَرِثَ نكاحها وتركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بما ورثت، فأتَتْ كبيشةُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبَا قَيْسٍ تُوُفِّي وَوَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق عَلَيَّ وَلاَ يدخل بي ولا يخلي سبيلي فَقَالَ لها: اقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأتِي فِيكِ أمرُ اللَّهِ، تفسير : فأنْزَلَ هذِهِ الآيةَ. وقيل: كان يكون عند الرَّجل عجوز ولها مال ونفسه تتشوق إلى الشّابّة فيكره فِراق العجوز لمالها، فيمسكها، ولا يقربها حتَّى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرثُ مالها فنزلت الآية تأمر الزَّوْجَ أن يطلِّقَهَا إن كره صحبتها، ولا يرثها كرهاً فذلك قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} والمقصود إذهاب ما كانوا عليه في الجاهِلِيَّةِ وإلاَّ يجعل النِّساء كالمال يورثن عن الرِّجال. قوله: أن ترثوا [النساء] في محلّ رفع على الفاعليَّة بـ "يحل" أي: لا يحل لَكُمْ إرثُ النساء. وقرئ: "لا تحل" بالتاء من فوق على تأويل "أن ترثوا": بالوراثة، وهي مؤنَّثة، وهي كقراءة {أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الأنعام: 23] بتأنيث "تكن" ونصب فتنتهم" بتأويل ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم، إلاَّ أنَّ في آية الأنْعَامِ مسوغاً، وهي الإخبار عنه بمؤنث كما سيأتي، و {ٱلنِّسَآءَ} مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضاف أي: أن تَرثُوا مال النِّسَاءِ إن كان الخِطَابُ للأزْوَاجِ، لأنَّهُ روي أنَّ الرَّجُلَ منهم كان إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حَتّى تموتَ؛ فيرثها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالها إنْ لم تَمُت، وإمَّا من غير حذف على أن يكون بمعنى الشَّيءِ الموروث إنْ كان الخطاب للأولياء، أو لأقرباء الميّت، وقد تَقَدَّمَ المعنيانِ في سبب النُّزُولِ على ما تَقَدَّمَ؛ فلا يحتاج إلى حَذْفِ أحد المفعولين إمّا الأوَّلُ أو الثَّانِي على جَعْلِ {أَن تَرِثُواْ} متعدّياً لاثنين كما فعل أبُو الْبَقَاءِ. قال: {ٱلنِّسَآءَ} فيه وجهان: أحدهما: هُنَّ المفعول الأوَّل، والنساء على هذا هُنَّ الموروثاتُ، وكانت الجاهليّة ترث نساء آبائهم وَيَقُولُونَ: نحنُ أحقُّ بنكاحهنَّ. والثاني: أنه المفعول الثّاني، والتّقدير: أن ترثوا من النّساء المالَ. انتهى. قوله: "هن المفعول الأول" يعني: والثاني محذوف تقديره: {أن ترثوا من آبائكم النساء}. و"كرهاً" مصدر في موضع نَصْبٍ على الحال من النّساء أي: أن ترثوهن كَارِهات، أو مكروهات، وقرأ الأخوان "كرهاً" هنا وفي "براءة" و "الأحقاف" بضمِّ الكَافِ، وافقهما عاصم وابن عامر في رواية ابن ذكوان عنه على ما يأتي في الأحقاف، والباقون بالفتح. وقد تَقَدَّمَ في الكُره والكَره بمعنى واحد أم لا؟ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ولا مفهوم لقوله {كَرْهاً} يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالب. قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فيه وجهان: أظهرهُمَا: أنَّهُ مجزوم بـ "لا" الناهية عطف جملة نهي على جملة خبريَّة فإنْ لم تشترط المناسبةُ بين الجُمَلِ كما هو مذهب سِيبَويْه - فواضحٌ، وَإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأن الجُمْلَةَ قبلها في معنى النهي إذ التَّقْديرُ: (ولا ترثوا النساء كرهاً) فإنَّهُ غيرُ حلال لكم. وجعله أبُو البقاءِ على هذا الوجه مستأنفاً يعني أنَّهُ ليس بمعطوفٍ على الفعلِ قبله. والثَّانِي: أجازه ابن عطية وَأبُو البَقَاءِ أن يكون منصوباً عطفاً على الفِعْلِ قبله. وقال ابنُ عَطِيَّةَ: ويُحتمل أن يكونَ {تَعْضُلُوهُنَّ} نصباً عطفٌ على {تَرِثُواْ} فتكون الواو مشتركةً عاطفةً فِعْلاً على فعلٍ. وقرأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "ولا تعضلوهن" فهذه القراءة تقوِّي احتمال النّصب، وأن العَضْلَ مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. وردَّ أبو حيَّان هذا الوجه بأنَّكَ إذا عطفت فعلاً منفياً بـ "لا" على مثبت وكانا منصوبين فَإنَّ النَّاصبَ لا يُقَدَّر إلاَّ بعد حرف العطف لا بعد "لا"، فإذا قلت: أريد أن أتوب ولا أدخل النار، قال التقدير: "أريد أن أتوبَ و [أنْ] لا أدخل النار"؛ لأن الفعل يطلب للأول على سبيل الثبوتِ، والثاني على سبيل النفي والمعنى: أريدُ التوبةَ انتفاء دخولي النار، فلو كان المتسلط على المتعاطفين منفياً فكذلك، ولو قدَّرْتَ هذا التقدير في الآية لم يصح لو قلت: "لا يحل أن لا تعضلوهن"، لم يصح إلاَّ أن تجعل "لا" زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أن تقدِّر "أنْ" بعد "لا" النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرتَ "أن" بعد "لاَ" كان من عطف المصدر المقدّر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابْنِ عَطِيَّة العطفان، وظَنَّ أنَّهُ بصلاحية تقدير "أن" بعد "لا" يكونُ مِنْ عَطْفِ الفعل على الفعل وفَرْقٌ بين قولِك "لا أريد أن تقوم ألا تخرج" وقولك: أرِيدُ أنْ تَقُوم ولا أنْ تَخْرُجَ، ففي الأول نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه، وإرادة انتفاء خروجه، فقد أرادَ خروجه، وفي الثَّانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه ووجودَ خروجه، فلا يريد لا القيام، ولا الخروج. وهذا في فهمه بعضُ غموضٍ على مَنْ تَمَرَّنَ في علم العربيَّةِ؛ انتهى ما ردّ بِهِ. قال شهابُ الدِّينِ: وفيه نظر من حيث إنَّ المثال الّذي ذكره في قوله: "أريد أن أتوب ولا أدخل النار" فَإنَّ تقديرَ النَّاصب فيه قبل "لا" واجب من حيثُ إنَّهُ لو قُدِّرَ بعدها لفسد التركيب، وأما في الآية فتقدير "أن" بعد "لا" صحيح، فَإنَّ التقدير يصير: لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن، ويَؤيِّدُ ما قلته، وَمَا ذَهَبَ إليه ابن عطيَّةَ قولُ الزمخشريِّ فإنَّهُ قال: فإن قلت: تَعْضُُلُوهُنَّ ما وجه إعرابه؟ قلت: النَّصبُ عطفاً على {أَن تَرِثُواْ} و "لا" لتأكيد النّفي أي: "لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن" فَقَدْ صَرَّحَ الزمخشري بهذا االمعنى وصَرَّحَ بزيادة "لا" التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر، وفي الكلام حذف تقديره: "ولا تعضلوهن من النكاح" إن كان الخطاب للأولياء: أو: لا تعضلوهن من الطلاق، إن كان الخطاب للأزواج. وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: [هو] خطابُ الوارث الزَّوج بحبس الزّوجة حتى تَرُدَّ الميراث. قال ابنُ عَطِيَّة: هذا في الرَّجُلِ تكون له المَرْأةُ وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهاه اللَّهُ عن ذلك. وقيل: الخِطَابُ عامٌّ في الكُلِّ. قوله: {لِتَذْهَبُواْ} اللام متعلّقةُ بـ {تَعْضُلُوهُنَّ} والباء في "ببعض" فيها وجهان: أحدهُمَا: أنَّها باء التّعدية المرادفةُ لهمزتها أي: لتِذْهِبُوا بما آتيتموهن. والثاني: أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و "ما" موصولة بمعنى الذي، أوْ نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوف، وفي تقديره إشْكَالٌ تَقَدَّمَ الكلام عليه في البقرة عند قوله: {أية : وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 3]. قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ} في هذا الاستثناء قولان: أحدُهُمَا: أنه منقطعٌ فيكونُ {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ} في محلِّ نصب. والثَّاني: أنَّه مُتَّصِلٌ وفيه حينئذٍ ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره: "ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إتيانهن بفاحشة". والثَّاني أنَّهُ مستثنى من الأحوال العامَّة، تقديره: ولا تعضلوهن في وقتٍ من الأوقات إلاَّ في حال إتيانهن بفاحشة، والمعنى لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلاّ إذا زَنَتْ، والقائلون بهذا منهم من قال بقي هذا الحكم ولم ينسخ ومنهم من قال: نسخ بآية الجلد. الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة. وقال أبو البقاء بعد أن حكى فيه وجه الانقطاع: "والثاني: هو في موضع الحال تقديره: إلاَّ في حال [إتيانهن بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديره: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حال] إتيان الفاحشة" انتهى. وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعل هذا الحالَ مستثناةً منه. وقرأ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم: "مبيَّنة" اسم لمفعول بفتح الياء في جميع القرآن، أي بَيَّنَها في قوله: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي} تفسير : [إبراهيم: 36] والباقون بكسر الياء من اسم الفاعل وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ من بيَّن المتعدي، فعلى هذا [يكون] المفعول مَحْذُوفاً تقديره [مبينة حال مرتكبها. والثاني: أنها من بَيَّن اللازم، فإن بَيَّن يكون متعدياً ولازماً يقال:] بانَ الشَّيْء وأبان واستبان، وبين وتبين، بمعنى واحد أي: أظهر، وإذا ظهرت صارت أسباباً للبيان، وإذا صَارَتْ سبباً للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما أنَّ الأصنام لما كانت سبباً للضلال حَسُنَ إسناد الإضلال إليها لأنَّ الفاحشة لا فعل لها في الحَقِيقَةِ. وأيضاً الفاحشة تتبين فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة. وقرأ بعضهم "مُبِينَة" بكسر الياء وسكون الياءِ اسم فاعل من "أبان" وهذان الوجهان [هما] المتقدّمان في المشددة المكسورة، لأن "أبان" أيضاً يكون متعدياً ولازماً وأما "مبينات" جمعاً فقرأهن الاخوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر الياء اسم فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، وتَقَدَّمَ وجه ذلك. فصل قال ابنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ: الفاحشة هي النُّشوز، وإيذاء الزَّوج، والمعنى إذا كان سوء العشرة من جهتهن فقد عذرتم في طلب الخُلعِ ويُؤَيِّدُهُ قولُ أبيِّ بن كعب، إلاَّ أن يفحشن عليكم. وقال الحَسَنُ، وأبو قلاَبَةَ والسُّدِّيُّ: هي الزنى والمعنى، إذَا نَشَزَتِ الَمْرأةُ، أوْ زَنَتْ حَلَّ للزَّوْج أنْ يسألها الخُلْعَ. وقال عطاء: كان الرَّجُلُ إذا أصابت امرأته فَاحِشَةً أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ اللَّهُ ذلك. قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}. وقال الزَّجَّاجُ: وهو النصفة في المبيت والنفقة والإجمال في القول. وقيل: أن يتصنّع لها كما تَتَصَنع له. [قوله:] {بِٱلْمَعْرُوفِ} لها وجهان: أظهرهما: أنَّهَا باءُ الحالِ، أي: من الفاعل مُصَاحبين لهن بالمعروف، أو من المفعول أي مصحوبات بالمعروف. والثَّاني: أنها باء التعدية. قال أبُو البَقَاءِ: بالمعروف مفعول، أو حال. فصل قال الْقُرْطُبِيُّ: استدل علماؤنا بقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أنّ المرأة إذَا لم يكفيها خادم واحد أنَّ عليه أن يكفيها قدر كفايتها كابنة الخليفة والملك وشبههما ممن لا يكفيها خادم واحد، وأنَّ ذلك هو المعاشرةُ بالمَعْرُوفِ. وقال الشَّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: لا يلزمه إلا خادم واحد، وذلك يكفيها خدمة نفسها وليس في العالم امرأة إلا ويكفيها خادم واحد، وهذا كالمقاتل تكون له أفراس فلا يُسْهمُ لَهُ إلاَّ بفرس واحد؛ لأنه لا يقاتل إلا على فرس واحد، قال علماؤنا: وهنا التشبيه غلط؛ لأن مثل بنات الملوك اللاتي لهن خدمة كثيرة لا يكفيها خادم واحد، لأن إصلاح شأنها ومطبخها، وغسيل ثيابها لا يكفيها خادم واحد يقوم بذلك. قوله: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ [فَعَسَىٰ}] أي إن كرهتم عشرتهن بالمعروف وآثرتم فراقهن. قوله: {فَعَسَىٰ} الفاء جواب الشرط، وإنَّمَا اقترنت بها عسى؛ لأنها جامدة. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت من أي وجه صح أن يكون فعسى جزاء للشرط؟ قلت: من حيث المعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعلَّ لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبون. ولهذا قال قَتَادَةُ: فإنه فسر الخير الكثير بودٍّ يحصل فتنقلب الكراهة محبة، والنفرة رغبة. وقيل: ولد صالح. وقرئ وَيَجْعَلُ برفع اللام. قال الزَّمَخْشَرِيُّ على أنه حال يعني: ويكون خبر المبتدأ محذوف لئلا يلزم دخول الواو على مضارع مثبت، و "عسى" هنا تامة؛ لأنها رفعت أنَّ وما بعدها، والتقدير: فقد قربت كراهيتكم فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في "فيه" يعود على شيء، أي: في ذلك الشيء المكروه. وقيل: يعود على الكره المدلول عليه بالفعل، والمعنى {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} ورغبتم في مفارقتهن، فربما جعل في تلك المفارقة لهن خيراً كثيراً، وذلك بأن تتزوج غيره خيراً منه. ونظيره قوله: {أية : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [النساء: 130] وهذا قول الأصَمِّ، قال القاضي، وهذا بعيد؛ لأنه تعالى حث بما ذكر على استمرار الصحبة فكيف يريد المفارقة. وقيل: الضمير يعود على الصبر، وإن لم يجر له ذكر.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث، وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل ما لا يحل له؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله، فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته، أو كافر إن اعتقد حله، فقال مشيراً بتخصيص المؤمنين عقب {أية : ولا الذين يموتون وهم كفار} تفسير : [النساء: 18] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم، وإلا لقال: يا أيها الناس - مثلاً، منفراً من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان: {يا أيها الذين آمنوا} أي فوقف بهم الإيمان عند زواجرنا {لا يحل لكم أن ترثوا النساء} أي مالهن {كرهاً} أي كارهين لهن، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً - كما سيأتي في تفسير {أية : ويستفتونك في النساء} تفسير : [النساء: 127] أو يكون الفعل واقعاً على نفس النساء، ويكون (كرهاً) على هذا حالاً مؤكدة، أي كارهات، أو ذوات كره، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فيلقي ثوبه عليها، فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت، ففعل ابنه حصن هذا مع زوجة له، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال؛ " حديث : كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} " تفسير : ولهذا أتبعه سبحانه قوله: {ولا تعضلوهنَّ} أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن، أوتشددوا عليهن بالمضارة وهن في حبائلكم؛ قال البيضاوي: وأصل العضل: التضييق، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى. والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد، من عضلة الساق، وهي اللحمة التي في باطنه، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع، قال: وقال الخليل: كل لحمة اشتملت على عصبة - انتهى. وتارة يكون الاشتداد ناظراً إلى المنع، وتارة إلى الغلبة والضيق، ثم علل ذلك بقوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} أي أنتم إن كن أزواجاً لكم، أو مورثوكم إن كن أزواجاً لهم وعضلتموهن بعدهم، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل، أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم، ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات فقال: {إلا أن} أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن {يأتين بفاحشة} أي فعلة زائدة القبح {مبينة} أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزاً وسوء عشرة، فلكم العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس، والأنسب لسياق الأمر في {وعاشروهن} أن يكون {تعضلوهن} منهياً، لا معطوفاً على "أن ترثوا" {بالمعروف} أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة {فإن} أي إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح، وإن {كرهتموهن} فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة، واصبروا عليهن نظراً لما هو الأصلح، لا لمجرد الميل النفسي، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله: {فعسى} ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جواباً للشرط {أن تكرهوا شيئاً} أي من الأزواج أو غيرها، لم يقيده سبحانه تعميماً تتميماً للفائدة {ويجعل الله} أي المحيط علماً وقدرة، وغيَّب بحكمته علمكم العواقب لئلا تسكنوا إلى مألوف، أو تنفروا من مكروه {فيه خيراً كثيراً *} . ولما نهى عن العضل تسبباً إلى إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء منه في غير الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال: {وإن} أي إن لم تعضلوا المرأة، بل {أردتم استبدال زوج} أي تنكحونها {مكان زوج} أي فارقتموها أو لا، ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار. ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في قوله: {وآتيتم إحداهن} أي إحدى النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في النكاح سواء كانت بدلاً أو مستبدلاً بها {قنطاراً} أي مالاً جماً {فلا تأخذوا منه شيئاً} أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها، ولا سبب مباح، ثم عظم أخذه باستفهام إنكار وتوبيخ فقال: {أتأخذونه} أي على ذلك الوجه، ولما تقدم أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه الحالة التي لا سبب لها بالأخذ في تلك الحالة، فجعل الأخذ على هذه الصورة قائماً مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك قال: {بهتاناً وإثماً مبيناً *} أي كذوي بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة فيه، ثم غلظ ذلك باستفهام آخر كذلك فقال: {وكيف تأخذونه وقد} أي والحال أنه قد {أفضى} أي بالملامسة {بعضكم إلى بعض} أي فكدتم أن تصيروا جسداً واحداً {وأخذن} أي النساء {منكم} أي بالإفضاء والاتحاد {ميثاقاً غليظاً *} قوياً عظيماً، أي بتقوى الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة، لأن مبنى النكاح على ذلك وإن لم يصرح به فيه.
السيوطي
تفسير : أخرج البخاري وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها فهم أحق بها من أهلها. فنزلت هذه الآية في ذلك. وأخرج أبو داود من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فاحكم الله عن ذلك. أي نهى عن ذلك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها. وهي قوله {ولا تعضلوهن} يعني لا تقهروهن {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأة الميت، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها. قال عطاء بن أبي رباح: وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأة، يحبسها أهله على الصبي تكون فيهم، فنزلت {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} . وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته - وكان لهم ذلك في الجاهلية - فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبشة ابنة معن بن عاصم أبي الأوس، كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ. فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس أن رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها فلم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده لتفتدي منه بفدية. فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليُّه فألقى عليها ثوباً، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً نجت. فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} . وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير عن الزهري في الآية قال: نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه، فيمسكها حتى تموت فيرثها. فنزلت فيهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوّجها أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها. فنهى الله المؤمنين عن ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن السلماني في قوله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن} قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام قال ابن المبارك {أن ترثوا النساء كرهاً} في الجاهلية {ولا تعضلوهن} في الإسلام. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {ولا تعضلوهن} قال: لا تضر بامرأتك لتفتدي منك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد {ولا تعضلوهن} يعني أن ينكحن أزواجهن، كالعضل في سورة البقرة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله {إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة} قال: البغض والنشوز. فإذا فعلت ذلك فقد حلَّ له منها الفدية. وأخرج ابن جرير عن مقسم "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن" في قراءة ابن مسعود وقال: إذا آذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة} يقول: إلا أن ينشزن. وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب "إلا أن يفحشن". وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الفاحشة هنا النشوز. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن عطاء الخراساني في الرجل، إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك الحدود. وأخرج ابن جرير عن الحسن {إلا أن يأتين بفاحشة} قال: الزنا. فإذا فعلت حلَّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع. وأخرج ابن المنذر عن أبي قلابة وابن سيرين قالا: لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها لأن الله يقول {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}. وأخرج ابن جرير عن جابر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فَرْشَكُم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عمر. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن حق، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً، ولا يعصينكم في معروف، وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وعاشروهن} قال: خالطوهن. قال ابن جرير: صفحه بعض الرواة. وإنما هو خالقوهن. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وعاشروهن بالمعروف} يعني صحبتهن بالمعروف {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً} فيطلقها فتتزوج من بعده رجلاً، فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} قال: الخير الكثير. أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: فعسى الله أن يجعل في الكراهية خيراً كثيراً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي {ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} قال: الولد. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: إذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها وليصبر، فلعل الله سيريه منها ما يحب. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيراً كثيراً، قال: وكان الحسن يقول: عسى أن يطلقها فتتزوج غيره فيجعل الله له فيها خيراً كثيراً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [الآية: 19]. قيل: علموهن السُنن والفرائض. وقال عبد الله بن المبارك: العشرة الصحيحة ما لا تورثك الندم عاجلاً وآجلاً. وقال أبو جعفر رحمه الله: المعاشرة بالمعروف حسن الخلق مع العيال فيما سأل وكرهت صحبتها. قوله عز وجل: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. قيل: غيَّب عنك العواقب لئلا تستكن إلى مألوف ولا تفر من مكروه. وقال أبو عثمان رحمه الله: السكون إلى كراهية النفس جعل الله فيه خير الدارين. قال الله تعالى: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} والخير الكثير هو ما يتصل بالعقبى، لأنه لا كثير فى الدنيا، {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قال: وسمعت سعيد بن أحمد يقول: سمعت جعفراً الخلدى يقول: سمعت الجنيد رحمه الله يقول: الصبر مفتاح كل خير. قال: وسمعت محمد بن الحسين البغدادى يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول: سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون يقول: أفضل الصبر الصبر عن المخالفات. وسُئل الجنيد رحمه الله عن الصبر فقال: حمل الضَّرر لله حتى تنقضى أوقاته. وقال أيضاً: لا يتم تحملك الصبر إلا مع الاستقبال بما يخامر البلايا بالصبر.
القشيري
تفسير : التلبيسُ على المستضعفين، والتدليسُ على أهل السلامة والوداعة من المسلمين - غيرُ محموديْنَ عند الله. فمن تعاطَ ذلك انتقم الله منه، ولم يبارِك له فيما يختزل من أموال الناس بالباطل والاحتيال. ومن استصغر خصمه في الله فأهون ما يعاقبه الله به أنْ يَحْرِمَه الوصولَ إلى ما يأمل من محبوبه. وقوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}: أي بتعاليم الدين والتأدب بأخلاق المسلمين وحُسْنِ الصحبة على كراهة النفس، وأن تحتمل أذاهن ولا تحملهن كلف خدمتك، وتتعامى عن مواضع خجلتهن. قوله: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً...} كل ما كان على نفسك أشقَّ كانت عاقبته أهْنَأَ وأَمْرَأَ. واعلم أن الحقَّ سبحانه لم يُطْلِعْ أحداً على غَيْبِه، فأكثر ما يعافه الإنسان قد تكون الخيرة فيه أتم. وقد حكم الله - سبحانه - بأن مخالفة النفس توصل صاحبها إلى أعلى المنازل، وبعكس ذلك موافقتها، كما أَن مخالفة القلوب توجب عمى البصيرة، وبعكس ذلك موافقتها.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا يحل لكم ان ترثوا النساء كرها} مصدر فى موضع الحال من النساء كان الرجل اذا مات قريبه يلقى ثوبه على امرأته او على خبائها ويقول ارث امرأته كما ارث ماله فيصير بذلك احق بها من كل احد ثم ان شاء تزوجها بصداقها الاول وان شاء زوجها غيره واخذ صداقها ولم يعطها منه شيئاً وان شاء عضلها اى حبسها وضيق عليها لتفتدى بما ورثت من زوجها وان ذهبت المرأة الى اهلها قبل القاء الثوب فهى احق بنفسها فنهوا عن ذلك وقيل لهم لا يحل لكم ان تأخذوهن بطريق الارث على زعمكم كما تحاز المواريث وهن كارهات لذلك {ولا تعضلوهن} عطف على ترثوا ولا لتأكيد النفى والخطاب للازواج. والعضل الحبس والتضييق وداء عضال ممتنع عسر العلاج وكان الرجل اذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها مع سوء العشرة والقهر وضيق عليها لتفتدى منه بمالها وتخلع فقيل لهم ولا تعضلوهن اى لا تضيقوا عليهن {لتذهبوا ببعض ما تيتموهن} اى من الصداق بان يدفعن اليكم بعضه اضطرارا فتأخذوه منهن {الا ان يأتين بفاحشة مبينة} من بين بمعنى تبين اى القبح من النشوز وشكاسة الخلق وايذاء الزوج واهله بالبذاء اى الفحش والسلاطة اى حدة اللسان او الفاحشة الزنى وهو استثناء من اعم الاحوال او اعم الاوقات او اعم العلل ولايحل لكم عضلهن فى حال من الاحوال او فى وقت من الاوقات او لعلة من العلل الا فى حال اتيانهن بفاحشة او الا فى وقت اتيانهن بها او الا لاتيانهن بها فان السبب حينئذ يكون من جهتهن وانتم معذورون فى طلب الخلع {وعاشروهن بالمعروف} خطاب للذين يسيئون العشرة معهن. والمعروف ما لا ينكره الشرع والمروءة والمراد ههنا النصفة فى المبيت والنفقة والاجمال فى القول ونحو ذلك {فان كرهتموهن} وسئمتم صحبتهن بمقتضى الطبيعة من غير ان يكون من قبلهن ما يوجب ذلك من الامور المذكورة فلا تفارقوهن بمجرد كراهة النفس واصبروا على معاشرتهن {فعسى ان تكرهوا شيأ ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} والمراد بالخير الكثير ههنا الولد الصالح او المحبة والألفة والصلاح فى الدين وهو علة للجزاء اقيمت مقامه للايذان بقوة استلزامها اياه كأنه قيل فان كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة فلعل لكم فيما تكرهونه خيرا كثيرا ليس فيما تحبونه. وعسى تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن تقدير الخبر اى فقد قربت كراهتك شيئاً وجعل الله فيه خيرا كثيرا فان النفس ربما تكره ما هو اصلح فى الدين واحمد عاقبة وادنى الى الخير وتحب ما هو بخلافه فليكن نظركم الى ما فيه خير وصلاح دون ما تهوى انفسكم. اعلم ان معاشرتهن بالمعروف والصبر عليهن فيما لا يخالف رضى الله تعالى والا فالرد من مواضع الغيرة واجب فان الغيرة من اخلاق الله واخلاق الانبياء والاولياء قال عليه السلام "حديث : أتعجبون من غيرة سعد وانا اغير منه والله اغير منى ومن اجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " .تفسير : اى ما كان من اعمال الظاهر وهو ظاهر واحوال الباطن وهو الركون الى غير الله والطريق المنبىء عن الغيرة ان لا يدخل عليها الرجال ولا تخرج هى الى الاسواق دون الحمام قال الامام قاضى خان دخول الحمام مشروع للرجال والنساء خلافا لما قاله البعض ـ روى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الحمام وتنور وخالد بن وليد دخل حمام حمص لكن انما يباح اذا لم يكن فيه انسان يكشف العورة انتهى والناس فى زماننا لا يمتنعون عن كشف العورة اعاليهم واسافلهم فالمتقى يجتنب عن الدخول فى الحمام من غير عذر والحاصل ان المرأة اذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر اوضاعها وسوء خلقها بخلاف ما اذا كانت غير ذلك: قال الشيخ السعدى شعر : جومستور باشد زن خوبروى بديدار اودربهشت است شوى اكربارساباشد وخوش سخن نكه درنكويى وزشتى مكن جوزن راه بازار كيرد بزن وكرنه تودر خانه بنشين جوزن زبيكانكان جشم زن كور باد جو بيرون شداز خانه در كورباد شكوهى نماند دران خاندان كه بانك خروش آيدازما كيان كريز ازكفش دردهان نهنك كه مردن به اززندكانى به ننك تفسير : ثم اعلم ان معاملة النساء اصعب من معاملة الرجال لانهن ارق دينا واضعف عقلا واضيق خلقا فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الاخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين فى سبيل الله وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع ازواجه المطهرة ـ روى ـ ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته الى ان ماتت وعرض عليه التزوج فامتنع وقال الوحدة اروح لقلبى قال فرأيت فى المنام بعد جمعة من وفاتها كأن ابواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون فى الهواء يتبع بعضهم بعضا وكلما نظر الى واحد منهم يقول لمن وراءة هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم الى ان مرّ بى آخرهم فقلت له من هذا المشئوم قال انت قال فقلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين فى سبيل الله فمنذ جمعة امرنا ان نضع عملك مع الخالقين فلا ندرى ما احدثت فقال لاخوانه زوجونى فلم يكن يفارقه زوجتان او ثلاث وكثرة النساء ليست من الدنيا لان الزهاد والعباد كانوا يتزوجون ثلاثا واربعا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : حبب الى من دنياكم ثلاث النساء والطيب وقرة عينى فى الصلاة " تفسير : قال بعض ارباب الاحوال كنت بمجلس بعض القصاص فقال ما سلم احد من الهوى ولا فلان وسمى بمن لا يليق ذكره فى هذا المقام لعظم الشأن فقلت اتق الله فقال ألم يقل "حبب الى" فقلت ويحك انما قال حبب ولم يقل احببت قال ثم خرجت بالهم فرأيت النبى عليه السلام فقال لا تهتم فقد قتلناه قال فخرج ذلك القاص الى بعض القرى فقتله بعض قطاع الطريق. فقال بعض العلماء اكثاره عليه السلام فى امر النكاح بفعل بواطن الشريعة. قال الحكيم الترمذى فى نوادر الاصول الانبياء زيدوا فى القوة بفضل نبوتهم وذلك ان النور اذا امتلأت منه الصدور ففاض فى العروق التذت النفس والعروق فاثار الشهوة وقواها واما الطيب فانه يزكى الفؤاد ويقوى القلب واصل الطيب انما خرج من الجنة بهبوط آدم منها بورقة تستر بها فتركت عليه. واما الصلاة فهى مناجاة الله كما قال عليه السلام "حديث : المصلى يناجى ربه " .تفسير : فاذا عرفت حقيقة الحال فاياك والانكار فان كل عمل عند الاخيار له سر من الاسرار ولكن عقول العوام لا تحيط به وان عاشوا الف عام: قال مولانا جلال الدين قدس سره شعر : ازمحقق تامقلد فرقهاست كين جوداودست وآن ديكرصداست كار درويشى وراى فهم تست سوى درويشان بمنكر سست سست
ابن عجيبة
تفسير : {يَا أَيُّهَا ألَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ...} قلت: أصل العضل: التضييق، يقال: عضلَت الدجاجة ببيضها إذا ضاقت، ثم أُطلق عُرفًا على منع المرأة من التزوج. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا} لا يحل لكم أن تمنعوا النساء من النكاح لترثوا ما لهن {كرهًا}. قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل، وله امرأة كان قريبه من عصبته أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها من غير صداق، إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها ولم يُعطها شيئًا، وإن شاء عَضَلهَا وضيَّق عليها لتفتدى منه بما ورثت من الميت، أو تموت فيرثُها، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يُلقِيَ وليُّ زوجها ثوبَه عليها فهي أحق بنفسها. فكانوا على ذلك في أول الإسلام، حتى توفي أبو قَيس بن الأَسْلتَ الأنصاري، وترك امرأته " كبشة بنت معن الأنصارية"، فقام ابنٌ له من غيرها فطرح ثوبه عليها، تم تركها ولم يقربها، ولم ينفق عليها، يضارّها لتفتدى منه، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله؛ إن أبا قيس تُوفي ووَرِثَ نكاحي ابنُه، وقد أضرَّ بي وطوّل عليّ، فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي، ولا يخلي سبيلي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقعدي في بيتك حتى يأتَي فيك أمرُ الله" تفسير : . قالت: فانصرفتُ وسمعت بذلك النساءُ في المدينة فأتين النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد الفضيخ، فقلن: يا رسول الله: ما نحن إلا كهيئة كبشة، غير أنه لا ينكحنا الأبناء، ونكَحَنا أبناء العَم، فنزلت الآية. فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يُورثن عن الرجال كما يُورث المال. وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في العصمة ليرثوا مالها، من غير غبطة بها، وإنما يمسكها انتظارًا لموتها، وقيل: الخطاب للأولياء الذين يمنعون ولياتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج. {ولا} يحل لكم أيضًا أيها الأزواج أن {تعضلوهن}، أي: تحبسوهن؛ من غير حاجة لكم فيهن؛ {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} من الصداق افتداء فيه بإضراره. قال ابن عباس رضي الله عنه: (هي أيضًا في الأزواج الذين يمسكون المرأة ويُسيئُون عشرتها حتى تفتدى بصداقها)، {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}، كالنشوز وسوء العشرة وعدم العفة، فيحل له حينئِذ حبسها حتى تفتدى منه بصداقها، فيأخذه خلعًا على مذهب مالك. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا يحل للمريد أن يُضيق على نفسه تضييقاً يُفضي إلى العطب، فالنفس كالبهيمة: علفها واستخدامها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: " حديث : لا يكن أحدُكُم كالمنبت، لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ". تفسير : فبعض الناس يسمعون أن من ضيَّق على نفسه أورثته العلوم، فيضيق عليها تضييقًا فاحشًا ليرث ذلك منها كرهًا، وإنما يمنعها من شهواتها الزائدة على قيام البنية، إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، بحيث تطغى عليها، فيضيق عليها بما لا يُفضي إلى الهلاك، وهذا كله إنما ينفعه إذا صح مِلْكُه لها بالعقد الصحيح من الشيخ الكامل، وإلاَّ كان تعبه باطلاً، كمن يريد أن يرى امرأة غيره أو دابة غيره. والله تعالى أعلم. ثم أمر الحق تعالى بحسن العشرة مع النساء، فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} يقول الحقّ جلّ جلاله: وعاشروا النساء {بالمعروف} بأن تلاطفوهن في المقال وتجملوا معهن في الفعال، أو يَتَزَيَّنُ لها كما تتزين له. قال الورتجبي: كونوا في معاشرتهن في مقام الأنس وروح المحبة، وفرح العشق حيث أنتم مخصوصون بالتمكين والاستقامة والولاية، فإن معاشرة النساء لا تليق إلا في المستأنس بالله، كالنبي صلى الله عليه وسلم وجميع المستأنسين من الأولياء والأبدال، حيث أخبر صلى الله عليه وسلم عن كمال مقام أُنْسِه بالله ورؤيته لجمال مشاهدته حيث قال: "حديث : حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثَلاث: الطيب، والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة ". تفسير : ثم قال: عن ذي النون: المستأنس بالله يستأنس بكل شيء مليح ووجه صبيح، وبكل صوت طيب وبكل رائحة طيبة، ثم قال: عن ابن المبارك: العشرة الصحيحة: ما لا يورثك الندم عاجلاً ولا آجلاً، وقال أبو حفص: المعاشرة بالمعروف: حسن الخلق مع العيال فيما ساءك. هـ. {فإن كرهتموهن} فاصبروا {فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا} إما ولدًا صالحًا أو عاقبة حسنة في الدين. قال ابن عمر: إن الرجل يستخير الله فيخار له فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له. هـ. حكى أن أبا الإمام مالك رضي الله عنه تزوج امرأة فدخل عليها فوجدها سوداء، فبقي متفكرًا ولم يقربها، فقالت له: هل استخرت ربك؟ فقال: نعم، فقالت: أتَتَّهمُ ربك، فدخل بها، فحملت بالإمام مالك صاحب المذهب. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَفْرك مؤمنٌ مَؤمنة ـ أي: لا يُبْغِضها ـ إن سخط منها خُلقَا رضي منها آخر" تفسير : . قال الورتجبي: قيل: غيب عنك العواقب؛ لئلا تسكن إلى مألوف، ولا تفر من مكروه. الإشارة: إذا طهرت النفس من البقايا، وكملت فيها المزايا، وانقادت بكليتها إلى مولاها، وجب الإحسان إليها والصلح معها ومعاشرتها بالمعروف، فإنما تجب مجاهدتها ما دامت كافرة فإذا أسلمت وانقادت وجب محبتها والإحسان إليها. فإن كرهتها في حال اعوجاجها فجاهدتها ورضتها حتى استقامت كان في عاقبة ذلك خيرٌ كثير، وعادت تأتي إليك بالعلوم اللدنية تشاهد فيها أسرارًا ربانية. قال الورتجبي: كل أمر من الله ـ سبحانه ـ جاء على مخالفة النفس امتحانًا واختبارًا، والنفس كارهة في العبودية فإذا ألزمت عليها حقوق الله بنعت الرياضة والمجاهدة واستقامت في عبودية الله، أول ما يطلع على قلبك أنوار جنان القرب والمشاهدة، قال الله تعالى: {أية : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأوَى}تفسير : [النازعات:40،41]، وفي أجواب ظلام المجاهدة للعارفين شموس المجاهدات وأقمار المكاشفات. هـ. المراد منه.
الطوسي
تفسير : القراءة واللغة: قرأ {بفاحشة مبينة} بفتح الياء، ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم. الباقون بالكسر، وهو الأقوى، لأنه لا يقصد إلى إظهارها. وقرأ حمزة والكسائي {كرهاً} بضم الكاف هنا وفي التوبة والأحقاف، وافقهما في الأحقاف عاصم، وابن عامر، إلا الحلواني، ويعقوب. الكرَه والكرُه لغتان، مثل الشهد والشهُد، والضعف والضعف، والفقر والفقر. المعنى: هذا الخطاب متوجه إلى المؤمنين، نهاهم الله أن يرثوا النساء كرها، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الزهري، والجبائي، وغيرهما، وروي ذلك عن أبي جعفر (ع): هو أن يحبس الرجل المرأة عنده، لا حاجة له اليها، وينتظر موتها حتى يرثها، فنهى الله (تعالى) عن ذلك. وقال الحسن، ومجاهد: معناه ما كان يعمله أهل الجاهلية، من أن الرجل اذا مات، وترك امرأته قال وليه: ورثت امرأته، كما ورثت ماله، فان شاء تزوجها بالصداق الأول، ولا يعطيها شيئاً، وإن شاء زوجها وأخذ صداقها، وروى ذلك أبوالجارود، عن أبي جعفر (ع). وقال مجاهد: إذا لم يكن الولي ابنها قال أبو مجلز: وكان أولى بالميراث أولى بها من ولي نفسها. وقوله: {ولا تعضلوهن} قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الزوج أمره الله بتخلية السبيل إذا لم يكن له فيها حاجة، ولا يمسكها إضراراً بها، حتى تفتدي ببعض مالها. والثاني - قال الحسن: هو الوارث، نهي عن منع المرأة من التزويج، كما يفعل أهل الجاهلية على ما بيناه. والثالث قال مجاهد: المراد الولي. الرابع - قال ابن زيد: المطلق يمنعها من التزويج، كما كانت تفعل قريش في الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة، فاذا لم توافقه فارقها، على أن لا تتزوج إلا باذنه، فيشهد عليها بذلك، ويكتب كتاباً، فاذا خطبها خاطب، فان أعطته وأرضته، أذن لها وإن لم تعطه عضلها، فنهى الله عن ذلك. والأول أظهر الاقاويل. اللغة: والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج، وأصله الامتناع، يقال: عضلت الدجاجة ببيضتها: إذا عسرت عليها، ومنه العضلة: لصلابتها، ومنه الداء العضال إذا لم يبرء، وعضل الفضا بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه. المعنى: وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وأبو قلابه، والسدي: يعني الزنا، وقالوا إذا أطلع منها على زنية فله أخذ الفدية. والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: هو النشوز، والأولى حمل الآية على كل معصية، لأن العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) واختاره الطبري. وقوله: {وعاشروهن بالمعروف} قال السدي: معناه خالطوهن، وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من المصاحبة، بأداء حقوقهن التي أوجبها على الرجال، أو تسريح باحسان. وقوله: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} يعني في إمساكهن على كره منكم {خيراً كثيراً} من ولد يرزقكم، أو عطفكم عليهن بعد الكراهية، وبه قال ابن عباس، ومجاهد. الاعراب: والهاء في فيه، يحتمل أن ترجع إلى الشيء في قوله: {أن تكرهوا شيئاً} ويحتمل أن تكون راجعة إلى الذي يكرهونه. وقوله: {ولا تعضلوهن} يحتمل أن يكون جزماً بالنهي، ويحتمل أن يكون نصباً بالعطف على قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن} وفي قراءة عبدالله: {ولا أن تعضلوهن} باثبات أن. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أبا قيس بن الأسلت لما مات عن زوجته كبشة بنت معن بن عاصم، أراد ابنه أن يتزوجها، فجاءت إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت: يا نبي الله: لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية، ذكره أبو جعفر عليه السلام، وغيره.
الجنابذي
تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} كانوا فى الجاهليّة يرثون نكاح ازواج مورثّهم بالصّداق الّذى اصدقه المورّث فنهوا عنه {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} لا تمنعوهنّ عن النّكاح ضراراً {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ} كما هو شائع فى زماننا هذا {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} ما يؤدّى الى الشّقاق مع الازواج فانّه يحلّ لهم حينئذٍ الافتداء من المهر وغيره وخلعهنّ {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} حسن العشرة بما يستحسنه العقل والشّرع ممدوح مع كُلّ احد خصوصاً مع من كان تحت اليد ولا سيّما الحرّة الّتى صارت مملوكة لك بسبب المهر {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} قيل كان الرّجل اذا اراد جديدة بهّت الّتى تحته ليفتدى منها ويصرفه فى الجديدة فمنعوا منه.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قيل: نزلت في اليتيمة تكون في حجر وليها فيتزوجها لمالها ويعزل فراشها وهو يتوقع وفاتها ليرثها، وقيل: هو الرجل تكون تحته المرأة فيكره صحبتها ويضادها ليفتدي بمهرها فنهوا عن ذلك، وقيل: كان الرجل إذا مات له قريبٌ من أخ أو حميم عن امرأة ألقى ثوبه عليها وقال: أنا أحقّ بها من كل أحد، فقيل: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} أي تأخذوهنَّ على سبيل الإرث، وقيل: كان يمسكها حتى تموت {ولا تعضلوهنَّ} العضل: الحبس والتضييق، وقيل: كان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تصلح له حبسها مع سوء العشرة والقهر لتفتدي منه بمالها وتختلع فقيل: {لا تعضلوهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبينةٍ} وهو النشوز وشكاسة الخلق، وإيذاء زوجها فإن فعلت ذلك حل لزوجها أن يسألها الخلع، وقيل: كانوا إذا أصابت امرأة فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، وعند قتادة: لا يحل أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه يعني وإن زنت، وعن الحسن: الفاحشة الزنا فإن فعلت حل لزوجها أن يسألها الخلع، قوله تعالى: {فإن كرهتموهنَّ} لكراهة الأنفس فربما كرهت الأنفس ما هو الأصلح في الدين، وكان الرجل إذا طمحت عينه إلى استطراق امرأة بهت التي هي تحته ورماها بالزنا حتى يُلجئها إلى الإِفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزويج غيرها، قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} الآية والقنطار المال العظيم من قنطرت الشيء إذا رفعته، ومنه القنطرة لأنها بناء مشيَّد، قال: شعر : كقنطرة الرومي أقسم ربها ليكتنفنّ حتى يشاد بقرمد تفسير : وعن عمر أنه قام خطيباً فقال: أيها الناس لا تغالوا بصداق النساء فلو كانت مكرمة في الدماء أو تقوى عند الله لكان أولاكم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثني عشر أوقيَّة، فقامت إليه امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقاً جعله الله لنا والله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} فقال عمر: كل أحد اعلم من عمر، قوله تعالى: {أتأخذونه بهتاناً} البهتان أن يستقبل الرجل بأمر قبيح كان يقذفه وهو يرى أنه يبهت عند ذلك أي يتحيَّر قوله تعالى: {وكيف تأخذونه} أي عجباً من فعلكم تأخذوا ذلك منهن {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} قيل: المراد به الجماع كنى الله عنه، وقيل: المراد به الخلوة الصحيحة {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} وصفه بالغلظ للقوة والعظمة، وهو قول الولي: "أنكحك على ما في كتاب الله عزّ وجل من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهنَّ عوان في أيديكم" تفسير : قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} الآية عن ابن عباس نزلت في امرأة أبي قيس وذلك أنه توفي أبو قيس وكان من صالح الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني أعدُّك ولداً وأنت من صالح قومك ولكني آتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتته وأخبرته فنزلت الآية.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً}. كان الرجل في الجاهلية يموت عن امرأته فيُلقِي وليُّه عليها ثوباً، فإن أَحبَّ أن يتزوّجها تزوّجها، وإلا تركها حتى تموت فيرثها، إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوباً، فتكون أَحقَّ بنفسها. وقال بعضهم: إذا ألقى عليها ثوباً كان ذلك تزويجه إياها، فإن كان راغباً فيها عجّل الدخول بها، وإن لم تكن له فيها رغبة حبسها، فلم يدخل بها حتى تفتدي بمالها أو ببعضه. قال الحسن: كان وليّه يقول: ورثت امرأته كما ورثت ماله، فإن شاء تزوّجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها وأخذ صداقها. وقال بعضهم: كان هذا في حي من الأنصار؛ إذا مات لهم ميت قصد ولي الميت ولي المرأة فنكحها أو أنكحها من شاء، ما لم يكن أباها أو عمَّها، أو يعضلوهن حتى يفتدين بأموالهن، فنهاهم الله عن ذلك. قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أي لا تحبسوهن {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} أي: ببعض ما أعطيتموهن. قال الحسن: يعني الصداق. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}. قال بعضهم: نُهِيَ الرجل إذا لم يكن له بامرأته حاجة أن يضارّها فيحبسها لتفتدي منه، إلا أن يأتين بفاحشة مبيّنة. قال بعضهم: إلا أن تكون هي الناشزةَ فتختلع منه. والفاحشة المبيّنة: عصيانها ونشوزها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : المختلعات المنتزعات هن المنافقاتتفسير : . ذكر الحسن قال: إنما كان عامة من يصيب هذه الحدود وأشباه هذا من الفعل يومئذ المنافقين. وذكر الحسن: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، أي: الزنا، إلا أن تقوم عليها البينة. وهي منسوخة. قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ} أي: اصحبوهن بالمعروف {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}. أي: يكره الرجل المرأة، فيحبسها، ويمسكها وهو لها كاره، فعسى الله أن يرزقه منها ولداً، ثم يعطفه الله عليها، أو يطلقها فيتزوجها غيره، فيجعل الله للذي تزوّجها فيها خيراً كثيراً. قوله: {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} أي طلاق امرأة ونكاح أخرى {وَءَاتَيْتُمْ} أي وأعطيتم {إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً}. ذكروا عن الحسن أنه قال: القنطار ألف دينار ومائتا دينار. وذكر بعضهم قال: القنطار مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الورق. قال: {فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأخُذُونَهُ} على الاستفهام {بُهْتَاناً} أي: ظلماً {وَإِثْماً مُّبِيناً} أي إن أخذتموه على ذلك كان بهتاناً وإثماً مبيناً، أي بيّناً. لا يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئاً إلا أن تنشز فتفتدي منه، ولا يحل له أن يضارّها فتفتدي منه. قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني المجامعة في تفسير مجاهد وغيره: قال: [بعضهم]: كل مدخول بها فلها الصداق كاملاً. وإن كانت محرماً منه تزويجها، وهو لا يعلم، فدخل بها، فلها الصداق كاملاً. وكان الحسن يقول: إن كانت لا تحل له فلها ما أخذت منه ولا تتبعه بما بقي. قال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} هو قوله: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}تفسير : [البقرة:229]، وهو قول الحسن وغيره. وقال مجاهد: هي كلمة النكاح التي تُسْتَحلّ بها الفروج. قال بعضهم: وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم: ءآلله عليك لتمسكنَّ بمعروف أو لتسرِّحَنَّ بإحسان. وحُدِّثنا عن بعض السلف أنه كان يتلو هذه الآية عند النكاح.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهاً}: أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم، فتتزوجوا بهن أو تزوجوهن بحسب ما أردتم ولو كارهات، كما ورثتم مال أزواجهن، وقيل المعنى: لا يحل لكم تزوجهن كارهات، كان الرجل إذا مات قريبه الذى هو عصبته تزوج امرأته، ولو كرهت. وقيل: أن ترثوا مالهن بأن يمسكوهن، لا يتزوجون بهن، ولا يزوجوهن حتى يفتدين بما ورثنن و{كَرْهاًً}: مفعول مطلق، أى: إرث كره أو حال من النساء، أى كارهات، أو ذوات كره، ويضعف أن يكون اسم مصدر كره، فهو بمعنى إكراه، فحينئذ يكون بمعنى اسم مفعولا، كره: حالا من النساء، أى مكرهات، أو بمعنى اسم فاعل أكره حالا من واو {تَرِثُواْ} أى مكرهين. وقرأ حمزة والكسائى: كرها بضم الكاف فى جميع القرآن، والمعنى واحد، وهو نفار القلب عن الشىء، وقيل: بالضم: المشقة، وبالفتح: ما يكره عليه، وليس كذلك. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}: لا تعضلوهن عن الزواج، ولا صلة لتأكيد النفى السابق، وليست ناهية، والفعل منصوب بحذف النون، لا مجزوم، والعطف على {تَرِثُواْ} أى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً وتعضلوهن. زعم بعض أن الخطاب لأقارب الزوج الذى يرمى أحدهم ثوبه على امرأته، فيرث ماله وأمر زوجته فيعطلها حتى يرث مالها، أو تفتدى كما مر، كما قال: {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ}: أى ببعض ما آتاهن، أمثالكم من جنبكم، وهم الأزواج الأقربون إليكم قبلكم، الذين ماتوا، وذلك أنه يعضلها حتى تفتدى ببعض ما أعطاها الزوج الأول، وإن أعطته كل ما أعطاها الأول أخذه، ويرد ذلك الزعم قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} لأنها إذا أتت بفاحشة مبينة، ليس يسوغ له أن يعضلها ليذهب ببعض ما أصدقها الأول، ولا أن يرثها كرها، وكذا يرده ما بعد إلى غليظاً، إلا أن يدعى أن قوله {وَعَاشِرُوهُنَّ..} إلخ راجع معنى إلى قوله: {وآتوا النساء صدقاتهن} أو إلى الأزواج هكذا عموماً أزواجهن التى لم يطلقوهن ولم يموتوا عنهن، فالحق فى تعضلوا جواز أن يكون منصوب بأن على حد ما مر، وأن يكون مجزوماً على أن {لا} ناهية، والحق أن الخطاب إما للأزواج الأحياء الذين يعطلون أزواجهن حتى يمتن فيرثوهن، أو يفتدين منهم ببعض ما أصدقوا لهن، ولا سيما بكله، فإنه أشد نهياً يكونون معهن بإساءة العشرة، وترك جماعهن كراهة عنهم لصحبتهن، وضيقاً بمهرهن فلا هن واصلات حقوقهن، ولا هن مطلقات يتزوجن غيرهم، كما قاله ابن عباس، وأما لأزواجهن المطلقين لهن يطلقوهن لم يراجعونهن ثم يطلقونهن مضارة لهن، كما هو قول بعض، والقولان مناسبان لقوله {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، وقوله {وعَاشِروهُنَّ بالمعروف} إلى قوله {ميثاقاً غليظاً}. وقول ابن عباس أنسب فهو المعتمد فى تفسير الآية لأن القول بعده يكون المعنى عليه أمسكوهن على معروف وإن طلقتم وراجعتم فأمسكوهن بلا قصد إضرار، وإن أردتم الزوج الأخرى وطلاق هذه فليعط الزوج صداقها بلا نقص، والقولان مناسبان لقوله {ما آتيتموهن} وأما على القول بأن الخطاب لأولياء الزوج المتوفى فل يناسب إلا بتكلف التاويل، بأن المعنى: ما أتى جنسكم وهم الأزواج لقرابة الموتى - كما مر - والفاحشة المبينة: النشوز وسوء المعاشرة، والزنى وعدم التعفف ونحو ذلك كمضرة أقاربه، وكإيذاء باللسان. وقال الحسن: الفاحشة: الزنى. وعن ابن عباس: البغض والنشوز فإن كان بعض ذلك فله أن يمسكها، ولا حق لها لتضيعها حقه حتى يرثها، أو تفتدى منه. قال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل جاز أن يشق عليها حتى تفتدى منه، وكذلك يضعف القول بأن الخطاب لأولياء المرأة، وأن {يأتين} تعليل والاستثناء مفرغ، أى ولا تعضلوهن الا لأن يأتين أو ظرف، أى: إلا إتيانهن إلى إلا وقت إتيانهن، أو الاستثناء منقطع منظور فيه إلى قوله قوله {لتذهبوا} أى لن إن أتين بفاحشة فلكم العضل، والمرأة إذا زنت عمداً غير مكرهة أبطلت صداقها ولا يرجع إليها، ولو تابت على الصحيح ولا بينة لزوجها فقد يكون بطلب الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء المثناة تحت هنا فى الأحزاب والطلاق، ومعنى مبينة بالكسر: عظيمة الظهور، أو بالفتح لم تخف بل أظهرت أوأقيمت بالبينة عليها، قال الشيخ هود رحمه الله، قال الحسن: إلا أن يأتين بفاحشة مبينة أى الزنى إلا أن تقوم عليها البينة، وهن منسوخة، انتهى. يعنى أنه كانت المرأة إذا زنت أخذ منها زوجها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ الله ذلك بالحدود. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}: الإنصاف فى المبيت معها، والنفقة والقول الجميل، والفعل الجميل، وقيل: أن تصنع لها كما تحب أن تصنع لك. {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً}: هذا إغراء بإمساك المرأة ما لم تتبين منها فاحشة ونحوها من سوء الخلق الذى لا يحمل مثله ما ورد فى الحديث، "حديث : أبغض الحلال عند الله الطلاق"تفسير : والمعنى: لا تطلقون لكراهتكم لهن، فلعل صلاحكم الدينى والأخروى أو الدنيوى، أو كل ذلك فيهن، ومضرتكم فى فراقهن كما يشاهد الإنسان أنه كثيراً ما يحب ما هو شر له، ويكره ما هو خير له، وليكن نظركم إلى صلاح الذين وأدنى إلى الخير، فأمسكوهن بمعروف، ولو كرهتموهن فيكون لكم الثناء فى الدنيا والثواب رلجزيل فى العقبى بإخلاص ذلك لله تعالى، وعن ابن عباس والسدى: الخير الكثير المستعمل فى مطلق الشىء مثله فى خصوص المرأة وهو الولد الصالح، وقيل: الآية تسلية للنساء المطلقات، أى فإن كرهتمون وتطلقتموهن فليرضين لقضاء الله، ولا يشتد عليهن ذلك، لأنه ربما كان ذلك الطلاق خيراً لهن ولو كرهته، مثل أن تستريح فمن كرهها وتتزوج خيراً منه.
اطفيش
تفسير : {يَا أيُُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِسّآءَ} أجسامهن كما يورث المال، وقيل ما لهن، كانوا يأخذونه كأنه ميراث لهم {كَرْهاً} كارهات، أو ذوات كره، والأصل أن لا يفسر بمكرهين أو مكرهات، لأنه ثلاثى، كان الرجل إذا مات عصبته أُلقى على زوجه أو على خبائها ثوبه، وقال أنا أحق بها من أوليائها، ومن نفسها، ورثتها منه كما ورثت صله، وذلك كابن الميت من غيرها، وكأخيه، فلا تتزوج غيره، ويكون أمر نكاحها إليه، إن شاء كانت له زوجا، بلا ولى ولا عقد ولا صداق ولا إشهاد، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عطلها عن التزوج وأساء عشرتها لعدم جمالها حتى تفتدى إليه بما وثت من زوجها،أو بموت، فيرثها، وذلك قبل نزول آية الإرث، وقيل الآية فى أنهم كانوا يرثون أنهن أزواج لهم بلا رضى منهن، وإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقى عليها ولى زوجها ثوبه فهى أحق بنفسها، وكانوا على ذلك فى المدينة على عهد الجاهلية، وأول الإسلام، حتى نزل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}، وذكر عكرمة أن أبا قيس ابن الأسلت مات عن كبيشة ابنة معز بن عاصم من الأوس، فحبسها ابنه من غيرها فقالت يا رسول الله: لا أنا ورثت زوجى، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت الآية {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} أيها الغاضبون، لا تعطلوهن عن التزوج، وأصل العضل التضييق، ولا ناهية، والعطف على لا يحل، ومعنى لا يحل النهى، وسيبويه أجاز عطف الإنشاء على الخبر ولو لم يكن الخبر فى معنى الإنشاء، أو لا نافية والعطف على ترثوا، كما قرأ ابن مسعود، ولا أن تعضلوهن، وكان القريشى إذا لم توافقه زوجه طلقها وأشهد أن لا تتزوج إلا برضاه، فإن أعطته ما يرضيه تركها تتزوج، والخطاب للورثة المتعاطفين، أو للأَزواج، أو الأول للورثة وهذا للأَزواج كما يأتى {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} فكيف بكله، أى ببعض ما آتاهن أولياؤكم الذين غصبتم، عمم لفظ الخطاب فى الفصل والذهاب والإيتاء، فكان على التوزيع، وقيل الخطاب فى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم إلى بعض ما آتيتموهن للأَزواج، كانوا يحبسون أزواجهم لمالهن ولا رغبة لهم فيهن لدمامتهن، أو كبر سنهن حتى يمتن فيرثوهن، وقد أساءوا عشرتهن، وكان الواجب أن يحسنوا إليهن أو يطلقوهن، أو حتى يفتدين منهم ببعض مالهن، أو قوله يا أيها الذين آمنوا إلى كرهاً فى من يرث زوج الميت الذى هو عاصبه و ما بعد ذلك فى الرجل بجانب جماع زوجته فيجعلها كأنها غير ذات زوج، ويناسبه مع القول قبله قوله {إلآّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِِّنَةِ} وقوله {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} الخ، ويبحث أن لا يخاطب متعدد بعبارتين إلا بقرينة، كقوله تعالى: {أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك} تفسير : [يوسف: 29]، فلا يقال قم واقعد خطاباً لزيد وعمرو، والفاحشة المبينة كالنشوز عنه فى فراشه، أو كلامها، أو فيما يجب عليها أن تطاوعه فيه، والبروز للرجال ببدنها أو ثيابها المزينة، أو رائحتها أو كلامها بحيث لا يجوز، وعن أبى قلابة وابن سيرين الزنا، ومصدر يأتين ظرف أى إلا وقت إتيان بفاحشة، أو مقدر باللام، أى لا تعضلوهن لعلة إلا لإتيان بفاحشة بينة، أى ظاهرة، وعلى أن الآية فى إرث الإنسان نكاح زوجة وليه وشأنها يكون الاستثناء منقطعاً، وقيل مفرغ، أى لشىء إلا لإتيانهن بفاحشة، أو فى حالٍ ما إلا فى حال إتيانهن بفاحشة، والتفعيل للمبالغة، يقال بيّن الشد تبينا فهو مبين، أى ظاهر ظهوراً عظيما، أو هو للتعدية، فالمفعول محذوف، أى بفاحشة مظهرة نشوزها، أو مطلق سوءها، والمعروف: حسن الفعل والقولِ لهن، ومن الفعل الجماع والمبيت معها، والنفقة والكسوة البشاشة، ويتزين لها كما تتزين له، ومن القول الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والتعليم والتأديب، والسلام، فقيل إذا أتت بفاحشة فله أن يطلب الفداء، ولا يوفى بحقوقها من جماع أو غيرها، وإن كانت فاحشتها الزنا أبطلت صداقها فله أن لا يعطيها إياه، وله استراده إن كان قد وصلها، وقيل لا تبطله إن تابت، وقال عطاء: كأن الزنى مبطلا لصداقها بهذه الآية، ثم نسخ إبطاله بالحد {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنًّ} طبعاً بلا سبب منهن، أوبسبب مما يتحمل، ولم ينه عنها لأجله {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً} علة قامت مقام الجواب لقوة إيجابها إياه، أى فاصبروا ولا تطلقوهن، والطلاق مكروه لإمكان أن تكرهوا شيئاً {وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} كولد صالح تلده المكروهة، وغيره من المصالح الدينية والدنيوية كالألفة والمودة.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً} لما نهى الله سبحانه فيما تقدم عن عادات أهل الجاهلية في أمر اليتامى والأموال عقبه بالنهي عن الاستنان بنوع من سننهم في النساء أنفسهن أو أموالهن؛ فقد أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها، وفي رواية البخاري وأبـي داود كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك، وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في كبيشة ابنة معن بن عاصم من الأوس كانت عند أبـي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبـي صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح فنزلت، وروي مثله عن أبـي جعفر وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم قال: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك. وروي عن الزهري أنها نزلت في الرجل يحبس المرأة عنده لا حاجة له بها وينتظر موتها حتى يرثها ـ فالنساء ـ إما مفعول ثان ـ لترثوا ـ على أن يكنّ هنّ الموروثات، وكرهاً مصدر منصوب على أنه حال من النساء، وقيل: من ضمير {تَرِثُواْ} والمعنى لا يحل لكم أن تأخذوا نساء موتاكم بطريق الإرث على زعمكم كما حل لكم أخذ الأموال وهنّ كارهات لذلك أو مكرهات عليه، أو أنتم مكروهون لهنّ، وإما مفعول أول له، والمعنى: لا يحل لكم أن تأخذوا من النساء المال بطريق الإرث كرهاً والمراد من ذلك أمر الزوج أن يطلق من كره صحبتها ولا يمسكها كرهاً حتى تموت فيرث منها مالها، وقرأ حمزة والكسائي {كَرْهاً} بالضم في مواضعه، ووافقهما عاصم وابن عامر ويعقوب في الأحقاف، وقرأ الباقون بالفتح في جميع ذلك وهما بمعنى كالضعف والضعف، وقيل: الكره بالضم الإكراه وبالفتح الكراهية، وقرىء ـ لا تحل ـ بالتاء الفوقانية لأن أن ترثوا بمعنى الوراثة كما قرىء {أية : لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} تفسير : [الأنعام: 23] لأنه بمعنى المقالة، وهذا عكس تذكير المصدر المؤنث لتأويله بأن والفعل، فكل منهما جار في اللسان الفصيح. {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ} أصل العضل التضييق والحبس، ومنه عضلت المرأة بولدها عسر عليها كأعضلت فهي معضل ومعضل، ويقال: عضل المرأة يعضلها مثلثة عضلاً وعضلاً وعضلاناً بكسرهما، وعضلها منعها الزوج ظلماً، وعضلت الأرض بأهلها غصت قال أوس:شعر : ترى الأرض منا بالفضاء مريضة (معضلة) منا بجيش عرمرم تفسير : / و {لا} إما ناهية على ما قيل والفعل مجزوم بها، والجملة مستأنفة ـ كما قال أبو البقاء ـ أو معطوفة على الجملة التي قبلها بناءاً على جواز عطف جملة النهي على جملة خبرية كما نسب إلى سيبويه، أو بناءاً على أن الجملة الأولى في معنى النهي إذ معناها لا ترثوا النساء كرهاً فإنه غير حلال لكم، وإما نافية مزيدة لتأكيد النفي، والفعل منصوب بالعطف على ترثوا كأنه قيل: لا يحل ميراث النساء كرهاً ولا عضلهن، ويؤيد ذلك قراءة ابن مسعود، (ولا أن تعضلوهن)، ـ وأما جعل لا نافية غير مزيدة والفعل معطوف على المنصوب قبله ـ فقد ردّه بعضهم بأنه إذا عطف فعل منفي ـ بلا ـ على مثبت وكانا منصوبين فالقاعدة أن الناصب يقدر بعد حرف العطف لا بعد لا ولو قدرته هنا بعد العاطف على ذلك التقدير فسد المعنى كما لا يخفى، والخطاب في المتعاطفين إما للورثة غير الأزواج فقد كانوا يمنعون المرأة المتوفى عنها زوجها من التزوج لتفتدي بما ورثت من زوجها، أو تعطيهم صداقاً أخذته كما كانوا يرثونهن كرهاً، والمراد ـ بما آتيتموهن ـ على هذا ما أتاه جنسكم وإلا لم يلتئم الكلام لأن الورثة ما آتوهن شيئاً، وإما للأزواج فإنهم كما كانوا يفعلون ما تقدم كانوا يمسكون النساء من غير حاجة لهم إليهن فيضاروهن ويضيقوا عليهن ليذهبوا ببعض ما آتوهن بأن يختلعن بمهورهن، وإلى هذا ذهب الكثير من المفسرين ـ وهو المروي عن أبـي جعفر رضي الله تعالى عنه ـ والالتئام عليه ظاهر، وجوز أن يكون الخطاب الأول للورثة، وهذا الخطاب للأزواج، والكلام قد تم بقوله سبحانه: {كَرْهاً} فلا يرد عليه بعد تسليم القاعدة أنه لا يخاطب في كلام واحد اثنان من غير نداء، فلا يقال: قم واقعد خطاباً لزيد. وعمرو، بل يقال: قم يا زيد، واقعد يا عمرو، وقيل: هذا خطاب للأزواج ولكن بعد مفارقتهم منكوحاتهم، فقد أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت قريش بمكة ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة فلعلها ما توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها. والمراد من قوله سبحانه: {لِتَذْهَبُواْ} الخ أن يدفعن إليكم بعض ما آتيتموهن وتأخذوه منهن، وإنما لم يتعرض لفعلهن لكونه لصدوره عن اضطرار منهن بمنزلة العدم، وعبر عن ذلك بالذهاب به لا بالأخذ، والإذهاب للمبالغة في تقبيحه ببيان تضمنه لأمرين كل منهما محظور شنيع الأخذ والإذهاب لأنه عبارة عن الذهاب مصطحباً به؛ وذكر ـ البعض ـ ليعلم منه أن الذهاب بالكل أشنع شنيع. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ} على صيغة الفاعل من بين اللازم بمعنى تبين أو المتعدي، والمفعول محذوف أي مبينة حال صاحبها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم {مُّبَيّنَةٍ} على صيغة المفعول، وعن ابن عباس أنه قرأ {مُّبَيّنَةٍ} على صيغة الفاعل من أبان اللازم بمعنى تبين أو المتعدي، والمراد بالفاحشة هنا النشوز وسوء الخلق ـ قاله قتادة والضحاك وابن عباس وآخرون ـ ويؤيده قراءة أبـيّ إلا أن يفحشن عليكم، وفي «الدر المنثور» نسبة هذه القراءة ـ لكن بدون عليكم ـ إلى أبـيّ وابن مسعود، وأخرج ابن جرير عن الحسن أن المراد بها الزنا. وحكي ذلك عن أبـي قلابة وابن سيرين، والاستثناء قيل: منقطع، وقيل: متصل وهو من ظرف زمان عام أي لا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إيتائهن الخ، أو من حال عامة أي في حال من الأحوال إلا في هذه الحال، أو من علة عامة أي لا تعضلوهن لعلة من العلل إلا لإيتائهن ولا يأبـى هذا ذكر العلة المخصوصة لجواز أن يكون المراد العموم أي للذهاب وغيره، وذكر فرد منه لنكتة أو لأن العلة المذكورة غائية والعامة المقدرة باعثة على الفعل متقدمة عليه في الوجود. وفي الآية إباحة الخلع عند النشوز لقيام العذر بوجود السبب من جهتهن. / وحكي عن الأصم أن إباحة أخذ المال منهن كان قبل الحدود عقوبة لهن. وروي مثل ذلك عن عطاء، فقد أخرج عبد الرزاق وغيره عنه كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود، وذهب أبو علي الجبائي وأبو مسلم أن هذا متعلق بالعضل بمعنى الحبس والإمساك، ولا تعرض له بأخذ المال ففيه إباحة الحبس لهن إذا أتين بفاحشة ـ وهي الزنا عند الأول ـ والسحاق عند الثاني، فالآية على نحو ما تقدم من قوله تعالى: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ }تفسير : [النساء: 15]. {وَعَاشِرُوهُنَّ} أي خالقوهن {بِٱلْمَعْرُوفِ} وهو ما لا ينكره الشرع والمروءة، والمراد هٱهنا النصفة في القسم والنفقة، والإجمال في القول والفعل. وقيل: المعروف أن لا يضربها ولا يسىء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها، وقيل: هو أن يتصنع لها كما تتصنع له، واستدل بعمومه من أوجب لهن الخدمة إذا كنّ ممن لا يخدمن أنفسهن، والخطاب للذين يسيئون العشرة مع أزواجهم، وجعله بعضهم مرتبطاً بما سبق أول السورة من قوله سبحانه: {أية : وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً }تفسير : [النساء: 4] وفيه بعد. {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ} أي كرهتم صحبتهن وإمساكهن بمقتضى الطبيعة من غير أن يكون من قبلهن ما يوجب ذلك {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} كالصحبة والإمساك. {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} كالولد أو الألفة التي تقع بعد الكراهة، وبذلك قال ابن عباس ومجاهد، وهذه الجملة علة للجزاء؛ وقد أقيمت مقامه إيذاناً بقوة استلزامها إياه فإن ـ عسى ـ لكونها لإنشاء الترجي لا تصلح للجوابية وهي تامة رافعة لما بعدها مستغنية عن الخبر، والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن، ولا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فلعل لكم فيما تكرهونه خيراً كثيراً فإن النفس ربما تكره ما يحمد وتحب ما هو بخلافه، فليكن مطمح النظر ما فيه خير وصلاح، دون ما تهوى الأنفس، ونكر شيئاً وخيراً ووصفه بما وصفه مبالغة في الحمل على ترك المفارقة وتعميماً للإرشاد، ولذا استدل بالآية على أن الطلاق مكروه، وقرىء {وَيَجْعَلَ} بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال أي ـ وهو ـ أي ذلك الشيء يجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقيل: تقديره والله يجعل الله بوضع المظهر موضع المضمر، فالواو حينئذٍ حالية. وفي دخولها على المضارع ثلاثة مذاهب: الأول: منع دخولها عليه إلا بتقدير مبتدأ، والثاني: جوازه مطلقاً. والثالث: التفصيل بأنه إن تضمن نكتة كدفع إيهام الوصفية حسن وإلا فلا، ولا يخفى أن تقدير المبتدأ هنا خلاف الظاهر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف تشريع في أحكام النساء التي كان سياق السورة لبيانها وهي التي لم تزل آيها مبيّنة لأحكامها تأسيساً واستطراداً، وبدءا وعودا، وهذا حكم تابع لإبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من جعل زوج الميّت موروثة عنه وافتتح بقوله: {يا أيها الذين آمنوا} للتنويه بما خوطبوا به. وخوطب الذين آمنوا ليعمّ الخطاب جميع الأمّة، فيأخذ كلّ منهم بحظّه منه، فمريد الاختصاص بامرأة الميّت يعلم ما يختصّ به منه، والوليّ كذلك، وولاة الأمور كذلك. وصيغة {لا يحل} صيغة نهي صريح لأنّ الحلّ هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة، فنفيه يرادف معنى التحريم. والإرث حقيقته مصير الكسب إلى شخص عقب شخص آخر، وأكثر ما يستعمل في مصير الأموال، ويطلق الإرث مجازاً على تمحّض الملك لأحد بعد المشارك فيه، أو في حالة ادّعاء المشارك فيه، ومنه «يرث الأرض ومَن عليها»، وهو فعل متعدّ إلى واحد يتعدّى إلى المتاع الموروث، فتقول: ورثت مال فلان، وقد يتعدى إلى ذات الشخص الموروث، يقال: ورث فلان أباه، قال تعالى: {أية : فهب لي من لدنك وليا يرثني}تفسير : [مريم: 6] وهذا هو الغالب فيه إذا تعدّى إلى ما ليس بمال. فتعدية فعل {أن ترثوا} إلى {النساء} من استعماله الأوّل: بتنزيل النساء منزلة الأموال الموروثة، لإفادة تبشيع الحالة التي كانوا عليها في الجاهلية. أخرج البخاري، عن ابن عباس، قال: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوجوّها، فهم أحقّ بها من أهلها فنزلت هذه الآية» وعن مجاهد، والسدّي، والزهري «كان الابن الأكبر أحقّ بزوج أبيه إذا لم تكن أمّه، فإن لم يكن أبناء فوليّ الميّت إذا سبق فألقى على امرأة الميّت ثوبه فهو أحقّ بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحقّ بنفسها. وكان من أشهر ما وقع من ذلك في الجاهلية أنّه لمّا مات أمية بن عبد شمس وترك امرأته ولها أولاد منه: العيص، وأبو العيص، والعاص، وأبو العاص، وله أولاد من غيرها منهم أبو عمرو بن أمية فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه، فولدت له: مُسافراً، وأبا معيط، فكان الأعياص أعماماً لمسافر وأبي معيط وأخوتهما من الأمّ». وقد قيل: نزلت الآية لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت رام ابنه أن يتزوّج امرأته كبشة بنت معن الأنصارية، فنزلت هذه الآية. قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة لازمة في الأنصار، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. وعلى هذا التفسير يكون قوله {كرهاً} حالا من النساء، أي كارهات غير راضيات، حتّى يرضين بأن يكنّ أزواجاً لمن يرضينه، مع مراعاة شروط النكاح، والخطاب على هذا الوجه لورثة الميّت. وقد تكرّر هذا الإكراه بعوائدهم التي تمالؤوا عليها، بحيث لو رامت المرأة المحيد عنها، لأصبحت سبّة لها، ولما وجدت من ينصرها، وعلى هذا فالمراد بالنساء الأزواج، أي أزواج الأموات. ويجوز أن يكون فعل (ترثوا) مستعملا في حقيقته ومتعدّيا إلى الموروث فيفيد النهي عن أحوال كانت في الجاهلية: منها أنّ الأولياء يعضلون النساء ذوات المال من التزوّج خشية أنّهنّ إذا تزوّجن يلدن فيرثهنّ أزواجهنّ وأولادهنّ ولم يكن للوليّ العاصب شيء من أموالهنّ، وهنّ يرغبن أن يتزوّجن؛ ومنها أنّ الأزواج كانوا يكرهون أزواجهم ويأبَون أن يطلّقوهنّ رغبة في أن يمتن عندهم فيرثوهنّ، فذلك إكراه لهنّ على البقاء على حالة الكراهية، إذ لا ترضى المرأة بذلك مختارة، وعلى هذا فالنساء مراد به جمع امرأة، وقرأ الجمهور: كرها ــــ بفتح الكاف ــــ وقرأه حمزة، والكسائي وخلف ــــ بضم الكاف ــــ وهما لغتان. عطف النهي عن العضل على النهي عن إرث النساء كرها لمناسبة التماثل في الإكراه وفي أنّ متعلّقه سوء معاملة المرأة، وفي أنّ العضل لأجل أخذ مال منهنّ. والعضل: منع وليّ المرأة إيّاها أن تتزوّج، وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} تفسير : في سورة البقرة [232] فإن كان المنهي عنه في قوله: لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً} هو المعنى المتبادر من فعل (ترثوا)، وهو أخذ مال المرأة كرها عليها، فعطف {ولا تعضلوهن} إمّا عطف خاصّ على عامّ، إن أريد خصوص منع الأزواج نساءهم من الطلاق مع الكراهية، رغبة في بقاء المرأة عنده حتّى تموت فيرث منها مالها، أو عطف مباين إن أريد النهي عن منعها من الطلاق حتّى يلجئها إلى الافتداء منه ببعض ما آتاها، وأيّامّا كان فإطلاق العضل على هذا الإمساك مجاز باعتبار المشابهة لأنّها كالتي لا زوج لها ولم تتمكّن من التزوّج. وإن كان المَنهي عنه في قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء} المعنى المجازي لترثوا وهو كون المرأة ميراثاً، وهو ما كان يفعله أهل الجاهلية في معاملة أزواج أقاربهم وهو الأظهر فعطف {ولا تعضلوهن} عطف حكم آخر من أحوال المعاملة، وهو النهي عن أن يعضل الوليّ المرأة من أن تتزوّج لتبقى عنده فإذا ماتت ورثها، ويتعيّن على هذا الاحتمال أن يكون ضمير الجمع في قوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} راجعاً إلى من يتوقّع منه ذلك من المؤمنين وهم الأزواج خاصّة، وهذا ليس بعزيز أن يطلق ضمير صالح للجمع ويراد منه بعض ذلك الجمع بالقرينة، كقوله: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم}تفسير : [النساء: 29] أي لا يقتل بعضكم أخاه، إذ قد يعرف أنّ أحداً لا يقتل نفسه، وكذلك {أية : فسلموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] أي يسلم الداخل على الجالس. فالمعنى: ليذهب بعضكم ببعض ما آتاهنّ بعضكم، كأن يريد الوليّ أن يذهب في ميراثه ببعض مال مولاته الذي ورثته من أمّها أو قريبها أو من زوجها، فيكون في الضمير توزيع. وإطلاق العضل على هذا المعنى حقيقة. والذهاب في قوله: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} مجاز في الأخذ، كقوله: {أية : ذهب الله بنورهم}تفسير : [البقرة: 17]، أي أزاله. ليس إتيانهنّ بفاحشة مبيّنة بعضاً ممّا قبل الاستثناء لا من العضل ولا من الإذهاب ببعض المهر. فيحتمل أن يكون الاستثناء متّصلا استثناءً من عموم أحوال الفعل الواقع في تعليل النهي، وهو إرادة الإذهاب ببعض ما آتَوْهُنّ، لأنّ عموم الأفراد يستلزم عموم الأحوال، أي إلاّ حال الإتيان بفاحشة فيجوز إذهابكم ببعض ما آتيتموهنّ. ويحتمل أن يكون استثناء منقطعاً في معنى الاستدراك، أي لكن إتيانهنّ بفاحشة يُحِلّ لكم أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فقيل: هذا كان حكم الزوجة التي تأتي بفاحشة وأنّه نسخ بالحدّ. وهو قول عطاء. والفاحشة هنا عند جمهور العلماء هي الزنا، أي أنّ الرجل إذا تحقّق زنى زوجه فله أن يعضلها، فإذا طلبت الطلاق فله أن لا يطلّقها حتّى تفتدي منه ببعض صداقها، لأنّها تسبّبت في بَعْثَرة حال بيت الزوج، وأحوجته إلى تجديد زوجة أخرى، وذلك موكول لدينه وأمانة الإيمان. فإنْ حاد عن ذلك فللقضاة حمله على الحقّ. وإنّما لم يَجْعل المفاداةَ بجميع المهر لئلا تصير مدّةُ العصمة عريَّة عن عوض مقابل، هذا ما يؤخذ من كلام الحَسن. وأبي قلابة، وابن سيرين وعطاء؛ لكن قال عطاء: هذا الحكم نسخ بحدّ الزنا وباللعان، فحرّم الإضرار والافتداء. وقال ابن مسعود، وابن عباس، والضحّاك، وقتادة: الفاحشة هنا البغض والنشوز، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ منها. قال ابن عطيّة: وظاهر قول مالك بإجازة أخذ الخلع عن الناشز يناسب هذا إلاّ أنيّ لا أحفظ لمالك نصّا في الفاحشة في هذه الآية. وقرأ الجمهور: مبيِّنة ــــ بكسر التحتية ــــ اسم فاعل من بيَّن اللازم بمعنى تبيَّن، كما في قولهم في المثل «بَيَّنَ الصبحُ لذي عَيْنَيْن». وقرأه ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، وخلَف ــــ بفتح التحتية ــــ اسم مفعول من بيَّن المتعدي أي بيَّنها وأظْهَرَها بحيث أشْهَدَ عَليهنّ بها. أعقب النهي عن إكراه النساء والإضرارِ بهنّ بالأمر بحسن المعاشرة معهنّ، فهذا اعتراض فيه معنى التذييل لما تقدّم من النهي، لأنّ حسن المعاشرة جامع لنفي الإضرار والإكراه، وزائد بمعاني إحسان الصحبة. والمعاشرة مفاعلة من العِشْرة وهي المخالطة، قال ابن عطية: وأرى اللفظة من أعشار الجزور لأنّها مقاسمة ومخالطة، أي فأصل الاشتقاق من الاسم الجامد وهو عدد العشرة. وأنَا أراها مشتقّة من العشِيرة أي الأهل، فعاشَره جَعَلَه من عشيرته، كما يقال: آخاه إذا جعله أخاً. أمّا العشيرة فلا يعرف أصل اشتقاقها. وقد قيل: إنها من العشرة أي اسم العدد وفيه نظر. والمعروف ضدّ المنكر وسمّي الأمر المكروه منكراً لأنّ النفوس لا تأنس به، فكأنّه مجهول عندها نَكِرة، إذ الشأن أنّ المجهول يكون مكروهاً ثمّ أطلقوا اسم المنكر على المكروه، وأطلقوا ضدّه على المحبوب لأنّه تألفه النفوس. والمعروف هنا ما حدّده الشرع ووصفه العرف. والتفريع في قوله: {فإن كرهتموهن} على لازم الأمر الذي في قوله: {وعاشروهن} وهو النهي عن سوء المعاشرة، أي فإن وجد سبب سوء المعاشرة وهو الكراهية. وجملة {فعسى أن تكرهوا} نائبه مناب جواب الشرط، وهي عليه له فعلم الجواب منها. وتقديره: فتثبتوا ولا تعجلوا بالطلاق، لأن قوله {فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً} يفيد إمكان أن تكون المرأة المكروهة سببَ خيرات فيقتضي أن لا يتعجّل في الفراق. و{عَسَى} هنا للمقاربة المجازية أو الترجّي. و{أن تكرهوا} سادَ مسدّ معموليها، {وَيَجْعَلَ} معطوف على {تكرهوا}، ومناط المقاربةِ والرجاءِ هو مجموع المعطوف والمعطوف عليه، بدلالة القرينة على ذلك. وهذه حكمة عظيمة، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصّل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي. وبعضه قد علم الله أنّ فيه خيراً لكنّه لم يظهر للناس. قال سهل بن حنيف، حين مرجعه من صفّين «اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتُنا يَوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله أمْره لردَدْنا. واللَّه ورسولُه أعلم». وقد قال تعالى، في سورة البقرة {أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم}تفسير : [البقرة: 216]. والمقصود من هذا: الإرشادُ إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة. ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتّى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقّق سلامة حسن الظاهر من سُوء خفايا الباطن. واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير، دون مقابلة، كما في آية البقرة (216) {أية : وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} تفسير : لأنّ المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطَرفيها إذ المخاطبون فيها كَرِهوا القتال، وأحبّوا السلم، فكان حالهم مقتضيا بيان أنّ القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم، وخضد شوكة العدوّ، وأنّ السلم قد تكون شرّا لما يحصل معها من استخفاف الأعداء بهم، وطمعهم فيهم، وذهاب عزّهم المفضي إلى استعبادهم، أمّا المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كَرّهه فيها، ورام فراقها، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها، فكان حاله مقتضياً بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات، ولا يناسب أن يبيّن له أنّ في بعض الأمور المحبوبة شروراً لكونه فتحا لباب التعلّل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم. وأُسند جعل الخير في المكروه هُنا للَّه بقوله: ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} المقتضى أنه جَعْل عارض لمكروه خاصّ، وفي سورة البقرة (216) قَال: {أية : وهو خير لكم} تفسير : لأنّ تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخفاء في ذات الحقيقة، ليكون رجاء الخير من القتال مطّردا في جميع الأحوال غير حاصل بجَعْل عارض، بخلاف هذه الآية، فإنّ الصبْر على الزوجة الموذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتها، يكون جعل الخير في ذلك جزاءً من الله على الامتثال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كرها: بدون رضاهن. العضل: المنع بشدة كأنه إمساك بالعضلات أو من العضلات. ببعض ما آتيتموهن: أي من المهور. الفاحشة: الخصلة القبيحة الشديدة القبح كالزنى. مبيّنة: ظاهرة واضحة ليست مجرد تهمة أو مقالة سوء. المعروف: ما عرفه الشرع واجبا أو مندوبا أو مباحا. قنطارا: أي من الذهب أو الفضة مهرا وصداقا. بهتانا وإثما: أي كذبا وافتراء، وإثما حراما لا شك في حرمته لأنه ظلم. أفضى بعضكم إلى بعض: أي خلص الزوج إلى عورة زوجته والزوجة كذلك. ميثاقا غليظ: هو العقد وقول الزوج: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. معنى الآيات: تضمنت هذه الآية: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} إبطال ما كان شائعا بين الناس قبل الإسلام من الظلم اللاحق بالنساء فقد كان الرجل إذا مات والده على زوجته ورثها أكبر أولاده من غيرها فإن شاء زوجها وأخذ مهرها وإن شاء استبقاها حتى تعطيه ما يطلب منها من مال فأنزل الله تعالى قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}، فبطل ذلك الحكم الجاهلي بهذه الآية الكريمة وأصبحت المرأة إذا مات زوجها اعتدت في بيت زوجها فإذا انقضت عدتها ذهبت حيث شاءت ولها مالها وما ورثته من زوجها أيضا وقوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} فهذا حكم آخر وهو أنه يحرم على الزوج إذا كره زوجته أن يضايقها ويضارها حتى تفتدى منه ببعض مهرها، إذ من معاني العضل المضايقة والمضارة، هذا ما لم ترتكب الزوجة فاحشة الزنى، أو تترفع عن الزوج وتتمرد عليه وتبخسه حقه في الطاعة والمعاشرة بالمعروف أما إن أتت بفاحشة مبينة لا شك فيها أو نشزت نشوزاً بيناً فحينئذ للزوج أن يضايقها حتى تفتدي منه بمهرها أو بأكثر حتى يطلقها. وذلك لقوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}، ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بمعاشرة الزوجات بالمعروف وهو العدل والإحسان، فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}، وإن فرض أن أحدا منكم كره زوجته وهي لم تأت بفاحشة مبينة فليصبر عليها ولا يطلقها فلعل الله تعالى يجعل في بقائها في عصمته خيراً كثيرا له نتيجة الصبر عليها وتقوى الله تعالى فيها وفي غيرها، فقد يرزق منها ولدا ينفعه، وقد يذهب من نفسه ذلك الكره ويحل محله الحب والمودة. والمراد أن الله تعالى أرشد المؤمن. إن كره زوجته أن يصبر ولا يطلق لما في ذلك من العاقبة الحسنة، لأن الطلاق بغير موجب غير صالح ولا مرغوب للشارع وكم من أمر يكرهه العبد ويصبر عليه فيجعل الله تعالى فيه الخير الكثير. هذا ما تضمنته الآية الأولى [19] أما الآيتان بعدها فقد تضمنتا: تحريم أخذ شيء من مهر المرأة إذا طلقها الزوج لا لإتيانها بفاحشة ولا لنشوزها، ولكن لرغبة منه في طلاقها ليتزوج غيرها في هذه الحال لا يحل له أن يضارها لتفتدي منه بشيء ولو قل، ولو كان قد أمهرها قنطاراً فلا يحل أن يأخذ منه فلسا فضلا عن دينار أو درهم هذا معنى قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}، أتأخذونه بهتاناً أي ظلما بغير حق وكذباً وافتراء وإثما مبينا أي ذنبا عظيما، ثم قال تعالى منكراً على من يفعل ذلك: وكيف تأخذونه أي بأي وجه يحل لكم ذلك، والحال أنه قد أفضى بعضهم إلى بعض أي بالجماع، إذ ما استحل الزوج فرجها إلا بذلك المهر فكيف إذا يسترده أو شيئا منه بهتانا وإثما مبينا، فقال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}؟ وقوله تعالى وأخذن منكم ميثاقا غليظا يعني عقد النكاح فهو عهد مؤكد يقول الزوج نكحتها على مبدأ: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فأين التسريح بإحسان إذا كان يضايقها حتى تتنازل له عن مهرها أو عن شيء منه، هذا ما أنكره تعالى بقوله وكيف تأخذونه إذ هو استفهام إنكاري. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- إبطال قانون الجاهلية القائم على أن ابن الزوج يرث امرأة أبيه. 2- حرمة العضل من أجل الافتداء بالمهر وغيره. 3- الترغيب في الصبر. 4- جواز أخذ الفدية من الزوجة بالمهر أو أكثر أو أقل إن هي أتت بفاحشة ظاهرة لا شك فيها كالزنى أو النشوز. 5- جواز غلاء المهر فقد يبلغ القنطار غير أن التيسير فيه أكثر بركة. 6- وجوب مراعاة العهود والوفاء بها.
القطان
تفسير : العضل: التضييق والشدة. ولا تعضلوهن: لا تمنعوهن من الزواج. الفاحشة: الفعلة الشنيعة. مبينة: ظاهرة، مفضوحة. المعروف: ما تألفه الطباع. روى البخاري وابو داود و النسائي وغيرهم انه كان اذا مات الرجل في الجاهلية كان أولياؤه أحقَّ بامرأته، ان شاء بعضهم تزوجها وان شاؤوا زوّجوها لمن يشاؤون، وان شاؤوا لم يزوجوها ابداً. كانوا هم أحق بها من أهلها.. فنزلت هذه الآية. ومن بعض عادات الجاهلية الممقوتة ان كان الرجل اذا مات ابوه عن زوجة غير أُمه فرض عليها زواجها منه، من غير عقد جديد. وكان اذا طلق امرأته وقد دخل بها فإنه يسترد كلَّ ما اعطاها من مهر سابق. ومنهم من كان يطلقها ويعمل على منعها من الزواح بغيره ظلماً وعدوانا.. فجاء الاسلام ورفع عنها ظُلم العضل، وهو منع المرأة من الزواج بمن تريد، او ايذاؤها لحملها على طلب الطلاق لقاءَ مال تدفعه الى الزوج. كذلك كان من الجائز عندهم ان يتزوج الرجل مطلقة أبيه، فنهى الاسلام عنه، وسماه مقتا، لأنه أمر فاحش القبح. يا أيها المؤمنون لا يحلّ لكم ان تسيروا على سنة الجاهلية فتجعلوا النساء كالمتاع، وترثونهنّ كما ترثون الأموال والعبيد، وتتصرفون فيهن كما تشاؤون، تتخذونهن زوجات من غير مهر، كرهاً. ولا تظلموهن بالتضييق عليهن حتى يفتدين أنفسهن منكم بالمال الذي دفعتُموه لهن من مهور، أو ما حصلن عليه من ميراث. {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} الا ان يرتكبن إثماً بيناً بزنىً، أو بنشوز او سوء خلق، فعند ذلك لكم ان تضيّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} عليكم ا ن تحسنوا معاشرة النساء، فتدخلوا عليهن السرور بالقول والعمل. والزواج شركة يجب ان يكون فيها كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وهناءته. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً...} الآية. فالزواج مبنيّ على المودة والرحمة في الاسلام. { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ...} لِعَيْبٍ في اخلاقهن أو خَلْقهن، أو لتقصير في العمل الواجب عليهن كخدمة البيت وغير ذلك؛ او لميل منكم الى غيرهن ـ فاصبروا ولا تَعْجلوا بمضارتّهنّ ولا مفارقتهن، عسى ان يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "كرها" بالضم وهما لغتان كَرها وكُرها. وقرأ ابن كثير وأبو بكر "مبينة" بفتح الياء، هنا وفي سورة الأحزاب وسورة الطلاق.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَا أَيُّهَا} {آمَنُواْ} {آتَيْتُمُوهُنَّ} {بِفَاحِشَةٍ} (19) - كَانَ النَّاسُ قَبْلَ الإِسْلاَمِ يَجْعَلُونَ النِّسَاءَ كَالمَتَاع فَإِذا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِياؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ يَتَزَوَّجُونَها بِدُونِ مَهْرٍ وَلاَ رِضَاً مِنْهَا، وَكَأنَّهَا شَيءٌ مِنْ مِيرَاثِ الرَّجُلِ المُتَوَفَّى، فَإنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَها، وَإنْ شَاؤُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، فَكَانُوا أَحَقَّ بِهِا مِنْ أَهْلِها، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ لإِبْطَالِ هَذا التَّعَامُلِ الجَائِرِ. وَفِي هَذِهِ الآيَةِ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ بِعَدَمِ الإِضْرَارِ بِالمَرْأَةِ، وَبِعَدَمِ مُضَايَقَتِهَا (عَضْلِهَا) فِي العِشْرَةِ لِتَتْرُكَ لِلْرَجُلِ مَا دَفَعَهُ لَها مِنْ مَهْرٍ، أوْ بَعْضِ حُقُوقِهَا عَلَيهِ، أَوْ شَيْئاً مِنْ حُقُوقِهَا فِي المِيْرَاثِ، عَلى سَبِيلِ القَهْرِ وَالإِضْرَارِ. أمَّا إذَا زَنَتِ المَرْأَةُ فَكَانَ لِلرَّجُلِ أنْ يَسْتَرْجِعَ مِنْهَا الصَّدَاقَ الذِي دَفَعَهُ إلَيها، وَأنْ يُضَاجِرَهَا حتَّى تَتْرُكَهُ (أيْ أنَّ لَهُ عَضْلَهَا فِي هَذِهِ الحَالَةِ). أمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ الزِّنَى فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الرِّجَالَ بِمُعَاشَرَةِ النِّسَاءِ بِالمَعْرُوفِ، أيْ مَعَ طِيبِ قَوْلٍ، وَحُسْنِ فِعْلٍ، حَتَّى وَلَوْ كَرِهُوهُنَّ، فَقَدْ يَكْرَهُ الإِنسَانُ شَيْئاً وَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فِيهِ خَيراً كَثِيراً، كَأنْ تَلِدَ لَهُ المَرْأةُ وَلَداً يَنْبُغُ أو يَسُودُ، أوْ يَكُونُ ذَا شَأنٍ أوْ أنْ يَنْصَلِحَ حَالُها فَتَكُونَ سَبباً فِي سَعَادَته. العَضْلُ - التَّضْييقُ وَالشِّدَّةُ لِلمُضَارَّةِ. الفَاحِشَةُ - الفِعْلَةُ الشَّدِيدَةُ القُبْحِ. المُبَيِّنَةُ - الظَّاهِرَةُ الفَاضِحَةُ. كَرْهاً - مُكْرَهَاتٍ عَلَيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقلنا: ساعة ينادي الحق عباده الذين آمنوا به يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النساء: 19]، فمعناها: يا مَنْ آمنتم بي بمحض اختياركم، وآمنتم بي إلهاً له كل صفات العلم والقدرة والحكمة والقيومية، ما دمتم قد آمنتم بهذا الإله اسمعوا من الإله الأحكامَ التي يطلبها منكم. إذن فهو لم يناد غير مؤمن وإنما نادى مَنْ آمن باختياره وبترجيح عقله فالحق يقول: {أية : لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ ..} تفسير : [البقرة: 256]. يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعالج قضية تتعلق بالنساء وباستضعافهم. لقد جاء الإسلام والنساء في الجاهلية في غَبْن وظلم وحيف عليهن. - وسبحانه - قال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً ..} [النساء: 19] وكلمة "ورث" تدل على أن واحداً قد توفّي وله وارث، وهناك شيء قد تركه الميت ولا يصح أن يرثه أحدٌ بعده؛ لأنه عندما يقول: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ..} [النساء: 19]، فقد مات موّرث؛ ويخاطب وارثاً. إذن فالكلام في الموروث، لكن الموروث مرة يكون حِلاً، ولذلك شرع الله تقسيمه، وتناولناه من قبل، لكن الكلام هنا في متروك لا يصح أن يكون موروثاً، ما هو؟ قال سبحانه: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً ..} [النساء: 19]، وهل المقصود ألا يرث الوارث من مورثه إماء تركهن؟ لا. إن الوارث يرث من مورثه الإماء اللاتي تركهن، ولكن عندما تنصرف كلمة "النساء" تكون لأشرف مواقعها أي للحرائر، لأن الأخريات تعتبر الواحدة منهن ملك يمين، {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً ..} [النساء: 19] وهل فيه ميراث للنساء برضى؟ وكيف تورث المرأة؟ ننتبه هنا إلى قوله سبحانه {كَرْهاً ..} [النساء: 19]، وكان الواقع في الجاهلية أن الرجل إذا مات وعنده امرأة جاء وليه، ويلقي ثوبه على امرأته فتصير ملكاً له، وإن لم تقبل فإنه يرثها كرهاً، أو إن لم يكن له هوى فيها فهو يحبسها عنده حتى تموت ويرثها، أو يأتي واحد ويزوجها له ويأخذ مهرها لنفسه؛ كأنه يتصرف فيها تصرف المالك؛ لذلك جاء القول الفصل: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ..} [النساء: 19]، و "العضل" في الأصل هو المنع، ويقال: "عضلت المرأة بولدها"، ذلك أصل الاشتقاق بالضبط. فالمرأة ساعة تلد فمن فضل الله عليها أن لها عضلات تنقبض وتنبسط، تنبسط فيتسع مكان خروج الولد، وقد تعضل المرأة أثناء الولادة، فبدلاً من أن تنبسط العضلات لتفسح للولد أن يخرج تنقبض، فتأتي هنا العمليات التي يقومون بها مثل القيصرية. إذن فالعضل معناه مأخوذ من عضلت المرأة بولدها أي انقبضت عضلاتها ولم تنبسط حتى لا يخرج الوليد، وعضلت الدجاجة ببيضها أي أن البيضة عندما تكون في طريقها لتنزل فتنقبض العضلة فلا تنزل البيضة لأن اختلالاً وظيفياً قد حدث نتيجة للحركة الناقصة، ولماذا تأتي الحركة ناقصة للبسط؟ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل الأسباب في الكون تعمل آلياً وميكانيكياً بحيث إذا وجدت الأسباب يوجد المسبب، لا. ففوق الأسباب مسبب إن شاء قال للأسباب: قفي فتقف. إذن فكل المخالفات التي نراها تتم على خلاف ما تؤديه الأسباب إنما هي دليل طلاقة القدرة، فلو كانت الأشياء تسير هكذا ميكانيكياً، فسوف يقول الناس: إن الميكانيكا دقيقة لا تتخلف. لكن الحق يلفتنا إلى أنه يزاول سلطانه في ملكه، فهو لم يزاول السلطان مرة واحدة، ثم خلق الميكانيكا في الكون والأسباب ثم تركها تتصرف، لا، هو يوضح لنا: أنا قيوم لا تأخذني سِنَةٌ ولا نوم، أقول للأسباب اعملي أو لا تعملي، وبذلك نلتفت إلى أنه المسيطر. وتجد هذه المخالفات في الشواذ في الكون، حتى لا تَفْتِنَّاً رتابة الأسباب، ولنذكر الله باستمرار، ويكون الإنسان على ذكر من واهب الأسباب ومن خالقها، فلا تتولد عندنا بلادة من أن الأسباب مستمرة دائماً، ويلفتنا الحق إلى وجوده، فتختلف الأسباب لتلفتك إلى أنها ليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة لأن الله خلقها وتركها تفعل، ولو شاء لعطلها. قلنا هذا في معجزة إبراهيم عليه السلام، حيث ألقاه أهله في النار ولم يُحرق، كان من الممكن أن ينجي الله إبراهيم بأي طريقة أخرى، ولكن هل المسألة نجاة إبراهيم؟ إن كانت المسألة كذلك فما كان ليمكِّنهم منه، لكنه سبحانه مكنهم منه وأمسكوه ولم يفلت منهم، وكان من الممكن أن يأمر السماء فتمطر عندما ألقوه في النار، وكان المطر كفيلاً بإطفاء النار، لكن لم تمطر السماء بل وتتأجج النار. وبعد ذلك يقول لها الحق: {أية : قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69]. بالله أهذا غيظ لهم أم لا؟ هذا غيظ لهم؛ فقد قدرتم عليه وألقيتموه في النار، وبعد ذلك لم يَنْزِل مطر ليطفئ النار، والنار موجودة وإبراهيم في النار، لكن النار لا تحرقه. هذه هي عظمة القدرة. إذن فما معنى {تَعْضُلُوهُنَّ ..} [النساء: 19]؟ العضل: أخذنا منه كلمة "المنع"؛ فعضلت المرأة أي قبضت عضلاتها فلم ينزل الوليد، وأنت ستعضلها كيف؟ بأن تمنعها من حقها الطبيعي حين مات زوجها، وأن من حقها بعد أن تقضي العدة أَنْ تتزوج مَنْ تريد أو مَنْ يتقدم لها، وينهى الحق: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ..} [النساء: 19] أي لا تحبسوهن عندكم وتمنعوهن، لماذا تفعلون ذلك؟ {لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ..} [النساء: 19] كأن هذا حكم آخر، لا ترثوا النساء كرهاً هذا حكم، وأيضاً لا تعضلوهن حكم ثانٍ. والمثال عندما يكون الرجل كارهاً لامرأته فيقول لها: والله لن أطلقك، أنا سأجعلك موقوفة ومعلقة لا أكون أنا لك زوجاً ولا أمكنك أيضاً من أن تتزوجي. وذلك حتى تفتدي نفسها فتُبرئ الرجل من النفقة ومؤخر الصداق؛ فيحمي الإسلام المرأة ويحرم مثل تلك الأفعال. ولكن متى تعضلوهن؟ هنا يقول الحق: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ..} [النساء: 19] لأنهم سيحبسونهن، وهذا قبل التشريع بالحد. وقال بعض الفقهاء: للزوج أن يأخذ من زوجته ما تفتدي به نفسها منه وذلك يكون بمال أو غيره إذا أتت بفاحشة من زنَى أو سوء عشرة، وهذا ما يسمى بالخلع وهو الطلاق بمقابل يطلبه الزوج. ويتابع الحق: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} وكلمة "المعروف" أوسع دائرة من كلمة المودة؛ فالمودة هي أنك تحسن لمن عندك ودادة له وترتاح نفسك لمواددته، أنك فرح به وبوجوده، لكن المعروف قد تبذله ولو لم تكره، وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، عندما أراد المستشرقون أن يبحثوا في القرآن ليجدوا شيئاً يدعون به أن في القرآن تعارضاً فيقولون: قرآنكم يقول: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [المجادلة: 22]. كيف لا يواد المؤمن ابنه أو أباه أو أحداً من عشيرته لمجرد كفره. والقرآن في موقع آخر منه يقول؟ {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15]. ونقول: إن هؤلاء لم يفهموا الفرق بين المودة والمعروف. فـ "الود" شيء و "المعروف" شيء آخر. الود يكون عن حُب، لكن المعروف ليس ضرورياً أن يكون عن حُب، ساعة يكون جوعان سأعطيه ليأكل وألبي احتياجاته المادية. هذا هو المعروف، إنما الوُد هو أن أعمل لإرضاء نفسي. وساعة يعطف الرجل المؤمن على أبيه الكافر لا يعطف عليه نتيجة للوُد، إنما هو يعطف عليه نتيجة للمعروف؛ لأنه حتى لو كان كافراً سيعطيه بالمعروف. ألم يعاتب الحق - سبحانه - إبراهيم في ضيف جاء له فلم يكرمه لأنه سأله وعرف منه: أنه غير مؤمن لذلك لم يضيّفه؟ فقال له ربنا: أمن أجل ليلة تستقبله فيها تريد أن تغير دينه، بينما أنا أرزقه أربعين سنة وهو كافر؟ فماذا فعل سيدنا إبراهيم؟ جرى فلحق بالرجل. وناداه فقال له الرجل: ما الذي جعلك تتغير هذا التغير المفاجئ فقال له إبراهيم: "والله إن ربي عاتبني لأني صنعت معك هذا". فقال له الرجل: أربك عاتبك وأنت رسول فيّ وأنا كافر به، فنعم الرب ربٌ يعاتب أحبابه في أعدائه، فأسلم. هذا هو المعروف، الحق يأمرنا أننا يجب أن ننتبه إلى هذه المسائل في أثناء الحياة الزوجية، وهذه قضية يجب أن يتنبه لها المسلمون جميعاً كي لا يُخربوا البيوت. إنهم يريدون أن يبنوا البيوت على المودة والحب فلو لم تكن المودة والحب في البيت لخُربَ البيت، نقول لهم: لا. بل "عاشروهن بالمعروف" حتى لو لم تحبوهن، وقد يكون السبب الوحيد أنك تكره المرأة لأن شكلها لا يثير غرائزك، يا هذا أنت لم تفهم عن الله؛ ليس المفروض في المرأة أن تثير غريزتك، ولكن المفروض في المرأة أن تكون مصرفاً، إن هاجت غريزتك كيماوياً بطبيعتها وجدت لها مصرفاً. فأنت لا تحتاج لواحدة تغريك لتحرك فيك الغريزة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا رأى أحدكم امرأة حسناء فأعجبته فليأت أهله فإن البضع واحد ومعه مثل الذي معها ". تفسير : أي أن قطعة اللحم واحدة إن هاجت غريزتك بطبيعتها فأي مصرف يكفيك، ولذلك عندما جاء رجل لسيدنا عمر - رضي الله عنه - وقال: يا أمير المؤمنين أنا كاره لامرأتي وأريد أن أطلقها، قال له: أَوَ لَمْ تُبن البيوت إلا على الحب، فأين القيم؟ لقد ظن الرجل أن امرأته ستظل طول عمرها خاطفة لقلبه، ويدخل كل يوم ليقبلها، فيلفته سيدنا عمر إلى أن هذه مسألة وجدت أولاً وبعد ذلك تنبت في الأسرة أشياء تربط الرجل بالمرأة وتربط المرأة بالرجل. لذلك يقول الحق: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19]، أنت كرهتها في زاوية وقد تكون الزاوية التي كرهتها فيها هي التي ستجعلها تحسن في عدة زوايا؛ لكي تعوض بإحسانها في الزوايا الأخرى هذه الزاوية الناقصة، فلا تبن المسألة على أنك تريد امرأة عارضة أزياء لتثير غرائزك عندما تكون هادئاً، لا. فالمرأة مصرف طبيعي إن هاجت غرائزك بطبيعتها وجدت لها مصرفاً، أما أن ترى في المرأة أنها ملهبة للغرائز فمعنى ذلك أنك تريد من المرأة أن تكون غانية فقط. وأن تعيش معك من أجل العلاقة الجنسية فقط، لكن هناك مسائل أخرى كثيرة، فلا تأخذ من المرأة زاوية واحدة هي زاوية الانفعال الجنسي، وخذ زوايا متعددة. واعلم أن الله وزع أسباب فضله على خلقه، هذه أعطاها جمالاً، وهذه أعطاها عقلاً، وهذه أعطاها حكمة، وهذه أعطاها أمانة، وهذه أعطاها وفاء، وهذه أعطاها فلاحاً، هناك أسباب كثيرة جداً، فإن كنت تريد أن تكون منصفاً حكيماً فخُذ كل الزوايا، أما أن تنظر للمرأة من زاوية واحدة فقط هي زاوية إهاجة الغريزة، هنا نقول لك: ليست هذه هي الزاوية التي تصلح لتقدير المرأة فقط. {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19]. وانظر إلى الدقة في العبارة {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ ..} [النساء: 19] فأنت تكره؛ وقد تكون محقاً في الكراهية أو غير محق، إنما إن كرهت شيئاً يقول لك الله عنه: {وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19] فاطمئن إنك إن كرهت في المرأة شيئاً لا يتعلق بدينها، فاعلم أنك إن صبرت عليه يجعل الله لك في بقية الزوايا خيراً كثيراً. وما دام ربنا هو مَن يجعل هذا الخير الكثير فاطمئن إلى أنك لو تنبهت لزاوية أنت تكرهها ومع ذلك تصبر عليها، فأنت تضمن أن ربنا سيجعل لك خيراً في نواحٍ متعددة، إن أي زاوية تغلبت على كرهك سيجعل الله فيها خيراً كثيراً. إن الحق يطلق القضية هنا في بناء الأسرة ثم يُعمم، وكان بإمكانه أن يقول: فعسى أن تكرهوهن ويجعل الله فيهن خيراً، لا. فقد شاء أن يجعلها سبحانه قضية عامة في كل شيء قد تكرهه، وتأتي الأحداث لتبين صدق الله في ذلك، فكم من أشياء كرهها الإنسان ثم تبين له وجه الخير فيها. وكم من أشياء أحبها الإنسان ثم تبين له وجه الشر فيها، ليدلك على أن حكم الإنسان على الأشياء دائماً غير دقيق، فقد يحكم بكره شيء وهو لا يستحق الكره، وقد يحكم بحب شيء وهو لا يستحق الحب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يأتي بالأشياء مخالفة لأحكامك {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19] فقدر دائماً في المقارنة أن الكره منك وجَعْل الخير في المرأة من الله، فلا تجعل جانب الكره منك يتغلب على جانب جعل الخير من الله. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} [الآية: 19] قال: كان الرجل إِذا توفي كان ابنه أَحق بامرأَته. فيقول: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ / 13 ظ / زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}. [الآية: 20]. يقول: إِن أَردتم طلاق امرأَة، ونكاح أُخرى، فلا يحل لكم من مال المطلقة شيئاً. وإِن كثر وهو قوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}.
الصابوني
تفسير : [3] المحرمات من النساء التحليل اللفظي {كَرْهاً}: الكَره بفتح الكاف بمعنى الإكراه يقال: افعل هذا طوعاً أو كَرْهاً، وبضم الكاف (كُرْهاً) بمعنى المشقة قال تعالى {أية : حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً} تفسير : [الأحقاف: 15]. قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد. وقال الفراء: الكَرْهُ بالفتح الإكراه، وبالضم المشقة، فما أكره عليه فهو (كَرْه) بالفتح، وما كان من قبل نفسه فهو (كُره) بالضم. {تَعْضُلُوهُنَّ}: العضل في اللغة: المنع ومنه الداء العضال، وقد تقدم بيانه بالتفصيل. {قِنْطَاراً}: القنطار المال الكثير، وهو تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة. {بُهْتَاناً}: البهتانُ الكذب الذي يتحير منه صاحبه ثم صار يطلق على الباطل. {أَفْضَىٰ}: أي وصل، وأصله من الفضاء الذي هو السعة. قال في "اللسان": وأفضى فلان إلى فلان وصل إليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، والفضاء المكان الواسع من الأرض. وقال الجوهري: أفضى الرجل إلى امرأته باشرها وجامعها وقال الفراء: الإفضاء الخلوة وإن لم يجامعها. قال ابن عباس: الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكنّ الله كريم يكني. {مِّيثَاقاً غَلِيظاً}: أي عهداً شديداً مؤكداً، وهو عقد النكاح الذي ربط الزوجين برباط شرعي مقدس. {سَلَفَ}: أي مضى وانقضى، والسلفُ من تقدم من الآباء وذوي القربى. {فَاحِشَةً}: الفاحشة في اللغة: النهاية في القبح سميت فاحشة لأنها تناهت في القبح والشناعة. {وَمَقْتاً}: أصل المقت: البغضُ من مقته إذا أبغضه. قال الراغب: المقت البغض الشديد لمن تعاطى القبح، وكان يسمى تزوجُ الرجل امرأة أبيه (نكاح المقت). {وَرَبَائِبُكُمُ}: جمع ربيبة وهي بنت المرأة من زوج آخر، سميت بذلك لأنها تتربى في حجر الزوج فهي مربوبة، فعيلة بمعنى (مفعولة). قال الرازي: الربيبة بنت امرأة الزوج من غيره ومعناها مربوبة لأن الرجل هو الذي يقوم بتربيتها. {حُجُورِكُمْ}: الحَجِرّ بالفتح والكسر: الحضن وهو مكان ما يحجره الإنسان ويحوطه بين عضديه وساعديه، ويقال فلان في حَجْر فلان أي في كنفه ورعايته وفي تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أنّ كل من ربي طفلاً أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحضن. {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}: قال في "القاموس": "ودخل بامرأته كناية عن الجماع، وغلب استعماله في الوطء الحلال، والمرأة مدخول بها، ومنه الدخلة ليلة الزفاف". {وَحَلَٰئِلُ}: أي زوجات جمع حليلة سميت بذلك لأنها تحل لزوجها ويحل لها فكلٌ منهما حلال للآخر، ويقال للزوج: حليل. {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ}: يعني ذوات الأزواج، وأصل الإحصان في اللغة المنع، والحَصَان بالفتح المرأة العفيفة قال تعالى: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [الأنبياء: 91] وستأتي معاني الإحصان في سورة النور إن شاء الله. {مُّحْصِنِينَ}: أي متعففين عن الزنى. {مُسَٰفِحِينَ}: السفاح والمسافحة الفجور، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب، قال تعالى {أية : أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] ويقال: فلان سفّاح أي سفاك للدماء، وسمى الزنى سفاحاً لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون لا يحل لكم أن ترثوا نكاح النساء على كره منهن، ولا أن تمنعوهن من الزواج بعد تطليقكم لهن، أو تضيقوا عليهن حتى تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من ميراث أو صداق، إلاّ إذا أتين بفاحشة من الفواحش كالبذاءة باللسان، والنشوز على الزوج، والوقوع في المنكرات كالزنى وغيره فلكم حينئذٍ أن تعضلوهن حتى يفتدين أنفسهن منكم، لأن الله لا يحب الظلم أياً كان مصدره. ثم أمر تعالى بحسن الصحبة والمعاشرة للأزواج بالمعروف، فإذا كره الرجل زوجته فليصبر عليها، وليستمرّ في إحسانه إليها، فعسى أن يرزقه الله منها ولداً تقر به عينه، وعسى أن يكون في هذا الشيء المكروه الخير الكثير، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. وإن أردتم أيها المؤمنون نكاح امرأة مكان امرأة طلقتموها، وكنتم قد أعطيتم المطلّقة مهراً كبيراً يبلغ قنطاراً، فلا تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه ظلماً وعدواناً؟ وكيف يباح لكم أخذه وقد استمتعتم بهن بالمعاشرة الزوجية، وبالاتصال الجنسي (الجماع) واستحللتم فروجهن بكلمة الله (عقد النكاح) فكيف تأخذون ما دفعتم لهن من المهور بعد هذا الميثاق؟ ثم بين تعالى ما يحرم على الرجال نكاحهن من المحارم، وهنّ (المحرمات من النساء) فبدأ بحلائل الآباء، وأبطل ما كان العرب يفعلونه في جاهليتهم من نكاح الولد لزوجة أبيه، لأنه أمر قبيح قد تناهى في القبح والشناعة، وبلغ الذروة العليا في الفظاعة والبشاعة، إذ كيف يليق بالإنسان أن يتزوج امرأة أبيه وأن يعلوها بعد وفاته وهي مثل أمه؟ ثم عدّد تعالى المحرمات بالنسب وهن (الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت) والمحرمات من الرضاعة وذكر منهن (الأمهات والأخوات) والمحرمات بالمصاهرة وهن (أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الابن، والجمع بين الأختين) وأحل ما سوى ذلك من النساء كما سنوضحه بالتفصيل عند ذكر الأحكام إن شاء الله تعالى. وجه الارتباط بالآيات السابقة في الآيات السابقة من أول سورة النساء نهى الله جل ثناؤه عن كثير من عادات الجاهلية في أمر اليتامى والأموال ونكاح اليتيمات من غير صداق، وعن الظلم الذي كانوا عليه في أمر الميراث حيث كانوا يحرمون المرأة والصغير من الميراث بحجة أن هؤلاء لا يستطيعون الذود عن العشيرة، ولا حمل السلاح إلى آخر ما هنالك من مظالم اجتماعية، وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لبيان نوع آخر من الظلم كانت تتعرض له النساء في الجاهلية وهو اعتبارهن كالمتاع ينتقل بالإرث من إنسان إلى آخر، فقد كانوا يرثون زوجة من يموت منهم كما يرثون ماله، فحرّم الله ذلك وأمر بإحسان معاشرتهن وصحبتهن، ودعا إلى إنصافهن من ذلك الظلم الصارخ والعدوان المبين. سبب النزول أولاً: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان أهل الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. ثانياً: وروي أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا مات الرجل، جاء ابنه من غيرها أو وليه فورث امرأته كما يرث ماله، وألقى عليها ثوباً، فإن شاء تزوجها بالصداق الأول، وإن شاء زوّجها غيره وأخذ صداقها فنهوا عن ذلك ونزل {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}. ثالثاً: وروي أن (أبا قيس بن الأسلت) لما توفي خطب ابنه (قيس) امرأته فقالت: إنما أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه وقالت: إنما كنت أعده ولداً فما ترى؟ فقال لها: ارجعي إلى بيتك، فنزلت هذه الآية {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور {أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} بفتح الكاف، وقرأ حمزة والكسائي (كُرْهاً) بضمها. 2 - قرأ الجمهور {بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} بكسر الياء، وقرأ ابن كثير وعاصم (مبيَّنة) بفتح الياء. 3 - قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر {وَأُحِلَّ لَكُمْ} بالضم وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الهمزة والحاء. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} أن ترثوا في موضع رفع فاعل يحل و(كرهاً) مصدر في موضع نصب على الحال من المفعول والتقدير: لا يحل لكم إرث النساء مكرهاتٍ. ثانياً: قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ} استثناء منقطع وقيل هو استثناء متصل تقديره: ولا تعضلوهن في حال من الأحوال إلا في حال إتيانهن بفاحشة مبينة. ثالثاً: قوله تعالى: {بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} المصدران منصوبان على الحال بتأويل الوصف أي أتأخذونه باهتين وآثمين و(مبيناً) صفة منصوب. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: التعليل في قوله تعالى: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} إطماع للأزواج بالصبر على نسائهن وحسن معاشرتهن حتى في حالة الكراهية لهن، فربّ شيء تكرهه النفس يكون فيه الخير العظيم، وقد أرشدت الآية إلى قاعدة عامة لا في النساء خاصة بل في جميع الأشياء، وهذا هو السر في قوله: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} ولم يقل: وعسى أن تكرهوا امرأة مع أن الوصية في الآية حول الإحسان إلى النساء، فتدبره فإنه دقيق. اللطيفة الثانية: كنى الله عز وجل عن الجماع بلفظ الإفضاء {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} وهي كناية لطيفة مثل (الملامسة، والمماسة، والقربان، والغشيان) وكلها كنايات عن الجماع، وفي ذلك تعليم للأمة الأدب الرفيع ليتخلقوا بأخلاق القرآن قال ابن عباس: "الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكنّ الله كريم يكني" والكناية إنما تكون فيم لا يحسن التصريح به. اللطيفة الثالثة: قال القرطبي: "خطب عمر رضي الله عنه فقال: أيها الناس لا تغالوا في صدقات النساء (مهورهن) فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق امرأة من نسائه ولا أحداً من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟ يقول الله سبحانه وتعالى {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} فقال رضي الله عنه: أصابت امرأة وأخطأ عمر، كلّ الناس أفقه منك يا عمر وترك الإنكار". اللطيفة الرابعة: قال صاحب "الكشاف": "الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظة لقوته وعظمته، فقد قالوا: صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما جرى بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج..." قال الشهاب الخفاجي: بل صحبة يوم قرابة وقد قالوا: شعر : صحبةُ يوم نسبٌ قريبُ وذمةٌ يعرفها اللبيبُ تفسير : اللطيفة الخامسة: قال الرازي: "مراتب القبح ثلاثة، القبح في العقول، وفي الشرائع، وفي العادات، فقوله (إنه كان فاحشة) إشارة إلى القبح العقلي، وقوله (مقتاً) إشارة إلى القبح الشرعي، وقوله (وساء سبيلاً) إشارة إلى القبح في العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح". الأحكام الشرعية الحكم الأول: ما هو مقدار المهر المفروض في الشريعة الإسلامية؟ المهر في الشريعة الإسلامية هبة وعطية، وليس له قدر محدّد، إذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، فتركت الشريعة التحديد ليعطي كل واحد على قدر طاقته وحسب حالته، وقد اتفق الفقهاء على أنه لا حدّ لأكثر المهر لقوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}. قال العلامة القرطبي: "في هذه الآية دليل على جواز المغالاة في المهور، لأن الله تعالى لا يمثّل إلاّ بمباح، وذكر قصة عمر وفيها قوله "أصابت امرأة وأخطأ عمر" وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة في المهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة" تفسير : ثم قال: وأجمع الفقهاء على ألا تحديد في أكثر الصداق". وأمّا أقل المهر فقد اختلفوا فيه على أقوال: أ - أقلة ثلاثة دراهم (ربع دينار) وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. ب - أقله عشرة دراهم (دينار) وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. جـ - لا حدّ لأقله ويجوز بكل شيء له قيمة وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله. قال الحافظ: وقد وردت أحاديث في أقل الصداق لا يثبت منها شيء. قال العلامة القرطبي: "تعلق الشافعي بعموم قوله تعالى: {بِأَمْوَٰلِكُمْ} في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح ويعضده قوله عليه السلام "حديث : لو أن رجلاً أعطى ملء يديه طعاماً كانت به حلالاً" تفسير : وأنكح سعيد بن المسيب ابنته من (عبد الله بن وَدَاعة) بدرهمين. قال الشافعي: كل ما جاز أن يكون ثمناً لشيء أو جاز أن يكون أجرة جاز أن يكون صداقاً، وهذا قول جمهور أهل العلم وأهل الحديث، كلهم أجاز الصداق بقليل المال وكثيره. حجة المالكية والأحناف: أن الشيء الحقير لا يصلح مهراً، ولا بدّ في المهر من قدر معلوم من المال، ولما كانت يد السارق لا تقطع إلاّ في دينار (على قول أبي حنيفة) وفي ربع دينار (على قول مالك) اعتبر هذا القدر في المهر قياساً على حد السرقة. واستدل أبو حنيفة: بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صداق دون عشرة دراهم". الترجيح: أقول ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة أرجح فقد زوّج عليه السلام أحد الصحابة على ما يحفظه من القرآن (زوجتكها بما معك من القرآن) وقال لشخص: (حديث : التمس ولو خاتماً من حديد)تفسير : ، وزوج سيد التابعين (سعيد بن المسيب) ابنته على درهمين ولم ينكر عليه أحد، والأصل في المقادير إثباتها بطريق الشرع، وليس ثمة حديث صحيح في أقل الصداق يصلح حجة كما قال الحافظ والله أعلم. الحكم الثاني: ما المراد بالميثاق الغليظ في الآية الكريمة؟ قال الضحاك وقتادة: هو العهد الذي أخذ عليهم من إحسان العشرة إلى النساء في قوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ} تفسير : [البقرة: 229]. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالميثاق الغليظ هو (عقد النكاح) وقد دل عليه قوله عليه السلام: "حديث : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". تفسير : الحكم الثالث: ما هي المحرمات التي أرشدت إليها الآية الكريمة؟ المحرمات التي يحرم الزواج بهن ثلاثة أنواع وهن كالآتي: 1 - محرمات بالنسب 2 - محرمات بالرضاع 3 - محرمات بالمصاهرة. المحرمات من النسب: أشارت الآية الكريمة إلى تحريم سبعة من النسب وهنّ: (الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنت الأخت) وهؤلاء يحرم الزواج بهن على التأبيد، أي أنه لا يحل الزواج بهن بحال من الأحوال، ويدخل في الأمهات الجدات وإن علون، كما يدخل في البنات بناتهن وإن سفلن، وكذلك الأخوات سواء كنّ شقيقات أو لأب أو لأم، والعمات والخالات وإن علون سواء كن من جهة الأب أو الأم. المحرمات من الرضاع: والمحرمات من الرضاع سبع أيضاً كما هو الحال في النسب لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" تفسير : والآية الكريمة لم تذكر من المحرمات بالرضاع سوى (الأمهات، والأخوات) والأم أصل والأخت فرع، فنبّه بذلك على جميع الأصول والفروع، ووضحت السنة النبوية ذلك بالتفصيل وبصريح العبارة كما في الحديث السابق، وقد ثبت في الصحاح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال عن ابنة حمزة "حديث : إنها ابنة أخي من الرضاعة ". تفسير : المحرمات بسبب المصاهرة: وأما المحرمات بسبب المصاهرة فقد ذكرت الآية الكريمة منهن أربعاً وهنّ كالتالي: أ - زوجة الأب لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}. ب - زوجة الابن لقوله تعالى: {وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ}. جـ - أم الزوجة لقوله تعالى: {وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ}. د - بنت الزوجة إذا دخل بأمها لقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. والأصل في هذا أن أم الزوجة تحرم بمجرد العقد على البنت، ولا تحرم البنت إلا بالدخول بالأم للآية الكريمة {ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وقد استنبط العلماء من ذلك هذه القاعدة الأصولية وهي: (العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات). تنبيه: الربيبة (بنت الزوجة) التي دخل بأمها تحرم على الزوج سواء كانت في حَجْره أو لم تكن في حجره، والتقييد في قوله {ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ} ليس للشرط أو للقيد وإنما هو لبيان الغالب، لأن الغالب أنها تكون مع أمها ويتولى الزوج تربيتها وهذا بإجماع الفقهاء فتدبره. المحرمات حرمة مؤقتة وقد أشارت الآية الكريمة إلى من يحرم الزواج بهن حرمة مؤقتة وذكرت نوعين: أ - الجمع بين الأختين لقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} وألحقت السنة المطهرة (الجمع بين المرأة وعمتها) و(الجمع بين المرأة وخالتها) زيادة على الجمع بين الأختين. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. والحكمة في ذلك خشية القطيعة لحديث ابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة وقال: "حديث : إنكم إذا فعلتم ذلك قطّعتم أرحامكم ". تفسير : ب - زوجة الغير أو معتدته رعاية لحق الزوج لقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} أي المتزوجات من النساء، والمعتدة حكمها حكم المتزوجة ما دامت في العدة، وقد مر حكمها سابقاً في سورة البقرة [235] في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ}تفسير : وبينّا الحكمة في ذلك فارجع إليها هناك والله يتولاك. الحكم الرابع: هل وطء أم الزوجة يحرّم الزوجية؟ اختلف العلماء في الزنى بأم الزوجة أو بنتها هل يحرّم الزوجية أم لا؟ فذهب أبو حنيفة والصاحبان إلى القول بالتحريم، وهو قول الثوري والأوزاعي وقتادة. وذهب الشافعي إلى القول بعدم التحريم لأن الحرام لا يحرّم الحلال وهو قول الليث والزهري ومذهب (مالك) رحمه الله وهي رواية "الموطأ". وسبب الخلاف هو اختلافهم في لفظ النكاح هل هو حقيقة في الوطء أم في العقد؟ فمن قال: إن المراد به في الآية الوطء حرّم من وطئت ولو بزنى، ون قال: إن المراد به العقد لم يحرم الزنى. فالحنفية رجحوا أن يكون المراد بالنكاح الوطء، وقالوا: إن النكاح في الوطء حقيقة، وفي العقد مجاز، والحمل على الحقيقة أولى حتى يقوم الدليل على المجاز، وإذا كان المراد به الوطء فلا فرق بين الوطء الحلال، والوطء الحرام. والشافعية رجحوا أن يكون المراد بالنكاح العقد، وقالوا: مما يدل له من جهة النظر أن الله جعل الحرمة للمصاهرة تكريماً لها، كما جعل الحرمة من النسب تكريماً للنسب، فكيف تجعل هذه الحرمة للزنى وهو فاحشة ومقت؟! قال الشافعي في "الأم": "فإن زنى بامرأة أبيه، أو أم امرأته فقد عصى الله ولا تحرم عليه امرأته ولا على أبيه ولا على ابنه، لأن الله إنما حرّم بحرمة الحلال تعزيزاً لحلاله، وزيادة في نعمته بما أباح منه، وأثبت به الحرم التي لم تكن قبله وأوجب بها الحقوق، والحرام خلاف الحلال". الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الشافعية يكون أرجح لقوة دليلهم فقد روى عكرمة عن ابن عباس في الرجل يزنى بأم امرأته بعدما يدخل بها فقال: تخطّى حرمتين ولم تحرم عليه امرأته، وروي أنه قال: لا يحرم الحرام الحلال. الحكم الخامس: حكم المتعة وآراء الفقهاء فيها. تعريف المتعة: المتعة هي أن يستأجر الرجل المرأة إلى أجل معين بقدر معلوم، وقد كان الرجل ينكح امرأة وقتاً معلوماً شهراً أو شهرين، أو يوماً أو يومين ثم يتركها بعد أن يقضي منها وطره، فحرمت الشريعة الإسلامية ذلك، ولم تبح إلا النكاح الدائم الذي يقصد منه الدوام والاستمرار، وكل نكاح إلى أجل فهو باطل، لأنه لا يحقّق الهدف من الزواج. وقد أجمع العلماء وفقهاء الامصار قاطبة على حرمة (نكاح المتعة) لم يخالف فيه إلاّ الروافض والشيعة، وقولهم مردود لأنه يصادم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ويخالف إجماع علماء المسلمين والأئمة المجتهدين. وقد كانت المتعة في صدر الإسلام جائزة ثم نسخت واستقر على ذلك النهي والتحريم، وما روي عن ابن عباس من القول بحلها فقد ثبت رجوعه عنه كما أخرج الترمذي عنه رضي الله عنه أنه قال: "إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه" حتى نزلت الآية الكريمة {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المعارج: 30] فكل فرج سواهما فهو حرام. فقد ثبت رجوعه عن قوله وهو الصحيح. وحكي أنه إنما أباحها حالة الاضطرار، والعنت في الأسفار، فقد روي عن ابن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء، قال: وما قالوا؟ قلت قالوا: شعر : قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس تفسير : فقال: سبحان الله ما بهذا أفتيت!! وما هي إلاّ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا تحل إلاّ للمضطر. ومن هنا قال الحازمي: إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات، حتى حرّمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد. الأدلة الشرعية والعقلية على تحريم المتعة احتج أهل السُنَّة على حرمة المتعة بوجوه نلخصها فيما يلي: أولاً: إن الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 5-6] وهذه ليست زوجة وليست مملوكة، لأنها لو كانت زوجة لحصل التوارث، وثبت النسب ووجبت العدة، وهذه لا تثبت باتفاق فيكون باطلاً. ثانياً: إن الأحاديث الشريفة جاءت مصرحة بتحريمه، منها ما رواه مالك عن الزهري بسنده عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية. ثالثاً: ما رواه ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرّم المتعة فقال: "حديث : يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة ". تفسير : رابعاً: أن عمر رضي الله عنه حرمها وهو على المنبر أيام خلافته، وأقره الصحابة رضي الله عنهم، وما كانوا ليقروه على خطأ لو كان مخطئاً فكان ذلك منهم إجماعاً. خامساً: إن نكاح المتعة لا يقصد به إلاّ قضاء الشهوة، ولا يقصد به التناسل، ولا المحافظة على الأولاد، وهي المقاصد الأصلية للزواج، فهو يشبه الزنى من حيث قصد الاستمتاع دون غيره، وقد قال الله تعالى: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} وليس مقصود المتمتع إلا قضاء الشهوة، وصب الماء، واستفراغ أوعية المني، فبطلت المتعة بهذا القيد. قال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح على قاعدتهم في الرجوع في المخالفات إلى (علي) رضي الله عنه فقد صحّ عنه أنها نسخت، ونقل البيهقي عن (جعفر بن محمد) أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنى بعينه، فبطل بذلك كل مزاعم الشيعة. تحقيق العلامة الشوكاني قال الشوكاني: (وعلى كل حال فنحن متعبدون بما بلغنا عن الشارع، وقد صح لنا عنه التحريم المؤبد، ومخالفة طائفة من الصحابة له غير قادحة في حجيته، ولا قائمة لنا بالمعذرة عن العمل به، كيف والجمهور من الصحابة قد حفظوا التحريم وعملوا به ورووه لنا، حتى قال ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم حرمها، واللهِ لا أعلم أحداً تمتَّع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة). وقال ابن الجوزي: "وقد تكلف قوم من المفسّرين فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة، ثم نسخت بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة النساء، وهذا تكلف لا يحتاج إليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة ثم منع منها فكان قوله منسوخاً بقوله (يعني بالسنة) وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة وإنما المراد بها الاستمتاع في النكاح". ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - تحريم الاعتداء على النساء بالظلم والاستبداد، ووجوب الإحسان إليهن وصحبتهن بالمعروف. 2 - الصبر على المرأة عند الكراهية، وعدم التضييق عليها حتى تفتدي نفسها بالمال. 3 - تحريم أخذ شيء من مهر المرأة عند الطلاق بدون مسوّغ شرعي يبيحه الإسلام. 4 - إبطال بعض عادات الجاهلية ومنها الزواج بامرأة الأب بعد الوفاة. 5 - المحرمات من النساء اللواتي يحرمن على الرجل بالنسب، والرضاع، والمصاهرة. خاتمة البحث: حكمة التشريع حرّم الباري جلّ وعلا نكاح المحارم من النساء سواء كانت القرابة عن طريق النسب، أو الرضاع، أو المصاهرة، وجعل هذه الحرمة مؤبدة لا تحل بحال من الأحوال، وذلك لحكم عظيمة جليلة نبينها بإيجاز فيما يلي: أما تحريم النساء من النسب فإن الله جل ثناؤه جعل بين الناس ضروباً من الصلة يتراحمون بها، ويتعاونون على جلب المنافع ودفع المضار، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة ولما اقتضت طبيعة الوجود (تكوين الأسرة) وكانت الأسرة محتاجة إلى الاختلاط بين أفرادها بسبب هذه الصلة القوية (صلة النسب) فلو أبيح الزواج من المحارم لتطلعت النفوس إليهن، وكان فيهن مطمع، والنفوس بطبعها مجبولة على الغيرة، فيغار الرجل من ابنه على أمه وأخته، وذلك يدعو إلى النزاع والخصام، وتفكك الأسرة، وحدوث القتل الذي يدمّر الأسرة والمجتمع. ثم إنّ الوليد يتكون جنيناً من دم الأم، ثم يكون طفلاً يتغذى من لبنها، فيكون له مع كل مصَّة من ثديها عاطفة جديدة يستلها من قلبها، والطفل لا يحب أحداً في الدنيا مثل أمه، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والأولاد حب الاستمتاع بالشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة؟! ولأجل هذا كان تحريم نكاح الأمهات هو الأشد المقدم في الآية، ويليه تحريم البنات ثم الأخوات ثم العمات والخالات إلخ. وقد أودع الله في الإنسان فطرة نقية تحجزه عن التفكير في محارمه فضلاً عن حب الاستمتاع بهن، ولولا ما عهد في الإنسان من الشذوذ والجناية على الفطرة، والعبث بها لكان للمرء أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات لأن هذا من قبيل المستحيلات في نظر الإنسان العاقل، سليم الفطرة والتفكير. ثم إن هناك حكمة جسدية حيوية عظيمة، وهي أن تزوج الأقارب بعضهم ببعض يكون سبباً لضعف النسل، فإذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى (النحافة) حتى ينقرض النسل، وهذا ما أشار إليه الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه "الإحياء" حيث قال: "إنّ من الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة أن لا تكون من القرابة القريبة، فإن الولد يُخْلق ضاوياً أي (نحيفاً) وعلّل ذلك بأن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر أو اللمس، وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد، فأما المعهود فإنه يضعف الحسّ ولا تنبعث به الشهوة" وهو تعليل دقيق أقره العلم الحديث. وأمّا المحرمات بالمصاهرة فإن الله عز وجل أكرم البشرية بهذه الرابطة الإنسانية، وامتنّ على الناس بقرابة الصهر، التي تجمع بين النفوس المتباعدة المتنافرة بروابط الألفة والمحبة {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} تفسير : [الفرقان: 54] فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها، فينبغي أن تكون أم زوجته بمنزلة أمه في الاحترام، وبنتها التي في حجره كبنته من صلبه، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنته وهكذا. ومن القبح جداً أن تكون البنت ضرة لأمها، والابن طامعاً في زوجة أبيه، فإن ذلك ينافي حكمة المصاهرة، ويكون سبب فساد العشيرة. وأما المحرمات بالرضاع فإن الحكمة فيهن ظاهرة، وهي أن من رضع من امرأة كان بعض بدنه جزءاً منها، لأن تكوّن من لبنها فصارت في هذا كأمه التي ولدته، وصار أولادها إخوة له لأن لتكوين أبدانهم أصلاً واحداً هو ذلك اللبن والله تعالى أعلم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت. فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: { كَرْهًا } وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل. ثم قال: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال. { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } أي: ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك. وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة. وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور. فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم. وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداءُ بالنبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف المهر. ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه [لكن قد ينهي عن كثرة الصداق إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم]. ثم قال: { أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } فإن هذا لا يحل ولو تحيلتم عليه بأنواع الحيل، فإن إثمه واضح. وقد بين تعالى حكمة ذلك بقوله: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد النكاح محرمة على الزوج ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر الذي يدفعه لها، فإذا دخل بها وأفضى إليها وباشرها المباشرة التي كانت حراما قبل ذلك، والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض، فإنه قد استوفى المعوض فثبت عليه العوض. فكيف يستوفي المعوض ثم بعد ذلك يرجع على العوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقا غليظا بالعقد، والقيام بحقوقها. ثم قال تعالى: { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 208 : 34 : 33 - سفين عن التيمي عن أبي مجلز {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} قال، كانت الانصار إذا مات الرجل، ألقى وليه الثوب على امرأته، فيكون أحق بها من بين الناس. [الآية 19].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} [19] 114- أنا أحمد بن حرب، عن أسباط، عن الشَّيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس - قال أبو إسحاق: وذكر عطاء أبو الحسن، عن ابن عباس في هذه الآية {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ} قالوا: كانوا إذا مات / الرجل، كان أولياؤُه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوَّجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. 115- نا علي بن المنذر، عن ابن فُضيل، نا يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أُمامة، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، فكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل الله عز وجل {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}.
همام الصنعاني
تفسير : 538- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمر عن الزهري في قوله تعالى: {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً}: [الآية: 19]، قال: نزَلتْ في ناسٍ من الأنصار، كانوا إذا مَات الرَّجُلُ منْهُم فَأَمْلَك الناس بامرأته ولِيّهُ، فيُمْسكها حتَّى تمُوتَ فيَرِثُها فنزلت فيهِم. 539- حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}: [الآية: 19]، يقول: لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك ضراراً حتى تفتدي منك. 540- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر قال: أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن الَيْلماني، قال: نزلت هاتان الآياتان إحْداهما في أمر الجاهلية، والأُخرى في أمر الإِسلام. 541- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتادة، في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ}: [الآية: 19]، قال: هو النّشُوزُ. 542- عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَر، عنْ عطاء الخراساني أنَّ الرجُلَ كانَ إذا أصابت امرأته فاحِشةً، أخذ ما ساق إلَيْها وأخرَجَها، فَنسَخَ ذلِكَ الحدود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):