٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى في الآية الأولى لما أذن في مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة، بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الفاحشة فقال: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } روي أن الرجل منهم إذا مال إلى التزوج بامرأة أخرى رمى زوجة نفسه بالفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج المرأة التي يريدها قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } الآية والقنطار المال العظيم، وقد مر تفسيره في قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ }تفسير : [آل عمران: 14]. المسألة السادسة: قالوا: الآية تدل على جواز المغالاة في المهر، روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم، فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وتلت هذه الآية، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر، ورجع عن كراهة المغالاة. وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: {وآتيتم إحداهن قنطارا} لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين» تفسير : ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الاله جسما لكان محدثا، وهذا حق، ولا يلزم منه ان قولنا: الاله جسم حق. المسألة الثالثة: هذه الآية يدخل فيها ما اذا آتاها مهرها وما إذا لم يؤتها، وذلك لأنه أوقع العقد على ذلك الصداق في حكم الله، فلا فرق فيه بين ما اذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها. المسألة الرابعة: احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على أن الخلوة الصحيحة تقرر المهر، قال وذلك لأن الله تعالى منع الزوج من أن يأخذ منها شيئا من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل به قبل الخلوة، فوجب أن يبقى معمولا به بعد الخلوة قال: ولا يجوز أن يقال انه مخصوص بقوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] وذلك لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس فقال علي وعمر: المراد من المسيس الخلوة، وقال عبدالله: هو الجماع، واذا صار مختلفا فيه امتنع جعله مخصصا لعموم هذه الآية. والجواب: ان هذه الآية المذكورة ههنا مختصة بما بعد الجماع بدليل قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } وإفضاء بعضهم إلى البعض هو الجماع على قول أكثر المفسرين وسنقيم الدلائل على صحة ذلك. المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج، وإما أن يكون من قبل الزوجة، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا، ثم ان وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه، ثم انه يفيد الملك، واذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } تفسير : [النساء: 19]. ثم قال تعالى: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الانسان به صاحبه على جهة المكابرة، وأصله من بهت الرجل إذا تحير، فالبهتان كذب يحير الانسان لعظمته، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه {بُهْتَـٰناً }، ومنه الحديث: «حديث : إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته». تفسير : المسألة الثانية: في أنه لم انتصب قوله: {بُهْتَـٰناً } وجوه: الأول: قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال، والمعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضاً في الحقيقة، كقولك: قعد عن القتال جبنا. الثالث: انتصب بنزع الخافض، أي ببهتان. الرابع: فيه اضمار تقديره: تصيبون به بهتانا وإثما. المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ «بهتانا» وجوه: الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا. الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر اليها، وأن لا يأخذه منها، فاذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا. الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر، جعل كأن أحدهما هو الآخر. الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله، فاذا أخذ منها شيئاً أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فاذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك. وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر، الخامس: أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلوماً عندهم فقوله: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً } معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10]. المسألة الرابعة: قوله: {أَتَأْخُذُونَهُ } استفهام على معنى الانكار والاعظام، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل. واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا: أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر. وثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا. وثالثها: قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو وفضاء إذا اتسع، قال الليث: أفضى فلان إلى فلان، أي وصل اليه، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الافضاء ههنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإن خلا بها. والقول الثاني: في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها، قال الكلبي: الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة رضي الله عنه. لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر. واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الليث قال: أفضى فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل. الثاني: أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب، فقال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة، وهو الجماع لا مجرد الخلوة، فوجب حمل الافضاء عليه. الثالث: وهو أن الافضاء اليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه، لأن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليس كذلك، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر، فامتنع تفسير قوله: {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } بمجرد الخلوة. فان قيل: فاذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا. وأنتم لا تقولون به. قلنا: القائل قائلان، قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا بالجماع، وآخر: انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة، فكان هذا القول باطلا بالاجماع، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين: إما الجماع، وإما الخلوة، والقول بالخلوة باطل لما بيناه، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع. الرابع: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقرراً، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء، هو الخلوة أو الجماع، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان، وهو عدم التقرير، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } كلمة تعجب، أي لأي وجه ولأي معنى تفعلون هذا؟ فانها بذلت نفسها لك وجعلت ذاتها لذتك وتمتعك، وحصلت الألفة التامة والمودة الكاملة بينكما، فكيف يليق بالعاقل أن يسترد منها شيئاً بذله لها بطبية نفسه؟ إن هذا لا يليق ألبتة بمن له طبع سليم وذوق مستقيم. الوجه الرابع: من الوجوه التي جعلها الله مانعا من استرداد المهر قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } في تفسير هذا الميثاق الغليظ وجوه: الأول: قال السدي وعكرمة والفراء: هو قولهم زوجتك هذه المرأة على ما أخذه الله للنساء على الرجال، من إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، ومعلوم أنه إذا ألجأها إلى أن بذلت المهر فما سرحها بالاحسان، بل سرحها بالاساءة. الثاني: قال ابن عباس ومجاهد: الميثاق الغليظ كلمة النكاح المعقودة على الصداق، وتلك الكلمة كلمة تستحل بها فروج النساء، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله. تفسير : الثالث: قوله: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً } أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته، وقالوا: صحبة عشرين يوما قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج. النوع الخامس: من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ لما مضى في الآية المتقدّمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذَ المال منها عقَّب ذلك بذكر الفراق الذي سبّبه الزوج، وبيّن أنه إذا أراد الطلاق من غير نُشُوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالاً. الثانية ـ واختلف العلماء إذا كان الزوجان يريدان الفراق وكان منهما نشوزٌ وسوء عشرة؛ فقال مالك رضي الله عنه: للزوج أن يأخذ منها إذا تسببت في الفراق ولا يراعى تسببه هو. وقال جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلاَّ أن تنفرد هي بالنشوز وتطلبه في ذلك. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} الآية. دليل على جواز المغالاة في المهور؛ لأن الله تعالىٰ لا يمثِّل إلاَّ بمباح. وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تَغالوا في صَدُقات النساء فإنها لو كانت مَكْرُمَة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق قَطّ ٱمرأة من نسائه ولا بناته فوق ٱثنتي عشرة أوقِية. فقامت إليه ٱمرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتَحْرِمنا ٰ أليس الله سبحانه وتعالىٰ يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}؟ فقال عمر: أصابت ٱمرأةٌ وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر ٰ. وفي أُخرىٰ: ٱمرأةٌ أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنْكارَ. أخرجه أبو حاتم البستيّ في صحيح مسنده عن أبي العَجْفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله: ٱثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر: فقامت إليه ٱمرأة. إلى آخره، وأخرجه ابن ماجه في سننه عن أبي العَجْفاء، وزاد بعد قوله: أوقية. وأن الرجل ليُثْقِل صَدُقة ٱمرأته حتى تكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفْت إليكِ عَلَق القِربة ـ أو عَرَق القِربة؛ وكنت رجلاً عربياً مَوْلِداً ما أدري ما عَلَق القربة أو عرق القربة. قال الجوهري: وعَلَق القِربة لغةٌ في عَرَق القربة. قال غيره: ويُقال عَلَقُ القربة عِصامُها الذي تُعَلّق به. يقول كلِفت إليكِ حتى عِصام القِربة. وعرق القربة ماؤها؛ يقول: جشمت إليك حتى سافرت وٱحتجت إلى عرق القِربة، وهو ماؤها في السفر. ويُقال: بل عرق القِربة أن يقول: نصِبت لك وتكلفت حتى عِرقت عرق القِربة، وهو سيلانها. وقيل: إنهم كانوا يتزوّدون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه فيشق على الظهر؛ ففسر به اللفظان: العرَق والعَلَق. وقال الأصمعي: عرق القِربة كلمة معناها الشدّة. قال: ولا أدري ما أصلها. قال الأصمعي: وسمعت ٱبن أبي طَرَفَة وكان من أفصح من رأيت يقول: سمعت شيخاننا يقولون: لقيت من فلان عرق القِربة، يعنون الشدّة. وأنشدني لابن الأحمر: شعر : لَيْسَتْ بِمَشْتَمَةٍ تُعَدُّ وَعَفْوُها عَرَقُ السِّقاءِ على القَعُود اللاّغِبِ تفسير : قال أبو عبيد: أراد أنه يسمع الكلمة تُغِيظه وليست بشتم فيؤاخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق القربة، فقال: كعَرق السِّقا لمّا لم يمكنه الشعر؛ ثم قال: على القَعُود اللاغِبِ، وكان معناه أن تعلق القربة على القَعود في أسفارهم. وهذا المعنى شبيه بما كان الفرّاء يَحكيه؛ زعم أنهم كانوا في المفَاوِز في أسفارهم يتزوّدون الماء فيعلقونه على الإبل يتناوبونه؛ فكان في ذلك تعب ومشقة على الظهر. وكان الفرّاء يجعل هذا التفسير في عَلَقَ القِربة باللام. وقال قوم؛ لا تُعطي الآيةُ جواز المغالاة بالمهور؛ لأن التمثيل بالقِنْطار إنما هو على جهة المبالغة؛ كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد. وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَص قَطَاة بنى الله له بيتاً في الجنّة » تفسير : . ومعلوم أنه لا يكون مسجد كمَفحص قطاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حَدْرَدٍ وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه فقال: مائتين؛ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: « حديث : كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عُرْض الحَرّة أو جبل » تفسير : . فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور؛ وهذا لا يلزم، وإنكار النبيّ صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوّج ليس إنكاراً لأجل المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكار لأنه كان فقيراً في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه باتِّفاق. وقد أصدق عمرُ أُمَّ كُلْثُوم بنت عليّ من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم. وروى أبو داود عن عقبة بن عامرحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: «أترضى أن أُزوِّجك فلانة»؟ قال: نعم. وقال للمرأة: «أترضين أو أُزوِّجك فلاناً»؟ قالت: نعم. فزوّج أحدهما من صاحبه؛ فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقاً ولم يعطها شيئاً، وكان ممن شهد الحُدَيْبِيَة وله سهم بخَيْبَر؛ فلما حضرته الوفاة قال؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوّجني فلانة ولم أفرض لها صداقاً ولم أعطها شيئاً، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سَهْمِي بخيبر؛ فأخذت سهمها فباعته بمائة ألفتفسير : . وقد أجمع العلماء على ألاّ تحديد في أكثر الصداق؛ لقوله تعالىٰ: { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} وٱختلفوا في أقله، وسيأَتي عند قوله تعالىٰ: {أية : أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ } تفسير : [النساء: 24]. ومضى القول في تحديد القنطار في «آل عمران». وقرأ ٱبن محيصن {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ} بوصل ألف {إِحْدَاهُنَّ} وفي لغة؛ ومنه قول الشاعر: شعر : وتسمع من تحت العجَاج لها أزْمَلا تفسير : وقــول الآخر: شعر : إن لم أُقاتلْ فٱلبِسوني بُرْقُعاً تفسير : الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} قال بكر بن عبد الله المزنيّ: لا يأخذ الزوج من المختلعة شيئاً؛ لقول الله تعالىٰ؛ {فَلاَ تَأْخُذُواْ}، وجعلها ناسخة لآية «البقرة». وقال ٱبن زيد وغيره: هي منسوخة بقوله تعالىٰ في سورة البقرة { أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } تفسير : [البقرة: 229]. والصحيح أن هذه الآيات مُحْكَمَةٌ وليس فيها ناسخ ولا منسوخ وكلها يبني بعضها على بعض. قال الطبريّ: هي مُحْكَمَةٌ، ولا معنى لقول بكر: إن أرادت هي العطاء؛ فقد جوّز النبيّ صلى الله عليه وسلم لثَابِت أن يأخذ منه زوجته ما ساق إليها. {بُهْتَاناً} مصدر في موضع الحال {وَإِثْماً} معطوف عليه {مُّبِيناً} مِن نعته. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} الآية. تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة. وقال بعضهم: الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع؛ حكاه الهرويّ وهو قول الكلبيّ. وقال الفرّاء: الإفضاء أن يخلو الرجل وٱلمرأة وأن يجامعها. وقال ٱبن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع. قال ٱبن عباس: ولكن الله كريم يَكْنِي. وأصل الإفْضَاء في اللغة المخالطة؛ ويُقال للشيء المختلط: فَضاً. قال الشاعر: شعر : فقلتُ لها يا عمّتي لكِ ناقتي وتَمْرٌ فَضاً فِي عَيْبَتِي وَزَبِيبُ تفسير : ويُقال: القوم فَوْضَىٰ فَضاً، أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى «أَفْضَىٰ» خلا وإن لم يكن جامعَ، هل يتقرّر المهر بوجود الخلوة أم لا؟ ٱختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: يستقرّ بمجرّد الخلوة. لا يستقرّ إلاَّ بالوطء. يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. التفرقة بين بيته وبيتها. والصحيح استقراره بالخلوة مطلقاً، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعِدّة دخل بها أو لم يدخل بها؛ لما رواه الدارقطنِي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من كشف خِمار ٱمرأة ونظر إليها وجب الصداق » تفسير : . وقال عمر: إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدّة ولها الميراث. وعن عليّ: إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجد الصداق. وقال مالك: إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها، واتفقا على ألاّ مسِيس وطلبت المهر كله كان لها. وقال الشافعيّ: لا عِدّة عليها ولها نصف المهر. وقد مضى في «البقرة». السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله عليه السَّلام: « حديث : فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله وٱستحللتم فروجهنّ بكلمة الله » تفسير : .قاله عكرمة والربيع. الثاني ـ قوله تعالىٰ: { أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } تفسير : [البقرة:229] قاله الحسن وٱبن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث ـ عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح؛ قاله مجاهد وٱبن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} تطليق امرأة وتزوج أخرى. {وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ} أي إحدى الزوجات، جمع الضمير لأنه أراد بالزوج الجنس. {قِنْطَاراً} مالاً كثيراً. {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} أي من قنطار. {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} إستفهام إنكار وتوبيخ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل النصب على العلة كما في قولك: قعدت عن الحرب جبناً، لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم. قيل كان الرجل منهم إذا أراد امرأة جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الإفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة، فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر ههنا بالظلم. {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرر المهر. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} عهداً وثيقاً، وهو حق الصحبة والممازحة، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] أو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله»تفسير : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ} ولا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإنما ذكر ما دون من لأنه أريد به الصفة، وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر. {مّنَ ٱلنّسَاء} بيان ما نكح على الوجهين. {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل: وتستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم كقوله:شعر : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيرَ أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنْ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِب تفسير : والمعنى ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوهن. وقيل الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف، فإنه لا مؤاخذة عليه لأنه مقرر. {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً} علة للنهي أي إن نكاحهن كان فاحشة عند الله ما رخص فيه لأمةٍ من الأمم، ممقوتاً عند ذوي المروءات ولذلك سمي ولد الرجل من زوجة أبيه المقتي {وَسَاء سَبِيلاً } سبيل من يراه ويفعله. {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن، ولأنه المتبادر إلى الفهم كتحريم الأكل من قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ }تفسير : [المائدة: 3] ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، وأمهاتكم تعم من ولدتك أو ولدت من ولدك وإن علت، وبناتكم تتناول من ولدتها أو ولدت من ولدها وإن سفلت، وأخواتكم الأخوات من الأوجه الثلاثة. وكذلك الباقيات والعمة كل أنثى ولدها من ولد ذكراً ولدك والخالة كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريباً أو بعيداً، وبنات الأخ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى. {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} نَزَّلَ الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أماً والمُرضَّعة أختاً، وأمرها على قياس النسب باعتبار المرضعة ووالد الطفل الذي در عليه اللبن قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»تفسير : واستثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح فإن حرمتهما من النسب بالمصاهرة دون النسب. {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِي فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} ذكر أولاً محرمات النسب ثم محرمات الرضاعة، لأن لها لحمة كلحمة النسب، ثم محرمات المصاهرة فإن تحريمهن عارض لمصلحة الزواج، والربائب جمع ربيبة. والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه كما يرب ولده في غالب الأمر، فعيل بمعنى مفعول وإنما لحقه التاء لأنه صار اسماً ومن نسائكم متعلق بربائبكم، واللاتي بصلتها صفة لها مقيدة للفظ والحكم بالإِجماع قضية للنظم، ولا يجوز تعليقها بالأمهات أيضاً لأن من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية، وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن يكون بياناً لنسائكم والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء اللهم إذا جعلتها للاتصال كقوله:شعر : إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورا فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني تفسير : على معنى أن أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم فرق بينهما فقال في رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها «حديث : إنه لا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يحل له أن يتزوج أمها»تفسير : وإليه ذهب عامة العلماء، غير أنه روي عن علي رضي الله تعالى عنه تقييد التحريم فيهما. ولا يجوز أن يكون الموصول الثاني صفة للنساءين لأن عاملهما مختلف، وفائدة قوله {فِي حُجُورِكُمْ} تقوية العلة وتكميلها، والمعنى أن الربائب إذا دخلتم بأمهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده تقوى الشبه بينها وبين أولادكم وصارت أحقاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة، وإليه ذهب جمهور العلماء. وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه جعله شرطاً، والأمهات والربائب يتناولان القريبة والبعيدة، وقوله دخلتم بهن أي دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع، ويؤثر في حرمة المصاهرة ما ليس بزنا كالوطء بشبهة، أو ملك يمين. وعند أبي حنيفة لمس المنكوحة ونحوه كالدخول. {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس. {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ} زوجاتهم، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج. {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} احتراز عن المتبنين لا عن أبناء الولد {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} في موضع الرفع عطفاً على المحرمات، والظاهر أن الحرمة غير مقصورة على النكاح فإن المحرمات المعدودة كما هي محرمة في النكاح فهي محرمة في ملك اليمين، ولذلك قال عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما: حرمتهما آية وأحلتهما آية، يعنيان هذه الآية. وقوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم} فرجح علي كرم الله وجهه التحريم، وعثمان رضي الله عنه التحليل. وقول علي أظهر لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك ولقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام»تفسير : {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء من لازم المعنى، أو منقطع معناه لكن ما قد سلف مغفور لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء} ذوات الأزواج، أحصنهن التزويج أو الأزواج. وقرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن لأنهن أحصن فروجهن. {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} يريد ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين، والنكاح مرتفع بالسبي لقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج كفار، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية فاستحللناهن. وإياه عنى الفرزدق بقوله:شعر : وَذَات حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ تفسير : وقال أبو حنيفة لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح ولم تحل للسابي. وإطلاق الآية والحديث حجة عليه. {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} مصدر مؤكد، أي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتاباً. وقرىء «كتب» الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم «وكتب الله» بلفظ الفعل. {وَأُحِلَّ لَكُمْ} عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول عطفاً على {حرمت}. {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} ما سوى المحرمات الثمان المذكورة. وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا النساء بأموالكم بالصرف في مهورهن، أو أثمانهن في حال كونكم محصنين غير مسافحين، ويجوز أن لا يقدر مفعول تبتغوا وكأنه قيل إرادة أن يصرفوا أموالكم محصنين غير مسافحين أو بدل مما وراء ذلك بدل لاشتمال. واحتج به الحنفية على أن المهر لا بد وأن يكون مالاً. ولا حجة فيه. والإِحصان العفة فإنها تحصين للنفس عن اللوم والعقاب، والسفاح الزنا من السفح وهو صب المني فإنه الغرض منه. {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} فمن تمتعتم به من المنكوحات، أو فما استمتعتم به منهن من جماع أو عقد عليهن. {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن فإن المهر في مقابلة الاستمتاع. {فَرِيضَةً} حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو صفة مصدر محذوف أي إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق. وقيل: نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام أباحها ثم أصبح يقول: «حديث : يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة»تفسير : وهي النكاح المؤقت بوقت معلوم سمي بها إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة، أو تمتيعها بما تعطي. وجوزها ابن عباس رضي الله عنهما ثم رجع عنه. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بالمصالح. {حَكِيماً} فيما شرع من الأحكام. {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} غنى واعتلاء وأصله الفضل والزيادة. {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} في موضع النصب بطولاً. أو بفعل مقدر صفة له أي ومن لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات، أو من لم يستطع منكم غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر لقوله: {فمن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} يعني الإِماء المؤمنات، فظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى عنه في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة، ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً. وأول أبو حنيفة رحمه الله تعالى طول المحصنات بأن يملك فراشهن، على أن النكاح هو الوطء وحمل قوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} على الأفضل. كما حمل عليه في قوله: {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة الكتابية دون المؤمنة حذراً عن مخالطة الكفار وموالاتهم، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد، وما فيه من المهانة ونقصان حق الزوج. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ} فاكتفوا بظاهر الإِيمان فإنه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإِيمان، فرب أمة تفضل الحرة فيه، ومن حقكم أن تعتبروا فضل الإِيمان لا فضل النسب، والمراد تأنيسهم بنكاح الإِماء ومنعهم عن الاستنكاف منه ويؤيده. {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام. {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} يريد أربابهن واعتبار إذنهم مطلقاً لا إشعار له، على أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهم حتى يحتج به الحنفية. {وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن فحذف ذلك لتقدم ذكره، أو إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدى إليه، وقال مالك رضي الله عنه: المهر للأمة ذهاباً إلى الظاهر {بِٱلْمَعْرُوفِ} بغير مطل وإضرار ونقصان. {مُحْصَنَـٰت} عفائف. {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ} غير مجاهرات بالسفاح. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أخلاء في السر {فَإِذَا أُحْصِنَّ} بالتزويج. قرأ أبو بكر وحمزة بفتح الهمزة والصاد والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ} زنى. {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} يعني الحرائر. {مّنَ ٱلْعَذَابِ} من الحد لقوله تعالى: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [النور: 2] وهو يدل على أن حد العبد نصف حد الحر، وأنه لا يرجم لأن الرجم لا ينتصف. {ذٰلِكَ } أي نكاح الإِماء. {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} لمن خاف الوقوع في الزنى، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، مستعار لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة الإِثم بأفحش القبائح. وقيل: المراد به الحد وهذا شرط آخر لنكاح الإِماء. {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي وصبركم عن نكاح الإِماء متعففين خير لكم. قال عليه الصلاة والسلام «حديث : الحرائر صلاح البيت والإِماء هلاكه». تفسير : {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لمن لم يصبر. {رَّحِيمٌ} بأن رخص له. {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} ما تعبدكم به من الحلال والحرام، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم، وليبين مفعول يريد واللام زيدت لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإِرادة كما في قول قيس بن سعد:شعر : أَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَم النَّاس أَنَّه سَرَاويلُ قَيْسٍ وَالوُفُودُ شُهُودُ تفسير : وقيل المفعول محذوف، وليبين مفعول له أي يريد الحق لأجله. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } مناهج من تقدمكم من أهل الرشد لتسلكوا طرقهم. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ويغفر لكم ذنوبكم، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثكم على التوبة، أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بها {حَكِيمٌ} في وضعها. {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} كرره للتأكيد والمبالغة. {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ} يعني الفجرة فإن اتباع الشهوات الائتمار لها، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له في الحقيقة لا لها. وقيل: المجوس. وقيل: اليهود فإنهم يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. {أَن تَمِيلُواْ} عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات. {مَيْلاً عَظِيماً} بالإِضافة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل لها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } أي أخذ بدلها بأن طلقتموها {وَ} قد {ءاتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ } أي الزوجات {قِنْطَاراً } مالاً كثيراً صداقاً {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَٰناً } ظلماً {وَإِثْماً مُّبِيناً } بَيِّناً؟ ونصبهما على الحال والاستفهام للتوبيخ وللإنكار .
ابن عطية
تفسير : لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها، عقب ذلك ذكر الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ذلك، فهذا الذي في هذه الآية هو الذي يختص الزوج بإرادته، واختلف العلماء، إذا كان الزوجان يريدان الفرق، وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رحمه الله: للزوج أن يأخذ منها إذا سبب الفراق، ولا يراعي تسبيبه هو، وقالت جماعة من العلماء: لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وبظلمه في ذلك، وقال بعض الناس: يخرج في هذه الآية جواز المغالاة بالمهور، لأنه الله تعالى قد مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر بن الخطاب فقال: ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجشمت إليك علق القربة أو عرق القربة، فيروى أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت، كيف هذا؟ والله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} قال: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ، والله المستعان، وترك الإنكار، وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه السلام، من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة, فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص, وقدحديث : قال النبي عليه السلام لابن أبي حدرد - وقد جاء يتسعينه في مهره - فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل، الحديثتفسير : - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم، لأن هذا أحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وذلك مكروه باتفاق، وإنما المغالاة المختلف فيها مع الغنى وسعة المال، وقرأ ابن محيصن بوصل ألف " إحداهن", وهي لغة تحذف على جهة التخفيف، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : ونَسْمَعُ مِنْ تَحْتِ العجَاجِ لَهَا زمْلا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالبِسوني بُرْقُعا تفسير : وقد تقدم القول في قدر القنطار في سورة آل عمران، وقرأ أبو السمال " منه شيئاً" بفتح الياء والتنوين، وهي قراءة أبي جعفر, والبهتان: مصدر في موضع الحال، ومعناه: محيراً لشنعته وقبح الأحدوثة والفعلة فيه. ثم وعظ تعالى عباده مذكراً لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة مال المرأة، إذ قد أخذ منها العوض عما أعطيته، {وكيف} في موضع نصب على الحال و {أفضى} معناه: باشر وجاوز أقصى المجاوزة ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : بِلىً وَثَأىً أفْضَى إلى كُلّ كُثْبَةٍ بَدا سَيْرُهَا مِنْ ظَاهِرٍ بَعْدَ بَاطِنِ تفسير : وفي مثل الناس، فوضى فضاً، أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضاً وتقول أفضَتْ الحال إلى كذا أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع، قال ابن عباس: ولكن الله كريم يكني، واختلف الناس في المراد بالميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم: وهو قوله تعالى: {أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} تفسير : [البقرة:229] وقال مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت النكاح ونحونه، فهذه التي بها تستحل الفروج، وقال عكرمة والربيع: الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله،تفسير : وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاقة، ومنها أن ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} تفسير : [البقرة:229]. قال القاضي أبو محمد: وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض.
ابن عبد السلام
تفسير : {بُهْتَانًا} ظلماً بالبهتان، أو يبهتها أنه جعل ذلك لها ليستوجبه منها.
الخازن
تفسير : قوله عز جل: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} الخطاب للرجال وأراد بالزوج الزوجة قال المفسرون: لما ذكر الله في الآية الأولى مضارة الزوجات إذا أتين بفاحشة وهي إما النشوز أو الزنا بيّن في هذه الآية تحريم المضارة إن لم يكن من قبلها نشوز ولا زنى عن بخس الرجل حق المرأة إذا أراد طلاقها واستبدال غيرها {وآتيتم إحداهن قنطاراً} يعني وكان ذلك الصداق مالاً كثيراً، وفي الآية دليل على جواز المغالاة في المهور روي أن عمر قال على المنبر: ألا لا تغالوا في مهور نسائكم فقامت امرأة فقالت يا ابن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنعنا وتلت الآية. فقال كل الناس أفقه منك يا عمر وفي رواية امرأة أصابت وأمير أخطأ ورجع عن كراهة المغالاة وقد تغالى الناس في صدقات النساء حتى بلغوا الألوف وقيل إن خير المهور أيسرها وأسهلها {فلا تأخذوا منه شيئاً} يعني من القنطار الذي آتيتموهن لو جعلتم ذلك القدر لهن صداقاً فلا تأخذوا منه شيئاً وذلك أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة فإن كان من قبل الزوج وأراد طلاق المرأة فلا يحل له أن يأخذ شيئاً من صداقها وإن كان النشوز من قبل المرأة جاز له ذلك {أتأخذونه} استفهام بمعنى التوبيخ {بهتاناً} يعني ظلماً وقيل باطلاً {وإثماً مبيناً} يعني أتأخذونه مباهتين آثمين فلا تفعلوا مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل ثم قال تعالى: {وكيف تأخذونه} كلمة تعجب والمعنى لأي وجه تفعلون مثل هذا الفعل وكيف يليق بالعاقل أن يسترد شيئاً بذله لزوجته عن طيب نفس وقيل هو استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حقه ثم ذكر السبب في ذلك فقال تعالى {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أصل الإفضاء في اللغة الوصول يقال أفضى إليه أي وصل إليه ثم للمفسرين في معنى الإفضاء في هذه الآية قولان: أحدهما أنه كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبه ومذهب الشافعي لأن عنده أن الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع بنصف المهر وإن خلا بها والقول الثاني في معنى الإفضاء هو أن يخلو بها وإن لم يجامعها وقال الكلبي الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها وهذا القول هو اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة أن الخلوة الصحيحة عنده تقرر المهر {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قيل هو قول العاقد عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقيل هي كلمة النكاح المعقودة على الصداق وهي الكلمة التي تستحل بها فروج النساء ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". تفسير : قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} قال المفسرون كان أهل الجاهلية يتزوجون أزواج آبائهم فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية روي أنه لما توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار خطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت إني اتخذتك ولداً وأنت من صالحي قومك ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله عز وجل {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاّ ما قد سلف} يعني إلاّ ما مضى في الجاهلية قبل نزول التحريم فإنه معفو عنه {إنه كان فاحشة} إنما سماه فاحشة لأن زوجة الأب في منزلة الألم ونكاح الأمهات حرام فلما كان ذلك كذلك سماه الله فاحشة لأنه من أقبح المعاصي {ومقتاً} يعني أنه يورث المقت من الله وهو أشد الغضب وغاية الخزي والخسارة {وساء سبيلاً} أي وبئس طريقاً لأنه يؤدي إلى مقت الله والعرب تسمي ولد الرجل من امرأة أبيه مقيتاً وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية روى البغوي بسنده عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي ومعه لواء فقلت أين تذهب؟ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه.
ابن عادل
تفسير : لما أذن في مضارة الزوجات إذَا أتين بفاحشة مبينة بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الإتيان بالفاحشة؛ وذلك لأن الرجل إذا مال إلى التَّزَوُّج بامرأة أخرى، رمى زوجته بنفسه بالفاحشة حتى يُلْجِئَها إلى الافتداء منه بما أعْطاهَا ليصرفه في تزوج المرأة التي يريدها، فقال تعالى {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ}. قوله: {مَّكَانَ زَوْجٍ} ظرف منصوب بالاستبدال، والمراد بالزوج هنا الجمع، أيْ: فإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج وجاز ذلك [لدلالة] جمع المستبدلين، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله {إِحْدَاهُنَّ} على "زوج" جمعاً. [و] التي نهى عن الأخذ منها في المستبدل مكانها؛ لأنها آخذة منه بدليل قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} وهذا إنَّمَا هو في القديمة لا في المستحدثة، وقال: {إِحْدَاهُنَّ} ليدل على أنه قوله {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} المراد منه: وآتى كل واحد منكم إحداهن أي: إحدى الأزواج [ولم يقل: "آتيتموهن قنطاراً" لئلا يتوهم أن جميع المخاطبين آتوا الأزواج] قنطاراً، والمراد آتى كل واحد زوجته قنطاراً، فدَلَّ [على] لفظ إحداهن". على أنَّ الضمير في أتيتم المراد منه كل واحد واحد، كما دلّ لفظ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} على أن المراد استبدال أزواج مكان أزواج فأرِيدَ بالمفرد هنا الجمع، لدلالة {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ}، واُرِيدَ بقوله: "وآتيتم كل واحد واحد" لدلالة إحداهن - وهي مفردة - على ذلك، ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجز، ولا أفصح من هذا التركيب، وقد تقدم معنى القنطار واشتقاقه في "آل عمران"، والضمير في "منه" عائد على قنطار. وقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "آتيتم إحداهن" بوصل ألف إحدى، كما قرأ "إنها لإحدى الكبر"، حذف الهمزة تحقيقاً كقوله: [الرجز] شعر : 1771- إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا تفسير : وقد طول أبُو البَقَاءِ هنا، ولم يأتِ بطائلٍ فقال: وفي قوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} إشكالان: أحدهما: أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً، فَنَهَاهُ عن أخذه، فَأَمَّا التي يريد أن يستحدث بها فلم يكن أعطاهَا شيئاً حَتَّى ينهى عن أخذه، ويتأيد ذلك بقوله {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ}. والجواب عن الأول: أنَّ المراد بالزوج الجمع؛ لأن الخطاب لجماعة الرجال، وكل منهم [قد] يريد الاستبدال، ويجوز أنْ يكون جمع؛ لأن التي يريد أنْ يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجاً و [أن] يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى. وأمَّا الإشكال الثاني ففيه جوابان: أحدُهُمَا: أنَّه وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل "وآتيتموهن". والثاني: أن المستبدل بها مبهمة فقال "إحداهن" إذْ لم يتعين حتى يرجع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً من هذا في قوله "فتذكر إحداهما الأخرى" انتهى. قال شهابُ الدِّينِ: وفي قوله "وضع الظاهر موضع المضمر" نظر؛ لأنَّهُ لو كان الأصل كذلك لأوهَمَ أنَّ الجميع آتوا الأزْوَاجَ قنطاراً كما لم تقدم وليس كذلك. فصل [حكم المغالاة في المهر] قالوا: دَلَّتِ الآية على جواز المغالاة في المهر. رُوِيَ أنَّ عمر بن الخطاب قال على المِنْبَرِ: "ألاَ لاَ تُغَالُوا في مهور نِسَائكُم" فقامت امرأة فقالت: يا ابن الخطاب اللَّه يعطينا وَأنْتَ تمنع، وتلت الآية فقال عمر: كلّ الناس أفْقَهُ مِنْكَ يا عمرُ، ورجع عن ذلك. قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة؛ لأن قوله {إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} لا يدل على جواز إيتاء القنطار، كما أن قوله {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22] لا يدل على حصول الآلهة فالحاصل أنَّهُ لا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : من قُتل له قتيلٌ فأهله بين خيرتين" تفسير : ولم يلزم منه جواز القتل، وقد يقول الرجل: لو كان الإله جسماً لكان محدثاً، وهذا حق، ولا يلزم منه أن [قولنا] الإله جسم حق. فصل يدخل في الآية ما إذَا كان آتَاهَا مهرها، وما إذا لم يؤتها؛ لأنه إذَا أوقع العقد على الصداق فقد آتاها ذلك الصداق في حكم الله فلا فرق بين ما إذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها. فصل [في الخلوة الصحيحة هل تقرر المهر؟] احتج أبُو بكر الرازي بهذه الآيةَ على أنَّ الخلوة الصحيحة تقرر المهر. قال: لأنَّ اللَّهَ تعالى منع الزوج من أنْ يأخذ منها شيئاً من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل قبل الخلوة؛ فوجب أن يكون معمولاً به بعد الخلوة. قال: ولا يجوز أن يقال إنَّهُ مخصوص بقوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس. فقال عمر وعلي - رضي الله عنهما -: المراد من المسيس: الخلوة. وقال عبد الله: هو الجماع إذَا صار مختلفاً فيه امتنع جعله مخصصاً لعموم الآية. وأجيب أنَّ هذه الآية هنا مختصة بعد الجماع لقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} وإفضاء بعضهم إلى بعض، هو الجماع على ما سيأتي. فصل [سوء العشرة هل يوجب العوض] سُوءُ العشرة إنْ كان من قِبَلِ الزوجة حَلَّ أخذ بدل الخُلْعِ؛ لقوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ} وإن كان من قِبل الزوج، كُرِهَ له أن يأخذ من مهرها شيئاً؛ لأنه نهى في هذه الآية عن الأخذ، ثم إن خالف وفعل ملك بدل الخُلْعِ كما أنَّ البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك. قوله: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} استفهام إنكاري أي: أتفعلونه مع قبحه، وفي نصب {بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} وجهان: أحدهما: أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم. قال الزمخشريُّ: فإن لم يكن عَرَضاً كقولك: قعد عن القتال جبناً. وقيل: انتصب ينزع الخافض أي ببهتان. والثاني: أنَّهُمَا مصدران في موضع الحال، وفي صاحبهما وجهان: أظهرهُمَا: أنَّه الفاعل في أتأخذونه أي: باهتين وآثمين. والثاني: أنَّهُ المفعول أي: أتأخذونه مبهتاً محيراً لشنعته، وقبح الأحدوثة عنه، والتقدير: تصيبون في أخذه بهتاناً، والبُهْتَانُ فُعْلان من البُهْتِ، وهو في اللغة: الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه المكابرة، وأصله من بهت الرَّجُلُ إذا تحيَّر فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه ثم جُعِلَ كُلُّ باطل يتحير من بطلانه بهتاناً، ومنه الحديث: "حديث : إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ" تفسير : ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة. وفي تسمية هذا الأخذ "بهتاناً" وجوه: أحدها: أنَّهُ تَعَالى لما فرض لها ذلك المهر فأخذهُ؛ كَأنَّهُ يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بُهْتَاناً. وثانيها: أنَّ العقد يستلزم مهراً وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إليها وألا يأخذه منها، فإذا أخذه منها، صار ذلك القول الذي عقد به العقد بهتاناً. وثالثها: أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان ذلك واقعاً على هذا الوَجْهِ في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتاناً [وإثماً]. [رابعها: أنَّه عقاب البهتان والإثم المبين كأنَّهُ كان معلوماً عندهم مقولة "أتأخذونه بهتاناً"] معناه أتأخذونه عقاب البهتان فهو كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10]. وقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} تقدَّمَ الكلام في كيف عند قوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 28]. قوله: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ} الواو للحال، والجملة بعدها: في محل نصب، وأتى بـ "قد" ليقرب الماضي من الحال، وكذلك "أخذن" وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفْضَى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال: فَضَى يَفْضُو فَضْواً، وأفضى: عن ياء أصلها واو. وقال اللَّيْثُ: أفْضَى فلان إلى فلان أي: وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته. وقال غيره: أصل الإفْضَاءِ الوصول إلى الشيء من غير واسطة. وللمفسرين في هذا الإفضاء قولان: أحدهُمَا: قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي أنَّهُ كناية عن الجماع وهو اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعيّ؛ لأنَّ عنده أنَّ الزوج إذا أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإنْ خلا بها. والثاني: أنَّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها. وقال الكلبي: الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفةَ؛ لأن الخلوةَ في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر، واسْتَدَلُّوا على القول الأوَّّلِ بوجوهٍ: أحدها: ما تَقَدَّمَ عن الليث: أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنَّمَا يحصل في الحقيقة عند الجماع. وثانيها: أنه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبّة، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنَّمَا يحصل بالجماع، فيحمل عليه. وثالثها: أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مُفَسراً بفعل منه ينتهي إليه؛ لأن كلمة "إلى" لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله: {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} بمجرد الخلوة. وإنْ قيل: إذا اضطجعها في لحافٍ واحد ملامساً فقد الإفْضَاء مِنْ بعضهم إلى بعض؛ فوجب أن يكون ذلك كافياً وأنتم لا تقولون به. فالجَوابُ أنَّ القائل بذلك قائلان: قائل يقول: المهر لا يتقرر إلاَّ بالجماع، وآخر يقول: يتقرَّر بمجرد الخلوة ولا يقولُ أحَدٌ إنَّهُ يتقرر بالملامسة والمضاجعة فَبَطَلَ هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير الإفضاء إلاَّ أحد أمرين: إمَّا الجماع، وإمَّا الخلوةَ، وقد أبطلنا القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلاَّ أن المراد بالإفْضَاءِ الجماع. ورابعها: أنَّ المهر قَبْلَ الخُلْوَةِ ما كان مُتَقَرِّراً، وقدو علّقَ الشَّرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المُرَادِ بهذا الإفضاء هل هو الخُلوة، أو الجماع، وإذَا وقع الشكُّ وجب بقاء ما كان على ما كان والأصل براءة الذمة. احتج من قال: بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتُوجِبُ العدةَ دخل بها أوْ لم يدخل بها بما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن [ابن] ثوبان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأةٍ ونَظَرَ إلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقُ" تفسير : وقال عمر: إذَا أغْلَقَ باباً وأرخى ستراً؛ وَجَبَ الصداق وعليها العدة ولها الميراث، وعن علي: إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أنَّ من أغلق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق وعليها العدة. قوله {وَأَخَذْنَ مِنكُم} في منكم وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بـ "أخذن"، وأجاز فيه أبُو الْبَقَاءِ أن يكون حالاً من ميثاقاً قدّم عليه كأنه لما رأى أنَّه يجوز أن يكون صفة لو تأخر أجاز ذلك وهو ضعيف. قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء: المراد بالميثاق هو قول الولي عند العقد: زوّجْتُكَها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. وقال الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ ومُجَاهِدٌ: في كلمة النِّكَاحِ المعقود عليها على الصداق وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأمَانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ". تفسير : وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو: إفْضَاءُ بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قال: إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قال: طلاق امرأة ونكاح أخرى، فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر. وأخرج ابن جرير عن أنس "حديث : "عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآتيتم إحداهن قنطاراً} قال: ألفاً ومائتين يعني ألفين" "تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} فقال: اللهم غفرانك...! كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر، إن يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} من ذهب. قال: وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة: ما ذاك لك... قال: ولم...؟ قالت: لأن الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً...} الآية. فقال عمر: امرأة أصابت، ورجل أخطأ. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر: خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق، فعرضت لي آية من كتاب الله {وآتيتم إحداهن قنطاراً} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {بهتاناً} قال: إثماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {مبيناً} قال: البين. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الإفضاء. الجماع ولكن الله يكني. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} قال: مجامعة النساء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: الميثاق الغليظ {أية : إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان} تفسير : [البقرة: 229]. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ميثاقاً غليظاً} قال: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح "آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان". وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر كان إذا أنكح قال: أنكحك على ما أمر الله به {إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}. وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: كان أنس بن مالك إذا زوّج امرأة من بناته أو امرأة من بعض أهله قال لزوجها: أُزَوِّجُك تمْسِكْ بمعروف أو تُسَرِّحَ بإحسان. وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت أن ابن عباس كان إذا زَوَّجَ اشتَرط {إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال {إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}. وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي كثير. مثله. أخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: عقدة النكاح. قال: قد أنكحتك. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: هو قول الرجل ملَّكت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {ميثاقاً غليظاً} قال: كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {ميثاقاً غليظاً} يعني شديداً. وأخرج ابن جرير عن بكير أنه سئل عن المختلعة أنأخذ منها شيئاً؟ قال: لا {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} . وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: ثم رخص بعد {أية : فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} تفسير : [البقرة: 229] قال: فنسخت هذه تلك.
ابو السعود
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} أي تزوُّجَ امرأةٍ ترغبون فيها {مَّكَانَ زَوْجٍ} ترغبون عنها بأن تُطلقوها {وآتيتُمْ إحْدَاهُنَّ} أي إحدى الزوجاتِ فإن المرادَ بالزوج هو الجنسُ، والجملةُ حاليةٌ بإضمار قد لا معطوفةٌ على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها {قِنْطَاراً} أي مالاً كثيراً {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ} أي من ذلك القنطارِ {شَيْئاً} يسيراً فضلاً عن الكثير {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير النهْي والتنفيرِ عن المنهيِّ عنه، والاستفهامُ للإنكار والتوبـيخِ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين، أو للبهتان والإثم، فإن أحدَهم كان إذا تزوج امرأةً بَهَت التي تحته بفاحشة حتى يُلجِئَها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرِفه إلى تزوج الجديدةِ فنُهوا عن ذلك، والبهتانُ الكذبُ الذي يبهَتُ المكذوبَ عليه ويُدهِشه، وقد يستعمل في الفعل الباطلِ ولذلك فُسِّر هٰهنا بالظلم.
القشيري
تفسير : يعلمهم حسنَ العهد ونعتَ الكرم في العِشْرة، فيقول لا تجمعْ الفرقةَ واستردادَ المال عليها، فإن ذلك تَرْكُ الكرم؛ فإنْ خَوَّلْتَ واحدة مالاً كثيراً ثم جفوتها بالفراق فما آتيتها يَسيرٌ في جنب ما أَذَقْتَها من الفراق. قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ....}: يعني أن للصحبة السالفة حرمة أكيدة، فقفوا عند مراعاة الذمام، وأوفوا بموجب الميثاق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان اردتم استبدال زوج} اى تزوج امرأة ترغبون فيها {مكان زوج} ترغبون عنها بان تطلقوها {وآتيتم احداهن} اى احدى الزوجات فالمراد بالزوج هو الجنس {قنطارا} اى مالا كثيرا {فلا تأخذوا منه} اى ذلك القنطار {شيئاً} يسيرا فضلا عن الكثير {أتأخذونه} اى شيئاً منه {بهتانا} باهتين او مفعول له اى للبهتان والظلم العظيم فان احدهم كان اذا تزوج امرأة فاعجبه غيرها واراد ان يتزوجها بهت التى تحته بفاحشة حتى يلجئها الى الافتداء منه بما اعطاها ليصرفه الى تزويج الجديدة فنهوا عن ذلك. والبهتان فى اللغة الكذب الذى يواجه الانسان به صاحبه على جهة المكابرة وصاله من بهت الرجل اذا تحير فالبهتان الكذى الذى يبهت المكذوب عليه ويدهشه وقد يستعمل فى الفعل الباطن ولذلك فسر ههنا بالظلم {واثما مبينا} اى آثمين عيانا او للذنب الظاهر.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {بهتانًا}: حال، أو على إسقاط الخافض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإن أردتم} أن تبدلوا زوجًا {مكان زوج} أخرى؛ بأن تُطلقوا الأولى وتتزوجوا غيرها، وقد كنتم أعطيتم {إحداهن قنطارًا} أو أقل أو أكثر، {فلا تأخذوا منه شيئًا} بل أدوه لها كاملاً. ثم وبَّخهم على ما كانوا يفعلون في الجاهلية، فقال: {أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا}، أي: مباهتين وآثمين، أو بالبهتان والإثم الظاهر، والبهتان: الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، رُوي أن الرجل كان إذا أراد أن يتزوج امرأة جديدة، بهت التي عنده بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه في تزوج الجديدة، فَنُهُوا عن ذلك. ثم استعظم ذلك فقال: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} بالمماسة والجماع حتى تقرر الصداق واستحقته بذلك، وقد {أخذن منكم ميثاقاً غليظًا} وهو حسن الصحبة، أو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، أو تمكينها نفسها منه، فإنها ما مكنته إلا لوفاء العهد في الصداق ودوام العشرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كان العبد مشتغلاً بجمع دنياه، عاكفًا على حظوظه وهواه، ثم استبدل مكان ذلك الانقطاع إلى مولاه والاشتغال بذكر الله، حتى أفضى إلى شهود أنوار قدسه وسناه، فلا ينبغي أن يرجع إلى شيء خرج عنه لله، ولا يلتفت إلى ما ترك من أمر دنياه، فإن الرجوع في الشيء من شيم اللئام وليس من شأن الكرام، وتأمل ما قاله الشاعر: شعر : إذا انْصَرَفَتْ نفسي عن الشيء لم تكن إليه بوجهِ آخرَ الدهرِ تُقبِلُ تفسير : وكيف تأخذُ ما خرجت عنه لله، وقد أفضيت إلى شهود أنوار جماله وسُكْنَى حماه، فاتحد عندك كل الوجود، وكل شيء عن عين بصيرتك مفقود، بعد أن أخذ عليك مواثيق العهود، ألا ترجع إلى ما كان يقطعك عن حضرة الشهود، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى: أخذ مال المرأة، وإن كان محرماً على كل حال من غير أمرها، فانما خص الله تعالى الاستبدال بالنهي، لأن مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع، من حيث أن الثانية تقوم مقام الأولى، فيكون لها ما أعطيته الأولى، فبين الله تعالى أن ذلك لا يجوز. والمعنى: إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدل مكانها أو لم يستبدل. وقوله: {وآتيتم إحداهن قنطاراً} معناه: ليس ما آتيتموهن موقوفاً على التمسك بهن، دون تخليتهن، فيكون إذا أردتم الاستبدال جاز لكم أخذه، بل هو تمليك صحيح، لا يجوز الرجوع فيه. والمراد بذلك ما أعطى المرأة مهراً لهاً، ويكون دخل بها، فأما إذا لم يدخل بها، وطلقها، جاز له أن يسترجع نصف ما أعطاها، فأما ما أعطاها على وجه الهبة، فظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز له الرجوع في شيء منه. لكن علمنا بالسنة أن ذلك سائغ له، وإن كان مكروهاً. اللغة: والقنطار المال الكثير، واختلفوا في مقداره، فقال بعضهم هو ملء جلد ثور ذهباً، وقال آخرون: هو دية الانسان، وغير ذلك من الاقوال التي قدمنا ذكرها فيما مضى. وأصل ذلك مأخوذ من القنطرة، ومنه القِنطر الداهية، لأنها كالقنطرة في عظم الصورة، وإحكام البنية. ويقال: قنطر في الأمر يقنطر إذا عظمه، بتكثير الكلام فيه، من غير حاجة إليه. وقوله: {أتأخذونه بهتاناً} قيل في معناه قولان: أحدهما - يعني بهتاناً ظلماً كالظلم بالبهتان، وقيل بطلاناً كبطلان البهتان. الثاني - بهتاناً أي بأن تبهتوا أنكم ملكتموه فتسترجعوه وأصل البهتان الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة، وأصله التحير، ومنه قوله: { أية : فبهت الذي كفر }تفسير : أي تحير عند انقطاع حجته، فالبهتان كذب يحير صاحبه. ونصب بهتاناً على أنه حال في موضع المصدر، والمعنى أتأخذونه مباهتين وآثمين. وقوله {مبيناً} أي ظاهراً لا شك فيه.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}: أى سميتم لإحداهن قنطاراً، فإيتاؤه: إثباته، وصلها أو لم يصلها، وذلك من عموم المجاز، فإن الإثبات واقع فى وصوله وعدم وصوله. {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً}: أى إن أردتم تزوج امرأة بدل المرأة التى عندكم، وقد أتيتم إحداهن وهى التى عندكم قنطاراً فطلقوها بدون أن تأخذوا من القنطار الذى أعطيتموه شيئاً، ولو قليلا، إلا أن ردت وحدها شيئاً بطيب أو طلبت فسامحت بشىء طيباً سواء كان أخذ الشىء قهراً أو سرقة أو خيانة فى الحساب أو إنكار له، وسواء وصلها الصداق أو لم يصلها، فأمسك منه كذلك ودخل فى ذلك ما إذا نشر عنها أو ساء إليها حتى أعطته، و"الزوج": امرأة الرجل لأنها فى الفصيح بلا تاء، وأما الزوجة بالتاء فغير فصيح، لكنه وارد، والمراد بالزوج: الجنس بدليل الجمع فى أردتم لأن جماعة الرجال يشتركون فى امرأة وكذا الاثنان وبدليل جمعهن فى قوله: {إِحْدَاهُنَّ}. والقنطار: المال الكثير أو ألف أو مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفاً من الفضة، ومن الخلاف فى ذلك. والمراد التمثيل، لما فوق القنطار ولما تحته مع أن ما تحته مفهوم بالأولى، فإن المنع من الأخذ من القليل أشد. قال العلماء: دلت الآية على جواز المغالاة فى المهور، ورى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، أنه قام خطيباً على المنبر فقال: إلا لا تغالوا فى مهور نسائكم، فلو كانت مكرمة فى الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول صلى الله عليه وسلم ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتى عشرة أوقية، فقامت إليه امرأة، فقالت له: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا، والله يقول {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}؟ فقال عمر: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى النساء، ورجع عن ذلك. وروى أنه قال: امرأة أصابت وأمير رجل أخطأ، ثم قال لأصحابه: تسمعوننى أقول مثل هذا فلا تنكرونه على حتى ترد على امرأة ليست من أعلم النساء، ويجاب من جانب عمر رضى الله عنه بأن ذكر القنطار لا يوجب جوازه لأن جعل الشىء شرطاً لا بدل على جوازه كما قال الله جل وعلا "حديث : لو كفر الخلق كلهم لم ينقص ذلك من ملكى شيئاً"تفسير : فلا يفيد جوار الكفر، وقال الله سبحانه وتعالى: {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}تفسير : فلا يفيد جواز الآلهة، قال عمر رضى الله عنه: لا تغالوا فى صدقات النساء، فإنها لو كانت مكرمة فى الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبى الله صلى الله عليه وسلم، ما نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتى عشرة أوقية، وعن عائشة: كان صداقه لأزواجه اثنتى عشر أوقية ونشا، قالت: النش أوقية ولا قدر لأقله، وعن عمر: ثلاث قبضات من زبيب مهر، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من أعطى صداق امرأته ملء كفه سويقاً أو تمراً فقد استحل وتزوجت امرأة على نعلين"تفسير : فأجازه صلى الله عليه وسلم، وقال "حديث : ملك أقله ثلاثة دراهم"تفسير : وقال أبو حنيفة عشرة. {أَتَأْخُذُونَهُ}؟: أى أتأخذون الشىء من القنطار المصدق، الاستفهام للإنكار، أعنى أنه لنفى صحة الأخذ شرعاً وعقلا أو للتوبيخ. {بُهْتَاناً}: أى ظلماً أو باطلا، أصل البهتان: الكذب الذى بهت المكذوب عليه، أى يحير لعظمه مواجهة أو فى الغيبة، وقيل: مواجهة مع مكابرة، ثم استعمل فى مطلق الظلم أو الباطل المتحير منه، ويجوز إبقاؤه على أصله من الكذب المحير للمكذوب عليه، كما روى أنه كان الرجل إذا أراد أن يتزوج زوجة جديدة بهت التى عنده بالزنى، أو بما يستقبح لتفتدى منه بما أصدقها فيتزوج به الأخرى، فنهوا عن ذلك. {وَإِثْماً مُّبِيناً}: أى ذنباً ظاهراً، والنصب على الحال من واو "تأخذونه" مبالغة، كأنهم إذا أخذوا صاروا نفس البهتان والإثم المبين، أو يؤل أى: ذوى بهتان وإثم مبين، أو باهتين وآثمين إثماً مبيناً، أو على التعليل، أى لأجل البهتان والإثم المبين، أى أتتوصلون إليه حصول البهتان والإثم المبين الموصل لكم إلى أخذه.
اطفيش
تفسير : {وَإن أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ} أخذ {زوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} تطلقونها {وَءَاتَيْتُمْ} والحال أنه قد آتيتم أو عطف سابق على لاحق {إحْداهُنَّ} هى الأولى المطلقة {قِنْطَاراً} على رسم الصداق، فكيف القليل، والمراد بالإيتاء شغل الذمة بالقنطار، سواء أخذته المرأة أم لم تأخذه {فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً} لا تسقطوا مما فى ذمتكم لهن شيئاً ما ولو قليلا، ولا تستردوا منهن شيئاً إن وصلهن {أَتَأخُذُونَهُ} أى الشىء، توبيخ وإنكار، لأن يصح ذلك شرعاً أو عقلا {بُهْتاناً وَإثْماً مُّبِيناً} باهتين وآثمين إثماً مبيناً، أو ذوى بهتان وإثم مبين، أو لأجل البهتان والإثم المبين، والمفعول له لا يلزم أن يكون غرضاً مطلوباً من الفعل، لجواز قولك قعد عن الحرب حيناً، بإنه ليس المعنى أنه قعد عنها ليحصل له الجبن، فكذا البهت والإثم ليسا غرضين للأخذ، فإن العلة تكون غاثية وتكون باعثة، والآية من الثانية، وأصل البهت الكذب على الغير حتى يكون متحيراً باهتاً، ثم استعمل فى كل باطل، فعل أو قول يتحير من بطلانه، وفى الآية جواز المغالاة في الصداق، كما قال عمر رضي الله عنه على المنبر: لا تغالوا في المهور، لو كانت المغالاة فيها مكرمة فى الدنيا أو تقوى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاكم بها، وما زوج ولا تزوج بأكثر من اثنتى عشرة أوقية، فقالت امرأة من قريش: لِمَ تمنعنا حقنا يا أمير المؤمنين والله يقول وآتيتم أحداهن قنطاراً؟ فقال: كل الناس أفقه منك يا عمر حتى النساء ورجع، وأجاز القنطار، وقال لأصحابه تسمعوننى قول مثل هذا فلا تنكرونه علىّ حتى ترد علىّ امرأة ليست من أعلم النساء، ولا يعترض بقوله تعالى: {أية : لو كان فيهما آلهة} تفسير : [الأنبياء: 22] فإن امتناع تعدد الآلهة لدليل خارج، ولا دليل على امتناع القنطار صداقا، واخد الصداق حرام، أراد تزوج أخرى، أو لم يرد، ولكن ذكره فى معرض إرادة تزوج الأخرى لأن إرادته تزوج أخرى يدعوه إلى استرداد المال ليصرفه في الأخرى، وقد كان الرجل إذا أراد جديدة بهت التي تحته حتى يلجئها إلى افتدائها بما أعطاها، فيتزوج به الجديدة، فنهوا عن ذلك، وانظر إلى اتضاع عمر رضى الله عنه واحتياطه يصيب، ويجعل نفسه كالمخطىء، لأن نهيه عن مغالاة المهور حق جاء به الحديث، والآية مغرية بالقنطار ولا مسوية له مع التوسط، وإنما هى تمثيل للكثرة.
الالوسي
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} أيها الأزواج {ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} إقامة امرأة ترغبون بها {مَّكَانَ زَوْجٍ} أي امرأة ترغبون عنها بأن تطلقوها {وَءاتَيْتُمْ} أي أعطى أحدكم {إِحْدَاهُنَّ} أي إحدى الزوجات، فإن المراد من الزوج هو الجنس الصادق مع المتعدد المناسب لخطاب الجمع، والمراد من الإيتاء كما قال الكرخي: الالتزام والضمان كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم} تفسير : [البقرة: 233] أي ما التزمتم وضمنتم، ومفهوم الشرط غير مراد على ما نص عليه بعض المحققين، وإنما ذكر لأن تلك الحالة قد يتوهم فيها الأخذ فنبهوا على حكم ذلك، والجملة حالية بتقدير قد لا معطوفة على الشرط أي وقد آتيتم التي تريدون أن تطلقوها وتجعلوا مكانها غيرها {قِنْطَاراً} أي مالاً كثيراً، وقد تقدمت الأقوال فيه {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ} أي من القنطار المؤتى {شَيْئاً} / يسيراً أي فضلاً عن الكثير. {أَتَأْخُذُونَهُ} أي الشيء {بُهْتَـٰناً وَإِثْماً مُّبِيناً} استئناف مسوق لتقرير النهي والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمصدران منصوبان على الحالية بتأويل الوصف أي أتأخذونه باهتين وآثمين، ويحتمل أن يكونا منصوبين على العلة ولا فرق في هذا الباب بين أن تكون علة غائية وأن تكون علة باعثة ـ وما نحن فيه من الثاني ـ نحو قعدت عن الحرب جبناً لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم فقد قيل: كان الرجل منهم إذا أراد جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة فنهوا عن ذلك، والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه، وقال الزجاج: الباطل الذي يتحير من بطلانه، وفسر هنا بالظلم، وعن مجاهد أنه الإثم فعطف الإثم عليه للتفسير كما في قوله:شعر : وألفى قولها كذباً وميناً تفسير : وقيل: المراد به هنا إنكار التمليك والمبين البين الظاهر.
ابن عاشور
تفسير : لا جرم أنّ الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضدّه، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطراداً واستيفاء للأحكام. فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوّج امرأة أخرى. والاستبدال: التبديل. وتقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} تفسير : في سورة البقرة (61) أي إن لم يكن سبب للفراق إلاّ إرادة استبدال زوج بأخرى فيُلجِيء التي يريد فراقها، حتّى تخالعه، ليجد ما لا يعطيه مهراً للتي رغب فيها، نهى عن أن يأخذوا شيئاً ممّا أعطوه أزواجهم من مهر وغيره والقنطار هنا مبالغة في مقدار المالِ المُعطى صداقاً أي ما لا كثيراً، كثرة غير متعارفة. وهذه المبالغة تدلّ على أنّ إيتاء القنطار مباح شرعاً لأنّ الله لا يمثّل بما لا يَرضى شرعه مثل الحرام، ولذلك لمّا خطب عمر بن الخطاب فنهَى عن المغالاة في الصدُقات، قالت له امرأة من قريش بعد أن نزل يا أمير المؤمنين كتاب الله أحقّ أن يُتبع أوْ قولك قال: بل كتاب الله بم ذَلك؟ قالت: إنّك نهيت الناس آنفاً أن يغالوا في صداق النساء، والله يقول في كتابه {وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} [النساء: 20] فقال عمر «كلّ أحد أفقهُ من عُمر». وفي رواية قال «امرأة أصَابتْ وأمير أخطَأ واللَّهُ المستعان» ثم رجع إلى المنبر فقال: «إنّي كنت نهيتكم أن تَغَالَوْا في صدقات النساء فليفعل كلّ رجل في ماله ما شاء». والظاهر من هذه الرواية أنّ عمر رجع عن تحجير المباح لأنّه رآه ينافي الإباحة بمقتضى دلالة الإشارة وقد كان بَدَا له من قبل أنّ في المغالاة علّة تقتضي المنع، فيمكن أن يكون نسي الآية بناء على أنّ المجتهد لا يلزمه البحث عن المعارض لدليلِ اجتهاده، أو أن يكون حملها على قصد المبالغة فرأى أنّ ذلك لا يدلّ على الإباحة، ثم رجع عن ذلك أو أن يكون رأى لنفسه أن يحجّر بعض المباح للمصلحة ثمّ عدل عنه لأنّه ينافي إذن الشرع في فعله أو نحو ذلك. وضمير: {إحداهن} راجع إلى النساء. وهذه هي المرأة التي يراد طلاقها. وتقدّم الكلام على القنطار عند تفسير قوله تعالى: {أية : والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة} تفسير : في سورة آل عمران (14). والاستفهام في أتأخذونه إنكاري. والبهتان مصدر كالشُّكران والغُفْران، مصدر بهَتَه كمَنَعَه إذا قال عليه ما لم يَفْعَل، وتقدّم البهت عند قوله تعالى: {أية : فبهت الذي كفر} تفسير : في سورة البقرة (258). وانتصب بهتاناً على الحال من الفاعل في (تأخذونه) بتأويله باسم الفاعل، أي مباهتين. وإنّما جعل هذا الأخذ بهتانا لأنّهم كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة وأرادوا طلاقها، رموها بسوء المعاشرة، واختلقوا عليها ما ليس فيها، لكي تخشى سوء السمعة فتبذل للزوج ما لا فداء ليطلّقها، حكى ذاك فخر الدين الرازي، فصار أخذ المال من المرأة عند الطلاق مظِنَّة بأنَّها أتت ما لا يُرضي الزوج، فقد يصدّ ذلك الراغبين في التزوّج عن خطبتها، ولذلك لمّا أذن الله للأزواج بأخذ المال إذا أتت أزواجهم بفاحشة، صار أخذ المال منهنّ بدون ذلك يُوهم أنّه أخذه في محل الإذن بأخذه، هذا أظهر الوجوه في جعل هذا الأخذ بهتاناً. وأمّا كونه إثماً مبّينا فقد جُعل هنا حالا بعد الإنكار، وشأن مثل هذا الحال أن تكون معلومة الانتساب إلى صاحبها حتّى يصبح الإنكار باعتبارها، فيحتمل أنّ كونها إثماً مبيّنا قد صار معلوماً للمخاطبين من قوله: {فلا تأخذوا منه شيئاً}، أو من آية البقرة (229) {أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله}تفسير : أو ممّا تقرّر عندهم من أنّ حكم الشريعة في الأموال أن لا تحلّ إلاّ عن طيب نفس. وقوله: {وكيف تأخذونه} استفهام تعجيبي بعد الإنكار، أي ليس من المروءة أن تطمعوا في أخذ عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج وعهد متين. والإفضاء الوصول، مشتقّ من الفضاء، لأنّ في الوصول قطع الفضاء بين المتواصلين والميثاق الغليظ عقدة النكاح على نيّة إخلاص النيّة ودوام الألفة، والمعنى أنّكم كنتم على حال مودة وموالاة، فهي في المعنى كالميثاق على حسن المعاملة. والغليظ صفة مُشَبَّهة من غَلُظ ــــ بضمّ اللام ــــ إذا صلب، والغلظة في الحقيقة صَلابة الذوات، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدّتها في أنواعها، قال تعالى: {أية : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة}تفسير : [التوبة: 123]. وقد ظهر أنّ مناط التحريم هو كون أخذ المال عند طلب استبدال الزوجة بأخرى، فليس هذا الحكم منسوخاً بآية البقرة خلافاً لجابر بن زيد إذ لا إبطال لمدلول هذه الآية.
الواحدي
تفسير : {وإن أردتم...} الآية. أي: إذا أراد الرَّجل طلاق امرأته، وتزوَّج غيرها لم يكن له أن يرجع فيما آتاها من المهر، وهو قوله: {وآتيتم إحداهنَّ قنطاراً} أَيْ: مالاً كثيراً {فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً} ظلماً {وإثماً مبيناً} وفي هذا نَهْيٌّ عن الضِّرار في غير حال الفاحشة، وهو أنْ يضارَّها لتفتدي منه من غير أَنْ أتت بفاحشة. {وكيف تأخذونه} أَي: المهر أو شيئاً منه {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أَيْ: وصل إليه بالمجامعة، ولا يجوز الرُّجوع في شيءٍ من المهر بعد الجماع {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} وهو ما أخذه الله على الرِّجال للنِّساء من إمساكٍ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسانٍ. {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم...} الآية. كان الرَّجل من العرب يتزوَّج امرأة أبيه من بعده، وكان ذلك نكاحاً جائزاً في العرب، فحرَّمه الله تعالى ونهى عنه، وقوله: {إلاَّ ما قد سلف} يعني: لكن ما قد سلف فإنَّ الله تجاوز عنه {إنَّه} أيْ: إنَّ ذلك النِّكاح {كان فاحشة} زنا عند الله {ومقتاً} بغضاً شديداً {وساء سبيلاً} وقَبُحَ ذلك الفعل طريقاً، ثمَّ ذكر المحرَّمات من النِّساء فقال: {حرِّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم} جمع الرَّبيبة، وهي بنت امرأة الرَّجل من غيره {اللاتي في حجوركم} أيْ: في ضمانكم وتربيتكم {وحلائل} وأزواج {أبنائكم الذين من أصلابكم} لا مَنْ تبنَّيتموه {وأن تجمعوا} أَيْ: الجمع {بين الأختين إلاَّ ما قد سلف} مضى منكم في الجاهلية، فلا تُؤاخذون به بعد الإِسلام. {والمحصنات} وذوات الأزواج {من النساء} وهنَّ مُحرَّمات على كلِّ أحدٍ غير أزواجهنَّ إلاَّ ما ملكتموهنَّ بالسَّبي من دار الحرب؛ فإنَّها تحلُّ لمالكها بعد الاستبراء بحيضة {كتاب الله عليكم} كتب تحريم ما ذكر من النِّساء عليكم {وأحلَّ لكم ما وراء ذٰلكم} أَيْ: ما سوى ذلكم من النِّساء {أن تبتغوا} أَيْ: تطلبوا بأموالكم؛ إمَّا بنكاحٍ وصداقٍ؛ أو بملكِ يمينٍ {محصنين} ناكحين {غير مسافحين} زانين {فما استمتعتم} فما انتفعتم وتلذَّذتم {به منهنَّ} أي: من النساء بالنِّكاح الصَّحيح {فآتوهنَّ أجورهنَّ} أَيْ: مهورهنَّ {فريضة} ، فإن استمتع بالدُّخول بها آتى المهر تامّاً، وإن استمتع بعقد النِّكاح آتى نصف المهر {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} من حطِّ المهر أو إبراءٍ من بعض الصَّداق أو كلِّه {إنَّ الله كان عليماً} بما يصلح أمر العباد {حكيماً} فيما بيَّن لهم من عقد النِّكاح.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 20- وإن أردتم أن تستبدلوا زوجة مكان أخرى وكنتم قد أعطيتم من تريدون طلاقها مالاً كثيراً فلا يحلُّ لكم أن تأخذوا منه شيئاً، أتأخذونه على وجه البطلان والإثم المبين؟. 21- وكيف يسوغ لكم أن تستردوا ما أعطيتم من مهر وقد امتزج بعضكم ببعض وأخذن منكم عقداً قوياً موثقاً أحل الله به العشرة الزوجية. 22- ولا تتزوجوا - أيها الأبناء - ما تزوج آباؤكم من النساء، إنه كان أمراً فاحش القبح، يمقته الله والناس، وهو أسوأ سبيل ومقصد، وأن الله يعفو عما قد سلف منكم فى زمن الجاهلية.
القطان
تفسير : زوج: زوجة. بهتانا: ظلما، وأصل البهتان الكذبُ الذي يبهت المكذوب عليه. افضى بعضكم الى بعض: وصل بعضكم الى بعض، وامتزج به. الميثاق: العهد. الغليظ: الشديد المؤكد. واذا رغبتم ايها الازواج في استبدال زوجة مكان أخرى وأعطيتم الأولى مالاً كثيراً، فلا يحل لكم ان تأخذوا منه شيئا.. أتأخذونه ظالمين! ان ذلك إثمٌ وبهتان عظيم. وكيف يسوغ لكم ان تستردوا ما أعطيتم من المهر، بعد أن تأكدت بينكم الرابطة الزوجية المقدسة، ولابَسَ كل منكما الآخر حتى صار بمنزلة الجزء المتمم لوجوه! {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} بهذه العبارة الهائلة يختم الله تعالى هذا الآيات فيُفرغ على عقد الزواج صبغة كريمة جعلته فوق عقود البيع والاجارة والتمليك. فتعبير "ميثاقا غليظا" الذي يعني: شديداً مؤكداً، له قيمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والمودة. والزواج في عرف الشرع عهد شريف ترتبط به القلوب، وتختلط به المصالح: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}تفسير : [البقرة:187]. وكلمة الميثاق لم تَرِدْ في القرآن الكريم الا تعبيرا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد، والتزام الاحكام، وما بين الدولة والدولة من الشئون العامة الخطيرة، ثم على عقد الزواج. ومن هذا ندرك مقدار المكانة التي سما القرآن بعقد الزواج اليها.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْتُمْ} {إِحْدَاهُنَّ} {بُهْتَاناً} (20) - وَإذا أرَادَ الرَّجُلُ أنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ لِكُرْهِهِ إيَّاهَا، وَعَدَمِ صَبْرِهِ عَلى مُعَاشَرَتِها، وَأنْ يَسْتَبْدِلَ غَيْرَهَا بِها، وَهِي لَمْ تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا الكَثِيرَ مِنَ المَالِ مَقْبُوضاً أوْ مُلْتَزِماً، دَفَعَهُ إليْها، أوْ صَارَ دَيْناً فِي ذِمَّتِهِ، فَعَلَى الرَّجُلِ أنْ لاَ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ عَلَيهِ أنْ يَدْفَعَهُ إليها بِالكَامِلِ، وَلَوْ كَانَ قِنْطَاراً مِنَ المَالِ. ثُمَّ يُنْكِرُ اللهُ تَعَالَى عَلَى الرِّجِالِ البَاهِتينَ الآثِمِينَ الذِينَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أنَّهُمْ إذَا أرَادُوا تَطْلِيقَ الزَّوْجَةِ رَموهَا بِالفَاحِشَةِ حَتَّى تَخَافَ وَتَشْتَرِيَ نَفْسَها مِنْهُمْ بِتَرْكِ المَهْرِ الذِي دَفَعُوهُ. البُهْتَانُ - الكَذِبُ الذِي يَبْهَتُ المكْذُوبَ عَلَيهِ وَيُسْكِتُهُ مُتَحَيِّراً. القِنْطَارُ - يُقَصَدُ بِهِ هُنَا الكَثْرَةُ مِنَ المَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فإذا ضاقت بك المسائل، بعد أن عاشرت بالمعروف ولم يعد ممكناً أن تستمر الحياة الزوجية في إطار يرضى عنه الله، وتخاف أن تنفلت من نفسك إلى ما حرم الله، ماذا تفعل؟ يقول سبحانه: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ..} [النساء: 20] أي لك أن تستبدل ما دامت المسألة ستصل إلى جرح منهج الله، وعليك في هذا الاستبدال أن ترعى المنهج الإيماني مثلما أشار به سيدنا الحسن رضي الله عنه على الرجل الذي كان يستشيره في واحد جاء ليخطب ابنته. قال سيدنا الحسن - رضي الله عنه - : إن جاءك الرجل الصالح فزوجه، فإنه إن أحب ابنتك أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. والحق يقول: {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ..} [النساء: 20] فهذا يعني أن الرغبة قد انصرفت عن الأولى نهائياً، ولا يمكن التغلب عليها بغير الانحراف عن المنهج. وقد يحدث أن يضيق الرجل بزوجته وهو لا يعاني من إلحاح في الناحية الغريزية، فيطلقها ولا يتزوج، فما شروط المنهج في هذا الأمر؟ يقول الحق: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ..} [النساء: 20]. كلمة "قنطار" وكلمة "قنطرة" مأخوذة من الشيء العظيم. وقنطار تعني "المال". وقدروه قديماً بأنه ملء مَسْك البقرة، و "المسك" هو الجلد، فعندما يتم سلخ البقرة يصبح جلدها مثل القربة، وملأ مَسْكها يسمى قنطاراً، والقنطار المعروف عندنا الآن له سمة وَزْنِيّة، والحق حين يعظم المهر بقنطار يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ..} [النساء: 20] فهو يأتي لنا بمثل كبير وينهانا بقوله: {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ..} [النساء: 20] لماذا؟ لأنك يجب أن تفهم أن المهر الذي تدفعه ليس منساحاً على زمن علاقتك بالمرأة إلى أن تنتهي حياتكما، بل المهر مجعول ثمناً للبضع الذي أباحه الله لك ولو للحظة واحدة، فلا تحسبها بمقدار ما مكثت معك، لا، إنما هو ثمن البضع، فقد كشفت نفسها لك وتمكنت منها ولو مرة واحدة. إذن فهذا القنطار عمره ينتهي في اللحظة الأولى، لحظة تَمكّنِك منها. {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ..} [النساء: 20] وهذه هي المسألة التي قال فيها سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أخطأ عمر وأصابت امرأة، لأنه كان يتكلم في غلاء المهور؛ فقالت له المرأة: كيف تقول ذلك والله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ..} [النساء: 20]، فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر. عن عمر رضي الله عنه أنه نهى وهو على المنبر عن زيادة صداق المرأة على أربعمائة درهم ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: أما سمعت الله يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ..} [النساء: 20]؟ فقال: اللهم عفواً كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر فقال: "إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا في صدُقاتهن على أربعمائة درهم فمَنْ شاء أن يعطي من ماله ما أحب". وعن عبد الله بن مصعب أن عمر - رضي الله عنه - قال: "لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من فضة، فمَنْ زاد أوقية جعلتُ الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال ولَم؟ فقالت: لأن الله تعالى يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ..} [النساء: 20] فقال عمر: "امرأة أصابت ورجل أخطأ". ثم ينكر القرآن مجرد فكرة الأخذ فيقول: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 20] لماذا؟ لأنه ليس ثمن استمتاعك بها طويلاً، بل هو ثمن تمكنك منها، وهذا يحدث أَوَّل ما دخلت عليها. وإن أخذت منها شيئاً من المهر بعد ذلك فأنت آثم، إلاَّ إذا رضيت بذلك، والإثم المبين هو الإثم المحيط. ويأتي الحق من بعد ذلك بمزيد من الاستنكار فيقول: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ..} تفسير : [النساء: 21] إنه استنكار لعملية أخذ شيء من المهر بحيثية الحكم فيقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} الآية لما أذن في مضارتهن أن أتين بفاحشة ليذهب ببعض ما أعطاه بين تحريم ذلك في غير الفاحشة وأقام الارادة مقام الفعل فكأنه قال: وإن استبدلتم أو حذف معطوف أي واستبدلتم، وظاهر قوله: وآتيتم إن الواو للحال أي وقد آتيتم. وقيل: هو معطوف على فعل الشرط وليس بظاهر والاستبدال وضع الشيء مكان الشيء، والمعنى أنه إذا كان الفراق من اختياركم فلا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً. واستدل بقوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} على جواز المغالات في الصدقات. {بُهْتَاناً} البهتان الكذب الذي يتحير منه صاحبه ثم صار يطلق على الباطل أتأخذونه هذا الاستفهام على سبيل الإِنكار أي أتفعلون هذا مع ظهور قيمه. وسمي بهتاناً لأنهم كانوا إذا أرادوا تطليق امرأة رموها بفاحشة حتى تخاف وتفتدي منه بمهرها. فجاءت الآية على الأمر الغالب. {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} أنكر أولاً الأخذ، وأنكر ثانياً حالة الأخذ، وانها ليست مما يمكن أن تجامع حال الافضاء لأن الافضاء هو المباشرة والدنو، والافضاء: الجماع، وهو كناية حسنة والميثاق الغليظ. قوله تعالى: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}تفسير : [الطلاق: 2] {وَلاَ تَنكِحُواْ} الآية . كان قوم من العرب يتزوجون نساء آبائهم إذا ماتوا فنهاهم الله تعالى عن ذلك. وما في قوله: {مَا نَكَحَ} واقعة على النوع. كقوله: {أية : مَا طَابَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 3]، والآباء هنا يشمل الأب ومن قبله من عمود النسب. {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء منقطع. والمعنى لكن ما سبق في الجاهلية قبل ورود النهي فلا إثم عليه. والضمير في: {إِنَّهُ} عائد على المصدر المفهوم من قوله: ولا تنكحوا، أي نكاح الأبناء نساء الآباء. {كَانَ فَاحِشَةً} أي زنا. {وَمَقْتاً} المقت: البغض باستحقار. {وَسَآءَ سَبِيلاً} إن كان الضمير في ساء عائداً على ما عاد عليه الضمير قبل ذلك كان سبيلاً نصباً على التمييز وهو منقول من الفاعل والتقدير ساء سبيله وإن كانت ساء أجريت مجرى بئس كقوله تعالى: {أية : سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} تفسير : [الأعراف: 177]، كان في سائر ضمير يفسره ما بعده وكان سبيلاً تمييز للضمير المستكن في ساء والمخصوص بالذم محذوف تقديره وساء سبيلاً سبيله أي سبيل ذلك النكاح. وفي الحديث قال البراء بن عازب: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ} هو على حذف مضاف أي نكاح أمهاتكم. ويدل عليه قوله: قبل ولا تنكحوا، والأم حقيقة هي الوالدة، وفي معناها كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك. {وَبَنَٰتُكُمْ} هي كل ابنة ولدتها. وفي معناه كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإِناث أو ذكور وقد كان في العرب من تزوج ابنته وهو حاجب بن زرارة تمجّس. {وَأَخَوَٰتُكُمْ} الأخت المحرمة كل من جمعك وإياها صلب أو بطن. {وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ} العمة: أخت الأب. والخالة: أخت الأم وخصّ تحريم العمات والخالات دون أولادهن. وتحريم عمة الأب وخالته وعمة الأم وخالتها وعمة العمة، واما خالة العمة فإِن كانت، العمة أخت أب لأم أو لأب وأم فلا تحل خالة العمة لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها تحل للرجال ويجمع بينها وبين النساء. وأما عمة الخالة فإن كانت الخالة أخت أم لأب فلا تحل عمة الخالة لأنها أخت جد وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أخيها. {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} تحرم بناتهما وان سفلن وأفرد الأخ والأخت ولم يأت جمعاً لأنه أضيف إليه الجمع فكان لفظ الافراد أخف وأريد به الجنس المنتظم في الدلالة الواحد وغيره فهؤلاء سبع من النسب تحريمهن مؤبد، وأما اللواتي صرْن محرمات نسب طارىء فذكرهن في القرآن سبعاً وهن في قوله تعالى: {وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ} نبه بهذين المثالين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب ثم انه عليه الصلاة والسلام أكد هذا بصريح قوله: حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسبتفسير : ، فصار صريح الحديث مطابقاً لما أشارت إليه الآية، فزوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته وعمته. وكل ولد وُلد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم أخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها وكل من وُلد لها من هذا الرجل فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه وأما ولدها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه. وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النسب إلا في مسألتين إحداهما: إنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع لأن المعنى في النسب وطؤه لأمها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. والثانية: لا يجوز أن يتزوج أم أخيه من النسب ويجوز في الرضاع. لأن المانع في النسب وطء الأب إياها، وهذا المعنى غير موجود في الرضاع. وظاهر الكلام إطلاق الرضاع ولم تتعرض الآية إلى سن التراضع ولا عدد الرضعات ولا للبن الفحل ولا لإِرضاع الرجل لبن نفسه للصبي أو إيجاره به أو تسعيطه بحيث يصل إلى الجوف، وفي هذا كله خلاف مذكور في كتب الفقه. وقرىء التي واللاتي في الرضاعة بكسر الراء. {وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ} الجمهور على أنها على العموم فسواء عقد عليها ولم يدخل بها أم دخل بها. وروي عن علي ومجاهد وغيرهما أنه إذ طلقها قبل الدخول فله أن يتزوج أمّها وأنها في ذلك بمنزلة الربيبة. {وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ} ظاهره أنه يشترط في تحريمها أن تكون في حجره. وإلى هذا ذهب على ربه أخذ داود وأهل الظاهر فلو لم تكن في حجره وفارق أمها بعد الدخول جاز له أن يتزوجها. وقالوا: حرم الله الربية بشرطين أحدهما: أن تكون في حجر الزوج. الثاني: الدخول بالأم. فإِذا فقد أحد الشرطين لم يوجد التحريم. واللاتي صفة لنسائكم المجرور بمن ولا جائز أن تكون اللاتي وصفاً لنسائكم من قوله: وأمهات نسائكم. ونسائكم المجرور بمن لأن العامل في المنعوتين قد اختلف هذا مجرور بمن وذاك مجرور بالاضافة ولا جائز أن يكون من نسائكم متعلقاً بمحذوف ينتظم به مع أمهات نسائكم وربائبكم لاختلاف مدلول حرف الجر إذ ذاك، لأنه بالنسبة إلى قوله: وأمهات نسائكم يكون من نسائكم لبيان النساء وتمييز المدخول بها من غير المدخول بها وبالنسبة إلى قوله: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، تكون من نسائكم لبيان ابتداء الغاية كما تقول: هذا ابني من فلان. قال الزمخشري: ألا ان اعلته بالنساء والربائب واجعل من للاتصال كقوله تعالى: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ}تفسير : [التوبة: 67]. فإِني لست منك ولست مني. ما أنا من دد ولا الدد مني. وأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن. "انتهى". ولا نعلم أحداً ذهب إلى أن من معاني من الاتصال واما ما شبه به من الآية والشعر والحديث فمتأول، وإذا جعلنا من نسائكم متعلقاً بالنساء والربائب كما زعم الزمخشري، فلا بد من صلاحيته لكل من النساء والربائب فاما تركيبه مع الربائب ففي غاية الفصاحة والحسن وهو نظم الآية واما تركيبه مع قوله: وأمهات نسائكم من نسائكم فإِنه يصير، وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن فهذا تركيب لا يمكن أن يقع في القرآن ولا في كلام فصيح لعدم الاحتياج في إفادة هذا المعنى إلى قوله: من نسائكم، والدخول هنا كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب، والباء للتعدية والمعنى اللاتي أدخلتموهن الستر، قاله ابن عباس وغيره. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي في نكاح الربائب اللاتي لم تدخلوا بأمهاتهن وفارقتموهن فلو طلقها بعد البناء وقبل الجماع جاز أن يتزوج ابنتها وفي تحريم الربيبة بالنظر إلى أمها بشهوة أو مسّها بشهوة أو النظر إلى شعرها وصدرها بلذة أو مسّ فرجها وإن لم يدخل بالأم خلاف. وظاهر قوله: وحلائل أبنائكم اختصاص ذلك بالزوجات كما ذكرناه واتفقوا على أن مطلق عقد الشراء للجارية لا يحرمها على أبيه ولا ابنه فلو لمسها أو قبلها حرمت على أبيه وابنه ولا يختلف في تحريم ذلك واختلفوا في مجرد النظر بشهوة. {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ} احتراز مما كانت العرب تتبنّا الشخص وليس ابنه حقيقة وهم الذين قال الله فيهم: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 5]. {وَأَن تَجْمَعُواْ} في موضع رفع. {بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} ظاهرة العموم بنكاح أو ملك يمين وفي بعضها خلاف. {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء منقطع يتعلق بالأخير وهو أن تجمعوا بين الأختين، والمعنى لكن ما سلف من ذلك ووقع وأزالت شريعة الإِسلام حكمه فإِن الله يغفره والإِسلام يجبه. ويدل على عدم المؤاخذة به قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}.
الجيلاني
تفسير : {وَإِنْ} غلب عليكم بمقتضى طبعكم {أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ} منكوحةٍ جديدةٍ {مَّكَانَ زَوْجٍ} قديمةٍ أردتم تطليقها، فعلكيم في دينكم ألاَّ تأخذوا من المطلقة شيئاً {وَ} إن { آتَيْتُمْ} حالة النكاح {إِحْدَاهُنَّ} أي: كل واحدةٍ منهم إن كن أكثر من واحدةٍ {قِنْطَاراً} مالاً كثيراً منضداً، مخزوناً {فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ} من القنطار {شَيْئاً} قليلاً نزاً يسيراً {أَتَأْخُذُونَهُ} أي: من مهورهن أيها المفرطون في متابعة الطبيعة {بُهْتَاناً} تفترونه عليهن {وَ} تكسبون به {إِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 20] عظيماً عند الله وعند المؤمنين. {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} ولا تعلمون {وَ} تستحضرون أنه {قَدْ أَفْضَىٰ} وصل بالمهر {بَعْضُكُمْ} ذكوركم {إِلَىٰ بَعْضٍ} إناثكم {وَأَخَذْنَ} عهدهن {مِنكُم} من أجلكم ورعاية غبطتكم {مِّيثَٰقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] عهداً وثيقاً لا ينفصم أصلاً، وهو ألاَّ يأتين بفاحشةٍ، ولا يبيدن زينتهن إلا لبعولتهن، وأن يقصرن نظرهن عليكم، ويخدمن ويحسن المعاشرة، إلى غير ذلك من الحدود والحقوق. {وَ} أيضاً من الحدود المتعلقة بأمر النساء أن {لاَ تَنكِحُواْ} أي: لا تطئوا ولا تجامعوا أيها المؤمنون {مَا نَكَحَ} ما وطئ {ءَابَآؤُكُمْ} أسلافكم سواء كانوا مؤمنين أو كفاراً {مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} سواءً كن أمهاتكم أم لا، حرائر ورقيقات لاستهجان هذا الأمر عقلاً وشرعاً ومروءةً بل طبعاً، بناء على ما حكي عن بعض الحيوانات أنه لا يجامع مع أمه لتبة كالفرس النجيب وغيره، ومن أتى ما نهي عنه فقد استحق مقت الله وطرده {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} سبق من وقوعه قبل ورورد النهي {إِنَّهُ} أي نكاح منكوحة الأسلاف {كَانَ} صار {فَاحِشَةً} عظيمة من الفواحش التي منعها الشرع {وَ} مع ذلك {مَقْتاً} حرماناً وطرداً عن مربتة الإنسانية، لذلك سمى العرب من حصل منه: المقتى {وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22] لمن أتى به سبيل البعد والخذلان عن ساحة الحضور. عصمنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} [النساء: 20]، {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] في رعاية حقوقهن، هذه كلها وأمثالها ليست من إمارة الإيمان ونتائجه وثمراته؛ لأن المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدين النصيحة"تفسير : ، وقد صرح بنفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من غشنا فليس منا ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):