Verse. 514 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَ كَيْفَ تَاْخُذُوْنَہٗ وَقَدْ اَفْضٰى بَعْضُكُمْ اِلٰى بَعْضٍ وَّاَخَذْنَ مِنْكُمْ مِّيْثَاقًا غَلِيْظًا۝۲۱
Wakayfa takhuthoonahu waqad afda baAAdukum ila baAAdin waakhathna minkum meethaqan ghaleethan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكيف تأخذونه» أي بأي وجه «وقد أفضى» وصل «بعضكم إلى بعض» بالجماع المقرر للمهر «وأخذن منكم ميثاقا» عهدا «غليظا» شديدا وهو ما أمر الله به من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان.

21

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } أي بأيّ وجه {وَقَدْ أَفْضَىٰ } وصل {بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } بالجماع المقرّر للمهر {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَٰقاً } عهداً {غَلِيظاً } شديداً وهو ما أمر الله به من إمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفْضَى} بالجماع، أو الخلوة. {مِّيثَاقاً} عقد النكاح، أو إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، أو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أخذتموهن بأمانة الله ـ تعالى ـ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله "تفسير : ، وهي محكمة، أو منسوخة بآية الخلع، أو محكمة إلا عند خوف النشوز.

ابو السعود

تفسير : وقوله عز وجل: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} إنكارٌ لأخذه إثرَ إنكارٍ وتنفيرٌ عنه بعد تنفيرٍ، وقد بولغ فيه حيث وُجّه الإنكارُ إلى كيفية الأخذِ إيذاناً بأنه مما لا سبـيل له إلى التحقق والوقوعِ أصلاً لأن ما يدخُل تحت الوجودِ لا بد أن يكون على حال من الأحوال فإذا لم يكن لشيء حالٌ أصلاً لم يكن له حظٌّ من الوجود قطعاً، وقوله عز وجل: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} حالٌ من فاعل تأخُذونه مفيدةٌ لتأكيد النكيرِ وتقريرِ الاستبعادِ، أي على أي حالٍ أو في أي حالٍ تأخُذونه والحالُ أنه قد جرى بـينكم وبـينهن أحوالٌ منافيةٌ له من الخَلْوة وتقرُّرِ المَهرِ وثبوتِ حقِّ خِدْمتِهن لكم وغير ذلك {وَأَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً غَلِيظاً} عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي أخذْنَ منكم عهداً وثيقاً وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ أو ما وثّق اللَّهُ تعالى عليهم في شأنهن بقوله تعالى: {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ} تفسير : [البقرة، الآية 229] أو ما أشار إليه النبـي عليه الصلاة والسلام: «حديث : أخذتُموهن بأمانةِ اللَّهِ واستحللتم فروجَهن بكلمة الله تعالى»تفسير : . {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ} شروعٌ في بـيان من يحْرُم نكاحُها من النساء ومَنْ لا يحرُم، وإنما خُصَّ هذا النكاحُ بالنهي ولم يُنْظَمْ في سلك نكاحِ المحرِّماتِ الآتيةِ مبالغةً في الزجر عنه حيث كانوا مُصِرِّين على تعاطيه قال ابنُ عباسٍ وجمهورُ المفسِّرين: كان أهلُ الجاهليةِ يتزوّجون بأزواج آبائِهم فنُهوا عن ذلك، واسمُ الآباءِ ينتظِمُ الأجدادَ مجازاً فتثبُت حرمةُ ما نكحوها نصاً وإجماعاً، ويستقِلُّ في إثبات هذه الحُرمةِ نفس النكاحِ إذا كان صحيحاً وأما إذا كان فاسداً فلا بد في إثباتها من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبـيل والمسِّ بشهوة ونحوِهما، بل هو المثبِتُ لها في الحقيقة حتى لو وقع شيءٌ من ذلك بحكم مِلكِ اليمينِ أو بالوجه المحرَّمِ تثبتُ به الحُرمةُ عندنا خلافاً للشافعي في المحرّم أي لا تنكحوا التي نكحها آباؤكم، وإيثارُ (ما) على مَنْ للذهاب إلى الوصف، وقيل ما مصدريةٌ على إرادة المفعولِ من المصدر {مّنَ ٱلنّسَاء} بـيانٌ لما نُكِح على الوجهين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناءٌ مما نكَحَ مفيدٌ للمبالغة في التحريم بإخراج الكلامِ مُخرَجَ التعليقِ بالمُحال على طريقةِ قولهِ: [الطويل] شعر : ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهنّ فُلولٌ من قراع الكتائبِ تفسير : والمعنى لا تنكِحوا حلائلَ آبائِكم إلا من ماتت منهن، والمقصودُ سدُّ طريقِ الإباحةِ بالكلية ونظيرُه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ } تفسير : [الأعراف، الآية 40] وقيل: هو استثناء مما يستلزِمُه النهي ويستوجبه مباشرةً المنهيُّ عنه كأنه قيل: لا تنكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء فإنه موجبٌ للعقاب إلا ما قد مضى فإنه معفوٌّ عنه، وقيل: هو استثناءٌ منقطعٌ معناه لكنْ ما قد سلف لا مؤاخذةَ عليه لا أنه مقرَّرٌ، ويأباهما قولُه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً} فإنه تعليلٌ للنهي وبـيانٌ لكون المنهيِّ عنه في غاية القُبحِ مبغوضاً أشدَّ البُغضِ وأنه لم يزَلْ في حكم الله تعالى وعلمِه موصوفاً بذلك ما رَخَّص فيه لأمة من الأمم فلا يلائم أن يُوسَّطَ بـينهما ما يُهوِّن أمرَه من ترك المؤاخذةِ على ما سلفَ منه {وَسَاء سَبِيلاً} في كلمة {سَاء} قولانِ: أحدُهما أنها جاريةٌ مَجرى بئسَ في الذم والعملِ ففيها ضميرٌ مُبْهمٌ يفسِّره ما بعده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه وساء سبـيلاً سبـيلُ ذلك النكاحِ كقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلشَّرَابُ } تفسير : [الكهف، الآية 29] أي ذلك الماءُ، وثانيهما أنها كسائر الأفعالِ وفيها ضميرٌ يعود إلى ما عاد إليه ضميرُ {إِنَّهُ}، وسبـيلاً تميـيز، والجملةُ إما مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب أو معطوفةٌ على خبر كان محكيةٌ بقول مُضْمرٍ هو المعطوفُ في الحقيقة تقديرُه ومقولاً في حقه ساء سبـيلاً، فإن ألسنةَ الأممِ كافةً لم تزَلْ ناطقةً بذلك في الأعصار والأمصار. قيل: مراتبُ القُبحِ ثلاثٌ: القبحُ الشرعيُّ والقبحُ العقليُّ والقبحُ العاديُّ، وقد وصف الله تعالى هذا النكاحَ بكل ذلك، فقولُه تعالى: {فَـٰحِشَةً} مرتبةُ قُبحِه العقليِّ وقولُه تعالى: {وَمَقْتاً} مرتبةُ قبحِه الشرعيِّ وقولُه تعالى: {وَسَاء سَبِيلاً} مرتبةُ قبحِه العاديِّ، وما اجتمع فيه هذه المراتبُ فقد بلغَ أقصى مراتبِ القُبحِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكيف تأخذونه} اى لأى وجه ومعنى تفعلون هذا {وقد} والحال انه قد {افضى بعضكم الى بعض} قد جرى بينكم وبينهن احوال منافية له من الخلوة وتقرر المهر وثبت حق خدمتهن لكم وغير ذلك {واخذن منكم ميثاقا غليظا} عطف على ما قبله داخل فى حكمه اى أخذن منكم عهدا وثيقا وهو حق الصحبة والممازجة والمعاشرة او ما اوثق الله عليكم فى شأنهن بقوله تعالى {أية : فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان} تفسير : [البقرة: 229]. او ما اشار اليه النبى عليه السلام بقوله "حديث : اخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " .تفسير : اعلم ان هذه المعاملات من تضييق النساء ومنعهن من الازواج واخذ ما فى ايديهن ظلما بعدما اخذن ميثاقا غليظا فى رعاية حقوقهن كلها وامثالها ليست من امارة الايمان ونتائجه وثمراته لان المؤمن اخ المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه قال عليه السلام "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " تفسير : وقال "حديث : الدين النصيحة " .تفسير : وقد صرح بنفى الايمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه من الخير". شعر : هر آنكه تخم بدى كشت وجشم نيكى داشت دماغ بيهده بخت وخيال باطل بست زكوش يـنبه برون آر وداد خـلق بـده اكر تو مى ندهى داد روز دادى هست تفسير : فعلى المرء ان ينصف فى جميع احواله للاجانب خصوصا الاقارب والازواج فان تحرى العدل لهم من الواجبات. واعلم ان الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة فى المهر لان قوله تعالى {أية : وآتيتم إحداهن قنطارا}تفسير : [النساء: 20]. لا يدل على جواز ايتاء القنطار كما ان قوله {أية : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} تفسير : [الأنبياء: 22]. لا يدل على حصول الآلهة. والحاصل انه لا يلزم من جعل الشىء شرطا لشىء آخر كون ذلك الشرط فى نفسه جائز الوقوع كذا قال الامام فى تفسيره ويؤيد ما قيل فى مرشد المتاهلين ان المرأة التى يراد نكاحها يراعى فيها خفة المهور قال صلى الله عليه وسلم "حديث : خير نسائكم احسنهن وجوها واخفهن مهورا ". تفسير : وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه على عشرة دراهم واثاث البيت وكان رحى وجرة ووسادة من اديم حشوها ليف وفى الخبر "حديث : من بركة المرأة سرعة تزوجها وسرعة رحمها الى الولادة ويسر مهرها " .تفسير : ولا بد للرجل ان يوفيها صداقها كملا او ينوى ذلك فمن نوى ان يذهب بصداقها جاء يوم القيامة زانيا كما ان من استدان دينا وهو ينوى ان لا يقضيه يصير سارقا ولا يماطل مهرها الا ان يكون فقيرا او تؤجله المرأة طوعا ويعلمها احكام الطهارة والحيض والصلاة وغير ذلك بقدر ما تؤدى به الواجب ويلقنها اعتقاد اهل السنة ويردها عن اعتقاد اهل البدعة وان لم يعلم فليسأل ولينقل اليها جواب المفتى وان لم يسأل فلا بد لها من الخروج للسؤال ومتى علمها الفرائض فليس لها الخروج الى تعلم او مجلس ذكر الا برضاه فمهما اهمل المرء حكما من احكام الدين ولم يؤدبها ولم يعلمها او منعها عن التعلم شاركها فى الاثم وفى الحديث "حديث : اشد الناس عذابا يوم القيامة من اجهل اهله " .تفسير : قال عليه السلام "حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ".

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في نسخ هذه الآية، والتي قبلها، ثلاثة أقوال: أحدها - أنها محكمة ليست منسوخة، لكن للزوج ان يأخذ الفدية من المختلعة، لأن النشوز منها، فالزوج في حكم المكره لا المختار للاستبدال، ولا يتنافى حكم الآيتين، فلا يحتاج إلى نسخ احداهما بالاخرى. الثاني - قال بكر بن عبد الله المري: هي محكمة، وليس للزوج لأجل ظاهرها أن يأخذ من المختلعة شيئاً، ولا من غيرها. الثالث - قال ابن زيد، والسدي: هي منسوخة بقوله: {أية : إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به}تفسير : وقيل في معنى الافضاء قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: هو كناية عن الجماع. الثاني - انه الخلوة، وإن لم يجامع، فليس له أن يسترجع نصف المهر، وإنما يجوز ذلك فيمن لم يدخل بها بالخلوة معها. وكلاهما قد رواه أصحابنا، واختلفوا فيه، والاول هو الأقوى. اللغة والمعنى: والافضاء إلى الشيء هوالوصول إليه بالملابسة له، قال الشاعر: شعر : بلىً وثاي أفضى إلى كل كئبة بدا سيرها من ظاهر بعد باطن تفسير : أي وصل البلى والفساد إلى الحزز، والفضاء السعة، فضا يفضو فضواً وفضاء إذا اتسع، ومنه: تمر فضا، مقصور أي مختلط، وقوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قيل في معناه أربعة أقوال: أحدهما - قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، والفراء، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أنه قوله: {أية : فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} تفسير : وقال مجاهد، وابن زيد، هو كلمة نكاح، التي يستحل بها الفرج. الثالث - قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "حديث : أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ". تفسير : الرابع - قال قتادة. كان يقال للناكح في صدر الاسلام الله عليك لتمكن بمعروف أو لتسرحن باحسان، وهذا الكلام وإن كان ظاهره للاستفهام، فالمراد به التوبيخ، والتهديد، كما يقول القائل لغيره: كيف تفعل هذا وأنا غير راض به، على وجه التهدد له.

الجنابذي

تفسير : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ} مائه {إِلَىٰ بَعْضٍ} واستحلّ رحمه بما اعطاه {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} هو الكلمة الّتى جعلها الله ميثاقاً اكيداً بين الأزواج ورتّب عليها احكاماً كثيرةً غليظة هى الاحكام الّتى للزّوج على الزّوجة وللزّوجة على الزّوج.

اطفيش

تفسير : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}؟ الاستفهام للتعجيب، إن تعجبوا إن كنتم عقلاء من أخذكم من أزواجكم ما استحققنه بالدخول، أو للإنكار، أعنى لنفى أن يسوغ ذلك عقلا، أو شرعاً، وذلك يتضمن توبيخاً، وإن جعل للتوبيخ متضمن لذلك، والواو فى {وَقَدْ أَفْضَى} للحال، وصاحبها واو {تَأْخُذُونَه} بخلاف "آتيتم" فإنها تحتمل الحالية، من تاء "أردتم" والعطف على "أردتم" عطف سابق على لاحق، وعلى الحالية يجوز أن تقدر {قد} وألا تقدر، والإفضاء دخوله عليها، كنى به عن الجماع، كما كنى عنه فى آية أخرى بالمس، وفى أخرى بالسر، وذلك قول ابن عباس والسدى ومجاهد والزجاج والشافعى، فمن خلا به حكم عليه بالمهر الكامل، إلا إن صدقته فى أن قال: إنه لم يدخل فلها النصف، ولكن لا تتزوج إلا بالعدة وذكر عن الكلبى والفراء وأبى حنيفة: أن الإفضاء هنا الخلوة بها، ولو بلا جماع وإنها توجب الصداق الكامل، لحديث ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب عليها الصداق"تفسير : ويبحث بأن الدليل أخص لأن فيه التقييد بالكشف والنظر، ولما روى عن عمر وعلى: إن أغلق باباً وأرخى ستراً وجب عليه الصداق، وعليها العدة. ويبحث بأن هذا فى الحكم وأما فيما بينه وبين الله فحتى يدخل، وفروع المسألة فى الفقه وعلى القول الأول يكون الاشتقاق من معنى أفضى: أى صار إلى فضاء الشىء وزوجته، فكذلك هى صار إلى فضائها، أو إلى خلوة فرجها، والفضاء الذى فيه، وكذا على الثانى صار إلى قضاء فيه وحدها أو المراد بالبعض المفضى إلى البعض، الزوج المفضى إلى امرأته والميثاق الغليظ العهد الوثيق، وهو حق الصحبة والممازحة وصف بالغلظة لقوته وعظمته، ولكن أخذ ذلك الميثاق وليس بالنطق، بل لزم بالدخول، وعن مجاهد الميثاق الغليظ عقد النكاح، وعن الحسن: الميثاق الغليظ، قوله تعالى: {أية : فإمساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}تفسير : أى هذا المعنى الواجب المذكور، فى آية البقرة، ولو لم يكن ما نزل فيها عين ما هنا، وقال عكرمة: الميثاق الغليظ، يفسره قول النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عورات عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله"تفسير : وذلك أن التزويج بهن موجب لذلك، ولو لم ينطق به حال التزويج، وقد قال بعض: إن الميثاق الغليظ: تزويج الولى لها على الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وقيل: ألفاظ التزويج، و ما يصح به كولى وشهادة.

اطفيش

تفسير : {وَكَيْفَ تَأخُذُونَهُ وَقَدْ أَمْضَى} وصل {بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} إفضاء أوجب لها الصداق، وهو غيوب الحشفة، وفى الفروع إلحاق مس البدن بالذكر، ومن الفرج باليد، ونظر باطن الفرج، والإفضاء إلى الشىء الوصول إلى فضائه، أى سعته، كنى به عن الجماع، كما كنى عنه بالسر، وبالمس فى غير هذه، وزعم بعض أن الخلوة معها توجب الصداق، ولو لم يجامع، وبحث أن الخلوة لا يستحى من ذكرها، فلو كانت مرادة لذكرت، وإنما يستحى من ذكر الوطء، ومن كونهما فى لحاف، وأجيب بأنه لا نسلم أنه لا يستحى من ذكرها، وسميت إفضاء لأنها توصل إلى الوطء، وقال الكلبى، والفرية، وأبو حنيفة: إذا كان معها فى طاق واحد وجب ولو لم يجامع، وزعموا عن ثوبان عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من كشف خمار امرأة ونظر إليها، أى إلى ما تحت خمارها، وجب الصداقتفسير : ، والمذهب ما ذكرت أولا، وأما قول على وعمر: إذا أغلق باباً وأرخى ستراً وجب عليه الصداق، وعليها العدة، ففى الحكم، فلو أقرب بعدم الجماع لم يجب لها الصداق كاملا، ولو ذهبت إلى حيث لا تُعرَف أن لها زوجاً طلقها قبل المس لم تكون عليها عدة {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} أخذن عنكم ما يقتضى الألفة والمودة، وهذا الإفضاء، فالميثاق ما يوجبه الإفضاء من الألفة مع الإمساك بالمعروف، أو التسريح بالإحسان، ومع ما جاء فى الحديث: من أخذهم إياهن بأمانة الله واستحلال فروجهن بكلمة الله.

الالوسي

تفسير : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} إنكار بعد إنكار، وقد بولغ فيه على ما تقدم في {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ }تفسير : [البقرة: 28]، وقيل: تعجيب منه سبحانه وتعالى أي إن أخذكم له لعجيب {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} كناية عن الجماع على ما روي عن ابن عباس ومجاهد والسدي. وقيل: المراد به الخلوة الصحيحة وإن لم يجامع واختاره الفراء ـ وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ـ وهو أحد قولين للإمامية، وفي «تفسير الكلبـي» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ الإفضاء ـ الحصول معها في لحاف واحد جامعها أو لم يجامعها، ورجح القول الأول بأن الكلام كناية بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها فيما يستحي من ذكره كالجماع، والخلوة لا يستحى من ذكرها فلا تحتاج إلى الكناية، وأيضاً في تعدية الإفضاء بإلى ما يدل على معنى الوصول والاتصال، وذلك أنسب بالجماع، ومن ذهب إلى الثاني قال: إنما سميت الخلوة إفضاءاً لوصول الرجل بها إلى مكان الوطء ولا يسلم أن الخلوة لا يستحى من ذكرها، والجملة حال من فاعل {تَأْخُذُونَهُ} مفيدة لتأكيد النكير وتقرير الاستبعاد أي على أي حال أو في أي [حال]تأخذونه، والحال أنه قد وقع منكم ما وقع {و} قد {أَخَذْنَ مِنكُم مّيثَـٰقاً} أي عهداً {غَلِيظاً} أي شديداً قال قتادة: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ } تفسير : [البقرة: 229] ثم قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح فيقال: الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان، وروي ذلك عن الضحاك ويحيـى بن أبـي كثير وكثير، وعن مجاهد ـ الميثاق الغليظ ـ كلمة النكاح التي استحل بها فروجهن. واستدل بالآية من منع الخلع مطلقاً وقال: إنها ناسخة لآية البقرة، وقال آخر: إنها منسوخة بها، وروي ذلك عن أبـي زيد وقال جماعة: لا ناسخة ولا منسوخة، والحكم الذي فيها هو الأخذ بغير طيب نفس، واستدل بها ـ كما قال ابن الفرس ـ قوم على جواز المغالاة في المهور. وأخرج أبو يعلى عن مسروق أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نهى أن يزاد في الصداق على أربعمائة درهم فاعترضته امرأة من قريش فقالت: أما سمعت ما أنزل الله تعالى {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً}تفسير : [النساء: 20] فقال: اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب المنبر، فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، وطعن الشيعة بهذا الخبر على عمر رضي الله تعالى عنه لجهله بهذه المسألة وإلزام امرأة له وقالوا: إن الجهل مناف للإمامة، وأجيب بأن الآية ليست نصاً في جواز إيتاء القنطار فإنها على حدّ قولك: إن جاءك زيد وقد قتل أخاك فاعف عنه، وهو لا يدل على جواز قتل الأخ سلمنا أنها تدل على جواز إيتائه إلا أنا لا نسلم جواز إيتائه مهراً بل يحتمل أن يكون المراد بذلك إعطاء الحلي وغيره لا بطريق المهر / بل بطريق الهبة، والزوج لا يصح له الرجوع عن هبته لزوجته خصوصاً إذا أوحشها بالفراق، وقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَىٰ} لا يعين كون المؤتى مهراً سلمنا كونه مهراً لكن لا نسلم كون عدم المغالاة أفضل منه. فقد روى ابن حبان في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من خير النساء أيسرهن صداقاً» تفسير : وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عنه صلى الله عليه وسلم «حديث : يمن المرأة تسهيل أمرها في صداقها»تفسير : . وأخرج أحمد والبيهقي مرفوعاً «حديث : أعظم النساء بركة أيسرهن صداقاً»تفسير : ، فنهى أمير المؤمنين عن التغالي يحتمل أنه كان للتيسير وميلاً لما هو الأفضل ورغبة فيما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وعدوله عن ذلك وعدم رده على القرشية كان من باب الترغيب في تتبع معاني القرآن واستنباط الدقائق منه، وفي إظهار الكبير العالم المغلوبية للصغير الجاهل تنشيط للصغير وإدخال للسرور عليه وحث له ولأمثاله على الاشتغال بالعلم وتحصيل ما يغلب به، فقوله رضي الله تعالى عنه: اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر كان من باب هضم النفس والتواضع وحسن الخلق وقد دعاه إليه ما دعاه، ومع هذا لم يأمرهم بالمغالاة بل قصارى أمره أنه رفع النهي عنهم وتركهم واختيارهم بين فاضل ومفضول ولا إثم عليهم في ارتكاب أي الأمرين شاءوا، سلمنا أن هذه المسألة قد غابت عن أفق ذهنه الشريف لكن لا نسلم أن ذلك جهل يضر بمنصب الإمامة فقد وقع لأمير المؤمنين عليّ كرم الله تعالى وجهه مثل ذلك وهو إمام الفريقين، فقد أخرج ابن جرير. وابن عبد البر عن محمد بن كعب قال: سأل رجل علياً كرم الله تعالى وجهه عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس هكذا ولكن كذا وكذا، فقال الأمير: أصبت وأخطأنا {أية : وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 76]، وقد وقع لداود عليه السلام ما قص الله تعالى لنا في كتابه من قوله سبحانه: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ } إلى أن قال عز من قائل: {أية : فَفَهَّمْنَـٰهَا سُلَيْمَـٰنَ }تفسير : [الأنبياء: 78-79] فحيث لم ينقص ذلك من منصب النبوة والخلافة المشار إليها بقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [صۤ: 26] لا ينقص من منصب الإمامة كما لا يخفى، فمن أنصف جعل هذه الواقعة من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه لا من مطاعنه، ولكن لا علاج لداء البغض والعناد {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } تفسير : [الرعد: 33].

د. أسعد حومد

تفسير : {مِّيثَاقاً} (21) - وَيُكَرِّرُ اللهُ تَعَالَى إنْكَارَهُ عَلَى الرِّجَالِ الذِينَ يُفَكِّرُونَ بِأخْذِ شَيءٍ مِمَّا أَعْطَوا النِّسَاءَ مِنْ مُهُورٍ وَصَدَاقٍ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَسْتَسِيغُونَ أَخْذَ شَيءٍ مِمَّا دَفَعْتُمْ إلى نِسَائِكُمْ كُلاًّ أوْ بَعْضاً، بَعَدْ أنْ تَأَكَّدَتِ الرَّابِطَةُ، بَيْنَ الزَّوْجِينِ، بأقْدَسِ رِبَاطٍ حَيَوِي، وَلاَبَسَ كُلٌّ مِنْهُمَا الآخَرَ، وَأفْضَى إليهِ بِالاتِّصَالِ الجَسَدِيِّ، حَتَّى صَارَ أحَدُهُمَا بِمَثَابَةِ الجُزْءِ المُتَمِّمِ لِلآخَرِ، وَأخَذْنَ عَلَيكُمْ عَهْدَ اللهِ عَلَى إمْسَاكِهِنَّ بِمَعْرُوفٍ، أوْ تَسْرِيحِهِنَّ بِإِحْسَانٍ؟! أفْضَى - وَصَلَ بِالوِقَاعِ أوِ الخَلْوَةِ الصَّحِيحَةِ. مِيثَاقاً غَلِيظاً - عَهْداً وَثيقاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فلو أدركتم كل الكيفيات فلن تجدوا كيفية تبرر لكم الأخذ، لماذا؟ لأن الحق قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ..} [النساء: 21] وانظر للتعليل: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 21]. إذن فثمن البُضْع هو الإفضاء، وكلمة {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 21] كلمة من إله؛ لذلك تأخذ كل المعاني التي بين الرجل والمرأة و "أفضى" مأخوذة من "الفضاء" والفضاء هو المكان الواسع، و {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ ..} [النساء: 21] يعني دخلتم مع بعض دخولاً غير مضيق. إذن فالإفضاء معناه: أنكم دخلتم معاً أوسع مدَاخَلة، وحسبك من قمة المداخلة أن عورتها التي تسترها عن أبيها وعن أخيها وحتى عن أمها وأختها تبينها لك، ولا يوجد إفضاء أكثر من هذا، ودخلت معها في الاتصال الواسع، أنفاسك، ملامستك، مباشرتك، معاشرتك، مدخلك، مخرجك، في حمامك، في المطبخ، في كل شيء حدثت إفضاءات، وأنت ما دمت قد أفضيت لها وهي قد أفضت لك كما قال الحق أيضاً في المداخلة الشاملة: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 187]. أي شيء تريد أكثر من هذا!؟ ولذلك عندما تشتد امرأة على زوجها، قد يغضب، ونقول له: يكفيك أن الله أحل لك منها ما حرمه على غيرك، وأعطتك عرضها، فحين تشتد عليك لا تغضب، وتذكَّر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". تفسير : {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] والميثاق هو: العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها: "زوجني" فقال لك: زوجتك، ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها؛ فهذا هو الميثاق الغليظ، أي غير اللين، والله لم يصف به إلاَّ ميثاق النبيين فوصفه بأنه غليظ، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ، ففي هذه الآية {أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ..} [النساء: 21] فهنا إفضاء وفي آية أخرى يكون كل من الزوجين لباساً وستراً للآخر {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 187] لهذا كان الميثاق غليظاً، وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك فائدة من استدامتها فيصح أن تستبدلها، فإن كنت قد أعطيتها قنطاراً إياك أن تأخذ منه شيئاً، لماذا؟ لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، وما دام هذا القنطار هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئاً، فالإفضاء ليس شائعاً في الزمن كي توزعه، لا. والحق يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21] هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع فهو يشرع الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. إذن ففيه فرق بين الحق وما طاب لكم، والأثر يحكي عن القاضي الذي قال لقومه: أنتم اخترتموني لأحكم في النزاع القائم بينكم فماذا تريدون مني؟! أأحكم بالعدل أم بما هو خير من العدل؟ فقالوا له: وهل يوجد خير من العدل؟ قال: نعم، الفضل. فالعدل: أن كل واحد يأخذ حقه، والفضل: أن تتنازل عن حقك وهو يتنازل عن حقه، وتنتهي المسألة، إذن فالفضل أحسن من العدل، والحق سبحانه وتعالى حين يشرع الحقوق يضع الضمانات، ولكنه لا يمنع الفضل بين الناس: فيقول - جل شأنه -: {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237]. ويقول الحق في آية الدَّين: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ ..} تفسير : [البقرة: 282]. ويأمركم الحق أن توثقوا الدَّيْن.. لأنكم لا تحمون مال الدائن فحسب بل تحمون المدين نفسه، لأنه حين يعلم أن الدَّيْن موثق عليه ومكتوب عليه فلن ينكره، لكن لو لم يكن مكتوباً فقد تُحدثه نفسه أن ينكره، إذن فالحق يحمي الدائن والمدين من نفسه قال: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ ..} تفسير : [البقرة: 282]، وقال بعدها: {أية : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} تفسير : [البقرة: 283]. فقد تقول لمَنْ يستدين منك: لا داعي لكتابة إيصال وصكٍّ بيني وبينك، وهذه أريحية لا يمنعها الله فما دام قد أمن بعضكم بعضاً فليستح كل منكم وليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه. وما دام قد جعل للفضل مجالاً مع تسجيل الحقوق فلا تنسوا ذلك. فما بالنا بالميثاق الغليظ بين الرجل والمرأة، وغلظ الميثاق إنما يتأتى بما يتطلبه الميثاق، ولا يوجد ميثاق أغلظ مما أخذه الله من النبيين ومما بين الرجل والمرأة؛ لأنه تعرض لمسألة لا تباح من الزوجة لغير زوجها، ولا من الزوج لغير زوجته. إن على الرجل أن يوفي حق المرأة ولا يصح أن ينقصها شيئاً إلا إذا تنازلت هي. فقد سبق أن قال الحق: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. وما دامت النفس قد طابت، إذن فالرضا بين الطرفين موجود، وذلك استطراق أُنسي بين الرجل والمرأة. فالمهر حقها، ولكن لا يجب أن يقبض بالفعل، فهو في ذمة الزوج، إن شاء أعطاه كله أو أخّره كله أو أعطى بعضه وأخر بعضه. ولكن حين تنفصل الزوجة بعد الدخول يكون لها الحق كاملاً في مهرها، إن كان قد أخره كله فالواجب أن تأخذه، أو تأخذ الباقي لها إن كان قد دفع جزءاً منه كمقدم صداق. ولكن حين تنتقل ملكية المهر إلى الزوجة يفتح الله باب الرضا والتراضي بين الرجل والمرأة فقال: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4] فهو هبة تخرج عن تراضٍ. وذلك مما يؤكد دوام العشرة والألفة والمودة والرحمة بين الزوجين. وبعد ذلك يبقى حكم آخر. هَبّ أن الخلاف استعر بين الرجل والمرأة. حالة تكره هي وتحب أن تخرج منه لا جناح أن تفتدي منه نفسها ببعض المال لأنها كارهة، وما دامت هي كارهة، سيضطر هو إلى أن يبني بزوجة جديدة، إذن فلا مانع أن تختلع المرأة منه بشيء تعطيه للزواج: {أية : فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 229]. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا الدليل على أن حق المرأة يجب أن يحفظ لها، ولذلك جاء بأسلوب تناول مسألة أخذ الزوج لبعض مهر الزوجة في أسلوب التعجب: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [النساء: 21]. فكأن {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ..} [النساء: 21] هذه دليل على أنه لا يوجد وجه من وجوه الحق يبيح لك أن تأخذ منها مهرها، فساعة يستفهم فيقول: "كيف" فهذا تعجب من أن تحدث هذه، وقلنا: إن كل المواثيق بين اثنين لا تعطي إلا حقوقاً دون العرض، ولكن ميثاق الزواج يعطي حقوقاً في العرض، ومن هنا جاء غلظ الميثاق، وكل عهد وميثاق بين اثنين قد ينصب إلى المال، وقد ينصب إلى الخدمة، وقد ينصب إلى أن تعقل عنه الدِّيَة، وقد ينصب إلى أنك تعطية مثلاً المعونة، هذه ألوان من المواثيق إلا مسألة العرض، فمسألة العرض عهد خاص بين الزوجين، ومن هنا جاء الميثاق الغليظ. وبعد ذلك يتناول الحق سبحانه وتعالى قضية يستديم بها طهر الأسرة وعفافها وكرامتها وعزتها، ويبقى لأطراف الأسرة المحبة والمودة فلا يدخل شيء يقضي على هذه المحبة والمودة، ويُدخل نزغ الشيطان فيها. قال الحق سبحانه: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} يعني: المجامعة. {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} [الآية: 21]. قال: يعني كلمة النكاح التي استحل بها الفرج. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا شريك عن سالم الأَفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} [الآية: 24]. قال: هن السبايا التي لهن الأَزواج، فلا بأْس بمجامعتهن إِذا استبرأْن. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا شريك عن عطاءِ بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن المغيرة عن إِبراهيم مثله.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} معناهُ جَامَعَ. وقوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: المِيثَاقُ الغَلِيظُ: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسرِيحٌ بِإِحسانٍ.

همام الصنعاني

تفسير : 543- حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقاً غَلِيظاً}: [الآية: 21]، قال: هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال {أية : فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ}تفسير : : [البقرة: 229]، قال: وقد كان يؤخذ ذلك عند عقدة النكاح.