Verse. 515 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَلَا تَنْكِحُوْا مَا نَكَحَ اٰبَاۗؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاۗءِ اِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ۝۰ۭ اِنَّہٗ كَانَ فَاحِشَۃً وَّمَقْتًا۝۰ۭ وَسَاۗءَ سَبِيْلًا۝۲۲ۧ
Wala tankihoo ma nakaha abaokum mina alnnisai illa ma qad salafa innahu kana fahishatan wamaqtan wasaa sabeelan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا تنكحوا ما» بمعنى من «نكح آباؤكم من النساء إلا» لكن «ما قد سلف» من فعلكم ذلك فانه معفوّ عنه «إنه» أي نكاحهن «كان فاحشة» قبيحا «ومقتا» سببا للمقت من الله وهو أشد البغض «وساء» بئس «سبيلا» طريقا ذلك.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه، وقال الشافعي رحمة الله عليه: لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال: إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه، إنما قلنا: إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230] أضاف هذا النكاح إلى الزوج، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد، لأن الانسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هوالعقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق، الثاني: قوله تعالى: {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } تفسير : [النساء: 6] والمراد من النكاح ههنا الوطء لا العقد، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا. الثالث: قوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} تفسير : [النور: 3] فلو كان المراد ههنا العقد لزم الكذب. الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ناكح اليد ملعون»تفسير : ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء. فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء، فلزم أن يكون قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } أي: ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية، لا يقال: كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد أيضاً بمعنى العقد قال تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 32] {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] {أية : إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 49] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» تفسير : فلم كان حمل اللفظ على الوطء أولى من حمله على العقد؟ أجابوا عنه من ثلاثة أوجه: الأول: ما ذهب اليه الكرخي وهو أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، فكان لفظ النكاح حقيقة في الوطء. ثم إن العقد سمي بهذا الاسم لأن العقد لما كان سبباً له أطلق اسم المسبب على السبب، كما أن العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة فكذا ههنا. واعلم أنه كان مذهب الكرخي أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ومجازه معا، فلا جرم كان يقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء، أما حكم العقد فانه غير مستفاد من هذه الآية، بل من طريق آخر ودليل آخر. الوجه الثاني: أن من الناس من ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميه معا فهذا القائل قال: دلت الآيات المذكورة على أن لفظ النكاح حقيقة في الوطء وفي العقد معا، فكان قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } نهيا عن الوطء وعن العقد معا، حملا للفظ على كلا مفهوميه. الوجه الثالث: في الاستدلال، وهو قول من يقول: اللفظ المشترك لا يجوز استعماله في مفهوميه معا، قالوا: ثبت بالدلائل المذكورة أن لفظ النكاح قد استعمل في القرآن في الوطء تارة وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو معنى الضم حتى يندفع الاشتراك والمجاز، وإذا كان كذلك كان قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } نهيا عن القدر المشترك بين هذين القسمين، والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهيا عن كل واحد من القسمين لا محالة، فان النهي عن التزويج يكون نهيا عن العقد وعن الوطء معا، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا الاستدلال. والجواب عنه من وجوه: الأول: لا نسلم أن اسم النكاح يقع على الوطء، والوجوه التي احتجوا بها على ذلك فهي معارضة بوجوه: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «النكاح سنتي» ولا شك أن الوطء من حيث كونه وطأ ليس سنة له، وإلا لزم أن يكون الوطء بالسفاح سنة له فلما ثبت أن النكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس سنة، ثبت أن النكاح ليس عبارة عن الوطء، كذلك التمسك بقوله: (حديث : تناكحوا تكثروا)تفسير : ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذنا في مطلق الوطء وكذلك التمسك بقوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } تفسير : [النور: 32] وقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3]. لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنا لو قلنا: الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دلائلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى. لأنا نقول: أنتم تساعدون على أن لفظ النكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إن النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها، ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النكاح فيها بمعنى العقد، أما قولنا: ان النكاح فيها بمعنى الوطء فلا يلزمنا التخصيص، فقولكم يوجب المجاز والتخصيص معا، وقولنا يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أولى. الوجه الثاني: من الوجوه الدالة على أن النكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» تفسير : أثبت نفسه مولودا من النكاح وغير مولود من السفاح، وهذا يقتضي أن لا يكون السفاح نكاحا، والسفاح وطء، فهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحا. الوجه الثالث: أنه من حلف في أولاد الزنا: أنهم ليسوا أولاد النكاح لم يحنث، ولو كان الوطء نكاحا لوجب أن يحنث، وهذا دليل ظاهر على أن الوطء ليس مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة. الثاني: سلمنا أن الوطء مسمى بالنكاح، لكن العقد أيضاً مسمى به، فلم كان حمل الآية على ما ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا؟ أما الوجه الأول: وهو الذي ذكره الكرخي فهو في غاية الركاكة، وبيانه من وجهين: الأول: أو الوطء مسبب العقد، فكما يحسن إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا فكذلك يحسن اطلاق اسم السبب على المسبب مجازا. فكما يحتمل أن يقال: النكاح اسم للوطء ثم أطلق هذا الاسم على العقد لكونه سببا للوطء، فكذلك يحتمل أن يقال: النكاح اسم للعقد، ثم أطلق هذا الاسم على الوطء لكون الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أولى من الآخر؟ بل الاحتمال الذي ذكرناه أولى، لأن استلزام السبب للمسبب أتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فانه لا يمتنع أن يكون لحصول الحقيقة الواحدة أسباب كثيرة، كالملك فانه يحصل بالبيع والهبة والوصية والارث، ولا شك أن الملازمة شرط لجواز المجاز، فثبت أن القول بأن اسم النكاح حقيقة في العقد مجاز في الوطء، أولى من عكسه. الوجه الثاني: أن النكاح لو كان حقيقة في الوطء مجازا في العقد، وقد ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معا، فحينئذ يلزم أن لا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كان قد التزمه الكرخي لكنه مدفوع بالدليل القاطع، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية هو أنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أن سبب نزول الآية لا بد وأن يكون داخلا تحت الآية، بل اختلفوا في أن غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ وأما كون سبب النزول داخلا فيها فذاك مجمع عليه بين الأمة، فاذا ثبت باجماع المفسرين، أن سبب نزول هذه الآية هو العقد لا الوطء، وثبت باجماع المسلمين أن سبب النزول لا بد وأن يكون مراداً، ثبت بالاجماع أن النهي عن العقد مراد من هذه الآية، فكان قول الكرخي واقعا على مضادة هذا الدليل القاطع، فكان فاسداً مردودا قطعا. أما الوجه الثاني: مما ذكروه وهو أنا نحمل لفظ النكاح على مفهوميه، فنقول: هذا أيضا باطل، وقد بينا وجه بطلانه في أصول الفقه. وأما الوجه الثالث: فهو أحسن الوجوه المذكورة في هذا الباب، وهو أيضاً ضعيف لأن الضم الحاصل في الوطء عبارة عن تجاور الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك لأن الايجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضم والتلاقي والتجاور فيها محال، وإذا كان كذلك ثبت أنه ليس بين الوطء وبين العقد مفهوم مشترك حتى يقال: إن لفظ النكاح حقيقة فيه، فاذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: لفظ النكاح مشترك بين الوطء وبين العقد، ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، وحينئذ يرجع الكلام إلى الوجهين الأولين، فهذا هو الكلام الملخص في هذا. الوجه الثاني: في الجواب عن هذا الاستدلال أن نقول: سلمنا أن النكاح بمعنى الوطء، ولكن لم قلتم: إن قوله: {مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } المراد منه المنكوحة، والدليل عليه إجماعهم على أن لفظه «ما» حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه ههنا المنكوحة لزم هذا المجاز، وإنه خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن «ما» مع بعدها في تقدير المصدر، فتقدير الآية: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، وعلى هذا يكون المراد منه النهي عن أن تنكحوا نكاحا مثل نكاح آبائكم، فان أنكحتهم كانت بغير ولي ولا شهود، وكانت موقتة، وكانت على سبيل القهر والالجاء، فالله تعالى نهاهم بهذه الآية عن مثل هذه الأنكحة، وهذا الوجه منقول عن محمد بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية. الوجه الثالث: في الجواب عن هذا الاستدلال: سلمنا أن المراد من قوله: {مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا من نكح آباؤكم ولكن قوله: من نكح آباؤكم ليس صريحا في العموم بدليل أنه يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه، فيقال: ولا تنكحوا كل ما نكح آباؤكم ولا تنكحوا بعض من نكح آباؤكم، ولو كان هذا صريحا في العموم لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصا، ومعلوم أنه ليس كذلك، فثبت أن قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } لا يفيد العموم، وإذا لم يفد العموم لم يتناول محل النزاع. لا يقال: لو لم يفد العموم لم يكن صرفه إلى بعض الأقسام أولى من صرفه الى الباقي، فحينئذ يصير مجملا غير مفيد، والأصل أن لا يكون كذلك. لأنا نقول: لا نسلم أن بتقدير أن لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزوله إنما هو التزوج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير لا يلزم كون الآية مجملة، ولا يلزم كونها متناولة لمحل النزاع. الوجه الرابع: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النزاع، لكن لم قلتم: إنه يفيد التحريم؟ أليس أن كثيرا من أقسام النهي لا يفيد التحريم، بل يفيد التنزيه، فلم قلتم: إنه ليس الأمر كذلك؟ أقصى ما في الباب أن يقال: هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إليه إذا دل الدليل، وسنذكر دلائل صحة هذا النكاح إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: أن ما ذكرتم هب أنه يدل على فساد هذا النكاح، إلا أن ههنا ما يدل على صحة هذا النكاح وهو من وجوه: الحجة الأولى: هذا النكاح منعقد فوجب أن يكون صحيحا، بيان أنه منعقد أنه عند أبي حنيفة رضي الله عنه منهي عنه بهذه الآية، ومن مذهبه أن النهي عن الشيء يدل على كونه في نفسه منعقدا وهذا هو أصل مذهبه في مسألة البيع الفاسد وصوم يوم النحر، فيلزم من مجموع هاتين المقدمتين أن يكون هذا النكاح منعقدا على أصل أبي حنيفة، وإذا ثبت القول بالانعقاد في هذه الصورة وجب القول بالصحة لأنه لا قائل بالفرق. فهذا وجه حسن من طريق الالزام عليهم في صحة هذا النكاح. الحجة الثانية: عموم قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ }تفسير : [البقرة: 221] نهى عن نكاح المشركات ومد النهي إلى غاية وهي إيمانهن، والحكم الممدود إلى غاية ينتهي عند حصول تلك الغاية، فوجب أن ينتهي المنع من نكاحهن عند إيمانهن، وإذا انتهى المنع حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز نكاحهن على الاطلاق، ولا شك أنه يدخل في هذا العموم مزنية الأب وغيرها، أقصى ما في الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في مواضع يبقى حجة في غير محل التخصيص. وكذلك نستدل بجميع العمومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأيَـٰمَىٰ } تفسير : [النور: 32] وقوله: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وأيضا نتمسك بقوله تعالى:{أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } تفسير : [النساء: 24] وليس لأحد أن يقول: إن قوله: {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } وذلك لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وأقرب المذكورات اليه هو من قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] فكان قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } عائدا اليه، ولا يدخل فيه قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } وأيضاً نتمسك بعمومات الأحاديث كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا جاءكم من ترضون دينه فزوجوه» تفسير : وقوله: «حديث : زوجوا بناتكم الاكفاء» تفسير : فكل هذه العمومات يتناول: محل النزاع. واعلم أنا بينا في أصول الفقه أن الترجيح بكثرة الأدلة جائز، وإذا كان كذلك فنقول بتقدير أن يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فلو حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلا مجاز واحد، وبتقدير أن نحمل تلك الآية على حرمة النكاح يلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة فكان الترجيح من جانبنا بسبب كثرة الدلائل. الحجة الثالثة: الحديث المشهور في المسألة وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الحرام لا يحرم الحلال» تفسير : أقصى ما في الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز من الماء فههنا الحرام حرم الحلال، وإذا اختلطت المنكوحة بالاجنبيات واشتبهت بهن، فههنا الحرام حرم الحلال، إلا أنا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، ولا يمنع من الاستدلال به. الحجة الرابعة: من جهة القياس أن نقول: المقتضى لجواز النكاح قائم، والفارق بين محل الاجماع وبين محل النزاع ظاهر، فوجب القول بالجواز، أما المقتضى فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النسوان عند حصول الشرائط المتفق عليها، بجامع ما في النكاح من المصالح، وأما الفارق فهو أن هذه المحرمية إنما حكم الشرع بثبوتها، سعيا في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح ومعلوم أن هذا لا يليق بالزنا. بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة، فلو لم يدخل على المرأة أب الرجل وابنه. ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح ولو أذنا في هذا الدخول ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد عين البعض إلى البعض وحصل الميل والرغبة وعند حصول التزوج بأمها أو ابنتها تحصل النفرة الشديدة بينهن، لأن صدور الايذاء عن الأقارب أقوى وقعا وأشد إيلاما وتأثيرا، وعند حصول النفرة الشديدة يحصل التطليق والفراق، أما إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فبقي النكاح بين الزوجين سليما عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشرع بهذه المحرمية، السعي في تقرير الاتصال الحاصل بين الزوجين، وإذا كان المقصود من شرع المحرمية ابقاء ذلك الاتصال، فمعلوم أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فيتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وأما الاتصال الحاصل عند الزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب حكم الشرع باثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول مناسب في الفرق بين البابين، وهذا هو من قول الامام الشافعي رضي الله عنه عند مناظرته في هذه المسألة محمد بن الحسن حيث قال: وطء حمدت به، ووطء رجمت به، فكيف يشتبهان؟ ولنكتف بهذا القدر من الكلام في هذه المسألة. واعلم أن السبب في ذكر هذا الاستقصاء ههنا أن أبا بكر الرازي طول في هذه المسألة في تصنيفه، وما كان ذلك التطويل إلا تطويلا في الكلمات المختلطة والوجوه الفاسدة الركيكة، ثم إنه لما آل الأمر إلى المكالمة مع الامام الشافعي أساء في الأدب وتعدى طوره، وخاض في السفاهة وتعامى عن تقرير دلائله وتغافل عن إيراد حججه، ثم انه بعد أن كتب الأوراق الكثيرة في الترهات التي لا نفع لمذهبه منها ولا مضرة على خصومه بسببها، أظهر القدح الشديد والتصلف العظيم في كثرة علوم أصحابه وقلة علوم من يخالفهم، ولو كان من أهل التحصيل لبكى على نفسه من تلك الكلمات التي حاولت نصرة قوله بها، ولتعلم الدلائل ممن كان أهلا لمعرفتها، ومن نظر في كتابنا ونظر في كتابه وأنصف علم أنا أخذنا منه خرزة، ثم جعلناها لؤلؤة من شدة التخليص والتقرير ثم أجبنا عنه بأجوبة مستقيمة على قوانين الأصول، منطبقة على قواعد الفقه، ونسأل الله حسن الخاتمة ودوام التوفيق والنصرة. المسألة الثالثة: ذكر المفسرون في قوله: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } وجوها: الأول: وهو أحسنها: ما ذكره السيد صاحب حل المقل فقال: هذا استثناء على طريق المعنى لأن قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } قبل نزول آية التحريم فانه معفو عنه، الثاني: قال صاحب «الكشاف»: هذا كما استثنى «غير أن سيوفهم» من قوله: (وَلاَ عيب فِيهِمْ) يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فانه لا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه وسد الطريق إلى إباحته، كما يقال: حتى يبيض القار، وحتى يلج الجمل في سم الخياط. الثالث: أن هذا استثناء منقطع لأنه لا يجوز استثناء الماضي من المستقبل، والمعنى: لكن ما قد سلف فان الله تجاوز عنه. والرابع: «إلا» ههنا بمعنى بعد، كقوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأولى. الخامس: قال بعضهم: معناه إلا ما قد سلف فانكم مقرون عليه، قالوا: إنه عليه الصلاة والسلام أقرهم عليهن مدة ثم أمر بمفارقتهن. وإنما فعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، وقيل: إن هذا خطأ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما أقر أحدا على نكاح امرأة أبيه، / وإن كان في الجاهلية. روى البراء: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بردة الى رجل عرس بامرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله. المسألة الرابعة: الضمير في قوله تعالى: {أَنَّهُ } إلى ماذا يعود؟ فيه وجهان: الأول: أنه راجع إلى هذا النكاح قبل النهي، أعلم الله تعالى أن هذا الذي حرمه عليهم كان لم يزل منكرا في قلوبهم ممقوتا عندهم، وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه: مقتى، وذلك لأن زوجة الأب تشبه الأم، وكان نكاح الأمهات من أقبح الأشياء عند العرب، فلما كان هذا النكاح يشبه ذلك، لا جرم كان مستقبحا عندهم، فبين الله تعالى أن هذا النكاح أبدا كان ممقوتا وقبيحا، الثاني: أن هذا الضمير راجع إلى هذا النكاح بعد النهي، فبين الله تعالى أنه كان فاحشة في الاسلام ومقتا عند الله، وإنما قال: {كَانَ } لبيان أنه كان في حكم الله وفي علمه موصوفا بهذا الوصف. المسألة الخامسة: أنه تعالى وصفه بأمور ثلاثة: أولها: أنه فاحشة، وإنما وصف هذا النكاح بأنه فاحشة لما بينا أن زوجة الأب تشبه الأم فكانت مباشرتها من أفحش الفواحش، وثانيها: المقت: وهو عبارة عن بغض مقرون باستحقار، حصل ذلك بسبب أمر قبيح ارتكبه صاحبه، وهو من الله في حق العبد يدل على غاية الخزي والخسار. وثالثها: قوله: {وَسَاء سَبِيلاً } قال الليث: «ساء» فعل لازم وفاعله مضمر و«سبيلا» منصوب تفسيرا لذلك الفاعل، كما قال: {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69] واعلم أن مراتب القبح ثلاثة: القبح في العقول، وفي الشرائع وفي العادات، فقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } إشارة إلى القبح العقلي، وقوله: {وَمَقْتاً } إشارة إلى القبح الشرعي، وقوله: {وَسَاء سَبِيلاً } إشارة إلى القبح، في العرف والعادة، ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح والله أعلم. النوع السادس: من التكاليف المتعلقة بالنساء المذكورة في هذه الآيات.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} يُقال: كان الناس يتزوّجون ٱمرأة الأبِ برضاها بعد نزول قوله تعالىٰ: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} حتى نزلت هذه الآية: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} فصار حراماً في الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوّج، فإن كان الأب تزوج ٱمرأة أو وطئها بغير نكاح حرّمت على ٱبنه؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {مَا نَكَحَ} قيل: المراد بها النساء. وقيل: العقد، أي نكاح آبائكم الفاسد المخالف لدين الله؛ إذ الله قد أحكم وجه النكاح وفصّل شروطه. وهو اختيار الطبري. فـ «مِنْ» متعلقة بـ «ـتَنْكِحُوا» و {مَا نَكَحَ} مصدر. قال: ولو كان معناه ولا تنكحوا النساء اللآتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع «ما» «من». فالنهي على هذا إنما وقع على ألاّ ينكحوا مثل نكاح آبائهم الفاسد. والأوّل أصح، وتكون «ما» بمعنى «الذي» و «من». والدليل عليه أن الصحابة تلقّت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. وقد كان في العرب قبائل قد ٱعتادت أن يخلف ٱبن الرجل على ٱمرأة أبيه، وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترىٰ أن عمرو بن أُمية خلف على ٱمرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافراً وأبا مُعيط، وكان لها من أُمية أبو العِيصِ وغيره؛ فكان بنو أُمية إخوة مُسَافِر وأبي مُعِيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أُمية بن خَلَف تزوّج بعد أبيه ٱمرأته فاخِتَة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أُمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زَبّان خلف على مُلَيْكَةَ بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زَبَّان بن سَيّار. ومن ذلك حِصْن بن أبي قيس تزوّج ٱمرأة أبيه كُبَيْشَة بنت مَعْن. والأسود بن خلف تزوّج ٱمرأة أبيه. وقال الأشعث بن سَوّار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ٱبنه قيس ٱمرأة أبيه فقالت: إني أعدّك ولداً، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره؛ فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. وقد كان في العرب من تزوّج ٱبنته، وهو حاجب بن زُرَارَة تمَجَّس وفعل هذه الفعلة؛ ذكر ذلك النضر ابن شُمَيْل في كتاب المثالب. فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السيرة. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي تقدّم ومضى. والسلف: من تقدّم من آبائك وذوي قرابتك. وهذا استثناء منقطع، أي لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه. وقيل: «إلاَّ» بمعنى بَعْدُ، أي بعدما سلف؛ كما قال تعالىٰ: { أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] أي بعد الموتة الأُولى. وقيل: {إِلاَّ ۤمَا قَدْ سَلَفَ} أي ولا ما سلف؛ كقوله تعالىٰ: { أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } تفسير : [النساء: 92] يعني ولا خطأ. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، معناه: ولا تنكِحوا ما نكح آباؤكم مِن النساء إنه كان فاحِشة ومقتاً وساء سبيلاً إلاَّ ما قد سلف. وقيل: في الآية إضمار لقوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلاَّ ما قد سلف. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية. قال أبو العباس: سألت ٱبن الأعرابيّ عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوّج الرجل ٱمرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها؛ ويُقال لهذا الرجل: الضّيْزَن. وقال ٱبن عرفة: كانت العرب إذا تزوّج الرجل ٱمرأة أبيه فأولدها قيل للولد: المقتِيّ. وأصل المقت البغض؛ من مَقَتَه يَمْقُتُه مَقْتاً فهو مَمْقُوتٌ وَمَقِيتٌ. فكانت العرب تقول للرجل من ٱمرأة أبيه: مَقِيتٌ؛ فسمي تعالى هذا النكاح «مقتاً» إذ هو ذا مقتٍ يلحق فاعله. وقيل: المراد بالآية النهي عن أن يطأ الرجل ٱمرأةً وطئها الآباء، إلاَّ ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنى بالنساء لا على وجه المناكحة فإنه جائز لكم زواجهنّ. وأن تطئوا بعقد النكاح ما وطئه آباؤكم من الزنى؛ قاله ٱبن زيد. وعليه فيكون الاستثناء متصلاً، ويكون أصلاً في أن الزنى لا يحرِّم على ما يأتي بيانه. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا } بمعنى (من) {نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ } لكن {مَا قَدْ سَلَفَ } من فعلكم ذلك فإنه معفوّ عنه {إِنَّهُ } أي نكاحهنّ {كَانَ فَاحِشَةً } قبيحاً {وَمَقْتاً } سبباً للمقت من الله وهو أشدّ البغض {وَسَاءَ } بئس {سَبِيلاً } طريقاً ذلك.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية مخاطبة للمؤمنين من العرب في مدة نزول الآية ومعنى الآية: والتحريم الذي بعدها مستقر على المؤمنين أجمع، وسبب الآية: أن العرب كان منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل على امرأة ابيه، على ما ذكرناه من أمر أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ومن ذلك خبر أبي قيس بن الأسلت، ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف، تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكانت امرأة أبيه قتل عنها، ومن ذلك منظور بن زيان، خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت عند أبيه زيان بن سيار، إلى كثير من هذا، وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك النضر بن شميل في كتاب المثالب: فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السير، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية في ذلك, واختلف المتأولون في مقتضى ألفاظ الآية، فقالت فرقة: قوله: {ما نكح} يراد به النساء. أي لا تنكحوا النساء اللواتي نكح آباؤكم، وقوله: {إلا ما قد سلف} معناه: لكن ما قد سلف فدعوه، وقال بعضهم المعنى لكن ما قد سلف فهو معفو عنكم لمن كان واقعه، فكأنه قال تعالى ولا تفعلوا حاشا ما قد سلف، فـ {ما} على هذا القول واقعة على من يعقل من حيث هؤلاء النساء صنف من أصناف من يعقل، وما تقع للأصناف والأوصاف ممن يعقل، وقالت فرقة: قوله: {ما نكح} يراد به فعل الآباء، أي لا تنكحوا كما نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة، وقوله: {إلا ما قد سلف} معناه إلا ما تقدم منكم ووقع من تلك العقود الفاسدة فمباحة لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذا كان مما يقرر الإسلام عليه من جهة القرابة، ويجوزه الشرع أن لو ابتدىء نكاحه في الإسلام على سنته، وقيل: معنى {إلا ما قد سلف} أي فهو معفو عنكم. قال القاضي أبو محمد: و {ما} على هذا مصدرية، وفي قراءة أبيّ بن كعب "إلا ما قد سلف إلا من تاب". قال القاضي أبو محمد: وكذلك حكاه أبو عمرو الداني، وقال ابن زيد: معنىالآية: النهي عن أن يطأ الرجل امرأة وطئها الاباء، "إلا ما قد سلف" من الآباء في الجاهلية من الزنا، لا على وجه المناكحة، فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام، لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتاً، قال ابن زيد: فزاد في هذه الآية المقت، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل، فهي عليك حرام و {كان} في هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك أبو ابنك دخل أو لم وذلك خطأ يرد عليه وجود الخبر منصوباً، والمقت: البغض والاحتقار بسبب رذيلة يفعلها الممقوت، فسمى تعالى هذا النكاح {مقتاً} إذ هو ذا مقت يلحق فاعله، وقال أبو عبيدة وغيره: كانت العرب تسمي الولد الذي يجيء من زوج الوالد المقتي، وقوله: {وساء سبيلاً} أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى عذاب الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} كانوا يخلفون الآباء على النساء فحرمه الإسلام، وعفا عما كان منهم في الجاهلية إذا اجتنبوه في الإسلام، أو لا تنكحوا كنكاح آبائكم في الجاهلية على الوجه الفاسد إلا ما سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه إذا كان مما يجوز تقريره، أو لا تنكحوا ما نكح آباؤكم بالنكاح الجائز إلا ما سلف منهم بالسفاح فإنهن حلال لكم لأنهن غير حلائل وإنما كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا، أو إلا ما قد سلف فاتركوه فإنكم مؤاخذون به، والاستثناء منقطع، أو بمعنى "لكن" {وَمَقْتًا} المقت شدة البغض لارتكاب قبيح، وكان يقال للولد من زوجة الأب "المقتي".

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}: سبب الآيةِ ما ٱعتادَتْه بعضُ قبائلِ العَرَبِ أنْ يَخْلُفَ ابنُ الرَّجُلِ على امرأةِ أَبِيهِ، وقد كان في العَرَب من تَزَوَّجَ ٱبْنَتَهُ، وهو حَاجِبُ بْنُ زُرارة. واختلف في مقتضَىٰ ألفاظ الآية. فقالَتْ فرقةٌ: قوله: {مَا نَكَحَ}، يريد: النساءَ، أي: لا تنكحوا النساءَ اللواتي نكَحَ آباؤكم، وقوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، معناه: ولكنْ ما قَدْ سَلَفَ، فَدَعُوهُ، وقال بعضهم: المعنَىٰ: لكنْ ما قد سَلَفَ، فهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَنْ كان واقَعَهُ، فكأنه قال: ولا تفعلوا، حَاشَا ما قد سَلَفَ، وقالتْ فرقة: معناه: لا تَنْكِحُوا كَمَا نَكَح آباؤكم مِنْ عقودهم الفاسدةِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ منْكم مِنْ تلك العقودِ الفاسدةِ، فمباحٌ لكم الإقامةُ علَيْه في الإسلامِ، إذا كان ممَّا يقرِّر الإسلامُ عَلَيْه، وقيل: إلا ما قد سَلَفَ، فهو معفوٌّ عنكم، وقال ابن زَيْدٍ: معنى الآية: النهْيُ عن أَنْ يطاء الرجُلُ امرأةً وطئها الأبُ، إلاَّ ما سَلَفَ من الآباءِ في الجاهليَّة مِنَ الزِّنا بالنساءِ، لا علَىٰ وجه المُنَاكَحَةِ، فذلك جائزٌ لكُمْ؛ لأنَّ ذلك الزنَا كَانَ فاحشةً، والمَقْتُ: البُغْض والاحتقارُ، بسبب رذيلة يفعلها الممقُوتُ، {وَسَاءَ سَبِيلاً}: أي: بئْسَ الطريقُ والمنهجُ لِمَنْ يسلكه؛ إذ عاقبته إلَىٰ عذاب اللَّه. قال * ص *: «سَاءَ» للمبالغةِ فِي الذمِّ؛ كـ «بِئْسَ»، وسَبِيلاً: تفسيرُهُ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: سبيلُ هذا النكاحِ؛ كقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلشَّرَابُ} تفسير : [الكهف: 29]، أي: ذلِكَ الماءُ انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} إلى قوله: [سَبِيلاً]. قال الأشعث بن سَوّار توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت إنِّي أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس وجمهور المفسرين: كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا بهذه الآية عن [ذلك. قوله "ما نكح" في "ما" هذه قولان]: أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل كما تقدم في قوله {أية : مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] هذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء فأما من يجيز ذلك فيقول: إنها واقعة موقع من فـ "ما" مفعول به بقوله "ولا تنكحوا" والتقدير: ولا تتزوّجُوا من تزوج آباؤكم. والثاني: أنَّها مصدريّة أي: ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الّذي كان من الجاهليَّة وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري وقال: ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع "ما" "من" انتهى. وتبين كونه حراماً، أو فاسداً من قوله {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً}. قوله: {مِّنَ ٱلنِّسَآء}. تقدم نظيره أول السورة. فصل [حكم نكاح مزنية الأب] قال أبو حنيفة وأحمد: يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه وقال الشافعي: لا يحرم، واحتج الأولون بهذه الآية، لأنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه: أحدها: قوله تعالى {أية : فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230] فأضاف النّكاح إلى الزّوج، والنّكاح المضاف إلى الزّوج هو الوطء لا العقد؛ لأن الإنسان لا يتزوج من [زوجة] نفسه؛ لأن ذلك في تحصيل الحاصل؛ ولأنَّهُ لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء؛ لأنه لا قائل بالفرق. وثانيها: قوله {أية : وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ} تفسير : [النساء: 6] والمراد به الوطء لا العقد؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة. وثالثها: قوله: {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} تفسير : [النور:3] ولو كان المراد العقد لزم الكذب. ورابعها: قوله عليه [الصلاة] والسلام "حديث : ناكح اليد ملعون" تفسير : وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أنَّ النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن يكون المراد من قوله "ما نكح آباؤكم" أي: وطئن آباؤكم، فيدخل فيه المنكوحة والمَزْنِيُّ بها. فإن قيل قد ورد أيضاً لفظ "النكاح" بمعنى العقد، قال تعالى {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]. إذا نكحتم المؤمنات. وقال عليه [الصلاة] والسلام: "حديث : ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح" تفسير : فلم كان حمل اللفظ على الوطء أوْلَى من حمله على العقد؟ فالجواب أن لفظ "النكاح" حقيقة في الوطء مجاز في العقد. لأنَّ لفظ النكاح في أصْلِ اللغة عبارة عن الضَّمِّ، ومعنى حاصل في الوطء لا في العقد، فكان حقيقة في الوطء وإنَّمَا سُمِّيَ العقد بهذا الاسم؛ لأنه سبب الوطء، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أنَّ العقيقة: اسم للشِّعْرِ الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تُسَمَّى الشاة التي تذبح عند خلق ذلك الشِّعْر عقيقة [فكذا هاهنا. هذا على قول من يقول: لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته] ومجازه فلا جرم نقول: المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أمَّا حكم العقد فَإنَّهُ يستفاد من دليل آخر، فأمَّا [مَنْ] ذهب إلى اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميْه معاً، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح حقيقة الوطء، وفي العقد معاً، فكان قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} نهي عن الوطء وعن العقد معاً حملاً للفظ على مفهوميه ولو سلمنا أنَّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهومَيْه معاًً، لكن ثبت بالدلائل المذكورة أنَّ لفظ النكاح قد استُعمِلَ في الوطء تارةً، وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراكِ والمجاز خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو معنى الضمّ حتَّى يندفع الاشتراك والمجاز، فإذا كان كذلك كان قوله: {ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء} نهياً عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عند القدر المشترك بين القسمين يكون نهياً عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإنّ النهي عن التزويج يكون نهياً عن العقد، وعن الوطء معاً، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج بوجوه: الأوَّل: لا نسلم أنَّ النكاح يقع على الوطء، والوجوه الَّتي احتجوا بها معارضة بوجوه: الأول: قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : النِّكَاحُ سُنَّتِي" تفسير : ولا شك أنَّ الْوَطْءَ من حيث كونه وَطْئاً ليس سنة [له] وإلا لزم أنْ يكون الوطء بالسفاح سُنَّةًَ فلما ثبت أنَّ النِّكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس بسنة ثبت أنَّ النكاحَ ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا" تفسير : ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذناً في مطلق الوطء، وكذا التمسك بقوله {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3]. لا يقال: لما وقع التعارض بين هذه الدّلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنَّا لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى. لأنَّا نقول: أنْتُم تساعدونا على أنَّ لَفْظَ النِّكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا: إنَّ النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النِّكَاح فيها بمعنى الوطء ولا يلزمنا التخصيص فقولكم: يوجب المجاز والتخصيص معاً وقولنا: يوجب المجاز فقط، فكان قولنا أوْلَى. الوجه الثَّاني من الوجوه الدَّالة على أنَّ النِّكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه [الصلاة] والسلام "حديث : وُلْدتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولد مِنْ سِفَاحٍ" تفسير : وهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحاً. الوجه الثالث: من حلف في أولاد الزنا أنهم ليسوا أولاد نكاح لَمْ يَحْنَثْ، ولو كان الوطء نكاحاً لوجب أن يحنث. سلمنا أنَّ الوطء يسمى نكاحاً لكن العقد أيضاً يسمى نكاحاً فلم كان حمل الآية على ما [ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا]. وأمَّا قولهم إنَّ الوطء مسبب للعقد، فكما يحسن إطلاق المسبب مجازاً, فكذا يحتمل أن يُقَالَ النِّكاح اسم للعقد ثم أُطْلِقَ هذا الاسم على الوطء لِكَوْنِ الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أوْلَى من الآخر، بل ما ذكرناه أولى؛ لأن استلزام السبب للمسبب أولى وأتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فإنَّهُ لا يمنع حصول الحقيقة الواحدة بأسباب كثيرة كالمِلْك، فَإنَّهُ يحصل بالبيع والهبة والوصية والإرث، ولا شك أنَّ الملازمة شرط لجواز المجاز، فَثَبَتَ أنَّ القول بأنَّ اسم النِّكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أولى من عكسه. والوجه الثاني: أنَّهُ ثبت في أُصول الفِقْهِ أنَّهُ يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معاً فحينئذ يلزم ألا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كانوا قد التزموه لكنه مدفوع بإجماع المفسرين على سبب نُزُولِ هذه الآية هو أنَّهُم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أنَّ سبب نزول تلك الآية لا بد وَأنْ يكون داخلاً [تحت الآية، بل اختلفوا في أنَّ غيره هل يدخل تحت الآية أم لا؟ فَأمَّا أنَّ سبب النُّزول يكون] داخلاً فيها فذلك مجمع عليه، وإذَا ثبت أنَّ سبب النزول لا بدّ وأن يكون مراداً ثبت بالإجماع أنَّ النهي عن العقد مراد من هذه الآية فيكون قولهم مضاد للدليل القاطع، فيكون مردوداً. وَأمَّا استدلالهم بالضم فضعيف؛ لأنَّ الضم الحاصل في الوطء عبارة عن اتحاد الأجسام وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك؛ لأنَّ الإيجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضمّ والتّلاقي والتّجاور فيها محال، وَإذَا كان كذلك فليس بين الوطء والعقد مفهوم مشترك حتى [يقال إنَّ لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أنْ يُقَالَ لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد] ويقال: إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ويرجع الكلام إلى الوجهين الأوَّلين. الوجهُ الثالث: سلمنا أنَّ النِّكاح بمعنى الوطءِ ولكن لم قلتم إن قوله {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} المراد منه المنكوحة بل المراد منه المصدر لإجماعهم على أنَّ لفظ "ما" حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه المنكوحة لزم هذا المجاز، وهو خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن ما "ما" مع ما بعدها في تقدير المصدر فتقدير الآية: {ولا تنكحوا نكاح آبائكم}، ويكونُ المرادُ منه النَّهي على أن ينكحوا نكاحاً مثل نكاح آبائهم فإن أنكحتم كانت بغير وَلي ولا شهود، وكانت مُؤقتة، وكان على سبيل القهر والإلجاء، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن مثل هذه الأنكحة بهذه الآيةِ؛ وهذا الوجه مَنْقُولٌ عن ابن جَرِيرٍ وغيره كما تقدَّمَ. الوجه الرابع: سَلَّمْنَا أنَّ المراد المنكوحة، والتقدير: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم، ولكن قوله {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} ليس صريحاً في العموم بدليل أنَّهُ يصحُّ إدخال لفظ الكلِّ في البعض عليه، فيقالُ: ولا تنكحُوا بعض ما نكح آباؤكم، [ولو كان هذا صريحاً في العموم لكان إدْخَالُ لفظ الكلِّ عليه تكراراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً، ومعلوم أنَّهُ ليس كذلك، وإذَا ثبت أنه لا يفيد العموم لم يتناول محل النزاع، لا يقال: لو لم يفد يصير مجملاً غير مفيد والأصل ألا يكون كذلك؛ لأنا نقول: لا نُسَلِّمُ أن التقدير لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أنَّ سبب نزوله إنما هو التزوّج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير يزول الإجمال]. الوجهُ الخامس: سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النِّزاع لكن لم قُلْتُمْ: إنَّهُ يفيد التحريم، أليس أن كثيراً من أقسام النَّهي لا يُفِيدُ التَّحْريم، بل يفيدُ التنزيه، أقصى ما في البَاب أن يقال: هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إذا دلّ الدّليل على صحّة [هذا] النكاح [وسنذكره. الوجه السادس: هب أن ما ذكرتم يدل على فساد هذا النكاح] إلا أن ههنا ما يدلُّ على صحَّة هذا النكاح وهو من وجوه: الأوَّلُ: هذا النِّكاح منعقد؛ فوجب أن يكون صحيحاً، بيان أنَّهُ منعقد لأنَّهُ منهي عنه بهذه الآية، ومذهب أبي حَنِيفَةَ أنَّ النَّهْيَ عن الشَّيء يَدُلُّ على كونه في نفسه منعقداً، وهذا أصْلُ مذهبه في مَسْأَلَةِ البيع الفَاسِدِ وصوم يوم النَّحْرِ، فيلزمُ من مجموع هاتين المُقَدِّمَتَيْنِ، أن يكون هذا النِّكاح منعقداً على أصل أبي حنيفة، وإذا كان منعقداً في هذه الصُّورة؛ وَجَبَ القولُ بالصِّحَّة؛ لأنَّهُ لا قائل بالفَرْقِ. وثانيها: [أنَّ] قوله {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ} تفسير : [البقرة: 221] وهذا نهي إلى غاية إيمانِهنَّ والحكمُ المدود إلى غاية ينتهي عند حُصُولِ تلك الغاية، وإذا انتهى [المنع] حصل الجواز، فهذا يقتضي جواز إنكاحهن على الإطلاق، ويدخل في هذا العموم مزنيّة الأب وغيرها، أقصى ما في هذا الباب أنَّ هذا العموم خُصَّ في مواضع، فَيَبْقَى حجة في غير محل التخصيص، ولذلك يستدل بجميع المعلومات الواردة في باب النكاح كقوله تعالى: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] وقوله {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] وكذلك قوله: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] وليس لأحد أن يقول إن قوله {أية : مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء: 24] ضمير عائد إلى المذكور السابق، ومن جملة المذكور السابق قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات إليه هو قوله: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23] وكان قوله {أية : مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} تفسير : [النساء:24] عائداً إليه، ولا يدخل فيه قوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وكذلك عموم الأحاديث كقوله عليه السلام "حديث : إذَا جَاءَكُم مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ فَزَوِّجُوهُ" تفسير : وقوله " حديث : زوجوا بناتكم [الأكفاء] " تفسير : وهذه العمومات تتناول محل النزاع، والترجيح يكون بكثرة الأدلة، وبتقدير أنْ يثبت لهم أن النكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فيكون حملنا الآية على العقد لم يلزمنا إلاَّ مجاز واحد، وبتقدير أن تحمل تلك الآية على حرمة الوطء تلزمنا هذه التخصيصات الكثيرة، فكان الترجيح من جانبنا لكثرة الدلائل. وثالثها: الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام "حديث : الحرام لا يحرم الحلال" تفسير : أقصى ما في هذا الباب أن يقال: إن قطرة من الخمر إذا وقعت في كوز ماء، فههنا الحرام حرّم الحلال، [وإذا اختلطت المنكوحة بالأجنبيات واشتبهت بهن فههنا الحرام حرم الحلال] إلا أنَّا نقول: دخول التخصيص فيه في بعض الصور، ولا يمنع من الاستدلال به. ورابعها: أن يقول: المقتضي لجواز النِّكاح قائم، والفَارِقُ بَيْن مَحَلِّ الإجماع وبين مَحَلِّ النَّزاع ظاهر؛ فَوَجَبَ القولُ بالجوازِ أمَّا المقتضي فهو أن يقيس نكاح هذه المرأة على نكاح سائر النّسوان عند حُصُولِ الشَّرائط المتفق عليها؛ بجامع ما في النِّكاح مِنَ المصالح، وأمَّا الفارق: فهو أنَّ هذه الحرمة إنَّمَا حكم الشَّارع بثبوتها سعياً في إبقاء الوصلة الحاصلة بسبب النكاح، ومعلوم أنَّ هذا لا يليق بالزِّنَا. بيان المقام الأول: من تزوج بامرأة فلم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنه، ولم تدخل على الرجل أم المرأة وبنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة في البيت، ولتعطل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو أذنَّا في هذا الدخول، ولم نحكم بالمحرمية فربما امتد على البعض إلى البعض، وحصل الميل والرغبة، وعند حصول التزوج بأمها وابنتها تحصل النفرةَ الشديدة بينهن؛ لأنَّ صدور الإيذاء عن الأقارب أقوى وقعاً، وأشد إيلاماً وتأثيراً، وعند حصول النفرة الشَّديدة يحصل التَّطْلِيقُ والفراق، أمَّا إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر فيبقى النكاح بين الزّوجين سليماً عن هذه المفسدة، فثبت أن المقصود من حكم الشّرع بهذه المحرمية السعي في تقريرِ الاتصال الحاصل بين الزّوجين، وإذَا كان المقصود من المحرميّة إبقاء ذلك الاتِّصال، فمعلوم أن الاتصال الحاصل عند النكاح مطلوب البقاء، فناسب حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية [وأما الاتصال الحاصل بالزنا فهو غير مطلوب البقاء، فلم يتناسب] حكم الشرع بإثبات هذه المحرمية، وهذا وجه مقبول. قوله {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} في هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ الماضي لا يجامع الاستقبال، والمعنى أنَّهُ لما حَرَّم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم [من النّساء] تطرق الوهم إلى ما مضى في الجاهِلِيَّةِ ما حكمه؟ فقيل: إلاَّ ما قد سَلَفَ، فلا إثْمَ عَلَيْهِ. وقال ابْنُ زَيْدٍ في معنى ذلك أيضاً: إنَّ المُرَادَ بالنِّكَاحِ العقدُ بالنِّكَاحِ العقدُ الصَّحِيحُ، وحَمَلَ {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} على ما كان يتعاطَاهُ بعضهم من الزِّنَا [فقال: إلا ما سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا] بالنِّسَاءِ، فَذَلِكَ جائز لكم زواجكم في الإسْلام، وكأنَّهُ قيل: ولا تَعْقِدُوا عَلَى مَنْ عقد آباؤكم عليه إلاَّ ما قد سَلَفَ من زَنَاهُم، فَإنَّهُ يجوز لكم أن تَتَزَوَّجُوهُمْ، فهو استثناءٌ منقطعٌ أيضاً. والثاني: أنَّهُ استثناءٌ مُتَّصِلٌ وفيه معنيان: أحدهما: أن يحمل النِّكَاح على الوَطْءِ، والمعنى: أنَّهُ نهى أنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأةً وَطَئَهَا أبُوه، إلا ما قد سَلَفَ من الأبِ في الجاهليَّةِ من الزِّنَا بالمرأةِ، فإنَّهُ يجوز للابن تزويجها نُقِلَ هذا المَعْنَى عن ابن زَيْدٍ أيضاً إلاّ أنَّهُ لا بدّ من التّخصيص [أيضاً] في شيئين: أحدهُمَا: قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} أي: ولا تَطَئُوا وطئاً مباحاً بالتَّزويج. والثَّاني: التَّخْصيصُ في قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} بوطء الزِّنَا وإلا فَالوَطْءُ فيما قَدْ سَلَفَ قد يكون [وَطْئاً] غير زنا، وقد يكون زنا فيصير التقدير: ولا تطئوا ما وطئ آباؤكم وَطْئاً مباحاً بالتزويج إلاَّ من كان وطؤها فيما مضى وطء زنا في الجاهليَّةِ. والمعنى الثَّاني: ولا تَنْكِحُوا مِثْلَ نكاح آبائكم في الجاهلَّيةِ إلاَّ ما تَقَدَّمَ منكم من تلك العُقُودِ الفَاسِدَةِ فَيُبَاحُ لكم الإقامة عليها في الإسْلاَمِ، إذا كان ممّا يقرر الإسلام عليه، وهذا على رَأي من يَجْعَل "ما" مصدريّة، وقد تَقَدَّمَ مثلَ ذلك. وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: كيف استثنى {مَا قَدْ سَلَفَ} مما نكح آباؤكم؟ قلت: كما استثنى "غير أن سيوفهم" من قوله "ولا عيب فيهم" يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرضُ المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته كما تَعَلَّقَ بالمحال في التأبيد في نحو قولهم: "حتى يبيضّ القار" و {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40] انتهى. أشار رحمهُ اللَّهُ إلى بيت النَّابِغَةِ في قوله: [الطويل] شعر : 1772- وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ تفسير : يعني إن وجد فيهم عيباً فهو هذا، وهذا لا يعدّه أحد عيباً فانتفى العَيْبُ عَنْهُمْ بدليل، ولكن هذا الاستثناء على هذا المعنى الَّذي أباه الزَّمَخْشَرِيُّ، من قبيل المنقطع، أو المتصل؟ والحقُّ أنَّهُ متصل لأن المعنى: ولا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [إلا] اللاتي مضين وفنين، وهذا محالٌ، وكونه محالاً لا يخرجه عن الاتِّصال، وأمَّا البيتُ ففيه نَظَرٌ؛ والظَّاهِرُ أنَّ الاستثناء فيه متصل أيضاً لأنه جعل العيب شاملاً لقوله: "غير أن سيوفهم [بهن فلول من قراع]" بالمعنى الَّذي أراده وللبحث فيه مجال، فتلخَّص مِمَّا تَقَدَّمَ أنَّ المراد بالنِّكَاحِ في هذه الآيةِ العقدُ الصَّحِيحُ، أو الفاسد أو الوطء، أو يرادُ بالأوَّلِ العقد، وبالثَّانِي الوَطْءُ وقد تَقَدَّمَ الكَلاَمُ على ذلك في البَقَرَةِ. وزعمَ بعضهم أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً، والأصل: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف"، وهذا فاسدٌ من حيث الإعراب ومن حيث المعنى، أمَّا الأوَّلُ فلأنَّ ما في حيز "إن" لا يتقدَّمُ عليها، وأيضاً فالمستثنى يتقدَّمُ على الجملة الَّتي هو من متعلِّقاتها سواءً كان متصلاً أو منقطعاً وإن كان في هذا خلاف ضعيف. وأمَّا الثَّاني فلأنَّهُ أخْبَرَ أنه فاحشة ومقت في الزَّمان الماضي [بقوله "كان"، فلا يصحُّ أن يستثنى منه الماضي؛ إذ يصيرُ المعنى هو فاحشة في الزّمان الماضي] إلا ما وقع منه في الزَّمَان الماضي فليس بفاحشة. وقيل: إن "إلا" هاهنا بمعنى "بَعْدَ" كقوله تعالى {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ وَوَقَاهُمْ} تفسير : [الدخان: 56] أيْ بعد المَوْتَةِ الأوَلى وقيل {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} قيل نزول آية التحرير وقيل {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فإنكم مقرون عليه، قالوا: لأنَّهُ عليه السَّلاَمُ أقَرَّ بما عليهنَّ مدة ثم أمر بمفارقتهن وإنَّمَا فعل ذلك ليكون إخراجهم عن العادة الرَّديئة على سبيل التَّدرُّجِ. وقيل: إنَّ هذا خطأ؛ لأنَّهُ عليه السَّلامُ ما أقَرَّ أحداً على نكاح امرأة أبيه، وَإنْ كان في الجاهليَّةِ، لما روى البراء بنُ عَازِبٍ قال: مَرَّ بِي خَالِي أبُو بُرْدَة [ابن نيار] ومعه لواء قلت أيْنَ تَذْهَبُ؟ قال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوَّجَ امرأة أبيه مِنْ بعده آتيه برأسه وآخذ ماله. فصل قال القُرْطُبِيُّ، وقد كان في العَرَبِ قبائل [قد اعتادت] أنْ يخلف [ابن] الرَّجُل على امرأةِ أبيه، وكانت هذه السِّيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التَّراضي، ألا ترى أنَّ عمرو بْنَ أميَّة خلف على امرأة أبيهِ بعد موته فولدت له مسافراً وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره؛ فكان بنو أمية إخوة [مُسَافِر وأبي مُعيْط] وأعمامها، وأيضاً صفوان بن أميَّةَ تزوَّج بعد أبيه امرأته، فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسَد، وكان أميّة قتل عنها ومن ذلك منظور بن زبَّان خلف على مُلَيْكة بِنْتِ خَارِجَةَ، وكان تحت أبيه زبَّان بن سيار ومن ذلك حِصْن بن أبِي قَيْسٍ تزوَّجَ امرأة أبيه [كُبَيْشَة] بنت مَعْن، والأسود بن خلف تزوَّج امرأة أبيه. قوله: {إِنَّهُ} إن هذا الضمير يعود على النِّكَاح المفهوم من قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ} ويجوز أن يعود على الزِّنَا إذا أُرِيدَ بقوله {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} من الزِّنَا و "كان" هنا تدلُّ على الماضي فقط؛ لأنَّ معناها هنا: لم يزل، أي في حكم اللَّهِ وعلمه موصوفاً بهذا الوصف، وهذا المعنى هو الذي حَمَلَ المبرد على قوله: "إنها زائدة"، وردَّ عليه [أبُو حَيَّان] بوجود الخبر والزَّائدة لا خبر لها، وكأنه يعني بزيادتها ما ذكرناه من قوله لا تَدُلُّ على الماضي فَقَطْ، فَعَبَّر عن ذلك بالزِّيَادَةِ. فصل وصف تعالى هذا النِّكَاحَ بأمُورٍ ثَلاَثَةٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ فاحشةٌ، والفَاحِشَةُ أقبحُ المعاصي، وذلك أنَّ زوجة [الأب] تشبه الأمّ، فكان مباشرتها من أفْحَشِ الفواحش لأنَّ نكاح الأمّهات من أقبح الأشْيَاءِ عند العَرَب قال أبُو العبَّاس سألت ابن الأعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن يتزوج الرَّجل امرأة أبيه إذا طلَّقها أو مات عنها ويقال لهذا الرَّجُل: الضَّيْزَن وقال ابْنُ عَرَفَة: كانت العرب إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ امرأة أبيه فأولدها، قيل للولد: المقتِيّ. والثَّاني: المَقْتُ هو بغضٌ مقرون باستحقار، فهو أخصُّ منه، وهو من اللَّه تعالى في حقِّ العبد يدلُّ على غاية الخزْي والخَسَارِ، وكان لذلك أخص قبل النَّهْي منكراً في قلوبهم، ممقوتاً عندهم، وكانت العَرَبُ تقولُ لولد الرَّجُلِ من امرأة أبيه: "مقيتٌ" وكان منهم الأشْعَثُ بنُ قَيْسٍ، أبو معيط بن أبي عمرو بن أميةَ. والثَّالِثُ: قوله: {وَسَآءَ سَبِيلاً} وأعلم أنَّ مراتب القبح ثَلاثَة: الْقُبْحُ العَقْلِيُّ، والقبح الشَّرْعِيُّ، والقبح العَادِيُّ، فقوله: "فاحشة" إشارة إلى القُبْحِ العقلي، وقوله {وَمَقْتاً} إشارةً إلى القبح الشَّرْعي، وقوله {وَسَآءَ سَبِيلاً} إشارةً إلى القبح في العرف والعادةِ، ومن اجتمع فيه هذه الوجوه فقد بلغ الغاية في القبح. قوله {وَسَآءَ سَبِيلاً} في "ساء" قولان: أحدهما: أنها جارية مجرى بئس في الذَّمِّ والعمل، ففيها ضمير مبهم يفسِّره ما بعده وهو {سَبِيلاً} والمخصوص بالذَّمِّ محذوف تقديره "وساء سبيل هذا النكاح" كقوله: "بئس الشراب" أي: ذلك الماء. قال الَّليْثُ: "ساء" فعل لازم وفاعله [مضمر، و] "سبيلاً" منصوب تفسيراً لذلك الفاعل المحذوف كما قال {أية : وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً } تفسير : [النساء: 69]. الثاني: أنَّهَا لا تجري مجرى بِئْسَ في العمل، بل هي كسائر الأفعال، فيكونُ فيها ضمير يعودُ على ما عاد الضَّمِيرُ في {إِنَّهُ}؛ و{سَبِيلاً} على كلا التَّقْدِيرَيْنِ تمييز وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محل لها من الإعراب بل هي مُسْتَأنَفَةٌ ويكون الوقف على قوله: ومقتاً، ثم يستأنف {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي: وساء هذا السَّبِيلُ من نكاح مَنْ نكحهن من الآباء. والثاني: أن يكون معطوفاً على خبر كان، على أنَّه يجعل محكياً بقول مضمر، ذلك القول هو المعطوف على الخبر، والتقدير: ومقولاً فيه {وَسَآءَ سَبِيلاً} فهكذا قدَّرَهُ أبُو البَقَاءِ. ولقائل أن يقول يجوز أنْ يكون عطفاً على خبر كان من غير إضمار قول؛ لأنَّ هذه الجملةَ في قوة المفردِ، ألا ترى أنه يقع خبراً بنفسه، بِقَوْلِ: زيد سَاءَ رَجُلاً، فغاية ما في البَابِ أنَّكَ أتيتَ بِأخبَارٍ كان أحدُهَا مفرد والآخر جملة، اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقالَ: إنَّ هذه الجملة إنشائِيَّة، والإنشائيَّة لا تقع خبراً لـ "كان" فاحتاج إلى إضمار القول، وفيه بحث.

البقاعي

تفسير : ولما كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقاً مفهوماً، وكان قد تقدم الإذن في نكاح ما طاب من النساء، وكان الطيب شرعاً قد يحمل على الحل؛ مست الحاجة إلى ما يحل منهن لذلك وما يحرم فقال: {ولا تنكحوا} أي تتزوجوا وتجامعوا {ما نكح} أي بمجرد العقد في الحرة، وبالوطء في ملك اليمين {آبآؤكم} وبين {ما} بقوله: {من النساء} أي سواء كانت إماء أو لا، بنكاح أو ملك يمين، وعبر بما دون "من" لما في النساء غالباً من السفه المدني لما لا يعقل. ولما نهى عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه فلاح أنه في غاية القباحة وأن الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء فيها من عقل ولا مروة، وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه - كما وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر؛ أتبعه الاستثناء من لازم الحكم وهو: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال: {إلا ما قد سلف} أي لكم من فعل ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي رحمه الله في الأم، قال السهيلي في روضه: وكان ذلك مباحاً في الجاهلية لشرع متقدم، ولم يكن من الحرمات التي انتهكوها. ثم علل النهي بقوله: {إنه} اي هذا النكاح {كان} أي الآن وما بعده كوناً راسخاً {فاحشة} أي والفاحشة لا يقدم عليها تام العقل {ومقتاً} أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة آبائكم {وساء سبيلاً *} أي قبح طريقاً طريقه. ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على العموم ثنى بخصوص الأم بقوله: {حرمت عليكم} ولما كان أعظم مقصود من النساء النكاح، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه، وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل على أن المراد النكاح؛ أسند التحريم إلى الذات تأكيداً للتحريم فقال: {أمهاتكم} أي التمتع بهن بنكاح أو ملك يمين، فكان تحريمها مذكوراً مرتين تأكيداً له وتغليظاً لأمره في نفسه واحتراماً للأب وتعظيماً لقدره {وبناتكم} أي وإن سفلن لما في ذلك من ضرار أمهاتهن، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من الأديان {وأخواتكم} أي أشقاء أو لا {وعمّاتكم} كذلك {وخالاتكم} أيضاً، والضابط لهما أن كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك، وقد تكون من جهة الأم وهي أخت أبي أمك؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك {وبنات الأخ} شقيقاً كان أو لا {وبنات الأخت} أي كذلك، وفروعهن وإن سفلن. ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية: أوله أزواج الآباء، أفردها وقدمها تعظيماً لحرمتها، لما كانوا استهانوا من ذلك، وآخره المحصنات، وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم فقال: {وأمهاتكم اللاَّتي أرضعنكم} تنزيلاً له منزلة النسب، ولذلك سماها أمّاً، فكل أنثى انتسب باللبن إليها فهي أمك، وهي من أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلاً أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده، وكل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلاً أرضعك فهي أمك من الرضاعة والمراضعة أختك، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك، وأخته عمتك، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده إخوة الأب، وأم المرضعة جدتك، وأختها خالتك، وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب وأم، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم، فعلى ذلك ينزل قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} كما في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي الحولين، وبتسمية المرضعة أمّاً والمشاركة في الرضاع أختاً عُلِم أن الرضاع كالنسب. كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "تفسير : فالصورتان منبهتان على بقية السبع؛ الأم منبهة على البنت بجامع الولادة، والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع الأخوة. ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال: {وأمهات نسائكم} أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين غالباً {وربائبكم} وذكر سبب الحرمة فقال: {اللاَّتي في حجوركم} أي بالفعل أو بالقوة - لما فيهن من شبه الأولاد {من نسائكم} ولما كانت الإضافة تسوغ في اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول لأنه ممكن لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال: {اللاَّتي دخلتم بهن} قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها. ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيهاً على عظيم حرمة الإرضاع فقال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن} أي الأمهات {فلا جناح عليكم} أي في نكاحهن؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة الأب ختمها بزوجة الولد فقال: {وحلائل أبنائكم} أي زوجة كانت أو موطوءة بملك يمين؛ ولما لم يكن المتبنى مراداً قيد بقوله: {الذين من أصلابكم} أي وإن سفلوا، ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد. ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال: {وأن} أي وحرم عليكم أن {تجمعوا} بعقد نكاح لأن مقصوده الوطء، أو بوطء في ملك يمين {بين الأختين} فإن كانت إحداهما منكوحة والأخرى مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل، لأن النكاح أقوى، فإذا زال الحل حلت الأخرة ولو في عدة التي كانت حلالاً. ولما كان الجمع بين الأختين شرعاً قديماً قال: {إلا ما قد سلف} أي فإنه لا إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم، ثم علل رفع حرجه فقال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {كان غفوراً} أي ساتراً لما يريد من أعيان الزلل وآثاره {رحيماً *} أي معاملاً بغاية الإكرام الذي ترضاه الإلهية.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه عن عدي بن ثابت الأنصاري قال‏ ‏"حديث : ‏توفي أبو قيس بن الأسلت وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت‏:‏ إنما أعدك ولداً وأنت من صالحي قومك ولكن آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره‏.‏ فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ إن أبا قيس توفي فقال لها‏: خيراً‏.‏ قالت: وإن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعدُّه ولدا فما ترى‏؟‏ قال‏:‏ ارجعي إلى بيتك‏. فنزلت هذه الآية ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏} " تفسير : ‏ قال‏:‏ البيهقي مرسل‏.‏ قلت‏:‏ فمن رواية ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار‏‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على أم عبيد بنت ضمرة، كانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية. وفي منظور بن رباب، وكان خلف على مليكة ابنة خارجة، وكانت عند أبيه رباب بن سيار‏.‏ وأخرج البيهقي في سننه عن مقاتل بن حيان قال‏:‏ كان إذا توفي الرجل في الجاهلية عمد حميم الميت إلى امرأته فألقى عليها ثوباً فيرث نكاحها، فلما توفي أبو قيس بن الأسلت عمد ابنه قيس إلى امرأة أبيه فتزوّجها ولم يدخل بها‏.‏ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فأنزل الله في قيس ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف‏} ‏ قبل التحريم، حتى ذكر تحريم الأمهات والبنات حتى ذكر ‏ {‏وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف‏} ‏ قبل التحريم ‏{أية : ‏إن الله كان غفوراً رحيما‏ً}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 23‏]‏ فيما مضى قبل التحريم‏.‏ وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏‏كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها، أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء‏.‏ فـ ‏"حديث : لما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً‏.‏ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له فقال‏:‏ ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا‏ً. فنزلت ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية.‏ ونزلت {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها‏ً} [‏النساء: 19‏] ‏"‏‏.‏ تفسير : ‏‏وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏‏.‏ ‏{‏أية : وأن تجمعوا بين الأختين‏}‏ تفسير : ‏[‏النساء: 23‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏} ‏ يقول‏:‏ كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم يدخل بها فهي عليك حرام‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء بن أبي رباح‏:‏ الرجل ينكح المرأة ثم لا يراها حتى يطلقها أتحل لابنه‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ هي مرسلة، قال الله ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏} ‏ قلت لعطاء‏:‏ ما قوله ‏ {‏إلا ما قد سلف‏}؟‏ قال‏:‏ كان الأبناء ينكحون نساء آبائهم في الجاهلية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏} ‏ قال‏:‏ هو أن يملك عقدة النكاح وليس بالدخول‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي مريم عن مشيخة قال‏:‏ لا ينكح الرجل امرأة جده أبي أمه لأنه من الآباء يقول الله ‏ {‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ‏ {‏إلا ما قد سلف‏} ‏ إلا ما كان في الجاهلية‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله ‏ {‏إلا ما قد سلف‏} ‏ قال‏:‏ كان الرجل في الجاهلية ينكح امرأة أبيه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب. أنه كان يقرؤها ‏"‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا من قد سلف‏"‏ إلا من مات‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح ‏ {‏إنه كان فاحشة ومقتا‏ً}‏ قال‏:‏ يمقت الله عليه ‏ {‏وساء سبيلاً‏} ‏ قال‏:‏ طريقاً لمن عمل به‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء قال‏:‏ لقيت خالي ومعه الراية قلت‏:‏ أين تريد‏؟‏ قال‏:‏ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله‏.

القشيري

تفسير : تشير الآية إلى حفظ الذمام، والوقوف على حدّ الاحترام، فإن السَّجيَّةَ تتداخلها الأَنَفةُ من أن ينكح فِراشَه غيرُه، فنهى الأبناء عن تخطي حقوق الآباء في استفراش منكوحة الأب.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} ذكر ما دون من لانه اريد به الصفة. وقوله من النساء بيان لما نكح واسم الآباء ينتظم الاجداد مجازا كان اهل الجاهلية يتزوجون بازواج آبائهم فنهوا عن ذلك اى لا تنكحوا التى نكحها آباؤكم {الا ما قد سلف} استثناء مما نكح مفيد للمبالغة فى التحريم باخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال اى لا تنكحوا حلائل آبائكم الا من ماتت منهن والمقصود سد طريق الاباحة بالكلية ونظيره قوله تعالى {أية : حتى يلج الجمل فى سم الخياط} تفسير : [الأعراف: 40]. {انه} اى نكاحهن {كان فاحشة} اى فعلة قبيحة ومعصية شديدة عند الله ما رخص فيه لأمة من الأمم {ومقتا} ممقوتا عند ذوى المروآت والمقت اشد البغض {وساء سبيلا} نصب على التمييز اى بئس السبيل سبيل من يراه ويفعله فانه يؤدى صاحبه الى النار. قيل مراتب القبح ثلاث. القبح العقلى واليه اشير بقوله {انه كان فاحشة}. والقبح الشرعى واليه اشير بقوله {مقتا}. والقبح العادى واليه الاشارة بقوله {وساء سبيلا} ومتى اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ اقصى مراتب القبح. والاشارة فى الآية ان الآباء هى العلويات والامهات هى السفليات وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما ففى قوله تعالى {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} اشارة الى نهى التعلق والتصرف فى السفليات التى هى الامهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية {الا ما قد سلف} من التدبير الآلهى فى ازدواج الارواح والاشباح فالحاجات الضرورية للانسان مسيسة به {انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} يعنى التصرف فى السفليات والتعلق بها والركون اليها مما يلوث الجوهر الروحانى بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلى الطبع بعيدا عن الحضرة محبا للدنيا ناسيا للرب ممقوتا للحق وساء سبيلا الى الهداية بالضلالة: قال حافظ شعر : غلام همت آنم كه زير جرخ كبود زهرجه رنك تعلق بذيرد آزاداست تفسير : قال مولانا الجامى شعر : اى كه درشرع خداوندان حال ميكنى ازسنت وفرضم سؤال سنت آمد دل زدنيا تافتن فرض راه قرب مولا يافتن تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان اقرب الناس مجلسا الى الله يوم القيامة من طال حزنه وجوعه فى الدنيا افترش الناس الفراش وافترش الارض فالراغب من رغب فى مثل ما رغبوا والخاسر من خالفهم اكلوا الشعير ولبسوا الخرق وخرجوا من الدنيا سالمين ".تفسير : قال مولانا جلال الدين شعر : هركه محجوبست اوخود كودكيست مرد آن باشدكه بيرون از شكيست اى خنك آنكه جهادى ميكند بر بدن زجرى ودادى ميكند اى بساكارا كه اول صعب كشت بعد ازان بكشاده شد سختى كذشت اندرين ره مى تراش و مى خراش تا دمى آخر دمى فارغ مباش تفسير : قال ابو على الدقاق رحمه الله من زين ظاهره بالمجاهدة حسن الله سريرته بالمشاهدة قال الله تعالى {أية : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : [العنكبوت: 69]. واعلم ان من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة. قال ابو الحسن الوراق كان اجل احكامنا فى مبادى امرنا فى مسجد ابى عثمان الايثار حتى يفتح علينا وان لا نبيت على معلوم ومن استقبلنا بمكروه لا ننتقم لانفسنا بل نعتذر اليه ونتواضع له واذا وقع فى قلوبنا حقارة لأحد قمنا فى خدمته والاحسان اليه حتى يزول. قال ابو حفص ما اسرع هلاك من لا يعرف عيبه فان المعاصى بريد الكفر شعر : عيب رندان مكن اى زاهد باكيزه سرشت كه كناه دكران برتونخواهند نوشت من اكرنيكم وكربدتو برخود را باش هركسى آن درود عاقبت كاركه كشت

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أوقع {ما} على ما يعقل لقلة عقل النساء، كما تقدم، أو مصدرية، والاستثناء منقطع أو متصل على وجه المبالغه في التحريم، أي لا تنكحوا ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف لآبائكم إن قدرتم عليه، فهو كقول الشاعر: شعر : لا عَيْبَ فِيِهمْ غيَر أَنَّ سُيُوفَهُم بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: ولا تتزوجوا ما تزوج به {آباؤكم من النساء} بالعقد في الحرائر والوطء في الإماء، {إلا ما قد سلف} فإن الله قد عفا عنكم بعد فسخه وردَّه، {إنه كان فاحشة} عظيمة عند الله، ما أحله لأحد من الأمم قبلكم، {ومقتًا} أي: ممقوتًا فاعله عند الله عند ذوي المروءات من عباد الله، وكان يسمى ولد الرجل من امرأة أبيه مَقيتًا ومقتيًا. {وساء سبيلاً}، وبئس طريقًا لمن يريد أن يسلكه بعد التحريم. فالمراد بالنكاح في الآية: العقد، فعلى هذا لا تحرم المرأة على الولد إذا زنا بها أبوه على المشهور، قال في الرسالة: ولا يحرم بالزنا حلال. هـ. الإشارة: ما جرى في آباء البشرية يجري في آباء الروحانية من طريق الأدب لا من طريق الشرع، فلا ينبغي للمريد أن يتزوج بامرأة شيخه، مات عنها أو طلقها، فإن ذلك قبيح ومقت عند أرباب الأدب، وأما بنت الشيخ فإن قدر على القيام بتعظيمها فلا بأس، وقد تزوج سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن السلامة في الترك أكثر. وهنا إشارة أخرى أرق، وهي أن يشير بالنساء إلى الأحوال، فلا ينبغي للفقير أن يتعاطى أحوال الشيخ، ويفعل مثله. فإن الشيخ في مقام وهو في مقام، فإذا رجع الشيخ إلى الأسباب وتعاطى العلويات، فلا يقتدى به. إلا أن يدرك مقامه، وكان شيخ شيخنا يقول: (لا تقتدوا بالأشياخ في أفعالهم، وإنما اقتدوا بهم في أقوالهم، فإن أقوالهم لكم ولهم، وأفعالهم خاصة بهم). إلا ما قد سلف لهم من الأحوال في حال سيرهم، فخذوها وسيروا من حيث ساروا، حتى تدركوا ما أدركوا، وافعلوا ما شئتم. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وعكرمة: إنه حرّم عليهم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الأب. والثاني - أن يكون {ما نكح} بمنزلة المصدر، والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي مثل نكاح آبائكم، فعلى هذا يدخل فيه النهي عن حلائل الاباء، وكل نكاح كان لهم فاسداً، وهو اختيار الطبري وقال: إن هذا الوجه أجود، لأنه لو أراد حلائل الآباء لقال: لا تنكحوا من نكح آباؤكم، وهذا ليس بطعن، لأنه ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لا تأخذ ما أخذ أبوك من الاماء، فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره. بـ (من). وقوله: {إلا ما قد سلف} معنى إلا لكن، وكذلك كل استثناء منقطع، كقول القائل: لا تبع من متاعي إلا ما بعت، أي لكن ما بعت فلا جناح عليك فيه، وقيل في معنى الآية قولان: أحدهما - {إلا ما قد سلف} فانكم لا تؤخذون به. الثاني - حكاه بعضهم: {إلا ما قد سلف} فدعوه، فهو جائز لكم، قال البلخي: وهذا لا يجوز بالاجماع. والهاء في قوله: {إنه كان فاحشة} يحتمل أن تكون عائدة إلى النكاح بعد النهي، ويحتمل أن تكون عائدة على النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية قبل، ولا يكون ذلك إلا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه، من جهة الرسل، فالأول اختاره الجبائي، وهو الأقوى، وتكون {إلا ما قد سلف} فالسلامة منه الاقلاع عنه بالتوبة والانابة، قال البلخي: وليس كل نكاح حرمه الله زنا، لأن الزنا هو فعل مخصوص، لا يجري على طريقة لازمة، وسنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية: أولاد زنا، ولا لأولاد أهل الذمة والمعاهدين: أولاد زنا، إذا كان ذلك عقداً بينهم يتعارفونه. اللغة، والاعراب، والمعنى والمقت، هو بغض عن أمر قبيح ركبه صاحبه، وهو مقيت، وقد مقت إلى الناس مقاتة، ومقته الناس مقتاً، فهو ممقوت. وقيل إن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمي المقتي، قال المبرد: كان زائدة، والتقدير: إنه فاحشة. وقال الزجاج: هذا ليس بصحيح، لأنها لو كانت زائدة لم تعمل، كما قال الشاعر: شعر : فكيف إذاحللت ديار قوم وجيران لنا كانوا كرام تفسير : لما كانت زائدة لم تعمل في الخبر. قال الرماني: هي كقوله {وكان الله غفوراً رحيماً} فدخلت كان لتدل على أنه قبل تلك الحال كذا، وقال الجبائي: معناه أنه كان فيما مضى أيضاً فاحشة ومقتا، وكان قد قامت الحجة عليهم بذلك. وكل من عقد عليها الأب من النساء تحرم على الابن، دخل بها الأب، أو لم يدخل، بلا خلاف، فان دخل بها الأب على وجه السفاح فهل تحرم على الابن ففيه خلاف، وعموم الآية يقضي بأنها تحرم عليه، لأن النكاح يعبر به عن الوطي، كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما، وامرأة الأب وإن علا تحرم على الابن وإن نزل، بلا خلاف. وقوله: {وساء سبيلاً} أي قبح ذلك السبيل الذى سلكوه سبيلا، وهونصب على التمييز.

الجنابذي

تفسير : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وان علوا فتستحقّوا عليه العقوبة {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فانّه لا عقوبة عليه وذكر من النّساء بيان لا تقييدٌ {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} لانّ ذوى مروّاتهم كانوا يسمّونه نكاح المقت والولد منه المقتّى {وَسَآءَ سَبِيلاً} فانّه سبيل اهل الجهل ويؤدّى الى النّار فى العاقبة ولم يجعلها الله تعالى فى عداد المحرّمات الآتية فانّه حيث قال: {أية : حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} تفسير : [النساء: 23] ينبغى ان يقول وحلائل آبائكم لانّ نكاح سائر المحرّمات لم يكن شائعاً بينهم كشيوعه فكان توكيد تحريمه وافراده بالذّكر مطلوباً لشيوعه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي إلا ما قد مضى قبل التحريم. {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} أي وبغضاً من الله {وَسَاءَ سَبِيلاً} أي: بئس المسلك. إذا تزوَّجَ الرجل المرأة لم تحل لابنه إذا طلّقها الأب، أو مات عنها، دخل بها أو لم يدخل بها. والجد كذلك، والجد أب الأم كذلك. وإذا وطىء الرجل أمته أو أمة غيره، أو حرة، أو جرّدها، أو مسّ منها شيئاً بشهوة لم تحل لأبيه ولا لابنه. قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}. والجدات كلهن مثل الأم، وأم أب الأم من حيث ما ولدته فهي أم. قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} وبنات الابن وبنات الابنة وأسفل من ذلك من حيث ما ولدها فهي ابنته. قوله: {وَأَخَوَاتُكُمْ} إن كانت لأبيه وأمّه، أو لأبيه، أو لأمه، فهي أخت. قوله: {وَعَمَّاتُكُمْ} فإن كانت عمته أو عمة أبيه أو عمة أمه وما فوق ذلك فهي عمة. قوله: {وَخَالاَتُكُمْ} فإن كانت خالته أو خالة أمه أو خالة أبيه وما فوق ذلك فهي خالة. قوله: {وَبَنَاتُ الأَخِ} فإن كانت ابنة أخيه أو ابنة ابن أخيه لأبيه وأمه، أو لأبيه أو لأمه، أو ابنة ابنة أخيه وما أسفل من ذلك، فهي بنت أخ. قوله: {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} إن كانت ابنة أخته أو ابنة ابن أخته أو ابنة ابنة أخته وأسفل من ذلك فهي ابنة أخت. قوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}. يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. فلا تحل له أمه من الرضاعة ولا ما فوقها من الأمّهات، ولا أخته من الرضاعة، ولا عمته من الرضاعة، ولا عمة أبيه من الرضاعة، ولا عمة أمه من الرضاعة، ولا ما فوق ذلك. ولا خالته من الرضاعة، ولا خالة أبيه من الرضاعة، ولا خالة أمه من الرضاعة، ولا ما فوق ذلك. ولا ابنة أخيه من الرضاعة، ولا ابنة ابن أخيه من الرضاعة، ولا ابنة أخته من الرضاعة ولا ابنة ابن أخته، ولا ابنة ابنة أخته من الرضاعة، ولا ما أسفل من ذلك. وإذا ارضعت المرأة غلاماً لم يتزوّج ذلك الغلام شيئاً من بناتها. لا ما قد وُلد معه ولا قبل ذلك ولا بعده. ويتزوَّج إخوتُه من بناتها إن شاءوا. وكذلك إذا أرضعت جاريةً لم يتزوج تلك الجاريةَ أحدٌ من أولادها. لا ما وُلِد قبل رضاعها ولا ما بعده. ويتزوّج إخوتُها من أولادها إن شاءوا. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب تفسير : وقال الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة . تفسير : ذكروا أن علياً وابن مسعود قالا: يحرم من الرضاع قليله وكثيره. ذكروا عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا لا يريان الرضاع بعد الحولين شيئاً. وأما لبن الفحل، فإذا أرضعت امرأة الرجل من لبنه غلاماً أو جارية فهي بمنزلة ولده في قول من يحرّم لبن الفحل. ومنهم من لا يرى الفحل أباً. ومن كره لبن الفحل فهو يقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} أي: إذا أرضع من لبنه فاللبن من صلبه، فهو ابنه. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الرضاع للرجل؛ خرج من ذكر واحد؛ يقول: إن المرأة التي أرضعت هذا الصبي إنما أرضعته من لبن هذا الرجل فهو سواء: هي أمه وهو أبوه. ومن رخص في لبن الفحل قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ...} قال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}. ولم يقل: وبناتكم من الرضاعة. قال: فلو كانت ابنة لحرِّمت كما حرِّمت بناتكم. قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} فلا يحل للرجل أم امرأته ولا أمهاتها. حرّم الله من النسب سبع نسوة، والرضاعة مثل النسب، وحرّم من الصهر سبع نسوة؛ فلا يتزوج الرجل أمه ولا أم امرأته، ولا ابنته ولا ابنة امرأته، ولا أخته ولا أخت امرأته، ولا عمته ولا عمة امرأته، ولا خالته ولا خالة امرأته، ولا ابنة أخيه ولا ابنة أخ امرأته، ولا ابنة أخته ولا ابنة أخت امرأته، فهؤلاء الأربعة عشر امرأة حرَّمهن الله. وقال في سورة الفرقان: 54: (أية : وَهُوَ الذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً)تفسير : . فإذا تزوّج الرجل المرأة ثم طلّقها أو ماتت، دخل بها أو لم يدخل لم تحلّ له أمُّها. قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فإذا تزوّج الرجل المرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أو ماتت ولم يدخل بها، تزوّج ابنتها إن شاء. وإن كان قد دخل بها لم يتزوّج ابنتها، ولا ابنة ابنتها، ولا ما أسفل من ذلك. وحرّم الله امرأتين أُخريين: امرأة الأب وامرأة الابن فقال في الآية الأولى. {وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ} وقال هاهنا: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} امرأة ابنه، وامرأة ابن ابنه، وامرأة ابن بنت ابنه وما أسفل من ذلك. وإنما قال: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} لأن الرجل كان يَتَبنّى الرجلَ في الجاهلية. وقد كان النبي عليه السلام تبنّى زيداً، فأحلّ الله نكاح نساء الذين تبنّوا. وقد تزوّج النبي عليه السلام امرأة زيد بعد ما طلقها زيد. قوله: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي إلا ما مضى قبل التحريم {إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فإن كانت أختها لأبيها وأمّها، أو أختها لأبيها، أو أختها لأمها، فهي أخت. ذكروا عن مسروق أنه قال: يحرم من الإِماء ما يحرم من الحرائر. ذكر بعضهم أن رجلاً من المشركين أسلم وعنده أختان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلق إحداهما. ذكروا أن عبد الله بن مسعود سئل عن الأختين الأَمَتين أيطأهما الرجل جميعاً بملك اليمين فقال: لا. فقيل له: يقول الله: إلا ما ملكت أيمانكم، فقال: بعيرك مما ملكت يمينك. ذكروا أن علياً سئل عنها فقال: أحلتها آية وحرمتها آية أخرى، وأنا أنهى نفسي وولدي عنها. قال بعضهم يعني بالآيتين: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، والأخرى {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ}. ذكروا عن ابن عمر أنه كان عنده أختان فوطىء إحداهما ولم يطأ الأخرى حتى خرجت الأولى من ملكه. ذكروا عن الحسن أنه قال: لا يطأ الأخرى حتى يخرج الأولى من ملكه، لا يجمع بين الأمة وبين ابنتها ولا أمها ولا ابنتها ولا ابنة ابنها فأسفل من أسفل، ولا أمها ولا أم أب أمها فما فوق ذلك. وجميع النسب والرضاع من الإِماء بمنزلة الحرائر.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}: أى لا تتزوجوا الصنف الذى تزوجه آباؤكم من النساء، فلما كان المراد الوصف للمرأة بكونها قد تزوجها الأب، عبر عنها بما التى أصلها لغير من يعلم، أو عبر عنها بما تحقيراً لها، كأنها بهيمة لا تصلح لتزوج أبناء الأزواج ولخسة ذلك فى الإسلام وحرمته، بل خس أيضاً قبله، فإذا عقد الأب على امرأة حرمت على ولده ما سفل، وأبيه ما علا منها، ولو لم يمسها، وكذا يحرم عليها ما زنى بها أو رأى فرجها عمداً متلذذاً، أو مسه أو مس بدنها بيده، أو بدنه عمداً متلذذاً، وما تسرى ودخل بها أو مسها، ولو برجله متلذذاً، أو نظر كذلك فرجها، وما بطن منها كذلك. و{مِّنَ النِّسَآء} حال من {مَا}، و{مَّنَ} للتبعيض على أن المراد بالنساء العموم أو للبيان، على أن المراد بهن اللاتى تزوج الآباء، ويجوز أن تكون {ما} مصدرية وفيه خلاص من كون {ما} لغير العالم، لكن فيه تكلف كون المصدر بعد ذلك بمعنى المفعول، حتى يكون من النساء: حالا منه، و{من} كذلك للتبعيض وللبيان، أى منكوحة آبائكم من النساء، والاستثناء متصل باعتبار ما تضمنه النهى من العقاب، كأنه قيل: تعاقبون على نكاح ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما سلف من نكاحكم ما نكح آباؤكم فلا عقاب عليه، وأجمعوا أن من نزلت الآية وتحته امرأة أبيه يلزمه تخلية سبيلها واجتنابها، ولا يحتاج ذلك إلى طلاق، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا بدون ذلك الاعتبار المذكور، بل بطريق المبالغة، أى لا يمكن فى الشرع أن تتزوجوا ما تزوج آباؤكم، كما استحال أن تتزوجوهن تزوج الذى مضى، فإن الفعل الماضى يستحيل رجوعه، وإنما يمكن مثله، وذلك على طريق تأكيد المدح بما يشبه الذم وعكسه، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً، أى لكن ما قد سلف لا عقاب عليه، وكأنه لما قال {أية : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}تفسير : قالوا نعم لكن نتنزوجهن مطلقاً برضاهن، فقال: لا يحل ما نكح آباؤكم ولو بلا كره، وكأنهم قالوا فكيف حال من تزوج قبل نزول الآية امرأة أبيه على عليه عقاب؟ فقال لا عقاب على ما سلف لكن يفارقها. {إِنَّهُ كَانَ}: أى أن نكاح ما نكح آباؤكم، فالضمير للنكاح المفهوم من تنكحوا لا للنكاح المؤول مما نكح، لأن هذا بمعنى مفعول، والمنكوحة لا تكون فاحشة إلى مبالغة، أو تأويلا، نعم على الاستخدام يجوز رد الضمير لمصدر بمعنى مفعول، على اعتبار بقائه على أصله. {فَاحِشَةً}: أى أمراً قبيحاً جداً عند الله ما رخص فيه لأمه من الأمم. {وَمَقْتاً}: أى بغضاً أشد البغض، أى مبغضاً أشد البغض عند الله، وعند أصحاب المروءة ولو من أهل الجاهلية، وقد كانوا فى الجاهلية يسمون ولد الرجل من زوجة أبيه "المقتى" نسباً إلى المقت، ويسمونه مقتياً، بفتح الميم، أى ممقوتاً، وسئل ابن الأعرابى عن نكاح المقت قال: هو أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها، أو مات عنها، كان ذلك قبل النهى منكراً فى قلوبهم ممقوتاً عندهم، والمقت: أشد البغض، وزاد بعضهم مع استحقار. {وَسَآءَ سَبِيلاً}: المخصوص بالذم محذوف، أى سبيل من يراه ويفعله قال البراء بن عازب: مربى خالى ومعه لواء. فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثنى النبى صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة ابيه آتيه برأسه. وقال ابن زيد: النكاح الأول بمعنى التزوج، والثانى والثانى بمعنى الوطء، أى: لا تتزوجوا ما وطئه آباؤكم إلا ما وطئوه فى الجاهلية بالزنى، فإنه يحل لكم تزوجه فى الإسلام، وقيل: المعنى لا تنكحوا مثل ما نكح آباؤكم من النساء فى فساد العقد إلا ما قد سلف من نكاح بعقد فاسد، فيجوز لكم البقاء عليه، كالتزوج بلا ولى، أو بلا شهادة، أو بلا صداق، لا ما يحرم كزوج الأب.

اطفيش

تفسير : {وَلآ تَنكِحُوا} لا تتزوجوا {مَا} عبر بما فى العاقل إشارة إلى النوع، وهو غير عاقل أو مصدرية، والمصدر بمعنى مفعول، للتخلص من كون ما للعاقل، أو باق على معناه، أى مثل نكاح آبائكم {نَكَحَ} نزوج {ءَابَآؤُكُم} شامل للأجداد {مِّنَ النِسّآءِ} ولو لم يجامعوهن، ولا مسوا فروجهن، ولا نظروها، قال ابن عباس: كل امرأة تزوجها أبوك فهى حرام، دخل بها أو لم يدخل بها، وزعم بعض أن المراد لا تتزوجوا ما وطىء آباؤكم، فإن تزوج الأب ولم يطأ،ولم يقبَل، ولم يمس بشهوة حلت للابن، قيل النكاح مشترك بين العقد والوطء، وقيل: حقيقة فى العقد، مجاز فى الوطء، وعليه الشافعية، وقالت الحنفية بالعكس، قيل من الوطء قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح" تفسير : ، أى من وطء حلال لا من وطء حرام، قلت: لا يخفى أن المراد من عقد صحيح ترتب عليه الوطء، لا من عدم عقد فهو من النكاح بمعنى العقد، ومن الوطء قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : للرجل من امرأته الحائض كل شىء إلا النكاح "تفسير : أى الوطء {إلاّ مَا قَدْ سَلَف} استثناء منقطع، أى لكن ما سلف قبل نزول الآية لا إثم فيه لكن يفرق بينهما، أو متصل من محذوف، أى نفى نكاح ما نكح الآباء إثم إلا ما قد سلف، وهذا أولى من أن يقال استثناء من المعنى اللازم للنهى، والماصدق واحد، لما نزل قوله تعالى لا يحل لكم أن ترثوا الخ، قالوا: نعم، لكن ننكحهن برضانهن، فنزل: ولا تنكحوا الخ، فقالوا: كيف حال من فعل ذلك قبل؟ فنزل: إلا ما قد سلف، أو المعنى المبالغة بأن نكاح من مضى نكاحه متعذر الآن، فإن أمكن فانكحوا من الآن، وهو غير ممكن، لفوت زمانه، فكذا استئنافه الآن، كقولك إن كان فلول السيوف فىالقتال عيباً ففى أصحابها عيب {إنَّهُ كَانَ} أى نكاحهن {فَاحِشَةً} قبيحاً {وَمَقتاً} ممقوتا شرعا، وعند ذوى المروءات، وقيل فاحشة قبيح شرعا، ومقتا قبيح عقلا، وساء سبيلا، ولا رخصة فيه لأحد، حتى إن الجاهلية سموا ولد الرجل من زوج أبيه المقتى والمقيت، ويسمون ذلك النكاح أيضا مقيتا، والمقت البغض مع احتقار، وقيل فاحشة زنى وهو تفسير ضعيف، نعم، قيل كل نكاح حرمه الله فهو زنى، إِلا أنه اختلف فى شأن أهل الفترة، قال البراء: لقيت خالى ومعه الراية، وقلت إلى أين؟ فقال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أقتله وآخذ ماله {وَسَآءَ سَبِيلاً} مرجع ضمير ساء نكاحهن أو مبهم يفسره التمييز، والمخصوص محذوف، أى سبيل من يجيزه أو يفعله.

الالوسي

تفسير : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ} شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند بعض مرتبط بقوله سبحانه: {أية : لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنّسَاء كَرْهاً } تفسير : [النساء: 19] وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدناً لهم في الجاهلية. وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان الرجل إذا توفي عن امرأته كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه حصن فورث نكاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئاً فأتت النبـي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: «ارجعي لعل الله تعالى ينزل فيك شيئاً فنزلت {وَلاَ تَنْكِحُواْ } الآية، ونزلت أيضاً {أية : لاَ يَحِلُّ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 19] الخ» وذكر الواحدي وغيره أنها نزلت في حصن المذكور، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منظور بن ريان تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، واسم الآباء ينتظم الأجداد كيف كانوا باعتبار معنى يعمهما لغة لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز، وفي «النهاية» إن دلالة الأب على الجد بأحد طريقين: إما أن يكون المراد بالأب الأصل وإما بالإجماع، ولا يخفى أن كون / الدلالة بالإجماع مما لا معنى له، نعم لثبوت حرمة من نكحها الجد بالإجماع معنى لا خفاء فيه فتثبت حرمة ما نكحوها نصاً وإجماعاً، ويستقل في إثبات هذه الحرمة نفس النكاح أعني العقد إن كان صحيحاً ولا يشترط الدخول، وإلى ذلك ذهب ابن عباس، فقد أخرج عنه ابن جرير والبيهقي أنه قال: كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي عليك حرام، وروي ذلك عن الحسن وابن أبـي رباح، وإن كان النكاح فاسداً فلا بدّ في إثبات الحرمة من الوطء أو ما يجري مجراه من التقبيل والمس بشهوة مثلاً بل هو المحرم في الحقيقة حتى لو وقع شيء من ذلك بملك اليمين، وبالوجه المحرم ثبتت به الحرمة عندنا، وإليه ذهبت الإمامية، وخالفت الشافعية في المحرم، وتحقيق ذلك أن الناس اختلفوا في مفهوم النكاح لغة فقيل: هو مشترك لفظي بين الوطء والعقد وهو ظاهر كلام كثير من اللغويين، وقيل: حقيقة في العقد مجاز في الوطء وعليه الشافعية، وقيل: بالعكس وعليه أصحابنا، ولا ينافيه تصريحهم بأنه حقيقة في الضم لأن الوطء من أفراده والموضوع للأعم حقيقة في كل من أفراده على ما أطلقه الأقدمون، وقد تحقق استعمال النكاح في كل من هذه المعاني، ففي الوطء قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولدت من نكاح لا من سفاح» تفسير : أي من وطء حلال لا من وطء حرام، وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : يحل للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح»تفسير : ، وقول الشاعر:شعر : ومن أيم قد (أنكحتها) رماحنا وأخرى على خال وعم تلهف تفسير : وقول الآخر:شعر : (ومنكوحة) غير ممهورة تفسير : وقول الفرزدق:شعر : إذ سقى الله قوماً صوب عادية فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا التاركين على طهر نساءهم (والناكحين) بشطي دجلة البقرا تفسير : وفي «العقد» قول الأعشى:شعر : فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام (فانكحن) أو تأبدا تفسير : وفي المعنى الأعم قول القائل:شعر : ضممت إلى صدري معطر صدرها كما (نكحت) أم الغلام صبيها تفسير : وقول أبـي الطيب:شعر : (أنكحت) صم حصاها خف يعملة تغشمرت بـي إليك السهل والجبلا تفسير : فمدعي الاشتراك اللفظي يقول تحقق الاستعمال والأصل الحقيقة، والثاني يقول: كونه مجازاً في أحدهما حقيقة في الآخر حيث أمكن أولى من الاشتراك، ثم يدعي تبادر العقد عند إطلاق لفظ النكاح دون الوطء ويحيل فهم الوطء منه حيث فهم على القرينة، ففي الحديث الأول هي عطف السفاح بل يصح حمل النكاح فيه على العقد وإن كانت الولادة بالذات من الوطء، وفي الثاني إضافة المرأة إلى ضمير الرجل فإن امرأته هي المعقود عليها فيلزم إرادة الوطء من النكاح المستثنى وإلا فسد المعنى إذ يصير يحل من المعقود عليها كل شيء إلا العقد، وفي الأبيات الإضافة إلى البقر ونفي المهور، والإسناد إلى الرماح إذ يستفاد أن المراد وطء البقر والمسبيات، والجواب منع تبادر العقد عند الإطلاق لغة بل ذلك في المفهوم الشرعي الفقهي، ولا نسلم أن فهم الوطء فيما ذكر مسند إلى القرينة وإن كانت موجودة إذ وجود قرينة تؤيد إرادة المعنى الحقيقي مما يثبت مع إرادة الحقيقي فلا يستلزم ذلك كون المعنى مجازياً بل المعتبر مجرد النظر إلى القرينة إن عرف أنه لولاها لم يدل اللفظ على ما عنيته فهو مجاز وإلا فلا، ونحن في هذه المواد المذكورة نفهم الوطء قبل طلب القرينة، والنظر في / وجه دلالتها فيكون اللفظ حقيقة وإن كان مقروناً بما إذا نظر فيه استدعى إرادة ذلك المعنى، ألا يرى أن ما ادعوا فيه الشهادة على أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء من بيت الأعشى فيه قرينة تفيد العقد أيضاً فإن قوله:شعر : فلا تقربن جارة تفسير : نهى عن الزنا بدليل أن سرها عليك حرام فيلزم أن قوله: فانكحن أمر بالعقد أي فتزوج إن كان الزنا عليك حراماً أو تأبد أي توحش أي كن كالوحش بالنسبة إلى الآدميات فلا يكن منك قربان لهن كما لا يقربهن وحش، ولم يمنع ذلك أن يكون اللفظ حقيقة في العقد عندهم في البيت إذ هم لا يقولون بأنه مجاز فيه، وأما ادعاء أنه في الحديث للعقد فيستلزم التجوز في نسبة الولادة إليه لأن العقد إنما هو سبب السبب، ففيه دعوى حقيقة بالخروج عن حقيقة وهو ترجيح بلا مرجح لو كانا سواء، فكيف والأنسب كونه في الوطء ليتحقق التقابل بينه وبين السفاح إذ يصير المعنى عن وطء حلال لا وطء حرام فيكون على خاص من الوطء، والدال على الخصوصية لفظ السفاح أيضاً فثبت إلى هنا أنا لم نزده على ثبوت مجرد الاستعمال شيئاً يجب اعتباره، وقد علم أيضاً ثبوت الاستعمال في الضم فباعتباره حقيقة فيه يكون مشتركاً معنوياً من أفراده الوطء والعقد إن اعتبرنا الضم أعم من ضم الجسم إلى الجسم والقول إلى القول، أو الوطء فقط فيكون مجازاً في العقد لأنه إذا دار بين المجاز والاشتراك اللفظي كان المجاز أولى ما لم يثبت صريحاً خلافه ولم يثبت نقل ذلك بل قالوا: نقل المبرد عن البصريين، وغلام ثعلب عن الكوفيين أنه الجمع والضم، ثم المتبادر من لفظ الضم تعلقه بالأجسام لا الأقوال لأنها أعراض يتلاشى الأول منها قبل وجود الثاني فلا يصادف الثاني ما ينضم إليه فوجب كونه مجازاً في العقد ـ كذا في «فتح القدير» ـ. إذا علمت ذلك فنقول: حمل الشافعية النكاح في الآية التي نحن فيها على العقد دون الوطء، واستدلوا بها على حرمة المعقود عليها وإن لم توطأ، وذهبوا إلى عدم ثبوت الحرمة بالزنا وحمله بعض أصحابنا على العقد فيها، واستدلوا بها على حرمة نكاح نساء الآباء والأجداد، وثبوت حرمة المصاهرة بالزنا وجعلوا حرمة العقد ثابتة بالإجماع، ثم قالوا: ولو حمل على العقد تكون حرمة الوطء ثابتة بطريق الأولى. واعترض بأنه لا ينبغي أن يقال: ثبت حرمة الموطوأة بالآية، والمعقود عليها بلا وطء بالإجماع لأنه إذا كان الحكم الحرمة بمجرد العقد ـ ولفظ الدليل الصالح له ـ كان مراداً منه بلا شبهة؛ فإن الإجماع تابع للنص إذ القياس عن أحدهما يكون، ولو كان عن علم ضروري يخلق لهم ثبت بذلك أن ذلك الحكم مراد من كلام الشارع إذا احتمله، وحمله آخرون على الوطء والعقد معاً فقد قال الزيلعي: الآية تتناول منكوحة الأب وطءاً وعقداً صحيحاً، ولا يضر الجمع بين الحقيقة والمجاز لأن الكلام نفي، وفي النفي يجوز الجمع بينهما كما يجوز فيه أن يعم المشترك جميع معانيه، وقد نقل أيضاً سعدي أفندي عن وصايا «الهداية» جواز الجمع بين معاني المشترك في النفي وحينئذٍ لا إشكال في كون الآية دليلاً على حرمة الموطوأة والمعقود عليها كما لا يخفى. واعترض ما قاله الزيلعي بأنه ضعيف في الأصول، والصحيح أنه لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز لا في النفي ولا في الإثبات، ولا عموم للمشترك مطلقاً، وفي «الأكمل»، والحق أن النفي كما اقتضاه الإثبات فإن اقتضى الإثبات الجمع بين المعنيين فالنفي كذلك وإلا فلا. ومسألة اليمين المذكورة في «المبسوط» حلف لا يكلم مواليه ـ وله أعلون وأسفلون فأيهم كلم حنث ـ ليست باعتبار عموم المشترك في النفي كما توهم البعض، وإنما هو لأن حقيقة الكلام متروكة بدلالة اليمين إلى مجاز يعمها، وفي «البحر» إن الأولى أن النكاح في الآية للعقد كما هو المجمع عليه، ويستدل / لثبوت حرمة المصاهرة بالوطء الحرام بدليل آخر فليفهم، وما موصول اسمي واقعة على من يعقل ولا كلام في ذلك على رأي من جوزه مطلقاً، وكذا على رأي من جوزه إذا أريد معنى صفة مقصودة منه، وقيل: مصدرية على إرادة المفعول من المصدر أي منكوحات آبائكم، واختار الطبري إبقاء المصدر على مصدريته ويكون المراد النهي عن كل نكاح كان لهم فاسد أي لا تنكحوا مثل نكاح آبائكم وليس بالوجيه. {مّنَ ٱلنّسَاء} في موضع الحال من ما أو من العائد عليها، وعند الطبري متعلقة بنكح، وذكر غير واحد أنها بيان لما على الوجهين السابقين، وظاهره أنها بيانية، ويحتمل أن تكون تبعيضية والبيان معنوي، ونكتته مع عدم الاحتياج إليه إذ المنكوحات لا يكن إلا نساءاً التعميم كأنه قيل: أي امرأة كانت، واحتمال كونه رفع توهم التغليب في آبائكم وجعله أعم من الأمهات حتى يفيد أنه نهي للبنت عن نكاح منكوح أمها لا يخلو عن خفاء. {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي مات كما روي ذلك عن أبـي بن كعب وهو استثناء متصل على المختار مما نكح للمبالغة في التحريم والتعميم، والكلام حينئذٍ من باب تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه كما في قول النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم (بهن فلول من قراع الكتائب) تفسير : والمعنى لا تنكحوا حلائل آبائكم إلا من ماتت منهن. والمقصود سدّ باب الإباحة بالكلية لما فيه من تعليق الشيء بالمحال كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمّ ٱلْخِيَاطِ} تفسير : [الأعراف: 40] والمعلق على المحال محال، وقيل: إنه استثناء متصل مما يستلزمه النهي وتستلزمه مباشرة المنهي عنه من العقاب كأنه قيل: تستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ومضى فإنه معفو عنه، وبهذا التأويل يندفع الاستشكال بأن النهي للمستقبل، وما قد سلف ماض فكيف يستثنى منه، وجعل بعض محققي النحاة الاستثناء مما دخل في حكم دلالة المفهوم منقطعاً فحكم على ما هنا بالانقطاع أي لكن ما سلف لا مؤاخذة عليه فلا تلامون به لأن الإسلام يهدم ما قبله فتثبت به أحكام النسب وغيره، ولا يعد ذلك زنا، وقد ذكر البلخي أنه ليس كل نكاح حرمه الله تعالى يكون زنا لأن الزنا فعل مخصوص لا يجري على طريقة لازمة وسنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية أولاد زنا، ولا لأولاد أهل الذمة مثلاً إذا كان ذلك عن عقد بينهم يتعارفونه، وزعم بعضهم على تقدير الانقطاع أن المعنى لكن ما سلف أنتم مقرون عليه، وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على منكوحات آبائهم مدة ثم أمر بمفارقتهن، وفعل ذلك ليكون إخراجهم عن هذه العادة الرديئة على سبيل التدريج، قال البلخي: وهذا خلاف الإجماع، وما علم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم فالقول به خطأ والمعول عليه من بين الأقوال الأول لقوله سبحانه: {أَنَّهُ} أي نكاح ما نكح الآباء {كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتاً} فإنه تعليل للنهي وبيان لكون المنهي عنه في غاية القبح كما يدل عليه الإخبار بأنه فاحشة مبغوضاً باستحقار جداً حتى كأنه نفس البغض كما يدل عليه الإخبار بأنه مقت، وإنه لم يزل في حكم الله تعالى وعلمه موصوفاً بذلك ما رخص فيه لأمة من الأمم كما يقتضيه كان على ما ذكره علي بن عيسى وغيره، وهذا لا يلائم أن يوسط بينهما ما يهون أمره من ترك المؤاخذة على ما سلف منه كما أشار إليه الزمخشري وارتضاه جمع من المحققين، ومن الناس من استظهر كون هذه الجملة خبراً على تقدير الانقطاع وليس بالظاهر، ومنهم من فسر الفاحشة هنا بالزنا وليس بشيء، وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية نكاح المقت، ويسمى الولد منه مقتي، ويقال له أيضاً: مقيت أي مبغوض مستحقر، وكان من هذا النكاح / ـ على ما ذكره الطبرسي ـ الأشعث بن قيس ومعيط جد الوليد بن عقبة {وَسَاء سَبِيلاً} أي بئس طريقاً طريق ذلك النكاح، ففي ساء ضمير مبهم يفسره ما بعده، والمخصوص بالذم محذوف، وذمّ الطريق مبالغة في ذمّ سالكها وكناية عنه، ويجوز ـ واختاره الليث ـ أن تكون ساء كسائر الأفعال ففيها ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير به. وسبيلاً تمييز محول عن الفاعل، والجملة إما مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإما معطوفة على خبر كان محكية بقول مضمر هو المعطوف في الحقيقة أي ومقولاً في حقه ذلك في سائر الأعصار. قال الإمام الرازي: ((مراتب القبح ثلاث: القبح العقلي والقبح الشرعي والقبح العادي، وقد وصف الله سبحانه هذا النكاح بكل ذلك، فقوله سبحانه: {فَـٰحِشَةً} إشارة إلى مرتبة قبحه العقلي، وقوله تعالى: {وَمَقْتاً} إشارة إلى مرتبة قبحه الشرعي، وقوله عز وجل: {وَسَاء سَبِيلاً} إشارة إلى مرتبة قبحه العادي، وما اجتمع فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح))، وأنت تعلم أن كون قوله عز شأنه: {وَمَقْتاً} إشارة إلى مرتبة قبحه الشرعي ظاهر على تقدير أن يكون المراد ومقتاً عند الله تعالى، وأما على تقدير أن يكون المراد ومقتاً عند ذوي المروءات فليس بظاهر، ومن هنا قيل: إن قوله جل شأنه: {فَـٰحِشَةً} إشارة إلى القبح الشرعي {وَمَقْتاً} إشارة إلى العقلي بمعنى المنافرة {وَسَاء سَبِيلاً} إلى العرفي، وعندي أن لكل وجهاً، ولعل ترتيب الإمام أولى من بعض الحيثيات كما لا يخفى، ومما يدل على فظاعة أمره ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبـي شيبة وأحمد والحاكم والبيهقي عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية قلت: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً}تفسير : [النساء: 19]، والمناسبة أنّ من جملة أحوال إرثهم النساء كرها، أن يكون ابن الميّت أولى بزوجة أبيه، إذا لم تكن أمَّهُ، فنهوا عن هذه الصورة نهياً خاصّاً مغلّظاً، وتُخلّص منه إلى إحصاء المحرّمات. و{ما نَكح} بمعنى الذي نكح مراد به الجنس، فلذلك حسن وقع {ما} عوض (مَن) لأنّ (مَن) تكثير في الموصول المعلوم، على أنّ البيان بقوله: {من النساء} سوّى بين (ما ــــ ومن) فرجحت (مَا) لخفّتها، والبيان أيضاً يعيّن أن تكون (ما) موصولة. وعدل عن أن يقال: لا تنكحوا نساء آبائكم ليدلّ بلفظ نكح على أنّ عقد الأب على المرأة كاف في حرمة تزوّج ابنه إياها. وذكر {من النساء} بيان لكون (ما) موصولة. والنهي يتعلّق بالمستقبل، والفعل المضارع مع النهي مدلوله إيجاد الحدث في المستقبل، وهذا المعنى يفيد النهي عن الاستمرار على نكاحهنّ إذا كان قد حصل قبل ورود النهي. والنكاح حقيقة في العقد شرعا بين الرجل والمرأة على المعاشرة والاستمتاع بالمعنى الصحيح شرعاً، وتقدّم أنّه حقيقة في هذا المعنى دون الوطء عند تفسير قوله تعالى: {أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : في سورة البقرة (230)، فحرام على الرجل أن يتزوَّج امرأةً عقَد أبوه عليها عقد نكاح صحيح، ولو لم يدخل بها، وأمّا إطلاق النكاح على الوطء بعقد فقد حمل لفظَ النكاح عليه بعضُ العلماء، وزعموا أنَّ قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} أُطلِق فيه النكاح على الوطء لأنّها لا يُحلّها لمطلّقها ثلاثاً مجرّد العقد أي من غير حاجة إلى الاستعانة ببيان السنّة للمقصود من قوله: {تنكح} وقد بيّنت ردّ ذلك في سورة البقرة عند قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره}. وأما الوَطْءُ الحرام من زنى فكونه من معاني النكاح في لغة العرب دعوى واهية. وقد اختلف الفقهاء فيمن زنى بامرأة هل تحرم على ابنه أو على أبيه. فالذي ذهب إليه مالك في «الموطأ»، والشافعي: أنّ الزنى لا ينشر الحرمة، وهذا الذي حكاه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في «الرسالة»، ويُروى ذلك عن عكرمة عن ابن عباس، وهو قول الزهري، وربيعة، والليث. وقال أبو حنيفة، وابن الماجشون من أصحاب مالك: الزنى ينشر الحرمة. قال ابن الماجشون: مات مالك على هذا. وهو قول الأوزاعي والثوري. وقال ابن الموّاز: هُو مكروه، ووقع في المدوّنة (يفارقها) فحمله الأكثر على الوجوب. وتأوّله بعضهم على الكراهة. وهذه المسألة جرت فيها مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن أشار إليها الجصّاص في أحكامه، والفخرُ في مفاتيح الغيب، وهي طويلة. و{ما قد سلف} هو ما سبق نزولَ هذه الآية أي إلاّ نكاحاً قد سلف فتعيّن أنّ هذا النكاح صار محرَّماً. ولذلك تعيّن أن يكون الاستثناء في قوله: {إلا ما قد سلف} مؤوَّلا إذ ما قد سلف كيف يستثنى من النهي عن فعله وهو قد حصل، فتعيّن أنّ الاستثناء يرجع إلى ما يقتضيه النهي من الإثم، أي لا إثم عليكم فيما قد سلف. ثم ينتقل النظر إلى أنّه هل يقرّر عليه فلا يفرّق بين الزوجين اللذين تزوّجا قبل نزول الآية، وهذا لم يقل به إلاّ بعض المفسّرين فيما نقله الفخر، ولم أقف على أثر يُثبت قضية معيّنة فرّق فيها النبي صلى الله عليه وسلم بين رجل وزوج أبيه ممّا كان قبل نزول الآية، ولا على تعيين قائل هذا القول، ولعل الناس قد بادروا إلى فراق أزواج الآباء عند نزول هذه الآية. وقد تزوّج قبل الإسلام كثير أزواجَ آبائهم: منهم عُمر بن أمية بن عبد شمس، خلف على زوج أبيه أميّة كما تقدّم، ومنهم صفوان بن أمية بن خلف تزوج امرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، ومنهم منظور بن ريان بن سيار، تزوّج امرأة أبيه مُلكية بنت خارجة، ومنهم حصن بن أبي قيس، تزوّج بعد أبي قيس زوجه، ولم يُرْوَ أنّ أحداً من هؤلاء أسلم وقرّر على نكاح زوج أبيه. وجوّزوا أن يكون الاستثناء من لازم النهي وهو العقوبة أي لا عقوبة على ما قد سلف. وعندي أنّ مثل هذا ظاهر للناس فلا يحتاج للاستثناء، ومتى يظنّ أحد المؤاخذة عن أعمال كانت في الجاهلية قبل مجيء الدين ونزول النهي. وقيل: هو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه: أي إن كنتم فاعلين منه فانكحوا ما قد سلف من نساء الآباء البائدة، كأنّه يوهم أنه يرخّص لهم بعضه، فيجد السامع ما رخّص له متعذّراً فيتأكّد النهي كقول النابغة:شعر : ولا عيب فيهم غيرَ أَنّ سيُوفَهم بهنّ فُلول من قِراع الكتائب تفسير : وقولهم (حتّى يؤوب القارظان) و(حتّى يشيب الغراب) وهذا وجه بعيد في آيات التشريع. والظاهر أنّ قوله: {إلا ما قد سلف} قصد منه بيان صحّة ما سلف من ذلك في عهد الجاهلية، وتعذّرَ تداركه الآن، لموت الزوجين، من حيث إنّه يترتّب عليه. ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواريث، وأيضاً بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح، وأنّ المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختياراً منهم، وقد تأوّل سائر المفسّرين قوله تعالى: {إلا ما قد سلف} بوجوه ترجع إلى التجوّز في معنى الاستثناء أو في معنى: {ما نكح}، حَمَلَهم عليها أنّ نكاح زوج الأب لم يقرّره الإسلام بعد نزول الآية، لأنّه قال: {إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً} أي ومثل هذا لا يقرّر لأنّه فاسد بالذات. والمقت اسم سَمَّتْ به العرب نكاح زوج الأب فقالوا نكاح المقت أي البغض، وسمّوا فاعل ذلك الضيزن، وسمَّوْا الابنَ من ذلك النكاح مَقيتا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب هل هو العقد أو الوطء، ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس وذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 49] فصرح بأنه نكاح وأنه لا مسيس فيه. وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعاً، وإن لم يمسها وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى مريداً به الجماع بعد العقد، وذلك في قوله: {أية : فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة: 230]. لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل لا بد معه من الوطء كما قال صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة القرظي: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسَيْلتك" يعني الجماع ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن سعيد بن المسيب. لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة. ومن هنا قال بعض العلماء لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع، وقال بعضهم هو حقيقة في الجماع مجاز في العقد. لأنه سببه وقال بعضهم بالعكس. تنبيه: قال بعض العلماء إن لفظة {مَا} [النساء: 22] من قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] مصدرية وعليه فقوله: {مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 22] متعلق بقوله: {تنْكِحُوا} [النساء: 22] لا بقوله: {نَكَحَ} [النساء: 22] وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم أي: لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير، والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن {مَا} [النساء: 22] موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآء} تفسير : [النساء: 3] وقد قدمنا وجه ذلك. لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم أن سبب نزولها. أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال: ارجعي إلى بيتك فنزلت {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - نكاح زوجات الآباء كان معروفاً عند العرب، وممن فعل ذلك أبو قيس بن الأسلت المذكور، فقد تزوج أم عبيد الله وكانت تحت الأسلت أبيه، وتزوج الأسود بن خلف ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت تحت أبيه خلف، وتزوج صفوان بن أمية فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد. وكانت تحت أبيه أمية، كما نقله ابن جرير عن عكرمة قائلاً إنه سبب نزول الآية، وتزوج عمرو بن أمية زوجة أبيه بعده فولدت له مسافراً وأبا مُعِيط، وكان لها من أمية أبو العِيص وغيره، فكانوا إخوة مسافر وأبي مُعيط وأعمامهما، وتزوج منظور بن زبّان بن سيار الفزاري زوجة أبيه مليكة بنت خارجة، كما نقله القرطبي وغيره ومليكة هذه هي التي قال فيها منظور المذكور بعد أن فسخ نكاحها منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. شعر : ألا لا أبالي اليوم ما فعل الدهر إذا منعت مني مليكة والخمر فإن تك قد أمست بعيداً مزارها فحي ابنة المري ما طلع الفجر تفسير : وأشار إلى تزويج منظور هذا زوجة أبيه ناظم عمود النسب، بقوله في ذكر مشاهير فزارة. شعر : منظور الناكح مقتاً وحلف خمسين ماله على منع وقف تفسير : وقوله: وحلف إلخ قال شارحه: إن معناه أن عمر بن الخطاب حلفه خمسين يميناً بعد العصر في المسجد أنه لم يبلغه نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح أزواج الآباء، وذكر السهيلي وغيره أن كنانة بن خزيمة تزوج زوجة أبيه خزيمة فولدت له النضر بن كنانة، قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولدت من نكاح لا من سِفاح" تفسير : قال: فدل على أن ذلك كان سائغاً لهم. قال ابن كثيرة وفيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، وأشار إلى تضعيف ما ذكره السهيلي ناظم عمود النسب بقوله: شعر : وهند بنت مر أم حارثه شخيصه وأم عنز ثالثه برة أختها عليها خلفا كنانة خزيمة وضعفا أختهما عاتكة ونسلها عذرة التي الهوى يقتلها تفسير : وذكر شارحه أن الذي ضعف ذلك هو السهيلي نفسه، خلافاً لظاهر كلام ابن كثير. ومعنى الأبيات أن هند بنت مر أخت تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس هي أم ثلاثة من أولاد وائل بن قاسط وهم الحارث وشخيص وعنز، وأن أختها برة بنت مر كانت زوجة خزيمة بن مدركة فتزوجها بعد ابنه كنانة، وأن ذلك مضعف، وأن أختهما عاتكة بنت مر هي أم عذرة أبي القبيلة المشهورة بأن الهوى يقتلها، وقد كان من مختلقات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج أقاربهم، كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه أو أخوه مثلاً ثوباً على زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها، إن شاء نكحها بلا مهر وإن شاء أنكحها غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدى منه، إلى أن نهاهم الله عن ذلك بقوله: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً} تفسير : [النساء: 19] الآية. وأشار إلى هذا ناظم عمود النسب بقوله: شعر : القول فيما اختلقوا واخترقوا ولم يقد إليه إلا النزق تفسير : ثم شرع يعدد مختلقاتهم إلى أن قال: شعر : وإن من ألقى على زوج أبيه ونحوه بعد التوى ثوباً يريه أولى بها من نفسها إن شاء نكح أو أنكح أو أساء بالعضل كي يرثها أو تفتدى ومهرها في النكحتين للردى تفسير : وأظهر الأقوال: في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] أن الاستثناء منقطع، أي لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم: لا تتزوجوا امرأة الأب أو الجد. إلا ما قد سلف: إلا ما قد مضى قبل هذا التحريم. إنه كان فاحشة: أي زواج نساء الآباء فاحشة شديدة القبح. مقتا: ممقوتاً مبغوضا للشارع ولكل ذي فطرة سليمة. وساء سبيلا: أي قبح نكاح أزواج الآباء طريقا يسلك. أمهاتكم: جمع أم فالأم محرمة ومثلها الجدة وإن علت. وربائبكم: الربائب جمع ربيبة هي بنت الزوجة. وحلائل أبنائكم: الحلائل جمع حليلة وهي امرأة الابن من الصلب. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بالإرث والنكاح وعشرة النساء. وفي هاتين الآيتين ذكر تعالى محرمات النكاح من النسب، والرضاع والمصاهرة فبدأ بتحريم امرأة الأب وإن علا فقال: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ}، ولم يقل من ليشمل التحريم منكوحة الأب والطريقة التي كانت متبعة عندهم في الجاهلية. ولذا قال إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه معفو عنه بالإسلام بعد التخلي عنه وعدم المقام عليه، وبهذه اللفظ حرمت امرأة الأب والجد على الإبن وابن الإبن ولو لم يدخل بها الأب ثم ذكر محرمات النسب فذكر الأمهات والبنات والأخوت والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت فهؤلاء سبع محرمات من النسب قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَالَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} ثم ذكر المحرمات بالرضاع فقال {وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ} فمن رضع من امرأة خمس رضعات وهو في سن الحولين تحرم عليه ويحرم عليه أمهاتها وبناتها وأخواتها وكذا بنات زوجها وأخواته وأمهاته حتى قيل يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة فقال: وأمهات نسائكم فأم امرأة الرجل محرمة عليه بمجرد أن يعقد على بنتها تصبح أمها حراما وقال وربائبكم التي في حجوركم فالربيبة هي بنت الزوجة إذا نكح الرجل امرأة وبنى بها لا يحل له الزواج من ابنتها أما إذا عقد فقط ولم يبن فإن البنت تحل له لقوله: من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم أي لا إثم ولا حرج. ومن المحرمات بالمصاهرة امرأة الإبن بنى بها أم لم يبن لقوله تعالى: وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم أي ليس ابناً بالتبني، أما الإِبن من الرضاع فزوجته كزوجة الابن من الصلب، لأن اللبن الذي تغذى به هو السبب فكان إذاً كالولد للصلب، ومن المحرمات بالمصاهرة أيضا أخت الزوجة فمن تزوج امرأة لا يحل له أن يتزوج أختها حتى تموت أو يفارقها وتنتهي عدتها لقوله تعالى وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف في الجاهلية فإنه عفو بشرط عدم الإِقامة عليه. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- تحريم مناكح الجاهلية إلا ما وافق الإِسلام منها، وخاصة أزواج الآباء فزوجة الأب محرمة على الإبن ولو لم يدخل بها الأب وطلقها أو مات عنها. 2- بيان المحرمات من النسب وهن سبع الأمهات والبنات والأخوات، والعمات والخالات وبنات الأخ وبنت الأخت. 3- بيان المحرمات من الرضاع وهن المحرمات من النسب فالرضيع يحرم عليه أمه المرضع له وبناتها وأخواتها وعماته وخالاته، وبنات أخيه وبنات أخته. 4- بيان المحرمات من المصاهرة وهن سبع أيضا: زوجة الأب بنى بها أو لم يبن، أم امرأته بنى بإبنتها أو لم يبن، وبنت امرأته وهي الربيبة اذا دخل بأمها، وأمرأة الولد من الصلب بنى بها الولد أو لم يبن، وكذا ابنه من الرضاع، وأخت امرأته ما دامت أختها تحته لم يفارقها بطلاق أو وفاة. والمحصنات من النساء أي المتزوجات قبل طلاقهن أو وفاة أزواجهن وانقضاء عددهن.

القطان

تفسير : سلف: مضى. مقتا: مبغوضا. ساء سبيلا: بئس العادة. لا تتزوجوا أيها الأبناء ما تزوج آباؤكم من النساء، فإنه أمر فاحش يمقته الله والناس. وكان هذا النكاح فاشيا في الجاهلية. فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: لما مات قيس بن الأسلت قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته، ولم ينفق عليها، ولم يورّثها من المال شيئا. فأتت النبي عليه السلام فذكرت له ذلك، فنزلت آية {لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً...} الخ وهذه الآية: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ...} وهو أسوأ سبيلٍ فتجنّبوه، لكن الله يعفو عما سلف منكم في الجاهلية. بعد ذلك بيّن الشارع انواع المحرمات فقال: {حرمت عليكم أمهاتكم.. } [الآية:23].

د. أسعد حومد

تفسير : {آبَاؤُكُمْ} {فَاحِشَةً} (22) - كَانَ زَوَاجُ الأبْنَاءِ بِزَوْجَاتِ الآبَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ فَاشياً فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَذَمَّ اللهُ تَعَالَى هَذا الفِعْلَ، وَسَمَّاهُ فَاحِشَةً، وَجَعَلَهُ مَبْغُوضاً أشَدَّ البُغْضِ. وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَى الأبْنَاءِ زَوْجَاتِ الآبَاءِ تَكْرِمَةً لَهُمْ وَتَعْظِيماً. وَتَحْرُمُ امْرَأةُ الأبِ عَلَى الابْنِ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ عَلَيها، دَخَلَ بِهَا أمْ لَمْ يَدْخُلْ، وَعَدَّ اللهُ تَعَالَى مِثْلَ هَذا الزَّوَاجِ فَاحِشَةً، لأنَّهُ يُؤَدِّي بِالابْنِ إلى مَقْتِ أبيهِ بَعْدَ أنْ يَتَزَوَّجَ بِامْرَأَتِهِ، وَأنَّهُ طَرِيقٌ سَيِّئٌ لِمَنْ سَلَكَهُ. وَاسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هَذا التَّحْرِيمِ الزَّوَاجَ الذِي تَمَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ (مَا قَدْ سَلَفَ). سَلفَ - مَضَى. مَقْتاً - مَمْقُوتاً وَمَبْغُوضاً. سَاءَ سَبيلاً - قَبُحَ طَرِيقاً.

الثعلبي

تفسير : {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف زوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن يسار: حديث : توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولداً وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ارجعي إلى بيتك" فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} . تفسير : (ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نكح (آباؤكم من النساء) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطئ. {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} يورث بغض الله، والمقت أشد البغض {وَسَآءَ سَبِيلاً} وبئس ذلك طريقاً. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية. السدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله. تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في (التوحيد وعادت) في الجمع كقولهم: شاه ومياه. قال الشاعر: شعر : أمهتي خندف والروس أبي تفسير : وقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا: شعر : تقبلتها عن أمة لك طالما تثوب إليها في النوائب أجمعا تفسير : فيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات. وقال الراعي: شعر : كانت نجائب منذر ومحرق أُماتهن وطرقهن فحيلا تفسير : فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعاً بنسب وسبعاً بسبب، فأما النسب قوله: {أُمَّهَاتُكُمْ} فهي أمهات النسبة {وَبَنَاتُكُمْ} جمع البنت {وَأَخَوَاتُكُمْ} جمع الأخت {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ} جمع العمّة والخالة {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ}. وأما السبب فقوله: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى: {أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 6] ثم قال: {أية : وَلاَ أَن تَنكِحُوۤاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً} تفسير : [الأحزاب: 53]. وقرأ عبد الله: (واللاي) بغير تاء كقوله: {أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ} تفسير : [الطلاق: 4]. قال الشاعر: شعر : من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البرئ المغفلا تفسير : عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما حرمته الولادة حرمه الرضاع ". تفسير : ومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". تفسير : الأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال: حديث : قلت يا رسول الله مالك تنوق في قريش وتدعنا قال: "وعندك أحد؟ " قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة" . تفسير : وهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: حديث : أن أبا القعيس وهو أفلح إستأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت: أن تأذن له فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إئذني له فإنّه عمك" فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: "إنه عمك فليلج عليك" . تفسير : وإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ممّا يقرأ من القرآن. وروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الرضاع فقال: "لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان". تفسير : قال قتادة: المصة والمصتان. والشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر. ومالك: بعد الحولين شهراً،والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] وليس بعد الكمال والتمام شيء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم ". تفسير : {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلاّ هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطىء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطىء، وهو قول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال، والقول الأول هو الأصح. قال ابن جريج: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أُمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ: (وامهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا. و روى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت ". تفسير : {وَرَبَائِبُكُمُ} جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة {ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تُربّ ولداً إلاّ طيب الولد. قال الكميت: شعر : الكرمات (نسبة) في قريش (وسواهم) والطيبات الحجورا تفسير : ومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره. {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي جامعتموهن {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم. روى الزهري عن عروة: حديث : أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أو تحبين ذلك؟ " قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنّ ذلك لا يحلّ لي". فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: "بنت أم سلمة؟" فقلت: نعم، قال: "والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن" . تفسير : {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلاّء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد. قال الشاعر: شعر : يدافع قوماً على مجدهم دفاع الحليلة عنها الحليلا يدافعه يومها تارة ويمكنه رجلها أن يشولا تفسير : {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} دون من تبنيتموهم. قال عطاء: نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم حين نكح امرأة زيد بن حارثة. {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطئ {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. قال عطاء والسدي: يعني إلاّ ما كان من يعقوب (عليه السلام)، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا ورحيل أُم يوسف وكانتا أُختين. {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} الآية. قال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يُسأل عن هذه الآية {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} فلم يقل فيها شيئاً، فقال سعيد: كان لا يعلمها. وقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربتُ إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ}. قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حُرّمن بالسبب. قرأه العامة: (والمحصَنات) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن. قال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ } يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الإستبراء. فقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقرأ علقمة: (والمحصِنات) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلاّ ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر. قال الباقر ويمان: معناه والمحصنات من النساء عليكم حرام ما فوق الأربع، إلاّ ما ملكت إيمانكم فإنه لا عدد عليكم فيهن. وقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} أن تكون لك أَمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت. {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتاباً، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم. وقرأ ابن السميقع: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب. فأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما روى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ". تفسير : {وَأُحِلَّ لَكُمْ} قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وأُحل لكم) بضم الألف. الباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: {حُرِّمَتْ}، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: {كِتَابَ ٱللَّهِ}. {مَّا وَرَاءَ} ما سوى {ذَلِكُمْ} الذي ذكرت من المحرمات {أَن تَبْتَغُواْ} بدل من (ما) فمن رفع أحلّ فـ (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب فـ (إن) عنده في محل النصب. قال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا. {بِأَمْوَالِكُمْ} أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن {مُّحْصِنِينَ} مُتعففين {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} زانين، وأصله من سفح المذي والمني {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح. {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا. وقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختُلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟ فقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث. قال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفاً فقال: هذا على قراءة أُبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى). وروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟ قلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى)؟ قلت: لا أقرأها هكذا. قال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات. وروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى). وروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى). وروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة مازنا إلاّ شقي. أبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلاّ عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت، وفي قول ابن عباس. يقول الشاعر: شعر : أقول للرّكب إذ طال الثواء بنا يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الاطراف ناعمة تكون مثواك حتى مرجع الناس تفسير : وسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام. وروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: حديث : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: "يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء" ثم صبحت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: "يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالإستمتاع من هذه النساء إلاّ أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة" . تفسير : وقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهى الله عزّ وجلّ عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم وقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات. وروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن علياً قال لابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية. وروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (رضي الله عنه) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها. وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لا أجد رجلا ينكحها إلاّ رجمته بالحجارة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث ". تفسير : وقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 5-6]. وعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلاّ النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح. عطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [...] يقول: الشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئاً أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حُرّم غير المتعة. {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي مهورهن، سمّيَ المهر أجراً، لأنه ثمن البضع وأجر الإستمتاع ألا تراهُ يتأكد بالخلوة والدخول. واختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله عزّ وجلّ قال: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر. وعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجراً قليلا كان أو كثيراً، والسورة من كتاب الله عزّ وجلّ أو آية لقوله: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. وعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: حديث : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه، فقال: "يا فلان هل تزوجت؟" قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: "أليس معك {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [النصر: 1]؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1]؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "أليس معك {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزال: 1] ؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك آية الكرسي؟" قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "تزوج تزوج تزوج" . تفسير : وقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}. {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} فضلا وسعة. المسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحُرّم عليه نكاح الإماء. {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الحرائر، وقرأ الكسائي: (المحصِنات) بكسر الصاد، كل القرآن إلاّ في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح. {ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} إلى قوله {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} سادتهن {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن {بِٱلْمَعْرُوفِ} من غير ضمار {مُحْصَنَاتٍ} عفائف {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} زانيات {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ} أحباب يزنون بهن في السر. {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أُحصنّ بأزواجهنّ {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يعني الزنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ} الحراير إذا زنين {مِنَ ٱلْعَذَابِ} يعني الحدّ، نظيره: {أية : وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النور: 8] وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته. سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل ". تفسير : {ذَلِكَ} يعني نكاح الإماء عند عدم الطول {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة {وَأَن تَصْبِرُواْ} عن نكاح الإماء متعففين {خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. عن يونس بن مرداس وكان خادماً لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أحبّ أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر ". تفسير : فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت ". تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأُخرى كقوله: {أية : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} تفسير : [الشورى: 15] وقوله: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 73]، ثم قال في موضع آخر: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [غافر: 66]، وقال: {أية : لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8]، ثم قال في موضع آخر: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 32]. وقال الشاعر: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : يريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم. الحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ} شرايع {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم {يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي. وقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم {حَكِيمٌ} في تدبيره فيهم {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} إن وقع تقصير منكم في أمره {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ} عن الحق {مَيْلاً عَظِيماً} بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم: فقال السدي: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون. ابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} في كل شيء. طاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلاّ أتاه من قِبل النساء، وقد أتى عليَّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء. مالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلاّ رفدا ولا آكل إلاّ ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر. قال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ} تفسير : [الروم: 54]. ابن كيسان: (خلق الإنسان ضعيفاً) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه. قال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26]، {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]، {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [النساء: 28] {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء: 48]، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] {وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} [النساء: 110] {مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} [النساء: 147].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فكأن هذه مسألة كانت موجودة، كان ينكح الولد زوج أبيه التي هي غير أمه. و "صفوان بن أمية" وهو من سادة قريش قد خلف أباه أمية بن خلف على "فاختة بنت الأسود بن المطلب" كانت تحت أبيه، فلما مات أبوه تزوجها هو، ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعد هذه القضية من محيط الأسرة، لماذا؟ لأن الأب والابن لهما من العلاقات كالمودَّة والرحمة والحنان والعطف من الأب، والبر والأدب، والاستكانة، وجناح الذل من الابن، فحين يتزوج الرجل امرأة وله ابن، فذلك دليل على أن الأب كان متزوجاً أمه قبلها، وكأن الزيجة الجديدة طرأت على الأسرة. وسبحانه يريد ألا يجعل العين من الولد تتطلع إلى المرأة التي تحت أبيه، ربما راقته، ربما أعجبته، فإذا ما راقته وأعجبته فأقل أنواع التفكير أن يقول بينه وبين نفسه: بعدما يموت أبي أتزوجها، فحين يوجد له الأمل في أنه بعدما يموت والده يتزوجها، ربما يفرح بموت أبيه، هذا إن لم يكن يسعى في التخلص من أبيه، وأنتم تعلمون سعار الغرائز حين تأتي، فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على الولد أمل الالتقاء ولو بالرجاء والتمني، وأنه يجب عليه أن ينظر إلى الجارية أو الزوجة التي تحت أبيه نظرته إلى أمه، حين ينظر إليها هذه النظرة تمتنع نزغات الشيطان. فيقول الحق: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ..} [النساء: 22] والنكاح هنا يُطلق فينصرف إلى الوطء والدخول، وقد ينصرف إلى العقد، إلا أن انصرافه إلى الوطء والدخول - أي العملية الجنسية - هو الشائع والأوْلى، لأن الله حينما يقول: {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ..} تفسير : [النور: 3] معناها أنَّه ينكح دون عقد وأن تتم العملية الجنسية دون زواج. والحق هنا يقول: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ..} [النساء: 22] فما هو السلف هذا؟ إن ما سلف كان موجوداً، أي جاء الإسلام فوجد ذلك الأمر متبعاً، وجاء الإسلام بتحريم مثل هذا الأمر. فالزمن الجديد بعد الإسلام لا يحل أن يحدث فيه ذلك وإن كان عقد النكاح قد حدث قبل الإسلام، ولذلك قال - سبحانه -: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ..} [النساء: 22] فجاء بـ (ما) وهي راجعة للزمن. كأن الزمن الجديد لا يوجد فيه هذا. هب أن واحداً قد تزوج بامرأة أبيه ثم جاء الحكم. أيقول سلف أن تزوّجتها قبل الحكم! نقول: لا الزمن انتهى، إذن فقوله: {مَا قَدْ سَلَفَ ..} [النساء: 22] يعني الزمن، وما دام الزمن انتهى يكون الزمن الجديد ليس فيه شيء من مثل تلك الأمور. لذا جاءت (ما) ولو جاءت (مَن) بدل (ما) لكان الحكم أن ما نكحت قبل الإسلام تبقى معه، لكنه قال {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ..} [النساء: 22] فلا يصح في المستقبل أن يوجد منه شيء ألبتة ويجب التفريق بين الزوجين فيما كان قائماً من هذا الزواج. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه حين يشرِّع فهو يشرع ما تقتضيه الفطرة السليمة. فلم يقل: إنكم إن فعلتم ذلك يكون فاحشة، بل إنه برغم وجوده من قديم كان فاحشة وكان فعلاً قبيحاً {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22] وما كان يصح بالفطرة أن تكون هذه المسألة على تلك الصورة، إلا أنّ الناس عندما فسدت فطرتهم لجأوا إلى أن يتزوج الرجل امرأة أبيه، ولذلك إذا استقرأت التاريخ القديم وجدت أن كل رجل تزوج من امرأة أبيه كان يُسمَّى عندهم نكاح "المقت" والولد الذي ينشأ يسمُّونه "المقتى" أي المكروه. إذن فقوله: {إِنَّهُ كَانَ ..} [النساء: 22] أي قبل أن أحكم أنا هذا الحكم {كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22]. فالله يوضح: إنني أشرع لكم ما تقتضيه الفطرة. والفطرة قد تنطمس في بعض الأمور، وقد لا تنطمس في البعض الآخر لأن بعض الأمور فاقعة وظاهرة والتحريم فيها يتم بالفطرة. مثال ذلك: أن واحداً ما تزوج أمه قبل ذلك، أو تزوج ابنته، أو تزوج أخته. إذن ففيه أشياء حتى في الجاهلية ما اجترأ أحدٌ عليها. إذن جاء بالحكم الذي يحرم ما اجترأت عليه الجاهلية وتجاوزت وتخطت فيه الفطرة، فقال سبحانه: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ..} [النساء: 22] أي مضى. لقد وصف سبحانه نجاح الأبناء لزوجات آبائهم بأنه {كَانَ فَاحِشَةً ..} [النساء: 22] أي قبحاً، {وَمَقْتاً ..} [النساء: 22] أي مكروهاً، {وَسَآءَ سَبِيلاً ..} [النساء: 22] أي في بناء الأسرة. ثم شرع الحق سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت فيها، إلا أن الله حين يشرع حكماً كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية فعلته، لا. هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه، وكون الجاهلية لم تفعله، فهذا دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها، فقال الحق سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما أوصى تعالى بحسن معاشرة الأزواج، وحذّر من إِيذائهن أو أكل مهورهن، عقّبه بذكر المحرمات من النساء اللواتي لا يجوز الزواج بهن بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع. اللغَة: {سَلَفَ} مضى {مَقْتاً} المقت: البغض الشديد لمن تعاطى القبيح وكان العرب يسمون زواج الرجل امرأة أبيه "نكاح المقت" {رَبَائِبُكُمُ} جمع ربيبة وهي بنت المرأة من آخر سميت به لأنها تتربّى في حجر الزوج {حُجُورِكُمْ} جمع حَجْر أي في تربيتكم يقال: فلان في حجر فلان إِذا كان في تربيته قال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم {حَلاَئِلُ} جمع حليلة بمعنى الزوجة سميت بذلك لأنها تحل لزوجها {مُّحْصِنِينَ} متعففين عن الزنى {مُسَافِحِينَ} السفاح: الزنى وأصله في اللغة من السفح وهو الصبّ وسمي سفاحاً لأنه لا غرض للزاني إِلا سفح النطفة وقضاء الشهوة {طَوْلاً} سعةً وغنى {أَخْدَانٍ} جمع خِدْن وهو الصديق للمرأة يزني بها سراً {ٱلْعَنَتَ} الفجور وأصله الضرر والفساد {سُنَنَ} جمع سنة وهي الطريقة {نُصْلِيهِ} ندخله. سَبَبُ النّزول: أ - لما توفي "أبو قيس بن الأسلت" وكان من صالحي الأنصار، خطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إِني أعدّك ولداً!! ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم استأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ....} الآية. ب - عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم اوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ...} الآية قال: فاستحللناهن. التفسِير: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي لا تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء لكن ما سبق فقد عفا الله عنه {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} أي فإِن نكاحهن أمر قبيح قد تناهى في القبح والشناعة، وبلغ الذروة العليا في الفظاعة والبشاعة، إِذ كيف يليق بالإِنسان أن يتزوج امرأة أبيه وأن يعلوها بعد وفاته وهي مثل أمه؟ {وَسَآءَ سَبِيلاً} أي بئس ذلك النكاح القبيح الخبيث طريقاً، ثم بيّن تعالى المحرمات من النساء فقال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} أي حُرّم عليكم نكاح الأمهات وشمل اللفظ الجدات من قبل الأب أو الأم {وَبَنَاتُكُمْ} وشمل بنات الأولاد وإِن نزلن {وَأَخَوَاتُكُمْ} أي شقيقة كانت أو لأب أو لأم {وَعَمَّاتُكُمْ} أي أخوات آبائكم وأجدادكم {وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} أي بنت الأخ وبنت الأخت ويدخل فيهن أولادهن، وهؤلاء المحرمات بالنسب وهنَّ كما تقدم "الأمهات، البنات، الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت" ثم شرع تعالى في ذكر المحرمات من الرضاع فقال {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} نزّل الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمّى المرضعة أماً للرضيع أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، وكذلك أختك من الرضاع، ولم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى "الأمهات والأخوات" وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب لقوله عليه السلام "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" تفسير : ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة فقال {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} أي وكذلك يحرم نكاح أم الزوجة سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل لأن مجرد العقد على البنت يحرم الأم {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} أي بنات أزواجكم اللاتي ربيتموهن، وذكرُ الحجر ليس للقيد وإِنما هو للغالب لأن الغالب أنها تكون مع أمها ويتولى الزوج تربيتها وهذا بالإِجماع {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الدخول هنا كناية عن الجماع أي من نسائكم اللاتي أدخلتموهن الستر قاله ابن عباس فإِن لم تكونوا أيها المؤمنون قد دخلتم بأمهاتهن وفارقتموهن فلا جناح عليكم في نكاح بناتهن {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} أي وحُرِم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي وحُرّم عليكم الجمع بين الأختين معاً في النكاح إِلا ما كان منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} أي غفوراً لما سلف رحيماً بالعباد {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} أي وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء إِلا ما ملكتموهن بالسبي فيحل لكم وطؤهنَّ بعد الاستبراء ولو كان لهنَّ أزواج في دار الحرب لأن بالسبي تنقطع عصمة الكافر {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10] {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي هذا فرض الله عليكم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} أي أُحل لكم نكاح ما سواهنّ {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي إِرادة أن تطلبوا النساء بطريق شرعي فتدفعوا لهن المهور حال كونكم متزوجين غير زانين {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي فلما تلذذتم به من النساء بالنكاح فآتوهنَّ مهورهن فريضةً فرضها الله عليكم بقوله {أية : وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} تفسير : [النساء: 4] ثم قال تعالى {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} أي لا إِثم عليكم فيما أسقطن من المهر برضاهن كقوله {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4] قال ابن كثير: أي إِذا فرضت لها صداقاً فأبرأتك منه أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} أي عليماً بمصالح العباد حكيماً فيما شرع لهم من الأحكام {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي من لم يكن منكم ذا سعة وقدرة أن يتزوج الحرائر المؤمنات {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي فله أن ينكح من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} جملة معترضة لبيان أنه يكفي في الإِيمان معرفة الظاهر والله يتولى السرائر {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} أي إِنكم جميعاً بنو آدم ومن نفسٍ واحدة فلا تستنكفوا من نكاحهن فرب أمة خير من حرة، وفيه تأنيس لهم بنكاح الإِماء فالعبرةُ بفضل الإِيمان لا بفضل الأحساب والأنساب {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أي تزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي ادفعوا لهن مهورهن عن طيب نفسٍ ولا تبخسوهن منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إِماء مملوكات {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي عفيفات غير مجاهرات بالزنى {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أي ولا متسترات بالزنى مع أخدانهن قال ابن عباس: الخِدنُ هو الصديق للمرأة يزني بها سراً فنهى الله تعالى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي فإِذا أُحصنَّ بالزواج ثم زنين فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنى {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي إِنما يباح نكاح الإِماء لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنى {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي صبركم وتعففكم عن نكاحهن أفضل لئلا يصير الولد رقيقاً وفي الحديث "حديث : من أراد أن يلقي الله طاهراً مطهراً فلينكح الحرائر" تفسير : {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي واسع المغفرة عظيم الرحمة {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي يريد الله أن يفصّل لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي يرشدكم إِلى طرائق الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يقبل توبتكم فيما اقترفتموه من الإِثم والمحارم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بأحوال العباد حكيم في تشريعه لهم {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} كرّره ليؤكد سعة رحمته تعالى على العباد أي يحب بما شرع من الأحكام أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد توبة العبد ليتوب عليه {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} أي ويريد الفجرة أتباع الشيطان أن تعدلوا عن الحق إِلى الباطل وتكونوا فسقة فجرة مثلهم {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} أي يريد تعالى بما يسَّر أن يسهّل عليكم أحكام الشرع {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} أي عاجزاً عن مخالفة هواه لا يصبر عن إِتباع الشهوات، ثم حذر تعالى من أكل أموال الناس بالباطل فقال {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله لا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل وهو كل طريق لم تبحه الشريعة كالسرقة والخيانة والغصب والربا والقمار وما شاكل ذلك {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} أي إِلا ما كان بطريق شرعي شريف كالتجارة التي أحلها الله قال ابن كثير: الاستثناء منقطع أي لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراضٍ من البائع والمشتري فافعلوها {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} أي لا يسفك بعضكم دم بعض، والتعبير عنه بقتل النفس للمبالغة في الزجر، أو هو على ظاهره بمعنى الانتحار وذلك من رحمته تعالى بكم {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً} أي ومن يرتكب ما نهى الله عنه معتدياً ظالماً لا سهواً ولا خطأً {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً} أي ندخله ناراً عظيمة يحترق فيها {وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} أي هيناً يسيراً لا عسر فيه لأنه تعالى لا يعجزه شيء {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي إِن تتركوا أيها المؤمنون الذنوب الكبائر التي نهاكم الله عز وجل عنها نمح عنكم صغائر الذنوب بفضلنا ورحمتنا {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً} أي نُدخلكم الجنة دار الكرامة والنعيم، التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!. البَلاَغَة: تضمنت الآيات أنواعاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- المجاز المرسل في {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} أي حرّم عليكم نكاح الأمهات فهو على حذف مضاف. 2- الطباق في {حُرِّمَتْ... وَأُحِلَّ} وفي {مُّحْصِنِينَ... ومُسَافِحِينَ} وفي {كَبَآئِرَ... وسَيِّئَاتِكُمْ} لأن المراد بالسيئات الصغائر من الذنوب. 3- الكناية في {ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فهو كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها، وضرب عليها الحجاب. 4- الاستعارة في {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} استعار لفظ الأجور للمهور، لأن المهر يشبه الاجر في الصورة. 5- الجناس المغاير في {تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ} وفي {أَرْضَعْنَكُمْ... مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} وفي {مُحْصَنَاتٍ... فَإِذَآ أُحْصِنَّ} والإِطناب في مواضع، والحذف في مواضع. الفوَائِد: الأولى: استنبط العلماء من آية المحرمات القاعدة الآتية وهي "العقد على البنات يحرّم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرّم البنات". الثانية: حمل بعض الروافض والشيعة قوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ} على نكاح المتعة وهو خطأ فاحش لأن الغرض من الاستمتاع هنا التمتع بالأزواج عن طريق الجماع لا نكاح المتعة فقد ثبت حرمة نكاح المتعة بالسنة والإِجماع ولا عبرة بما خالف ذلك. الثالثة: قال ابن عباس: الكبيرة كل ذنبٍ ختمه الله بنار، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذاب. الرابعة: روى سعيد بن جبير أن رجلاً قال لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هي إِلى السبعمأة أقرب منها إِلى السبع، ولكن لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إِصرار، ذكره القرطبي.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} فالمَقْتُ: أَنْ يَتزوجَ الرَّجلُ امرأةَ أَبيهِ بَعْدَهُ. وسَاءَ سَبِيلا. معناهُ بِئسَ السَّبيلُ. والسَّبِيلُ: الطَّريقَةُ والمَسْلَكَةُ. والسَّبِيلُ. الجَلْدُ والرّجْمُ!.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أرشدهم إلى سبيل المؤمنين وأخلاق الموحدين بقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 22]، إشارة في الآيتين: أن الله تعالى أراد أن يطهر نفس المؤمن بأن ينفي عنها موجبات المقت وسوء السبيل؛ وهي الفواحش استطابة للجوهر الآني، واستنارة للنور الرباني؛ لأنه خلق لحمل أعباء أمانة المعرفة بحبل المحبة، ولا سبيل إلى المعرفة إلا بالوصول إلى المعروف، ولا يمكن التحلية بالوصول إلى بعد التزكية عن مانع الوصول وهي لوث أوصاف الوجود، "حديث : فإن الله طيب لا يقبل إلا الطيب"تفسير : ، ولذلك نهاهم عن نكاح المحارم، {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22]. وفيه إشارة أخرى وهي: أن العلويات وهي الآباء، والسفليات وهي الأمهات، وبازدواجهما خلق الله تعالى المتولدات منهما فيما بينهما، ففي قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 22]، إشارة إلى نهي التعلق والتصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباءكم العلوية، {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] من التدبير الإلهي، وازدواج الأرواح والأشباح بالحاجات الضروريات الإنساني منشئته منه، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22]؛ يعني: التصرف في السفليات والتعلق بها والركون إليها، مما يلوث الجوهر النوراني بلوث الصفات الحيوانية ويجعله سفلي الطبع بعيداً عن الحضرة، محباً للدنيا ناسياً للموت ممقوتاً للحق، {وَسَآءَ سَبِيلاً} [النساء: 22] إلى الهداية بالضلالة. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23]، الآية فيها كلها إشارات إلى نهي التعلق ومنع التصرف في الأمهات السفليات، والمتولدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان وأخلاق السوء، وترك الشهوات الدنيوية واللذات الحيوانية والتمتعات الجسمانية، والاجتناب عن المكائد الشيطانية، والإيذاءات السبعية، فإن تزكية النفس بالاحتراز عن هذه الآفات والمتعلقات، وتصفية القلب منها موجبة للتحلية بالأخلاق الروحانية والأوصاف الربانية، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً} [النساء: 23] يستر بأنوار غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية، التي تتولد من تعرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع، {رَّحِيماً} [النساء: 23] فيما اضطرهم من التصرفات بقدر الحاجة. الضرورية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: لا تتزوجوا من النساء ما تزوجهن آباؤكم أي: الأب وإن علا. { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي: أمرا قبيحا يفحش ويعظم قبحه { وَمَقْتًا } من الله لكم ومن الخلق بل يمقت بسبب ذلك الابن أباه والأب ابنه، مع الأمر ببره. { وَسَاءَ سَبِيلا } أي: بئس الطريق طريقا لمن سلكه لأن هذا من عوائد الجاهلية، التي جاء الإسلام بالتنزه عنها والبراءة منها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 209 : 35 : 57 - سفين عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب انه قال: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} إلا من تاب فإِن الله كان غفوراً رحيماً. [الآية 22].