Verse. 516 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اُمَّھٰتُكُمْ وَبَنٰتُكُمْ وَاَخَوٰتُكُمْ وَعَمّٰـتُكُمْ وَخٰلٰتُكُمْ وَبَنٰتُ الْاَخِ وَبَنٰتُ الْاُخْتِ وَاُمَّھٰتُكُمُ الّٰتِيْۗ اَرْضَعْنَكُمْ وَاَخَوٰتُكُمْ مِّنَ الرَّضَاعَۃِ وَاُمَّھٰتُ نِسَاۗىِٕكُمْ وَرَبَاۗىِٕبُكُمُ الّٰتِيْ فِيْ حُجُوْرِكُمْ مِّنْ نِّسَاۗىِٕكُمُ الّٰتِيْ دَخَلْتُمْ بِہِنَّ۝۰ۡفَاِنْ لَّمْ تَكُوْنُوْا دَخَلْتُمْ بِہِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ۝۰ۡ وَحَلَاۗىِٕلُ اَبْنَاۗىِٕكُمُ الَّذِيْنَ مِنْ اَصْلَابِكُمْ۝۰ۙ وَاَنْ تَجْمَعُوْا بَيْنَ الْاُخْتَيْنِ اِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ غَفُوْرًا رَّحِـيْمًا۝۲۳ۙ
Hurrimat AAalaykum ommahatukum wabanatukum waakhawatukum waAAammatukum wakhalatukum wabanatu alakhi wabanatu alokhti waommahatukumu allatee ardaAAnakum waakhawatukum mina alrradaAAati waommahatu nisaikum warabaibukumu allatee fee hujoorikum min nisaikumu allatee dakhaltum bihinna fain lam takoonoo dakhaltum bihinna fala junaha AAalaykum wahalailu abnaikumu allatheena min aslabikum waan tajmaAAoo bayna alokhtayni illa ma qad salafa inna Allaha kana ghafooran raheeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(حرمت عليكم أمهاتكم) أن تنكحوهن وشملت الجدات من قبل الأب أو الأم (وبناتكم) وشملت بنات الأولاد وإن سفلن (وأخواتكم) من جهة الأب أو الأم (وعماتكم) أي أخوات آبائكم وأجدادكم (وخالاتكم) أي أخوات أمهاتكم وجداتكم (وبنات الأخ وبنات الأخت) ويدخل فيهن أولادهم (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث (وأخواتكم من الرضاعة) ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهم موطوأته والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت منها لحديث: "" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "" رواه البخاري ومسلم (وأمهات نسائكم وربائبكم) جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من غيره (اللاتي في حجوركم) تربونهن. صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) أي جامعتموهن (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) في نكاح بناتهن إذا فارقتموهن (وحلائل) أزواج (أبنائكم الذين من أصلابكم) بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم (وأن تجمعوا بين الأختين) من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بهما بالسنة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معا ويطأ واحدة (إلا) لكن (ما قد سلف) في الجاهلية من نكاحهم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه (إن الله كان غفورا) لما سلف منكم قبل النهي (رحيما) بكم في ذلك.

23

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ }. اعلم أنه تعالى نص على تحريم أربعة عشر صنفا من النسوان: سبعة منهن من جهة النسب، وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء وبنات النساء بشرط أن يكون قد دخل بالنساء، وأزواج الابناء والآباء، إلا أن أزواج الأبناء مذكورة ههنا، وأزواج الآباء مذكورة في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة قال: لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الاعيان، وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال، وذلك الفعل غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات، أولى من بعض، فصارت الآية مجملة من هذا الوجه. والجواب عنه من وجهين: الأول: أن تقديم قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ } تفسير : [النساء: 22] يدل على أن المراد من قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تحريم نكاحهن. الثاني: أن من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والاباحة إذا أضيفتا إلى الاعيان، فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فاذا قيل: حرمت عليكم الميتة والدم، فهم كل أحد أن المراد تحريم أكلهما، وإذا قيل: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم، فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا لاحدى معان ثلاث» تفسير : فهم كل أحد أن المراد لا يحل إراقة دمه. وإذا كانت هذه الأمور معلومة بالضرورة كان إلقاء الشبهات فيها جاريا مجرى القدح في البديهيات وشبه السوفسطائية، فكانت في غاية الركاكة، والله أعلم. بلى عندي فيه بحث من وجوه أخرى: أحدها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } مذكور على ما لم يسم فاعله، فليس فيه تصريح بأن فاعل هذا التحريم هو الله تعالى، وما لم يثبت ذلك لم تفد الآية شيئا آخر، ولا سبيل اليه إلا بالاجماع، فهذه الآية وحدها لا تفيد شيئا، بل لا بد معها من الاجماع على هذه المقدمة، وثانيها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } ليس نصا في ثبوت التحريم على سبيل التأييد، فان القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه الى المؤبد، والى المؤقت، كأنه تعالى تارة قال: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم الى الوقت الفلاني فقط، وأخرى: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم مؤبدا مخلدا، واذا كان القدر المذكور في الآية صالحا لأن يجعل موردا للتقسيم بهذين القسمين، لم يكن نصا في التأييد، فاذن هذا التأييد لا يستفاد من ظاهر الآية، بل من دلالة منفصلة، وثالثها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } خطاب مشافهة فيخصص بأولئك الحاضرين، فاثبات هذا التحريم في حق الكل إنما يستفاد من دليل منفصل، ورابعها: أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل فلا يعرف ذلك إلا بدليل منفصل، وخامسها: أن ظاهر قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } يقتضي أنه قد حرم على كل أحد جميع أمهاتهم وجميع بناتهم، ومعلوم أنه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الجمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، فهذا يقتضي أن الله تعالى قد حرم على كل أحد أمه خاصة، وبنته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر، وسادسها: أن قوله: {حُرِّمَـٰتْ} يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كان أبدا موصوفا بالحرمة لكان قوله: {حُرِّمَـٰتْ } تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكون ذلك إيجاد الموجود وهو محال، فثبت أن المراد من قوله: {حُرِّمَـٰتْ} ليس تجديد التحريم حتى يلزم الاشكال المذكور، بل المراد الاخبار عن حصول التحريم، فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في إثبات المطلوب،والله أعلم. المسألة الثانية: اعلم أن حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان الالهية، بل ان زرداشت رسول المجوس قال بحله، إلا أن أكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا. أما نكاح الاخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحا في زمن آدم عليه السلام، وإنما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة، ورأيت بعض المشايخ أنكر ذلك، وقال: انه تعالى كان يبعث الحواري من الجنة ليزوج بهن أبناء آدم عليه السلام وهذا بعيد، لأنه إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من أهل الجنة، فحينئذ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك بالاجماع باطل. وذكر العلماء أن السبب لهذا التحريم: أن الوطء إذلال وإهانة، فان الانسان يستحي من ذكره ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الانعام، فوجب صونها عن هذا الاذلال، والبنت بمنزلة جزء من الانسان وبعض منه، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فاطمة بضعة مني» تفسير : فيجب صونها عن هذا الاذلال، لأن المباشرة معها تجري مجرى الاذلال، وكذا القول في البقية والله أعلم. ولنشرع الآن في التفاصيل فنقول: النوع الأول: من المحرمات: الأمهات، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الأمهات جمع الأم والأم في الأصل أمهة فأسقط الهاء في التوحيد قال الشاعر:شعر : أمهتى خندف والياس أبي تفسير : وقد تجمع الأم على أمات بغير هاء وأكثر ما يستعمل في الحيوان غير الآدمي قال الراعي:شعر : كانت نجائب منذر ومحرق أمـاتهــن وطـرقهن فحيــلا تفسير : المسألة الثانية: كل امرأة رجع نسبك اليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ثم ههنا بحث وهو أن لفظ الأم لا شك أنه حقيقة في الأم الأصلية، فأما في الجدات فامإ أن يكون حقيقة أو مجازا، فإن كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فإما أن يكون لفظا متواطئا أو مشتركا، فإن كان لفظا متواطئا أعني أن يكون لفظ الأم موضوعا بازاء قدر مشترك بين الأم الأصلية وبين سائر الجدات فعلى هذا التقدير يكون قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } نصا في تحريم الأم الأصلية وفي تحريم جميع الجدات، وأما إن كان لفظ الام مشتركا في الأم الأصلية وفي الجدات، فهذا يتفرع على أن اللفظ المشترك بين أمرين هل يجوز استعماله فيهما معا أم لا؟ فمن جوزه حمل اللفظ ههنا على الكل، وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصا عليه، ومن قال: لا يجوز، فالقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الموضع: أحدهما: أن لفظ الأم لا شك أنه أريد به ههنا الأم الأصلية، فتحريم نكاحها مستفاد من هذا الوجه، وأما تحريم نكاح الجدات فغير مستفاد من هذا النص، بل من الاجماع. والثاني: أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين، يريد في كل مرة مفهوما آخر، أما إذا قلنا: لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية مجاز في الجدات، فقد ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ الواحد دفعة واحدة في حقيقته ومجازه معا، وحينئذ يرجع الطريقان اللذان ذكرناهما فيما إذا كان لفظ الأم حقيقة في الأم الأصلية، وفي الجدات. المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة، فكان هذا الوطء زنا محضا فيلزمه الحد لقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2] إنما قلنا: إن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لأنه تعالى قال: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } وقد علم بالضرورة من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن مراد الله تعالى من هذه الآية: تحريم نكاحها وإذا ثبت هذا فنقول: الموجود ليس إلا صيغة الايجاب والقبول، فلو حصل هذا الانعقاد، فإما أن يقال: إنه حصل في الحقيقة أو في حكم الشرع والأول باطل، لأن صيغة الايجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجد إلا بعد الايجاب، وحصول الانعقاد بين الموجود والمعدوم محال. والثاني: باطل، لأن الشرع بين في هذه الآية بطلان هذا العقد قطعا، ومع كون هذا العقد باطلا قطعا في حكم الشرع، كيف يمكن القول بأنه منعقد شرعا؟ فثبت أن وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة، وإذا ثبت ذلك فباقي التفريع والتقرير ما تقدم. النوع الثاني: من المحرمات: البنات، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: كل أنثى يرجع نسبها اليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، باناث أو بذكور فهي بنتك، وأما بنت الابن وبنت البنت فهل تسمى بنتا حقيقة أو مجازا؟ فالبحث فيه عين ما ذكرناه في الأمهات. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني. وقال أبو حنيفة: تحرم. حجة الشافعي أنها ليست بنتاً له فوجب أن لا تحرم، إنما قلنا: إنها ليست بنتا لوجوه: الأول: أن أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتا له بناء على الحقيقة، وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع بثبوت هذا النسب، والأول باطل على مذهبه طردا وعكسا، أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكرا وافتضها وحبسها في داره فأتت بولد، فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائه مع أن أبا حنيفة قال: لا يثبت نسبها إلا عند الاستلحاق، ولو كان السبب هو كون الولد متخلقا من مائه لما توقف في ثبوت هذا النسب بغير الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد، فأبو حنيفة أثبت النسب هنا مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، فثبت أن القول بجعل التخليق من مائه سببا للنسب باطل طردا وعكسا على قول أبي حنيفة، وأما إذا قلنا: النسب إنما يثبت بحكم الشرع، فههنا أجمع المسلمون على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني، ولو انتسب إلى الزاني لوجب على القاضي منعه من ذلك الانتساب، فثبت أن انتسابها اليه غير ممكن، لا بناء على الحقيقة، ولا بناء على حكم الشرع. الوجه الثاني: التمسك بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الولد للفراش وللعاهر الحجر» تفسير : فقوله: الولد للفراش يقتضي حصر النسب في الفراش. الوجه الثالث: لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث لقوله تعالى: {أية : لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ ٱلأُنْثَيَيْنِ } تفسير : [النساء: 11] ولثبتت له ولاية الاجبار، لقوله عليه السلام: «حديث : زوجوا بناتكم الاكفاء» تفسير : ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحلت الخلوة بها، فلما لم يثبت شيء من ذلك علمنا انتفاء البنتية، وإذا ثبت أنها ليست بنتاً له وجب أن يحل التزوج بها، لأن حرمة التزوج بها إما للبنتية، أو لأجل أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة، وهذا الحصر ثابت بالاجماع. والبنتية باطلة كما ذكرنا، وحرمة المصاهرة بسبب الزنا أيضا باطلة كما تقدم شرح هذه المسألة، فثبت أنها غير محرمة على الزاني والله أعلم. النوع الثالث: من المحرمات: الأخوات: ويدخل فيه الأخوات من الأب والأم معا، والأخوات من الأب فقط، والأخوات من الأم فقط. النوع الرابع والخامس: العمات والخالات. قال الواحدي رحمه الله: كل ذكر رجع نسبك اليه فأخته عمتك، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبك اليها بالولادة فأختها خالتك، وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك. النوع السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت: والقول في بنات الأخ وبنات الأخت كالقول في بنات الصلب. فهذه الأقسام السبعة محرمة في نص الكتاب بالانساب والارحام. قال المفسرون: كل امرأة حرم الله نكاحها للنسب والرحم، فتحريمها مؤبد لا يحل بوجه من الوجوه، وأما اللواتي يحل نكاحهن ثم يصرن محرمات بسبب طارىء، فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية. النوع الثامن والتاسع: قوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: المرضعات سماهن أمهات لأجل الحرمة، كما أنه تعالى سمى أزواج النبي عليه السلام أمهات المؤمنين في قوله: {أية : وَأَزْوٰجُهُ أُمَّهَـٰتُهُمْ } تفسير : [الأحزاب: 6] لأجل الحرمة. المسألة الثانية: أنه تعالى نص في هذه الآية على حرمة الأمهات والأخوات من جهة الرضاعة إلا أن الحرمة غير مقصورة عليهن، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» تفسير : وإنما عرفنا أن الأمر كذلك بدلالة هذه الآيات، وذلك لأنه تعالى لما سمى المرضعة أماً، والمرضعة أختا، فقد نبه بذلك على أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب، وذلك لأنه تعالى حرم بسبب النسب سبعا: اثنتان منها هما المنتسبتان بطريق الولادة، وهما الأمهات والبنات، وخمس منها بطريق الأخوة، وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ثم أنه تعالى لما شرع بعد ذلك في أحوال الرضاع ذكر من هذين القسمين صورة واحدة تنبيها بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمهات، ومن قسم قرابة الاخوة الأخوات، ونبه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أن الحال في باب الرضاع كالحال في النسب، ثم انه عليه السلام أكد هذا البيان بصريح قوله: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» تفسير : فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية، وهذا بيان لطيف. المسألة الثالثة: أم الأنسان من الرضاع هي التي أرضعته، وكذلك كل امرأة انتسبت الى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع، والحال في الأب كما في الأم، واذا عرفت الأم والأب فقد عرفت البنت أيضا بذلك الطريق، وأما الأخوات فثلاثة: الأولى أختك لأبيك وأمك، وهي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك، سواء أرضعتها معك أو مع ولد قبلك أو بعدك، والثانية أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، والثالثة أختك لأمك دون أبيك، وهي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، واذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: الرضاع يحرم بشرط أن يكون خمس رضعات، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: الرضعة الواحدة كافية، وقد مرت هذه المسألة في سورة البقرة، واحتج أبو بكر الرازي بهذه الآية فقال: انه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والاخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: ان قوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } بمنزلة قول القائل: وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، وأمهاتكم اللاتي كسونكم، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلا. وأجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقا بوجود الرضاع كان الحكم معلقا به، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل الى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: {وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ } قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل. واعلم أن هذا الجواب ركيك جداً، أما قوله: ان اسم الأمومة إنما جاء من فعل الرضاع فنقول: وهل النزاع الا فيه، فإن عندي أن اسم الأمومة إنما جاء من الرضاع خمس مرات، وعندك إنما جاء من أصل الرضاع، وأنت إنما تمسكت بهذه الآية لاثبات هذا الأصل، فاذا أثبت التمسك بهذه الآية على هذا الأصل كنت قد أثبت الدليل بالمدلول وإنه دور وساقط، وأما التمسك بأن ابن عمر فهم من الآية حصول التحريم بمجرد فعل الرضاع، فهو معارض بما أن ابن الزبير ما فهمه منه، وكان كل واحد منهما من فقهاء الصحابة ومن العلماء بلسان العرب، فكيف جعل فهم أحدهما حجة ولم يجعل فهم الآخر حجة على قول خصمه. ولولا التعصب الشديد المعمي للقلب لما خفي ضعف هذه الكلمات، ثم ان أبا بكر الرازي أخد يتمسك في إثبات مذهبه بالأحاديث والأقيسة، ومن تكلم في أحكام القرآن وجب أن لا يذكر إلا ما يستنبطه من الآية، فأما ما سوى ذلك فانما يليق بكتب الفقه. النوع العاشر: من المحرمات. قوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: يدخل في هذه الآية الأمهات الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما بينا مثله في النسب. المسألة الثانية: مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين أن من تزوج بامرأة حرمت عليه أمها سواء دخل بها أو لم يدخل، وزعم جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عباس، وحجتهم أنه تعالى ذكر حكمين وهو قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ } ثم ذكر شرطا وهو قوله: {مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبرا في الجملتين معا، وحجة القول الأول أن قوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } جملة مستقلة بنفسها ولم يدل الدليل على عود ذلك الشرط اليه، فوجب القول ببقائه على عمومه، وإنما قلنا إن هذا الشرط غير عائد لوجوه: الأول: وهو أن الشرط لا بد من تعليقه بشيء سبق ذكره فاذا علقناه باحدى الجملتين لم يكن بنا حاجة إلى تعليقه بالجملة الثانية، فكان تعليقه بالجملة الثانية تركا للظاهر من غير دليل، وانه لا يجوز. الثاني: وهو أن عموم هذه الجملة معلوم، وعود الشرط اليه محتمل، لأنه يجوز أن يكون الشرط مختصاً بالجملة الأخيرة فقط، ويجوز أن يكون عائدا إلى الجملتين معا، والقول بعود هذا الشرط إلى الجملتين ترك لظاهر العموم بمخصص مشكوك، وانه لا يجوز. الثالث: وهو أن هذا الشرط لو عاد إلى الجملة الأولى، فاما أن يكون مقصورا عليها، وإما أن يكون متعلقا بها وبالجملة الثانية أيضاً، والأول باطل، لأن على هذا التقدير يلزم القول بتحريم الربائب مطلقا، وذلك باطل بالاجماع، والثاني باطل أيضا، لأن على هذا التقدير يصير نظم الآية هكذا وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا التمييز ثم يقول: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيكون المراد بكلمة «من» ههنا ابتداء الغاية كما يقول: بنات الرسول من خديجة، فيلزم استعمال اللفظ الواحد المشترك في كلا مفهوميه وانه غير جائز، ويمكن أن يجاب عنه فيقال: إن كلمة «من» للاتصال كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أنا من دد ولا الدد مني» تفسير : ومعنى مطلق الاتصال حاصل في النساء والربائب معا. الوجه الرابع: في الدلالة على ما قلناه: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، واذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فان شاء تزوج البنت»، تفسير : وطعن محمد بن جرير الطبري في صحة هذا الحديث. وكان عبدالله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة اذا طلق بنتها قبل المسيس وهو يومئذ بالكوفة، فاتفق أن ذهب الى المدينة فصادفهم مجمعين على خلاف فتواه، فلما رجع الى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة. وروى قتادة عن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فإن طلقها قبل الدخول تزوج أمها، وإن ماتت لم يتزوج أمها، واعلم أنه إنما فرق بين الموت والطلاق في التحريم، لأن الطلاق قبل الدخول لا يتعلق به شيء من أحكام الدخول، ألا ترى أنه لا يجب عليها عدة، وأما الموت فلما كان في حكم الدخول في باب وجوب العدة، لا جرم جعله الله سببا لهذا التحريم. النوع الحادي عشر: من المحرمات. قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: الربائب: جمع رَبيبَة، وهي بنتُ امرأة الرجل من غيره، ومعناها مَرْبوبَة، لأن الرجل هو يربها يقال: ربيت فلانا أربه: وربيته أربيه بمعنى واحد، والحجور جمع حجر، وفيه لغتان قال ابن السِّكِّيْت: حجر الانسان وحجره بالفتح والكسر، والمراد بقوله: {فِى حُجُورِكُمْ } أي في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان اذا كان في تربيته، والسبب في هذه الاستعارة أن كل من ربى طفلا أجلسه في حجره، فصار الحجر عبارة عن التربية، كما يقال: فلان في حضانة فلان، وأصله من الحضن الذي هو الابط، وقال أبو عبيدة: في حجوركم أي في بيوتكم. المسألة الثانية: روى مالك بن أوس بن الحدثان عن علي رضي الله عنه أنه قال: الربيبة اذا لم تكن في حجر الزوج وكانت في بلد آخر، ثم فارق الأم بعد الدخول فانه يجوز له أن يتزوج الربيبة، ونقل أنه رضوان الله عليه احتج على ذلك بأنه تعالى قال: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ } شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فاذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن. وأما سائر العلماء فانهم قالوا: إذا دخل بالمرأة حرمت عليه ابنتها سواء كانت في تربيته أو لم تكن، والدليل عليه قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن المقتضى لحصول الجناح هو مجرد الدخول. وأما الجواب عن حجة القول الأول فهو أن الأعم الأغلب أن بنت زوجة الانسان تكون في تربيته، فهذا الكلام على الأعم، لا أن هذا القيد شرط في حصول هذا التحريم. المسألة الثالثة: تمسك أبو بكر الرازي في إثبات أن الزنا يوجب حرمة المصاهرة بقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } قال: لأن الدخول بها اسم لمطلق الوطء سواء كان الوطء نكاحا أو سفاحا، فدل هذا على أن الزنا بالأم يوجب تحريم البنت، وهذا الاستدلال في نهاية الضعف، وذلك لأن هذه الآية مختصة بالمنكوحة لدليلين: الأول: أن هذه الآية إنما تناولت امرأة كانت من نسائه قبل دخوله بها والمزني بها ليست كذلك، فيمتنع دخولها في الآية بيان الأول من وجهين: الأول: أن قوله: {مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } يقتضي أن كونها من نسائه يكون متقدما على دخوله بها، والثاني: أنه تعالى قسم نساءهم إلى من تكون مدخولا بها، وإلى من لا تكون كذلك، بدليل قوله: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } وإذا كان نساؤهم منقسمة إلى هذين القسمين علمنا أن كون المرأة من نسائه أمر مغاير للدخول بها، وأما بيان أن المزنية ليست كذلك، فذلك لأن في النكاح صارت المرأة بحكم العقد من نسائه سواء دخل بها أو لم يدخل بها، أما في الزنا فانه لم يحصل قبل الدخول بها حالة أخرى تقتضي صيرورتها من نسائه، فثبت بهذا أن المزنية غير داخلة في هذه الآية. الثاني: لو أوصى لنساء فلان، لا تدخل هذه الزانية فيهن، وكذلك لو حلف على نساء بني فلان، لا يحصل الحنث والبر بهذه الزانية، فثبت ضعف هذا الاستدلال والله أعلم. النوع الثاني عشر: من المحرمات. قوله تعالى: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي -رحمه الله-: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إنه يجوز، احتج الشافعي فقال: جارية الابن حليلة، وحليلة الابن محرمة على الأب، أما المقدمة الأولى فبيانها بالبحث عن الحليلة فنقول: الحليلة فعيلة فتكون بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون مأخوذا من الحل الذي هو الاباحة، فالحليلة تكون بمعنى المحلة أي المحللة، ولا شك أن الجارية كذلك فوجب كونها حليلة له. الثاني: أن يكون ذلك مأخوذا من الحلول، فالحليلة عبارة عن شيء يكون محل الحلول، ولا شك أن الجارية موضع حلول السيد، فكانت حليلة له، أما إذا قلنا: الحليلة بمعنى الفاعل ففيه وجهان أيضاً: الأول: أنها لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر كأنهما يحلان في ثوب واحد وفي لحاف واحد وفي منزل واحد ولا شك أن الجارية كذلك. الثاني: ان كل واحد منهما كأنه حال في قلب صاحبه وفي روحه لشدة ما بينهما من المحبة والالفة، فثبت بمجموع ما ذكرناه أن جارية الابن حليلة، وأما المقدمة الثانية وهي أن حليلة الابن محرمة على الأب لقوله تعالى: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ } لا يقال: إن أهل اللغة يقولون: حليلة الرجل زوجته لأنا نقول: إنا قد بينا بهذه الوجوه الأربعة من الاشتقاقات الظاهرة أن لفظ الحليلة يتناول الجارية، فالنقل الذي ذكرتموه لا يلتفت اليه. فكيف وهو شهادة على النفي؟ فانا لا ننكر أن لفظ الحليلة يتناول الزوجة، ولكنا نفسره بمعنى يتناول الزوجة والجارية، فقول من يقول: إنه ليس كذلك شهادة على النفي ولا يلتفت إليه. المسألة الثانية: قوله: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } احترازاً عن المتبني، وكان المتبني في صدر الاسلام بمنزلة الابن، ولا يحرم على الانسان حليلة من ادعاه ابنا إذا لم يكن من صلبه، نكح الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش الأسدية وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب، وكانت زينب ابنة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن كانت زوجة زيد بن حارثة، فقال المشركون: إنه تزوج امرأة ابنه فأنزل الله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 4] وقال: {أية : لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ } تفسير : [الأحزاب: 37] المسألة الثالثة: ظاهر قوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } لا يتناول حلائل الأبناء من الرضاعة، فلما قال في آخر الآية: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لزم من ظاهر الآيتين حل التزوج بأزواج الأبناء من الرضاع، إلا أنه عليه السلام قال: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» تفسير : فاقتضى هذا تحريم التزوج بحليلة الابن من الرضاع لأن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } يتناول الرضاع وغير الرضاع، فكان قوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» أخص منه، فخصصوا عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن حرمة التزوج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد كما أن حرمة التزوج بحليلة الأب تحصل بنفس العقد، وذلك لأن عموم الآية يتناول حليلة الابن، سواء كانت مدخولا بها أو لم تكن. أما ما روي ان ابن عباس سئل عن قوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } أنه تعالى لم يبين أن هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها. أو غير مخصوص بذلك، فقال ابن عباس: أبهموا ما أبهمه الله، فليس مراده من هذا الابهام كونها مجملة مشتبهة، بل المراد من هذا الابهام التأييد. ألا ترى أنه قال في السبعة المحرمة من جهة النسب: انها من المبهمات، أي من اللواتي تثبت حرمتهن على سبيل التأبيد، فكذا ههنا، والله أعلم. المسألة الخامسة: اتفقوا على أن هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجَدّ، وهذا يدل على أن ولد الولد يطلق عليه أنه من صُلْب الجَدّ، وفيه دلالة على أن ولد الولد منسوب إلى الجد بالولادة. النوع الثالث عشر: من المحرمات. قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاْخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاْخْتَيْنِ } في محل الرفع، لأن التقدير: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم والجمع بين الأختين. المسألة الثانية: الجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: إما أن ينكحهما معا، أو يملكهما معاً، أو ينكح إحداهما ويملك الاخرى، أما الجمع بين الأختين في النكاح. فذلك يقع على وجهين: أحدهما: أن يعقد عليهما جميعا، فالحكم ههنا: إما الجمع، أو التعيين، أو التخيير، أو الابطال، أما الجمع فباطل بحكم هذه الآية هكذا قالوا، إلا أنه مشكل على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه، لأن الحرمة لا تقتضي الابطال على قول أبي حنيفة، ألا ترى أن الجمع بين الطلقات حرام على قوله، ثم انه يقع، وكذا النهي عن بيع الدرهم بالدرهمين لم يمنع من انعقاد هذا العقد، وكذا القول في جميع المبايعات الفاسدة، فثبت أن الاستدلال بالنهي على الفساد لا يستقيم على قوله. فان قالوا: وهذا يلزمكم أيضا لأن الطلاق في زمان الحيض وفي طهر جامعها فيه منهيٌ عنه، ثم انه يقع. قلنا: بين الصورتين فرق دقيق لطيف ذكرناه في الخلافيات، فمن أراده فليطلب ذلك الكتاب، فثبت أن الجمع باطل. وأما أن التعيين أيضا باطل، فلأن الترجيح من غير مرجح باطل، وأما أن التخيير أيضا باطل، فلأن القول بالتخيير يقتضي حصول العقد وبقاءه إلى أوان التعيين. وقد بينا بطلانه، فلم يبق إلا القول بفساد العقدين جميعا. الصورة الثانية: من صور الجمع: وهي أن يتزوج إحداهما، ثم يتزوج الأخرى بعدها، فههنا يحكم ببطلان نكاح الثانية، لأن الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بين الأختين بملك اليمين، أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى، فقد اختلفت الصحابة فيه، فقال علي وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما: والباقون جوزوا ذلك. أما الأولون فقد احتجوا على قولهم بأن ظاهر الآية يقتضي تحريم الجمع بين الأختين مطلقا، فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه،وعن عثمان أنه قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحليل أولى، فالآية الموجبة للتحليل هي قوله:{أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 24] وقوله: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6]. والجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذه الآيات دالة على تحريم الجمع أيضا، لأن المسلمين أجمعوا على أنه لا يجوز الجمع بين الأختين في حل الوطء، فنقول: لو جاز الجمع بينهما في الملك لجاز الجمع بينهما في الوطء لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 29 ـ 30] لكنه لا يجوز الجمع بينهما في الملك، فثبت أن هذه الآية بأن تكون دالة على تحريم الجمع بينهما في الملك، أولى من أن تكون دالة على الجواز. الوجه الثاني: إن سلمنا دلالتها على جواز الجمع، لكن نقول: الترجيح لجانب الحرمة، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال» تفسير : الثاني: أنه لا شك أن الاحتياط في جانب الترك فيجب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»تفسير : الثالث: أن مبنى الابضاع في الأصل على الحرمة، بدليل أنه إذا استوت الامارات في حصول العقد مع شرائطه وفي عدمه وجب القول بالحرمة، ولأن النكاح مشتمل على المنافع العظيمة، فلو كان خاليا عن جهة الاذلال والضرر، لوجب أن يكون مشروعا في حق الأمهات لأن إيصال النفع اليهن مندوب لقوله تعالى: {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [البقرة: 83] ولما كان ذلك محرما علمنا اشتماله على وجه الاذلال والمضارة، وإذا كان كذلك كان الأصل فيه هو الحرمة، والحل إنما ثبت بالعارض، وإذا ثبت هذا ظهر أن الرجحان لجانب الحرمة، فهذا هو تقرير مذهب علي رضي الله عنه في هذا الباب. أما إذا أخذنا بالمذهب المشهور بين الفقهاء، وهو أنه يجوز الجمع بين أمتين أختين في ملك اليمين، فاذا وطىء إحداهما حرمت الثانية، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج. المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: نكاح الأخت في عدة الأخت البائن جائز، وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا يجوز. حجة الشافعي: أنه لم يوجد الجمع فوجب أن لا يحصل المنع، إنما قلنا: إنه لم يوجد الجمع لأن نكاح المطلقة زائل، بدليل أنه لا يجوز له وطؤها، ولو وطئها يلزمه الحد، وإنما قلنا: انه لما لم يوجد الجمع وجب أن لا يحصل المنع، لقوله تعالى بعد تقرير المحرمات: {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } تفسير : [النساء: 24] ولا شبهة في انتفاء جميع تلك الموانع، إلا كونه جمعا بين أختين، فاذا ثبت بالدليل أن الجمع منتف وجب القول بالجواز. فان قيل: النكاح باق من بعض الوجوه بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة عليها. قلنا: النكاح له حقيقة واحدة، والحقيقة الواحدة يمتنع كونها موجودة معدومة معا، بل لو انقسمت هذه الحقيقة الى نصفين حتى يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما صح ذلك، أما إذا كانت الحقيقة الواحدة غير قابلة للتنصيف كان هذا القول فاسدا. وأما وجوب العدة ولزوم النفقة، فاعلم أنه ان حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، وهذا لا ينتج أنه حصلت القدرة على حبسها للنكاح؛ لأن استثناء عين التالي لا ينتج، فبالجملة: فاثبات حق الحبس بعد زوال النكاح بطريق آخر معقول في الجملة، فاما القول ببقاء النكاح حال القول بعدمه، فذلك مما لا يقبله العقل، وتخريج أحكام الشرع على وفق العقول، أولى من حملها على ما يعرف بطلانها في بداهة العقول، والله أعلم. المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا أسلم الكافر وتحته أختان اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: إن كان قد تزوج بهما دَفعةً واحدةً فرق بينه وبينهما، وان كان قد تزوج باحداهما أولا وبالأخرى ثانيا، اختار الأولى وفارق الثانية، واحتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بقوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاْخْتَيْنِ } قال: هذا خطاب عام فيتناول المؤمن والكافر، وإذا ثبت أنه تناول الكافر وجب أن يكون النكاح فاسدا، لأن النهي يدل على الفساد. فيقال له: انك بنيت هذا الاستدلال على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع وعلى أن النهي يدل على الفساد، وأبو حنيفة لا يقول بواحد من هذين الأصلين، فان قال: فهما صحيحان على قولكم: فكان هذا الاستدلال لازما عليكم فنقول: قولنا: الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لا نعني به في أحكام الدنيا، فانه ما دام كافرا لا يمكن تكليفه بفروع الاسلام، وإذا أسلم سقط عنه كل ما مضى بالاجماع، بل المراد منه أحكام الآخرة، وهو أن الكافر يعاقب بترك فروع الاسلام كما يعاقب على ترك الاسلام، إذا عرفت هذا فنقول: أجمعنا على أنه لو تزوج الكافر بغير ولي ولا شهود، أو تزوج بها على سبيل القهر، فبعد الاسلام يقر ذلك النكاح في حقه، فثبت أن الخطاب بفروع الشرائع لا يظهر أثره في الأحكام الدنيوية في حق الكافر، وحجة الشافعي: أن فيروزاً الديلمي أسلم على ثمان نسوة، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : اختر أربعا وفارق سائرهن» تفسير : خيره بينهن، وذلك ينافي ما ذكرتم من الترتيب والله أعلم. المسألة الخامسة: قوله تعالى: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } فيه الاشكال المشهور: وهو أن تقدير الآية حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا الا ما قد سلف، وهذا يقتضي استنثاء الماضي من المستقبل، وإنه لا يجوز، وجوابه بالوجوه المذكورة في قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ مَا سَلَفَ } والمعنى أن ما مضى مغفور بدليل قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }؟ النوع الرابع عشر: من المحرمات.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى وعشرون مسألة: الأولى ـ قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} الآية. أي نكاح أُمهاتكم ونكاح بناتكم؛ فذكر الله تعالىٰ في هذه الآية ما يحِل من النساء وما يحرم، كما ذكر تحريم حَليلة الأب، فحرّم الله سَبْعاً من النسب وسِتّاً من رضَاع وصِهْر، وألحقت السنةُ المتواترة سابعة؛ وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ونص عليه الإجماع. وثبتت الرواية عن ٱبن عابس قال: حرّم من النسب سبع ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية. وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار مثل ذلك، وقال: السابعة قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ}. فالسبع المحرّمات من النسب: الأُمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأُخت. والسبع المحرّمات بالصهر والرّضاع: الأُمهات من الرضاعة والأخوات من الرّضاعة، وأُمهات النساء والربائِب وحَلائل الأبناء والجمع بين الأُختين، والسابعة {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ}. قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهنّ بإجماعٍ إلاَّ أُمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ؛ فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأُم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلاَّ بالدخول بالأُمِّ؛ وبهذا قول جميع أئمة الفَتْوىٰ بالأمصار. وقالت طائفة من السلف: الأُم والربيبة سواء، لا تحرم منهما واحدة إلاَّ بالدخول بالأُخرى. قالوا: ومعنى قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} أي اللاتي دخلتم بهنّ. {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}. وزعموا أن شرط الدخول راجع إلى الأُمهات والربائب جميعاً؛ رواه خِلاَسٌ عن عليّ بن أبي طالب. وروي عن ٱبن عباسٍ وجابرٍ وزيد بن ثابت، وهو قول ابن الزبير ومجاهد. قال مجاهد: الدّخول مراد في النازلتين؛ وقول الجمهور مخالف لهذا وعليه الحكم والفتيا، وقد شدّد أهل العراق فيه حتى قالوا: لو وطئها بزنًى أو قبّلها أو لمسها بشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا وعند الشافعيّ إنما تحرم بالنكاحِ الصحيح؛ والحرام لا يحرّم الحلال على ما يأتي. وحديث خِلاسٍ عن عليّ لا تقوم به حجة، ولا تصح روايته عند أهل العلم بالحديث، والصحيح عنه مثل قولِ الجماعةِ. قال ابن جريج: قلت لعطاء الرجل ينكِح المرأة ثم لا يراها ولا يجامعها حتى يطلقها أوَ تحِلّ له أُمها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: أكان ٱبن عباس يقرأ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}؟ قال: لا لا. وروى سعيد عن قتادة عن عِكرمة عن ٱبن عباس في قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} قال: هي مبهمة لا تحِل بالعقد على الابنة؛ وكذلك روى مالك في موطئِه عن زيد بن ثابت، وفيه: فقال زيد لا، الأُم مبهمة (ليس فيها شرط) وإنما الشرط في الربائب. قال ابن المنذر: وهذا هو الصحيح؛ لدخول جميع أُمهات النساء في قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}. ويؤيد هذا القول من جهة الإعراب أن الخبرين إذا ٱختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحداً؛ فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن تكون «الظريفات» نعتاً لنسائك ونساء زيد؛ فكذلك الآية لا يجوز أن يكون {اللاَّتِي} من نعتهما جميعاً؛ لأن الخبرين مختلفان، ولكنه يجوز على معنى أعني. وأنشد الخليل وسيبويه: شعر : إنّ بِها أكْتَلَ أو رِزامَا خُوَيْرَبَيْنِ يَنْقُفَانِ الْهَامَا تفسير : خُوَيْرَبَيْن يعني لِصَّين، بمعنى أعني. وينقفان: يكسِران؛ نقفت رأسه كسرته. وقد جاء صريحاً من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أُمّها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوّج الأُم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوّج البنت » تفسير : أخرجه في الصحيحين. الثانية ـ وإذا تقرّر هذا وثبت فٱعلم أن التحريم ليس صفة للأعيان، والأعيان ليست مورداً للتحليل والتحريم ولا مصدراً، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي بأفعال المكلَّفين من حركة وسكون؛ لكن الأعيان لما كانت مورداً للأفعال أضيف الأمر والنهي والحكم إليها وعُلِّق بها مجازاً على معنى الكناية بالمحل عن الفعل الذي يحِلّ به. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: «أُمَّهَاتُكُمْ» تحريم الأُمهات عامّ في كل حال لا يتخصص بوجهٍ من الوجوه؛ ولهذا يسميه أهل العلم المبهم، أي لا باب فيه ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات ومن ذكر من المحرّمات. والأمهات جمع أُمّهَة؛ يُقال: أُمّ وأمّهة بمعنى واحد، وجاء القرآن بهما. وقد تقدّم في الفاتحة بيانه. وقيل: إن أصل أم أمّهة على وزن فُعَّلَة مثل قُبَّرَة وحُمَّرة لطيْرَيْن، فسقطت وعادت في الجمع. قال الشاعر: شعر : أمّهتِـي خِنْـدِفُ والـدَّوْسُ أبــي تفسير : وقيل: أصل الأْمّ أُمَّةٌ، وأنشدوا: شعر : تَقَبّلتَها عن أُمّةٍ لك طالما تَثُوبُ إليها في النوائب أجمعا تفسير : ويكون جمعها أُمّات. قال الراعي: شعر : كانت نَجائِبُ مُنْذِرٍ وَمُحَرِّقٍ أُمّاتِهِنّ وَطَرْقُهُنّ فَحِيلاَ تفسير : فالأم ٱسم لكل أنثىٰ لها عليك ولادة؛ فيدخل في ذلك الأمّ دِنْيَةً، وأُمهاتها وجدّاتها وأُمُّ الأب وجدّاته وإن عَلَوْنَ. والبنت ٱسم لكل أنثى لك عليها ولادة، وإن شئت قلت: كل أنثى يرجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات؛ فيدخل في ذلك بنت الصلب وبناتها وبنات الأبناء وإن نَزَلْن. والأخت ٱسم لكل أُنثى جاورتك في أصليْك أو في أحدهما. والبنات جمع بنت، والأصل بَنَيَةٌ، والمستعمل ٱبْنَة وبِنْت. قال الفرّاء: كُسِرت الباء من بنت لتدل الكسرة على الياء، وضُمّت الألف من أُخت لتدل على حذف الواو، فإن أصل أُخت أَخَوَة، والجمع أخَوَات. والعمّة ٱسم لكل أُنثى شاركت أباك أو جدّك في أصليه أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل ذكر رجع نسبه إليك فأخته عمتك. وقد تكون العمة من جهة الأُم، وهي أخت أب أُمك. والخالة ٱسم لكل أُنثى شاركت أُمّك في أصليها أو في أحدهما. وإن شئت قلت: كل أُنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأُختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أُخت أُمِّ أبيك. وبنت الأخ ٱسم لكل أُنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة أو مباشرة؛ وكذلك بنت الأُخت. فهذه السبع المحرّمات من النسب. وقرأ نافِعٌ ـ في رواية أبي بكر بن أُبي أُوَيْس ـ بتشديد الخاء من الأخ إذا كانت فيه الألف واللام مع نقل الحركة. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وهي في التحريم مثل من ذكرنا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » تفسير : . وقرأ عبد الله «وأُمهاتكم اللائي» بغير تاء؛ كقوله تعالىٰ: { أية : وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [الطلاق: 4]. قال الشاعر: شعر : من اللاَّءِ لم يحجُجْنَ يَبْغين حِسْبَةً ولكن ليقتلْنَ البَرِيء المغَفَّلا تفسير : {أَرْضَعْنَكُمْ} فإذا أرضعت المرأة طفلاً حرمت عليه لأنها أُمّه، وبنتُها لأنها أُخته، وأُختُها لأنها خالتُه، وأُمّها لأنها جدّتُه، وبنت زوجها صاحِبِ اللبن لأنها أُخته، وأُخته لأنها عمته، وأُمّه لأنها جدّته، وبنات بنيها وبناتها لأنهنّ بنات إخوته وأخواته. الخامسة ـ قال أبو نعيم عبيد الله بن هشام الحلبيّ: سئِل مالك عن المرأة أيحج معها أخوها من الرّضاعة؟ قال: نعم. قال أبو نعيم: وسئل مالك عن ٱمرأة تزوّجت فدخل بها زوجها، ثم جاءت ٱمرأة فزعمت أنها أرضعتهما؛ قال: يفرق بينهما، وما أخذت من شيء له فهو لها، وما بقِي عليه فلا شيء عليه. ثم قال مالك: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن مثل هذا فأمر بذلك؛ فقالوا: يا رسول الله، إنها ٱمرأة ضعيفة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : أليس يُقال إن فلاناً تزوّج أُخته » تفسير : ؟. السادسة ـ التحريم بالرّضاع إنما يحصل إذا ٱتفق الإرضاع في الحولين؛ كما تقدّم في «البقرة». ولا فرق بين قليل الرّضاع وكثيره عندنا إذا وصل إلى الأمعاء ولو مَصّة واحدة. واعتبر الشافعي في الإرضاع شرطين: أحدهما خمس رضعات؛ لحديث عائشة قالت: كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرّمن، ثم نسخن بخمسٍ معلومات، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنّ مما يُقرأ من القرآن. موضع الدليل منه أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخاً للخمس. ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس؛ لأنه لا ينسخ بهما. وفي حديث سَهْلَة: « حديث : أرضعيه خمس رضعات يحرم بهن » تفسير : . الشرط الثاني ـ أن يكون في الحولين، فإن كان خارجاً عنهما لم يحرّم؛ لقوله تعالىٰ: { أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ } تفسير : [البقرة: 233]. وليس بعد التمام والكمال شيء. واعتبر أبو حنيفة بعد الحولين ستة أشهر. ومالك الشهر ونحوه. وقال زُفَر: ما دام يجتزىء باللبن ولم يفطم فهو رضاع وإن أتى عليه ثلاث سنين. وقال الأوزاعيّ: إذا فطم لسنة واستمر فطامه فليس بعده رضاع. وٱنفرد الليث بن سعد من بين العلماء إلى أنّ رضاع الكبير يوجب التحريم؛ وهو قول عائشة رضي الله عنها، وروي عن أبي موسى الأشعريّ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك، وهو ما رواه أبو حُصَيْن عن أبي عطية قال: قدم رجل بٱمرأته من المدينة فوضعت وتورّم ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه؛ فسأل أبا موسىٰ فقال: بانت منك، واتِ ٱبن مسعود فأخبره، ففعل؛ فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال: أرضيعاً ترى هذا الأشْمَط ٰ إنما يحرم من الرضاع ما يُنبت اللحم والعظم. فقال الأشعري: لا تسألوني عن شيء وهذا الحبر بين أظهرِكم. فقوله: «لا تسألوني» يدل على أنه رجع عن ذلك. وٱحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلاً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل: «أرضعيه» خرجه الموطأ وغيره. وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات؛ تمسكاً بأنه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغهم الناسخ. وقال داود: لا يحرم إلاَّ بثلاث رضعات؛ وٱحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تحرّم الإملاجة والإملاجتان » تفسير : . أخرجه مسلم. وهو مرويّ عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسُّكٌ بدليل الخطاب، وهو مختلف فيه. وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرّضعة الواحدة تحرّم إذا تحققت كما ذكرنا؛ متمسِّكين بأقل ما ينطلق عليه ٱسم الرّضاع. وعُضِد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر؛ بعِلّة أنه معنى طارىء يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر. وقال الليث بن سعد: وأجمع المسلمون على أن قليل الرّضاع وكثيره يحرّم في المَهْد ما يفطر الصائم. قال أبو عمر: لم يقف الليث على الخلاف في ذلك. قلت ـ وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تحرم المَصَّة ولا المصتان » تفسير : أخرجه مسلم في صحيحه. وهو يفسر معنى قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر؛ غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع؛ لقوله: « حديث : عشر رضعات معلومات. وخمس رضعات معلومات » تفسير : . فوصفها بالمعلومات إنما هو تحرز مما يُتوهّم أو يُشَكُّ في وصوله إلى الجوف. ويفيد دليل خطابه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم. والله أعلم. وذكر الطحاوي أن حديث الإملاجة والإملاجتين لا يثبت؛ لأنه مرةً يرويه ٱبن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة يرويه عن عائشة، ومرّة يرويه عن أبيه؛ ومثل هذا الاضطراب يسقِطه. وروي عن عائشة أنه لا يحرّم إلاَّ سبع رضعات. وروي عنها أنها أُمرت أُختها «أُم كلثوم» أن ترضع سالم بن عبد الله عشر رضعات. وروي عن حفصة مثله، وروي عنها ثلاث، وروي عنها خمس؛ كما قال الشافعيّ رضي الله عنه، وحكي عن إسحاق. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} ٱستدل به مَن نفى لبن الفحل، وهو سعيد ابن المسيب وإبراهيم النخعِيّ وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرّم شيئاً من قبل الرجل. وقال الجمهور: قوله تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} يدل على أن الفحل أب؛ لأن اللبن منسوب إليه فإنه درّ بسبب ولده. وهذا ضعيف؛ فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعاً، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلاَّ وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا فصل الولد خلق الله اللبن من غير أن يكون مضافاً إلى الرجل بوجه ما؛ ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها، فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » تفسير : يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل مثل ظهور نسبة الماء إليه والرضاع منها. نعم، الأصل فيه حديث الزهرِيّ وهشام بن عروة عن عروة حديث : عن عائشة رضي الله عنها: أن أفْلَحَ أخا القُعَيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب. قالت: فأبيت أن آذن له: فلما جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبرته فقال: «لِيلج عليكِ فإنه عمك تربت يمينك» تفسير : . وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة رضي الله عنها؛ وهذا أيضاً خبر واحد. ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لِبانٍ فلذلك قال « حديث : ليلج عليك فإنه عمك » تفسير : . وبالجملة فالقول فيه مشكِل والعلم عند الله، ولكن العمل عليه، والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله تعالىٰ: { أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم ْ } تفسير : [النساء: 24] يقوّي قول المخالِف. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} وهي الأُخت لأب وأُم، وهي التي أرضعتها أُمك بِلبانِ أبيك؛ سواء أرضعتها معك أو ولِدت قبلك أو بعدك. والأُخت من الأب دون الأُم، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك. والأُخت من الأُم دون الأب، وهي التي أرضعتها أُمّك بِلبان رجل آخر. ثم ذكر التحريم بالمصاهرة فقال تعالىٰ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} والصهر أربع: أُم المرأة وٱبنتها وزوجة الأب وزوجة الابن. فأُمّ المرأة تحرم بمجرّد العقد الصحيح على ٱبنتها على ما تقدّم. التاسعة ـ قوله تعالىٰ: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} هذا مستقل بنفسه. ولا يرجع قوله: {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} إلى الفريق الأوّل، بل هو راجع إلى الربائب، إذ هو أقرب مذكور كما تقدّم. والربيبة: بنت ٱمرأة الرجل من غيره؛ سميت بذلك لأنه يربيها في حِجره فهي مربوبة، فعيلة بمعنى مفعولة. وٱتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أُمها إذا دخل بالأُم، وإن لم تكن الربيبة في حجره. وشذّ بعض المتقدّمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم عليه الربيبة إلاَّ إن تكون في حجر المتزوّج بأُمها؛ فلو كانت في بلد آخر وفارق الأُم بعد الدخول فله أن يتزوّج بها؛ وٱحتجوا بالآية فقالوا: حرّم الله تعالىٰ الربيبة بشرطين: أحدهما ـ أن تكون في حِجر المتزوّج بأُمّها. والثاني ـ الدخول بالأُمّ؛ فإذا عدم أحد الشرطين لم يوجد التحريم. وٱحتجوا بقوله عليه السَّلام: « حديث : لو لم تكن ربيبتي في حِجري ما حلّت لي إنها ٱبنة أخي من الرضاعة » تفسير : فشرط الحجر. ورووا عن عليّ بن أبي طالب إجازة ذلك. قال ٱبن المنذر والطحاوي: أما الحديث عن عليّ فلا يثبت؛ لأن روايه إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف، وأكثر أهل العلم قد تلقوه بالدفع والخلاف. قال أبو عبيد: ويدفعه قوله: « حديث : فلا تَعْرِضن عليّ بناتِكن ولا أخواتِكن » تفسير : فعمّ. ولم يقل: اللائي في حجري، ولكنه سوّى بينهنّ في التحريم. قال الطحاوي: وإضافتهنّ إلى الحجور إنما ذلك على الأغلب مما يكون عليه الرّبائب؛ لا أنهنّ لا يحرمْن إذا لم يكنّ كذلك. العاشرة ـ قوله تعالىٰ: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} يعني بالأُمهات. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يعني في نكاح بناتهنّ إذا طلقتموهنّ أو متْنَ عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوّج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاحُ ٱبنتها. واختلفوا في معنى الدّخول بالأُمّهات الذي يقع به تحريم الرّبائب؛ فروِي عن ٱبن عباس أنه قال: الدّخول الجماع؛ وهو قول طاوس وعمرو بن دِينار وغيرهما. واتفق مالك والثَّوّريْ وأبو حنيفة والأوزاعيّ والليث على أنه إذا مسها بشهوة حَرُمت عليه أُمّها وٱبنتها وحَرُمت على الأب والابن، وهو أحد قولي الشافعيّ. وٱختلفوا في النظر؛ فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها أو صدرها أو شيءٍ من محاسِنها لِلذة حرمت عليه أُمّها وٱبنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها للشَّهوة كان بمنزلة اللَّمس للشهوة. وقال الثَّوْريّ: يحرم إذا نظر إلى فرجها متعمداً أو لمسها؛ ولم يذكر الشهوة. وقال ٱبن أبي لَيْلَى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس؛ وهو قول الشافعيّ. والدليل على أن بالنظر يقع التحريم أن فيه نوع ٱستمتاع فجرى مجرى النكاح؛ إذ الأحكام تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يحتمل أن يُقال: إنه نوع من الاجتماع بالاستمتاع؛ فإن النظر ٱجتماع ولقاء، وفيه بين المحِبّين ٱستمتاع؛ وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا: شعر : أليس ٱلليل يجمع أُمّ عمروٍ وإيانا فذاك بنا تَدانِ نعم، وترى الهِلال كما أراه ويعلوها النهار كما عَلانِي تفسير : فكيف بالنظر والمجالسة والمحادثة واللذة. الحادية عشرة ـ قوله تعالىٰ: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ}، الحلائِل جمع حَلِيلة، وهي الزوجة. سُميت حليلة لأنها تَحِل مع الزوج حيث حلّ؛ فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال؛ فهي حليلة بمعنى محلّلة. وقيل: لأن كل واحد منهما يَحُل إزار صاحبه. الثانية عشرة ـ أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء، كان مع العقد وطء أو لم يكن؛ لقوله تعالىٰ: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} وقوله تعالىٰ: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}؛ فإن نكح أحدهما نكاحاً فاسداً حَرُم على الآخر العقدُ عليها كما يحرُم بالصحيح؛ لأن النكاح الفاسد لا يخلو: إما أن يكون مُتَّفَقاً على فساده أو مختلفَاً فيه. فإن كان متّفقاً على فساده لم يوجِب حُكماً وكان وجوده كعدمه. وإن كان مختلَفاً فيه فيتعلّق به من الحرمة ما يتعلّق بالصحيح؛ لاحتمال أن يكون نكاحاً فيدخل تحت مطلق ٱللفظ. والفروج إذا تعارض فيها التحريم والتحليل غُلِّب التحريم. والله أعلم. قال ٱبن المنذِر: أجمع كلّ من يحفظ عنه من علماء الأمصار على أن الرجل إذا وطِىء ٱمرأة بنكاح فاسد أنها تحرُم على أبيه وٱبنه وعلى أجداده وولد ولده. وأجمع العلماء وهي المسألة: الثالثة عشرة ـ على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وٱبنه؛ فإذا ٱشترى الرجل جارية فلمس أو قبّل حَرُمت على أبيه وٱبنه، لا أعلمهم يختلفون فيه؛ فوجب تحريم ذلك تسليماً لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللّمس لم يجز ذلك لاختلافهم. قال ٱبن المنذِر؛ ولا يصحّ عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه. وقال يعقوب ومحمد: إذا نظر رجل في فرج ٱمرأةٍ من شهوة حَرُمت على أبيه وٱبنه، وتحرُم عليه أُمّها وٱبنتها. وقال مالك: إذا وَطِىء الأمة أو قَعد منها مقعداً لذلك وإن لم يُفْض إليها، أو قبّلها أو باشرها أو غمزها تلذُّذاً فلا تحلّ لابنه. وقال الشافعيّ: إنما تحرُم باللمس ولا تحرُم بالنظر دون اللمس؛ وهو قول الأوزاعيّ. الرابعة عشرة ـ وٱختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرّم أم لا؛ فقال أكثر أهل العلم: لو أصاب رجل ٱمرأة بزنًى لم يحرُم عليه نكاحها بذلك؛ وكذلك لا تحرُم عليه ٱمرأته إذا زنى بأُمها أو بٱبنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، ثم يدخل بٱمرأته. ومن زَنَىٰ بٱمرأة ثم أراد نكاح أُمّها أو ٱبنتها لم تحرُما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرُم عليه. روي هذا القول عن عِمران بن حُصين؛ وبه قال الشَّعبِيّ وعطاء والحسن وسفيان الثَّوْرِي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن مالك؛ وأن الزنى يحرّم الأُم والابنة وأنه بمنزلة الحلال، وهو قول أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز: أن الزنى لا حكم له؛ لأن الله سبحانه وتعالىٰ قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} وليست التي زَنَىٰ بها من أُمّهات نسائه، ولا ٱبنتها من ربائبه. وهو قول الشافعيّ وأبي ثَوْر. لأنه لما ٱرتفع الصداق في الزنى ووجوب العدّة والميراث ولحوق الولد ووجوب الحدّ ٱرتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز، وروى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث الزّهْرِيّ عن عُروة عن عائشة قالت: حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنىٰ بامرأة فأراد أن يتزوّجها أو ٱبنتها فقال: «لا يحرّم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح» تفسير : . ومن الحجة للقول الآخرحديث : إخبارُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن جُرَيْج وقوله: «يا غلام من أبوك»؟ قال: فلان الراعيتفسير : . فهذا يدل على أن الزنى يحرّم كما يحرّم الوطء الحلالُ؛ فلا تحِلّ أُمّ المزنِي بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده؛ وهي رواية ٱبن القاسم في المدوّنة. ويستدلّ به أيضاً على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحلّ للزاني بأُمّها، وهو المشهور. قال عليه السَّلام: «لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج ٱمرأة وٱبنتها» ولم يفصل بين الحلال والحرام. وقال عليه السَّلام: «حديث : لا ينظر الله إلى مَن كشف قِناع ٱمرأة وٱبنتها»تفسير : . قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا قُلنا إن القُبْلة وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة. وقال عبد الملك الماجِشُون: إنها تحلّ؛ وهو الصحيح لقوله تعالىٰ: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } تفسير : [الفرقان: 54] يعني بالنكاح الصحيح، على ما يأتي في «الفرقان» بيانه. ووجه التمسّك من الحديث على تلك المسألتين أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جُريج أنه نسب ٱبن الزنى للزاني، وصدّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نُطق الصبيّ بالشهادة له بذلك؛ وأخبر بها النبيّ صلى الله عليه وسلم عن جُريج في معرِض المدح وإظهار كرامته؛ فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالىٰ وبإخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ فثبتت البنوّة وأحكامها. فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوّة والأبوّة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد ٱتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلمَ تصح تلك النسبة؟. فالجواب ـ إن ذلك موجب ما ذكرناه. وما ٱنعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل، والله أعلم. الخامسة عشرة ـ وٱختلف العلماء أيضاً من هذا الباب في مسألة اللاّئط؛ فقال مالك والشافعيّ وأبو حنيفة وأصحابهم؛ لا يحرم النكاح باللَّواط. وقال الثَّوْرِي: إذا لعب بالصبي حرمت عليه أُمّه؛ وهو قول أحمد بن حنبل. قال: إذا تلوط بٱبن ٱمرأته أو أبيها أوأخيها حرُمت عليه ٱمرأته. وقال الأوزاعيّ: إذا لاط بغلام ووُلِد للمفجور به بِنت لم يجز للفاجر أن يتزوّجها؛ لأنها بنت من قد دخل به. وهو قول أحمد بن حنبل. السادسة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبنّاه ممن ليس للصّلب. ولمّا تزوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱمرأة زيد بن حارثة قال المشركون: تزوّج ٱمرأة ٱبنه! وكان عليه السَّلام تبنّاه؛ على ما يأتي بيانه في «الأحزاب». وحرمت حليلة الابن من الرضاع ـ وإن لم يكن للصّلب ـ بالإجماع المستند إلى قوله عليه السَّلام: « حديث : يحرُم من الرّضاع ما يحرُم من النَّسب ».تفسير : السابعة عشرة ـ قوله تعالىٰ؛ {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} موضع «أنْ» رفْعٌ على العطف على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}. والأُختان لفظ يعم الجميع بنكاح وبِملْك يَمِين. وأجمعت الأُمة على منع جمعهما في عقد واحد من النكاح لهذه الآية، وقولِه عليه السَّلام: « حديث : لا تَعْرِضْنَ عليّ بناتكن ولا أخواتكن » تفسير : . وٱختلفوا في الأُختين بِملْك اليمين؛ فذهب كافّة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما بالمِلْك في الوَطْء، وإن كان يجوز الجمع بينهما في المِلك بإجماع؛ وكذلك المرأة وٱبنتها صفقة واحدة. وٱختلفوا في عقد النكاح على أُخت الجارية التي وطِئها؛ فقال الأوزاعيّ: إذا وَطِىءَ جارية له بِملْك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أُختها. وقال الشافعيّ؛ مِلْك اليمين لا يمنع نكاح الأُخت. قال أبو عمر: من جَعلَ عقد النكاح كالشِّراء أجازَه، ومن جعله كالوطء لم يُجِزْه. وقد أجمعوا على أنه لا يجوز العقد على أُخت الزوجة؛ لقول الله تعالىٰ: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} يعني الزوجتين بعقد النكاح. فقِف على ما ٱجتمعوا عليه وما ٱختلفوا فيه يتبيّن لك الصواب (إن شاء الله). والله أعلم. الثامنة عشرة ـ شذّ أهل الظاهر فقالوا: يجوز الجمع بين الأُختين بملك اليمين في الوطء؛ كما يجوز الجمع بينهما في المِلْك. وٱحتجّوا بما رُوي عن عثمان في الأُختين من مِلْك اليمين: «حرّمتهما آية وأحلّتهما آية». ذكره عبد الرزاق حدّثنا معمر عن الزُّهْري عن قَبِيصة بن ذُؤيب أن عثمان بن عفان سُئِل عن الأُختين مما مَلَكَت اليمين فقال: لا آمرك ولا أنهاك أحلّتهما آية وحرّمتهما آية. فخرج السائل فلقي رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال معمر: أحسبه قال عليّ ـ قال: وما سألت عنه عثمان؟ فأخبره بما سأله وبما أفتاه؛ فقال له: لكنّي أنهاك، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلتَ لجعلتك نَكالاً. وذكر الطَّحَاويّ والدّارَقُطْنِيّ عن عليّ وٱبن عباس مثلَ قول عثمان. والآية التي أحلّتهما قولُه تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى هذا القول؛ لأنهم فهِموا من تأويل كتاب الله خلافه، ولا يجوز عليهم تحريف التأويل. وممن قال ذلك من الصحابة: عمر وعليّ وٱبن مسعود وعثمان وٱبن عباس وعمار وٱبن عمر وعائشة وٱبن الزبير، وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله، فمن خالفهم فهو متعسِّف في التأويل. وذكر ٱبن المنذِر أن إسحاق بن رَاهْوَيْه حرّم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرِهوا ذلك، وجعلَ مالكاً فيمن كرِهه. ولا خلاف في جواز جمعهما في المِلك، وكذلك الأُمّ وٱبنتها. قال ٱبن عطية: ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتُستقرأ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطِىء واحدة ثم وطِيءالأُخرىٰ وقف عنهما حتى يحرّم إحداهما؛ فلم يلزِمه حدّاً. قال أبو عمر: «أما قول عليّ لجعلته نكالاً» ولم يقل لحددته حدّ الزاني؛ فلأن من تأوّل آية أو سُنّة ولم يَطَأ عند نفسه حراماً فليس بزان بإجماع وإن كان مخطئاً، إلاَّ أن يدعي من ذلك ما لا يعذر بجهله. وقول بعض السلَف في الجمع بين الأُختين بملك اليمين: «أحلّتهما آية وحرّمتهما آية» معلوم محفوظ؛ فكيف يُحدّ حدّ الزاني مَن فعل ما فيه مثل هذا من الشّبهة القويّة؟ وبالله التوفيق. التاسعة عشرة ـ وٱختلف العلماء إذا كان يَطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأُخرىٰ؛ فقال عليّ وٱبن عمر والحسن البَصْرِيّ والأوْزاعيّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يُحرّم فرج الأُخرىٰ بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، أو بأن يزوِّجها. قال ٱبن المنذِر: وفيه قول ثان لقَتادة، وهو أنه إذا كان يطأ واحدة وأراد وطء الأُخرىٰ فإنه ينوي تحريم الأُولىٰ على نفسه وألاَّ يَقْرَبها، ثم يُمسك عنهما حتى يستبرِىء الأُولى المحرّمة، ثم يَغْشَى الثانية. وفيه قول ثالث ـ وهو إذا كان عنده أُختان فلا يَقْرَب واحدة منهما. هكذا قال الحَكم وحمّاد؛ ورُوي معنى ذلك عن النّخَعِيّ. ومذهب مالك: إذا كان أُختان عند رجل بِملْك فله أن يطأ أيَّتَهما شاء، والكَفُّ عن الأُخرىٰ موكول إلى أمانته. فإن أراد وطء الأُخرى فيلزمه أن يحرّم على نفسه فَرْج الأُولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك: إما بتزويج أو بيع أو عتق إلى أجل أو كتابة أو إخدام طويل. فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأُخرىٰ دون أن يحرم الأُولى وقف عنهما، ولم يَجُزْ له قُرب إحداهما حتى يحرم الأُخرىٰ؛ ولم يُوكل ذلك إلى أمانته؛ لأنه مُتّهَم فيمن قد وطِىء؛ ولم يكن قبلُ متّهماً إذ كان لم يطأ إلاَّ الواحدة. ومذهب الكوفيين في هذا الباب: الثَّوْرِيّ وأبي حنيفة وأصحابِه أنه إن وطِىء إحدى أَمَتَيْه لم يطأ الأُخرىٰ؛ فإن باع الأُولىٰ أو زوّجها ثم رجعت إليه أمسك عن الأخرىٰ؛ وله أن يطأها ما دامت أُختُها في العدّة من طلاق أو وفاة. فأما بعد ٱنقضاء العدّة فلا، حتى يُمَلِّك فرج التي يطأ غيرَه؛ وروي معنى ذلك عن عليّ رضي الله عنه. قالوا: لأن المِلْك الذي منَع وطءَ الجارية في الابتداء موجود، فلا فرق بين عودتها إليه وبين بقائها في مِلْكه. وقول مالك حسَنٌ؛ لأنه تحريم صحيح في الحال ولا يلزم مراعاة المآل؛ وحسبه إذا حرّم فرجها عليه ببيع أو بتزويج أنها حرمت عليه في الحال. ولم يختلفوا في العتق؛ لأنه لا يتصرف فيه بحال؛ وأما المكاتَبة فقد تَعجِز فترجع إلى ملكه. فإن كان عند رجل أْمَة يطؤها ثم تزوّج أُختها ففيها في المذهب ثلاثة أقوال في النكاح. الثالث ـ في المدوّنة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيةٍ لهذا النكاح؛ إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء. وفي هذا ما يدلّ على أن مِلْك اليمين لا يمنع النكاح؛ كما تقدّم عن الشافعيّ. وفي الباب بعينه قول آخر: أن النكاح لا ينعقد؛ وهو معنى قول الأوزاعيّ. وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة. الموفية عشرين ـ وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلّق زوجته طلاقاً يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكِح أُختها أو أربعاً سواها حتى تنقضِي عدّة المطلَّقة. وٱختلفوا إذا طلقها طلاقاً لا يملك رجعتها؛ فقالت طائفة: ليس له أن ينكِح أختها ولا رابعة حتى تنقضِي عدّة التي طلّق؛ ورُوي عن عليّ وزيد بن ثابت، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رَباح والنَّخَعِيّ، وسفيان الثَّوْرِيّ وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أُختها وأربعاً سواها؛ ورُوي عن عطاء، وهي أثبت الروايتين عنه، ورُوي عن زيد بن ثابت أيضاً؛ وبه قال سعيد بن المسيّب والحسن والقاسم وعُروة بن الزبير وٱبن أبي لَيْلَى والشافعيّ وأبو ثَوْر وأبو عبيد. قال ابن المنذِر: ولا أحسبه إلاَّ قول مالك وبه نقول. الحادية والعشرون ـ قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} في قوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. ويحتمل معنى زائداً وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً، وإذا جرى في الإسلام خُيِّر بين الأُختين؛ على ما قاله مالك والشافعيّ، من غير إجراء عقود الكفار على مُوجَب الإسلام ومقتضى الشرع؛ وسواء عقد عليهما عقداً واحداً جَمَع به بينهما أو جَمَع بينهما في عقدين. وأبو حنيفة يُبِطل نكاحهما إن جُمِع في عقد واحد. وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرَّماتِ كلَّها التي ذكرت في هذه الآية إلاَّ ٱثنتين؛ إحداهما نكاح ٱمرأة الأب، والثانية الجمع بين الأُختين؛ ألا ترى أنه قال: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}. {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} ولم يذكر في سائر المحرّمات «إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ». والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع، والمحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: حرمت عليكم سبع نسباً، وسبع صهراً، وقرأ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ} الآية. وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} فهن النسب. وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: {وَبَنَـٰتُكُمْ} فإنها بنت، فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها؛ لأنها ليست بنتاً شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىۤ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ} فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} أي: كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة»تفسير : ، وفي لفظ لمسلم: «حديث : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»تفسير : ، وقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع، إلا في أربع صور، وقال بعضهم: ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع، والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلاً ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة. ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع؛ لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لا تحرم المصة ولا المصتان» تفسير : وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان»تفسير : ، وفي لفظ آخر: «حديث : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان»تفسير : رواه مسلم. وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد وأبو ثور، وهو مروي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير، رحمهم الله. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات؛ لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «حديث : عشر رضعات معلومات يحرمن» تفسير : ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن. وروى عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك. وفي حديث سهلة بنت سهيل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة خمس رضعات. وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشافعي وأصحابه، ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله: {أية : يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} تفسير : [البقرة: 233] ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحول؛ كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب؛ كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير. وقوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}، أما أم المرأة، فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وأما الربيبة، وهي بنت المرأة، فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل، فإن طلق الأم قبل الدخول بها، جاز له أن يتزوج بنتها، ولهذا قال: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن. وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها، لقوله: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ}. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله تعالى عنه، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. وحدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها. وفي رواية عن قتادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها، كره أن يخلف على أمها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل. وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن حفص عن مسلم بن عويمر الأجدع: أن بكر بن كنانة أخبره: أن أباه أنكحه امرأة بالطائف، قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عباس، وأخبرته الخبر، فقال: انكح أمها، قال: وسألت ابن عمر، فقال: لا تنكحها، فأخبرت أبي بما قالا، فكتب إلى معاوية، فأخبره بما قالا، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، وأنت وذاك، والنساء سواها كثير. فلم ينه، ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها، فلم ينكحها. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سماك بن الفضل عن رجل عن عبد الله بن الزبير، قال: الربيبة والأم سواء، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة، وفي إسناده رجل مبهم لم يسم. وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهداً قال له: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ} أراد بهما الدخول جميعاً، فهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس، وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي. وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه. قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق عن الثوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود: أن رجلاً من بني كمخ من فزارة تزوج امرأة، فرأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها، ثم يتزوج أمها، فتزوجها، وولدت له أولاداً، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عن ذلك، فأخبر أنها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة، قال للرجل: إنها عليك حرام، ففارقها. وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم، بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد. قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عَزْرة، حدثنا عبد الوهاب عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها، أو ماتت، لم تحل له أمها، وروي أنه قال: إنها مبهمة، فكرهها. ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديماً وحديثاً، ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير: والصواب أعني قول من قال: الأم من المبهمات؛ لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما اشترطه مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضاً إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر، غير أن في إسناده نظراً، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نكح الرجل المرأة، فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم، فلم يدخل بها، ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة»، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وأما قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ} فالجمهور على أن الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل، أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تفسير : [النور: 33]. وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان، وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أبي سفيان، قال: «حديث : أو تحبين ذلك» تفسير : ؟ قالت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، قال: «حديث : فإن ذلك لا يحل لي»تفسير : . قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: «حديث : بنت أم سلمة» تفسير : ؟ قالت: نعم قال: «حديث : إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن» تفسير : وفي رواية للبخاري: «حديث : إني لو لم أتزوج أم سلمة، ما حلت لي»تفسير : فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم تكن كذلك، فلا تحرم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام ـ يعني: ابن يوسف ـ عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان، قال: كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي ابن أبي طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف، قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ}؟ قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك، هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جداً، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك رحمه الله، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية رحمه الله، فاستشكله، وتوقف في ذلك، والله أعلم. وقال ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الأثرم عن أبي عبيدة قوله: {ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ}، قال: في بيوتكم، وأما الربيبة في ملك اليمين، فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: إن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين، توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعاً، يريد: أن أطأهما جميعاً، بملك يميني، وهذا منقطع. وقال سنيد ابن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين؛ لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ} وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم. وروى هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، وكذا قال قتادة عن أبي العالية. ومعنى قوله: {ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي: نكحتموهن، قاله ابن عباس وغير واحد. وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه، فيكشف ويفتش، ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها. وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة، ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وقوله تعالى: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية؛ كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 37] الآية، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ}. قال: كنا نحدث ـ والله أعلم ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد، قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله عز وجل: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} ونزلت: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4]، ونزلت: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4]، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا خالد ابن الحارث عن الأشعث، عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الآيات مبهمات: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَآئِكُمُ} {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ}، ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول، نحو ذلك. (قلت): معنى مبهمات، أي: عامة في المدخول بها، وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه، فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة؛ كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعاً، وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»تفسير : . وقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} الآية. أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معاً في التزويج، وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان منكم في جاهليتكم، فقد عفونا عنه، وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل، لأنه استثنى مما سلف، كما قال: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56] فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً. وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خيّر، فيمسك إحداهما، ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة عن أبي وهب الجَيْشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما. ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة، وأخرجه أبو داود والترمذي أيضاً من حديث يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أبي وهب الجَيْشاني، قال الترمذي: واسمه ديلم بن الهوشع، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه، به، وفي لفظ للترمذي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اختر أيتهما شئت»تفسير : ، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجه أيضاً بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وهب الجَيْشاني، عن أبي خراش الرعيني، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال: «حديث : إذا رجعت، فطلق إحداهما» تفسير : قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني، حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن إسحاق عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزَيق بن حكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين، قال: «حديث : طلق أيهما شئت»تفسير : ، فالديلمي المذكور أولاً هو الضحاك بن فيروز الديلمي، قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان، والثاني هو أبو فيروز الديلمي رضي الله عنه، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين وَلُوا قتل الأسود العنسي المتنبىء لعنه الله، وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين، فحرام أيضاً؛ لعموم الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة، أو عتبة، عن ابن مسعود: أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه، فقال له ـ يعني السائل: يقول الله تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك. وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلاً سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك، لجعلته نكالاً. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك. قال ابن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستذكار: إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان، وسعيد بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب، فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية، فولدت لي أولاداً، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي رضي الله عنه: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى، قلت: فإن ناساً يقولون: بل تزوجها، ثم تطأ الأخرى، فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله عز وجل من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب، ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة رجل، لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره، لما خابت رحلته. قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية، وأحلتهما آية يعني: الأختين، قال ابن عباس: يحرمهن عليّ قرابتي منهن، ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، يعني: الإماء، وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل الله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} يعني: في النكاح، ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن سلمة عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، إلا العدد. وعن ابن مسعود والشعبي نحو ذلك. قال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق، ولا ما وراءهما من المشرق، ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ} إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظراً وقياساً الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. وقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} أي: وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهن المزوجات {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ}، يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي؛ فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن؛ فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، هو الثوري، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} فاستحللنا بها فروجهن، وهكذا رواه الترمذي عن أحمد ابن منيع عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به. وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة، ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحداً ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة ـ كذا قال ـ وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم. وقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها؛ أخذاً بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها، ويتلو هذه الآية: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} وكذا رواه سفيان عن منصور ومغيرة والأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها، وهو منقطع، ورواه سفيان الثوري عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس، قالوا: بيعها طلاقها. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن علية عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} قال: هُنَّ ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن، إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك، وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} قال: إذا كان لها زوج، فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها، فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثاً، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقاً لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة، وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما؛ فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها؛ كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم فلما خيرها، دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} يعني: العفائف، حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة أو اثنتين، أو ثلاثاً أو أربعاً، حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} ما عدا الأربع حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم. وقوله تعالى: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم يعني الأربع، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني: الأربع. وقال إبراهيم: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يعني: ما حرم عليكم. وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} أي: ما عدا من ذكرن من المحارم، هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ما دون الأربع، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} يعني: ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية. وقوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ}. وقوله تعالى: { فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي: كما تستمتعون بهن، فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [النساء: 21] وكقوله تعالى: {أية : وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً} تفسير : [االنساء: 4]، وكقوله: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} تفسير : [البقرة: 229] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح، ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين. وقال آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ، ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون: "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة"، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية، يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع، وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى، قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به، وزيادة للجعل، قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا. فإن زاد قبل أن يستبرىء رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ}، قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرىء ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه، ومن قال بهذا القول الأول، جعل معناه كقوله: {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً} الآية، أي: إذا فرضت لها صداقاً، فأبرأتك منه، أو عن شيء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. يعني: إن وضعت لك منه شيئاً، فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} والتراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها، يعني: في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ } أن تنكحوهنّ وشملت الجدات من قبل الأب أو الأمّ {وَبَنَٰتُكُمْ } وشملت بنات الأولاد وإن سفلن {وَأَخَوٰتُكُمْ } من جهة الأب أو الأمّ {وَعَمَّٰتُكُمْ } أي أخوات آبائكم وأجدادكم {وَخَٰلَٰتُكُمْ } أي أخوات أمّهاتكم وَجدّاتكم {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ } ويدخل فيهن أولادهم {وَأُمَّهَٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } قبل استكمال الحولين خمس رضعات كما بينه الحديث {وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ } ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوءته وَالعمات وَالخالات وَبنات الأخ وَبنات الأخت منها لحديث «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»تفسير : رواه البخاري ومسلم {وَأُمَّهَٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ } جمع (ربيبة) وهي بنت الزوجة من غيره {ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُمْ } تربونهن صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها {مّن نِّسَائِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أي جامعتموهنّ {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } في نكاح بناتهنّ إذا فارقتموهنّ {وَحَلَٰئِلُ } أزواج {أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ } بخلاف من تبنيتموهم فلكم نكاح حلائلهم {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ } من نسب أو رضاع بالنكاح ويلحق بهما بالسنة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها ويجوز نكاح كل واحدة على الانفراد وملكهما معاً ويطأ واحدة {إِلا } لكن {مَا قَدْ سَلَفَ } في الجاهلية من نكاحهم بعض ما ذكر فلا جناح عليكم فيه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً } لما سلف منكم قبل النهي {رَّحِيماً } بكم في ذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } أي: نكاحهنّ، وقد بين الله سبحانه في هذه الآية ما يحلّ، وما يحرم من النساء، فحرّم سبعاً من النسب، وستاً من الرضاع، والصهر، وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع. فالسبع المحرمات من النسب الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت. والمحرمات بالصهر، والرضاع: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب، وحلائل الأبناء، والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء، والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها. قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهنّ بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهنّ أزواجهنّ، فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم. وقال بعض السلف: الأم، والربيبة سواء لا تحرم منهما واحدة إلا بالدخول بالأخرى. قالوا: ومعنى قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } أي: اللاتي دخلتم بهن، وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب جميعاً، رواه خلاس عن عليّ بن أبي طالب. وروى عن ابن عباس، وجابر، وزيد بن ثابت، وابن الزبير، ومجاهد، قال القرطبي: ورواية خلاس عن عليّ لا تقوم بها حجة، ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة. وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات، والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب، وبيانه أن الخبرين إذا اختلفا في العامل لم يكن نعتهما واحداً، فلا يجوز عند النحويين مررت بنسائك، وهويت نساء زيد الظريفات، على أن يكون الظريفات نعتاً للجميع، فكذلك في الآية لا يجوز أن يكون اللاتي دخلتم بهنّ نعتاً لهما جميعاً؛ لأن الخبرين مختلفان. قال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ }. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا نكح الرجل المرأة، فلا يحلّ له أن يتزوج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم، فلم يدخل بها، ثم طلقها، فإن شاء تزوج الإبنة» تفسير : قال ابن كثير في تفسيره مستدلاً للجمهور: وقد روي في ذلك خبر غير أن في إسناده نظراً، فذكر هذا الحديث، ثم قال، وهذا الخبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فإن إجماع الحجة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره، قال في الكشاف: وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى. انتهى. ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم. واعلم أنه يدخل في لفظ الأمهات أمهاتهنّ، وجداتهنّ، وأمّ الأب، وجدّاته، وإن علون؛ لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدته، وإن سفل. ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد، وإن سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين، أو لأحدهما، والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك، أو جدّك في أصليه، أو أحدهما. وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأمّ. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو في أحدهما، وقد تكون الخالة من جهة الأب، وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت. قوله {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ } هذا مطلق مقيد بما ورد في السنة من كون الرضاع في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة، وظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعاً، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة، والبحث عن تقرير ذلك، وتحقيقه يطول، وقد استوفيناه في مصنفاتنا، وقررنا ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع. قوله: {وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ } الأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك، أو مع من قبلك، أو بعدك من الإخوة والأخوات، والأخت من الأم هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر. قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } قد تقدم الكلام على اعتبار الدخول، وعدمه. والمحرمات بالمصاهرة أربع: أمّ المرأة، وابنتها، وزوجة الأب، وزوجة الابن. قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ } الربيبة بنت امرأة الرجل من غيره؛ سميت بذلك؛ لأنه يربيها في حجره، فهي: مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. قال القرطبي: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها إذا دخل بالأم، وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذّ بعض المتقدمين، وأهل الظاهر، فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج، فلو كانت في بلد آخر، وفارق الأم، فله أن يتزوج بها؛ وقد روي ذلك عن عليّ. قال ابن المنذر، والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ؛ لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف. وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. والحجور جمع حجر. والمراد: أنهنّ في حضانة أمهاتهنّ تحت حماية أزواجهن، كما هو الغالب. وقيل المراد بالحجور: البيوت، أي: في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة. قوله: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أي: في نكاح الربائب، وهو: تصريح بما دلّ عليه مفهوم ما قبله. وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب: فروي عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع، وهو قول طاوس، وعمرو بن دينار، وغيرهما. وقال مالك، والثوري، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والليث، والزيدية: إن الزوج إذا لمس الأمّ لشهوة حرّمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي. قال ابن جرير الطبري: وفي إجماع الجميع أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها، ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بالشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. انتهى. وهكذا حكى الاجماع القرطبي، فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاح ابنتها. واختلفوا في النظر، فقال مالك: إذا نظر إلى شعرها، أو صدرها، أو شيء من محاسنها للذة حرمت عليه أمها، وابنتها. وقال الكوفيون: إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة، وكذا قال الثوري، ولم يذكر الشهوة. وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس، وهو قول الشافعي. والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو: النظر في معنى الدخول شرعاً أو لغة، فإن كان خاصاً بالجماع، فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس، أو نظر، أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. وأما الربيبة في ملك اليمين، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك. وقال ابن عباس: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة، وابنتها من ملك اليمين؛ لأن الله حرّم ذلك في النكاح قال: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ } وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر، وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم. انتهى. قوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ } الحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة، سميت بذلك؛ لأنها تحلّ مع الزوج حيث حلّ، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. وذهب الزجاج، وقوم إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة. وقيل: لأن كل واحد منهما يحلّ إزار صاحبه. وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء، وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء، أو لم يكن، لقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } وقوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ }. واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسداً هل يقتضي التحريم أم لا؟ كما هو مبين في كتب الفروع. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه، وابنه، وعلى أجداده. وأجمع العلماء: على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرّمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس، أو قبل حرمت على أبيه، وابنه لا أعلمهم يختلفون فيه، فوجب تحريم ذلك تسليماً لهم. ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم قال: ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلناه. قوله: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } وصف للأبناء، أي: دون من تبنيتم من أولاد غيركم، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، ومنه قوله تعالى {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } تفسير : [الأحزاب: 37] ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 4] ومنه: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 40] وأما زوجة الابن من الرضاع، فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل: إنه إجماع مع أن الابن من الرضاع ليس من أولاد الصلب. ووجهه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» تفسير : ولا خلاف أن أولاد الأولاد، وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم. وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنا بأمها، أو بابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحدّ، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوّج بأم من زنى بها، وبابنتها. وقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنا يقتضي التحريم. حكي ذلك عن عمران بن حصين، والشعبي، وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وحكي ذلك عن مالك، والصحيح عنه كقول الجمهور. احتج الجمهور بقوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } وبقوله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ } والموطوءة بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم، ولا من حلائل أبنائهم. وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة، فأراد أن يتزوّجها، أو ابنتها، فقال: حديث : لا يحرّم الحرام الحلال»تفسير : . واحتج المحرّمون بما روي في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: يا غلام من أبوك؟ فقال: فلان الراعي، فنسب الابن نفسه إلى أبيه من الزنا، وهذا احتجاج ساقط، واحتجوا أيضاً بقوله: «حديث : لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة، وابنتها"، تفسير : ولم يفصل بين الحلال والحرام. ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيد بما ورد من الأدلة الدالة على أن الحرام لا يحرّم الحلال. واختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري: إذا لاط بالصبيّ حرمت عليه أمه، وهو: قول أحمد بن حنبل قال: إذا تلوّط بابن امرأته، أو أبيها، أو أخيها حرمت عليه امرأته. وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنها بنت من قد دخل به. ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف، والسقوط النازل، عن قول القائلين بأن وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشبه على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم. قوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأخْتَيْنِ } أي: وحرّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين، فهو في محل رفع عطفاً على المحرمات السابقة، وهو يشمل الجمع بينهما بالنكاح، والوطء بملك اليمين. وقيل: إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين، وأما في الوطء بالملك، فلا حق بالنكاح، وقد أجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد نكاح. واختلفوا في الأختين بملك اليمين، فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك، وأجمعوا على أنه يجوز الجمع بينهما في الملك فقط. وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء بالملك، وسيأتي بيان ذلك. واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك. فقال الأوزاعي: إذا وطىء جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوّج أختها. وقال الشافعي: ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت. وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما يجوز الجمع بينهما في الملك. قال ابن عبد البرّ بعد أن ذكر ما روي عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس، ولكنه اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، ولا بالعراق، ولا ما وراءها من المشرق، ولا بالشام، ولا المغرب إلا من شذّ، عن جماعتهم باتباع الظاهر، ونفي القياس. وقد ترك من تعمد ذلك. وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحلّ الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحلّ ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ } إلى آخر الآية، أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهنّ سواء. فكذلك يجب أن يكون قياساً ونظراً الجمع بين الأختين، وأمهات النساء، والربائب، وكذا هو عند جمهورهم، وهي: الحجة المحجوج بها من خالفها، وشذ عنها، والله المحمود. انتهى. وأقول: ها هنا إشكال، وهو أنه قد تقرّر أن النكاح يقال على العقد فقط، وعلى الوطء فقد، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والآخر مجازاً، أو كونهما حقيقتين معروف، فإن حملنا هذا التحريم المذكور في هذه الآية، وهي قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } إلى آخرها، على أن المراد تحريم العقد عليهنّ لم يكن في قوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأخْتَيْنِ } دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك، وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ } إلى آخره، يستوي فيه الحرائر والإماء والعقد، والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف، وهو الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض، وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك للإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أوّل الآية إلى آخرها، فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف بالرجال، فإن جاء به خالصاً عن شوب الكدر فبها ونعمت، وإلا كان الأصل الحل، ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعاً أعني العقد والوطء؛ لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين معنى المشترك، وفيه الخلاف المعروف في الأصول فتدبر هذا. وقد اختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك، ثم أراد أن يطأ أختها بالملك، فقال عليّ، وابن عمر، والحسن البصري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرّم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق، أو بأن يزوّجها. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة، وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنهما حتى تستبرىء المحرمة، ثم يغشى الثانية. وفيه قول ثالث، وهو أنه لا يقرب واحدة منهما، هكذا قال الحكم، وحماد. وروي معنى ذلك عن النخعي. وقال مالك: إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكفّ عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى، فيلزمه أن يحرّم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما، ثم وثب على الأخرى دون أن يحرّم الأولى وقف عنهما، ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرّم الأخرى، ولم يوكل ذلك إلى أمانته، لأنه متهم. قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقاً يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدّة التى طلق. روي ذلك عن عليّ، وزيد بن ثابت، ومجاهد، وعطاء، والنخعي، والثوري، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أختها، وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع، وطلق واحدة منهنّ طلاقاً بائناً. روي ذلك عن سعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبي ثور، وأبي عبيد. قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك. وهو أيضاً إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت، وعطاء. قوله: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } يحتمل أن يكون معناه معنى ما تقدّم من قوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } ويحتمل معنى آخر، وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً، وإذا جرى في الإسلام خير بين الأختين. والصواب الاحتمال الأوّل. قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } عطف على المحرّمات المذكورات. وأصل التحصن التمنع، ومنه قوله تعالى: {أية : لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ }تفسير : [الأنبياء: 80] أي: لتمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس؛ لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان بفتح الحاء: المرأة العفيفة لمنعها نفسها، ومنه قول حسان:شعر : حصان رزان ما تزنّ بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل تفسير : والمصدر الحصانة بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج. وقد ورد الإحصان في القرآن لمعان، هذا أحدها. والثاني يراد به الحرّة، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] وقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [المائدة: 5]. والثالث يراد به: العفيفة ومنه قوله تعالى: {أية : مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } تفسير : [النساء: 25]، {أية : مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } تفسير : [النساء: 24، المائدة: 5]. والرابع المسلمة، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ }. وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية، أعني قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } فقال ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قلابة، ومكحول، والزهري: المراد بالمحصنات هنا: المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي: هنّ محرّمات عليكم إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من أرض الحرب، فإن تلك حلال، وإن كان لها زوج، وهو قول الشافعي: أي: أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب، وابن عبد الحكم، وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. واختلفوا في استبرائها بماذا يكون؟ كما هو مدوّن في كتب الفروع. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية، وعبيدة السلماني، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، ورواه عبيدة، عن عمر. ومعنى الآية عندهم: كل النساء حرام إلا ما ملكت أيمانكم، أي: تملكون عصمتهنّ بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء. وحكى ابن جرير الطبري أن رجلاً قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية، فلم يقل فيها شيئاً؟ فقال: كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل. انتهى. ومعنى الآية، والله أعلم واضح لا سترة به، أي: وحرّمت عليكم المحصنات من النساء، أي: المزوجات أعمّ من أن يكنّ مسلمات، أو كافرات إلا ما ملكت أيمانكم منهنّ، أما بسبي، فإنها تحلّ، ولو كانت ذات زوج، أو بشراء، فإنها تحلّ، ولو كانت متزوجة، وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوّجها. وسيأتي ذكر سبب نزول الآية إن شاء الله، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد قرىء: {المحصنات} بفتح الصاد وكسرها، فالفتح على أن الأزواج أحصنوهنّ؛ والكسر على أنهنّ أحصنّ فروجهن من غير أزواجهنّ، أو أحصنّ أزواجهنّ. قوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } منصوب على المصدرية، أي: كتب الله ذلك عليكم كتاباً. وقال الزجاج، والكوفيون: إنه منصوب على الإغراء، أي: الزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله، واعترضه أبو عليّ الفارسي بأن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب، وهذا الاعتراض إنما يتوجه على قول من قال: إنه منصوب بعليكم المذكور في الآية، وروي عن عبيدة السلماني أنه قال: إن قوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } إشارة إلى قوله تعالى: {أية : مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ}تفسير : [النساء: 3] وهو بعيد، بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } إلى آخر الآية. قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص، {وأحلّ} على البناء للمجهول، وقرأ الباقون على البناء للمعلوم عطفاً على الفعل المقدّر في قوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } وقيل على قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } ولا يقدح في ذلك اختلاف الفعلين، وفيه دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة وخالتها. وقد أبعد من قال: إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه؛ لأنه حرّم الجمع بين الأختين، فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة، وعمتها، وبين المرأة، وخالتها، وكذلك تحريم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة، كما سيأتي، فإنه يخصص هذا العموم. قوله: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ } في محل نصب على العلة، أي: حرّم عليكم ما حرّم، وأحلّ لكم ما أحلّ لأجل أن تبتغوا بأموالكم النساء اللاتي أحلهنّ الله لكم، ولا تبتغوا بها الحرام، فتذهب حال كونكم: {مُّحْصِنِينَ } أي: متعففين عن الزنا: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } أي: غير زانين. والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء، أي: صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأمولهم النساء على وجه النكاح، لا على وجه السفاح وقيل: إن قوله: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ } بدل من «ما» في قوله: {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أي: وأحلّ لكم الابتغاء بأموالكم. والأوّل أولى، وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء. قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } «ما» موصولة فيها معنى الشرط، والفاء في قوله: {فَـئَاتُوهُنَّ } لتضمن الموصول معنى الشرط، والعائد محذوف، أي: فآتوهنّ أجورهنّ عليه. وقد اختلف أهل العلم في معنى الآية: فقال الحسن، ومجاهد، وغيرهما: المعنى فما انتفعتم، وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي {فآتوهن أجورهن} أي: مهورهنّ. وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية: نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام، ويؤيد ذلك قراءة أبيّ بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير: "فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فآتوهن أجورهن} ثم نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، كما صحّ ذلك من حديث عليّ قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم، عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال يوم فتح مكة «حديث : يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهنّ شيء، فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً»تفسير : . وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ. وقال سعيد بن جبير: نسختها آيات الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة، والقاسم بن محمد: تحريمها، ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ }تفسير : [المؤمنون: 5، 6] وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم، ولا مما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث، وتورث، وليست المستمتع بها كذلك. وقد روي عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة، وأنها باقية لم تنسخ. وروي عنه أنه رجع عن ذلك عند أن بلغه الناسخ. وقد قال بجوازها جماعة من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم. وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسألة، وتقوية ما قاله المجوّزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه. وقد طوّلنا البحث، ودفعنا الشبه الباطلة التي تمسك بها المجوّزون لها في شرحنا للمنتقي، فليرجع إليه. قوله: {فَرِيضَةً } منتصب على المصدرية المؤكدة، أو على الحال، أي: مفروضة. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ } أي: من زيادة، أو نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي، هذا عند من قال بأن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة، فالمعنى التراضي في زيادة مدّة المتعة، أو نقصانها، أو في زيادة ما دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها، أو نقصانه. قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } الطول: الغنى والسعة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدّي، وابن زيد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وجمهور أهل العلم. ومعنى الآية: فمن لم يستطع منكم غنى، وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات، فلينكح من فتياتكم المؤمنات، يقال طال يطول طولاً في الإفضال والقدرة، وفلان ذو طول، أي: ذو قدرة في ماله. والطول بالضم: ضد القِصَر. وقال قتادة، والنخعي، وعطاء، والثوري: إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة. وقال أبو حنيفة، وهو مرويّ عن مالك: إن الطول المرأة الحرّة، فمن كان تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة، ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة، ولو كان غنياً، وبه قال أبو يوسف، واختاره ابن جرير، واحتج له. والقول الأوّل هو المطابق لمعنى الآية، ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. وقد استدلّ بقوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل الحجاز، وجوّزه أهل العراق، ودخلت الفاء في قوله: {فمن مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } لتضمن المبتدأ معنى الشرط. وقوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } في محل نصب على الحال، فقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحرّ أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرّة. والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } فلا يحلّ للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. والمراد هنا: الأمة المملوكة للغير، وأما أمة الإنسان نفسه، فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها، وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. والفتيات جمع فتاة، والعرب تقول للمملوك فتى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح: «حديث : لا يقولنّ أحدكم عبدي، وأمتي، ولكن ليقل فتاي، وفتاتي»تفسير : قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ } فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران، أي: كلكم بنو آدم، وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عند الضرورة. فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر. والجملة اعتراضية. وقوله: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } مبتدأ وخبر، ومعناه: أنهم متصلون في الأنساب؛ لأنهم جميعاً بنو آدم، أو متصلون في الدين؛ لأنهم جميعاً أهل ملة واحدة، وكتابهم واحد ونبيهم واحد. والمراد بهذا: توطئة نفوس العرب؛ لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء، ويستصغرونهم، ويغضون منهم: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } أي: بإذن المالكين لهنّ؛ لأن منافعهنّ لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له. قوله: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} أي: أدّوا إليهنّ مهورهنّ بما هو بالمعروف في الشرع، وقد استدل بهذا من قال: إن الأمة أحقّ بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك، وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد، وإنما أضافها إليهنّ؛ لأن التأدية إليهنّ تأدية إلى سيدهن لكونهنّ ماله. قوله: {مُحْصَنَـٰت } أي: عفائف. وقرأ الكسائي "محصنات" بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } وقرأ الباقون بالفتح في جميع القرآن. قوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } أي: غير معلنات بالزنا. والأخدان: الأخلاء، والخدن، والخدين المخادن، أي: المصاحب، وقيل ذات الخدن: هي التي تزني سرّاً، فهو مقابل للمسافحة وهي التي تجاهر بالزنا، وقيل: المسافحة، المبذولة، وذات الخدن، التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، قال الله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }تفسير : [الأنعام: 151]. قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الهمزة، وقرأ الباقون بضمها. والمراد بالإحصان هنا: الإسلام. روي ذلك عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، وزرّ بن حبيش، وسعيد بن جبير، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والسديّ، وروي عن عمر بن الخطاب، بإسناد منقطع، وهو الذي نص عليه الشافعي، وبه قال الجمهور. وقال ابن عباس، وأبو الدرداء، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم: إنه التزويج. وروي عن الشافعي. فعلى القول الأوّل لا حدّ على الأمة الكافرة. وعلى القول الثاني لا حدّ على الأمة التي لم تتزوج. وقال القاسم وسالم: إحصانها: إسلامها، وعفافها. وقال ابن جرير: إن معنى القراءتين مختلف، فمن قرأ {أحصنّ} بضم الهمزة، فمعناه التزويج، ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعناه الإسلام. وقال قوم: إن الإحصان المذكور في الآية هو: التزوج، ولكن الحدّ واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوّج بالسنة، وبه قال الزهري. قال ابن عبد البر: ظاهر قول الله عزّ وجل يقتضي أنه لا حدّ على الأمة، وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها، وإن لم تحصن، وكان ذلك زيادة بيان. قال القرطبي: ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد. قال ابن كثير في تفسيره: والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان هنا: التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } إلى قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } فالسياق كله في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي: تزوجن، كما فسره به ابن عباس، ومن تبعه، قال: وعلى كلّ من القولين إشكال على مذهب الجمهور؛ لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة، أو كافرة مزوجة، أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، ثم ذكر أن منهم من أجاب، وهم الجمهور بتقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية، وقال: إذا زنت، ولم تحصن، فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديباً. قال: وهو المحكي عن ابن عباس، وإليه ذهب طاوس، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد، وداود الظاهري في رواية عنه، فهؤلاء قدموا مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد في الصحيحين، وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة: إذا زنت، ولم تحصن، قال: «حديث : إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم بيعوها، ولو بضفير» تفسير : بأن المراد بالجلد هنا: التأديب، وهو تعسف، وأيضاً قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحدّ، ولا يثرّب عليها. ثم إن زنت، فليجلدها الحد» تفسير : الحديث. ولمسلم من حديث علي قال: «يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدّ من أحصن، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها» الحديث. وأما ما أخرجه سعيد بن منصور، وابن خزيمة، والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس على الأمة حدّ حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب»تفسير : فقد قال ابن خزيمة، والبيهقي: إن رفعه خطأ، والصواب وقفه. قوله: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ } الفاحشة هنا الزنا: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } أي: الحرائر الأبكار؛ لأن الثيب عليها الرجم، وهو لا يتبعض، وقيل المراد بالمحصنات هنا: المزوّجات؛ لأن عليهنّ الجلد، والرجم، والرجم لا يتبعض، فصار عليهنّ نصف ما عليهنّ من الجلد. والمراد بالعذاب هنا: الجلد، وإنما نقص حدّ الإماء عن حدّ الحرائر؛ لأنهنّ أضعف. وقيل: لأنهنّ لا يصلن إلى مرادهنّ، كما تصل الحرائر؛ وقيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، كما في قوله تعالى: {أية : يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30] ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد، وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس. وكما يكون على الإماء، والعبيد نصف الحدّ في الزنا، كذلك يكون عليهم نصف الحدّ في القذف والشرب. والإشارة بقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } إلى نكاح الإماء. والعنت: الوقوع في الإثم، وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة {وَأَن تَصْبِرُواْ } عن نكاح الإماء {خَيْرٌ لَّكُمْ } من نكاحهنّ، أي: صبركم خير لكم؛ لأن نكاحهنّ يفضي إلى إرقاق الولد، والغضّ من النفس. قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } اللام هنا هي لام كي التي تعاقب: أن. قال الفراء: العرب تعاقب بين لام كي وأن، فتأتي باللام التي على معنى كي في موضع أن في أردت، وأمرت، فيقولون أردت أن تفعل، وأردت لتفعل، ومنه: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [الصف: 8] {أية : وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ }تفسير : [الشورى: 15] {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الأنعام: 71] ومنه:شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : وحكى الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى أن لدخلت عليها لام أخرى، كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول: جئت لكي تكرمني،وأنشد:شعر : أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود تفسير : وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال، أو لتأكيد إرادة التبيين، ومفعول يبين محذوف، أي: ليبين لكم ما خفي عليكم من الخير، وقيل: مفعول يريد محذوف، أي: يريد الله هذا ليبين لكم، وبه قال البصريون، وهو مرويّ، عن سيبويه. وقيل: اللام بنفسها ناصبة للفعل من غير إضمار أن، وهي وما بعدها مفعول للفعل المتقدّم، وهو مثل قول الفراء السابق. وقال بعض البصريين: إن قوله: {يُرِيدُ } مؤول بالمصدر مرفوع بالابتداء مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. ومعنى الآية: يريد الله ليبين لكم مصالح دينكم، وما يحلّ لكم، وما يحرم عليكم: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } أي: طرقهم، وهم الأنبياء، وأتباعهم لتقتدوا بهم: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي: ويريد أن يتوب عليكم فتوبوا إليه، وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم. {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } هذا تأكيد لما قد فهم من قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } المتقدّم. وقيل: الأوّل معناه للإرشاد إلى الطاعات، والثاني فعل أسبابها. وقيل: إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس المراد به: مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد. قيل: هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع. وقيل: في نكاح الأمة فقط. واختلف في تعيين المتبعين للشهوات، فقيل: هم الزناة، وقيل: اليهود والنصارى. وقيل: اليهود خاصة. وقيل هم المجوس؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. والأوّل أولى. والميل: العدول عن طريق الاستواء. والمراد بالشهوات هنا: ما حرّمه الشرع دون ما أحله. ووصف الميل بالعظم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة نادراً. قوله: {يُرِيدُ اللهُ يُخَفّفَ عَنْكُمْ} بما مرّ من الترخيص لكم، أو بكل ما فيه تخفيف عليكم: {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } عاجزاً غير قادر على ملك نفسه، ودفعها عن شهواتها، وفاء بحق التكليف، فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله سبحانه التخفيف عنه. وقد أخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، ثم قرأ: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } إلى قوله: {وَبَنَاتُ ٱلأخْتِ} هذا من النسب. وباقي الآية من الصهر، والسابعة: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء }. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي، عن عمران بن حصين في قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } قال: هي مبهمة. وأخرج هؤلاء، عن ابن عباس قال: هي مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها، أو ماتت لم تحلّ له أمها. وأخرج هؤلاء إلا البيهقي، عن علي في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة. وأخرج هؤلاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول: إذا ماتت عنده، فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فلا بأس أن يتزوج أمها. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد قال في قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ } اللاتي أريد بهما الدخول جميعاً. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن الزبير قال: الربيبة والأم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، بسند صحيح، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة، فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني عليّ بن أبي طالب، فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة، فقال عليّ: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف، قال: كانت في حجرك؟ قلت لا، قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ }؟ قال: إنها لم تكن في حجرك. وقد قدّمنا قول من قال: إنه إسناد ثابت على شرط مسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: الدخول الجماع. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطاء قال: كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله: {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ } ونزلت: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ }تفسير : [الأحزاب: 4] ونزلت: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 40]. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأخْتَيْنِ } قال يعني في النكاح. وأخرج عبد بن حميد عنه في الآية قال: ذلك في الحرائر، فأما المماليك، فلا بأس. وأخرج ابن المنذر عنه نحوه من طريق أخرى. وأخرج مالك، والشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن عثمان بن عفان: أن رجلاً سأله عن الأختين في ملك اليمين هل يجمع بينهما؟ قال: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه علي بن أبي طالب، فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي عن علي: أنه سئل عن رجل له أمتان أختان، وطىء إحداهما، وأراد أن يطأ الأخرى، فقال: لا حتى يخرجها من ملكه. وقيل: فإن زوجها عبده؟ قال: لا حتى يخرجها من ملكه. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين، فكرهه، فقيل: يقول الله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } فقال: وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي، من طريق أبي صالح، عن عليّ بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين: أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر، ولا أنهى، ولا أحلّ، ولا أحرّم، ولا أفعل أنا، وأهل بيتي. وأخرج أحمد عن قيس قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على المرأة، وابنتها مملوكتين له؟ فقال: أحلتهما آية، وحرّمتهما آية، ولم أكن لأفعله. وأخرج عبد الرزاق، والبيهقي عنه في الأختين من ملك اليمين: أحلتهما آية، وحرّمتهما آية. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبيهقي، عن ابن عمر قال: إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشى إحداهما، فلا يقرب الأخرى حتى يخرج التي غشى من ملكه. وأخرج البيهقي، عن مقاتل بن سليمان قال: إنما قال الله في نساء الآباء: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، فلم يقل إلا ما قد سلف؛ لأن العرب كانت لا تنكح النسب، والصهر. وقال في الأختين: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } لأنهم كانوا يجمعون بينهما، فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لما كان من جماع الأختين قبل التحريم. وأخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناساً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } يقول: إلا ما أفاء الله عليكم. وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن ذلك سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جبير مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } قال: كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، والطبراني، عن عليّ، وابن مسعود في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } قال: على المشركات إذا سبين حلت له. وقال ابن مسعود: المشركات والمسلمات. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة، ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } قال: ذوات الأزواج. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أنس بن مالك مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود مثله. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ } قال: العفيفة العاقلة من مسلمة، أو من أهل الكتاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عنه في الآية قال: لا يحل له أن يتزوج فوق الأربع، فما زاد، فهو عليه حرام، كأمه وأخته. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } قال: يقول انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى، وثلاث، ورباع، ثم حرّم ما حرّم من النسب، والصهر، ثم قال: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } فرجع إلى أول السورة، فقال: هنّ حرام أيضاً، إلا لمن نكح بصداق وسنة وشهود. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عبيدة قال: أحلّ الله لك أربعاً في أوّل السورة، وحرّم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الإحصان إحصانان: إحصان نكاح، وإحصان عفاف» تفسير : فمن قرأها والمحصنات بكسر الصاد، فهن العفائف، ومن قرأها والمحصنات بالفتح، فهنّ المتزوجات. قال ابن أبي حاتم: قال أبيّ هذا حديث منكر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } قال: ما وراء هذا النسب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي قال: ما دون الأربع. وأخرج ابن جرير، عن عطاء قال: ما وراء ذات القرابة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } قال: ما ملكت أيمانكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبيدة السلماني نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } قال غير زانين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فآتوهن أجورهن} يقول: إذا تزوج الرجل منكم المرأة، ثم نكحها مرة واحدة، فقد وجب صداقها كله، والاستمتاع هو: النكاح، وهو قوله: {أية : وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ } تفسير : [النساء: 4]. وأخرج الطبراني، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أوّل الإسلام، وكانوا يقرءون هذه الآية: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } تفسير : [النساء: 24] الآية، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته؛ ليحفظ متاعه، ويصلح شأنه. حتى نزلت هذه الآية: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } فنسخت الأولى، فحرّمت المتعة، وتصديقها من القرآن: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] وما سوى هذا الفرج فهو حرام. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن الأنباري في المصاحف، والحاكم وصححه: أن ابن عباس قرأ: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } تفسير : [النساء: 24] وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن أبيّ بن كعب أنه قرأها كذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، أن هذه الآية في نكاح المتعة، وكذلك أخرج ابن جرير، عن السدّي، والأحاديث في تحليل المتعة، ثم تحريمها، وهل كان نسخها مرة، أو مرّتين؟ مذكورة في كتب الحديث. وقد أخرج ابن جرير في تهذيبه، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت؟ ذهبت الركاب بفتياك، وقالت فيها الشعراء قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:شعر : أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رحضة الأعطاف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس تفسير : فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر وفي لفظ، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة، والدم، ولحم الخنزير. وأخرج ابن جرير، عن حضرمي أن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ } قال: الراضي أن يوفى لها صداقها، ثم يخيرها. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في الآية قال: إن وضعت لك منه شيئاً، فهو سائغ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن ابن عباس: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } يقول: من لم يكن له سعة {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } يقول الحرائر: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} فلينكح من إماء المؤمنين {مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } يعني عفائف غير زواني في سرّ. ولا علانية {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } يعني أخلاء {فَإِذَا أُحْصِنَّ } ثم إذا تزوجت حراً، ثم زنت {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } قال: من الجلد {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } هو: الزنا، فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن لا يقدر على حرة، وهو يخشى العنت {وَأَن تَصْبِرُواْ } عن نكاح الإماء {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي، عن مجاهد {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } يعني من لا يجد منكم غنى {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } يعني: الحرائر، فلينكح الأمة المؤمنة {وَأَن تَصْبِرُواْ } عن نكاح الإماء {خَيْرٌ لَّكُمْ } وهو حلال. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عنه قال مما وسع الله به على هذه الأمة، نكاح الأمة النصرانية واليهودية وإن كان موسراً. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والبيهقي عنه قال: لا يصلح نكاح إماء أهل الكتاب؛ لأن الله يقول: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ }. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن الحسن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرّة، والحرّة على الأمة، ومن وجد طولاً لحرّة، فلا ينكح أمة. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي عن ابن عباس قال: لا يتزوج الحرّ من الإماء إلا واحدة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل في قوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ } يقول: أنتم إخوة بعضكم من بعض. وأخرج ابن المنذر، عن السدّي: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } قال: بإذن مواليهن: {وآتوهن أجورهن} قال: مهورهنّ. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: المسافحات المعلنات بالزنا، والمتخذات أخدان: ذات الخليل الواحد. قال: كان أهل الجاهلية يحرّمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي، فأنزل الله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } تفسير : [الأنعام: 151]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } قال: "حديث : إحصانها إسلامها"تفسير : . وقال عليّ: اجلدوهنّ. قال ابن أبي حاتم، حديث منكر، وقال ابن كثير في إسناده ضعف، ومبهم لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن ابن عباس قال: حدّ العبد يفتري على الحرّ أربعون. وأخرج ابن جرير عنه قال: العنت الزنا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ } قال: هم اليهود، والنصارى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ } قال: الزنا. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } يقول: في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } قال: رخص لكم في نكاح الإماء {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } قال: لو لم يرخص له فيها. وأخرج ابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هنّ خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس، وغربت: أوّلهنّ: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } تفسير : [النساء: 26]، والثانية: {أية : وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عظيماً} تفسير : [النساء: 27]، والثالثة: {أية : عَظِيماً يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } تفسير : [النساء: 28]، والرابعة: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } تفسير : [النساء: 31]، والخامسة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } تفسير : [النساء: 40] الآية، والسادسة: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 110] الآية، والسابعة: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 116] الآية، والثامنة: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ } للذين عملوا من الذنوب {أية : غَفُوراً رَّحِيماً }تفسير : [النساء: 152].

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} إلى قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: والمحصنات من النساء يعني ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، وهذا قول علي، وابن عباس، وأبي قلابة، والزهري، ومكحول، وابن زيد. وقد روى عثمان البَتّي عن أبي خليل عن أبي سعيد الخدري قال: لما سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس، قلنا: يا نبي الله كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهن وأزواجهن؟ قال: فنزلت هذه الآية {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. والثاني: أن المحصنات ذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكت أيمانكم من الإِماء، إذا اشتراها مشترٍ بطل نكاحها وحلت لمشتريها ويكون بيعها طلاقها، وهذا قول ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنسٍ ابن مالك، وابن عباس في رواية عكرمة عنه وسعيد بن المسيب، والحسن، قال الحسن: طلاق الأَمة يثبت نسبها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاق زوجها. الثالث: أن المحصنات من النساء العفائف إلا ما ملكت أيمانكم بعقد النكاح، أو ملك اليمين، وهذا قول عمر، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، وعبيدة السلماني، وعطاء، والسدي. والرابع: أن هذه الآية نزلت في نساءٍ كُنَّ هَاجَرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن، وهذا قول أبي سعيد الخدري. وأصل الإِحصان المنع، ومنه حصن البلد، لأنه يمنع من العدو، ودرع حصينة أي منيعة، وفرس حَصان، لأن صاحبه يمتنع به من الهلكة، وامرأة حصان، وهي العفيفة لأنها تمتنع من الفاحشة، ومنه {أية : وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [التحريم:12]. {كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه: حرم ذلك عليكم كتاباً من الله. والثاني: معناه ألزموا كتاب الله. والثالث: أن كتاب الله قيم عليكم فيما تستحلِّونه وتحرمونه. {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أن معناه ما دون الخمس، وهو قول السدي. والثاني: ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، وهو قول عطاء. والثالث: ما وراء ذلكم مما ملكت أيمانكم، وهو قول قتادة. {أّن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم} يعني أن تلتمسوا بأموالكم إما شراء بثمن، أو نكاحاً بصداق. {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} يعني متناكحين غير زانين، وأصل السفاح صب الماء، ومنه سَفَح الدمع إذا صبَّه، وسَفْح الجبل أسفله لأنه مصب الماء فيه، وسِفَاح الزنى لصب مائه حراماً. {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} أي آتوهن صدقاتهن معلومة، وهذا قول مجاهد، والحسن، وأحد قولي ابن عباس. والقول الثاني: أنها المتعة إلى أجل مسمى من غير نكاح، قال ابن عباس كان في قراءة أُبيّ: {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى}، وكان ابن عباس كذلك يقرأ، وسعيد بن جبير، وهذا قول السدي، وقال الحكم: قال عليّ: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي، وهذا لا يثبت، والمحكي عن ابن عباس خلافه، وأنه تاب من المتعة وربا النقد. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: معناه لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لِنِسَائكم مهراً عن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم، وهذا قول سليمان بن المعتمر. والثاني: لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضتيم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل بينكم أن يزدنكم في الأجل وتزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهذا قول السدي. والثالث: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به ودفعتموه أن يعود إليكم عن تراض، وهذا قول ابن عباس. {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كان عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً في تقديره وتدبيره لها، وهذا قول الحسن. والثاني: أن القوم شاهدواْ عِلماً وحكمة فقيل لهم إن كان كذلك لم يزل، وهذا قول سيبويه. والثالث: أن الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل وهذا مذهب الكوفيين.

ابن عطية

تفسير : وقوله تعالى: {حرمت عليكم} الآية، حكم الله به سبعاً من النسب، وستاً من بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن ابن عباس أنه قال: حرم من النسب سبع, ومن الصهر سبع, وتلا هذه الآية, وقال عمرو بن سالم مولى الأنصار: مثل ذلك، وجعل السابعة قوله تعالى: {أية : والمحصنات من النساء} تفسير : [ النساء:24]، وتحريم الأمهات عام في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ويسميه أهل العلم - المبهم - أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات، فالأم كل من ولدت المرء وإن علت والبنت كل من ولدها وإن سفلت، والأخت كل من جمعه وإياها صلب أو بطن، والعمة أخت الأب، والخالة أخت الأم، كذلك فيهما العموم والإبهام، وكذلك عمة الأب وخالته، وعمة الأم وخالتها، وكذلك عمة العمة، وأما خالة العمة فينظر، فإن كانت العمة أخت أب لأم، أو لأب وأم فلا تحل خالة العمة، لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها، تحل للرجال، ويجمع بينها وبين النساء, وكذلك عمة الخالة ينظر، فإن كانت الخالة أخت أم لأب، فعمتها حرام، لأنها أخت جد، وإن كانت الخالة أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أختها وكذلك في بنات الأخ وبنات الأخت والعموم والإبهام، سواء كانت الأخوة شقيقة. أو لأب أو لأم، وقرأ أبو حيوة " من الرِّضاعة" بكسر الراء، والرضاع يحرم ما يحرم النسب، والمرضعة أم، وما تقدم من أولادها وتأخر إخوة، وفحل اللبن أب، وما تقدم من أولاده وتأخر إخوة، وقرأ ابن مسعود " اللاي" بكسر الياء، وقرأ ابن هرمز " وأمهاتكم التي" بالإفراد، كأنه من جهة الإبهام يقع مع الواحد والجماعة، واختلف الناس في تأويل قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} فقال جمهور أهل العلم: هي تامة العموم فيمن دخل بها أو لم يدخل، فبالعقد على الابنة حرمت الأم، وهذا مذهب جملة الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قيل له في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أيتزوج أمها؟ قال: نعم، هي بمنزلة الربيبة. قال القاضي أبو محمد: يريد أن قوله تعالى: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} شرط في هذه، وفي الربيبة وروي نحوه عن ابن عباس، وروي عنه كقول الجمهور، وروي عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإن طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل، وقال مجاهد: الدخول مراد في النازلتين، وقول جمهور الناس مخالف لهذا القول، وروي في ذلك عن زيد بن ثابت أنه قال: {أمهات نسائكم} مبهمة، وإنما الشرط في الربائب، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أكان ابن عباس يقرأ " وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن"؟ فقال لا تترأ، قال حجاج: قلت لابن جريج: ما تترأ؟ قال كأنه قال: لا لا، يرد هذا القول من جهة الإعراب أن المجرورين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحداً، ومعناه: إذا اختلفا في العامل، وهذه الآية قد اختلف فيها جنس العامل. الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يريبها في حجره فهي مربوبته، وربيبة: فعلية بمعنى مفعولة، وقوله تعالى: {اللائي في حجوركم} ذكر الأغلب في هذه الأمور، إذ هي حالة الربيبة في الأكثر، وهي محرمة وإن كانت في غير الحجر، لأنها في حكم أنها في الحجر، إلا ما روي عن علي أنه قال: تحل إذا لم تكن في الحجر وإن دخل بالأم، إذا كانت بعيدة عنه، ويقال: حِجَرْ بكسر الحاء وفتحها، وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه في حالة اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر، لأن اللابس إنما تحفظ طفلاً وما أشبهه بذلك الموضع من الثوب، واختلف العلماء في معنى قوله: {دخلتم بهن} فقال ابن عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء وقبل الوطء، فإن ابنتها له حلال وقال جمهور من العلماء منهم مالك بن أنس وعطاء بن أبي رباح وغيرهم: إن التجريد والتقبيل والمضاجعة وجميع أنواع التلذذ يحرم الابنة كما يحرمها الوطء، والحلائل: جمع حليلة، وهي الزوجة، لأنها تحل مع الرجل حيث حل، فهي فعلية بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم: إلى أنها من لفظه الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة، وقوله: {الذين من أصلابكم} تخصيص ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب، وكان عندهم أمراً كثيراً قوى الحكم، قال عطاء ابن أبي رباح: يتحدث - والله أعلم - أنها نزلت في محمد عليه السلام حين تزوج امرأة زيد بن حارثة، فقال المشركون: قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية، وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم،حديث : يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب،تفسير : وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} لفظ يعم الجمع بنكاح وبملك يمين، وأجمعت الأمة على منع جمعهما بنكاح، وأما بملك يمين، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فأما أنا في خاصة نفسي فلا أرى الجمع بينهم حسناً، وروي نحو هذا عن ابن عباس، ذكره ابن المنذر، وذكر أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكاً فيمن كرهه. قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الأم وبنتها، ويجيء من قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتستقرأ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطىء واحدة ثم الجمع بينهما بالوطء، إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عمرو والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه، ببيع أو عتق أو بأن يزوجها، قال ابن المنذر: وفيها قول ثان لقتادة، وهو أنه إن كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنها حتى يستبرىء الأولى المحرمة، ثم يغشى الثانية. قال القاضي أبو محمد: ومذهب مالك رحمه الله، إذا كان أختان عند رجل يملك، فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله، من إخراج عن الملك، أو تزويج، أو عتق إلى أجل، أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم يبق ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطىء، ولم يكن قبل متهماً إذا كان لم يطأ إلا الواحدة، وإن كانت عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها، ففيها في المذهب ثلاثة أقوال، في النكاح الثالث من المدونة أنه يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيته لهذا النكاح، إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطء، وذلك مكروه إلا في الحيض، لأنه أمر غالب كثير، وفي الباب بعينه قول آخر: إن النكاح لا ينعقد، وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة، وثبت عن النبي صلى الله عليه أنه نهي أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت الأمة على ذلك وقد رأى بعض العلماء أن هذا الحديث ناسخ لعموم قوله تعالى: {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم} تفسير : [النساء:24] وذلك لأن الحديث من المتواتر، وكذلك قوله عليه السلام، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، قيل أيضاً إنه ناسخ، وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} استثناء منقطع، معناه لكن ما قد سلف من ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله يغفره، والإسلام يجبّه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم} بيّن الله عزّ وجلّ في هذه الآية المحرمات من النساء بسبب الوصلة إما بسبب أو نسب (خ) عن ابن عباس قال حرم من النساء سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ حرمت عليكم أمهاتكم الآية فجملة المحرمات من النساء بنص الكتاب أربعة عشر صنفاً، فأما المحرمات بالنسب فقوله حرمت عليكم أمهاتكم جمع أم وأصل أمهات أمات وإنما زيدت الهاء للتوكيد والأم هي الوالدة القريبة ويدخل في حكمها كل امرأة رجع النسب إليها من جهة الأب أو من جهة الأم بدرجة أو بدرجات وهي جميع الجدات وإن علون فيحرم الأم وجميع الجدات {وبناتكم} والبنت عبارة عن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث كبنت البنت وإن سفلت وكذا بنت الابن {وأخواتكم} جمع أخت وهي عبارة عن كل امرأة شاركتك في أصلك فتدخل فيه الأخوات من الأب والأم والأخوات من الأب والأخوات من الأم {وعماتكم} جمع عمة وهي كل امرأة شاركت أباك في أصله وهن جميع أخوات الأب وأخوات آبائه وإن علون وقد تكون العمة من جهة الأم أيضاً وهي أخت أبي الأم {وخالاتكم} جمع خالة وهي كل امرأة شاركت الأم في أصلها فيدخل فيه جميع أخوات الأم وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالة من جهة الأب أيضاً وهي أخت أم الأب {وبنات الأخ وبنات الأخت} وهي عبارة عن كل امرأة لأخيك أو لأختك عليها ولادة يرجع نسبها إلى الأخ أو الأخت فيدخل فيهن جميع بنات أولاد الأخ والأخت وإن سفلن فهذه الأصناف السبعة محرمة بسبب النسب بنص الكتاب وجملته أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله، وأول فصل من كل أصل بعده أصل فالأصول هن الأمهات والجدات، والفصول هن البنات وبنات الأولاد وفصول أول أصوله هن الأخوات وبنات الإخوة والأخوات وأول فصل من كل أصل بعده أصل هن العمات والخالات وإن علون. قال العلماء: كل امرأة حرم الله نكاحها بالنسب والرحم فحرمتها مؤبدة لا تحل يوجه من الوجوه. الصنف الثاني المحرمات بالسبب وهن سبع الأول والثاني المحرمات بالرضاع وذلك في قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} كل أنثى انتسبت باللبن إليها فهي أمك وبنتها أختك وإنما نص الله على ذكر الأم والأخت ليدل بذلك على جميع الأصوال والفروع فنبه بذلك أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب ويدل على ذلك ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" تفسير : أخرجاه في الصحيحين (ق) عن ابن عباس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في بنت حمزة إنها لا تحل لي يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" وإنها ابنة أخي من الرضاعة تفسير : فكل من حرمت بسبب النسب حرم نظيرها بسبب الرضاعة، وإنما سمى الله تعالى المرضعات أمهات لأجل الحرمة فيحرم عليه نكاحها ويحل له النظر إليها والخلوة بها والسفر معها ولا يترتب عليه جميع أحكام الأمومة من كل وجه فلا يتوارثان ولا تجب على كل واحد منهما نفقة الآخر وغير ذلك من الأحكام، وإنما ثبتت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون إرضاع الصبي في حال الصغر وذلك إلى انتهاء سنتين من ولادته لقوله تعالى: {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} تفسير : [البقرة: 234] وقوله تعالى: {أية : وفصاله في عامين} تفسير : [لقمان: 14] عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يحرم من الرضاع إلاّ من فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" تفسير : أخرجه الترمذي عن ابن مسعود قال: لا رضاعة إلاّ ما كان في الحولين أخرجه مالك في الموطأ بأطول من هذا وأخرجه أبو داود مختصراً قال: قال عبدالله بن مسعود لا رضاع إلاّ ما شد اللحم. وقال أبو حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهراً لقوله تعالى: {أية : وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}تفسير : [الأَحقاف: 15] وحمله الجمهور على أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع لأن مدة الحمل داخلة فيه وأقله ستة أشهر. الشرك الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات. روي ذلك عن عائشة وبه قال عبدالله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تحرم المصة ولا المصتان" تفسير : أخرجه مسلم (م) عن أم الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" تفسير : وفي رواية: "حديث : أن رجلاً من بني عامر بن صعصعة قال يا نبي الله هل تحرم الرضعة الواحدة قال لا" تفسير : (م) عن عائشة قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن قولها فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن يحتمل أنه لم يبلغها نسخ ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى فهو مما نسخ تلاوته وبقي حكمه، وذهب جمهور العلماء إلى أن قليل الإرضاع وكثيره يحرم وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه والرواية الأخرى كمذهب الشافعي واحتج مذهب الجمهور بمطلق الآية لأنه عمل بعموم القرآن وظاهره ولم يذكر عدداً وأجاب الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة بأن السنة مبينة للقرآن مفسرة له. وقوله تعالى: {وأمهات نسائكم} يعني إذا تزوج الرجل بامرأة حرمت عليه أمها الأصلية وجميع جداتها من قبل الأب والأم كما في النسب والرضاع أيضاً ومذهب أكثر الصحابة وجميع التابعين وكل العلماء أن من تزوج امرأة حرمت عليه أمها بنفس العقد سواء دخل بها أو لم يدخل بها وذهب جمع من الصحابة إلى أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بابنتها وهو قول علي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس والعمل اليوم على القول الأول هو مذهب الجمهور ويدل على ذلك ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيما رجل نكح امرأة فلا يحل له نكاح ابنتها. وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح امرأة دخل بها أو لم يدخل" تفسير : أخرجه الترمذي وقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} الربائب جمع ربيبة وهي بنت المرأة من رجل آخر سميت ربيبة لتربيتها في حجر الرجل، وقوله دخلتم بهن كناية عن الجماع لا نفس العقد فيحرم على الرجل بنات امرأته وبنات أولادها وأن سفلن من النسب والرضاع بعد الدخول بالزوجة. فلو فارق زوجته قبل الدخول بها أو ماتت قبل دخوله بها جاز أن يتزوج بنتها ولا يجوز له أن يتزوج أمها لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات، وعلق تحريم البنات بالدخول بالأم وقوله تعالى: {وحلائل أبنائكم} يعني أزواج أنبائكم واحدتها حليلة والرجل حليل سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل لصاحبه وقيل لأن كل واحد منهما يحل حيث يحل صاحبه في إزار واحد قيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه من الحل بفتح الحاء وجملته أنه يحرم على الرجل أزواج أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا من النسب والرضاع وذلك بنفس العقد {الذين من أصلابكم} إنما قال من أصلابكم احترازاً من التبني ليعلم أن زوجة المتبنى لا تحرم على الرجل الذي تبناه لأنه كان في صدر الإسلام بمنزلة الابن فنسخ الله ذلك وقال تعالى: {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5] وتزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجة زيد بن حارثة وكان قد تبناه فقال المشركون تزوج زوجة ابنه فأنزل الله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم وقال تعالى لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم وقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} يعني لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في نكاح واحد سواء كانت الأخوة بينهما أخوة نسب أو رضاع والجمع بين الأختين يقع على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يجمع بينهما بعقد واحد فهذا العقد فاسد لا يصح فلو تزّوج إحدى الأختين ثم تزوّج الأخرى بعدها فها هنا يحكم ببطلان نكاح الثانية فلو طلق الأولى طلاقاً بائناً جاز له نكاح أختها، الوجه الثاني من صور الجمع بين الأختين هو أن يجمع بينهما بملك اليمين فلا يجوز له أن يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما حرمت عليه الثانية حتى يحرم الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة، الوجه الثالث من صور الجمع بين الأختين هو أن يتزوج إحداهما ويشتري الأخرى فيملكها بملك اليمين فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما لأن ظاهر هذه الآية يقتضي تحريم الجمع مطلقاً فوجب أن يحرم الجمع بينهما على جميع الوجوه وذهب بعضهم إلى جوازه والقول الأول أصح، وأولى لما روى قبيصة بن ذؤيب أن رجلاً سأل عثمان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عنه فقال أما أنا فلو كان لي من الأمر شيء لم أجد أحد فعل ذلك إلاّ جعلته نكالاً قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب قال مالك أنه بلغه عن الزبير بن العوام مثل ذلك أخرجه مالك في الموطأ وقوله تعالى: {إلا ما قد سلف} يعني لكن ما قد مضى فإنه معفو عند بدليل قوله تعالى: {إن الله كان غفوراً رحيماً} وقيل إن فائدة هذا الاستثناء أن أنكحة الكفار صحيحة فلو أسلم عن أختين قيل له أختر أيتهما شئت. ويدل على ذلك ما حديث : روي عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال قلت يا رسول الله إني أسلمت وتحتي أختان قال طلق أيتهما شئت تفسير : أخرجه أبو داود. فروع تتعلق بحكم الآية. الأول: لا يجوز الجمع بين المرأة ولا بين المرأة وخالتها ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها" تفسير : أخرجه في الصحيحين قال بعض العلماء في حد ما يحرم الجمع كل امرأتين بينهما قرابة أو لبن لو كان ذلك بينك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها لم يجز لك الجمع بينهما. الفرع الثاني: المحرمات بالنسب سبعة أصناف ذكرت في الآية نسقاً والمحرمات بالسبب صنفان: صنف يحرم بالرضاع وهن الأمهات والأخوات على ما تقدم ذكره وصنف يحرم بالمصاهرة وهي أم المرأة وحليلة الابن وزوجة الأب وقد تقدم ذكرها في قوله تعالى: {أية : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}تفسير : [النساء: 22] الآية والربائب على التفصيل المذكور والجمع بين الأختين. الفرع الثالث: التحريم الحاصل بسبب المصاهرة إنما حصل بنكاح صحيح فلو زنى بامرأة لم تحرم عليه أمها ولا بنتها لو أراد أن يتزوج بهن وكذلك لا تحرم المزني بها على آباء الزاني ولا أبنائه إنما تتعلق الحرمة بنكاح صحيح أو بنكاح فاسد يجب لها به الصداق وتجب عليها العدة ويلحق به الولد. وهذا قول علي وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وعروة بين الزبير والزهري وإليه ذهب مالك والشافعي وفقهاء الحجاز. وذهب قوم إلى أن الزنى يتعلق به تحريم المصاهرة يروى ذلك عن عمران بن حصين وأبي هريرة وبه قال جابر بن زيد والحسن وأهل العراق. ولو لمس امرأة أجنبية بشهوة أو قبلها هل يجعل ذلك كالدخول في إثبات تحريم المصاهرة وكذلك لو مس أمراة بشهوة هل يجعل ذلك كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان: أصحهما أنه تثبت به حرمة المصاهرة وهو قول أكثر أهل العلم والثاني لا تثبيت به كما لا تثبت بالنظرة بشهوة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {والمحصنات} في كل القرآن بكسر الصاد إلاّ قوله: {والمحصنات من النساء} على الباقون بالفتح {وأحل} مبنياً للمفعول: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون: مبنياً للفاعل {أحصن} بفتح الهمزة والصاد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون: {أحصن} بضم الهمزة وكسر الصاد. {تجارة} بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص. الباقون: بالرفع. الوقوف: {دخلتم بهن} الأولى (ز) لابتداء الشرط مع اتحاد المقصود {فلا جناح عليكم} (ز) لذلك فإن جملة الشرط معترضة {أصلابكم} (لا) للعطف {سلف} (ط) / {رحيماً} (ه) لا للعطف {أيمانكم} (ج) لأن {كتاب الله} يحتمل أن يكون مصدر التحريم لأنه في معنى الكتابة، ويحتمل أن يكون مصدر محذوف أي كتب الله كتاباً، والأحسن أن يكون مفعولاً له أي حرمت لكتاب الله. من قرأ {وأحل} بالفتح لم يحسن الوقف له على {عليكم} للعطف على "كتب"، ومن قرأ {وأحل} بالضم عطفاً على {حرمت} جاز له الوقف لطول الكلام {مسافحين} (ط) لابتداء حكم المتعة {فريضة} (ط) {الفريضة} (ه) {حكيماً} (ه) {فتياتكم المؤمنات} (ط) {بإيمانكم} (ط) {من بعض} (ج) لعطف المختلفين {أخدان} (ج) لذلك {من العذاب} (ط) {العنت منكم} (ط) {خير لكم} (ط) {رحيم} (ه) {ويتوب عليكم} (ط) {حكيم} (5) {عظيماً} (ه) {يخفف عنكم} (ج) لانقطاع النظم مع اتحاد المعنى أي يخفف لضعفكم {ضعيفاً} (ه) {أنفسكم} (ط) {رحيماً} (ه) {ناراً} (ط) {يسيراً} (ه). التفسير: إنه سبحانه نص على تحريم أربعة عشر صنفاً من النسوان، سبعة من جهة النسب: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة أخرى لا من جهة النسب: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، وبنات النساء بشرط الدخول بالنساء، وأزواج الأبناء والآباء - وهذه في الآية المتقدمة - والجمع بين الأختين، والمحصنات من النساء. وذهب الكرخي إلى أن هذه الآية مجملة لأنه أضيف التحريم فيها إلى الأمهات والبنات، والتحريم لا يمكن إضافته إلى الأعيان وإنما يمكن إضافته إلى الأفعال وذلك غير مذكور في الآية، فليست إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفعال التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أولى من بعض وهذا معنى الإجمال. والجواب من المعلوم بالضرورة من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن المراد منه تحريم نكاحهن لا سيما وقد تقدم قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلاّ لإحدى خصال ثلاث " تفسير : فإنه لا يشتبه أن المراد لا يحل إراقة دمه. ثم إنّ قوله: {حرمت} إنشاء للتحريم كقول القائل "بعت" أو "طلقت" لا إخبار عن التحريم في الزمان الماضي ولا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى كقوله: {أية : بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور} تفسير : [العاديات:9، 10] والخطاب لأولئك الحاضرين بالذات ولمن عداهم من الأمة بالتبعية. والأصل في كل حكم هو الاستمرار والتأبيد ما لم ينسخه ناسخ، والقرينة / تدل على أن المراد أنه تعالى حرم على كل أحد أمه خاصة وبنته خاصة. واعلم أنّ حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمان آدم إلى هذا الزمان، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، بل إنّ زرادشت نبي المجوس بزعمهم قال بحله إلاّ أن أكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً. أما نكاح الأخوات فقد نقل أن ذلك كان مباحاً في زمان آدم عليه السلام وذلك للضرورة، وبعض المسلمين ينكره ويقول: إنه تعالى بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم، ويرد عليه أنّ هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك بالإجماع باطل. قال العلماء: السبب في تحريم الأمهات والبنات أن الوطء إذلال وإهانة فلا يليق بالأصل والجزء. والأمهات جمع الأم والهاء زائدة. ووزن أم "فعل" أو أصلية ووزنه "فع". وقد يجيء جمعه على "أمات" وقد يقال الأمهات للإنسان، والأمات لغيره، وكل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو درجات بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك. ولا شك أن لفظ الأم حقيقة في التي ولدتك، أما في الجدة فيحتمل أن يكون حقيقة أيضاً وحينئذٍ يكون اللفظ متواطئاً فيها إن كان موضوعاً بإزاء قدر مشترك بينهما، وتكون الآية نصاً في تحريمها أو يكون مشتركاً بينهما. وحينئذٍ إن جوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه فالآية نص في تحريمها أيضاً وإلا فطريقان: أحدهما أن تحريم الجدات مستفاد من الإجماع، والثاني أنه تعالى تكلم بهذه الآية مرتين لكل من المفهومين. وكذا الكلام إن قلنا إنّ الأم حقيقة في الوالدة مجاز في الجدات. قال الشافعي: إذا تزوج الرجل بأمه ودخل بها يلزمه الحد. وقال أبو حنيفة: لا يلزمه. حجة الشافعي أن وجود هذا النكاح وعدمه بمثابة واحدة لكونه محرّماً قطعاً في حكم الشرع فيكون وطؤها زناً محضاً. الصنف الثاني من المحرمات البنات ويراد بهن كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو درجات بإناث أو بذكور. والكلام في أن إطلاق لفظ البنت على بنت الابن وبنت البنت حقيقة أو مجاز كما مر في الأمهات. قال أبو حنيفة: البنت المخلوقة من ماء الزنا تحرم على الزاني. وقال الشافعي: لا تحرم لأنها ليست بنتاً له شرعاً لقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : الولد للفراش" تفسير : وهذا يقتضي حصر النسب في الفراش، ولأنها لو كانت بنتاً له لأخذت الميراث ولثبت له ولاية الإجبار عليها، ولوجب عليه نفقتها وحضانتها، ولحل الخلوة بها، لكن التوالي باطلة بالاتفاق فكذا المقدم. وأيضاً إنّ أبا حنيفة إما أن يثبت كونها بنتاً له على الحقيقة وهي كونها مخلوقة من مائه، أو بناء على حكم الشرع والأول باطل على مذهبه طرداً وعكساً. أما الطرد فهو أنه إذا اشترى جارية بكراً وافتضها وحبسها ي داره إلى أن تلد فهذا الولد معلوم أنه مخلوق من مائة قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلاّ عند الاستلحاق، وأما العكس فهو أن المشرقي إذا تزوج بالمغربية وحصل هناك ولد فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه. والثاني أيضاً باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزاني من الزاني، ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه. الصنف الثالث: الأخوات ويشمل الأخوات من الأب والأم، ومن الأب فقط، ومن الأم فقط، الصنف الرابع والخامس العمات والخالات. قال الواحدي: كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أبي أمك، وكل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة فأختها خالتك. وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، ولاتحرم أولاد العمات وأولاد الخالات. الصنف السادس والسابع: بنات الأخ وبنات الأخت، والقول فيهما كالقول في بنت الصلب. الثامن والتاسع: قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} سمى المرضعات أمهات تفخيماً لشأنهن كما سمى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات لحرمتهن. وليس قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} كقول القائل: وأمهاتكم اللاتي كسونكم أو أطعمنكم. وإلاّ كان تكراراً لقوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} بل المراد أن الرضاع هو الذي تستحق هي بسببه الأمومة ويعلم من تسمية المرضعة. أما والراضعة أختاً إنه أجرى الرضاع مجرى النسب لأن المرحمات بسبب النسب سبع: اثنتان بالولادة وهما الأمهات والبنات، والباقية بطريق الإخوة وهو الأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، فذكر من كل واحد من القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي منهما. فذكر من قسم الولادة الأمهات، ومن قسم الإخوة الأخوات. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أكد هذا البيان بصريح قوله: " حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " تفسير : فصار صريح الحديث مطابقاً لمفهوم الآية. وهذا بيان لطيف فأمك من الرضاع كل أنثى أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو أرضعت من ولدك من الآباء والأمهات، أو ولدت المرضعة، أو الفحل الذي منه اللبن بواسطة أو بغير واسطة. وبنتك من الرضاع كل أنثى أرضعت بلبنك، أو أرضعت بلبن من ولدت من الأبناء أو البنات. وأختك من الرضاع كل أنثى أرضعتها أمك أو أرضعت بلبن أبيك، أو ولدتها المرضعة أو الفحل الذي جر لبنه على المرضعة. وعمتك كل أنثى من الرضاع من جهة الأب، وكل أنثى أرضعت بلبن واحد من أجدادك، أو كانت أخت الفحل الذي ارضعت / بلبنه. ومن جهت الأم كل أنثى هي أخت ذكر أرضعت أمك بلبنه بواسطة أو بغير واسطة. وخالتك من الرضاع من جهة الأم كل أنثى هي أخت أمك من الرضاع، أو أخت من ارضعتك من النسب أو الرضاع. ومن جهة الأب كل أنثى هي أخت أنثى أرضعت أباك من الرضاع أو النسب. وبنات الإخوة والأخوات من الرضاع كل أنثى ولدها ابن مرضعتك أو بنتها أو ولدها ابن الفحل الذي منه اللبن، أو بنته من الرضاع أو النسب، أو أرضعتها أختك أو أرضعت بلبن أخيك. وكذلك حكم بنات أولاد من أرضعته أختك أو أرضعت بلبن أخيك من الرضاع أو النسب، وكذلك بنات من أرضعته أمك أو أرضع بلبن أبيك وبنات أولادهما من الرضاع أو النسب. والرضاع المحرّم قد يسبق النكاح فيمنع انعقاده، وقد يطرأ عليه فيقطعه. وللرضاع أركان: أحدها المرضع ويجب أن تكون امرأة، فلبن البهيمة لا يثبت تحريماً بين الذكر والأنثى للذين شربا منه وكذا لبن الرجل، وأن تكون حية. وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يتعلق بلبن الميتة التحريم، وأن تكون محتملة للولادة بأن بلغت تسع سنين. وثانيها اللبن ويتعلق به التحريم ولو تغيّر بحموضة أو انعقاد أو إغلاء أو اتخذ منه جبن أو زيد أو مخيض أو أقط أو ثرد فيه طعام أو عجن به دقيق وخبز أو خلط بمائع حلال أو حرام. وثالثها المحل وهو معدة الصبي الحي فلا أثر للحقنة، ولا بعد الحولين الهلاليين، ولا للوصول إلى معدة الصبي الميت. ولا بد مع ذلك من خمس رضعات لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تحرم المصة والمصتان ولا الرضعة والرضعتان"تفسير : ولما روت عائشة "حديث : خمس رضعات يحرّمن "تفسير : وعند أبي حنيفة: الرضعة الواحدة كافية. الصنف العاشر قوله: {وأمهات نسائكم} ويدخل فيه الجدات من قبل الأب والأم. الحادي عشر {وربائبكم اللاتي في حجوركم} والربائب جمع ربيبة وهي بنت امرأة الرجل من غيره، ومعناها مربوبة لأنّ الرجل يربها. والحجور جمع حجر بالفتح والكسر. وكونها في حجرة عبارة عن تربيته وهو بناء للكلام على الغالب ومثله هو في حضانة فلان وأصله من الحضن الذي هو الإبط. وقال أبو عبيد: في حجوركم أي في بيوتكم. وعن علي عليه السلام أنه جعل كونها ربيبة له وكونها في حجرة شرطاً في التحريم وهو استدلال حسن. وأما سائر العلماء فذهبوا إلى / أنّ الكلام أخرج مخرج الأعم الأغلب، وأنه إذا دخل بالمرأة حرمت ابنتها عليه سواء كانت في تربيته أو لم تكن. أما اشتراط الدخول بأمها فلقوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} وهو متعلق بربائبكم كا تقول: بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة. وأما عدم اشتراط التربية فلقوله: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} علق رفع الجناح بمجرد عدم الدخول، وهذا يقتضي أن السبب لحصول الجناح هو مجرد الدخول. وذهب جمع من الصحابة أن أم المرأة إنما تحرم بالدخول بالبنت كما أن الربيبة إنما تحرم بالدخول بأمها وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر وأظهر الروايات عن ابن عباس. وحجتهم أنه تعالى ذكر جملتين وهو قوله: {وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم} ثم ذكر شرطاً وهو قوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} فوجب أن يكون ذلك الشرط معتبراً في الجملتين معاً. وأما الأكثرون من الصحابة والتابعين فعلى أن قوله: {وأمهات نسائكم} جملة مستقلة بنفسها ولم يدل دليل على عود ذلك الشرط إليه إذ الظاهر تعلق الشرط بالثانية، وإذا تعلق الشرط بالثانية أو تعلق بإحدى الجمليتين فلا حاجة إلى تعليقه بأخرى. وأيضاً عود الشرط إلى الجملة الأولى وحدها باطل بالإجماع وكذا عوده إليهما معاً، لأنّ معنى "من" مع الأولى البيان، ومعناها مع الثانية ابتداء الغاية، واستعمال اللفظ المشترك في مفهومية معاً غير جائز. نعم لو جعل "من" للاتصال كقوله: {أية : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} تفسير : [التوبة:71] أمكن اعتبار الاتصال في النساء والربائب معاً، فأمهات النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتهن، كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن لأنهن بناتهن. إلاّ أن هذا التفسير فيه خلل من جهة اللفظ ومن جهة المعنى. أما اللفظ فلأن قوله: {وأمهات نسائكم} وكذا ربائبكم يكون حينئذٍ مبتدأ وقوله {من نسائكم} خبراً ويقع بين المعطوفات فاصلة لأن قوله: {وحلائل أبنائكم} وما بعده معطوف على فاعل{حرمت}. وأما من جهة المعنى فلأن الحكم بالاتصال والاتحاد يقتضي التحليل لا التحريم ظاهراً. ومما يدل على أن الجملة الأولى مرسلة ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا نكح الرجل امرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلّقها فإن شاء تزوّج البنت " تفسير : وكان عبد الله بن مسعود يفتي بنكاح أم المرأة إذا طلق بنتها فبل المسيس وهو يومئذٍ بالكوفة. فاتفق أن ذهب إلى المدينة فصادفهم مجميعن على خلاف فتواه، فلما رجع إلى الكوفة لم يدخل داره حتى ذهب إلى ذلك الرجل وقرع عليه الباب وأمره بالنزول عن تلك المرأة. وعن سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت قال: إنّ الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول وأراد أن يتزوج أمها فله ذلك، وإن ماتت عنده لم يتزوّج أمها أقام الموت مقام الدخول في التحريم كما قام مقامه في باب المهر. والدخول بهن كناية عن الجماع كقولهم: بنى عليها أو ضرب عليها الحجاب. يعني أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وقد تقدم أن الخلوة الصحيحة عند أبي حنيفة تقوم مقام الدخول في التحريم، وقد تمسك أبو بكر الرازي بالآية في إثبات أن الزنى يوجب حرمة المصاهرة. قال: لأنّ الدخول بها اسم لمطلق الوطء من نكاح كان أو سفاح, ورد بأنّ تقديم قوله: {من نسائكم} يوجب تخصيص الوطء بالحلال. الصنف الثاني عشر {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} فيخرج المتبنى وكان في صدر الإسلام بمنزلة الابن إلى أن نزل: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} {أية : لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم}تفسير : [الأحزاب:37] وحكم الابن من الرضاع حكم الابن من النسب في تحريم حليلته على أبيه لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" تفسير : وإن كان ظاهراً قوله: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} وظاهر قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يقتضي الحل فههنا قد تخصص عموم القرآن بخبر الواحد. واتفقوا على أنّ حرمة التزوّج بحليلة الابن تحصل بنفس العقد ولا تتوقف الحرمة على الدخول. وما روي عن ابن عباس أنه قال: أبهموا ما أبهم الله أراد به التأبيد. ألا ترى أنه قال في السبع المحرّمات من جهة النسب إنها من المبهمات أي من اللواتي تثبت حرمتهن على التأبيد؟ واتفقوا أيضاً على تحريم حليلة ولد الولد على الجد. أما جارية الابن فقد قال أبو حنيفة: يجوز للأب أن يتزوّج بها. وقال الشافعي: لا يجوز لأنّ الحليلة فعيله إما بمعنى المفعول من الحل أي المحللة، أو من الحلول بمعنى أن السيد يحل فيها، وإما بمعنى الفاعل لأنهما يحلاّن في لحاف واحد، أو يحل كل واحد منهما في قلب صاحبه لما بينهما من الإلفة والمودّة. وعلى التقادير يصدق على جارية الإبن أنها حليلته كما يصدق على زوجته أنها حليلته فتناولها الحرمة بالآية. الصنف الثالث عشر {وأن تجمعوا بين الأختين} أي حرمت عليكم الجمع بينهما والتأنيث للتغليب أو للاكتساب أو بتأويل الخصلة. ويمكن أن يقال: الواو نائب عن الفعل المطلق من غير اعتبار تذكيره أو تأنيثه، والجمع يكون إما بالنكاح أو بالملك أو بهما. أما النكاح فلو عقد عليهما معاً فنكاحهما باطل، وعلى الترتيب بطل الثاني / لأنّ الدفع أسهل من الرفع، وأما الجمع بينهما بملك اليمين أو بأن ينكح إحداهما ويشتري الأخرى فقد اختلف الصحابة فيه؛ فقال علي وعمرو بن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر: لا يجوز الجمع بينهما لإطلاق الآية، ولأنه لو لجاز الجمع بينهما في الملك لجاز وطؤهما معاً لقوله تعالى: {أية : إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} تفسير : [المؤمنون:6] ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، فلو سلم أن الآية تدل على الجواز فالأحوط جانب الترك. وأما سائر الصحابة والفقهاء فقد قالوا: النهي وارد عن نكاحهما، فلو جمع بينهما في الملك جاز إلاّ أنه إذا وطىء إحداهما حرّم وطء الثانية عليه، ولا تزول هذه الحرمة ما لم يزل ملكه عن الأولى ببيع أو هبة أو عتق أو كتابة أو تزويج. قال أبو حنيفة ههنا: لا يجوز نكاح الأخت في عدّة الأخت البائن لأنّ النكاح الأول كأنه باق بدليل وجوب العدة ولزوم النفقة. وقال الشافعي: يجوز لأن نكاح المطلّقة زائل بدليل لزوم الحد بوطئها. وأما وجوب العدة ولزوم النفقة فنقول: متى حصل النكاح حصلت القدرة على حبسها، ولا يلزم من حصول القدرة على حبسها حصول النكاح لأن استثناء عين التالي لا ينتج. وإذا أسلم الكافر وتحته أختان فقد قال الشافعي: اختار أيتهما شاء وفارق الأخرى سواء تزوّج بهما معاً أو على الترتيب، لأنّ الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشرائع في أحكام الدنيا إذ لا يتصوّر تكليفه بالفروع ما دام كافراً. نعم يعاقب بترك الفروع في الآخرة كما يعاقب على ترك الإسلام ومما يؤيّد قول الشافعي ما روي أن فيروزاً الديلي أسلم على ثمان نسوة فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن تفسير : أطلق ولم يتفحص عن الترتيب. وقال أبو حنيفة: إن تزوّج بهما معاً تركهما أو على الترتيب فارق الثانية، لأنّ الخطاب في قوله: {وأن تجمعوا} عام فيتناول المؤمن والكافر فخالف أصليه حيث جعل النهي دالاً على الفساد، والكافر مخاطباً بالفروع. ومما يدل على أن الخطاب الفروع لا يظهر أثر في حق الكافر في الأحكام الدنيوية الإجماع على أنه لو تزوج بغير وليّ وشهود أو على سبيل القهر والغصب فبعد الإسلام يقرّر ذلك النكاح، أما قوله تعالى: {إلا ما قد سلف} فمعناه أن ما مضى مغفور بدليل قوله: {إنّ الله كان غفوراً رحيماً} وقد مرّ نظيره. واعلم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق بالأختين جميع المحارم حيث قال:"حديث : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" تفسير : وضبط العلماء ذلك بأنّ كل شخصين بينهما قرابة أو رضاع / لو كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى حرّم النكاح بينهما فلا يجوز الجمع بينهما، فيحرم الجمع بين المرأة وبنت أخيها وبنات أولاد أخيها. وكذلك بين المرأة وبنت أختها وبنات أولاد أختها سواء كانت العمومة والخؤولة من النسب أوالرضاع. ولا يحرم نكاح المرأة وأم زوجها، ولا نكاح المرأة وبنت زوجها لأنه لا توجد الحرمة على تقدير ذكورة كل واحدة منهما، وإنما توجد على تقدير ذكورة أم الزوج أو بنته فقط لمكان المصاهرة حينئذٍ بخلاف ما لو فرضت المرأة ذكراً فإنه لا يكون بينهما قرابة ولا رضاع. وقد يضبط تحريم الجمع بعبارتين أخريين: إحداهما يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع يقتضي المحرمية، والثانية يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما وصلة قرابة أو رضاع لو كانت تلك الوصلة بينك وبين امرأة لحرمت عليك. الصنف الرابع عشر {والمحصنات من النساء} وقد ورد الإحصان في القرآن بمعان: أحدها الحرية {أية : والذين يرمون المحصنات}تفسير : [النور:4] {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} وثانيها العفة {محصنات غير مسافحات} أحصنت فرجها. وثالثها الإسلام {فإذا أحصن} قيل في تفسيره إذا أسلمن. ورابعها كونها بذات زوج {والمحصنات من النساء} أي ذوات الأزواج منهن. والوجوه كلها مشتركة في أصل المعنى اللغوي وهو المنع. يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة مانعة صاحبها من الآفات والجراحات. والحرية سبب لمنع الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة مانعة من ارتكاب المناهي، وكذا الإسلام والزوج مانع لزوجته من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، قرىء بكسر الصاد لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج. ومعنى قوله: {إلاّ ما ملكت أيمانكم} أن اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين؛ وهكذا إذا سبى الزوجان معاً خلافاً لأبي حنيفة قياساً على شراء الأمة واتهابها وارثها فإن كلاً منها لا يوجب الفرقة. وأجيب بأنّ الحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، والأول أقوى فظهر الفرق. وقيل: المعنى أن ذوات لأزواج حرام عليكم إلاّ إذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع الفراق بينهن وبين أزواجهنّ. وقيل: المحصنات الحرائر. والمعنى حرمت عليكم الحرائر إلاّ العدد الذي جعله الله ملكاً لكم وهو الأربع، أو إلاّ ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن لحصول الشرائط المعتبرة من حضور الولي والشهود وغير ذلك، والقول هو الأول لما روي عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم} فاستحللناهن. ثم أكد تحريم المذكورات بقوله: {كتاب الله عليكم} قال الزجاج: يحتمل أن يكون منصوباً باسم فعل ويكون {عليكم} مفسراً له أي الزموا كتاب الله {وأحلّ لكم ما وراء ذلكم} أي ما وراء هذه المذكورات سواء كن / مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية أو خفية أو ببيان النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا في تحريم الجمع بين الأختين وغيرهما. وقد دخل بعد هذه العناية في الآية تخصيصات أخر منها: أنّ المطلقة ثلاثاً لا تحل ودليل ذلك قوله: {أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : [البقرة:230] ومنها الحربية والمرتدة بدليل قوله: {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} تفسير : [البقرة:221] ومنها المعتدة بدليل قوله: {أية : والمطلّقات يتربصن} تفسير : [البقرة:228] ومنها أن من في نكاحه حرة لم يجز له أن ينكح أمة بالاتفاق. وعند الشافعي القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة بدليل {ومن لم يستطع منكم طولاً} ومنها الخامسة بدليل {أية : مثنى وثلاث ورباع} تفسير : [النساء:3] ومنها الملاعنة لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المتلاعنان لا يجتمعان أبداً" تفسير : وقوله: {أن تبتغوا} مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم في حال كونكم محصنين ولا في حال كونكم مسافحين، لئلاّ تضيّعوا أموالكم التي جعل الله لكم قياماً فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم. ويجوز أن يكون {تبتغوا} بدلاً من {ما وراء ذلك} ومفعول {تبتغوا} مقدر وهو النساء. والأجود أن لا يقدر لأنّه مفهوم منسوق الكلام وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم. ومعنى محصنين متعففين عن الزنا وسمي الزنا سفاحاً لأنّه لا غرض للزاني إلاّ سفح النطفة أي صبّها. قال أبو حنيفة: لا يجوز المهر بأقل من عشرة دراهم لأنّه تعالى قيد التحليل بالابتغاء بالأموال والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالاً. وقال الشافعي: يجوز بالقليل والكثير لأنّ قوله: {بأموالكم} مقابلة الجمع بالجمع فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فيتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقة سواء. وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق فقد استحل "تفسير : وقال أبو حنيفة: لو تزوّج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، لأنّ الابتغاء بالمال شرط والمال اسم للأعيان لا للمنافع، وكذا قوله {أية : وآتوا النساء صدقاتهم نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه} تفسير : [النساء:4] والإيتاء والأكل من صفة الأعيان. ولو تزوّج امرأة على خدمة سنة وإن كان حراً فلها مهر مثلها، وإن كان عبداً فلها خدمة سنة، وقال الشافعي: الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز وليس فيه أن الابتغاء بغيره جائز أو لا. وأيضاً قد خرج الخطاب مخرج الأعم الأغلب فلا يدل على نفي ما سواه. ومما يدل على جواز جعل المنفعة صداقاً قوله تعالى في قصة شعيب {أية : على أن تأجرني ثماني حجج} تفسير : [القصص:27] والأصل في شرع من قبلنا البقاء إلى أن يظهر الناسخ. وأيضاً التي وهبت نفسها لما لم يجد الرجل الذي أراد التزوّج بها شيئاً قال صلى الله عليه وسلم: حديث : هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا وكذا. فقال: زوّجتكها / بما معك من القرآنتفسير : . ومنه يعلم جواز عتق الأمة صداقاً لها لا سيما وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلمحديث : أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها تفسير : وكونه من خواصه ممنوع. {فما استمتعتم به منهن} أي فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن أو خلوة صحيحة عند أبي حنيفة {فآتوهن أجورهن} أي عليه فأسقط الراجع للعلم به. ويجوز أن يراد بما النساء "ومن" للتبعيض أو البيان لا لابتداء الاستمتاع، ويكون رجوع الضمير إليه في {به} على اللفظ وفي {فآتوهن} على المعنى. والأجور المهور لأنّ المهر ثواب على البضع كما يسمى بدل منافع الدار والدابة أجراً. و{فريضة} حال من الأجور بمعنى مفروضة، أو أقيمت مقام إيتاء لأنّ الإيتاء مفروض، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة. ولا يخفى أنه إن استمتع بها بدخول بها يجب تمام المهر، وإن استمتع بعقد النكاح فقط فالأجر نصف المهر. قال أكثر علماء الأمة: إنّ الآية في النكاح المؤبد. وقيل: المراد بها حكم المتعة وهي أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معلوم ليجامعها، سميت متعة لاستمتاعه بها أو لتمتيعه لها بما يعطيها. واتفقوا على أنها كانت مباحة في أول الإسلام، ثم السواد الأعظم من الأمة على أنها صارت منسوخة. وذهب الباقون ومنهم الشيعة إلى أنها ثابتة كما كانت، ويروى هذا عن ابن عباس وعمران بن الحصين. قال عمارة: حديث : سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال: هي متعة كما يقال. قال: قلت هل لها عدة؟ قال: نعم، عدّتها حيضة. قلت: هل يتواراثان؟ قال: لاتفسير : . وفي رواية أخرى عنه أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال: حديث : قاتلهم الله إني ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزيرتفسير : ، ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي في الصرف والمتعة. وأما عمران بن الحصين فإنه قال: حديث : نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه ومات ولم ينهنا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء تفسير : - يريد أن عمر نهى عنها - وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي أنه قال: حديث : لولا أن عمرو نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيتفسير : . حجة الجمهور على حرمة المتعة أنّ الوطء لا يحل إلاّ في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى: {أية : إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} تفسير : [المؤمنون:6] وهذه المرأة ليست بمملوكة ولا بزوجة وإلاّ لحصل التوارث ولثبت النسب ولوجبت العدة عليها بالأشهر والتوالي باطلة بأسرها بالاتفاق. وروي عن عمر أنه نهى عن المتعة على المنبر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، فلو سكتوا لعلمهم بحرمتها فذاك، ولو سكتوا لجهلهم / بحلها وحرمتها فمحال عادة لشدة احتياجهم إلى البحث عن أمور النكاح، ولو سكتوا مع علمهم بحلها فإخفاء الحق مداهنة وكفر وبدعة وذلك محال منهم، وما روي عن عمر أنه قال: حديث : لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمتهتفسير : . ثم إنّ الصحابة لم ينكروا عليه مع أنّ الرجم لا يجوز في المتعة فلعله ذكر ذلك على سبيل التهديد والسياسة ومثل ذلك جائز للإمام عند المصلحة. ألا ترى أنه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من منع منا الزكاة فإنا آخذوها منه وشطر ماله" تفسير : مع أن أخذ شطر المال من مانعي الزكاة غير جائز إلاّ للسياسة، وروى الواحدي في البسيط عن مالك عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الإنسيةتفسير : . قال: وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: حديث : غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمه عليكم إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاًتفسير : . القائلون بإباحة المتعة قالوا: الابتغاء بالأموال يتناول الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأبيد وعلى سبيل التوقيت، بل الآية مقصورة على نكاح المتعة لما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ {فما استمتعتم به منهم إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن} وبه قرأ ابن عباس أيضاً، والصحابة ما أنكروا عليهما فكان إجماعاً. وأيضاً أمر بإيتاء الأجور لمجرد الاستمتاع أي التلذذ وهذا في المتعة، وأما في النكاح المطلق فيلزم الأجر بالعقد. وأيضاً قال في أول السورة: {أية : فانكحوا}تفسير : [النساء:3] فناسب أن تحمل هذه الآية على نكاح المتعة لئلاّ يلزم التكرار في سورة واحدة، والحمل على حكم جديد أولى. ومما يدل على ثبوت المتعة ما جاء في الروايات أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حديث : نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبرتفسير : . وأكثر الروايات أنه صلى الله عليه وسلم حديث : أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتحتفسير : . وذلك أنّ أصحابه شكوا إليه يومئذٍ طول العزوبة فقال: حديث : استمتعوا من هذه النساءتفسير : . وقول من قال إنه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف لم يقل به أحد من المعتبرين إلاّ الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات. ونهي عمر يدل على أنه كان ثابتاً في عهد الرسول، وما كان ثابتاً في عهده لم يمكن نسخه بقول عمر كما أشار إليه عمران بن الحصين. وأجيب بأنّ المراد من قول عمر "وأنا أنهي عنها" أنه قد ثبت عندي نسخها في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وقد سلموا له ذلك فكان إجماعاً. {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} الذين حملوا الآية على بيان / حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدّراً بمقدار معين فلا حرج في أن تحط عنه شيئاً أو تبرّئه عنه بالكلية كقوله: {أية : فإن طبن لكم عن شيء} تفسير : [النساء:4] وقال الزجاج: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر، إذا طلّقها قبل الدخول. قال أبو حنيفة: إلحاق الزيادة بالصداق جائز لأنّ التراضي قد يقع على الزيادة وقد يقع على النقصان وهي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة وكان لها نصف المسمى في العقد. وقال الشافعي: الزيادة بمنزلة الهبة. فإن أقبضها ملكته بالقبض وإن لم يقبضها بطلت، والدليل على بطلان هذه الزيادة أنها لو التحقت بالأصل فإما أن ترفع العقد الأول وتحدث عقداً ثانياً وهو باطل بالإجماع، وإما أن تحصل عقداً مع بقاء العقد الأول وهو تحصيل الحاصل. والذين حملوا الآية على حكم المتعة قالوا: المراد أنه ليس للرجل سبيل على المرأة من بعد الفريضة وهي المقدار المفروض من الأجر والأجل، فإن قال لها زيدي في الأيام وأزيد في الأجر فهي بالخيار. {إنّ الله كان عليماً حكيماً} لا يشرع الأحكام إلاّ على وفق الحكمة والصواب. ثم وسع الأمر على عبادة فقال: {ومن لم يستطع منكم طولاً} فضلاً في المال وسعة ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه كما أن القصر قصور فيه ونقصان.و{أن ينكح} متعلق بـ {طولاً} يقال: طال على الأمر إذا غلبه فتمكن من فعله. والمحصنات ههنا الحرائر، والمعنى ومن لم يقدر على نكاح الحرة فلينكح من الإماء التي ملكتها أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أخيك فإنّ الإنسان لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه والفتيات المملوكات. تقول العرب للأمة فتاة وللعبد فتى. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي" تفسير : وقال الشافعي: إنّ الله تعالى شرط في نكاح الإماء ثلاث شرائط: اثنتان في الناكح الأولى فقد طول الحرة وهو عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة كما يقول الرجل: لا أستطيع أن أحج إذا كان لا يجد ما يحج به. فإذا كان كذلك جاز له التزوّج بالأمة لأنّ العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة ساداتهن. والثانية خشية العنت كما يجيء في آخر الآية. والثالثة في المنكوحة وهي أن تكون الأمة لمسلم ومع ذلك تكون مؤمنة لا كافرة لقوله: {من فتياتكم المؤمنات} فالقيد الأول مستفاد من قوله: {من فتياتكم} أي من فتيات المسلمين لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، والقيد الثاني من وصف الفتيات بالمؤمنات. أما فائدة القيد الأول فهي أن الولد تابع / للأم في الحرية والرق، وحينئذٍ يعلق الولد رقيقاً على ملك الكافر. إلاّ أن هذا القيد ألغاه أكثر الأئمة لأنّ الولد إذا رق للكافر بيع عليه في الحال. وأما فائدة القيد الثاني فالحذر من اجتماع النقصانين الكفر والرق. وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن ومذهب مالك والشافعي. أما أبو حنيفة فإنه يقول: الغني والفقير سواء في جواز نكاح الأمة. وذلك أنه يحمل النكاح في الآية على الوطء ويقول: المراد أن من لم يملك فراش الحرة فله أن ينكح أمة. ثم الأمة لو كانت كتابية جاز له نكاحها ولكن نكاح الأمة المؤمنة أفضل فحمل التقييد في الآية على الفضل لا على الوجوب قياساً على جواز نكاح الحرة الكتابية بالإجماع مع وصف الحرائر أيضاً بالمؤمنات. وأجيب بالفرق وهو اجتماع النقصانين. ومن الناس من قال: لا يجوز التزوّج بالكتابيات ألبتة ولا شك أن في الآية دلالة على الحذر عن نكاح الإماء وأن الإقدام عليه لا يجوز إلاّ عند الضرورة وذلك لتباعة الولد الأم في الرق، ولأنها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة فربما تعوّدت بسبب ذلك فجوراً وقحة، ولما للمولى عليها من حق الاستخدام فلا تخلص لخدمة الزوج، ولأنّ السيد قد يبيعها فتصير مطلقة عند من يقول بذلك، ولأنّ مهرها ملك لمولاها فلا تقدر على هبة مهرها من زوجها ولا على إبرائه. {والله أعلم بإيمانكم} قال الزجاج: أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور والله أعلم بما في الصدور. {بعضكم من بعض} كلكم أولاد آدم فلا يتداخلكم أنفة من التزوّج بالإماء عند الضرورة، أو كلكم مشتركون في الإيمان وهو أعظم المقاصد فإذا حصل الاشتراك فيه فما وراءه غير ملتفت إليه. وفيه توهين ما كانوا عليه في الجاهلية من الفخر بالأنساب والأحساب وتأنيس بنكاح الإماء إذا كن مؤمنات. ثم شرح كيفية هذا النكاح فقال: {فانكحوهن بإذن أهلهن} فلذلك اتفقوا على أنّ نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل لأنّ نكاحهن غير واجب فيتوجه الأمر إلى اشتراط الإذن، ولأنّ التزوّج بها يعطل على السيد أكثر منافعها فوجب أن لا يجوز إلاّ بإذنه. ولفظ القرآن مقتصر على الأمة. وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث. روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : إذا تزوّج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر" تفسير : واستدل الشافعي بالآية على أنّ المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلاّ بإذن الولي لأنّ قوله: {فانكحوهن} الضمير فيه يعود إلى الإماء. والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والإشارة إلى ذات موصوفة بصفة عرضية زائلة تبقى بعد زوال تلك الصفة بدليل أنه لو حلف لم يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تكلم معه / يحنث في يمينه. فعند زوال الرق عنها وهي حرة عاقلة بالغة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت الحكم في هذه الصورة ثبت في سائر الصورة ضرورة أنه لا قائل بالفرق. واعترض على قول الشافعي بأنّ ظاهر الآية يدل على الاكتفاء بحصول إذن أهلها وعنده لا يجوز للمرأة أن تزوّج أمتها. وأجيب بأن المراد بالإذن الرضا، وعندنا أن رضا المولى لا بد منه. فإما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وأيضاً إن أهلهن عبارة عمن يقدر على إنكاحهن وهو المولى إن كان رجلاً أو ولي المولى إن كان امرأة. سلمنا أن الأهل هو المولى لكنه عام يخصصه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العاهر هي التي تنكح نفسها "تفسير : إذ يلزمه أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكها ضرورة أنه لا قائل بالفرق. قلت: الإنصاف أن استدلال الشافعي لا يتم. فلقائل أن يقول: لا نسلم أن صفة الرق للأمة عرضية من حيث إنها أمة، وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن الإشارة إلى ذات الأمة في الآية تبقى بعد زوال صفة الرق. فكونها مثل قول القائل لا أتكلم مع هذا الشاب ممنوع. فمن المعلوم عرفاً أن المراد به ذات الشاب من حيث هو ولكنه كقول الحالف: لا أكلم شاباً. فحينئذٍ لو كلّم زيداً وزيد شاب حنث فإذا صار شيخاً ثم كلمه لم يحنث. {وآتوهن أجورهن} أي مهورهن وفيه دلالة على وجوب مهرها إذا نكحها - سمى لها المهر أو لم يسم - وفي قوله: {بالمعروف} دلالة على أنه مبني على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد المتعارف وهو مهر المثل، أو المراد بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء. وقيل: الأجور النفقة عليهن لأن المهر مقدر فلا معنى لاشتراط المعروف فيه فكأنه تعالى بيَّن أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة. وعن بعض أصحاب مالك أنّ الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وأنّ المولى إذا آجرها للخدمة كان هو المستحق للأجرة دونها واحتجوا في المهر بظاهر قوله: {وآتوهن أجورهن} وأما الجمهور فعلى أن مهرها لمولاها لقوله تعالى: {أية : ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء} تفسير : [النحل:75] وهذا ينفي كون المملوكة مالكة لشيء أصلاً، ولأنّ منافعها كانت مملوكة للسيد وقد أباحها للزوج بعقد النكاح فوجب أن يستحق بدلها. وأما ظاهر الآية فلو حملنا لفظ الأجور على النفقة فلا إشكال، ولو حملناه على المهور فالجواب أنها ثمن أبضاعهن فلذلك أضيف الأجور إليهن. وليس في قوله: {وآتوهن} ما يوجب كون المهر ملكاً لهن. وهب أن المهر ملك لهن ولكنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : العبد وما يملكه لمولاه "تفسير : أو المراد وآتوا مواليهن فحذف المضاف {محصنات} قال ابن عباس: أي عفائف وهو حال من قوله: / {فانكحوهن} وظاهره يقتضي حرمة نكاح الزواني لكن الأكثرون على أنه يجوز فالآية محمولة على الندب والاستحباب. {غير مسافحات} قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها أي رجل أرادها، ومتخذة الخدن هي التي لها صديق معيّن. وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبراً عندهم فلا جرم أفردهما الله تعالى بالذكر تنصيصاً على حرمتهما معاً. والأخدان جمع خدن كالأتراب جمع ترب. والخدن الذي يخادنك أي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن، يقع على الذكر والأنثى. {فإذا أحصن} بالتزوّج وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد، أو بالإسلام وهو قول عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي. وكأنه تعالى ذكر حال إيمانهن في النكاح في قوله: {من فتياتكم المؤمنات} ثم كرر ذلك في حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة. وههنا إشكال وهو أن المحصنات في قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} أريد بها الحرائر المتزوجات أو الحرائر الأبكار. وعلى الأول يجب عليهن نصف الرجم وتنصيف الرجم محال، وعلى الثاني يجب عليهن خمسون جلدة وهذا القدر واجب في زنا الأمة محصنة كانت أو لم تكن، وقد علق ذلك في الآية بمجموع الأمرين: الإحصان والزنا. والجواب أنا نختار القسم الأول ويسقط الرجم عنهن بالدليل العقلي لأن الرجم لا يتنصف، أو الثاني والمراد بيان تخفيف عذابهن. وذلك أن حد الزنا يغلظ عند التزوج فهذه إذا زنت وقد تزوّجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليها، فلأن يكون قبل التزوّج هذا القدر أولى. واعلم أن الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم واحتجوا بأنّ الآية تدل على أنّ عذاب الأمة نصف عذاب الحرة المحصنة، فلو كان على الحرة الرجم لزم تنصيف الرجم في حق الأمة وهو محال. والجواب ما مرّ أن المخصص في حق الأمة دليل عقلي، والفقهاء جعلوا الآية أصلاً في نقصان حكم العبد عن حكم الحرة في غير الحد وإن كان من الأمور ما لا يجب ذلك فيه كالصلاة والصوم وغيرهما. {ذلك} إشارة إلى نكاح الإماء بالاتفاق {لمن خشي العنت منكم} وقد عرفت فيما مرّ أن معناه الوقوع في أمر شاق. وللمفسرين ههنا قولان: أحدهما أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تدعو إلى الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب الأليم في الآخرة، والثاني أن الشبق قد يفضي إلى الأمراض الشديدة كأوجاع الوركين والظهر والوسواس وكاختناق الرحم للنساء، والأول أليق ببيان القرآن وعليه أكثر العلماء. {وأن تصبروا} أي صبركم عن نكاح الإماء بعد شروطه المبيحة متعففين خير لكم لما فيه من المفاسد المذكورة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحرائر صلاح البيت / والإماء هلاك البيت"تفسير : {والله غفور رحيم} تأكيد لما ذكره من أن الأولى ترك النكاح إلاّ أنه أباحه لاحتياج المكلفين فهو من باب المغفرة والرحمة {يريد الله ليبين لكم} أقيمت اللام مقام "أن" في قولك أريد أن يقوم. وقيل: زيدت اللام وقدر "أن" وذلك لتأكيد إرادة التبيين كما زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأب. وقيل: في الآية إضمار والأصل يريد الله إنزال هذه الأحكام ليبين لكم دينكم وشرعكم وما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم ويهديكم مناهج من كان قبلكم. قيل: المراد أن كل ما بيّن لنا من التحريم والتحليل في شأن النساء فقد كان الحكم كذلك في جميع الشرائع والملل. وقيل: بل المراد أن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها إلاّ أنها متفقة في باب المصالح، وقيل: المعنى سنن من كان قبلكم من أهل الحق لتقتدوا بهم ويتوب عليكم. قال القاضي: معناه كما أراد منا نفس الطاعة فلا جرم بينها وأزاح الشبه عنها، كذلك يريد أن يتوب علينا إن وقع تقصير وتفريط. وفي الآية إشعار بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا، فيرد عليه أنه إذا أراد التوبة منا وجب أن تحصل التوبة لكلنا وليس كذلك. وأجيب بأنّ المراد التوبة في باب نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات وقد حصلت هذه التوبة، وكذا الكلام في قوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} وقالت المعتزلة: يريد أن تفعلوا ما تستوجبون به أن يتوب عليكم {ويريد} الفجرة {الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا} عن الحق والقصد {ميلاً عظيماً} وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلّون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت. يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم. {يريد الله أن يخفف عنكم} بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص. {وخلق الإنسان ضعيفاً} فلضعفه خفف تكليفه ولم يثقل. أما ضعف خلقته بالنسبة إلى كثير من المخلوقات بل الحيوانات فظاهر ولهذا اشتد احتياجه إلى التعاون والتمدن والأغذية والأدوية والمساكن والملابس والذخائر والمعاملات إلى غير ذلك من الضرورات، وأما ضعف عزائمه ودواعيه فأظهر ولهذا لا يصبر على مشاق الطاعات ولا عن الشهوات ولا سيما عن النساء. عن سعيد بن المسيب: ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلاّ أتاهم من قبل النساء، لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوف ما أخاف علي النساء. عن ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت. {يريد الله ليبين لكم} {ويريد الله أن يتوب عليكم} {يريد الله أن يخفف عنكم} {أية : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} تفسير : [النساء:31] {أية : إنّ الله لا يغفر أن يشرك به} تفسير : [النساء:48] {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة} تفسير : [النساء:40] {أية : من يعمل سوءاً / أو يظلم نفسه} تفسير : [النساء:110] {أية : ما يفعل الله بعذابكم} تفسير : [النساء:147] اللهم لا تحرمنا مواعيدك إنك لا تخلف الميعاد. ثم إنه لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإيفاء المهر والنفقات بيَّن عقيب ذلك أنه كيف يتصرف في الأموال فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بما لا يبيحه الشرع بوجه وقد مر تفسيره في البقرة في قوله: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة:188] {إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم} وقد سبق مثله في آخر البقرة. وخص التجارة بالذكر وإن كان غير ذلك من الأموال المستفادة بنحو الهبة والإرث وأخذ الصدقات والمهور وأروش الجنايات حلالاً، لأنّ أكثر أسباب الرزق يتعلق بالتجارة. ويدخل تحت هذا النهي أكل مال الغير بالباطل، وأكل مال نفسه بالباطل كما أن قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه. قال أبو حنيفة: النهي في المعاملات لا يدل على البطلان. وقال الشافعي: يدل لأن الوكيل إذا تصرف على خلاف قول المالك فذلك غير منعقد بالإجماع فالتصرف الواقع على خلاف قول المالك الحقيقي وهو الله سبحانه أولى أن يكون باطلاً. وأي فرق بين قوله: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين" وبين قوله: "لا تبيعو الحر" وإذا كان الثاني غير منعقد بالاتفاق فكذا الأول. وقال أبو حنيفة: خيار المجلس غير ثابت في عقود المعاوضات المحضة لأن التراضي المذكور في الآية قد حصل. وقال الشافعي: لا شك أن هذا التراضي يقتضي الحل إلاّ أنا نثبت بعد ذلك للمتبايعين الخيار بقوله صلى الله عليه وسلم: " حديث : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " تفسير : {ولا تقتلوا أنفسكم} من كان من جنسكم من المؤمنين لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض الجهلة حينما يعرضه غم أو خوف أو مرض شديد يرى قتل نفسه أسهل عليه. عن الحسن البصري قال: حدثنا جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان رجل جرح فقتل نفسه فقال الله: بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة "تفسير : وعن أبي هريرة قال: حديث : شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: هذا من أهل النار. فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراح. فقيل له: يا رسول الله الذي قلت له آنفاً إنه من أهل النار فإنه قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى / النار. فكاد بعض المسلمين أن يرتاب. فبيناهم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحات شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله.تفسير : وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً "تفسير : وعن عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزاة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صلّيت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً. وقيل: معنى الآية لا تفعلوا ما تستحقون به القتل من القتل والردة والزنا بعد الإحصان {إنّ الله كان بكم رحيماً} ولأجل رحمته نهاكم عما يضركم عاجلاً وآجلاً. وقيل من رحمته أنه لم يأمركم بقتل أنفسكم كما أمر بني إسرائيل بذلك توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم. {ومن يفعل ذلك} القتل {عدواناً وظلماً} لا خطأ ولا قصاصاً. هذا قول عطاء. وقال الزجاج: ذلك إشارة إلى القتل والأكل بالباطل. وعن ابن عباس أنه عائد إلى كل ما نهى الله تعالى عنه من أول السورة. وتنكير النار للتعظيم أو للنوع. {وكان ذلك على الله يسيراً} مثل على وفق المتعارف كقوله: {أية : وهو أهون عليه} تفسير : [الروم:27] وإلاّ فلا مانع له عن حكمه ولا منازع له في ملكه. التأويل: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية كلها إشارات إلى نهي التعليق ومنع التصرف في الأمهات السفليات والمتوالدات من أوصاف الإنسان وصفات الحيوان. {إنّ الله كان غفوراً} بأنواع غفرانه ظلمات الصفات الإنسانية التي تتولد من تصرفات الحواس في المحسوسات عند الضرورات بالأمر لا بالطبع {رحيماً} بالمؤمنين فيما اضطرهم إليه من التصرفات بقدر الحاجة الضرورية. {والمحصنات من النساء} هي الدنيا التي تصرف فيها العلويات {إلاّ ما ملكت أيمانكم} بإذن الله تعالى حيث قال: {أية : كلوا واشربوا ولا تسرفوا} تفسير : [الأعراف:31] {محصنين} حرائر من الدنيا وما فيها {غير مسافحين} في الطلب مياه وجوهكم. {فما استمتعتم به منهن} من الضروريات فأعطوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر. ثم إنّ الله تعالى أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا كما أحب / نزاهة فراشه فقال: {ومن لم يستطع} أي من لم يقدر أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له ويحصنها بتصرّف شرائع الإسلام بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، فليتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا ولم تملك قلبه لأنها مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة كما قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: "حديث : يا دنيا اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك" تفسير : {محصنات} بالصدق والإخلاق {غير مسافحات} بالتبذير والإسراف {ولا متخذات أخدان} من النفس والهوى {فإذا أحصن} بالإخلاص في العطاء والمنع والأخذ والدفع {فإن أتين بفاحشة} هي غلبات شهواتها على القلب فليبذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وغرامة فهو حدها كما أن حدّ عجوز الدنيا إذا أحصنها ذوو الطول من الرجال فأتت بفاحشة إهلاكها بالكلية بالبذل في الله كما كان حال سليمان عليه السلام إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد لما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل فطفق مسحاً بالسوق والأعناق {ذلك} التصرف في قدر من الدنيا {لمن خشي} ضعف النفس وقلة صبرها على ترك الدنيا وامتناعها عن قبول الأوامر والنواهي {وأن تصبروا} عن التصرّف في الدنيا بالكلية {خير لكم} كما قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : يا طالب الدنيا لتبر فتركها خير وأبر " تفسير : {يريد الله أن يخفف عنكم} فلكم المعونة ولغيركم المؤونة. قال إبراهيم: {أية : إني ذاهب إ لى ربي} تفسير : [الصافات:99] وأخبر عن حال موسى بقوله: {أية : ولما جاء موسى لميقاتنا} تفسير : [الأعراف:143] وعن حال نبينا بقوله: {أية : سبحان الذي أسرى بعبده} تفسير : [الإسراء:1] وعن حال هذه الأمة بقوله: {أية : سنريهم آياتنا} تفسير : [فصلت:53] والمعونة هي الجذبة التي توازي عمل الثقلين، فلا جرم كان لغير نبيّنا الوصول إلى السموات فقط، وكان لنبيّنا الوصول إلى مقام قاب قوسين أو أدنى، ولأمته التقرّب: " حديث : لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" تفسير : والفرق بين النبي والولي، أنّ النبي مستقل بنفسه والولي لا يمكنه السير إلاّ في متابعة النبي وتسليكه. {وخلق الإنسان ضعيفاً} ولهذا أعين بالخدمة حتى يتصل بقوّة ذلك إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم إلى الأبد، وضعفه بالنسبة إلى جلال الله وكماله وإلاّ فهو أقوى في حمل الأمانة من سائر المخلوقات، وايضاً من ضعفه أنه لا يصبر عن الله لحظة فإنه يحبهم ويحبونه. شعر : الصبر يحمد في المواطن كلها إلاّ عليك فإنه لا يحمد تفسير : وكان أبو الحسن الخرقاني يقول: لو لم ألق نفساً لم أبق. وغير الإنسان يصبر عن الله / لعدم المحبة. ومن ضعفه أنه لا يصبر مع الله عند غلبات سطوات التجلي كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يغان على قلبه وكان يقول حينئذٍ: كلميني يا حميراء. وكان الشبلي يقول: لا معك قرار ولا منك فرار، المستغاث بك منك إليك. ضعف الإنسان سبب كماله وسعادته، فساعة يتصف بصفات البهيمة، وساعة يتسم بسمات الملك، وليس لغيره هذا الاستعداد فلهذا جاء في الحديث الرباني: "حديث : أنا ملك حي لا أموت أبداً فأطعني عبدي لعلك تكون ملكاً حياً لا تموت أبداً "تفسير : {إلا أن تكون تجارة} أي تجارة تنجيكم من عذاب أليم. {ولا تقتلوا أنفسكم} بصرف أموالكم في شهواتها فإن ذلك سمها القاتل {إن الله كان بكم رحيماً} إذ بيّن لكم هذه الآفات ودلكم على هذه التجارات. {ومن يفعل} صرف المال إلى الهوى تعدياً عن أمر الله وظلماً على نفسه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ...} الآية: حُكْمٌ حرَّم اللَّه به سبعاً من النَّسَب، وسِتًّا من بَيْنِ رضاعٍ وصهْرٍ، وأَلْحَقَتِ السنةُ المتواترةُ سابِعَةً، وهي الجَمْعُ بَيْنَ المرأةِ وعَمَّتها، ومضَىٰ عليه الإجماع، وروي عن ابْنِ عَبَّاس؛ أنه قال: حُرِّمَ من النَّسَب سَبْعٌ، ومن الصِّهْرَ سَبْعٌ، وتلا هذه الآية، وقال عمرو ابن سالم مِثْلَ ذلك، وجعل السابعةَ قولَهُ تعالى: {أية : وَالمُحْصَنَاتُ} تفسير : [النساء:24]. وقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ}، أي: سواءٌ دَخَلَ بالبنْتِ، أو لم يَدْخُلْ، فبالعَقْدِ علَى البنْتِ حُرِّمَتِ الأُمُّ؛ هذا الذي عليه الجمهورُ. وقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّـٰتِي فِي حُجُورِكُمْ} ذَكَرَ الأغلَبَ من هذه الأمور؛ إذ هذه حالةُ الرَّبِيبَةِ في الأكْثَر، وهي محرَّمة، وإن لم تكُنْ في الحِجْرِ، ويقالُ: حِجْرٌ (بكسر الحاء، وفَتْحِها)، وهو مقدَّم ثَوْبِ الإنسان وما بَيْنَ يديه منه، ثم ٱستعملَتِ اللفظةُ في الحِفْظِ والسَّتْر. وقوله: {ٱلَّـٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}، قال ابن عبَّاس وغيره: الدخُولُ هنا الجماعُ، وجمهورُ العلماءِ يقُولُون: إنَّ جميعَ أنواعِ التلذُّذ بالأُمِّ يُحَرِّمُ الإبنةَ؛ كما يحرِّمها الجماعُ، والحلائلُ: جمعُ حَلِيلةٍ؛ لأنها تَحُلُّ من الزَّوْج حيث حَلَّ، فهي فَعِيلَةٌ بمعنى فَاعِلَةٍ، وذهب الزَّجَّاج وقومٌ؛ إلى أنَّها مِنْ لفظة «الحَلاَلِ»، فهي حليلةٌ بمعنى مُحَلَّلَةٍ. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} يخرُج مَنْ كانَتِ العربُ تتبنَّاه مِمَّنْ ليس للصُّلْب، وحُرِّمَتْ حليلةُ الابنِ مِنَ الرَّضَاعِ، وإنْ لم يكُنْ للصُّلْب بالإِجماع المستَنِدِ إلَىٰ قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ».تفسير : وقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ}: لفظٌ يعمُّ الجمْعَ بنكاحٍ وبملك يمين، وأجمعتِ الأمَّة علَىٰ مَنْع جَمْعِهِمَا بنكاحٍ، ولا خلافَ في جواز جَمْعِهِمَا بالمِلكِ، ومذْهَبُ مالكٍ؛ أنَّ له أنْ يَطَأَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ، والكَفُّ عن الأخرَىٰ موكولٌ إلى أمانَتِهِ، فإن أراد وطْءَ الأخرَىٰ، فيلزمه أنْ يحرِّم فَرْجَ الأولَىٰ بعتْقٍ، أو كتابةٍ، أو غَيْرِ ذلك؛ وثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«حديث : أنه نَهَىٰ أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ المَرْأَةِ وَخَالَتِهَا»تفسير : ، وأجمعت الأُمَّة على ذلك. وقوله تعالى: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}: ٱستثناءٌ منقطعٌ، معناه: لكنْ ما قد سَلَفَ من ذلك، ووقع وأزالَهُ الإِسلام، فإن اللَّه تعالَىٰ يغفره، والإسلام يَجُبُّهُ.

ابن عادل

تفسير : أمهات جمع أمِّ والهاء زائدةٌ في الجمع، فَرْقاً بَيْنَ العُقَلاَءِ وغيرهم، يُقَالُ في العُقَلاَءِ أمَّهَات، وفي غيرهم أمات كقوله: شعر : 1773- وَأمَّاتِ أطْلاَءٍ صغار تفسير : هذا هو المشهور، وقد يقال: "أمَّات" في العقلاء و"أمهات" في غيرهم، وقد جمع الشَّاعِرُ بين الاستعمالين في العُقَلاَءِ فقال: [المتقارب] شعر : 1774- إذَا الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجُوهَ فَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا تفسير : وقد سُمِعَ "أمهة" في "أم" بزيادَةِ هاء بعدها تاء تأنيث، قال: [الرجز] شعر : 1775- أُمَّهَتي خِنْدَفٌ وَالْياسُ أبِي تفسير : فعلى هذا يَجُوزُ أنْ تكون أمَّهات جمع "أمهة" المزيد فيها الهاء، والهاءُ قد أتَتْ زَائِدةً في مواضع قالوا: هِبْلَع، وهِجْزَع من البَلْعِ وَالجَزْع. قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} عطف على {أُمَّهَاتُكُمْ} وبنَاتُ جمع بِنْتٍ، وَبِنْتٌ: تأنيث ابن، وتقدَّمَ الكلام عليه وعلى اشتقاقه ووزنه في البقرة في قوله: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} تفسير : [البقرة: 40] إلا أنَّ أبَا البقاء حكى [عن] الفرَّاءِ أنَّ "بَنَات" ليس جمعاً لـ "بِنْتٍ"، يعني: بكسر البَاءِ بل جمع "بَنَة" يعني: بفتحها قال: وكُسِرَتِ الْبَاءِ تنبيهاً على المحذوف. قال شهابُ الدِّينِ: هذا إنَّمَا يَجيءُ على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ذلك، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهَا واو، وَحَكَى عن غيره أن أصلها: "بَنَوة" وعلى ذلك جَاءَ جمْعُهَا ومذكرها، وهو بنون، قال: وهو مذهب البصريين. قال شهَابُ الدِّينِ: لا خلاف بين القوْليْنِ في التَّحْقِيقِ؛ لأنَّ من قال بنات جمعُ "بَنَة"، بفتح الباء، لا بدَّ وأن يعتقد أنَّ أصْلَهَا "بنوة"، حذفت لامها وعوّض عنها تاءُ التأنيث، والَّذي قال: بنات جمع "بنوة" لفظ بالأصْلِ فَلاَ خِلاف. واعْلَمْ أنَّ تَاء "بِنْتٍ" وَ"أخْت" تاءُ تعويضٍ عن اللامِ المحذوفَةِ، كما تَقَدَّمَ تقريره، وليست للتَّأنِيثِ؛ لوجهين: أحدُهُما: أنَّ تَاءَ التَّأنيثِ يَلْزَمُ فتح ما قبلها لفظاً أوْ تقديراً: نحو: تَمْرَةٍ وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قَبْلَهَا. والثَّاني: أنَّ تَاءَ التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تُبْدَلُ، بل تُقَرُّ على حالها. قال أبُو الْبَقَاءِ: "فإن قيل: لِمَ رُدَّ المحذوف في "أخوات" ولم يُرَدُّ في "بَنَات"؟ قيل: [حُمِلَ] كلُّ واحد من الجَمْعَيْنِ على مذكَّرِهِ، فمذكر "بنات" لم يُرَدُّ إليه المحذوف بل قالوا فيه "بَنُون"، ومذكر "أخَوات" رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ، إخْوَة وإخوان". قال شهَابُ الدِّينِ: وهذا الذي قاله ليس بشيء؛ لأنَّهُ أخذ جمع التَّكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً لـ"أخوات" جمع التَّصْحِيحِ، فقال: رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيْضاً موجودٌ في بنات؛ لأنَّ مذكَّره في التَّكسير رُدَّ إليه المحذوفُ قالوا: ابن وأبناء، ولمَّا جمعوا أخاً جمع السَّلامة قالوا فيه "أخُون" بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، [فبان] فَسَادُ ما قال. فصل: اعلم أنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على تحريم أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً من النِّسْوَانِ، سبعة من جهة النَّسَبِ، وهُنَّ الأمَّهات [والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير النسب، وهن الأمهات المرضعات] والأخوات من الرِّضاعة وأمهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخُول بأمَّهاتِهِنَّ، وأزواج الأبْنَاءِ، وأزواج الآباء، وقد ذُكِرُوا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين. فصل قال الكرخِيُّ: هذه الآية مجملة؛ لأنَّهُ أضيفَ التَّحريم فيها إلى الأمَّهاتِ والبنات، والتحريم لا يمكن إضافَتُه إلى الأعْيَانِ، وإنَّمَا يضاف إلى الأفْعالِ، وذلك الفعل غير مذكُورٍ في الآية فليس إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفْعالِ التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أوْلى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه. قال ابن الخطيب: والجواب من وجهين: الأول: أنَّ تقديمَ قوله {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} يدل على أنَّ المراد من قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} تحريم نكاحهن. الثاني: أنَّ من المعلوم بالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أنَّ المراد منه تحريم نكاحِهِنَّ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} فهم كل أحد أنَّ المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السَّلام "حديث : لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث" تفسير : فهم كل أحد أنَّ المراد لا يحلُّ إراقة دمه وَإذَا كان ذلك معلوماً بالضَّرُورَةِ، كان إلْقَاءُ الشُّبهات فيها جارياً مَجْرَى القَدْحِ في البديهيَّاتِ وشبه السُّفُسْطَائِيَّةِ. بلى عندي فيه بحثٌ من وجوه أخرى: أحدها: أن قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} مذكور على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فليس فيه تصريح بأنَّ فَاعِلَ هذا التحريم هو اللَّهُ تعالى، وما لم يَثْبُتْ ذلك لم تُفِد الآية شيئاً آخر، ولا سبيل إليه إلا بإجماع، فهذه الآيةُ وحدها لا تفيد شيئاً، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة. وثانيها: أنَّ قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} [ليس] نصاً في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد فَإنَّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المُؤقَّتِ، فإنَّهُ يقال تارة {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} مؤقتاً "وحرمت عليكم [أمهاتكم]" مؤبداً، وإذا كان ذلك صالحاً للتَّقْسِيمِ لم يكن نصاً في التَّأبيد فإذنْ لا يُسْتَفاد التأبيد إلاَّ من دليل منفصل. وثالثها: أنَّ قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلاَّ بدليل منفصل. ورابعها: أنَّ هذه ظاهر قوله {حرمت عليكم [أمهاتكم]} يقتضي أنَّهُ قد حرَّم على كُلِّ أحدٍ جميع أمَّهَاتِهم، وجميع بَنَاتِهِمْ، ومعلوم أنَّه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفَرْدِ بالفَرْدِ، فَهَذَا يقتضي أن الله تعالى قَدَّ حرَّمَ على كُلِّ أحَدٍ أمّه خاصة، وأخته خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر. خامسها: أنَّ قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كَانَ أبداً موصوفاً بالحرمة، لكان قوله {حُرِّمَتْ} تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكونُ ذلك إيْجَاد الموجود، وهو محالٌ؛ فثبت أنَّ المراد من قوله: {حُرِّمَتْ} ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد الإخْبَار عن حُصُولِ التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب. فصل [حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم] حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأدْيَان الإلهيَّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنَّهُ قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنَّهُ كان كذاباً، وأما نكاح الأخَوَاتِ فقد نُقِلَ: أنَّهُ كان مُبَاحاً في زَمَنِ آدم عليه السلام، وَإنَّمَا أبَاحَهُ الله للضرورة، وأنكر بَعْضُهُمْ ذلك، وقال: إنَّهُ تعالى كان يَبْعَثُ الجواري من الجنَّةِ ليتزوّج بهنَّ أبناء آدم عليه السَّلامِ، ويبعث أيضاً لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد؛ لأنَّهُ إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أوْلادِ آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع. فصل [سبب التحريم] ذكر العلماءُ أنَّ سبب التحريم منه أنَّ الوطءَ إذلالٌ وإهانةٌ، فإنَّ الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدمُ عليه إلاَّ في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذَا كان الأمر كَذَلِكَ؛ وَجَبَ صونُ الأمَّهات [عنه؛ لأنَّ إنعام الأم] على الولد أعظم وجوه الإنعام؛ فوجب صونُهَا عن هذا الإذلاَلِ، والبنتُ بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السَّلام: "حديث : فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّي" تفسير : فيجبُ صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية. فصل كلُّ امرأةٍ يرجع نسبك إلَيْهَا بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمِّكَ بدرجة أو درجات سواءَ رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمُّك، ثمَّ هنا بحث، وهو أنَّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فَإمَّا أنْ يكون لفظ الأمّ متواطئاً أو مشتركاً فإن كان متواطئاً أعْنِي أن يكون موضوعاً بإزَاءِ قَدْرٍ مُشْتَركٍ بين الأمّ الأصليَّة، وبين سائر الجدّات، فتكون الآية نَصاً في تحريم الأمِّ الأصليَّة وفي الجدَّات، وأمَّا إن كان لفظ "الأمّ" مشتركاً في الأم الأصليَّة وفي الجدّات فهذا تفريع على أنَّ اللَّفظ المشترك بين أمرين هل يجوزُ استعماله فيهما معاً أم لا؟ فمن جَوَّزَهُ حمل اللَّفظ هنا على الكُلِّ، [وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصاً عليه، ومنهم] من لم يجوزه، والقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الوَضْعِ: أحدُهُما: أنَّ لفظ الأمِّ إنْ أُريد به ههنا الأم الأصليَّة فتحريمُ نكاحها هنا مستفادٌ بالنصّ، وَأمَّا تحريمُ نكاح الجدَّاتِ فَمُسْتَفادٌ مِنَ الإجماع. الثاني: أنَّهُ تعالى تكلم بهذه الآية مرَّتين، يريدُ في كلِّ مرَّةٍ مفهوماً آخر. وَإنْ كان لفظ "الأمِّ" حقيقة في الأمّ الأصليَّة، مجازاً في الجدَّات، فقد ثبت أنَّهُ لا يَجُوزُ استعمال اللَّفْظِ الوَاحِدِ دفعةً واحدةً في حقيقته ومجازه معاً، وحينئذٍ يرجع الطريقان المذكوران [للأول]، وَكُلُّ أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإنَاثٍ، أو بِذُكُورٍ، فهي بنتُكَ، وهل بِنْتُ الابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ تسمّى هنا حقيقة أوْ مجازاً؟ فيه البحث كما في الأمِّ. فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد قال الشَّافِعِيّ: إذا تزوَّج الرَّجُل بأمِّهِ ودخل بها، لزمه الحدُّ. وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يلزم، حجة الشَّافِعِيِّ أنَّ وجود هذا النكاح وعدمه سواء، فَكَانَ هذا الْوَطْء زنا، فيلزمه الحدّ، وَإنَّمَا قلنا: إنَّ وجوده وعدمه سواءً؛ لأنَّهُ تعالى قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وقد علم من دين محمد صلى الله عليه وسلم أنَّ المراد من هذه الآية تحريم نكاحها، وإذَا ثبت ذلك فنقولُ: الموجودُ ليس إلا صيغة الإيجاب والقَبُولِ، فَلَوْ حصل هذا الانعقاد، لكانَ هذا الانعقَادُ إمَّا أنْ يقالَ: إنَّهُ حصل في الحقيقة أو في حكم الشَّرع، والأوَّلُ باطل؛ لأنَّ صيغة الإيجاب والقبول كلام وهو عرض لا يبقى، والقبول لا يوجدُ إلا بعد الإيجاب، وحصولُ الانعقاد بَيْنَ الموجود والمعدوم محال. والثَّاني باطلٌ؛ لأنَّ اللَّه - تعالى - بيَّنَ في هذه الآية بطلان هذا العقد [قطعاً]، وإذا كان هذا العقد بَاطِلاً قطعاً في حكم الشَّرْعِ، فكيف يمكنُ القَوْلُ بِأنَّهُ منعقدٌ شَرْعاً؟ فَثَبَتَ أنَّ وجود هذا العقد وعدمه بمثابة واحدة. فصل [حكم نكاح البنت من الزنا] قال الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه -: البنت المخلوقة من ماء الزنا لا تحرم على الزاني. وقال أبو حنيفة وأحمد: تحرم. حجَّةُ الشَّافِعِيِّ أنَّهَا ليست بنتاً فلا تحرم، وإنما قلنا: ليست بنتاً لوجوه: أحدها: أنَّ أبا حنيفة - رضي الله عنه - إمَّا أن يثبت كونها بنتاً له بناء على الحقيقةِ، وهي كونها مخلوقة من مائه أو [بناء] على حكم الشَّرعِ بثبوت هذا النَّسَبِ، والأوَّلُ باطلٌ على مذهبه طرداً أو عكساً، وأمَّا الطرد فهو أنَّهُ إذا اشترى جارية بكراً، وافتضها وحبسها في داره، وأتت بولد فهذا الولدُ معلوم أنَّهُ مخلوق من مَائِهِ، مع أن أبَا حنيفة قال: لا يثبت ولدها إلا عند الاستلحاق، ولو كان النَّسب هو كون الوَلَدِ مخلوقاً من مائه، لما توقّف [أبو حنيفة في] ثبوت هذا النسب على الاستلحاق. وَأمَّا العكس فهو أنَّ المشرقي إذَا تزوَّجَ بالمغربية، وحصل هناك ولد فَأبُو حَنِيفَةَ أثْبَتَ النسب ههنا مع القطع بأنَّهُ غير مخلوق من مَائِهِ، فثبت أنَّ القول بجعله التَخليق من مائه سبباً للنَّسب باطل، طرداً أوْ عكساً على قول أبِي حنيفة، وأمَّا إذا قلنا: إنَّ النَّسب إنَّمَا يثبت بحكم الشرع فههنا أجمع المسلمون أنَّه لا نسب لولد الزِّنى من الزَّاني، ولو انتسب إلى الزَّاني لوجب على القَاضِي منعَه من ذلك الانتساب، فَثَبَتَ أنَّ انتسابها إلَيْهِ غير ممكن، لا على الحقيقة، ولا على حكم الشرع. وثانيها: قوله عليه السَّلاَمُ: "حديث : الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" تفسير : فحصر النسب في الفراش. وثالثها: أنَّهُ لا ولاية له عليها، ولا يَرِثُهَا ولا ترثه، ولا يجب لها عليه نفقة ولا حضانة، ولا يَحِلُّ له الخلوةُ بها، ولَمَّا لم يثبت شَيْء من ذلك علمنا انتفاء النَّسَبِ بينهما، وَإذَا انتفى النَّسَبُ بينهما حلَّ التَّزَوُّجُ بها. قوله {وَأَخَوَاتُكُمْ} ويدخل فيه الأخوات للأبوين والأب وللأم. قوله {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ}. قال الواحِدِيُّ: كلُّ ذكر رجع نسبك إلَيْهِ فأخته عَمَّتُك، وقد تكون العمة من جهة الأم، وهي أخْتُ أبي أمِّكَ، وكل أنثى رجع نسبك إلَيْهَا بالولادة فأختها خالتك، وقد تكونُ الخالةُ من جهة الأبِ، وهي أختُ أمِّ أبيكَ، فألف "خالة" و"خال" منقلبة عن وَاوٍ بدليل جمعه على "أخْوَالٍ" قال تعالى: {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} وقوله وبنات الأخ والأخت، والقول فيهنَّ كالقول في بنات الصلب. قال المفسِّرُون كُلُّ امرأةٍ حرم اللَّهُ نكاحها ابتداءً فهنَّ المذكورات في الآية الأولى وكلُّ امرأة كانت حلالاً ثمَّ طَرَأَ تحريمها فهن اللاتي ذكرن في باقي الآية. قوله {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ}. قال الواحِدِيُّ: سَمَّاهُن أمهات لأجل الحرمة، كما أنَّهُ تعالى سَمَّى أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين [في قوله:] {أية : وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} تفسير : [الأحزاب: 6]. قوله: {مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} في موضع نصب على الحال، يتعلق بمحذوف تقديره: وأخواتكم كائنات من الرضاعة. وقرأ أبو حيوة من الرِّضاعة بكسر الرَّاءِ. فصل: [حرمة الأمهات والأخوات من الرضاعة] نُصَّ في هذه الآية على حرمة الأمَّهَاتِ والأخوات من الرِّضاعة كما يحرمن من النَّسَبِ، وقد نبَّه الله تعالى في الآية على ذلك بتسميته المرضعة أماً والمرضعة أختاً فأجرى الرّضاع مجرى النَّسَبِ، [وذلك لأنَّهُ تعالى حرم بسبب النّسب] سبعاً اثنان بطريق الولادةِ وهما الأمهات والبنات، وخمسٌ بطريق الأخوة؛ وهنَّ: الأخواتُ والعماتُ والخالاتُ وبنات الأخ، وبنات الأخت، ثمَّ لما شرع في أحوال الرِّضاعَةِ ذكر من كل واحد من هذين القسمين صورة واحدة تنبيهاً بها على الباقي، فذكر من قسم قرابة الولادة الأمَّهات، ومن قسم قرابة الأخوة الأخوات، ونَبَّه بذكر هذين المثالين من هذين القسمين على أنَّ الحال في باب الرضاع، كما هو في باب النَّسَبِ، ثُمَّ إنَّهُ عليه الصلاة والسلام أكَّدَ ذلك البيان بقوله "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب ". تفسير : فصل: [من هي الأم من الرضاع؟] الأمُّ من الرّضَاعِ هي المرضعةُ، وكذلك كلُّ امرأةٍ انتسبت إليها بالأمومة إمّا من جهة النَّسَبِ، أو من جهة الرضَاع، وكذلك القَوْلُ في الأب وَإذَا عرفت الأم والأب عرفت البنت أيضاً بذلك الطريق. وَأمَّا الأخوات فالأخت للأبوين هي الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبن أبيك سواءً أرضعتها معك، أو مع ولد قبلك أو بعدك، والأخت للأب: هي الَّتي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيكَ، والأخت للأمِّ: هي التي أرضعتها أمك بلبن رجل آخر، وكذلك تعرف العمَّات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت. فصل: [شرطا حرمة الرضاع] إنَّمَا تَثْبُتُ حرمة الرضاعة بشرطين: أحدهُمَا: أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} تفسير : [البقرة: 233] وقالت أمُّ سلمة: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحرم الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" تفسير : وعن ابن مسعود عن النَّبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا رِضَاعَ إلاَّ مَا أنْشَزَ الْعَظْمَ وأنْبَتَ اللَّحْمَ" تفسير : وَإنَّمَا يكون هذا في حال الصغر [لا في حال الكبر]. وعند أبي حَنِيفَةَ مدة الرضاع ثلاثون شهراً؛ لقوله تعالى {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] [وهو عند الأكثرين لأقلِّ هذه الحمل وأكثر مدة الرضاع، وأقَلُّ مدة الحمل ستة أشهر]. الشَّرط الثَّاني: أن توجد خمس رضعات متفرِّقات، يُرْوَى ذلك عن عائشة، وبه قال عبدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ؛ وإلَيْهِ ذهب الشَّافِعِيُّ وأحْمَدُ، قالت عائِشَةُ رضي الله عنها: أنزل في القرآن عشر رضعات يحرمن فنسخ من ذلك خمس، وصار إلى خمس رضعات معلوماتٍ يحرمن وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ مِنَ الرِّضَاعِ وَلاَ المَصَّتان" تفسير : [وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن قليله وكثيره محرم، وبه قال سعيد بن المسيب] وإليه ذهب سفيانُ الثَّوْرِيُّ ومالكٌ والأوزاعيُّ، وعبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ وأصحابُ الرأي. قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} فيدخل فيه أمها الأصلية وجميع جدّاتها من قبل الأب والأم كما بينا في النَّسب ومذهب أكثر الصحابة والتَّابعين أنَّ أمَّ الزَّوْجَةِ تحرم على زوج بنتها سواء دخل بالبنت أو لم يدخل، وذهبَ بعضُ الصَّحَابَةِ إلى أنَّ أمَّ المرأةِ لا تحرم إلا بالدُّخول بالبنت، كما أنَّ الرَّبيبة لا تحرمُ إلاَّ بالدُّخول بأمِّهَا، وهو قول علي وزيد وابن عمر وابن الزبير وجابر، وأظهر الروايات عن ابن عبَّاسٍ والسَّبَبُ في هذه الاستعارة أن مَنْ ربي طفلاً أجلسه في حجره فصار الحجرُ عبارة عن التَّربية كما يقالُ: فلان في حضَانَةِ فلان، وأصله من الحضْنِ: الَّذي هو الإبِطُ، وقال أبُو عُبَيْدَةَ: {فِي حُجُورِكُمْ} أي: في بيوتكم. قوله: {وَرَبَائِبُكُمُ} الرَّبَائب: جمع ربيبة، وهي: بنتُ الزوج أو الزوجة، والمذكر: رَبِيبٌ. سميا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يُرَبّيه كما يربّي ابنه. قوله: {ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} لا مفهوم له لخروجه مخرج الغالب، والحجور: جمع حجر بفتح الحاء، وكسرها، وهو مُقَدَّمُ ثوب الإنسان ثمَّ استعملت اللَّفْظَةُ في الحِفْظِ والسَّتْرِ. وروى قَتَادَة عن سعيد بْنِ المُسَيَّبِ أنَّ زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرَّجُلُ امرأتَهُ قبل الدُّخُولِ [بها] تزوَّج بأمِّها، وإذا ماتت لم يتزوّج بأمِّهَا، والفرقُ بينهما أنَّ الطَّلاق قبل الدُّخول لم يتعلق به شيء؛ لأنَّهُ لا يجب عليها عدّة، والموتُ في حكم الدُّخول في وجوب العدة. قوله: {مِّن نِّسَآئِكُمُ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ حال من ربائبكم تقديره: وربائبكم كائنات من نسائكم. والثاني: أنَّهُ حال من الضَّمِيرِ المستكن في قوله: {فِي حُجُورِكُمْ} لأنه لما وقع صلة تَحَمَّل ضميراً أي: اللاتي استقررن في حجوركم. فصل قوله: {ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} صفة لنسائكم المجرور بـ "من" اشترط في تحريم الرّبيبة أنَّ يدخل بأمها، ولا جائز أن تكون صفة لـ "نسائكم" الأولى والثانية لوجهين: أحدهما: من جهة الصّناعة، وهو أنَّ نسائكم الأولى مجرورة بالإضافة، والثَّانية مجرورة بمن فقد احتمل العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت لا تقولُ: رأيتُ زيداً، ومررت بِعَمرٍو العَاقِلين، على أن يكون العاقلين صفة لهما. والثَّاني: من جهة المعنى، وهو أن أم المرأة تَحْرُمُ بمجرد العقد على البنت دخل بها أو لم يدخل بها عند الجمهور، والرَّبيبَةُ لا تحرم إلا بالدُّخُولِ على أمِّهَا، وفي كلام الزمخشريِّ ما يلزم منه أنَّهُ يجوزُ أن يكون هذا الوصف راجعاً إلى الأولى في المعنى، فإنه قال: مِنْ نِسَائِكُمْ متعلق بـ {رَبَائِبُكُمُ} ومعناه: أنَّ الرَّبيبة من المرأة المدخول بها محرّمة على الرَّجُلِ حلال له إذَا لم يدخل بها. فَإن قُلْتَ: هل يصحُّ أن يتعلَّق بقوله {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} قلتُ: لا يخلو إمَّا أنْ يتعلَّق بهن، وبالرَّبائب فتكونُ حرمتهنَّ، وحرمة الرَّبائب غير مبهمتين جميعاً، وَإمَّا أنْ يتعلَّق بهنَّ دون الرَّبائب، فتكون حرمتهنَّ غير مبهمة وحرمةُ الرَّبائب مبهمة، فلا يجوز الأوَّلُ؛ لأن معنى "مِنْ" مع أحد المتعلّقين خلاف معناها مع الآخر، ألاَ ترى أنَّكَ إذا قلت: وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فقد جعلت "مِنْ" لبيانِ النِّساء، وتمييزاً للمدخول بِهِنَّ [من غير المدخول بهن] وَإذَا قلت: وربائبكم من نسائكم التي دخلتم بهن، فَإنَّكَ جاعل "من" لابتداء الغاية، كما تقول بَنَاتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم [من خديجة]، وليس بصحيحٍ أنْ يعنى بالكلمة الواحدة في خطاب واحدٍ معنيين مختلفين، ولا يجوز الثَّاني؛ لأن الذي يليه هو الذي يستوجبُ التعليق [به]، ما لم يَعْرِضْ أمر لا يُرَدُّ إلاَّ أن تقول أعَلِّقُهُ بالنِّساء والرَّبَائِبِ، وأجعل "مِنْ" للاتصال كقوله تعالى {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 67] وقال: [الوافر] شعر : 1776-............................ فإني لست منك ولست مني تفسير : وقوله: "حديث : مَا أنَا مِنَ الدَّدِ وَلاَ الدَّدُ مِنِّي"تفسير : . وأمهات النِّساء متصلات بالنِّساء؛ لأنَّهُنَّ أمهاتهن كما أنَّ الرَّبائب متَّصلات بأمهاتنّ؛ لأنَّهُنَّ بناتهنَّ، هذا وقد اتفقوا على أنَّ التحريم لأمهات النساء مبهم، انتهى. ثمَّ قال: إلا ما روي عن عليِّ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن عمر، وابن الزُّبير أنَّهُم قرؤوا {وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن}، وكان ابنُ عبَّاسٍ يقول: واللَّه ما أنزل إلاَّ هكذا، فقوله أعلّقه بالنِّساء والرَّبائب إلى آخره، يقتضي أنَّ القيدَ الذي في الربائب، وهو الدُّخُول في أمَّهات نسائكم كما تَقَدَّم حكايته عن عليٍّ وابن عباس. قال أبو حَيَّان: ولا نعلم أحَداً أثبت لـ "مِنْ" معنى الاتصال، وأمَّا الآية والبيت والحديثُ فمؤَّولٌ. فصل روي عن علي - رضي اللَّهُ عنه - أنَّهُ قال: الرّبيبة إذَا لم تكن في حجر الزَّوْجِ؛ وكان في بلد آخر ثمَّ فارق الأمَّ بعد الدُّخول فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوَّج الربيبة، واحتجَّ على ذلك بقوله {ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} شرط في تحريمها كونها ربيبة في حجره فإذا لم تكن في تربيته، ولا في حجره فقد فات الشَّرْطَانِ. وَأمَّا سائر العلماء فَإنَّهمُ قالوا: إذا دخل بالأم حرمت بنتها عليه سواء كانت في تربيتها أوْ لم تكن لقوله تعالى {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} عَلَّقَ رفع الجناح بمجرَّدِ عدم الدُّخُولِ، وهذا يقتضي أنَّ المقتضي لحصول الجناح هو مُجرَّدُ الدُّخُولِ، وإنَّمَا ذكر التّربية والحجر حملاً على الأعَمِّ الأغلب لا أن تفيد شرطاً في التحريم. قوله: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} الحلائل جمع حليلة، وهي الزوجة سميت بذلك؛ لأنها تحل مع زوجها حيث كان فهي فعيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك قال الشاعر: [الكامل] شعر : 1778- أغْشَى فتاة الحَيِّ عِنْدَ حَلِيلِهَا وَإذَا غَزَا فِي الْجَيْشِ لا أغْشَاهَا تفسير : وقيل: إنه لشدّة اتِّصال كل واحد منهما بالآخر كَأنَّهُمَا يحلان في ثواب واحد وفي لحاف واحد، وفي منزل واحد، وعلى هذا فالجاريَةُ كذلك فلا يجوز للأب أنْ يتزوَّج بجارية ابنه. وقيل: لأنَّ كل واحد منهما كَأنَّهُ حالٌّ في قلب صاحبه وفي روحه لشدَّةِ ما بينهما من المَحَبَّةِ والألفة. وقيل اشتقاقها من لفظ الحلال إذْ كُلُّ واحد منهما حلال لصاحبه. فالحليلةُ تكون بِمَعْنَى المحلَّة أيْ المحللة، والجارية كذلك؛ فَوَجَبَ كونها حليلة، فَفَعِيلٌ بمعنى: مَفْعُول، أي: مُحَلَّلَةٌ، وهو محلل لها، إلاَّ أنَّ هذا يُضْعِفُه دخول تاء التَّأنِيثِ اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال: إنَّه جرى مجرى الجوامد كالنَّطِيحةِ، والذَّبيحة. وقيل: مأخوذٌ من الحُلُول، فالحَلِيلة: عبارةٌ عن الشَّيءِ الِّذي يكون محلّ الحلول، والجاريةُ موضع حلول السَّيِّدِ فكانت حليلة له. وقيل: هما من لفظ "الحَلّ" ضد العقد؛ لأنَّ كُلاًّ منهما يحل إزار صاحبه. و{الذين من أصلابكم} صفة مبنية؛ لأنَّ الابن قد يطلق على المتبنى به، وليست امرأته حرام على من تبنّى، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نكح زينب بنت جحش الأسديّة، وهي بنت أميمةَ بنت عبد المطلب فكانت زينب ابنة عمّة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها زيد بن حارثة وكان زيد تبناه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال المشركون إنَّهُ تزوج امرأة ابنه فأنْزَلَ الله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ} تفسير : [الأحزاب:4] وقال {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ} تفسير : [الأحزاب: 37]، وَأمَّا الابن من الرّضَاع فإنَّهُ وإن كان حكمه حكم ابن الصَّلب في ذلك فمبين بالسُّنَّةِ، فلا يَرِدُ على الآية الكريمة. وأصلاب: جمع صلب، وهو الظّهر، سمِّي بذلك لقوَّتِهِ اشتقاقاً من الصَّلابة، وأفصح لغَتَيْه "صُلْب" بضمِّ الفاء وسكون العين، وهي لغة الحجاز، وبنو تميم وأسد يقولون "صَلَباً" بفتحها حكى ذلك الفرَّاء عنهم في كتاب "لغات القرآن" وأنشد عن بعضهم: [الرجز] شعر : 1779- فِي صَلَبٍ مِثْلِ الْعِنَانِ المُؤدَمِ تفسير : وحكى عنهم: إذْ أقُوم أشتكي صَلَبي، وصُلُبٌ بضم الصّاد واللام وصَالِبٌ ومنه قول العبَّاس رضي الله عنه ينقل من صَالبٍ إلى رَحِمٍ. فصل [الخلاف في حل جارية الابن للأب] قال الشَّافِعِيُّ - رحمه الله تعالى - لا يجوز للأب أنْ يتزوج جارية ابنه وقال أبُو حنيفة: يجوز استدلّ الشافعيُّ بما تقدَّمَ من الاشتقاق فمن قال: إنَّهُ ليس كذلك فهو شهادةٌ على النّفي بـ "لا" فلا يلتفتُ إليْه. انتهى. فصل [حرمة حليلة الابن بالعقد] اتَّفَقُوا على أنَّ حُرْمَةَ حليلة الابن تَحْصُلُ بنفس الْعَقْدِ كما تحصل حرمة حليلة الأب بنفس العقد، لأنَّ عموم الآية يقتضي ذلك سواء كان مدخولاً بها أو لم يكن. سئل ابْنُ عَبَّاسٍ عن قوله {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} أنَّهُ تعالى لم يبين أنَّ هذا الحكم مخصوص بما إذا دخل الابن بها أو غير مخصوص، فقال ابن عبَّاس: أبهموا ما أبهمه اللَّه، فليس المراد من هذا الإبهام كونها مجملة مشتبهة، بل المرادُ من هذا الإبهام التأبيد، ألا ترى أنَّهُ قال في السّبعة المحرمة من النَّسب إنَّها من المبهمات [أي] اللّواتي تثبت حرمتهن على سبيل التّأييد فَكَذَا هُنَا. فصل [هل يحرم النكاح باللواط؟] [قال القرطبي]: اخْتَلَفُوا في اللائِطِ فقال مَالِكٌ والشَّافِعِيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم لا يحرم النِّكاح باللواط، وقال الثَّوْرِيُّ: إذا لَعِبَ بالصَّبِيِّ حَرُمَتْ عليه أمُّهُ وقال الإمام أحْمَدُ: إذا تلوَّطَ بابن امرأته أو أخيها، أو أبيها حَرُمَتْ عليه امْرأتُهُ وقال الأوزاعيُّ: إذَا لاَطَ بِغُلاَمٍ ووُلِدَ للمفجور به بنتٌ لم يجز للفَاجِرِ أن يتزوَّجها، لأنَّهَا بنت من قد دخل به. فصل اتَّفَقُوا على أنَّ هذه الآية تقتضي تحريم حليلة ولد الولد على الجدِّ، وهذا يدلُّ على أنَّ ولد الولد يطلق أنَّهُ من صلب الجدّ، وكذلك ولد الولد منسوب إلى الجدّ بالولادة. قوله {وَأَن تَجْمَعُواْ} في محلّ رفع عطف على مرفوع {حُرِّمَتْ} أي: وحرم عليكم الجمعُ بين الأختين، والمراد الجمع بينهما في النِّكَاحِ. أما في المِلْك فجائز اتفاقاً، وأمَّا الوطء بملك اليمين ففيه خلاف. قوله {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء منقطع فهو منصوب المحلّ كما تَقَدَّمَ في نظيره، أي: لكن ما مضى في الجاهليَّةِ فَإنَّ اللَّهَ يغفره، وقيل: المعنى إلاَّ ما عقد عليه قبل الإسْلاَمِ، فإنَّهُ بعد الإسلام يبقى النّكاح على صحَّتِهِ، ولكن يختار واحدة منهما ويفارق الأخرى، وتقدَّم قريب من هذا المعنى في {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} الأوَّل، ويكون الاسْتِثْنَاء عليه متصلاً، وهنا لا يتأتى الاتصال عليه ألْبَتَّةَ لفساد المعنى. وقال عطاء والسُّدِّيِّ: إلا ما قَدْ سلف، إلا ما كان من يعقوب عليه السَّلام فإنه جمع بين ليَّا أمِّ يهوذا، وراحيل أمِّ يوسف عليهما السَّلامُ وكانتا أختين {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}. فصل لا يجوزُ أنْ يجمع بين أختين في عقد النكاح، ولا في عقدين، ويجوز أن يجمع بينهما بالملك، فَإذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا لم تُبَحْ لَهُ الأخرى حتّى تحرم الموطوءَة بتزويج، أو إخراج عن ملكه ويعلم أنَّهَا غير حامل. قال القُرْطُبِيُّ: وشذّ أهلَ الظَّاهِرِ فقالوا: يجوزُ الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوَطْءِ، كما يجوز الجمعُ بينهما في الملك، واحتجوا بما روي عن عثمان في الأختين بملك [اليمين في الوطء]، قال: حرمتهما آية وأحلتهما آية فلا آمرك ولا أنْهَاكَ فَخَرَجَ السَّائِلُ فلقي رجلاً من أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليهما وسلم، قال مَعْمَرٌ أحسبه قال عليّ قال ما سألتَ عنه عثمان فأخبره بما سأله وبما أفتاه فقالَ لَهُ: لكنِّي أنْهَاكَ، ولو كان لي عليك سبيل ثم فعلت لجعلتك نكالاً. فصل ويحرم الجمع بين المرأةِ وعمتها وبينها وبين خالتها لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأةِ وَعَمَّتِهَا وَلاَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا"تفسير : . وَلاَ يَجُوزُ لِلْحُرِّ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أكْثَرِ مِنْ أرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَلاَ لِلْعَبْدِ أنْ يَجْمَعَ إلاَّ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ فَإنْ جَمَعَ بَيْنَ مَنْ لاَ يَجُوزُ الجَمْعُ بِيْنَهُ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ وَإنْ كَانَ فِي عَقْدَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الثَّانِي مِنْهُمَا وَاللَّهُ أعْلَمُ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق والفريابي والبخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ حُرِّم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وبنات الأخت‏} ‏ هذا من النسب، وباقي الآية من الصهر‏.‏ والسابعة ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ سبع صهر وسبع نسب، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب‏.‏ أما قوله تعالى: ‏{‏وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة‏} ‏‏.‏ أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة قالت‏:‏ كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات فَنُسِخْنَ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عائشة قالت‏:‏ لقد كانت في كتاب الله عشر رضعات ثم رُدَّ ذلك إلى خمس، ولكن من كتاب الله ما قبض مع النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن ماجه وابن الضريس عن عائشة قالت‏:‏ كان مما نزل من القرآن سقط لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات‏.‏ وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت‏:‏ لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كان في صحيفة تحت سريري‏.‏ فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر: أنه بلغه عن ابن الزبير أنه يأثر عن عائشة في الرضاعة لا يحرم منها دون سبع رضعات‏.‏ قال‏:‏ الله خير من عائشة، إنما قال الله تعالى ‏{‏وأخواتكم من الرضاعة‏} ‏ ولم يقل رضعة ولا رضعتين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن طاوس. أنه قيل له‏:‏ إنهم يزعمون أنه لا يحرم من الرضاعة دون سبع رضعات ثم صار ذلك إلى خمس‏.‏ قال‏:‏ قد كان ذلك فحدث بعد ذلك أمر، جاء التحريم، المرة الواحدة تحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال‏:‏ المرة الواحدة تحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ المصة الواحدة تحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه سئل عن الرضاع فقال‏:‏ إن علياً وعبد الله بن مسعود كانا يقولان‏:‏ قليله وكثيره حرام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال‏:‏ اشترط عشر رضعات‏.‏ ثم قيل‏:‏ إن الرضعة الواحدة تحرم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال‏:‏ لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة. مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إنما الرضاعة من المجاعة ‏"‏‏.‏ تفسير : أما قوله تعالى: ‏ {‏وأمهات نسائكم‏} ‏‏.‏ أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها دخل بالإبنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الإبنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج مالك عن زيد بن ثابت أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ الأم مبهمة ليس فيها شرط، إنما الشرط في الربائب‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ الرجل ينكح المرأة ولم يجامعها حتى يطلقها، أتحل له أمها‏؟‏ قال‏:‏ لا، هي مرسلة قلت‏:‏ أكان ابن عباس يقرأ ‏"‏وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن‏"‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس ‏ {‏وأمهات نسائكم‏} ‏ قال‏:‏ هي مبهمة، إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها‏. ‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن عمران بن حصين، في "‏أمهات نسائكم"‏ قال‏:‏ هي مبهمة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي عمرو الشيباني أن رجلاً من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها، ثم رأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها، ففعل وولدت له أولاداً، ثم أتى ابن مسعود فسأل عمر. وفي لفظ فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ لا تصلح‏.‏ فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل‏:‏ إنها عليك حرام ففارقها‏.‏ وأخرج مالك عن ابن مسعود. أنه استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد البنت، إذا لم تكن البنت مُسَّتْ فارخص ابن مسعود في ذلك، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك، فأخبر أنه ليس كما قال، وإن الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مسروق. أنه سئل عن أمهات نسائكم‏؟‏ قال: هي مبهمة، فأرسلوا ما أرسل الله، واتبعوا ما بين ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في الرجل يتزوّج المرأة ثم يطلقها، أو ماتت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها‏؟‏ قال: هي بمنزلة الربيبة‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن زيد بن ثابت. أنه كان يقول‏:‏ إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمها‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد‏.‏ أنه قال‏:‏ في قوله ‏ {‏وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم‏} ‏ أريد بهما الدخول جميعا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مسلم بن عويمر الأجدع قال‏:‏ نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها، فسألت ابن عباس فقال‏:‏ أنكح أمها‏.‏ فسألت ابن عمر فقال‏:‏ لا تنكحها‏.‏ فكتب أبي إلى معاوية فلم يمنعني ولم يأذن لي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير قال‏:‏ الربيبة والأم سواء، لا بأس بهما إذا لم يدخل بالمرأة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هانئ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : من نظر إلى فرج امرأة لم تحل له أمها ولا ابنتها ‏"‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وربائبكم‏}‏‏ .‏ أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن داود أنه قرأ في مصحف ابن مسعود ‏"‏وربائبكم اللاتي دخلتم بأمهاتهم‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال‏:‏ كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال‏:‏ ما لك‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقلت توفيت المرأة فقال علي‏:‏ لها ابنة‏؟‏ قلت: نعم، وهي بالطائف‏.‏ قال‏:‏ كانت في حجرك‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فأنكحها‏.‏ قلت‏:‏ فأين قول الله ‏ {‏وربائبكم اللاتي في حجوركم‏}‏‏؟‏ قال‏:‏ إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ الدخول‏.‏ الجماع‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاوس قال‏:‏ الدخول‏.‏ الجماع‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية قال‏:‏ بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح، وإن كانت أسفل لسبعين بطناً‏.‏ قوله تعالى: ‏{‏وحلائل أبنائكم‏}‏‏.‏ أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏{‏حلائل أبنائكم‏} ‏ قال‏:‏ كنا نتحدث أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله ‏{‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏} ‏ ونزلت {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏} ‏تفسير : [‏الأحزاب: 4‏]‏ ونزلت ‏{أية : ‏ما كان محمد أبا أحد من رجالكم‏}‏ تفسير : ‏[‏الأحزاب: 40‏]‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن ابن جريج قال‏:‏ لما نكح النبي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد قالت قريش‏:‏ نكح امرأة ابنه فنزلت ‏ {‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي‏ حاتم عن الحسن ومحمد قالا‏:‏ إن هؤلاء الآيات مبهمات ‏{‏وحلائل أبنائكم‏} ‏ و ‏{أية : ما نكح آباؤكم‏} ‏تفسير : [‏النساء: 22]‏ ‏ {‏وأمهات نسائكم‏}.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ الرجل ينكح المرأة لا يراها حتى يطلقها، تحل لأبيه‏؟‏ قال‏:‏ هي مرسلة ‏ {‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وأن تجمعوا بين الأختين‏} . ‏ أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلمي ‏"‏حديث : أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم طلق أيتهما شئت‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عن قيس قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكتين له‏؟‏ فقال‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين‏} ‏ قال‏:‏ يعني في النكاح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس. أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الأختين المملوكتين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ‏ {‏وأن تجمعوا بين الأختين‏} ‏ قال‏:‏ ذلك في الحرائر، فأما في المماليك فلا بأس‏.‏ وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب. أن رجلاً سال عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما‏؟‏ فقال‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك‏.‏ فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أراه علي بن أبي طالب فسأله عن ذلك فقال‏:‏ لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً‏.‏ وأخرج ابن عبد البر في الاستذكار عن اياس بن عامر قال‏:‏ سألت علي بن أبي طالب فقلت‏:‏ إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً، ثم رغبت في الأخرى فما أصنع‏؟‏ قال‏:‏ تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى، ثم قال‏:‏ إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد‏.‏ أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي عن علي أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطئ إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ حتى يخرجها من ملكه قيل: فإن زوجها عبده‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ حتى يخرجها من ملكه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود. أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين الأمتين فكرهه‏.‏ فقيل‏:‏ يقول الله ‏{أية : ‏إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏تفسير : [النساء: 24‏]‏ فقال‏:‏ وبعيرك أيضاً مما ملكت يمينك‏.‏ وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمار بن ياسر قال‏:‏ ما حرم الله من الحرائر شيئاً إلا قد حرمه من الإماء إلا العدد‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق أبي صالح عن علي بن أبي طالب قال في الأختين المملوكتين‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولا آمر ولا أنهى، ولا أحل ولا أحرم، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي‏.‏ وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال‏:‏ ذكر عند ابن عباس قول علي في الأختين من ملك اليمين‏؟‏ فقالوا‏:‏ إن علياً قال‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية‏.‏ قال ابن عباس عند ذلك‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، إنما يحرمهن علي قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، لقول الله ‏{أية : ‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 24‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ إذا كان للرجل جاريتان أختان، فغشي إحداهما فلا يقرب الأخرى حتى يخرج الذي غشي عن ملكه‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد. أن حياً سألوا معاوية عن الأختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما‏؟‏ قال‏:‏ ليس بذلك بأس‏.‏ فسمع بذلك النعمان بن بشير فقال‏:‏ أفتيت بكذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ أرأيت لو كان عند الرجل أخته مملوكة يجوز له أن يطأها‏؟‏ قال‏:‏ أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم اجتنبوا ذلك فإنه لا ينبغي لهم فقال‏:‏ إنما هي الرحم من العتاقة وغيرها‏.‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة‏:‏ ‏"‏حديث : لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن مقاتل بن سليمان قال‏:‏ إنما قال الله في نساء الآباء ‏ {‏إلا ما قد سلف‏} ‏ لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرَّم النسب والصهر فلم يقل ‏ {‏إلا ما قد سلف‏} ‏ لأن العرب كانت لا تنكح النسب والصهر‏.‏ وقال في الأختين ‏ {‏إلا ما قد سلف‏} لأنهم كانوا يجمعون بينهما فحرم جمعهما جميعاً إلا ما قد سلف قبل التحريم ‏{‏إن الله كان غفوراً رحيماً‏}‏ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن وهب بن منبه. أنه سئل عن وطء الأختين الأمتين‏؟‏ فقال‏:‏ أشهد أنه فيما أنزل الله على موسى عليه السلام، أنه ملعون من جمع بين الأختين‏.‏ وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب. أنه سئل عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل توطأ إحداهما بعد الأخرى‏؟‏ فقال عمر‏:‏ ما أحب أن أجيزهما جميعاً ونهاه‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس. أنه سئل عن الرجل يقع على الجارية وابنتها يكونان عنده مملوكتين، فقال‏:‏ حرمتهما آية وأحلتهما آية، ولم أكن لأفعله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن علي. أنه سئل عن ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ إذا أحلت لك آية وحرمت عليك أخرى، فإن أملكهما آية الحرام ما فصل لنا حرتين ولا مملوكتين‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن الضريس عن وهب بن منبه قال‏:‏ في التوراة ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها ما فصل لنا حرة ولا مملوكة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال‏:‏ من نظر إلى فرج امرأة وابنتها لم ينظر الله إليه يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال‏:‏ لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها‏.‏

ابو السعود

تفسير : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} ليس المرادُ تحريمَ ذواتِهن بل تحريمَ نكاحِهن وما يُقصد به من التمتع بهن وبـيانَ امتناعِ ورودِ مِلكِ النكاحِ عليهن وانتفاءِ محلِّيتِهن له أصلاً، وأما حرمةُ التمتُّع بهن بملك اليمينِ في الموادّ التي يُتصور فيها قرارُ المِلكِ كما في بعض المعطوفاتِ على تقدير رِقِّهن فثابتةٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المدارِ الذي هو عدمُ مَحلّيةِ أبضاعِهن للمِلْك لا بعبارته بشهادة سباقِ النظمِ الكريمِ وسياقِه، وإنما لم يوجب المدارُ المذكورُ امتناعَ ورودِ مِلكِ اليمينِ عليهن رأساً، ولا حرمةَ سببِه الذي هو العقدُ أو ما يجري مَجراه كما أوجب حرمةَ عقدِ النكاحِ وامتناعَ ورودِ حُكمِه عليهن لأن مورِدَ مِلكِ اليمينِ ليس هو البُضعَ الذي هو مورِدُ ملكِ النكاحِ حتى يفوتَ بفوات مَحلِّيتِه له كملك النكاحِ فإنه حيث كان موردُه ذلك فات بفوات محلّيتِه له قطعاً، وإنما مورِدُه الرقبةُ الموجودةُ في كل رقيق فيتحقق بتحقق محلِّه حتماً ثم يزول بوقوع العِتقِ في المواد التي سببُ حرمتِها محضُ القرابةِ النَّسَبـية كالمذكورات ويبقى في البواقي على حاله مستتبِعاً لجميع أحكامِه المقصودةِ منه شرعاً، وأما حلُّ الوطءِ فليس من تلك الأحكامِ فلا ضيرَ في تخلُّفه عنه كما في المجوسية. والأمهاتُ تعُمُّ الجداتِ وإن عَلَوْن، والبناتُ تتناول بناتِهن وإن سفَلْن والأخواتُ ينتظِمْن الأخواتِ من الجهات الثلاثِ وكذا الباقياتُ، والعمةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ وَلدَ والدَك، والخالةُ كلُّ أنثى ولدَها مَنْ ولدَ والدتَك قريباً أو بعيداً، وبناتُ الأخِ وبناتُ الأختِ تتناول القريبةَ والبعيدةَ {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ الْلاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوٰتُكُم مّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} نزّل الله تعالى الرَّضاعة منزلةَ النَسَب حتى سمَّى المُرضِعةَ أماً للرضيع والمُرْضَعة أختاً، وكذلك زوجُ المرضعةِ أبوه وأبواه جدّاه، وأختُه عمتُه، وكلُّ ولدٍ وُلد له من غير المُرْضِعة قبلَ الرّضاعِ وبعده فهم إخوتُه وأخواتُه لأبـيه، وأمُّ المرضعةِ جدتُه وأختُها خالتُه، وكلٌّ مِنْ ولدِها من هذا الزوجِ فهم إخوتُه وأخواتُه لأبـيه وأمه، ومِنْ ولدها من غيره فهم إخوتُه وأخواتُه لأمه، ومنه قولُه عليه السلام: «حديث : يحرُم من الرَّضاع ما يحرُم من النَسَب» تفسير : وهو حكمٌ كليٌّ جارٍ على عمومه، وأما أمُّ أخيه لأب وأختُ ابنِه لأم وأمُّ أمِّ ابنِه وأمُّ عمِّه وأمُّ خالِه لأب فليست حرمتُهن من جهة النسبِ حتى يحِلَّ بعمومه ضرورةَ حلِّهن في صور الرضاعِ بل من جهة المصاهرةِ ألا يرى أن الأولى موطوءةُ أبـيه والثانيةَ بنتُ موطوءتِه والثالثةَ أمُّ موطوءتِه والرابعةَ موطوءةُ جدِّه الصحيحِ والخامسةَ موطوءةُ جدِّه الفاسد! {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ} شروعٌ في بـيان المحرَّماتِ من جهة المصاهرةِ إثرَ بـيان المحرَّماتِ من جهة الرَّضاعةِ التي لها لُحمةٌ كلُحمةِ النَسبِ، والمرادُ بالنساء المنكوحاتُ على الإطلاق سواءٌ كن مدخولاً بهن أو لا وعليه جمهورُ العلماء. روي عن النبـي عليه الصلاة والسلام أنه قال في رجل تزوج امرأةً ثم طلقها قبل أن يدخُلَ بها إنه لا بأس بأن يتزوجَ ابنتَها ولا يحِلُّ له أن يتزوجَ أمَّها. وعن عمرَ وعِمرانَ بنِ الحصين رضي الله عنهما: أن الأمَّ تحرُم بنفس العقدِ، وعن مسروقٍ: هي مُرسلةٌ فأرسِلوا ما أرسلَ الله. وعن ابن عباس: أبهِموا ما أبهم الله، خلا أنه روي عنه وعن علي وزيد وابنِ عمرَ وابنِ الزبـيرِ رضي الله عنهم أنهم قرَؤا وأمهاتُ نسائِكم اللاتي دخلتم بهن، وعن جابر روايتان وعن سعيدِ بنِ المسيِّبَ عن زيد أنه إذا ماتت عنده فأخذ ميراثَها كُره أن يخلُفَ على أمها وإذا طلقها قبل أن يدخُل بها فإن شاء فَعَل، أقام الموتَ في ذلك مُقام الدخولِ كما قام مقامَه في باب المهرِ والعِدّةِ، ويُلحقُ بهن الموطوءاتُ بوجه من الوجوه المعدودةِ فيما سبَق والممسوساتُ ونظائرُهن. والأمهاتُ تعم المرضِعاتِ كما تعم الجداتِ حسبما ذكر {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللَّـٰتِى فِى حُجُورِكُمْ} الربائبُ جمعُ ربـيبة فعيل بمعنى مفعول، والتاء للنقل إلى الاسمية والربـيبُ ولدُ المرأةِ من آخَرَ سمي به لأنه يرُبُّه غالباً كما يرُبُّ ولدَه وإن لم يكن ذلك أمراً مطَّرِداً، وهو المعنيُّ بكونهن في الحُجور فإن شأنهن الغالبَ المعتادَ أن يكنّ في حضانة أمهاتِهن تحت حمايةِ أزواجِهن لا كونُهن كذلك بالفعل، وفائدةُ وصفِهن بذلك تقويةُ عِلةِ الحُرمةِ وتكميلُها كما أنها هي النُّكتةُ في إيرادهن باسم الربائبِ دون بناتِ النساءِ فإن كونَهن بصدد احتضانِهم لهن وفي شرف التقلّبِ في حجورهم وتحت حمايتِهم وتربـيتِهم مما يقوِّي الملابسةَ والشبَهَ بـينهن وبـين أولادِهم ويستدعي إجراءَهن مُجرى بناتِهم، لا تقيـيدُ الحرمةِ بكونهن في حجورهم بالفعل، كما روي عن علي رضي الله عنه وبه أخذ داودُ، ومذهبُ جمهورِ العلماءِ ما ذكر أولاً بخلاف ما في قوله تعالى: {مّن نِّسَائِكُمُ ٱللَّـٰتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فإنه لتقيـيدها به قطعاً فإن كلمةَ مِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من ربائبكم اللاتي استقرَرْنَ في حجوركم كائناتٍ من نسائكم الخ، ولا مساغَ لجعله حالاً من أمهاتُ أو مما أضيفت هي إليه خاصةً وهو بـيِّنٌ لا سِترةَ به ولا مع ما ذكر أو لا ضرورةَ أن حاليتَه من ربائبكم أو من ضميرها تقتضي كونَ كلمةِ مِنْ ابتدائيةً وحاليتُه من أمهاتُ أو من نسائكم تستدعي كونَها بـيانيةً، وادعاءُ كونِها اتصاليةً منتظمةٌ لمعنى الابتداءِ والبـيان، وجعلُ الموصولِ صفةً للنساءَيْنِ مع اختلاف عاملَيْهما مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن أمثاله مع أنه سعيٌ في إسكات ما نطَق به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام واتفق عليه الجمهورُ حسبما ذُكر فيما قبلُ، وأما ما نقل من القراءة فضعيفةُ الروايةِ وعلى تقدير الصحةِ محمولةٌ على النسخ ومعنى الدخولِ بهن إدخالُهن السِّترَ، والباءُ للتعدية وهي كنايةٌ عن الجماع كقولهم: بنىٰ عليها وضرَب عليها الحجابَ وفي حكمه اللمسُ ونظائرُه كما مر {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ} أي فيما قبل {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أصلاً {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أي في نكاح الربائبِ، وهو تصريحٌ بما أَشعَرَ به ما قبله، والفاءُ الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن بـيانَ حكمِ الدخولِ مستتبِعٌ لبـيانِ حكمِ عدمِه {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ} أي زوجاتُهم، سُمّيت الزوجةُ حليلةً لحِلّها للزوج أو لحلولها في محله، وقيل: لَحِلّ كلَ منهما إزارَ صاحبِه، وفي حكمهن مزْنياتُهم ومَن يجرين مَجراهن من الممسوسات ونظائرِهن، وقولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} لإخراج الأدعياءِ دون أبناءِ الأولادِ والأبناءِ من الرَّضاع فإنهم وإن سفَلوا في حكم الأبناءِ الصُلْبـيـين {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} في حيز الرفعِ عطفاً على ما قبله من المحرمات، والمرادُ به جمعُهما في النكاح لا في مِلك اليمينِ، وأما جمعُهما في الوطء بملك اليمينِ فملحقٌ به بطريق الدِلالةِ لاتحادهما في المدار ولقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : مَنْ كان يؤمن بالله واليومِ الآخرِ فلا يجمَعَنّ ماءَه في رحم أختين»تفسير : بخلاف نفسِ ملكِ اليمينِ فإنه ليس في معنى النكاحِ في الأفضاء إلى الوطء ولا مستلزِماً له، ولذلك يصَحُّ شراءُ المجوسيةِ دون نكاحِها حتى لو وطِئهما لا يحِلّ له وطءُ إحداهما حتى يحرُمَ عليه وطءُ الأخرى بسبب من الأسباب، وكذا لو تزوج أختَ أَمَتِه الموطوءةِ لا يحل له وطءُ إحداهما حتى يحرُم عليه الأخرى، لأن المنكوحةَ موطوءةٌ حكماً فكأنه جمعهما وطئاً، وإسنادُ الحرمةِ إلى جمعهما لا إلى الثانية منهما بأن يقال: وأخواتُ نسائِكم للاحتراز عن إفادة الحُرْمةِ المؤبدةِ كما في المحرماتِ السابقاتِ ولكونه بمعزل من الدِلالة على حرمة الجمعِ بـينهما على سبـيل المعية، ويسترك في هذا الحكمِ الجمعُ بـين المرأةِ وعمتِها ونظائرِها، فإن مدارَ حرمةِ الجمعِ بـين الأختين إفضاؤُه إلى قطع ما أمر الله بوصله وذلك متحققٌ في الجمع بـين هؤلاءِ بل أولى، فإن العمةَ والخالةَ بمنزلة الأمِّ فقوله عليه السلام: «حديث : لا تُنكحُ المرأةُ على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» تفسير : من قبـيل بـيان التفسيرِ لا بـيانِ التغيـيرِ، وقيل: هو مشهورٌ يجوز به الزيادةُ على الكتاب {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناءٌ منقطعٌ أي لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به ولا سبـيل إلى جعله متصلاً بقصد التأكيدِ والمبالغةِ كما مر فيما سلف لأن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تعليلٌ لما أفاده الاستثناءُ فيتحتم الانقطاعُ، وقال عطاء والسدي: معناه إلا ما كان من يعقوبَ عليه السلام فإنه قد جمع بـين ليا أمِّ يهوذا وبـين راحيلَ أمِّ يوسفَ عليه الصلاة والسلام، ولا يساعده التعليلُ لأن ما فعله يعقوبُ عليه السلام كان حلالاً في شريعته، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان أهلُ الجاهليةِ يحرِّمون ما حرم الله تعالى إلا امرأةَ الأبِ والجمعَ بـين الأختين. وروىٰ هشامُ بنُ عبدِ اللَّه عن محمد بنِ الحسنِ أنه قال: كان أهلُ الجاهلية يعرِفون هذه المحرماتِ إلا اثنتين: نكاحَ امرأةِ الأبِ والجمعَ بـين الأختين، ألا يُرى أنه قد عُقِّب النهيُ عن كل منهما بقوله تعالى: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} وهذا يُشير إلى كون الاستثناءِ فيهما على سَنن واحدٍ ويأباه اختلافُ التعليلين.

القشيري

تفسير : تكلُّفُ انتزاع المعاني التي لأجلها حصل هذا التحريم محالٌ من الأمر؛ لأن الشرعَ غيرُ مُعَلَّلٍ، بل الحق تعالى حرَّم ما شاء على من شاء، وكذلك الإباحة، ولا عِلَّةَ للشرائع بحال، ولو كانت المحرَّمَاتُ من هؤلاء محلَّلاتٍ [محرمات] لكان ذلك سائغاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {حرمت عليكم أمهاتكم} اى نكاحهن لان المفهوم فى العرف من حرمة كل شىء ما هو الغرض المقصود منه فيفهم من تحريم النساء تحريم نكاحهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم لحم الخنزير تحريم اكله. والامهات تعم الجدات وان علون من الاب والام او من قبل احدهما {وبناتكم} الصلبية وبنات الاولاد وان سفلن {واخواتكم} من قبل الاب والام او من قبل احدهما فيتضمن الاخوات من الجهات الثلاث. واعلم ان حرمة الامهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام الى هذا الزمان ولم يثبت حل نكاحهن فى شىء من الاديان الآلهية بل ان زرادشت رسول المجوس قال بحله الا ان اكثر المسلمين اتفقوا على انه كان كذابا اما نكاح الاخوات فقد نقل ان ذلك كان مباحا فى زمن آدم عليه السلام وانما حكم الله باباحة ذلك على سبيل الضرورة. وذكر العلماء ان السبب لهذا التحريم ان الوطء اذلال واهانة فان الانسان يستحيى من ذكره ولا يقدم عليه الا فى الموضع الخالى واكثر انواع الشتم لا يكون الا بذكره واذا كان الامر كذلك وجب صون الامهات عنه لان انعام الام على الولد اعظم وجوه الانعام فوجب صونها عن هذا الاذلال والبنت جزؤ من الانسان وبعض منه فيجب صونها عن هذا الاذلال لان المباشرة معها تجرى مجرى الاذلال وكذا القول فى البقية ذكره الامام فى تفسيره {وعماتكم} العمة كل انثى ولدها من ولد والدك قريبا او بعيدا {وخالاتكم} الخالة كل انثى ولدها من ولد والدتك قريبا او بعيدا يعنى العمات تعم اخوات الآباء والاجداد وكذا الخالات تعم اخوات الامهات والجدات سواء كن من قبل الاب والام او من قبل احدهما {وبنات الاخ وبنات الاخت} من كل جهة ونوافلهما وان بعدت. واعلم ان الله تعالى نص على تحريم اربعة عشر صنفا من النسوان سبع منهن من جهة النسب وهن هذه المذكورات وسبع اخرى من جهة السبب والى تعدادها شرع فقال {وامهاتكم اللاتى ارضعنكم واخواتكم من الرضاعة} اى حرم نكاح الامهات والاخوات كلتاهما من الرضاعة كما حرمتا من النسب نزل الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة اما للرضيع والمراضعة اختا وكذلك زوج المرضعة ابوه وابواه وجداه واخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم اخوته واخواته لأبيه وام المرضعة جدته واختها خالته وكل من ولد لها من هذا الزوج فهم اخوته واخواته لأبيه وامه ومن ولد لها من غيره فهم اخوته واخواته لأمه ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " .تفسير : وهو حكم كلى جار على عمومه واما ام اخيه لأب واخت ابنه لأم وام ام ابنه وام عمه وام خاله لأب فليست حرمتهن من جهة النسب حتى تحل بعمومه ضرورة حلهن فى صور الرضاع بل من جهة المصاهرة ألا يرى ان الاولى موطوءة ابيه والثانية بنت موطوءته والثالثة ام موطوءته والرابعة موطوءة جده الصحيح والخامسة موطوءة جده الفاسدة {وامهات نسائكم} المراد بالنساء المنكوحات على الاطلاق سواء كن مدخولا بهن ام لا وعليه جمهور العلماء وقد روى عن النبى عليه السلام انه قال فى رجل تزوج امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها "حديث : انه لا بأس بان يتزوج ابنتها ولا يحل له ان يتزوج امها " .تفسير : ويلحق بهن الموطوآت بوجه من الوجوه المعدودات فيما سبق آنفا والممسوسات ونظائرهن وامهات تعم المرضعات كما تعم الجدات {وربائبكم اللاتى فى حجوركم} اى حرم نكاح الربائب جمع ربيبة والربيب ولد المرأة من آخر سمى به لانه يربه كما يرب ولده فى غالب الامر فعيل بمعنى مفعول والتاء للنقل الى الاسمية. قال الامام والحجور جمع حجر وفيه لغتان قال ابن السكيت حجر الانسان وحجره بالفتح والكسر هو ما يجمع على فخذيه من ثوبه والمراد بقوله فى حجوركم اى فى تربيتكم يقال فلان فى حجر فلان اذا كان فى تربيته والسبب فى هذه الاستعارة ان كل من ربى طفلا اجلسه فى حجره فصار الحجر عبارة عن التربية كما يقال فلان فى حضانة فلان وأصله من الحضن الذى هو الابط ثم ان كون التربية فى حجر الرابّ ليس بشرط للحرمة عند جمهور العلماء والوصف فى الآية خرج على الاغلب لانهن كن لا يتزوجن غالبا اذا كانت لهن اولاد كبار ويتزوجن مع الاولاد الصغار ليستعن بالازواج على تربية الاولاد فخرج الكلام مخرج الغالب لا على الاشتراط كما فى قوله تعالى {أية : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد} تفسير : [البقرة: 187]. والمباشرة فى غير المساجد حالة الاعتكاف حرام ايضا {من نسائكم اللاتى دخلتم بهن} اى كائنة تلك الربائب من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فمن متعلقة بمحذوف وقع حالا من ربائبكم ومعنى الدخول بهن ادخالهن الستر والباء للتعدية وهى كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب وفى حكم الدخول اللمس ونظائره {فان لم تكونوا} اى فيما قبل {دخلتم بهن} اصلا {فلا جناح عليكم} اى فى نكاح الربائب اذا فارقتموهن اى امهاتهن او متنّ وهو تصريح بما اشعر به قبله {وحلائل ابنائكم} اى وحرم عليكم زوجات ابنائكم سميت الزوجة حليلة لحلها للزوج او لحلولها فى محله وقيل لحل كل منهما ازار صاحبه وفى حكمهن مزنياتهم ومن يجرى مجراهن من الممسوسات ونظائرهن {الذين من اصلابكم} لاخراج الادعياء دون ابناء الاولاد والابناء من الرضاع فانهم وان سفلوا فى حكم الابناء الصلبية فالمتبنى اذا فارق امرأته يجوز للمتبنى نكاحها وقد تزوج النبى عليه السلام زينب ابنة جحش الاسدية بنت عمته امينة ابنة عبد المطلب حين فارقها زيد حارثة وكان قد تبناه وادعاه ابنا فعيره المشركون بذلك لان المتبنى فى ذلك الوقت كان بمنزلة الابن فانزل الله تعالى {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} تفسير : [الأحزاب: 40]. وقوله تعالى {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم} تفسير : [الأحزاب: 4]. {وان تجمعوا بين الاختين} اى وحرم عليكم الجمع بين الاختين فى النكاح لا فى ملك اليمين واما جمعهما فى الوطء بملك اليمين فيلحق به بطريق الدلالة لاتحادهما فى المدار {الا ما قد سلف} استثناء منقطع اى لكن ما قد مضى لا تؤاخذون به {ان الله كان غفورا} لمن فعل ذلك فى الجاهلية {رحيما} لمن تاب من ذنوبه واطاع لامر ربه فى الاسلام.

ابن عجيبة

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ...} قلت: {كتاب الله عليكم}: مصدر مؤكد. أي: كتب الله ذلك كتاباً، أو على الإغراء. يقول الحقّ جلّ جلاله: {حرمت عليكم} من النساء أصنافٌ: منها بالنسب ومنها بالرضاع ومنها بالمصاهرة: فأما التي تحرم بالنسب فهي {أمهاتكم}، وهي الأم، والجدة من الأم ومن الأب ما عَلَوْن، {وبناتكم} وهي البنت وبنت الابن، وبنت البنت ما سفلن، {وأخواتكم} وهي الأخت الشقيقة والتي للأب والأخت للأم، {وعماتكم} وهي أخت الوالد وأخت الجد ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، {خالاتكم} وهي أخت الأم وأخت الجدة ما علت، شقيقة أو لأب أو لأم، {وبنات الأخ} الشقيق، أو للأب، وما تناسل منهم. {وبنات الأخت}، فيدخل كل ما تناسل من الأخت الشقيقه أو للأب أو للأم. والضابط في ذلك: أنه يحرم على الرجل أصوله وإن علت، وفصوله وإن سفلت، وفصول أبويه ما سفلت، وأول فصل من كل أصل متقدم على أبويه. ثم ذكر ما يحرم بالرضاع، فقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ذلك تعالى صنفين، وحرمت السُّنَّةُ كل ما يحرم من النسب. قال صلى الله عليه وسلم " حديث : يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ "تفسير : فيدخل الأصناف السبعة، وهي الأم من الرضاع والبنت والأخت والعمة والخالة وبن الأخ وبنت الأخت. ثم ذكر ما يحرم بالمصاهرة، فقال: {وأمهات نسائكم}، وتقدمت زوجة الأب، وسيأتي حليلة الابن، {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم} لا مفهوم لهذا القيد، لكنه جرى مجرى الغالب، فهي محرمة، كانت في حجره أم لا، على قول الجمهور، ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره. وأما قوله: {اللاتي دخلتم بهن} فهو معتبر إجماعًا، فلو عقد على المرأة ولم يدخل بها، فله طلاقها ويأخذ ابنتها، ولذلك قال: {فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} أن تنكحوهن. {وحلائل أبنائكم} وهي التي عقد عليها الابن فحلت له، فتحرم على الأب بمجرد العقد. والحاصل: أن زوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة يحرمن بالعقد، وأما بنت المرأة فلا تحرم إلا بالدخول بأمها، فالعقد على البنات يُحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يُحرم البنات. وقوله تعالى: {الذين من أصلابكم} احترز به من زوجة المتبنِّي فلا تحرم حليلته، كقضية زيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. {وأن تجمعوا بين الأختين}، شقيقتين أو للأب أو للأم، وهذا في النكاح، وأما في الملك دون الوطء فلا بأس، أما في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة، وأجازه الظاهرية، {إلا ما قد سلف} أي: في الجاهلية، فقد عفا عنكم، {إن الله كان غفورًا رحيمًا}، قال ابن عباس: ( كانت العرب تُحرم كل ما حرمت الشريعة إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلذلك ذكر الحق تعالى: {إلا ما قد سلف} فيهما. {و} حَرم الله ـ تعالى ـ {المحصنات من النساء} وهُنَّ اللاتي في عصمة أزواجهن، فلا يحل نكاحهن ما دُمْنَ في عصمة الزوج، {إلا ما ملكت أيمانكم} من الغنيمة، فإذا سُبيت الكافرة، ولها زوج، جاز لمن ملكها أن يطأها بالملك بعد الاستبراء، قال في المختصر: وهدم السبيْ النكاحَ، إلا أن تُسبى وتُسلْم في عدتها فهو أحق بها، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا إلى أَوْطَاس، فأصابوا سبيًا من العدو، ولهن أزواج من المشركين فتأثموا من غشيانهن، فنزلت الآية مُبيحة لذلك، {كتاب الله عليكم} أي: كتب الله ذلك عليكم كتاباً، وهو ما حرّم في الآية من النساء. الإشارة: اعلم أن الإنسان لا يصير كاملاً عارفًا حتى يولد ثلاث مرات بعد الأم الحسية، أولها: خروجه من بطن حب الدنيا الدنية، ثم من الغفلة والشهوات الجسمانية، ثم من ضيق الأكوان الظلمانية، إلى فضاء المشاهدة والمعاينة، وقال بعض الأولياء: ( ليس منا من لم يولد مرتين): فاعتبر الأولى والثالثة، فإذا خرج الإنسان من هذه البطون حرَّم الله عليه نكاحها والرجوع إليها. وكذا يحرم عليه الرجوع إلى ما تولد منه من الزلات، والأحوال الظلمانية، وما كان ألفه وتواخى معه من البطالات والمألوفات، وما وجد عليه أسلافه من التعصبات والحميات والرئاسات، ولا فرق بين ما واجهه من ذلك من قبل الآباء والأمهات، وكذلك ما ارتضع من ثدي الشهوات من لِبان الغفلة، وتراكم الأَكِنَّات، فليبادر إلى تحريمها، وفطام نفسه عنها، قبل تحكمها، كما قال البوصيري رضي الله عنه: شعر : والنَّفْسُ كالطِّفلِ إنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم تفسير : وكذا يحرم عليه، صحبة من ارتضع معه في هذا الثدي قبل الفطام؛ من الأخوة والأخوات، وكذا أمهات الخطايا، وهي حب الدنيا والرياسة والجاه، وكذلك حرمت عليكم ربائب العلائق والعوائق، لتدخلوا بلاد الحقائق، فإن لم تكونوا من أهل الحقائق فلا جناح عليكم إذ كنتم من عوام الخلائق، وكذلك يحرم عليكم ما حل لأبناء جنسكم من تعاطي الأسباب والاشتغال بها عن خدمة رب الأرباب، وأن تجمعوا بين حب الدنيا ومحبة المولى. قال الشافعي رضي الله عنه: (من ادَّعى أنه جمَعَ بين حب الدنيا وحب خالقها، فقد كذب). إلا ما قد سلف في أيام البطالة، وكذا يحرم على المريد المتجرد المستشرف على المعاني تعاطى العلوم الظاهرة، التي دخل بها أهل الظاهر وأفتضوا بكارتها ـ إلا ما ملكه قبل التجريد، فلا يضره إن غاب عنها في أسرار التوحيد، والله تعالى أعلم بأسرار غيبه. ثم ذكر الحق تعالى ما يحلّ من النساء، فقال: {...وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} قلت: {وأُحِلَّ} عطف على الفعل العامل في " كتاب الله عليكم " أي: كتب الله عليكم تحريم ما ذكر، وأحل ما سوى ذلك. ومن قرأ بالبناء للمفعول فعطف على "حُرمت". و {أن تبتغوا} مفعول لأجله، أي: إرادة أن تبتغوا. أو بدل من {وراء ذلكم}، و {محصنين} حال من الواو. والسفاح: الزنا، من السفح وهو الصب، لأنه يصب المنيّ في غير محله. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وأُحل لكم} أن تتزوجوا من النساء ما سوى ذلكم المحرمات، وما سوى ما حرمته السنة بالرضاع، كما تقدم، والجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، فقد حرَمتْه السُنة، وإنما أحل لكم نكاح النساء إرادة أن تطلبوا بأموالكم الحلال، فتصرفوها في مهور النساء... حال كونكم {مُحصنين} أي: أعفة متحصنين بها من الحرام، {غير مسافحين} أي: غير زناة، تصبون الماء في غير موضعه، {فما استمتعتم به منهن} أي: من تمتعتم به من المنكوحات {فآتوهن أجورهن} أي: مهورهن، لأن المهر في مقابلة الاستمتاع {فريضة}، أي: مفروضة مقدرة، لا جَهْلَ فيها ولا إبهام، {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به} من زيادة على المهر المشروط، أو نقص منه، {من بعد الفريضة}، التي وقع العقد عليها، {إن الله كان عليمًا} بمصالح خلقه، {حكيمًا} فيما شرع من الأحكام. وقيل قوله: {فما استمتعتم به...} إلى آخره. نزل في نكاح المتعة، التي كانت ثلاثة أيام في فتح مكة، ثم نُسِخَ بما رُوي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه أباحه، ثم أصبح يقول: " حديث : أيُّهَا النَّاسِ، إِنِّي كُنْتُ أمرتكم بالاسِتْمْتَاعِ مِنَ هذه النَّساء، ألا إنَّ اللهَ حَرَمَ ذَلِكَ إلىَ يَوْمِ القِيَامةِ"تفسير : . وهو النكاح المؤقت بوقت معلوم، سُمي به لأن الغرض منه مجرد الاستمتاع. وتمتعها بما يُعطى لها. وجوَّزه ابن عباس رضي الله عنه ثم رجع عنه. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله من طريق الإشارة: إذا خرجتم من بطن الشهوات، ورفضتم ما كنتم عليه من العوائد والمألوفات، وزهدتم فيما يشغل فكرتكم من العلوم الرسميات، حل لكم ما وراء ذلكم من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، التي هي وراء طور العقول ولا تدرك بالطروس ولا بالنقول، وإليها أشار ابن الفارض رضي الله عنه حيث قال: شعر : ولا تكُ مِمَنْ طَيّشَتْهُ طروسه بحيثُ استخفت عقَلَهُ واستفزّتِ فَثمَ وراء النّقلِ عِلْمٌ يَدِقُّ عن مَدارِكِ غايات العقولِ السليمهِ تَلَقيْتُه منّي وعني أَخَذْتهُ ونفسي كانت من عَطاءٍ مُمدَّهِ تفسير : أردنا منكم أن تبتغوا ببذل أموالكم ومُهجكم تلك العلوم المقدسة، والأسرار المطهرة، متحصنين من دنس الحس والهوى، غير مباشرين لنجاسة الدنيا، ولا مصطحبين مع أهلها، لتتمتعوا بشهود أسرارنا، وأنوار قدسنا، فما استمتعتم به من ذلك، فصونوه من غير أهله، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من إعطائه لأهله، من بعد حفظه عمن لا يستحقه، والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: في الناس من اعتقد أن هذه الآية وما يجري مجراها، كقوله: {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : مجملة لا يمكن التعلق بظاهرها في تحريم شيء، وإنما يحتاج إلى بيان قالوا: لأن الأعيان لا تحرم ولا تحل، وإنما يحرم التصرف فيها، والتصرف يختلف، فيحتاج إلى بيان التصرف المحرم، دون التصرف المباح، والأقوى أنها ليست مجملة، لأن المجل هو ما لا يفهم المراد بعينه بظاهره، وليست هذه الآية كذلك لأن المفهوم من ظاهرها تحريم العقد عليهن، والوطي، دون غيرهما من أنواع الفعل، فلا يحتاج إلى البيان مع ذلك، وكذلك قوله: {حرمت عليكم الميتة} المفهوم الأكل، والبيع، دون النظر إليها، أو رميها، وما جرى مجراهما كيف وقد تقدم هذه الآية ما يكشف عن أن المراد ما بيناه من قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} فلما قال. بعده: {حرمت عليكم أمهاتكم} كان المفهوم أيضاً تحريم نكاحهن، وقد استوفينا ذلك في العدة في أصول الفقه، فلا نطول بذكره ها هنا. قال ابن عباس: حرّم الله في هذه الآية سبعاً بالنسب، وسبعاً بالسبب، فالمحرمات من النسب الأمهات، ويدخل في ذلك أمهات الأمهات وإن علون، وأمهات الآباء مثل ذلك، والبنات، ويدخل في ذلك بنات الأولاد وأولاد البنين وأولاد البنات وإن نزلن، والأخوات، سواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم، وكذلك العمات والخالات، وإن علون، من جهة الأب كن أو من جهة الأب أو من جهة الأم، وبنات الاخ، وبنات الأخت وإن نزلن. والمحرمات بالسبب الأمهات من الرضاعة، والأخوات أيضاً من الرضاعة، وكل من يحرم بالسبب يحرم مثله بالرضاع، لقوله (صلى الله عليه وسلم): " حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " تفسير : وأمهات النساء يحرمن بنفس العقد، وإن لم يدخل بالبنت، على قول أكثر الفقهاء، وبه قال ابن عباس، والحسن، وعطاء، وقالوا: هي مبهمة، وخصوا التقييد بقوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ورووا عن علي (ع)، وزيد بن ثابت، أنه يجوز العقد على الأم ما لم يدخل بالبنت، وجعلوا قوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} راجعاً إلى جميع من تقدم من أمهات النساء، والربائب. اللغة: والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من غيره، ويدخل فيه أولادها وإن نزلن، وسميت بذلك لتربيته إياها، ومعناها مربوبة، نحو قتيلة في موضع: مقتولة، ويجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها وكانت في حجره، أو لم تكن، لأنه إذا تزوج بأمها سمي هو رابها، وهي ربيبته، والعرب تسمي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم، ويوقعونه، يقولون: هذا مقتول، وهذا ذبيح، وإن لم يقتل بعد ولم يذبح، إذا كان يراد قتله أو ذبحه، وكذلك يقولون: هذه أضحية لما أعد للتضحية، وكذلك: هذه قتوبة، وحلوبة، أي مما يقتب، ويحلب فمن قال: إنه لا تحرم بنت الزوجة إلا إذا تربت في حجره فقد أخطأ على ما قلناه ويقال لزوج المرأة: ربيب ابن امرأته، يعنى به رابّه، نحو: شهيد، بمعنى شاهد، وخبير، بمعنى خابر، وعليم، بمعنى عالم. الاعراب: وقوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} قال المبرد: {اللاتي دخلتم بهن} نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير قال: لاجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بأمها، وإن من أجاز أن يكون قوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} هو لأمهات نسائكم فيكون معناه: أمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لأمهات الربائب، قال الزجاج: لأن الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحداً، لا يجيز النحويون: مررت بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن يكون (الظريفات) نعتاً لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء. وقال: من اعتبر الدخول بالنساء، لتحريم أمهاتهن يحتاج أن يقدر: أعني، فيكون التقدير: وأمهات نسائكم أعني اللاتي خلتم بهن، وليس بنا إلى ذلك حاجة. المعنى: والدخول المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هو الجماع، واختاره الطبري. الثاني - قال عطاء: وما جرى مجراه من المسيس، وهو مذهبنا، وفيه خلاف بين الفقهاء. وقوله: {وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم} يعني نساء البنين للصلب، دخل بهن البنون أو لم يدخلوا، ويدخل في ذلك أولاد الأولاد من البنين والبنات، وإنما قال {من أصلابكم} لئلا يظن أن امرأة من يتبنى به تحرم عليه. وقال عطاء: نزلت الآية حين نكح النبي (صلى الله عليه وسلم) إمرأة زيد بن حارثة، فقال المشركون في ذلك، فنزلت: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} وقال: {أية : وما جعل أدعيائكم أبنائكم } تفسير : وقال: {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم }تفسير : فأما حلائل الأبناء من الرضاعة فمحرمات بقوله (صلى الله عليه وسلم): "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". تفسير : وإنما سميت المرأة حليلة لأمرين: أحدهما - لأنها تحل معه في فراش. الثاني - لأنه يحل له وطؤها. وقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} فيه تحريم الجمع بينهما في عقد واحد، وتحريم الجمع بينهما في الوطي بملك اليمين، فاذا وطأ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يخرج تلك من ملكه، وهو قول الحسن، وأكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابن عباس أنه أجاز الجمع بينهما بملك اليمين، وتوقف فيهما علي وعثمان، وباقي الصحابة حرموا الجمع بينهما. وروي عن علي (ع) أنه قال: حرمتهما آية، وأحلتهما أخرى، وأنا أنهى عنهما نفسي، وولدي، فغلب التحريم. ومن أجاز الجمع بينهما في الوطي بملك اليمين - على ما يذهب إليه داود وقوم من أهل الظاهر - فقد أخطأ في الأختين، وكذلك في الربيبة وأم الزوجة، لأن قوله: {وأمهات نسائكم} يدخل فيه المملوكة، والمعقود عليها، وكذلك قوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} يتناول الجميع، وكذلك قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} عام في الجميع على كل حال، في العقد والوطي، وإنما أخرجنا جواز ملكهما بدلالة الاجماع، ولا يعارض ذلك قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} لأن الغرض بهذه الآية مدح من يحفظ فرجه إلا عن الأزواج، أو ملك الايمان، فأما كيفية ذلك فليس فيه، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: {أو ما ملكت أيمانكم} إلا على وجه الجمع بين الأم والبنت، أو الاختين والسابعة قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم} وهي امرأة الأب، سواء دخل بها أو لم يدخل، ويدخل في ذلك نساء الأجداد وإن علوا، من قبل الأب والأم بلا خلاف. وقوله: {إلا ما قد سلف} استثناء منقطع، وتقديره: لكن ما سلف لا يؤاخذكم الله به، وليس المراد أن ما سلف حال النهي تجوز استدامته، بلا خلاف. وقيل إن إلا بمعنى سوى. وقوله: {وأن تجمعوا} (أن) في موضع الرفع، والتقدير: حرمت عليكم هذه الأشياء، والجمع بين الأختين، وكل من حرمه الله في هذه الآية فانما هو على وجه التأييد، مجتمعات ومنفردات، إلا الأختين فانهما تحرمان على وجه الجمع دون الانفراد. ويمكن أن يستدل بهذه الآية على أنه لا يصح أن يملك واحدة من ذوات الانساب المحرمات، لأن التحريم عام، وبقوله (صلى الله عليه وسلم) "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " تفسير : على أنه لا يصح ملكهن من جهة الرضاع، وإن كان فيه خلاف. وأما المرأة التي وطؤها بلا تزويج، ولا ملك، فليس في الآية ما يدل على أنه يحرم وطي أمها وبنتها، ولأن قوله: {وأمهات نسائكم} وقوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} يتضمن إضافة الملك، إما بالعقد أو بملك المين، فلا يدخل فيه من وطأ من لا يملك وطأها، غير أن قوماً من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوءة بالعقد والملك بالسنة والأخبار المروية في ذلك، وفيه خلاف بين الفقهاء. وأما الرضاع فلا يحرم عندنا إلا ما كان خمس عشرة رضعة متواليات، لا يفصل بينهن برضاع امرأة اخرى، أو رضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم. وفي أصحابنا من حرم بعشر رضعات. ومتى دخل بين الرضاع رضاع امرأة أخرى، بطل حكم ما تقدم. وحرَّم الشافعي بخمس رضعات، ولم يعتبر التوالي. وحرّم أبو حنيفة بقليله وكثيره، وهو اختيار البلخي. وفي أصحابنا من ذهب إليه. واللبن عندنا للفحل، ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبياناً كثيرين، من أمهات شتى، فانهم جميعهم يصيرون أولاد الفحل، ويحرمون على جميع أولاده الذين ينتسبون إليه ولادة ورضاعاً، ويحرمون على أولاد المرضعة الذين ولدتهم، فأما من أرضعته بلبن غير هذا الفحل، فانهم لا يحرمون عليهم، وكذلك إن كان للرجل امرأتان، فأرضعتا صبيين لأجنبيين، حرم التناكح بين الصبيين. وخالف في هذه ابن علية. ولا يحرم من الرضاع عندنا إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي من المجرى المعتاد الذي هو الفم، فأما ما يوجر به، أو يسعط، أو ينشق، أو يحقن به، أو يحلب في عينه، فلا يحرم بحال. ولبن الميتة لا حرمة له في التحريم، وفي جميع ذلك خلاف. ولا يحرم من الرضاع إلا ما كان في مدة الحولين، فأما ما كان بعده فلا يحرم بحال. فأما الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها فحرم بالسنة، ويجوز عندنا نكاح العمة والخالة على المرأة، ونكاح المرأة على العمة والخالة لا يجوز إلا برضاء العمة والخالة، وخالف فيه جميع الفقهاء. والمحرمات بالنسب ومن يحرم بالسبب على وجه التأييد يسمون مبهمات، لأنه يحرم من جميع الجهات، مأخوذ من البهيم الذي لا يخالط معظم لونه لون آخر، يقال: فرس بهيم لا شية فيه، وبقرة بهيم، والجمع بهم. وقوله: {إن الله كان غفوراً رحيماً} اخبار أنه كان غفوراً حيث لم يؤآخذهم بما فعلوه من نكاح المحرمات، وأنه عفى لهم عما سلف، ولا يدل على أنه ليس بغفور فيما بعد، لأن ذلك معلوم بدلالة أخرى، وفي الناس من قال: كان زائدة، وقد بينا أن هذا ضعيف، لأنها تكون عبثاً ولغواً، وذلك لا يجوز.

الجنابذي

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} اى نكاحهنّ بقرينة الحال والمقام {وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} تعميم الامّهات للجدّات والبنات للاحفاد ممّا يفيده ظاهر اللّفظ ولا خلاف بين الفريقين فى حرمتها وان علون ونزلن وكذا العمّات والخالات وان علون وهذا بيان المحرّمات بالنّسب والملاك هو انّ اصولك وفروعك تماماً واوّل فرع من اصولك والفروع الّتى نشأت من اوّل اصولك محرّمة بالنّسب والمحرّمات بالسّبب امّا بالرّضاع وامّا بالمصاهرة وامّا بالمانع فبيّنها تعالى شأنه بقوله تعالى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} بيان المحرّمات بالرّضاع مجملة بيّنها لنا اهل الكتاب {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} شروع فى بيان المحرّمات بالمصاهرة. اعلم انّ الاحكام تابعة للعنوانات والعنوانات لمصاديقها العرفيّة فكلّ من صدق عليها عرفاً انّها امرأة فلان فامّها محرّمة عليه، ومن لم يصدق عليها عرفاً انّها امرأة فلان فظاهر الآية انّ امّها لا تكون محرّمة النّكاح ولا محلّلة النّظر للرّجل، وصدق هذه الاضافة امّا بان يكون للمرء يد عليها بعد العقد المحلّل او خلطة وخدمة من الطّرفين او تمتّع او مجامعة او غير ذلك من اسباب صدق هذه الاضافة، امّا بمحض العقد متعة ففى صدق تلك الاضافة اشكال اذا كانت المعقودة صغيرة غير قابلة للاستتماع، وحمل ما ورد فى الاخبار من الاحتياج الى الدّخول مع منافاتها لظاهر الآية على ما ذكرنا من تصحيح صدق هذه النّسبة اولى من حملها على التّقيّة حتّى يلزم منه تحريم الفرج الحلال وتحليل النّظر الحرام كأنّهم (ع) قالوا: لا بدّ فى التّحريم من صدق هذه النّسبة، والدّخول احد اسباب هذا الصّدق فما شاع عندهم من تمتيع الصّغائر لتحليل النّظر الى الامّهات فيه اشكالٌ عظيمٌ والاحتياط هو طريق السّداد وهو ان يجتنب من النّظر الى غير المواضع المستثناة من امّ المعقودة الصّغيرة وان يجتنب من تحليل بضعها ايضاً ولا يحوم حول مثل هذه الشّبهات. تحقيق حرمة منظورة الاب والابن على الآخر {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فى حُجُورِكُمْ} ذكر فى حجور كم لبيان علّة الحرمة لا انّه تقييد {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} تقييد للنّساء ولذا لم يكتف به وبيّن مفهومه فقال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} وان نزلوا لا الذّين سمّاهم النّاس ابناءكم، وحليلة الرّجل تصدق على المرأة بمحض العقد والمحلّل وامّا ملك اليمين فهى وان كانت محلّلة بمحض عقد الملك لكنّها لا تحرم بمحض هذا العقد من الابن او الاب على الآخر، لانّ عقد الملك قد يقع لمحض الخدمة وقد يقع لمحض التمتّع وقد يقع لهما فاذا وقع عقد الملك فان ظهر امارات التّمتّع فى هذا العقد من لمسٍ وتقبيلٍ ونظرٍ بشهوة فهو بمنزلة عقد النّكاح يحرّم مملوكة الابن على الاب وبالعكس، وان لم يظهر تلك الامارات فهى كسائر المملوكات وله التّصرّف فيها باىّ نحو شاء ولا تصير محرّمة كحرمة المصاهرة فمنظورة الاب وملموسته بشهوة ان كانت مملوكة له فهى محرّمة على الابن بالعكس، وامّا الحرّة فالحاقها بالمملوكة قياس مع الفارق وليس عليها نصّ منهم عليهم السّلام {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} فانّه لا عقوبة عليكم فيما مضى وكان بجهالةٍ منكم وهذا شروع فى بيان المانع {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً} يغفر ما يقع عن جهلٍ {رَّحِيماً} لا يؤاخذ من لا يعمّد فى مخالفته.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} حرم الله من النسب سبعاً وهنَّ إلى قوله تعالى: {وبنات الأخت} وقالوا: تحريم الرضاع كتحريم النَّسب، ومن النَّسب سبع إلى قوله تعالى: {والمحصنات} أي ذوات الأزواج فلا يحللن لغير أزواجهن {وحلائل أبنائكم} قيل: نزلت حين تزوج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة زيد بن حارثة فقال المشركون في ذلك وكما نزل قوله: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : [الأحزاب: 4] و {أية : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} تفسير : [الأحزاب: 40] {الذين من أصلابكم} دون من تبنَّيتم كما تزوج (صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة زيد حين فارقها زيد وهي زينب بنت جحش، قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} أي وحرّم عليكم أن تجمعوا، والمراد: تحريم النكاح لأن التحريم في الآية تحريم النكاح وأما الجمع بينهما في ملك اليمين فعن علي (عليه السلام) أنه قال: "أحلتها آية وحرمتها آية" يعني هذه الآية، وقوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانكم} فرجح علي (عليه السلام) التحريم، وعثمان التحليل {إلا ما قد سلف} ولكن ما قد مضى مغفور بدليل قوله: {إن الله كان غفوراً رحيماً}، قوله تعالى: {والمحصنات من النساء} وهنَّ ذوات الأزواج لأنهنَّ أحصن فروجهن بالتزويج فهن محصَّنات والآية نزلت في نساءكنَّ يهاجرن إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولهنَّ أزواج فيتزوجنَّ بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهوا عن ذلك، والاحصان: العِفَّة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح: الزاني من السفح وهو صب المني، قوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} يريد ما ملكت أيمانكم من السبايا ولهنَّ أزواج في دار الكفر فهن حلال بعد العدة للمسلمين {كتاب الله عليكم} أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فرضاً وهو تحليل ما أحلَّ وتحريم ما حرَّم والآية نزلت في نساءكنَّ يهاجرن إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ أجورهنَّ} أي مهورهنَّ، وقيل: هو نكاح المتعة ثم نسخ بإجماع المسلمين، قوله تعالى: {فمن لم يستطع منكم طولاً} الطول: المال والسعة، إذا لم يبلغ نكاح الحرَّة فلينكح أَمَة، قال ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرِّم عليه نكاح الإِماء وهو ظاهر وعليه مذهب الشافعي (رحمه الله)، وأما أبو حنيفة فيقول: الفقير والغني سواء في جواز نكاح الأمة، قوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} أي فلينكح من الاماء المؤمنات، والمراد اماء الغير لأنه لا يجوز أن يتزوج بأمَة نفسه لا من فتيات غيركم وهم المخالفون في الدين، قال جار الله: فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم}؟ قلتُ: معناه الله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإِيمان ورجحانه ونقصانه وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرَّة، قوله تعالى: {بعضكم من بعض} أي أنتم وأرقائكم متواصلون متناسبون لاشتراككم في الإِيمان قوله تعالى: {فانكحوهنَّ بإذن أهلهنَّ} اشتراط لإذن الموالي في نكاحهنَّ، قوله تعالى: {وآتوهنَّ أجورهنَّ بالمعروف} يعني وأدُّوا إليهنَّ مهورهنَّ بغير مطل وضرار وإحواج إلى الاقتضاء، قال جار الله: فإن قلتَ: الموالي هم مُلاَّك مهورهنَّ لا هنَّ والواجب آداؤها إليهم فلم قيل: {وآتوهنَّ}؟ قلتُ: لأنهنَّ وما في أيديهنَّ مال الموالي، فكان آداؤها إليهنَّ آداء مال الموالي أو على أن أصله فآتوا مواليهنَّ فحذف المضاف {محصنات} عفائف {غير مسافحات} زواني، وقيل: نكاح لا سفاح، {ولا متخذات أخذان} والأخدان الاخلاء في السر، قوله تعالى: {فإذا أحصنَّ} بالتزويج {فإن أتينَ بفاحشة فعليهنَّ نصف ما على المحصنات من العذاب} أي ما على الحرائر من الحدّ كقوله تعالى: {أية : وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}تفسير : [النور: 2] {أية : ويدرأ عنها العذاب} تفسير : [النور: 8] ولا رجم على الاماء لأن الرجم لا يتنصف {ذلك} إشارة إلى نكاح الاماء، قوله تعالى: {لمن خشي العنت منكم} لمن خاف الاثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت: إنكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثِم، وقيل: أريد به الحدّ وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : الحرائر صلاح البيت والاماء هلاك البيت" تفسير : قوله تعالى: {وأن تصبروا خير لكم} يعني وصبركم عن نكاح الإماء متعففين خير لكم.

اطفيش

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ}: أى حرم عليكم نكاح أمهاتكم، لأن النكاح هو معظم ما يقصد من النساء، ولتبادره إلى الفهم ولأن السباق واللحاق فيه، ولا وجه لبقاء تحريم ذوات من ذكر على الإطلاق حتى مس ما يجوز مسه، ونظر ما يجوز نظره، ومناولة منهن ولهن، والتكلم لهن والإنصات لهن، وتعليمهن والتعليم منهن، وأمرهن ونهيهن، فإن الأحكام الخمسة كالتحريم والتحليل لا تتعلق بالأعيان والأم من ولدتك وولدت أباك وأمك ولو علت من جهة أبى أبيك، أو جهة أو أمك أو أبى أمك. {وَبَنَاتُكُمْ}: البنت كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة، ولدتها أنت أو ولدها ابنك، أو ولدتها بنتك، أو ولدتها بنت ابنك، أو ابن ابنك، أو ولدتها بنت بنتك، أو ابن بنتك، وهكذا ولو سفلت. {وَأَخَوَاتُكُمْ}: من أب و أم، أو من أب أو من أم. {وَعَمَّاتُكُمْ}: العمة أخت أبيك أو أخت جدك، لو علا من أبيهما وأمهما أو من أبيهما أو من أمهما. {وَخَالاَتُكُمْ}: الخالة أخت أمك أو أخت جدتك من أمك ولو علت ومن أبيهما وأمهما، أو من أبيهما أو من أمهما، وعمة أمك فى حكم عمتك، وخالة أبيك فى حكم خالتك، وكذا ما فوق أبيك وأمك. {وَبَنَاتُ الأَخِ}: الذى من الأب والأم، أو الذى من الأب، أو الذى من الأم ولدها أخوك أو ولدها ابن أخيك، أو بنت أخيك، وهكذا ولو سفلت. {وَبَنَاتُ الأُخْتِ}: من الأب والأم، أو من أحدهما، ولدتها أختك أو ولدها ابن أختك، أو بنت أختك، وهكذا ولو سفلت. {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ}: النساء اللاتى لم يلدنكم، ولكن دخل أجوافكم بعض لبنهن المغذى، ولو قليلا فى حال لم تجاوزوا عامين، وقد كان لا تحرم المصة والمصتان ولا خمس، بل تحرم عشر، ثم نسخت إلى خمسة ثم خمسة إلى أقل قليل، كما بسطته فى شرح النيل، وفى شرح ما شرحته من دعائم ابن النظر، ومن حكم بالخمس من الصحابة، فإنه لم يبلغه الشيخ. {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ}: الإناث اللاتى ولدتهن من أرضعتكم، قبل أن يرضعنكم أو بعده أو معه، ولا تكون من أرضعتك أما لأخيك وأختك ولا من ولدت من أرضعتك أختاً لها، إلا أن أرضعتهما، ومعلوم أن الأم بالزوج، وإلا لم تكم أما، وإن الأخت بالأب ولا لم تكن أختاً ممن له ابن التى أرضعتك أبوك بالرضاعة كما يفيده تسميتها أماً لك، وبنتها أختاً لك إذ قد جمعكما أب وأم بالرضاع، فإذا صحت تسميتها أما، من له اللبن أباً وبنتها أختك، فليحرم عليك من جهتهم ما يحرم من جهة أبيك الوالد، وأمك الوالدة، وأختك منهما. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"تفسير : وهو حديث صحيح عام، وخص بعض فى لبن الفحل، فقال: لم يقل الله "وبناتكم من الرضاعة". كما قال: وأخواتكم من الرضاعة، وفروع المسألة فى شرح النيل، قيل: لا دليل يخص منه أخت ابن الرجل من الرضاع، وأم أخيه من الرضاع، وزعم بعض أنه يجوز لك أن تتزوج أخت ابنك من الرضاع، ولو لم يجز أن تتزوج أخت ابنك من النسب، ويجوز أن تتزوج أم أخيك من الرضاع، ولو لم يجز أن تتزوج أم أخيك من النسب، والزمخشرى ذكر جواز التزوج فى المسألتين وقال: كالمتبرئ منه إنهم قالوا ذلك، وعلل ذلك بأن كون الأنثى أختاً من الأم لابنك إنما هو لكون الأخت بنتاً لأمرأة وطئها غيرك، فليس بينك وبين أخت ابنك حرمة النسب، بل حرمة المصاهرة، فلم يصح التخصيص بخلاف ما إذا ارتضع إبنك من امرأة لها بنت من أجنبى، فإن البنت أخت لابنك من الرضاع، ولا تحرم عليك هذه البنت، إذ لا نسب بينكما، ولا مصاهرة، أو بأنه إذا كانت لك أخت لأب كانت أمها موطوءة أبيك، وبنتها ربيبة له، فلا تحل لك لجهة النسب، وإذا ارتضعت أختك من امرأة فالمرأة أختك من الرضاع، فلا تحرم عليك، لأن أباك لم يطأها، فلم يصح التخصيص، لأن الحرمة فى النسب للمصاهرة لا للنسب، وليست حرمة الرضاع كحرمة النسب من كل وجه، بل من وجه تحريم النكاح، ومن جهة جواز النظر والخلوة بها والسفر معها، إذا أمن الفتنة فى ذلك كله، ولا إرث بالرضاع، ولا نفقة به، وسواء فيما ذكر من المحرمات، وما يذكر المسلمة المشركة والحرة والأمة. {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ}: أم المرأة وجدتها من جهة الأب، أو من جهة الأم، وأم المرأة بالرضاع من جهة أبى الرضاع، أو من جهة أو الرضاع، إذا عقد الرجل على الأنثى حرمت عليه أمها وجدتها، ولو لم يدخل ولم ير ما بطن ولامس، وأما البنت فلا تحرم بالعقد على الأم حتى يدخل بالأم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما رجل نكح امرأة، فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يكن دخل بها فلينكح ابنتها، وايما رجل نكح امرأة فلا يحل له أن ينكح أمها، دخل بها أو لم يدخل"تفسير : أخرجه الترمذى سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فأجاب بالحديث وذلك، قول الجمهور. وقيل عن زيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير، وبه قال عمران بن الحصين، وهو قول عمر ومسروق، قال مسروق: هى مرسلة فأرسلوا ما أرسل الله. وعن ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله، إن الأم لا تحرم إلا بدخول على ابنتها، كما أن البنت لا تحرم إلا بالدخول على أمها، وهو رواية عن ابن عباس. وقرأ: وأمهات نسائكم اللاتى دخلتم بهن، قال ابن عباس: والله ما نزل إلا هكذا، قال فى الكشاف وعن جابر روايتان، وعن سعيد بن المسيب عن زيد: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل، فإن شاء فعل. انتهى كلام سعيد. قال الزمخشرى: أقام الموت فى ذلك مقام الدخول، كما قام مقامه فى باب المهر. {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِى فِى حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}: الربيبة: ولد المرأة من أخرى، وولد الرجل من أخرى وكذا الربيب. والمراد هنا بنت المرأة من غير زوجها، والربيب فى الأصل: فعيل بمعنى مفعول وإنما ألحقته التاء إنه فعيل بمعنى مفعول، لأنه تغلبت عليه الاسمية فخرج عن باب امرأة جريح أو فعيل، وذلك أن ولد المرأة من غير زوجها الذى عندها يربه زوجها الذى عندها كما يرب ولده فى الغالب، أو الجملة، أى يقوم بمصالحه، وليس زنى: يزنى بالتشديد كلمة مختومة بحرف العلة، أصالة غير كلمة رب يرب، بل هى رب شذذ مبالغة، فقيل: ريب: فقلبت الياء الثالثة ألفاً، إلا أن يقال من ربا يربو، بمعنى نما بمعنى أن الإنسان يتسبب فى نمو الطفل، وفيه تكلف، ومعنى كون الربائب فى حجوركم أنهن فى تربيتكم وحفظكم، وذلك أن من ربى طفلا يكون فى حجره، وهو مقدم أثواب الإنسان، فالحجور جمع حجر، بمعنى المقدم من الثياب. وقال أبو عبيدة: الحجور جمع حجرة وهى البيت أى فى بيوتكم ومن نسائكم: حال من ربائبكم، أو من ضميرهن المستكن فى قوله: {فِى حُجُورِكُم}، ومن للابتداء، ويجوز أن يكون من نسائكم اللاتى دخلتم بهن حالا من نسائكم فى قوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُم} فتكون من للبيان، وذلك على قول جواز الحال من المضاف إليه بلا شرط، فيكون المعنى وأمهات نسائكم حال كون نسائكم دخلتم بهن، فإن لم تدخلوا بهن لم تحرم أمهاتهن، ومعلوم أن الربائب من نسائهم، ولو صرف قوله من نسائكم إلى قوله: وأمهات نسائكم، ومن أجاز استعمال الكلمة فى معنييها أجاز صرفه إلى ربائبكم على الابتداء، وإلى نسائكم قبله على البيان على أنه حال من ربائب ونساء، وهو مبنى على عدم اشتراط كون ناصبها هو العامل، فى صاحبها، وإن اعتبر ذلك الاتصال بين أمهات فى مطلق من الاتصال، لم يكن ذلك من استعمال الكلمة فى معنييها، وذلك إن كلا من الابتداء والبيان اتصال، وإن قلنا: من حقيقة فى الابتداء، فباعتبار هذا الاتصال يكون ذلك من عموم المجاز، لامن استكمال الكلمة فى حقيقتها ومجازها، والجمهور على أن قوله {اللاَّتِى فِى حُجُورِكُم} ليس بقيد، بل كلام على الغالب لأن الربيبة المرباة فى حجر، أقوى شبهاً ببنته، فخصت بذكر حرمتها، والتى لم ترب فى الحجر مثلها فى الحرمة، وروى عن على: إن لم يربها فى حجره حلت له، وذلك إذا فارق أمها وتمت عدتها، وإن ماتت أمها كرهت له حتى تتم عدة الوفاء، والصحيح حرمة الربيبة أبداً، ولو لم ترب فى الحجر إن دخل بأمها كما فى الآية. ومعنى الدخول: الجماع، وكنى عنه بالدخول لأنها تكون فى ستر ويدخل عليها بالجماع ويلحق بالجماع مسها بذكره عمداً. أى موضع من بدنها، ومس فرجها بيده عمداً، ونظر فرجها هذا ما عندنا، ومثله لأبى حنيفة إذ قال: لمس المنكوحة ونحوه كالدخول، وكذا تثبت عندنا وعنده الحرمة بالزنى، فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها ولو سلفت، وأمها ولو علت، وعلى آبائه وأولاده، وهو قول الجمهور ومنهم عمران بن الحصين، أو هريرة، والحسن، والعراقيون والحجازيون والربيبة: العبدة البعيدة كالقريبة، ومنه بيت الربيبة. {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فى نكاح بناتهن وهن ربائبكم، وهذا تصريح بمفهوم النعت الذى هو قوله {اللاَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}، صرح به لئلا تقاس الربائب على أمهات النساء فى مطلق الحرمة بالفقد، وقد مر ما يلحق بالدخول، روى أن عمراً خلا بجارية له فجردها واستوهبها ابنٌ له فقال: إنها لا تحل لك، وعن مسروق أنه أمر أن تباع جاريته بعد موته، وقال: إنى لم أصب منها إلا ما يحرمها على ولدى من اللمس والنظر. وعن الحسن فى الرجل يملك الأمة فيغمزها لشهوة أو يقبلها أو يكشفها أنها لا تحل لولده بحال، قال حماد بن أبى سليمان وعطاء: إذا نظر إلى فرج امرأة فلا ينكح أمها ولا ابنتها، وعن الأوزاعى: إذا دخل فعراها ولمسها بيده أو غلق الباب، وأرخى الستر فلا يحل له نكاح ابنتها، وهكذا عندنا، وعن ابن عباس وطاووس وعمرو بن دينار: إن التحريم لا يقع إلا بالجماع وحده. {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ}: أى أزواج أبنائكم، سميت الزوجة حليلة والزوج حليلا، لأن كلا منهما يحل الآخر، فلذلك من الحلال ضده الحرام، وقيل: لأن كلا يحل حيث حل الآخر لأنهما يسكنان معاً، ويحلان معاً فى ثوب واحد فذلك من الحلول، فى موضع بمعنى النزول فيه، وقيل: لأن كل واحد يحل إزار الآخر، فذلك من الحل ضد العقد، والجمهور على الأول، وبه قال الزجاجى. {الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ}: بلا واسطة، أو بواسطة ابن أو ابنة ولو سفلا، فلا يحل لك زوجة ابنك، أو زوجة ابن بنتك، أو زوجة ابن بنت إبنك، أو زوجة ابن ابن بنتك، وهكذا. وخرج بقوله: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} المتبنى وهو الذى يتخذه الرجل ابناً، وهو ابن لغيره، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة زيد بن حارثة مع أنه قد تبنى زيد بن حارثة، فقال المشركون: تزوج زوجة ابنه، فنزل: {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم}تفسير : وقال: {أية : لئلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم}تفسير : وهو زينب بنت جحش، بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب جد النبى صلى الله عليه وسلم، فهى بنت عمته صلى الله عليه وسلم، قيل: كانت زوجة المتبنى حراماً على متبنيه، ثم نسخ التحريم، والتحقيق عندى أن التبنى شئ فعلوه، ولم ينزل فيه شئ فى حل زوجة المتنبى ولا حرمتها، ثم نزل الحل، ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : ذلكم قولكم بأفواهكم}تفسير : ولو كان ذلك ثم نسخ لم يقل الله تعالى {أية : ذلكم قولكم بأفواهكم }. تفسير : {وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأخْتَيْنِ}: الفعل فى تأويل مصدر مرفوع معطوف على أمهاتكم، أو على حلائل أبنائكم، والأول أولى: أى أمهاتكم وجمعكم بين الأختين، وجميع هؤلاء المحرمات سواء فيهن النكاح والتسرى، أو إحداهما بالنكاح والأخرى بالتسرى، وذلك قول الجمهور ومنهم على، وهو الصحيح. قال مسروق: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر، وذكر بعض: أن رجلا أسلم من الشرك، وعنده أختان بالتسرى، فأمره أن يفارق إحداهما، وفى رواية: أن يطلق إحداهما، وسئل ابن مسعود عن الأختين الأمتين يطؤهما الرجل يملك اليمين؟ فقال: لا، فقيل له: يقول الله {أية : وما ملكت أيمانكم}تفسير : فقال: يعيركم مما ملكت يمينك، يشير إلى بلادة السائل ويزجره، وكانت عند ابن عمر أختان فوطئ إحداهما ولم يطأ الأخرى، حتى خرجت الأولى من ملكه، أى أبى من ذلك حتى تخرج لأنه لا يحل الجمع وعن الحسن: لا يطأ الأخرى حتى تخرج الأولى من ملكه، قال مالك: له أيطاء أيتهما شاء، والكف عن الأخرى، موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى لزمه أن يحرم فرج الأولى بعتق أو كتابة أو غير ذلك، والآية دلت على ذلك إذ قال {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُم} ولم يقل تزوج أمهاتكم فالمراد، والله أعلم، وطء أمهاتكم والعطف على الأمهات أو شىء على شىء، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، بل المراد تحريم التلذذ، ولو بدون الوطء، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام"تفسير : فقوله تعالى: {أية : أو ما ملكت أيمانكم}تفسير : تحلل الجمع بالتسرى أو به وبالنكاح، وقوله {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأخْتَيْنِ} يحرمه فليغلب الحرام، والحق فى التقرير أن نقول: إن ما ملكت أيمانكم عام، وتخصيص المحرمات خاص، فليغلب الخاص، وهو تحريم الجمع، وأجاز عثمان جمع الأختين بالتسرى، ومثله أيضاً جمعهما إحداهما به وأخرى بالنكاح، قال قبيصة بن أبى ذؤيب: إن رجلا سأل عثمان بن عفان عن أختين مملوكتين لرجل هل يجمع بينهما؟ فقال: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وأما أما فلا أحب أن أمنع ذلك فخرج عن عنده فلقى رجلا من الصحابة فسأله عن ذلك فقال: أما أنا فلو كان لى من الأمر شىء لم أجد أحداً فعل ذلك إلا جعلته نكالا. روى مالك: ذلك فى الموطأ قال ابن شهاب: أراه على بن أبى طالب، يعنى الرجل الذى لقى وجزم القاضى أن عثمان رجح آية التحليل، وعلى آية التحريم، وأن مذهبه أصح. قال مالك: بلغنى عن الزبير بن العوام مثلما قال على، وروى أنه سئل على عن ذلك فقال: أحلتها آية وحرمتها آية، وأنا أنهى نفسى وولدى عنها. {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}: من الجمع بينهما، فإنه لا إثم فيه، لكن تجب المفارقة بعد نزول الآية، أى لكن ما قد سلف لا إثم فيه، فالاستثناء منقطع وباعتبار أن الإثم قد تضمنه النهى يكون الاستثناء متصلا على حد ما مر قيل: كل هذه المحرمات تعرفها الجاهلية إلى نكاح امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ولذلك قال فى النوعين {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَف} وقيل: إلا ما قد سلف من الجمع فى الجاهلية، فأن عقده صحيح لا يبطل، ولكن يختار أيتهما شاء. حديث : قال رجل: يا رسول الله أسلمت وتحتى أختان. قال: "طلق أيتهما شئت"تفسير : وفى الحديث "حديث : لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" تفسير : ومثل ذلك سائر المحارم والضابط أن كل امرأتين بينهما قرابة، أو لبن ولو كان ذلك وبين المرأة لم يجز لك نكاحها، لم يجز لك الجمع بينهما، ومروع ذلك فى شرح النيل، قيل أيضاً: المعنى إلا ما كان من يعقوب عليه السلام، فإنه جمع بين أختين "ليا" أو يهوذا، و"راحيل" أو يوسف عليه السلام واتفقوا على جواز الجمع بين المحرمات بالملك دون النكاح ولا تسر ولا تلذذ بنظر أو مس، ومن تزوج أختين بعقد بطل العقد، وجدد لمن شاء وحرمت من دخل عليها، وإن رتب بطلت الثانية، وقيل: كان ذلك طلاقاً للأولى وحرمت الثانية، وقيل: لا تحرم إلا أن دخل عليها. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً}: ألا ترون أنه لم يعاقب على ما قد سلف، ولم يلزم شيئاً عليه، حتى أنه قد أثبت العقد السالف وأثبت النسب إلا ما يجب من فراق أحدى المحرمتين، واختيار أربع نسوة من أكثر.

اطفيش

تفسير : {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الأحكام لا تتوجه إلى الذوات، بل إلى فعل المكلف، فالمراد تحريم نكاحهن، لأنه معظم ما يقصد من النساء، ولأنه المتبادر إلى الفهم فى عرف اللغة، كتحريم الأكل من قوله: {أية : حرمت عليكم الميتة} تفسير : [المائدة: 3] ولأن ما قبل وما بعد فى النكاح، وذلك ظاهر من أول، لا كما قيل إن التحريم مجمل، مبين من حيث إنه يحتمل تحريم النظر والمس باليد مثلا، فى أى موضع من بدنها ولو رأسها، وسائر الأفعال، والأمهات يشمل الجدات، والجملة إنشاء عند قوم، إخبار عند قوم آخرين، وهو الصحيح، وحاصله أن الله أخبرهم بأن حكمه التحريم أو أن التحريم فى اللوح المحفوظ {وَبَنَاتُكُمْ} شامل لبنات الابن وبنات البنت، وإن سفلن، وذلك حقيقة فى الأمهات والبنات، ولا سيما أن الأم الأصل كأم القرى، وأم الكتاب، والجدة أصل، وقيل إطلاق الأم على الجدة، والبنت على بنت الابن مجاز، فترادان من خارج، أو بالآية استعمال للفظ فى حقيقته ومجازه، أو فى عموم المجاز، وتحرم بنت الزانى من زناه عليه، لأنها من مائة وبنته قطعاً، عقلا ولغة، وذكر عن الشافعى أنه أبا جهاله لأنه لا نسب ولا إرث بينهما {وَأَخَوَاتُكُمْ} من الأب والأم، أو من أحدهما {وَعَمَّاتُكُمْ} أخوات آبائكم وأخوات أجدادكم، من الأب والأم، أو من أحدهما، وسواء الأجداد من الأب والأم {وَخَالاَتُكُمْ} أخوات أمهاتكم، وأخوات جداتكم، من الأب والأم، أو من أحدهما، وسواء الجدات من الأب أو الأم {وَبَنَاتُ الأَخِ} من الأب والأم، أو من أحدهما، ومثلها بنت الأخ، وبنت ابن الأخ، وكذا ما سفل {وَبَنَاتُ الأُخْتِ} من الأب والأم، أو من أحدهما، وكذا ما سفل، كالتى قبلها {وَأُمَّهَاتُكُمُ} جمع أم لكثرته، لا جمع أمهة لقلته، والهاء زائدة، وفى غير العقلاء أمات، وقد يقال فيه أمهات، وقد يقال فى العقلاء أمات {اللاَّتِى أَرْضَعْنَكُمْ} ولو مصة أو قطرة من أى منفذ، ولو من أذن أو جرح ولو بعد موتهن إذا كان أبيض نافعا لا ماء، وزعم مالك وأبو حنيفة يحصل التحريم بمصة، وزعم الشافعى وأحمد أنه يحصل بخمس رضعات، وزعموا عنه أن المراد خمس إشباعات فى أوقات، وفيه حديث أولناه فى تفسير الحديث، والفروع بالنسخ، ولا رضاع إلا فى حولين، كما قال ابن مسعود، وهو أيضاً مرفوع، وروى، لا يحرم من الرضاع إلا فتق الأمعاء، وزعم البخارى أنه إن مص أو شرب من لبن شاة أو نحوها حرم عليه أكلها، وعدوا ذلك فتنة للبخارى {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ} والبنات، والخالات، والعمات، وبنات الأخ، وبنات الأخت منها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"تفسير : ، نبه الله سبحانه وتعالى بتسمية المرضعه، أماً، والتى رضعت منها قبل أو بعد أو معه أختاً على أن الرضاع جارٍ مجرى النسب، وأنه ينتشر، فأم مرضعتك جدتك، وأختها خالتك، وأبوها جدك، وبنتها أختك، وخالتها خالتك وعمتها عمتك وأم زوج المرضعة الذى له اللبن جدتك، وبنته ولو من غير مرضعتك أختك، ولا يجوز تزوج أخت ابنك إذا ولدتها المرأة من رجل آخر، وولدت أنت منها هذا الابن، لأن وطء الأم يحرم البنت، وشهر المنع المصاهرة لا للوطء لفقده، ويجوز هذا إذا كان هذا الابن من رضاع، ومنعته الشافعية، وفى أم أخيه من الرضاع القولان {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} شامل لجدات النساء، وإن علون من أَي جهة، وللجدات من الرضاع من أى جهة كذلك، والأمهات من الرضاع {وَرَبَآئِبُكُمُ} القريبات والبعيدات ماتناسلن، وهن بنات أزواجكم من غيركم، ولو ولدتهن من غيركم بعد ما فارقتموهن، وجاء مرفوعا، "حديث : أنه إذا نكح المرأة الرجل لم تحل أمها، دخل بالابنة أو لم يدخل"تفسير : ، وتحريم البنت إن دخل بالأم، وربيبة فعليه بمعنى مفعولة، أى مربوبة، كما يربى الولد، ولحقته التاء لتغلب الاسمية، وإلا ففعيل بمعنى مفعول لا تلحقه التاء إلا نادرا {اللاَّتِى فَى حُجُورِكُم} جرى على الغالب، لا قيد، فلا يفهم منه حل الربيبة التى لم ترب فى الحجر، والمفرد حجر بفتح الحاء، كسرها وإسكان الجيم، وهو مقدم الثوب، أما دون الإبط إلى الكشح، والمراد لازم الكون فيه وهو التربية، وقال أبو عبيدة: فى حجوركم فى بيوتكم، وهو كذلك جرى على الغالب لا قيد، وروى عن على أن قوله: اللاتى فى حجوركم قيد، وأنه تحل اللاتى ليست فى الحجر، وكان ابن مسعود يقول بذلك، ثم رجع إلى الجمهور، وفائدة ذكر الحجر التشنيع كأنهن الأزواج والأمهات {مِّنِ نِّسَآئِكُمُ} حال من الربائب، أو من ضميرهن المستتر فى قوله حجوركم {اللاَّتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ} أى جامعتموهن، أو نظرتم فروجهن، أو مسستموها، ومن فعل ذلك يزنى بامرأة حرمت عليه هى وبناتها وأمهاتها، وحرمت هى على أولاده، وكذا عند أبى حنيفة، أن لمس الزوجة ونحوها كالجماع، وأن الزنى يحرم المصاهرة، تحرم به المزنية على أبى الزانى وإن علا، وعلى أولاده وإن سفلوا، وعلى الزانى أمهاتها وإن علون، وبناتها وإن سفلن إلا أنه زعم لا تحرم على الزانى مزنيته، وزعم الشافعى أن الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة، لأن المزنية ليست زوجا لزانيها، وأنه إنما يوجبها الوطء بشبهة، أو ملك يمين، ومن فارق المرأة قبل الدخول وما يلتحق به حلت له بنتها، وحرمت عليه أمها، فالعقد على البنت، يحرم الأم، وإنما يحرم البنت الدخول على الأم، قال صلى الله عليه وسلم فى رجل طلق امرأة قبل الدخول بها: "حديث : إنه تحل له بنتها لا أمها" تفسير : ، وزعم بعض عن علىّ، أنه لا تحرم الأم بالعقد على البنت بل بوطء البنت {فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} تصريح بالمفهوم دفعاً لقياس الربائب على أمهات النساء فى التحريم بمطلق العقد {وَحَلآئِلُ} أزواج، وسميت حليلة لأنها حلت لزوجها. ولأنها تحل مع زوجها حيث كان، وفى لحاف واحد أو فراش، وكذا يقال للزوج حليل، وكلاهما فعيلة بمعنى فاعل، أو لأن كلا منهما يَحُل للآخر إزاره، فهو بمعنى مفعول، أو الزوج حليل بمعنى فاعل، والزوجة حليل بمعنى مفعول، ومثل حليلته سريته فى التحريم {أَبْنَآئِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} وإن سفلوا، فإن ابن الابن وإن سفل، وابن البنت وإن سفل، من صلب الجد، بواسطة أو وسائط، ويحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، فخرج الابن الذى بالتبنى، فإن حليلته لا تحرم على متبنيه، فإنه صلى الله عليه وسلم تزوج زينب بنت جحش، بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، بعدما تزوجها زيد بن حارثة، وقد تبناه صلى الله عليه وسلم، وأما زوجة الربيب فقيل تحرم على زوج أمه، فتنكشف له كزوج ابنه، وقيل تكره، وقيل تحل له فلا تنكشف له {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} من نسب أو رضاع بنكاح أو تسر أو إحداهما بنكاح، والأخرى بتسر، وهذه الآية حرمت الجمع، وقوله تعالى: أو ما ملكت أيمانكم، وقوله إلا ما ملكت أيمانكم لم يبيحا الجمع، بل أباحا النكاح، قال على، أو غيره من الصحابة: لو كان الأمر لى لم أجد أحدا جمع بين أختين مملوكتين إلا جعلته نكالا، فآيات ما ملكت اليمين عامات مخصوصات، بقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين}، على قاعدة حمل العام على الخاص عندنا، وعند الشافعى، علم التاريخ أو لم يعلم، وبطل قول عثمان، بجواز الجمع بين الأختين المملوكتين، وكذا لا يجوز الجمع بين من لا تتناكحان، لو كانت إحداهما ذكرا، وكل ما يحرم تزوجه يحرم تسريه، بل هى محرم له، يكون حرا بملكه له، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أختها"، تفسير : وهو تمثيل للعموم المذكور فى كل من لا تحل للأخرى، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تنكح المرأة على قرابتهاتفسير : ، فشامل لمن تحل، لكن خاف القطيعة، فلو جمع بنتى عمين لجاز، ومن جمع بين أختين مثلا حرمتا إن مسهما، وإن مس إحداهما حرمت الأخرى، وقيل إذا فارق الممسوسة حلت الأخرى، ومن عقد عليها عقدة واحدة حرم من مس، وجدد العقد للأخرى {إلاّ مَا قَدْ سَلَفَ} متعلق بقوله عز وجل، حرمت عليكم، إلى قوله عز وجل، وبين الأختين، والاستثناء منقطع، أى لكن لا عقاب على ما سبق قبل نزول الآية أو متصل على ما سبق فى مثله، وقد وقع فى الجاهلية الجمع بين الأختين، وبين امرأتين لا تحل إحداهما للأخرى لو كانت ذكرا، ووقع نكاح امرأة الأب، وكأنه قيل إلا ما قد سلف كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، وحذفه للعلم به، أسلم فيروز الديلمى على أختين فأمره صلى الله عليه وسلم بتطليق إحداهما شك، وعن ابن عباس كان أَهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله عز وجل إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، ويروى أن نبى الله يعقوب عليه السلام جمع بين الأختين ليا أمّ يهودا، وراحيل أم يوسف عليه السلام، وذلك فى شرعه {إنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} لكل أحد، إلا من أبى، فلكم الغفران والرحمة عما سلف، ولا بد من الفرقة.

الالوسي

تفسير : {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَـٰتُكُمْ وَأَخَوٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} ليس المراد تحريم ذاتهن لأن الحرمة وأخواتها إنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف بدلالة العقل، والمراد تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن ولأنه المتبادر إلى الفهم ولأن ما قبله وما بعده في النكاح، ولو لم يكن المراد هذا كأن تخلل أجنبـي بينهما من غير نكتة فلا إجمال في الآية خلافاً للكرخي، والجملة إنشائية وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي؛ وقال بعض المحققين: لا مانع من كونها إخبارية والفعل الماضي فيها مثله في التعاريف نحو الاسم ما دل على معنى في نفسه ولم يقترن بأحد الأزمنة، والفعل ما دل واقترن، فإنهم صرحوا أن الجملة الماضوية هناك خبرية وإلا لما صح كونها صلة الموصول مع أنه لم يقصد من الفعل فيها الدلالة على الزمان الماضي فقط، وإلا للزم أن يكون حال المعرف في الزمان الحال والمستقبل ليس ذلك الحال، وبنى الفعل لما لم يسم فاعله لأنه لا يشتبه أن المحرم هو الله تعالى. و {أُمَّهَـٰتِكُمْ} تعم الجدات كيف كنّ إذ الأم هي الأصل في الأصل ـ كأم الكتاب وأم القرى ـ فتثبت حرمة الجدات بموضوع اللفظ وحقيقته لأن الأم على هذا من قبيل المشكك، وذهب بعضهم إلى أن إطلاق الأم على الجدة مجاز، وأن إثبات حرمة الجدات بالإجماع، والتحقيق أن الأم مراد به الأصل على كل حال لأنه إن استعمل فيه حقيقة فظاهر، وإلا فيجب أن يحكم بإرادته مجازاً فتدخل الجدات في عموم المجاز والمعرف لإرادة ذلك في النص الإجماع على حرمتهن. / والمراد بالبنات من ولدتها أو ولدت من ولدها؛ وتسمية الثانية بنتاً حقيقة باعتبار أن البنت يراد به الفرع ـ كما قيل به ـ فيتناولها النص حقيقة أو مجازاً عند البعض، أو عند الكل، ومن منع إطلاق البنت على الفرع مطلقاً قال: إن ثبوت حرمة بنات الأولاد بالإجماع، وقد يستدل على تحريم الجدات وبنات الأولاد بدلالة النص المحرم للعمات والخالات وبنات الأخ والأخت، ففي الأول: لأن الأشِقّاءَ منهن أولاد الجدات فتحريم الجدات وهن أقرب أولى، وفي الثاني: لأن بنات الأولاد أقرب من بنات الأخوة، ثم ظاهر النص يدل على أنه يحرم للرجل بنته من الزنا لأنها بنته، والخطاب إنما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل ـ كلفظ الصلاة ونحوه ـ فيصير منقولاً شرعياً، وفي ذلك خلاف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فقد قال: إن المخلوقة من ماء الزنا تحل للزاني لأنها أجنبية عنه إذ لا يثبت لها توارث ولا غيره من أحكام النسب، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش» وهو يقتضي حصر النسب في الفراش. وقال بعض الشافعية: تحرم إن أخبره نبـي ـ كعيسى عليه السلام ـ وقت نزوله بأنها من مائه، ورد عليه بأن الشارع قطع نسبها عنه كما تقرر فلا نظر لكونها من ماء سفاحه، واعترضوا على القائلين بالحرمة بأنهم إما أن يثبتوا كونها بنتاً له بناءاً على الحقيقة لكونها مخلوقة من مائه، أو بناءاً على حكم الشرع، والأول: باطل على مذهبهم طرداً وعكساً، أما الأول: فلأنه لو اشترى بكراً وافتضها وحبسها إلى أن تلد فهذا الولد مخلوق من مائه بلا شبهة مع أنه لا يثبت نسبه إلا عند الاستلحاق، وأما الثاني: فلأن المشرقي لو تزوج مغربية وحصل هناك ولد منها مع عدم اجتماعها مع زوجها وحيلولة ما بين المشرق والمغرب بينهما فإنه يثبت النسب مع القطع بأنه غير مخلوق من مائه، والثاني: باطل بإجماع المسلمين على أنه لا نسب لولد الزنا من الزاني ولو انتسب إليه وجب على القاضي منعه، وأجيب باختيار الشق الأول إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أن المخلوقة من ماء إنسان بنته سواء كان ذلك الماء ماءً حلال أو سفاح والجزئية ثابتة في الصورتين، والظاهر أنها هي مبدأ حرمة النكاح، ألا ترى كيف حرم على المرأة ولدها من الزنا إجماعاً، والتفرقة بين المسألتين بأن الولد في المسألة الثانية بعضها، وانفصل منها إنساناً، ولا كذلك البنت في المسألة الأولى لأنها انفصلت منه منياً لا تفيد سوى أن البعضية في المسألة الثانية أظهر، وأما إنها تنفي البعضية في المسألة الأولى فلا لأنهم يطلقون البضعة ـ وهي تقتضي البعضية ـ على الولد المنفصل منياً من أبيه، فيقولون: فلان بضعة وفلانة بضعة من فلان، وإنكار وجود الجزئية في المسألتين مكابرة، وعدم ثبوت التوارث مثلاً بين المخلوقة من ماء الزنا وصاحب الماء ليس لعدم الجزئية وكونها ليست بنته حقيقة بل للإجماع على ذلك، ولولاه لورثت كما يرث ولد الزنا أمه. وما ذكر في بيان إبطال الطرد من أنه لو اشترى بكراً فافتضها وحبسها فولدت فالولد مخلوق من مائه قطعاً مع أنه لا يثبت نسبه إلا بالاستلحاق أخذه من قول الفقهاء في الأمة إذا ولدت عند المولى أنه لا يثبت نسب ولدها منه إلا أن يعترف به، ولا يكفي أنه وطئها فولدت، لكن في «الهداية» وغيرها إن هذا حكم، فأما الديانة بينه وبين الله تعالى ـ فالمروى عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ـ أنه إن كان حين وطئها لم يعزل عنها وحصنها عن مظان ريبة الزنا يلزمه من قبل الله تعالى أن يدعيه بالإجماع لأن الظاهر ـ والحال هذه ـ كونه منه، والعمل بالظاهر واجب، وإن كان عزل عنها حصنها أولاً أو لم يعزل. ولكن لم يحصنها فتركها تدخل وتخرج بلا رقيب مأمون جاز له أن ينفيه لأن هذا الظاهر ـ وهو كونه منه بسبب أن الظاهر عدم زنا المسلمة ـ يعارضه ظاهر آخر وهو كونه من غيره لوجود / أحد الدليلين على ذلك، وهما العزل أو عدم التحصين، وفيه روايتان أخريان عن أبـي يوسف ومحمد ذكرهما في «المبسوط» فقال: وعن أبـي يوسف إذا وطئها ولم يستبرئها بعد ذلك حتى جاءت بولد فعليه أن يدعيه سواء عزل عنها أو لم يعزل حصنها أو لم يحصنها تحسيناً للظن بها وحملاً لأمرها على الصلاح ما لم يتبين خلافه، وهذا كمذهب الجمهور لأن ما ظهر بسببه يكون حالاً به عليه حتى يتبين خلافه وعن محمد لا ينبغي أن يدعي ولدها إذا لم يعلم أنه منه ولكن ينبغي أن يعتق الولد، وفي «الإيضاح» ذكرهما بلفظ الاستحباب، فقال: قال أبو يوسف: أحب أن يدعيه، وقال محمد: أحب أن يعتق الولد، وقال في «الفتح» بعد كلام: وعلى هذا ينبغي أن لو اعترف فقال: كنت أطأ لقصد الولد عند مجيئها بالولد أن يثبت نسب ما أتت به وإن لم يقل هو ولدي لأن ثبوته بقوله: هو ولدي بناءاً على أن وطأه حينئذ لقصد الولد، وعلى هذا قال بعض فضلاء الدرس: ينبغي أنه لو أقرّ أنه كان لا يعزل عنها وحصنها أن يثبت نسبه من غير توقف دعواه، وإن كنا نوجب عليه في هذه الحالة الاعتراف به فلا حاجة إلى أن نوجب عليه الاعتراف ليعترف فيثبت نسبه بل يثبت نسبه ابتداءاً، وأظن أن لا بعد في أن يحكم على المذهب بذلك انتهى، وفي «المبسوط» أنه إذا تطاول الزمان ألحق به لأن التطاول دليل إقراره لأنه يوجد منه حينئذ ما يدل على الإقرار من قبول التهنئة ونحوه فيكون كالتصريح بإقراره. ومن مجموع ما ذكر يعلم ما في كلام المعترض، وأن للخصم عدم تسليمه لكن ذكر في «البحر» متعقباً: ظن بعض الفضلاء أنه لا يصح أن يحكم على المذهب به لتصريح أهله بخلافه، ونقل نص «البدائع» في ذلك، ثم قال فإن أراد الثبوت عند القاضي ظاهراً فقد صرحوا أنه لا بد من الدعوة مطلقاً، وإن أراد فيما بينه وبين الله تعالى فقد صرح في «الهداية» وغيرها بأن ما ذكرناه من اشتراط الدعوة إنما هو في القضاء إلى آخر ما ذكرناه لكن في «المجتبى» لا يصح إعتاق المجنون وتدبيره ويصح استيلاده، فهذا إن صح يستثنى من الحكم وهو مشكل انتهى، وعلى هذا يقال في المسألة التي ذكرها المعترض: المولود ولد للمولى في نفس الأمر لأنه مخلوق من مائة وولد الزنا كذلك وزيادة حيث انضم إلى ذلك الإقرار، والله سبحانه جعل مناط الحرمة البنوة وهي متحققة في مسألتنا فكيف يحل النكاح في نفس الأمر، وعدم ثبوت التوارث ونحوه كما قلنا كان إجماعاً، وعدم الاستلحاق قضاءاً إلا بالدعوى أمر آخر وراء تحقق البنوة في نفس الأمر فكم متحقق في نفس الأمر لا يقضى به وكم مقضى به غير متحقق في نفس الأمر ـ كما في خبر الفرس التي اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابـي وشهد له خزيمة لما أنكر الأعرابـي البيع ـ وقد حقق الكلام في بحث الاستيلاد في «فتح القدير» وغيره من مبسوطات كتب القوم، وما ذكر في إبطال العكس من مسألة تزوج المشرقي بمغربية فلا نسلم القطع فيها بأن الولد ليس مخلوقاً من مائه لثبوت كرامات الأولياء والاستخدامات فيتصور أن يكون الزوج صاحب خطوة أو جني، وأنه ذهب إلى المغرب فجامعها، ولولا قيام هذا الاحتمال مع قيام النكاح لم يلحق الولد به، ألا ترى كيف قال الأصحاب: لو جاءت امرأة الصبـي بولد لم يثبت نسبه منه لعدم تصور ذلك هناك والتصور شرط، وقيام الفراش وحده غير كاف على الصحيح، ولعل اعتبار هذه البنوة قضاءاً وإلا فحيث لم يكن الولد مخلوقاً من مائه لا يقال له ولد الزوج في نفس الأمر وإنما اعتبروا ذلك مع ضعف الاحتمال ستراً للحرائر وصيانة للولد عن الضياع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى في باب الاستيلاد أن الجارية إذا ولدت يثبت نسب الولد من المولى إذا أقر بوطئها مع العزل كما يثبت مع عدم العزل بل لو وطئها في دبرها يلزمه الولد عند مالك ومثله عن أحمد، وهو وجه مضعف للشافعية، / وقيل: إن بين هذه المسألة ومسألة تزويج المشرقي بمغربية بعداً كبعد ما بين المشرق والمغرب لأن الوطء هنا متحقق في الجملة من غير حاجة إلى قطع براري وقفار ولا كذلك هناك والله تعالى أعلم. والبنات جمع بنت في المشهور وصحح أن لامها واو كأخت وإنما رد المحذوف في أخوات ولم يرد في بنات حملاً لكل واحد من الجمعين على مذكره، فمذكر بنات لم يرد إليه المحذوف بل قالوا فيه بنون، ومذكر أخوات رد فيه محذوفه فقالوا في جمع أخ: إخوة وأخوات، وقد نظم الدنوشري السؤال فقال:شعر : أيها الفاضل اللبيب تفضل بجواب به يكون رشادي لفظ أخت ولفظ بنت إذا ما جمعا جمع صحة لا فساد فلأخت ترد لأم وأما لفظ بنت فلا فأوضح مرادي مع تعويضهم من اللام تاءاً فيهما لا برحت أهل اعتمادي تفسير : وقد أجاب هو رحمه الله تعالى عن ذلك بقوله:شعر : لفظ أخت له انضمام بصدر ناسب الواو فاكتسى بالمعاد تفسير : وقال أبو البقاء: التاء فيها ليست للتأنيث لأن تاء التأنيث لا يسكن ما قبلها، وتقلب هاءاً في الوقف فبنات ليس بجمع بنت بل بنه، وكسرت الباء تنبيهاً على المحذوف قاله الفراء، وقال غيره: أصلها الفتح وعلى ذلك جاء جمعها، ومذكرها وهو بنون، وإلى ذلك ذهب البصريون، وأما أخت فالتاء فيها بدل من الواو لأنها من الأخوة، والأخوات ينتظمن الأخوات من الجهات الثلاث، وكذا الباقيات لأن الاسم يشمل الكل ويدخل في العمات والخالات أولاد الأجداد والجدات وإن علوا، وكذا عمة جده وخالته وعمة جدته وخالاتها لأب وأم أو لأب أو لأم وذلك كله بالإجماع، وفي «الخانية» وعمة العمة لأب وأم أو لأب كذلك، وأما عمة العمة لأم فلا تحرم، وفي «المحيط»: وأما عمة العمة فإن كانت العمة القربى عمة لأب وأم أو لأب فعمة العمة حرام لأن القربى إذا كانت أخت أبيه لأب وأم أو لأب فإن عمتها تكون أخت جدة أب الأب وأخت أب الأب حرام لأنها عمته وإن كانت القربى عمة لأم فعمة العمة لا تحرم عليه لأن أب العمة يكون زوج أم أبيه فعمتها تكون أخت زوج الجدة أم الأب، وأخت زوج الأم لا تحرم، فأخت زوج الجدة أولى أن لا تحرم، وأما خالة الخالة فإن كانت الخالة القربى خالة لأب وأم أو لأم فخالتها تحرم عليه، وإن كانت القربى خالة لأب فخالتها لا تحرم عليه لأن أم الخالة القربى تكون امرأة الجد أب الأم لا أم أمه فأختها تكون أخت امرأة الأب وأخت امرأة الجد لا تحرم عليه انتهى، ولا يخفى أنه كما يحرم على الرجل أن يتزوج بمن ذكر يحرم على المرأة التزوج بنظير من ذكر. والظاهر أن هذا التحريم الذي دلت عليه الآية لم يثبت في جميع المذكورات في سائر الأديان، نعم ذكروا أن حرمة الأمهات، والبنات كانت ثابتة حتى في زمان آدم عليه السلام ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأديان، وقيل: إن زرادشت نبـي المجوس بزعمهم قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنه كان كذاباً، وعدم إيذاء الصفر المذاب له لأدوية كان يلطخ بها جسده ـ وقد شاهدنا من يحمل النار بيده بعد لطخها بأدوية مخصوصة ولا تؤذيه ـ وحينئذ لا يصلح أن يكون معجزة. وأما حل نكاح الأخوات فقد قيل: إنه كان مباحاً في زمان آدم عليه السلام للضرورة وكانت حواء عليها السلام تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فيأخذ ذكر البطن الثانية أنثى البطن الأولى، وبعض المسلمين ينكر ذلك ويقول: / إنه بعث الحور من الجنة حتى تزوج بهن أبناء آدم عليه السلام، ويرد عليه أن هذا النسل حينئذ لا يكون محض أولاد آدم وذلك باطل بالإجماع. {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} عطف على سابقه والرضاعة بفتح الراء مصدر رضع كسمع وضرب، ومثله الرضاعة بالكسر، والرضع بسكون الضاء وفتحها، والرضاع كالسحاب، والرضع كالكتف، وحكوا رضع ككرم، ورضاعاً كقتال، وقد تبدل ضاده تاءاً، ورضاعاً كسؤال لكن المضموم كالمراضعة تقتضي الشركة، ويقال: أرضعت المرأة فهي مرضع إذا كان لها ولد ترضعه فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة، ومعناها لغة مص الثدي، وشرعاً مص الرضيع من ثدي الآدمية في وقت مخصوص، وأرادوا بذلك وصول اللبن من ثدي المرأة إلى جوف الصغير من فمه أو أنفه في المدة الآتية سواء وجد مص أو لم يوجد، وإنما ذكروا المص لأنه سبب للوصول فأطلقوا السبب وأرادوا المسبب، وقد صرح في «الخانية» أنه لا فرق بين المص والسعوط ونحوه، وقيدوا بالآدمية ليخرج الرجل والبهيمة، وتفرد الإمام البخاري ـ وهو سبب فتنته في قول ـ فذهب فيما إذا ارتضع صبـي وصبية من ثدي شاة إلى وقوع الحرمة بينهما، وأطلقت لتشمل البكر والثيب الحية والميتة، وقيدنا بالفم والأنف ليخرج ما إذا وصل بالإقطار في الأذن والإحليل والجائفة والآمة بالحقنة في ظاهر الرواية، وخرج بالوصول ما لو أدخلت المرأة حلمة ثديها في فم رضيع ولا تدري أدخل اللبن في حلقه أم لا، لا يحرم النكاح لأن في المانع شكاً. وقد نزل الله سبحانه الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أماً للرضيع، والمراضعة أختاً، وكذلك زوج المرضعة أبوه وأبواه جداه وأخته عمته، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدته، وأختها خالته، وكل ولدها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأمه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: «حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب»تفسير : . وذهب كثير من المحققين كمولانا شيخ الإسلام وغيره إلى أن الحديث جار على عمومه وأما أم أخيه لأب وأخت ابنه لأم وأم أم ابنه وأم عمه وأم خاله لأب فليست حرمتهن من جهة النسب حتى يحل بعمومه ضرورة حلهن في صورة الرضاع بل من جهة المصاهرة، ألا يرى أن الأولى: موطوأة أبيه. والثانية: بنت موطوأته. والثالثة: أم موطوأته. والرابعة: موطوأة جده الصحيح. والخامسة: موطوأة جده الفاسد، ووقع في عبارة بعضهم استثناء صور بعد سوق الحديث، وأنهى في «البحر» المسائل المستثنيات إلى إحدى وثمانين مسألة، وأطال الكلام في هذا المقام، وأتى بالعجب العجاب. وظاهر الآية أنه لا فرق بين قليل الرضاع وهو ما يعلم وصوله إلى الجوف وكثيره في التحريم، وأما خبر مسلم «حديث : لا تحرم المصة والمصتان» تفسير : وما دل على التقدير فمنسوخ صرح بنسخه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قيل له: إن الناس يقولون: إن الرضعة لا تحرم فقال: كان ذلك ثم نسخ. وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: آل أمر الرضاع إلى أن قليله وكثيره يحرم، وروي عن ابن عمر أن القليل يحرم، وعنه أنه قيل له: إن الزبير يقول: لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال: قضاء الله تعالى خير من / قضاء ابن الزبير، وتلا الآية، وقال الشافعي عليه الرحمة على ما نقله أصحابنا عنه لا يثبت التحريم إلا بخمس رضعات مشبعات في خمسة أوقات متفاصلة عرفاً، وعن أحمد روايتان كقولنا وكقوله، واستدل على ذلك بما أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من حديث الزبير أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان»تفسير : ، ووجه الاستدلال بذلك أن المصة داخلة في المصتين والإملاجة في الإملاجتين، فحاصله لا تحرم المصتان ولا الإملاجتان فنفي التحريم على أربع فلزم أن يثبت بخمس. واعترضه ابن الهمام ((بأنه ليس بشيء، أما أولاً: فلأن مذهب الشافعي ليس التحريم بخمس مصات بل بخمس مشبعات في أوقات، وأما ثانياً: فلأن المصة [غير الإملاجة فإن المصة] فعل الرضيع والإملاجة الإرضاعة فعل المرضعة، فحاصل المعنى أنه صلى الله عليه وسلم نفى كون الفعلين محرمين منه ومنها ثم حقق أن ما في هذه الرواية لا ينبغي أن يكون حديثاً واحداً بأن الإملاج ليس حقيقة المحرم بل لازمه من الارتضاع فنفي تحريم الإملاج نفي تحريم لازمه فليس الحاصل من لا تحرم الإملاجتان إلا لا يحرم لازمهما أعني المصتين فلو جمعا في حديث [واحد] كان الحاصل لا تحرم المصتان (ولا المصتان) فلزم أن لا يصح أن يراد إلا المصتان لا الأربع، وعلى هذا يجب كون الراوي وهو الزبير رضي الله تعالى عنه ـ أراد أن يجمع بين ألفاظه صلى الله عليه وسلم التي سمعها منه في وقتين كأنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تحرم المصة والمصتان» تفسير : وقال أيضاً: «حديث : لا تحرم الإملاجة والإملاجتان»تفسير : . وقيل في وجه الاستدلال طريق آخر، وهو أن الحديث ناف لما ذهب إليه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه فيثبت به مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لعدم القائل بالفصل، واعترض بأن القائل بالفصل أبو ثور وابن المنذر وداود وأبو عبيد، وهؤلاء أئمة الحديث قالوا: المحرم ثلاث رضعات، والقول بعدم اعتبار قولهم في حيز المنع لقوة وجهه بالنسبة إلى وجه قول الشافعي. واستدل بعض أصحابه على هذا المطلب بما رواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن فتوفي النبـي صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن... وفي رواية أنه كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تشاغلنا بموته فدخلت دواجن فأكلتها... وبما روي عن عائشة أيضاً قالت: جاءت سهلة بنت سهيل امرأة أبـي حذيفة إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبـي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرضعي سالماً خمساً تحرمي بها عليه»تفسير : والجواب أن جميع ذلك منسوخ كما صرح بذلك ابن عباس فيما مر. ويدل على نسخ ما في خبر عائشة الأول أنه لو لم يكن منسوخاً لزم ضياع بعض القرآن الذي لم ينسخ والله تعالى قد تكفل بحفظه، وما في الرواية لا ينافي النسخ لجواز أن يقال: إنها رضي الله تعالى عنها أرادت أنه كان مكتوباً ولم يغسل بعد للقرب حتى دخلت الدواجن فأكلته، والقول بأن ما ذكر إنما يلزم منه نسخ التلاوة فيجوز أن تكون التلاوة منسوخة مع بقاء الحكم ـ كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ـ ليس بشيء لأن ادعاء بقاء حكم الدال بعد نسخه يحتاج إلى دليل وإلا فالأصل أن نسخ الدال يرفع حكمه، وما نظر به لولا ما علم بالسنة، والإجماع لم يثبت به، ثم الذي نجزم به في حديث سهلة أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يشبع سالماً خمس شبعات في خمسة أوقات متفاصلات جائعاً لأن الرجل لا يشبعه من اللبن رطل ولا رطلان فأين تجد الآدمية في ثديها / قدر ما يشبعه هذا محال عادة، فالظاهر أن معدود (خمس فيه إن صح أنها من الخبر) المصات ثم كيف جاز أن يباشر عورتها بشفتيه فلعل المراد أن تحلب له شيئاً مقداره مقدار خمس مصات فيشربه ـ كما قال القاضي ـ وإلا فهو مشكل، (وقد يقال): هو منسوخ من وجه آخر)) لأنه يدل على أن الرضاع في الكبر يوجب التحريم لأن سالماً كان إذ ذاك رجلاً وهذا مما لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة فإن مدة الرضاع التي يتعلق به التحريم ثلاثون شهراً عند الإمام الأعظم، وسنتان عند صاحبيه ومستندهما قوي جداً، وإلى ذلك ذهب الأئمة الثلاثة، وعن مالك: سنتان وشهر، وفي رواية أخرى شهران، وفي أخرى سنتان وأيام، وفي أخرى ما دام محتاجاً إلى اللبن غير مستغن عنه، وقال: زفر ثلاث سنين، نعم قال بعضهم: خمس عشرة سنة، وقال آخرون: أربعون سنة، وقال داود: الإرضاع في الكبر محرم أيضاً، ولا حدّ للمدة ـ وهو مروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها ـ وكانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم كلثوم أو بعض بنات أختها أن ترضعه، وروى مسلم عن أم سلمة وسائر أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم أنهن خالفن عائشة في هذا، وعمدة من رأى رأيها في هذا الباب خبر سهلة مع أن الآثار الصحيحة على خلافه، فقد صح مرفوعاً وموقوفاً «حديث : لا رضاع إلا ما كان في حولين»تفسير : وفي «الموطأ». و «سنن أبـي داود» عن يحيـى بن سعيد «أن رجلاً سأل أبا موسى الأشعري فقال: إني مصصت من امرأتي ثديها لبناً فذهب في بطني فقال: أبو موسى لا أراها إلا قد حرمت عليك فقال ابن مسعود انظر ما تفتي به الرجل فقال أبو موسى: فما تقول أنت؟ فقال ابن مسعود: لا رضاع إلا في حولين، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم، وفيه عن ابن عمر جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: كانت لي وليدة فكنت أصيبها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت: دونك قد والله أرضعتها قال عمر: أرجعها وأت جاريتك فإنما الرضاعة رضاعة الصغر، وروى الترمذي ـ وقال حديث صحيح ـ من حديث أم سلمة أنه قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحرم من الرضاع إلا فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام»تفسير : وفي «سنن أبـي داود» من حديث ابن مسعود يرفعه «حديث : لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظم تفسير : حتى إن عائشة نفسها رضي الله تعالى عنها روت ما يخالف عملها، ففي «الصحيحين» عنها أنها قالت: «حديث : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي رجل فقال: يا عائشة من هذا؟ فقلت: أخي من الرضاعة فقال: يا عائشة أنظرن من إخوانكم إنما الرضاعة من المجاعة» تفسير : واعتبر مرويها دون رأيها لظهور غفلتها فيه وعدم وقوع اجتهادها على المحز، ولهذا قيل: يشبه أنها رجعت كما رجع أبو موسى لما تحقق عندها النسخ؛ وحمل كثير من العلماء حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم، وجعلوا أيضاً العفو عن مباشرة العورة من الخواص. هذا ومن غرائب ما وقفت عليه مما يتعلق بهذه الآية عبارة من مقامة للعلامة السيوطي رحمه الله تعالى سماها ـ «الدوران الفلكي على ابن الكركي» ـ وفيها يخاطب الفاضل المذكور بما نصه: ماذا صنعت بالسؤال المهم الذي دار في البلد ولم يجب عنه أحد، وهو الفرق بين قوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} وبين ما لو قيل: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم حيث رتب على الأول خمس رضعات واردة، ولو قيل: الثاني لاكتفى برضعة واحدة، ولقد ورد عليّ وسيق إلي فلم أكتب عليه مع أن جوابه نصب عيني، وعتيد لدي لا يحول شيء بينه وبيني لأنظر هل من رجل رشيد أو أحد له في العلم قصر مشيد هلا أبدعت فيه جواباً مسدداً، ونوعت فيه طرائق قدداً، / واتخذت بذلك على دعوى العلم ساعداً وعضداً، وها له نحو عامين ما حلاه أحد بحرف، ولا رمقه ناظر بطرف ولا أودعه ذو ظرف بظرف، ولو شئت أنا لكتبت عليه عدة مؤلفات ولسطرت فيه خمس مصنفات، بسيط حريز، ووسيط غريز، ومختصر وجيز، ومنظومة ذات تطريز، ومقامة إنشاء كأنها ذهب إبريز انتهى كلامه. وأقول: لعل الفرق أنه سبحانه لما ذكر {أُمَّهَـٰتِكُمْ} في هذه الآية معطوفاً على ما تقدم في الآية السابقة وفيها تحريم الأمهات بقي الذهن مشرئباً إلى بيان الفارق بين هذه الأمهات وتلك الأمهات فأتى سبحانه بقوله: {اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} بياناً لذلك دافعاً لتوهم التكرار فكان قيد الإرضاع الواقع صلة معتناً به أتم اعتناء، ومما يترتب على هذا الاعتناء اعتباره أينما لوحظ، وقد لوحظ في الآية خمس مرات الأولى: حين أتى به فعلاً، والثانية: حين أسند إلى الفاعل أعني ضمير النسوة، والثالثة: حين تعلق بالمفعول أعني ضمير المخاطبين، والرابعة: حين جعل جزء الجملة الواقعة صلة الموصول، والخامسة: حين جعل اللاتي صفة أمهاتكم لأن وصفيته لها باعتبار الصلة بلا شبهة فهذه خمس ملاحظات للإرضاع في هذا التركيب تشير إلى أن ما به تحصل الأمومة خمس رضعات، وهذا أحد الأسرار لاختيار هذا التركيب مع إمكان تراكيب غيره لعل بعضها أخصر منه، وكثيراً ما وقع في القرآن تراكيب وتعبيرات يشار بها إلى أمور واقعية بينها وبين ما في تلك التعبيرات مناسبة مثل ما وقع في قوله تعالى: {أية : وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [البقرة: 228] من الاحتباك المشير إلى ما بين الزوجين من الائتلاف، وما وقع في قوله تعالى: {أية : أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} تفسير : [البقرة: 282] من الإدغام في يمل المشير إلى حال الفاعل وهو الأخرس المعقود اللسان في كثير من الأقوال، وما وقع في قوله تعالى: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ} تفسير : [الأنبياء: 33] من عدم الاستحالة بالانعكاس المشير إلى كرية الأفلاك في رأي إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وليس هذا من باب الاستدلال بل من باب الإشارة المقوية له، ألا ترى أنه لم يستدل أحد ممن ذهب إلى اشتراط الخمس بهذه الآية ولكن استدلوا عليه بورود الخمس في الأخبار، وإلى ذلك تشير عبارة الجلال السيوطي رحمه الله تعالى، وهذه الإشارة مفقودة في القول المفروض أعني واللاتي أرضعنكم أمهاتكم، لأن العطف فيه لا يوهم التكرار لعدم تقدم نظيره فلا يشرأب الذهن إلى ما يذكر بعد كما اشرأب فيما ذكر قبل، فلا داعي لاعتباره أينما لوحظ كما كان كذلك هناك بل يكفي اعتباره مرة واحدة وهي أدنى ما تتحقق به الماهية لا سيما وقد ذكر بعد أمهاتكم على أنه بدل والبدل كما قالوا: هو المقصود بالنسبة على نية تكرار العامل المفيد لتقرير معنى الكلام وتوكيده، وهذا التوكيد أيضاً مشعر بوحدة الإرضاع لأن التحريم بالرضعة الواحدة مما يكاد يستبعد فيحتاج إلى توكيده بخلاف الرضعات العديدة. وقد رأيت في بعض نسخ «شرح صحيح مسلم» للإمام النووي بعد ذكر استدلال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه على دعوى ثبوت الحرمة برضعة واحدة بقوله تعالى: {وَأُمَّهَـٰتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} حيث لم يذكر عدداً ما نصه: ((واعترض أصحاب الشافعي على المالكية فقالوا: إنما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم أمهاتكم)) انتهى، ولم يصرح رحمه الله تعالى بأن الآية التي استدل بها المالكية مشعرة بالخمس بل اقتصر على أن الدلالة على الواحدة لا تحصل بها وأراد أن ما أشرنا إليه من الإشعار القوي إلى التعدد يأبـى حمل الماهية على أقل ما تتحقق فيه، وفي بعض نسخ ذلك الشرح ـ واعترض أصحاب الشافعي على المالكية ـ فقالوا: إنما كانت تحصل لكم الدلالة لو كانت الآية واللاتي أرضعنكم وأمهاتكم بواو بين أرضعنكم وبين أمهاتكم والظاهر أنها غلط من الناسخ، والتزام توجيهها تعسف رأينا تركه ربحاً. / هذا ما ظهر لنظري القاصر وفكري الفاتر، ولقد سألت بالرفق عن هذا الفرق جمعاً من علماء عصري، وراجعت لشرح ذلك المتن جميع الفضلاء الذين تضمنتهم حواشي مصري فلم أر من نطق ببنت شفة ولا من ادعى في حل ذلك الإشكال معرفة مع أن منهم من خضعت له الأعناق، وطبقت فضائله الآفاق، وما رأيت من المروة أن أمهلهم حتى ينقر في الناقور أو أنتظر بنات أفكارهم إلى أن يلد البغل العاقور الباقور؛ فكتبت ما ترى ولست على يقين أنه الأولى والأحرى فتأمل، فلمسلك الذهن اتساع والحق أحق بالاتباع. {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ} شروع في بيان المحرمات من جهة المصاهرة إثر بيان المحرمات من جهة الرضاعة التي لها لحمة كلحمة النسب. والمراد بالنساء المنكوحات على الإطلاق سواء كن مدخولاً بهن أو لا وهو مجمع عليه عند الأئمة الأربعة لكن يشترط أن يكون النكاح صحيحاً أما إذا كان فاسداً فلا تحرم الأم إلا إذا وطىء بنتها، أخرج البيهقي في «سننه». وغيره من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالابنة أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة»تفسير : وإلى ذلك ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وعن ابن عباس روايتان، فقد أخرج ابن المنذر عنه أنه قال: «النساء مبهمة إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها». وأخرج هو أيضاً عن مسلم بن عويمر أنه قال: نكحت امرأة فلم أدخل بها حتى توفي عمي عن أمها فسألت ابن عباس فقال: انكح أمها، وعن زيد بن ثابت أيضاً روايتان، فقد أخرج مالك عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ففارقها قبل أن يمسها هل تحل له أمها؟ فقال: لا الأم مبهمة ليس فيها شرط إنما الشرط في الربائب. وأخرج ابن جرير وجماعة عنه أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإذا طلقها قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها، وحكي عن ابن مسعود كان يفتي بحل أم الإمرأة إذا لم يكن دخل ببنتها ثم رجع عن ذلك، فقد أخرج مالك عنه أنه استفتي بالكوفة عن نكاح الأم بعد البنت إذا لم تكن البنت مست فأرخص في ذلك، ثم إنه قدم المدينة فسئل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإن الشرط في الربائب فرجع إلى الكوفة فلم يصل إلى بيته حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارقها. وأخرج ابن أبـي حاتم عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سئل في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلقها أو تموت قبل أن يدخل بها هل تحل له أمها؟ فقال: هي بمنزلة الربيبة، وإلى ذلك ذهب ابن الزبير ومجاهد، ويدخل في لفظ الأمهات الجدات من قبل الأب والأم وإن علون وإن كانت امرأة الرجل أمة فلا تحرم أمها إلا بالوطء أو دواعيه لأن لفظ النساء إذا أضيف إلى الأزواج كان المراد منه الحرائر كما في الظهار والإيلاء، وقرىء (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن). {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} الربائب جمع ربيبة ورب وربـى بمعنى، والربيب فعيل بمعنى مفعول، ولما ألحق بالأسماء الجامدة جاز لحوق التاء له وإلا ففعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وهذا معنى قولهم: إن التاء للنقل إلى الاسمية، والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه غالباً كما يرب ولده، والحجور جمع حجر بالفتح والكسر، وهو في اللغة حضن الإنسان أعني ما دون إبطه إلى الكشح، وقالوا: فلان في حجر فلان أي في كنفه ومنعته وهو المراد في الآية، ووصف الربائب بكونهن في الحجور مخرج مخرج الغالب والعادة إذ الغالب كون البنت مع الأم عند الزوج، وفائدته تقوية علة الحرمة [وتكميلها] كما أنها النكتة في إيرادهن باسم الربائب دون بنات النساء، وقيل: ذكر ذلك للتشنيع عليهم نحو {أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً} / في قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً} تفسير : [آل عمران: 130] ولولا ما ذكر لثبتت الإباحة عند انتفائه بدلالة اللفظ في غير محل النطق عند من يعتبر مفهوم المخالفة وبالرجوع إلى الأصل وهو الإباحة عند من لا يعتبر المفهوم لأن الخروج عنه إلى التحريم مقيد بقيد فإذا انتفى القيد رجع إلى الأصل لا بدلالة اللفظ، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه يقول بحل الربيبة إذا لم تكن في الحجر؛ فقد أخرج عبد الرزاق وابن أبـي حاتم بسند صحيح عن مالك بن أوس قال: «كانت عندي امرأة فتوفيت وقد ولدت لي فوجدت عليها فلقيني عليّ بن أبـي طالب كرم الله تعالى وجهه فقال: مالك؟ فقلت: توفيت المرأة فقال: لها بنت؟ قلت: نعم وهي بالطائف قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا قال: انكحها قلت: فأين قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك» وإلى هذا ذهب داود، والأول مذهب الجمهور، وإليه رجع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، ويدخل في الحرمة بنات الربيبة والربيب وإن سفلن لأن الاسم يشملهن بخلاف الأبناء والآباء لأنه اسم خاص بهن فلذا جاز التزوج بأم زوجة الإبن وبنتها، وجاز للابن التزوج بأم زوجة الأب وبنتها. وقال بعض المحققين: إن ثبوت حرمة المذكورات بالإجماع. {مّن نِّسَائِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} الجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من {ربائبكم} أو من ضميرها المستكن في الظرف أي اللاتي استقررن في حجوركم كائنات من نسائكم الخ، و اللاتي صفة للنساء المذكور قبله، وهي للتقييد إذ ربيبة الزوجة الغير المدخول بها ليست بحرام ولا يجوز كون الجار حالاً من أمهات أيضاً، أو مما أضيفت هي إليه ضرورة أن الحالية من ربائبكم أو من ضميره يقتضي كون من ابتدائية وحاليته من أمهات، أو من نسائكم يستدعي كونها بيانية، وادعاء كونها اتصالية كما في قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنت مني بمنزلة هارون من موسى» تفسير : وقوله:شعر : إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست مني تفسير : وهو معنى ينتظم الابتداء والبيان فيتناول اتصال الأمهات بالنساء لأنهن والدات، وبالربائب لأنهن مولودات، أو جعل الموصول صفة للنساءين مع اختلاف عامليهما لأن النساء المضاف إليه أمهات مخفوض بالإضافة، والمجرور بمن بها بعيد جداً بل ينبغي أن ينزه ساحة التنزيل عنه، وأما القراءة فضعيفة الرواية، وعلى تقدير الصحة محمولة على النسخ كما قاله شيخ الإسلام، والباء من {بِهِنَّ} للتعدية، وفيها معنى المصاحبة أو بمعنى مع أي دخلتم معهن الستر، وهو كناية عن الجماع ـ كبنى عليها، وضرب عليها الحجاب ـ وكثير من الناس يقول: بنى بها، ووهمهم الحريري ـ وهو وهم ـ واللمس ونظائره في حكم الجماع عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، قال بعض الفضلاء: واعترض بأن ما ذهب إليه لا مجال له لأن صريح الآية غير مراد قطعاً بل ما اشتهر من معناها الكنائي فما قاله إن أثبت بالقياس فهو مخالف لصريح معنى الشرط، وإذا جاء نهر الله تعالى بطل نهر معقل، وإن أثبت بالحديث وهو غير مشهور لم يوافق أصوله، ويدفع بأنه من صريح النص لأن باء الإلصاق صريحة فيه لأنه يقال: دخل بها إذا أمسكها وأدخلها البيت فإن قلت: هب أن الكناية لا يشترط فيها القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة لكن تلزم إرادته كما حقق في المعاني فلا دلالة للآية عليه أجيب: بأنه وإن لم يلزم إرادته لكن لا مانع منه عند قيام قرينة على إرادته، وكفى بالآثار قرينة، ومنها ما روي من طريق ابن وهب عن أبـي أيوب عن ابن جريج «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال في الذي / يتزوج المرأة فيغمز لا يزيد على ذلك لا يتزوج ابنتها» تفسير : وهو مرسل ومنقطع إلا أن هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرجال ثقات فلذا أدرجوه في مدلول النظم، وروي عن ابن عمر أنه قال: «إذا جامع الرجل المرأة أو قبلها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وبنتها». فإن قلت هب أنه يدخل اللمس في صريحه فكيف يدخل نظيره فيه؟ أجيب بأنه داخل بدلالة النص، وما ذكر من مخالفة صريح الشرط مبني على اعتبار مفهوم الشرط، ونحن لا نقول به مع أنه غير عام، وبتقدير عمومه لا يبعد القول بالتخصيص فتدبر. والزنا في الفرج محرم عندنا فمن زنى بامرأة حرمت عليه بنتها خلافاً للشافعي حيث ذهب إلى أن الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة لأنها نعمة فلا تنال بمحظور، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يحرم الحرام الحلال» تفسير : ولنا أن الوطء سبب للولد فيتعلق به التحريم قياساً على الوطء الحلال، ووصف الحل لا دخل له في المناط فإن وطء الأمة المشتركة وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها وأمته المجوسية والحائض والنفساء ووطء المحرم والصائم كله حرام، وتثبت به الحرمة المذكورة، ويدل ذلك على أن المعتبر في الأصل هو ذات الوطء من غير نظر لكونه حلالاً أو حراماً. وروي حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله إني زنيت بامرأة في الجاهلية أفأنكح ابنتها فقال صلى الله عليه وسلم: «لا أرى ذلك ولا يصلح أن تنكح امرأة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها»تفسير : ، وهذا إن كان فيه إرسال وانقطاع لكن جئنا به في مقابلة خبرهم وقد طعن فيه المحدثون، وذكره عبد الحق عن ابن عمر ثم قال: في إسناده إسحاق بن أبـي فروة وهو متروك على أنه غير مجرى على ظاهره، أرأيت لو بال أو صب خمراً في ماء قليل ألم يكن حراماً مع أنه يحرم استعماله فيجب كون المراد منه أن الحرام لا يحرم باعتبار كونه حراماً وحينئذ نقول بموجبه إذ لم نقل بإثبات الزنا حرمة المصاهرة باعتبار كونه زنا بل باعتبار كونه وطءاً، وأجاب صاحب «الهداية» عن قولهم في تعليل كون الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة بأنه نعمة فلا تنال بمحظور ((بأن الوطء محرم من حيث إنه سبب الولد لا من حيث (ذاته ولا من حيث) إنه زنا))، وفي «فتح القدير» أن هذا القول ((مغلطة فإن النعمة ليست التحريم من حيث هو تحريم لأنه تضييق ولذا اتسع الحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (نعمة) من الله سبحانه وتعالى بل من حيث هو يترتب على المصاهرة فحقيقة النعمة هي المصاهرة لأنها [هي] التي تصير الأجنبي قريباً [و] عضداً وساعداً يهمه ما أهمك ولا مصاهرة بالزنا، فالصهر زوج البنت مثلاً لا من زنا ببنت الإنسان فانتفت الصهرية وفائدتها أيضاً إذ الإنسان ينفر من الزاني ببنته فلا يتعرف به بل يعاديه فأنى ينتفع به، (والمنقولات متكافئة) فالمرجع القياس، وقد بينا فيه إلغاء وصف زائد على كونه وطأً))، وتمام الكلام في المبسوطات من كتب أئمتنا. {فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ} أي فيما قبل {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي بأولئك النساء أمهات الربائب {فَلا جُنَاحَ} أي فلا إثم {عَلَيْكُمْ} أصلاً في نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبله، وفيه دفع توهم أن قيد الدخول كقيد الكون في الحجور، والفاء الأولى لترتيب ما بعدها على ما قبلها على طرز ما مر، وفي الاقتصار في بيان نفي الحرمة على نفي الدخول إشارة إلى أن المعتبر في الحرمة إنما هو الدخول دون كون الربائب في الحجور، وإلا لقيل: فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم أو فإن لم تكونوا دخلتم بهن أو لسن في حجوركم جرياً على العادة في إضافة نفي الحكم إلى نفي تمام العلة المركبة أو أحد جزأيها الدائر، وإن صح إضافته إلى نفي جزئها المعين لكنه خلاف المستمر من الاستعمال. {وَحَلَـٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ} أي زوجاتهم جمع حليلة سميت الزوجة بذلك لأنها تحل / مع زوجها في فراش واحد، أو لأنها تحل معه حيث كان فهي فعلية بمعنى فاعلة، وكذا يقال للزوج حليل. وقيل: اشتقاقهما من الحل لحل كل منهما إزار صاحبه، وقيل: من الحل إذ كل منهما حلال لصاحبه ففعيل بمعنى مفعول، والتاء في حليلة لإجرائها مجرى الجوامد ولو جعل فعيل في جانب الزوج بمعنى فاعل، وفي جانب الزوجة بمعنى مفعول كان فيه نوع لطافة لا تخفى، والآية ظاهرة في تحريم الزوجة فقط، وأما حرمة من وطئها الابن ممن ليس بزوجة فبدليل آخر، وقال ابن الهمام: «إن اعتبر الحليلة من حلول الفراش أو حل الإزار تناولت الموطوأة بملك اليمين أو شبهة أو زنا فيحرم الكل على الآباء وهو الحكم الثابت عندنا... ولا يتناول المعقود عليها للابن أو بنيه وإن سفلوا قبل الوطء والفرض أنها بمجرد العقد تحرم على الآباء وذلك باعتباره من الحل بالكسر، وقد قام الدليل على حرمة المزني بها للابن على الأب فيجب اعتباره في أعم من الحل والحل، ثم يراد بالأبناء الفروع فتحرم حليلة الابن السافل على الجد الأعلى [من النسب])) وكذا ابن البنت وإن سفل، والظاهر من كلام اللغويين أن الحليلة الزوجة كما أشرنا إليه، واختار بعضهم إرادة المعنى الأعم الشامل لملك اليمين ليكون السر في التعبير بها هنا دون الأزواج أو النساء أن الرجل ربما يظن أن مملوكة ابنه مملوكة له بناءاً على أن الولد وماله لأبيه فلا يبالي بوطئها وإن وطئها الابن فنبهوا على تحريمها بعنوان صادق عليها وعلى الزوجة صدق العام على أفراده للإشارة إلى أنه لا فرق بينهما فتدبر، وحكم الممسوسات ونحوهن حكم اللاتي وطئهن الأبناء. {ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ} صفة للأبناء، وذكر لإسقاط حليلة المتبنى، وعن عطاء أنها نزلت حين تزوج النبـي صلى الله عليه وسلم امرأة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه فقال المشركون في ذلك، وليس المقصود من ذلك إسقاط حليلة الابن من الرضاع فإنها حرام أيضاً كحليلة الإبن من النسب. وذكر بعضهم فيه خلافاً للشافعي رضي الله تعالى عنه والمشهور عنه الوفاق في ذلك. {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} في حيز الرفع عطف على ما قبله من المحرمات، والمراد جمعهما في النكاح لا في ملك اليمين، ولا فرق بين كونهما أختين من النسب أو الرضاعة حتى قالوا: لو كان له زوجتان رضيعتان أرضعتهما أجنبية فسد نكاحهما. وحكي عن الشافعي أنه يفسد نكاح الثانية فقط ولا يحرم الجمع بين الأختين في ملك اليمين، نعم جمعهما في الوطء بملك اليمين ملحق به بطريق الدلالة لاتحادهما في المدار فيحرم عند الجمهور، وعليه ابن مسعود. وابن عمر، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم. واختلفت الرواية عن علي كرم الله تعالى وجهه، فأخرج البيهقي وابن أبـي شيبة عنه أنه سئل عن رجل له أمتان أختان وطىء إحداهما ثم أراد أن يطأ الأخرى قال: لا حتى يخرجها من ملكه، وأخرجا من طريق أبـي صالح عنه أنه قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية ولا آمر ولا أنهى ولا أحلل ولا أحرم ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي، وروى عبد بن حميد عن ابن عباس أن الجمع مما لا بأس به، وحكي مثله عن عثمان رضي الله تعالى عنه، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ما أحب أن أجيز الجمع ونهى السائل عنه، وزعم بعضهم أن الظاهر أن القائل بالحل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم رجع إلى قول الجمهور، وإن قلنا بعدم الرجوع فالإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق، وإنما يتم إذا لم يعتد بخلاف أهل الظاهر وبتقدير عدمه فالمرجح التحريم عند المعارضة، وإذا تزوج أخت أمته الموطوأة صح النكاح وحرم وطء واحدة منهما حتى يحرم الموطوأة على نفسه بسبب من الأسباب فحينئذ يطأ المنكوحة لعدم الجمع ـ كالبيع كلاً أو بعضاً ـ والمتزوج / الصحيح والهبة مع التسليم والإعتاق كلاً أو بعضاً والكتابة ـ ولو تزوج الأخت نكاحاً فاسداً لم تحرم عليه أمته الموطوأة إلا إذا دخل بالمنكوحة فحينئذ تحرم الموطوأة لوجود الجمع بينهما حقيقة، ولا يؤثر الإحرام والحيض والنفاس والصوم وكذا الرهن والإجارة والتدبير لأن فرجها لا يحرم بهذه الأسباب، وإذا عادت الموطوأة إلى ملكه بعد الإخراج سواء كان بفسخ أو شراء جديد لم يحل وطء واحدة منهما حتى يحرم الأمة على نفسه بسبب كما كان أولا، وظاهر قولهم: لا يحل الوطء حتى يحرم أن النكاح صحيح، وقد نصوا على ذلك وعللوه بصدوره عن أهله مضافاً إلى محله، وأورد عليه أن المنكوحة موطوأة حكماً باعترافهم فيصير بالنكاح جامعاً وطءاً حكماً وهو باطل، ومن هنا ذهب بعض المالكية إلى عدم الصحة، وأجيب بأن لزوم الجمع بينهما وطءاً حكما ليس بلازم لأن بيده إزالته فلا يضر بالصحة ويمنع من الوطء بعدها لقيامه إذ ذاك وإسناد الحرمة إلى الجمع لا إلى الثانية بأن يقال: وأخوات نسائكم للاحتراز عن إفادة الحرمة المؤبدة كما في المحرمات السابقة، ولكونه بمعزل عن إفادة حرمة الجمع على سبيل المعية، ويشترك في هذا الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها ونظائر ذلك فإن مدار حرمة الجمع بين الأختين إفضاؤه خلافاً لما في «المبسوط» إلى قطع ما أمر الله تعالى بوصله كما يدل عليه ما أخرجه الطبراني من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» تفسير : وما رواه أبو داود في «مراسيله» عن عيسى بن طلحة قال: حديث : نهى النبـي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة» تفسير : وذلك متحقق في الجمع بين من ذكرنا بل أولى فإن العمة والخالة بمنزلة الأم فقوله صلى الله عليه وسلم مبالغاً في بيان التحريم: «حديث : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أختها ولا على ابنة أخيها»تفسير : من قبيل بيان التفسير لا بيان التعبير عند بعض المحققين. وقال آخرون: إن الحديث مشهور فقد ثبت في «صحيحي مسلم وابن حبان»، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وتلقاه الصدر الأول بالقبول من الصحابة. والتابعين، ورواه الجم الغفير منهم أبو هريرة وجابر وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وأبو سعيد الخدري، فيجوز تخصيص عموم قوله تعالى: {أية : وَأُحِلَّ لكَمْ مَا وراءَ ذٰلِكُمْ}تفسير : [النساء: 24] بل لو كان من أخبار الآحاد جاز التخصيص به غير متوقف على كونه مشهوراً، وقال ابن الهمام: الظاهر أنه لا بد من ادعاء الشهرة لأن الحديث موقعه النسخ لا التخصيص، وبينه في «فتح القدير» فارجع إليه. {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناء منقطع. وقصد المبالغة والتأكيد هنا غير مناسب للتذييل بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} لأن الغفران والرحمة لا يناسب تأكيد التحريم. والمراد مما سلف ما مضى قبل النهي فإنهم كانوا يجمعون به الأختين، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه حديث : عن فيرز الديلمي أنه أدركه الإسلام وتحته أختان فقال له النبـي صلى الله عليه وسلم: «طلق أيتهما شئت»تفسير : ، وقال عطاء والسدي: معناه إلا ما كان من يعقوب عليه السلام إذ جمع بين الأختين، ليا أم يهودا وراحيل أم يوسف عليه السلام، ولا يساعده التذييل لما أن ما فعله يعقوب عليه السلام إن صح كان حلالاً في شريعته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله تعالى إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، وروي مثله عن محمد بن الحسن وأنه قال: ألا يرى أنه قد عقب النهي عن كل منهما بقوله سبحانه: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} وهذا ـ كما قال شيخ الإسلام ـ يشير إلى كون الاستثناء فيهما على سنن واحد ويأباه اختلاف ما بعدهما.

ابن عاشور

تفسير : تخلّص إلى ذكر المحرّمات بمناسبة ذكر تحريم نكاح ما نكح الآباء وغُيِّر أسلوب النهي فيه لأنّ (لا تفعل) نهي عن المضارع الدالّ على زمن الحال فيؤذن بالتلبّس بالمنهي، أو إمكان التلبّس به، بخلاف {حرمت} فيدلّ على أنّ تحريمه أمر مقرّر، ولذلك قال ابن عباس: «كان أهل الجاهلية يحرّمون ما يحرّم الإسلام إلا امرأة الأب والجمعَ بين الأختين» فمن أجل هذا أيضاً نجد حكم الجمع بين الأختين عُبّر فيه بلفظ الفعل المضارع فقيل: {وأن تجمعوا بين الأختين}. وتعلُّقُ التحريم بأسماء الذوات يُحمل على تحريم ما يُقصد من تلك الذات غالباً فنحو {حرمت عليكم الميتة} إلخ معناه حُرّم أكلها، ونحو: حرّم الله الخمر، أي شربها، وفي {حرمت عليكم أمهاتكم} معناه تزوجهنّ. والأمّهات جمع أُمَّةٍ أو أُمَّهةٍ، والعرب أماتوا أمَّهة وأمَّه وأبقوا جمعه، كما أبْقوا أُمّ وأماتوا جمعه، فلم يسم منهم الأمَّا، وورد أُمَّة نادراً في قول قول شاعر أنشده ابن كيسان: شعر : تقبلتَها عن أمَّةٍ لكَ طَالما تُنوزعَ في الأسواق منها خمارُها تفسير : وورد أمهة نادراً في بيت يُعزى إلى قصي بن كلاب:شعر : عند تناديهم بهَالٍ وهَبي أمَّهَتي خِندفُ وإليَاسُ أبي تفسير : وجاء في الجمع أمَّهات بكثرة، وجاء أمَّات قليلاً في قول جرير:شعر : لقد ولدَ الأخيطلَ أمُّ سوء مقلَّدة من الأمَّات عارا تفسير : وقيل: إنّ أمَّات خاصّ بما لا يعقل، قال الراعي:شعر : كانت نَجَائبُ مُنْذِر ومُحَرّق أمَّاتهنّ وطرقُهُنّ فَحيلا تفسير : فيحتمل أنّ أصل أم أمَّا أو أمَّها فوقع فيه الحذف ثمّ أرجعوها في الجمع. ومن غريب الاتّفاق أنّ أسماء أعضاء العائلة لم تجر على قياس مثل أب، إذ كان على حرفين، وأخ، وابن، وابنة، وأحسب أنّ ذلك من أثر أنّها من اللُّغة القديمة التي نطق بها البشر قبل تهذيب اللغة، ثمّ تطوّرت اللُّغةُ عليها وهي هي. والمراد من الأمهات وما عطف عليها الدنيا وما فوقها، وهؤلاء المحرّمات من النسب، وقد أثبت الله تعالى تحريم مَنْ ذكَرَهنّ، وقد كنّ محرّمات عند العرب في جاهليتها، تأكيداً لذلك التحريم وتغليظاً له، إذ قد استقرّ ذلك في الناس من قبل، فقد قالوا ما كانت الأمّ حلالا لابنها قطّ من عهد آدم عليه السلام، وكانت الأخت التوأمة حراماً وغيرُ التوامة حلالا، ثمّ حرّم الله الأخوات مطلقاً من عهد نوح عليه السلام، ثم حرّمت بنات الأخ، ويوجد تحريمهنّ في شريعة موسى عليه السلام، وبقي بنات الأخت حلالا في شريعة موسى، وثبت تحريمهنّ عند العرب في جاهليتها فيما روى ابن عطية في تفسيره، عن ابن عباس: أنّ المحرّمات المذكورات هنا كانت مُحرّمة في الجاهلية، إلاّ امرأة الأب، والجمعَ بين الأختين. ومثله نقله القرطبي عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة مع زيادة توجيه ذكر الاستثناء بقوله: {إلا ما قد سلف} في هذبن خاصة، وأحسب أن هذا كلّه توطئة لتأويل الاستثناء في قول {إلا ما قد سلف} بأنّ معناه: إلاّ ما سلف منكم في الجاهلية فلا إثم عليكم فيه، كما سيأتي، وكيف يستقيم ذلك فقد ذكر فيهنّ تحريم الربائب والأخوات من الرضاعة، ولا أحسبهنّ كنّ محرّمات في الجاهلية. واعلم أنّ شريعة الإسلام قد نوّهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارا ينزّه عن شوائب الاستعمال في اللَّهو والرفث، إذ الزواج، وإن كانّ غرضاً صالحاً باعتبار غايته، إلاّ أنّه لا يفارق الخاطرَ الأوّل الباعث عليه، وهو خاطر اللهو والتلذّذ. فوقار الولادة، أصلا وفرعا، مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة، ولذلك اتّفقت الشرائع على تحريمه، ثم تلاحق ذلك في بنات الإخوة وبنات الأخوات، وكيف يسري الوقار إلى فرع الأخوات ولا يثبت للأصل، وكذلك سرى وَقار الآباء إلى أخوات الآباء، وهنّ العمّات، ووقار الأمّهات إلى أخواتهنّ وهنّ الخالات، فمرجع تحريم هؤلاء المحرّمات إلى قاعدة المروءة التابعة لكليّة حفظ العِرض، من قسم المناسب الضروري، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري. و(ال) في قوله: {وبنات الأخ وبنات الأخت} عوض عن المضاف إليه أي بنات أخيكم وبنات أختكم. وقوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} سمّى المراضع أمهّات جريا على لغة العرب، وما هنّ بأمّهات حقيقة. ولكنهنّ تنزّلن منزلة الأمّهات لأنّ بلبانهنّ تغذّت الأطفال، ولما في فطرة الأطفال من محبّة لمرضعاتهم محبّة أمّهاتهم الوالدات، ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب ثم ألحق ذلك بقوله: {الاتي أرضعنكم} دفعاً لتوهّم أنّ المراد الأمّهات إذ لو لا قصد إرادة المرضعات لما كان لهذا الوصف جدوى. وقد أجملت هنا صفةُ الإرضاع ومدّتُه وعدَده إيكالا للناس إلى متعارفهم. وملاك القول في ذلك: أنّ الرضاع إنّما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه وهو أنّه الغذاء الذي لا غذاء غيره للطفل يعيش به، فكان له من الأثر في دوام حياة الطفل ما يماثل أثَر الأمّ في أصل حياة طفلها. فلا يعتبر الرضاع سبباً في حرمة المرضع على رضيعها إلاّ ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل وهو ما كان في مدّة عدم استغناء الطفل عنه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إنّما الرضاعة من المجاعة».تفسير : وقد حدّدت مدّة الحاجة إلى الرضاع بالحولين لقوله تعالى: {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}تفسير : وقد تقدّم في سورة البقرة (233). ولا اعتداد بالرضاع الحاصل بعد مضي تجاوز الطفل حولين من عمره، بذلك قال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، والزهري، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والثوري، وأبو يوسف، وقال أبو حنيفة: المدّة حولان وستّة أشهر. وروى ابن عبد الحكم عن مالك: حولان وأيّام يسيرة. وروى ابن القاسم عنه: حولان وشهران. وروى عنه الوليدُ بن مسلم: والشهران والثلاثة. والأصحّ هو القول الأوّل؛ ولا اعتداد برضاع فيما فوق ذلك، وما روي أنّ النبي أمر سَهْلَة بنتَ سُهيل زوجةَ أبي حُذيفة أن ترضع سالماً مولى أبي حذيفة لمّا نزلت آية {أية : وما جعل أدعياءكم أبناءكم} تفسير : [الأحزاب: 4] إذ كان يدخل عليها كما يدخل الأبناء على أمّهاتهم، فتلك خصوصيّة لها، وكانت عائشة أمّ المؤمنين إذا أرادت أن يدخل عليها أحد الحجابَ أرضعتْه، تأوّلت ذلك من إذن النبي صلى الله عليه وسلم لِسَهْلة زوج أبي حذيفة، وهو رأي لم يوافقها عليه أمّهات المؤمنين، وأبَيْن أن يدخل أحد عليهنّ بذلك، وقال به الليث بن سعد، بإعمال رضاع الكبير. وقد رجع عنه أبو موسى الأشعري بعد أن أفتى به. وأمَّا مقدار الرضاع الذي يحصل به التحريم، فهو ما يصدق عليه اسم الرضاع وهو ما وصل إلى جوف الرضيع في الحولين ولو مصَّة واحدة عند أغلب الفقهاء، وقد كان الحكم في أوّل أمر التحريم أن لا تقع الحرمة إلاّ بعشر رضعات ثمّ نسخن بخمس، لحديث عائشة «كان فيما أنزل الله عشرُ رضعات معلومات يحرّمْن ثمّ نسخن بخمس معلومات فتوفيّ رسول الله وهي فيما يقرأ من القرآن» وبه أخذ الشافعي. وقال الجمهور: هو منسوخ، وردّوا قولها (فتوفّي رسول الله وهي فيما يُقرأ) بنسبة الراوي إلى قلّة الضبط لأنّ هذه الجملة مسترابة إذ أجمع المسلمون على أنها لا تقرأ ولا نسخ بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا فطم الرضيع قبل الحولين فظاما استغنى بعده عن لبن المرضع بالطعام والشراب لم تحرم عليه من أرضعته بعد ذلك. وقوله تعالى: {وأخواتكم من الرضاعة} إطلاق اسم الأخت على التي رضعت من ثدي مرضعة من أضيفت أخت إليه جرى على لغة العرب، كما تقدّم في إطلاق الأمّ على المرضع. والرضاعة ــــ بفتح الراء ــــ اسم مصدر رضع، ويجوز ــــ كسر الراء ــــ ولم يقرأ به. ومحلّ {من الرضاعة} حال من {أخواتكم} و(من) فيه للتعليل والسببية، فلا تعتبر أخوَّة الرضاعة إلاّ برضاعة البنت من المرأة التي أرضعت الولد. وقوله: {وأمهات نسائكم} هؤلاء المذكورات إلى قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} هنّ المحرّمات بسبب الصِّهر، ولا أحسب أنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون شيئاً منها، كيف وقد أباحوا أزواج الآباء وهنّ أعظم حرمة من جميع نساء الصهر، فكيف يظنّ أنهم يحرّمون أمّهات النساء والربائب وقد أشيع أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوّج دُرّةَ بنتَ أبي سَلَمة وهي ربيبته إذ هي بنت أمّ سلمة، فسألته إحدى أمّهات المؤمنين فقال: «حديث : لو لم تكن ربيبتي لما حلّت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبَا سَلَمة ثويبة»تفسير : ، وكذلك حلائل الأبناء إذ هنّ أبعدُ من حلائل الآباء، فأرى أنّ هذا من تحريم الإسلام وأنّ ما حكى ابن عطية عن ابن عباس ليس على إطلاقه. وتحريم هؤلاء حكمته تسهيل الخلطة، وقطع الغيرة، بين قريب القرابة حتّى لا تفضي إلى حزازات وعداوات، قال الفخر: «لو لم يدخل على المرأة أبو الرجل وابنه، ولم تدخل على الرجل امرأتُه وابنتها، لبقيت المرأة كالمحبوسة. ولتعطّل على الزوج والزوجة أكثر المصالح، ولو كان الإذن في دخول هؤلاء دون حكم المحرمية فقد تمتدّ عين البعض إلى البعض وتشتدّ الرغبة فتحصل النفرة الشديدة بينهنّ، والإيذاء من الأقارب أشدّ إيلاماً، ويترتّب عليه التطليق، أمّا إذا حصلت المحرمية انقطعت الأطماع، وانحبست الشهوة، فلا يحصل ذلك الضرر، فيبقى النكاح بين الزوجين سليماً عن هذه المفسدة» قلت: وعليه فَتحريم هؤلاء من قسم الحاجيّ من المناسب. والربائب جمع ربيبة، وهي فعلية بمعنى مفعولة، من ربَّه إذا كفله ودبّر شؤونه، فزوج الأمّ رابٌّ وابنتها مربوبة له، لذلك قيل لها ربيبة. والحُجور جمع حِجْر ــــ بفتح الحاء وكسرها مع سكون الجيم ــــ وهو ما يحويه مجتمع الرّجلين للجالس المتربّع. والمراد به هنا معنى مجازي وهو الحضانة والكفالة، لأنّ أوّل كفالة الطفل تكون بوضعه في الحَجر، كما سمّيت حضانة، لأنّ أوّلها وضع الطفل في الحضن. وظاهر الآية أنّ الربيبة لا تحرم على زوج أمّها إلاّ إذا كانت في كفالته، لأن قوله {اللاتي في حجوركم} وصف والأصل فيه إرادة التقييد كما أريد من قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} فظاهر هذا أنّها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم. ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب، رواه ابن عطية، وأنكر ابن المنذر والطحاوي صحّة سند النقل عن علي، وقال ابن العربي: إنّه نَقْل باطل. وجزم ابن حزم في المحلَّى بصحّة نسبة ذلك إلى علي بن أبي طالب وعمرَ بن الخطاب. وقال بذلك الظاهرية، وكأنّهم نظروا إلى أنّ علّة تحريمها مركّبة من كونها ربيبة وما حدث من الوقار بينها وبين حاجرها إذا كانت في حجره وأمّا جمهور أهل العلم فجعلوا هذا الوصف بيانا للواقع خارجاً مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حراماً على زوج أمّها، ولو لم تكن هي في حجره. وكأنّ الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علّة تحريم المحرّمات بالصهر، وهي التي أشار إليها كلام الفخر المتقدّم. وعندي أنّ الأظهر أنّ يكون الوصف هنا خرج مخرج التعليل: أي لأنهنّ في حجوركم، وهو تعليل بالمظنّة فلا يقتضي اطّراد العلّة في جميع مواقع الحكم. وقوله: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ذكر قوله: {من نسائكم} ليُبنى عليه {اللاتي دخلتم بهن} وهو قيد في تحريم الربائب بحيث لا تحرم الربيبة إلاّ إذا وقع البناء بأمّها، ولا يحرّمها مجرّد العقد على أمّها، وهذا القيد جرى هنا ولم يجر على قوله: {وأمهات نسائكم} بل أطلق الحكم هناك، فقال الجمهور هناك: أمّهات نسائكم معناه أمّهات أزواجكم، فأمّ الزوجة تحرم بمجرد عقد الرجل على ابنتها لأنّ العقد يصيرّها امرأته، ولا يلزم الدخول ولم يحْمِلوا المطلق منه على المقيَّد بعده، ولا جعلوا الصفة راجعة للمتعاطفات لأنّها جرت على موصوف مُتعيِّننٍ تعلّقه بأحد المتعاطفات، وهو قوله: {من نسائكم} المتعلق بقوله: وربائبكم ولا يصلح تعلّقه بــــ {أمّهات نسائكم}. وقال علي بن أبي طالب، وزيدُ بن ثابت، وابنُ عمر، وعبد الله بن عبّاس، ومجاهد، وجابر، وابن الزبير: لا تحرم أمّ المرأة على زوج ابنتها حتّى يدخل بابنتها حملا للمطلق على المقيّد، وهو الأصحّ مَحملاً. ولم يستطع الجمهور أن بوجّهوا مذهبهم بعلّة بيّنة، ولا أن يستظهروا عليه بأثر. وعلّة تحريم المرأة على زوج ابنتها تساوي علّة تحريم ربيبة الرجل عليه، ويظهر أنّ الله ذكر أمّهات النساء قبل أن يذكر الربائب، فلو أراد اشتراط الدخول بالأمّهات في تحريمهنّ على أزواج بناتهنّ لذكره في أوّل الكلام قبل أن يذكره مع الربائب. وهنالك رواية عن زيد بن ثابت أنّه قال: إذا طلّق الأمّ قبل البناء فله التزوّج بابنتها، وإذا ماتت حَرُمت عليه ابنتُها. وكأنّه نظر إلى أنّ الطلاق عدول عن العقد، والموت أمر قاهر، فكأنّه كان ناوياً الدخول بها، ولا حظّ لهذا القول. وقوله: {وحلائل أبنائكم} الحلائل جمع الحليلة فعيلة بمعنى فاعلة، وهي الزوجة، لأنّها تحِلّ معه، وقال الزجّاج: هي فعيلة بمعنى مفعولة، أي محلّلة إذ أباحها أهلها له، فيكون من مجيء فعيل للمفعول من الرباعي في قولهم حكيم، والعدول عن أن يقال: ومَا نكح أبناؤكم ــــ أو ــــ ونساء أبنائكم إلى قوله: {وحلائل أبنائكم} تفنّن لتجنّب تكرير أحد اللفظين السابقين وإلاّ فلا فرق في الإطلاق بين الألفاظ الثلاثة. وقد سُمي الزوج أيضاً بالحليل وهو يحتمل الوجهين كذلك. وتحريم حليلة الابن واضح العلّة، كتحريم حليلة الأب. وقوله: {الذين من أصلابكم} تأكيد لمعنى الأبناء لدفع احتمال المجاز، إذ كانت العرب تسمّي المتبنَّى ابناً، وتجعل له ما للابن، حتّى أبطل الإسلام ذلك وقوله تعالى: {أية : ادعوهم لآبائهم}تفسير : [الأحزاب: 5] فما دُعي أحد لمتبنّيه بعدُ، إلاّ المقداد بن الأسود وعُدّت خصوصيّة. وأكّد الله ذلك بالتشريع الفعلي بالإذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بتزوّج زينب ابنة جحش، بعد أن طلّقها زيد بن حارثة الذي كان تبنّاه، وكان يُدعى زيد بن محمد. وابن الابن وابن البنت، وإن سفلا، أبناء من الأصلاب لأنّ للجدّ عليهم ولادة لا محالة. وقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} هذا تحريم للجمع بين الأختين فحكمته دفع الغيرة عمّن يريد الشرع بقاء تمام المودّة بينهما، وقد علم أنّ المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة، وهو النكاح أصالة، ويلحق به الجمع بينهما في التسرّي بملك اليمين، إذ العلّة واحدة فقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} وقوله: {أية : إلا ما ملكت أيمانكم}تفسير : [النساء: 24] يخصّ بغير المذكورات. وروي عن عثمان بن عفّان: أنّه سئل عن الجمع بين الأختين في التسري فقال: «أحلتهما» آية يعني قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} وحرّمتهما آية يعني هذه الآية، أي فهو متوقّف. وروي مثله عن علي، وعن جمع من الصحابة، أنّ الجمع بينهما في التسرّي حرام، وهو قول مالك. قال مالك «فإن تسرّى بإحدى الأختين ثمّ أراد التسرّي بالأخرى وقف حتى يحرّم الأولى بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق ولا يحدّ إذا جمع بينهما». وقال الظاهرية: يجوز الجمع بين الأختين في التسرّي لأنّ الآية واردة في أحكام النكاح، أمّا الجمع بين الأختين في مجرَّد الملك فلا حظر فيه. وقوله: {إلا ما قد سلف} هو كنظيره السابق، والبيان فيه كالبيان هناك، بيد أنّ القرطبي قال هنا: ويحتمل معنى زائداً وهو جواز ما سلف وأنّه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً وإذا جرى الجمع في الإسلام خيّر بين الأختين من غير إجراء عقود الكفّار على مقتضى الإسلام، ولم يعزُ القول بذلك لأحد من الفقهاء. وقوله: {إن الله كان غفوراً رحيماً} يناسب أن يكون معنى {إلا ما قد سلف} تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية، فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار عليه، والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} الآية. يفهم منه أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم صرح به تعالى في قوله: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولا} تفسير : [الأحزاب: 37] وقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 4] وقوله: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ} تفسير : [الأحزاب: 40] الآية. أما تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من دليل خارج وهو تصريحه صلى الله عليه وسلم بأنه: "حديث : يحرم من الرِّضاع ما يحرم من النسب" تفسير : والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 23- حَرَّمَ الله عليكم أن تتزوجوا أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، والمحرمات لغير النسب: أمهات الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات الزوجات وبنات الزوجات من غير الأزواج إذا دخلتم بهن، وزوجات أبناء الصلب، والجمع بين الأختين، وما سلف فى الجاهلية فإنه معفوٌّ عنه. إن الله غفور لما سلف قبل هذا النهج، رحيم بكم فيما شرع لكم. 24- وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء عامة، حرائر وغير حرائر، إلا من سبيتم وملكتم منهن فى حرب بينكم وبين الكفار، فإن نكاحهن السابق ينفسخ بالسبى، فيصرن حلالا لكم بعد استبراء أرحامهن، فالزموا ما كتب الله عليكم فى تحريم ما حرم، ولكم فيما عدا هؤلاء المؤمنات المحرمات أن تطلبوا بأموالكم نساء تتزوجون بهن، لا تقصدون الزنا أو المخادنة، فأى نساء استمتعتم بهن بعد الزواج منهن أحل الله لكم الدخول بهن فوفُّوهن مهورهن التى قدَّرتم لهن حقاً عليكم لا تسامح فيه تؤدونه فى موعد، ولا حرج عليكم فيما تم بينكم عن تراض من تنازل زوجة عن بعض مهرها أو زيادة زوج فيه، إن الله كان ولم يزل مُطَّلِعاً على شئون العباد، مُدَبِّراً لهم فى أحكام ما يصلح به أمرهم.

القطان

تفسير : هنا يبين أقسام المحرَّمات، بدأ بالأُمهات، وكذلك يقاس عليهن الجدّات. وهن الأصول. ثم البنات، وهن الفروع. والمراد بهنّ ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سبباً في ولادتهن. ثم الحواشي القريبة، الأخوات الشقيقات والأخوات لأب ولأم. ثم الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم، وهن العمات والخالات. ثم الحواشي البعيدة من جهة الاخوة، بنات الأخ وبنات الأخت. ثم يأتي القسم الثاني، وهو ما حُرم من جهة الرضاعة. وهذا النوع من خصائص الاسلام، فلا يوجد مثله في شريعة اخرى من الشرائع. وهنّ الأمهات اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة. وعند مالك وأبي حنيفة يحرم قليل الرضاعة وكثيرها، وحدد بعضُهم الرضاعة بثلاث رضعات فأكثر. ومذهب الشافعي وأحمد خمسُ رضعات مشبعات. وعند الإمامية خمس عشرة رضعة، وبعضهم يقول عشر رضعات، ويشترط ان يكون وقت الرضاعة في مدة الرضاعة، يعني في سن الحولَين. وأخيرا يأتي القسم الثالث، وهو محرّمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج. وهي اربعة أنواع: أمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فان عقد عقده على امراة ولم يدخل بها لا تحرم عليه بناتها. وزوجات أولادكم وأولادِهم. وحرم عليكم الجمع بين الأُختين، وبين المرأة وعمتها وخالتها، والضابط بذلك انه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة بحيث لو كانت احداهما ذكراً لحرم عليه بتلك القرابة نكاح الاخرى. اما ما قد مضى في الجاهلية فان الله لا يؤاخذكم عليه ان الله كان غفورا رحيما.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُمَّهَاتُكُمْ} {وَأَخَوَاتُكُمْ} {وَعَمَّاتُكُمْ} {وَخَالاَتُكُمْ} {وَأُمَّهَاتُكُمُ} {اللاَّتِي} {وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ} {وَأُمَّهَاتُ} {نِسَآئِكُمْ} {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي} {وَحَلاَئِلُ} {أَبْنَائِكُمْ} {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} (23) - هَذِهِ الآيَةُ تَحْوِي تَحْرِيمَ المَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَمِنَ الرَّضَاعِ، وَالمَحَارِمِ بِالصِّهْرِ. فَمِنَ النَّسَبِ - تَحْرُمُ: الأمُّ وَالجَدَّاتُ وَإنْ عَلَوْنَ، وَبَنَاتُ الأصْلاَبِ، وَبَنَاتُ الأوْلادِ وَإنْ نَزَلْنَ، وَالأخْتُ وَالعَمَّةُ وَالخَالَةُ، وَبَنَاتُ الأخْتِ، وَبَنَاتُ الأخِ وَإنْ نَزَلْنَ. وَمِنَ الرَّضَاعِ - تَحْرُمُ: الأُمُّ وَالأخْتُ مِنَ الرَّضَاعِ. وَمِنَ الصِّهْرِ - تَحْرُمُ أمُّ الزَّوْجَةِ (وَتَحْرُمُ بِمُجَّردِ العَقْدِ عَلَى ابْنَتِهَا)، وَبِنْتُ الزَّوْجَةِ (الرَّبِيبَةُ) المَدْخُولِ بِهَا، وَزَوْجَةُ الابْنِ، وَجَمْعُ أخْتِ الزَّوْجَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ، إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ زَوَاجٍ قَبْلَ هذا التَّحْرِيمِ، فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. الرَبِيبَةُ - ابْنَةُ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجٍ آخَرَ. لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ - لاَ إثْمَ عَلَيْكُمْ وَلاَ حَرَجَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : مَنْ الذي يحلل ويحرم؟ إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين حرموا زواج المحارم؛ فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا يقربها. أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت .. إلخ، من أين جاءتهم هذه؟ الحق يوضح: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر: 24]. ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123]. فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، أنزل لهما المنهج، هذا المنهج مستوفى الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ محل العادة ومحل الفطرة، أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه، ولم يخطر ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة. والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان أيضاً، كلما ابتعد النوعان "الذكورة والأنوثة" فالنسل يجيء قوياً في الصفات. أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر والأنثى من أي شيء: في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفاً، ولذلك يقولون في الزراعة والحيوان: "تهجن" أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لنا: (اغتربوا لا تضْوُوا) وقال: "حديث : لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً ". تفسير : فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزلاً. وبالاستقراء وجد أن العائلات التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ فيها ضعف عقلي؛ أو ضعف جنسي؛ أو ضعف مناعي، فقول رسول الله: "اغتربوا لا تضووا" أي إن أردتم الزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب تهزلوا، فإن "ضَوِي" بمعنى "هزل" فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة الجاهلية هذا. ولذلك يقول الشاعر الجاهلي: شعر : أنصح مَنْ كان بعيد الهم تزوج أبناء بنات العم فليس ينجو من ضَوًى وسُقْم تفسير : فقد يضوي سليل الأقارب، وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحداً يقولون: "فتوة" أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. وفي النبات يقولون: إن كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لا بد أن تأتي بالتقاوى من محافظة الشرقية مثلاً، وكذلك البطيخ الشيليان. يأتون ببذوره من أمريكا، فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلاً لذيذاً، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك البذور لغلو ثمنها، فأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوى، ويخرج المحصول ضعيفاً. لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغاً كبيراً فهو يأخذ محصولاً طيباً. وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا؛ ولذلك كان العربي يقول: ما دكّ رءوس الأبطال كابن الأعجمية؛ لأنه جاء من جنس آخر. أي أن هذا الرجل البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضاً عملية عضوية. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ..} [النساء: 23] لماذا؟ لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلة فرع، الأمهات صلة الأصل، والبنات صلة الفرع، {وَأَخَوَاتُكُم ..} [النساء: 23] وهي صلة الأخ بأخته إنّها بنوة من والد واحد، {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ ..} [النساء: 23]. إذن فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ويريد أمراً آخر هو: أن العلاقة الزوجية دائماً عرضة للأغيار النفسية، فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما قلنا في قوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ..} تفسير : [النساء: 20]؛ ويكره منها كذا وكذا، فكيف تكون العلاقة بين الأم وابنها إذا ما حدث شيء من هذا؟! والمفروض أن لها صلة تحتم عليه أن يظل على وفاء لها، وكذلك الأمر بالنسبة للبنت، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، فيأمر الحق الرجل: ابتعد بهذه المسألة عن مجال الشقاق. ومن حسن العقل وبعد النظر ألا ندخل المقابلات في الزواج، أو ما يسمى "بزواج البدل"، حيث يتبادل رجلان الزواج، يتزوج كل منهما أخت الآخر مثلاً، فإذا حدث الخلاف في شيء حدث ضرورة في مقابله وإن كان الوفاق سائداً. فحسن الفطنة يقول لك: إياك أن تزوج أختك لواحد لأنك ستأخذ أخته، فقد تتفق زوجة مع زوجها، لكن أخته قد لا تتوافق مع زوجها الذي هو شقيق للأخرى. وتصوروا ماذا يكون إحساس الأم حين ترى الغريبة مرتاحة عند ابنها لكن ابنتها تعاني ولا تجد الراحة في بيت زوجها. ماذا يكون الموقف؟ نكون قد وسعنا دائرة الشقاق والنفاق عند مَنْ لا يصح أن يوجد فيه شقاق ولا نفاق. والحكمة الإلهية ليست في مسألة واحدة، بل الحكمة الإلهية شاملة، تأخذ كل هذه المسائل، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ..} [النساء: 23] والمحرم هنا بطبيعة الحال هن الأمهات وإن علون، فالتحريم يشمل الجدة سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم. وما ينشأ منها. وكل واحدة تكون زوجة لرجل فأمها محرمة عليه، "وبناتكم" وبنات الابن وكل ما ينشأ منها، وكذلك بنات البنت، {وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ..} [النساء: 23]. ولماذا يحرم الحق {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ ..} [النساء: 23]؟ لأنها بالإرضاع أسهمت في تكوين خلايا فيمَنْ أرضعته؟ ففيه بَضْعَة منها، ولهذه البَضْعَة حُرمة الأمومة، ولذلك قال العلماء: يحرم زواج الرجل بامرأة جمعه معها رضاعة يغلب على الظن أنها تُنشئ خلايا، وحلل البعض زواج مَنْ رضع الرجل منها مصة أو مصتين مثلاً، إلا أن أبا حنيفة رأى تحريم أي امرأة رضع منها الرجل، وأفتى المحققون وقالوا: لا تحرم المرأة إلا أن تكون قد أرضعت الرجل، أو رضع الرجل معها خمس رضعات مشبعات، أو يرضع من المرأة يوماً وليلة ويكتفي بها، وأن يكون ذلك في مدة الرضاع، وهي بنص القرآن سنتان. {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ..} تفسير : [البقرة: 233]. وهذه المسألة حدث الكلام فيها بين سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - وسيدنا عثمان - رضي الله عنه - حينما جاءوا بامرأة ولدت لستة شهور وكان الحمل الشائع يمكث تسعة أشهر، وأحياناً نادرة يولد الطفل بعد سبعة أشهر، لكن أن تلد امرأة بعد ستة شهور فهذا أمر غير متوقع، ولذلك أراد عثمان - رضي الله عنه - أن يقيم الحد عليها؛ لأنها ما دام ولدت لستة أشهر تكون خاطئة، لكنْ سيدنا علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - أدرك المسألة. قال: يا أمير المؤمنين؛ لماذا تقيم عليها الحد؟ فقال عثمان بن عفان: لأنها ولدت لستة أشهر وهذا لا يكون. وأجرى الله فتوحاته على سيدنا علي، وأجرى النصوص على خياله ساعة الفتيا، وهذا هو الفتح، فقد يوجد النص في القرآن لكن النفس لا تنتبه له، وقد تكون المسألة ليست من نص واحد. بل من اجتماع نصين أو أكثر، ومَنْ الذي يأتي في خاطره ساعة الفتيا أن يطوف بكتاب الله ويأتي بالنص الذي يسعفه ويساعده على الفتيا، إنه الإمام علي، وقال لسيدنا عثمان: الله يقول غير ذلك، قال له: وماذا قال الله في هذا؟ قال: {أية : وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ..} تفسير : [البقرة: 233]. إذن فإتمام الرضاعة يكون في حولين كاملين أي في أربعة وعشرين شهراً، - والتاريخ محسوب بالتوقيت العربي - والحق سبحانه قال أيضاً: {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ..} تفسير : [الأحقاف: 15]. فإذا كان مجموع أشهر الحمل والرضاع، ثلاثين شهراً، والرضاع التام أربعة وعشرون شهراً، إذن فمدة الحمل تساوي ستة أشهر. هكذا استنبط سيدنا علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - والإنسان قد يعرف آية وتغيب عنه آيات، والله لم يختص زمناً معيناً بحسن الفتيا وحرم الأزمنة الأخرى، وإنما فيوضات الله تكون لكل الأزمان، فقد يقول قائل: لا يوجد في المسلمين من يصل بعمله إلى مرتبة الصحابة، ومن يقول ذلك ينسى ما قاله الحق في سورة الواقعة: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الواقعة: 10-14]. أي أن الآخرين أيضاً لن يحرموا من أن يكون فيهم مقربون قادرون على استيعاب النصوص لاستنباط الحكم، إذن فالرضاع: مصة أو مصتان؛ هذا مذهب، وعشر رضعات مذهب آخر، وخمس رضعات مشبعات مذهب ثالث، وأخذ جمهور الفقهاء بالمتوسط وهو خمس رضعات مشبعات تحرمن الزواج، لكن بشرط أن تكون في مدة الرضاع، فلو رضع في غير مدة الرضاعة، نقول: إنه استغنى بالأكل وأصبح الأكل هو الذي يعطيه مقومات البنية. إذن فمسألة الرضاع متشعبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". تفسير : والمحرم من الرضاع هو: الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وهكذا نرى أنها عملية متشعبة تحتاج من كل أسرة إلى اليقظة، لأننا حين نرى أن بركة الله لا تحوم حول كثير من البيوت لا بد أن ندرك لها أسباباً، أسباب البعد عن استقبال البركة من الله .. فالإرسال الإلهي مستمر، ونحن نريد أجهزة استقبال حساسة تحسن الاستقبال، فإذا كانت أجهزة الاستقبال خربة، والإرسال مستمراً فلن يستفيد أحد من الإرسال، وهب أن محطة الإذاعة تذيع، لكن المذياع خرب، فكيف يصل الإرسال للناس؟ إذن فمدد الله وبركات الله المتنزلة موجودة دائماً، ويوجد أناس لا يأخذون هذه البركات؛ لأن أجهزة استقبالها ليست سليمة، وأول جهاز لاستقبال البركة أن البيت يبنى على حل في كل شيء، يعني: لقاء الزوج والزوجة على حل، وكثير من الناس يدخلون في الحرمة وإن لم يكن بقصد، وهذا ناشئ من الهوس والاختلاط والفوضى في شأن الرضاعة، والناس يرضعون أبناءهم هكذا دون ضابط وليس الحكم في بالهم. وبعد ذلك نقول لهم: يا قوم أنتم احتطتم لأولادكم فيما يؤدي إلى سلامة بنيتهم، فكان لكل ولد ملف فيه: شهادة الميلاد، وفيه ميعاد تلقي التطعيمات ضد الدفتريا، وشلل الأطفال وغير ذلك. فلماذا يا أسرة الإسلام لا تضعون ورقة في هذا الملف لتضمنوا سلامة أسركم، ويكتب في تلك الورقة مَنْ الذي أرضع الطفل غير أمه، وساعة يأتي للزواج نقول: يا موثق هذا ملفه إنه رضع من فلانة، في هذا الملف تُدْرج أسماء النساء اللاتي رضع منهن .. فنبني بذلك أسرة جديدة على أسس إيمانية سليمة، بدلاً من أن نفاجئ رجلاً تزوج امرأة، وعاشا معاً وأنجبا وبعد ذلك يتبين أنهما رضعا معاً، وبذلك تصير المسألة إلى إشكال شرعي وإشكال مدني وإشكال اجتماعي ناشىء من أن الناس لم تُعد لمنهجها الإيماني ما أعدته لمنهجها المادي. إذن فلا بد من التزام كل أسرة أن تأتي في ملف ابنها أو بنتها وتضع ورقة فيها أسماء من رضع منهن المولود. وعلى كل حال لم تعد هناك الآن ضرورة أن نأتي بمرضعة للأولاد، فاللبن الجاف من الحيوانات يكفي ويؤدي المهمة، وصرنا لا ندخل في المتاهة التي قد تؤدي بنا في المستقبل إلى أن الإنسان يتزوج أخته من الرضاعة أو أمه من الرضاعة، أو أي شيء من ذلك، وبعد ذلك تمتنع بركة الله من أن تمتد إلى هذه الأسرة. {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلأَخِ وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَاعَةِ ..} [النساء: 23]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". تفسير : وجاء القرآن بالأمور البارزة فيها فقط، {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ ..} [النساء: 23] فإذا تزوج رجل من امرأة ولها أم، بالله أيتزوج أمها أيضاً؟ إنها عملية غير مقبولة، {وَرَبَائِبُكُمُ ٱللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ..} [النساء: 23]. الربيبة هي بنت المرأة من غير زوجها، فقد يتزوج رجل من امرأة كانت متزوجة من قبل وترملت أو طلقت بعد أن ولدت بنتاً هذه البنت يسمونها "ربيبة" وزوج الأم الجديدة سيُدخلها في حمايته وفي تربيته، وبذلك تأخذ مرتبة البنوة. والأمر هنا مشروط: {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 23] فما دام الرجل قد عقد على المرأة ولم يدخل بها تكون بنتها غير محرمة. أما العقد على البنت حتى دون دخول فإنه يحرم الأمهات. {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23] أي زوجة الابن، وكلمة {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23] تدل على أنه كان يطلق لفظ "الأبناء" على أناس ليسوا من الأصلاب، وإلا لو أن كلمة "الأبناء" اقتصرت في الاستعمال على أولاد الإنسان من صلبه، لما قال: {أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23]. إذن كان يوجد في البيئة الجاهلية أبناء ليسوا من الأصلاب هم أبناء التبني، وكانت هذه المسألة شائعة عند العرب، فكان الرجل يتبنى طفلاً ويلحقه بنسبه ويطلق عليه اسمه ويرثه. وجاء الإسلام ليقول: لا، لا يصح أن تنسب لنفسك من لم تنجبه، لأنه سيدخل في مسألة أخوة لابنتك مثلاً، وسيدخل على محارمك، ولذلك أنهى الله هذه المسألة، وجاء هذا الإنهاء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المسألة متأصلة عند العرب. ونعلم أن زيد بن حارثة خُطف من أهله، وبعد ذلك بيع على أنه رقيق، واشتراه حكيم بن حزام. وأخذته سيدتنا خديجة وبعد ذلك وهبته لسيدنا رسول الله. وصار زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما علم أهل زيد أن ولدهم الذي خُطف قديماً موجود في مكة جاءوا إليها، فرأوا زيد بن حارثة، ولما سألوه أن يعود معهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أخيره بين أن يذهب معكم أو أن يبقى معي، انظروا إلى زيد بن حارثة كيف صنع به إيمانه وحبه لسيدنا رسول الله: قال: ما كنت لأختار على رسول الله أحداً. وظل مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الرسول أن يكرمه على العادة التي كانت شائعة فسماه "زيد بن محمد" وتبناه. إذن فالمسألة وصلت إلى بيت النبوة. التبني وصل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الله أن ينهى هذه المسألة فقال سبحانه: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40]. هذا يدل على أن صرامة التشريع لا تجامل أحداً حتى ولا محمداً بن عبد الله وهو رسول، {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40]. وبعض الناس الذين يتسقطون للقرآن يقولون: إن رسول الله كان عنده إبراهيم وكان عنده الطيب وكان عنده القاسم، ونقول: أكان هؤلاء رجالاً؟! لقد ماتوا أطفالاً، والكلام {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40]، وهب أنهم كبروا وصاروا رجالاً، أقال من رجالكم أم من رجاله؟ قال: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40] أي لا يمنع أن يكون أبا أحد من رجاله، هو أبو القاسم وأبو الطيب وأبو إبراهيم هم أولاده فافهموا القول. وهذه المسألة أخذت ضجة عند خصوم الإسلام والمستشرقين والحق سبحانه وتعالى وإن كان قد عدل لرسوله صلى الله عليه وسلم، فتعديل الله لرسوله يشرف رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن مَنْ الذي يعدل لمحمد؟ إنه الله الذي أرسله. ويقول: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23]. ومفهوم هذه العبارة أن المحرمة إنما هي حليلة الابن من الصلب. وقوله: {مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23] يدل على أنه كان هناك أبناء ليسوا من الصلب، إذن فالتبني كان موجوداً قبل نزول هذا الحكم، وأراد الله أن يبطل عادة التبني، وكانت متغلغلة في الأمة العربية، فأبطلها على يد سيدنا رسول الله، لا مشرعاً ينقل حكم الله فحسب، ولكن مطبقاً يطبق حكم الله في ذاته وفي نفسه حتى يأخذ الحكم قداسته، ويجب أن نفطن إلى أن فكرة التبني كانت في ذاتها تهدف إلى أن ولداً نجيباً يلحقه رجل به ليعطيه كل حقوق أولاده كلون من التكريم. ولذلك علينا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرف بالكمال البشري في إطار العدل البشري، والعدل هو: القسط، وساعة تبني زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد إنما كان يهدف إلى أن يعوضه والده، لأن زيداً اختار رسول الله على أبيه، إذن فكان ذلك التبني من رسول الله كمالاً وعدلاً بشرياً بالنسبة للوفاء لواحد آثر اختياره على اختيار أهله فإذا أراد الله أن يصوب فيكون كمالاً إلهياً وعدلاً إلهياً، فلا غضاضة عند أحد أن يُصوِّب الكمال البشري بالكمال الإلهي، ولا أن يصوب العدل البشري والقسط البشري بالعدل الإلهي والقسط الإلهي، وأنزل الله وهو أحكم القائلين هذا الحكم بعبارة تعطي ذلك كله: {أية : ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5]. أي: إن دعاءهم لآبائهم {أية : أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5]. وكلمة {أَقْسَطُ ..} [الأحزاب: 5] إياكم أن تكونوا بعدتم ونأيتم عن "عظيم" فـ "أعظم"، إنك ساعة تأتي بصيغة التفضيل يكون المقابل لها وصفاً من جنسها، فـ "أعظم" المقابل لها "عظيم"، و "أقسط" المقابل لها "قِسْط"، فما فعله رسول الله هو قِسْطٌ وعدل، ولكن ما عدله الله أقسط مما صنعه رسول الله. إذن فيجب أن نفطن إلى أن الكمال البشري والعدل البشري شيء، والكمال الإلهي والعدل الإلهي شيء آخر. ومَنْ نقله الله من عدل بشريته إلى عدل ألوهيته يكون قد تلقى نعمة كبرى. وإذا ما حاول المستشرقون أن يأخذوا هذه المسألة على أن ربنا عدل له ويحاولوا أن يلصقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ ما، نقول لهم: أنتم لا تحسنون تقدير الأمر ولا تفهمون المراد من ذلك، فالذي صوب هو الله الذي أرسله، وقد صوب له فعلاً فعله في إطار البشرية، وقال الحق: {أية : هُوَ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 5] ومَنْ الذي يجعل البشر متساوين مع الله في القسط والعدل والكمال؟ إن هناك قصة طار بها المستشرقون فرحاً وكذلك يروجها خصوم الإسلام من أبناء الإسلام؛ لأن من مصلحة خصوم الإسلام، وكذلك الذين لا يحملون من الإسلام إلا اسمه؛ يروجون أن هذا الدين يحتوي على أكاذيب - والعياذ بالله - فما دام الواحد منهم لا يقدر أن يحمل نفسه على منهج الدين لا يكون له مندوحة ولا نجاة إلا أن يقول: هذا الدين غير صحيح؛ لأن هذا الدين إن كان صحيحاً فسوف يهلك هو ومَنْ على شاكلته، فيكذبون أنفسهم وينكرون على الدين أملاً في النجاة في ظنهم إذ لا منجى ولا أمل لهؤلاء إلا أن يكون الدين كذباً كله. لننظر إلى القصة التي طار بها المستشرقون فرحاً: النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وكان عبد المطلب له بنت اسمها: أميمة بنت عبد المطلب، وهي بذلك تكون أختاً لعبد الله بن عبد المطلب. وأنجبت أميمة بنتاً اسمها "برّة"، وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ملحظ في الأسماء، اسمها "برّة". والاسم جميل لأنه من البر وهو صفة تجمع كل خصال الخير، لكن رسول الله كره أن يقال فيما بعد: خرج رسول الله من عند "برّة"، فسماها "زينب". "برّة" هذه هي بنت أميمة فهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزيد ابن حارثة - كما قلنا - كان طفلاً ثم خُطف وَسُرِق، وبيع وانصرف إلى ملكية رسول الله، وبعد ذلك أراد رسول الله أن يكرمه على ما يقتضيه كماله البشري وعدله البشري فسماه "زيد بن محمد". وعندما أراد زيد بن محمد أن يتزوج، زوّجه رسول الله من "برة" على مضض منها، لأنه مَوْلى، وهي بنت سيد قريش. وكان ملحظ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يجعل من المسلمين مزيجاً واحداً، فلا فرق بين مَوْلى وسيد، وزوَّج بنت عمته لزيد، وبعد الزواج لم ينشأ بينهما ودّ، وكل هذه تمهيدات الأقدار للأقدار. بالله لو أنها كانت أخذته عن حب وكان بينهما وئام، وبعد ذلك أراد الله أن يشرِّع فهل يشرع على حساب قلبين متعاطفين متحابين ليمزقهما؟ لا، المسألة - إذن - تمهيد من أولها، فلم تكن لها رغبة فيه. وعندما يجد الرجل أن المرأة ليس لها رغبة فيه، تهيج كرامته، وخصوصاً أنه صار ابناً بالتبني لرسول الله، ويكون رُفض امرأةٍ له مسألةً ليست هينة، وتصعب عليه نفسه، فيأتي لرسول الله شاكياً، وقال له: لم تعجبني معاشرة "برّة" وأريد أن أفارقها، وكان ذلك تمهيداً من الله سبحانه لأنه يريد أن ينهي مسألة التبني، فقد كانوا في الجاهلية يحرمون أن يتزوج الرجل امرأة ابنه المتبني، ولذلك يقول الحق: {أية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. وما دام يقول له: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] فالكلام إذن قد جاء معبراً عن رغبة زيد في أن يفارقها، لكن خصوم الإسلام وأبواقهم من المسلمين يقولون في قوله: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] إن محمداً كان معجباً بالمرأة ويريد أن يتزوجها، ويخفي هذه الحكاية. نقول لهم: كونوا منطقيين وافهموا النص، فربنا يقول: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]، أنتم أخذتم منها أن النبي كان يريد أن يتزوجها. والحق قال: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. فإذا كنت تريد أن تعرف ما أخفاه رسول الله، فاعرف ما أبداه الله، هذه هي عدالة الاستقبال، وبدلاً من أن تقول هذا الكلام كي تشفي مرض نفسك انظر كيف أعطاك ربنا من تفاصيل الحكاية. قال سبحانه: {أية : وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] فماذا أبدى ربنا؟ وحين يبدي ربنا أمراً يكون هو عين ما أخفاه رسوله، فلما ذهب زيد للنبي وقال له: أريد أن أفارق "برّة" قال له: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ..} تفسير : [الأحزاب: 37] لأن رسول الله عَلِم مِنَ الله أنه يريد أن يزوجه "برة" التي هي امرأة زيد الذي تبناه كي ينهى مسألة التبني، وأن امرأة المتبني لا تحرم على الرجل، ويطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه. لكن هناك أناس ما زال عندهم مرض في قلوبهم، وأناس منافقون، والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يكون هذا الأمر وارداً من الله في قرآنه. فلو كان قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله الله بينه وبينه لقالوا: هذا كلام منه هو؛ لذلك قال محمد صلى الله عليه وسلم لزيد: أمسك عليك زوجك، فينزل ربنا الأمر كله قرآنا، فلم يقل محمد: ألهمَني ربنا، أو ألقَى في رُوعي، لا، جاء هذا الأمر قرآناً، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه المسألة في سورة الأحزاب فيقول: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً} تفسير : [الأحزاب: 36-37]. فالله أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول الله عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا: طلق المرأة من زيد ليتزوجها. كأن زواج "زيد" من "زينب"، كان لغاية واحدة وهي أن تكون "برة" التي سماها رسول الله "زينب" منكوحة لزيد الذي تبناه رسول الله بدليل: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37] أي أدى المهمة، فأردنا أن نعطي الحكم: "زوّجنا" فمَنْ الذي زوَّج؟ إنه الله، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي تزوج. فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول الله في حاله، وصعدوها إلى ربنا، فقوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37] يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له، فالغاية منه أن يقضي زيد منها وطراً وهو متبنى رسول الله، ويكون هذا الزواج عن كره منها، إنها غير موافقة عليه، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة ويقول: لا أريدها. ويذهب إلى الرسول ويقول: أريد أن أطلق "برّة" فيقول له الرسول: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. والذي أبداه الله هو قوله لرسوله: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 37] كأن الغاية من النكاح أن يقضي زيد منها وطراً وتنتهي الحكاية بالنسبة لزيد، ويأتي الحكم بالنسبة لرسول الله فيقول ربُّنا {أية : زَوَّجْنَاكَهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. فالذي يريد أن يمسك المسألة لا يمسكها على الرسول، لكن عليه أن يصعدها إلى ربنا، {أية : زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. كأن العملية جاءت من أجل أن ما أبداه ربنا في زواج الرجل من مطلقة الولد المتبنى إذا قضى منها وطرا، هذا ما أبداه ربنا، إن الله حكم بأن الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم سيبديه، إن الوحي هو الذي بيّن السبب الباعث على زواج الرسول بزينب إنه قوله تعالى: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37]. فالعلة في هذه العملية: يا ناس، يا محمد، يا زيد، يا زينب، أو يا من يحب أن يرجف، العلة في كل ذلك علة إلهية من كمال إلهي وعدل إلهي يتركز في قوله سبحانه: {أية : لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37]، والأدعياء: هم الذين يتبنونهم من غير ولادة. وما دام ربنا يريد أمراً فلا بد أن يفعل، وأنتم آمنتم بأنه رسول، وإن لم تؤمنوا بأنه رسول يكون تكذيبكم برسالته أكبر من أنكم تنقدون تصرفه، فإن كنتم مكذبين أنه رسول، فما شأنكم إذن؟ إن تكذيبكم له كرسول هو أشد من أن تنقدوا تصرفاً من تصرفاته بأنه تزوج ممن كانت امرأة ابنه المتبنى. وإن آمنتم بأنه رسول، فهذا الرسول مبلغ عن الله. إذن ففعل الرسول المبلغ عن الله هو الميزان للأعمال لا ما تنصبونه أنتم من موازين. أتقولون للرسول الذي أرسله ربنا كي يبلغ منهجه ويطبق هذا المنهج ويكون هو ميزاناً للتصرفات، تقولون له: سنأخذ تصرفاتك ونعيدها على الميزان الذي نضعه؟ ما كان يصح أن يفعل أحد هذا، فإن قلت ذلك فقد عملت الميزان من عندك، ونقلت الأمر إلى غير الحق، وهذا أول خطأ؛ فالأصل في الرسول أن كل فعل له هو الكمال، ولا تأتي أنت بميزان الكمال وتأتي للرسول وتقول له: كيف فعلت هذه العملية؟ لأنك عندما تقول ذلك فقد نصبت ميزان كمال من عندك، وتأخذ تصرف الرسول لتزنه بميزان الكمال من عندك، وهذا مناقض للحق لأنك آمنت بأنه رسول. وبعد ذلك يأتي بالقضية العامة ليقول سبحانه: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 40]. وكلمة {أية : أَبَآ أَحَدٍ مِّن ..} تفسير : [الأحزاب: 40] أي لم يكن أباً لأحد، ماذا تفهم منها؟ نفهم منها أنه أبوكم كلكم، {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ ..} تفسير : [الأحزاب: 40] لأنه أبو الجميع، بدليل أن أزواجه أمهاتكم، ومحرمات عليكم، فهو إذن والدكم كلكم؛ إذن فخذ بالك من دقة الأداء {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40] وبمنطق الواقع هو أب لكم كلكم؛ لذلك هو لا يأخذ واحداً فقط ويقول: هذا ابني، لا، هو أب لكم كلكم. وكل المؤمنين أولاده بدليل أن أزواجه أمهات لهم، قد يقول واحد: لقد كان عنده أبناء. نقول له: إن أبناءه لم يبلغوا سن الرجولة، وهب أنهم بلغوا سن الرجولة حتى باعتبار ما سيكون فهؤلاء ليسوا رجالكم ولكنهم رجاله. {وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] والرسالة وختم النبوة به فوق شرف الأبوة. وجاء الحق بذلك حتى لا يحزن زيد، فرسول الله قد شرفه، وإن شرفك يا زيد أنك كنت تدعي ابن محمد، فما يشرفك أكثر أنك مؤمن بمحمد كرسول، فالعظمة في محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء رسولاً. ولذلك قلنا: إن هذه جعلت بنوة الدم بلا قيمة عند الأنبياء، ونجد أن النبي جاء بسلمان وهو من فارس وليس من قبيلته وهو لا بعربي وقال: "حديث : سلمان منا آل البيت ". تفسير : وقول الحق: {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ..} تفسير : [الأحزاب: 40] بمفهوم العبارة ونضحها الذوقي والأدائي والأسلوبي أنه أبوكم كلكم، فلا ينفرد به أحد دون الآخر، {أية : وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 40] وبعدما كان زيدٌ ابنَ محمد، أصبح زيدا ابن حارثة، ومحمد هو رسول الله، وما دمت أنت مؤمنا به - يا زيد - فرسول الله هذه تعوض إلغاء الأبوة بالتبني بالنسبة لك، ثم إنك داخل في الأبوة العامة من رسول الله للمؤمنين؛ لأنك آمنت به كرسول، إذن فعندما نحقق في هذه العبارة نجد أنه يُسلَّى زيداً أيضاً. وخير من هذا - أنك يا زيد - إن فقدت بين الناس اسم زيد ابن محمد، وكنت تجعل ذلك شرفاً لك، فأنت الوحيد من صحابة رسول الله الذي يُذكر في القرآن باسمه الشخصي، وتصبح كلمة "زيد" قرآنا يُذْكر ويُتلى، ويتُعبد بتلاوته، ومحفوظاً على الألسنة؛ ومرفوع الذِّكر، إذن فقد عوضك الله يا زيد، فقد قال الحق: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ..} تفسير : [الأحزاب: 37] وهب أنه بقي زيد ابن محمد، فما الذي يحدث؟ سنقرأها في السيرة، لكن يرتفع شرف ذلك عندما نقرأها في كتاب الله المعجزة المتعبد بتلاوته، الذي ضمن الله حفظه، فقد ضمن الله تخليد اسم زيد إلى أن تقوم الساعة، إذن فذكره كزيد ابن محمد في حياته أَوْلى أو ذكر زيد في القرآن؟ إن ذكر اسمه في القرآن أولى، {أية : مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 40]. إذن فقول الحق سبحانه: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ..} [النساء: 23] يدل على أن حلائل الأبناء المتبنين حل لكم، بعد أن كانوا - في الجاهلية - يحرمون ذلك، ويقول الحق من بعد ذلك: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ ..} [النساء: 23] وتحريم الجمع في الزواج بين الأختين لأن بينهما رحماً يجب أن تظل معه المودّة والرحمة والصفاء، لكن إذا كانتا تحت رجل واحد تحدث عداوة، {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 23] وهذا الجزء من الآية {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ ..} [النساء: 23] مع استثناء الحق. في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ..} [النساء: 23] قد حصل في فهمهما والمراد منهما خلاف.. ونقول أولاً المرأة في ملك اليمين ليس لها حق قِبَلَ سيدها في أن يطأها أو يستمتع بها، فملك اليمين لا يوجب على السيد أن يجعل إماءه أمهات أولاد. إنّ الأمام عليا - رضي الله عنه وكرّم الله وجهه - وسيدنا عثمان - رضي الله عنه - أخذ كل واحد منهما موقفاً، فسيدنا عثمان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين؟ فقال "لا آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرّمتهما آية" فتوقف رضي الله عنه ولم يفت. أما سيدنا عليّ فقد حرم الجمع في وطء الأختين بملك اليمين، أما التملك من غير وطء فهو حلال، وهذا هو الذي عليه أهل العلم بكتاب الله ولا اعتبار برأي مَنْ شذ عن ذلك من أهل الظاهر. ويتابع الحق: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء: 23] أي أن هذا الأمر ما دام قد سلف قبل أن يشرع الله، فهو سبحانه من غفرانه ورحمته لم يؤاخذنا بالقانون الرجعي، فلا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم، وما دام الحكم لم يأت إلا الآن فيطبق من الآن ولا يصح أن يجمع أحدٌ أختين تحته في نكاح أو في وطء بملك يمين، ولا يجمع أيضاً بينهما في زواج من أحدهما ووطء بملك يمين لأخرى. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ} فربيبةُ الرّجلِ: بنتُ امرأتِهِ. وفِي حُجُورِكُمْ معناه فِي بيوتِكُمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ} معناهُ أَزْواجُهُمْ والواحدةُ: حَلِيلةٌ. تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} معناهُ لا إِثْمَ عَلَيكُمْ.

الجيلاني

تفسير : ومن شدة سناعته وعظيم قبحه عند الله، قدمه سبحانه على جميع المحرمات ثم فرعها عليه بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} في دينكم {أُمَّهَٰتُكُمْ} أي: نكاحها مطلقاً {وَبَنَٰتُكُمْ} أيضاً كذلك {وَأَخَوَٰتُكُمْ} مع من يتفرع عليهن {وَعَمَّٰتُكُمْ} أنفسهن {وَخَالَٰتُكُمْ} أيضاً كذلك {وَبَنَاتُ ٱلأَخِ} من الأبوين أو من الأب أو من الأم {وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ} أيضاً كذلك {وَ} أيضاً حرمت عليكم {أُمَّهَٰتُكُمُ} من الأجنبيات {الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ} مصة أو مصتين {وَ} حرمت أيضاً {أَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ} إذ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب غالباً {وَ} كذا حرمت عليكم {أُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ} لحرمة المصاهرة {وَ} أيضاً حرمت عليكم {رَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ} حال كون تلك الربائب {مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ} أي: لا ضيق {عَلَيْكُمْ} في تزويجهن {وَ} كذا حرمت عليكم في دينكم {حَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ} حصلوا {مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَ} كذا حرمت عليكم {أَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ} في زمانٍ واحد {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} أمثال هذا منكم قبل إيمانكم فإنكم لا تؤخذون عليه {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالكم {كَانَ غَفُوراً} لذنوبكم بعد إنابتك واستغفاركم {رَّحِيماً} [النساء: 23] لكم يقبل توبتكم وإن عظمت زلتكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه الآيات الكريمات مشتملات على المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع، والمحرمات بالصهر، والمحرمات بالجمع، وعلى المحللات من النساء. فأما المحرمات في النسب فهن السبع اللاتي ذكرهن الله. الأم يدخل فيها كل من لها عليك ولادة، وإن بعدت، ويدخل في البنت كل من لك عليها ولادة، والأخوات الشقيقات، أو لأب أو لأم. والعمة: كل أخت لأبيك أو لجدك وإن علا. والخالة: كل أخت لأمك، أو جدتك وإن علت وارثة أم لا. وبنات الأخ وبنات الأخت أي: وإن نزلت. فهؤلاء هن المحرمات من النسب بإجماع العلماء كما هو نص الآية الكريمة وما عداهن فيدخل في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وذلك كبنت العمة والعم وبنت الخال والخالة. وأما المحرمات بالرضاع فقد ذكر الله منهن الأم والأخت. وفي ذلك تحريم الأم مع أن اللبن ليس لها، إنما هو لصاحب اللبن، دل بتنبيهه على أن صاحب اللبن يكون أبا للمرتضع فإذا ثبتت الأبوة والأمومة ثبت ما هو فرع عنهما كإخوتهما وأصولهم وفروعهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" تفسير : فينتشر التحريم من جهة المرضعة ومن له اللبن كما ينتشر في الأقارب، وفي الطفل المرتضع إلى ذريته فقط. لكن بشرط أن يكون الرضاع خمس رضعات في الحولين كما بينت السنة. وأما المحرمات بالصهر فهن أربع. حلائل الآباء وإن علوا، وحلائل الأبناء وإن نزلوا، وارثين أو محجوبين. وأمهات الزوجة وإن علون، فهؤلاء الثلاث يحرمن بمجرد العقد. والرابعة: الربيبة وهي بنت زوجته وإن نزلت، فهذه لا تحرم حتى يدخل بزوجته كما قال هنا { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } الآية. وقد قال الجمهور: إن قوله: { اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ } قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان: إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها. والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم. وأما المحرمات بالجمع فقد ذكر الله الجمع بين الأختين وحرمه وحرم النبي صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكل امرأتين بينهما رحم محرم لو قدر إحداهما ذكرًا والأخرى أنثى حرمت عليه فإنه يحرم الجمع بينهما، وذلك لما في ذلك من أسباب التقاطع بين الأرحام. { وَ } من المحرمات في النكاح { الْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ } أي: ذوات الأزواج. فإنه يحرم نكاحهن ما دمن في ذمة الزوج حتى تطلق وتنقضي عدتها. { إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: بالسبي، فإذا سبيت الكافرة ذات الزوج حلت للمسلمين بعد أن تستبرأ. وأما إذا بيعت الأمة المزوجة أو وهبت فإنه لا ينفسخ نكاحها لأن المالك الثاني نزل منزلة الأول ولقصة بريرة حين خيرها النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: { كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } أي: الزموه واهتدوا به فإن فيه الشفاء والنور وفيه تفصيل الحلال من الحرام. ودخل في قوله: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } كلُّ ما لم يذكر في هذه الآية، فإنه حلال طيب. فالحرام محصور والحلال ليس له حد ولا حصر لطفًا من الله ورحمة وتيسيرًا للعباد. وقوله: { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ } أي: تطلبوا من وقع عليه نظركم واختياركم من اللاتي أباحهن الله لكم حالة كونكم { مُحْصِنِينَ } أي: مستعفين عن الزنا، ومعفين نساءكم. { غَيْرَ مُسَافِحِينَ } والسفح: سفح الماء في الحلال والحرام، فإن الفاعل لذلك لا يحصن زوجته لكونه وضع شهوته في الحرام فتضعف داعيته للحلال فلا يبقى محصنا لزوجته. وفيها دلالة على أنه لا يزوج غير العفيف لقوله تعالى: {أية : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } . تفسير : { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } أي: ممن تزوجتموها { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي: الأجور في مقابلة الاستمتاع. ولهذا إذا دخل الزوج بزوجته تقرر عليه صداقها { فَرِيضَةً } أي: إتيانكم إياهن أجورهن فرض فرضه الله عليكم، ليس بمنزلة التبرع الذي إن شاء أمضاه وإن شاء رده. أو معنى قوله فريضة: أي: مقدرة قد قدرتموها فوجبت عليكم، فلا تنقصوا منها شيئًا. { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } أي: بزيادة من الزوج أو إسقاط من الزوجة عن رضا وطيب نفس [هذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم: إنها نزلت في متعة النساء التي كانت حلالا في أول الإسلام ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يؤمر بتوقيتها وأجرها، ثم إذا انقضى الأمد الذي بينهما فتراضيا بعد الفريضة فلا حرج عليهما، والله أعلم]. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } أي: كامل العلم واسعه، كامل الحكمة: فمن علمه وحكمته شرع لكم هذه الشرائع وحد لكم هذه الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 210 : 36 : 25 - سفين عن الأعمش عن اسماعيل بن رجاء الاسدي عن عمير، مولى بن عباس، عن بن عباس قال، يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع. ثم قرأ {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء: 22] و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَٰتُكُمْ}. [الآية 23].

همام الصنعاني

تفسير : 544- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين في قوله تعالى: {وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ}: [الآية: 23]، قالَ: هي مِمَّا حرِّم: الأُمّ. قال: وقال مسْرُوقٌ بن الأجْدع: وسُئل عَنْها فقال: إنَّها مُبهَمةٌ فدَعْها"، قال: معمر: وكان الحسن والزهري يكرهانها. 545- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه: أنَّه كرهها أيضاً. 546- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، أَنَّ مسعُود قال: حَرَّم الله اثْنَتَيْ عشرة امرأة، وأنا أكره ثنتي عشرة: الأَمَةِ وأُمَّها، والأُختين يُجْمَعُ بينَهُما، والأ/ة إذا وطئها أبُوك، والأمة إذا وطئها ابنك، والأمة إذا زنت، والأمة في عِدَّة غَيْرك، والأمةُ لهَا زَوْجٌ، قال النّخعيُّ: وكان ابن مسعُودٍ يقُولُ: بيْعُها طَلاَقُها، وأَكْره أمَة مشركة، وعمّتك مِنَ الرضاعةِ، وخالَتك من الرضاعة. 550- معمر، عن قتادة، عن شريح، في قوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ}: [الآية: 23]، قال: لا بأس بالربيبة ولا بالأم إذا لمن يكن دُخِلَ بالمرأة. 551- قال عبد الرزاق، قال: معمر، ولا يحل للرجُلِ ابْنَه ربِيبته، ولا بأس بامرأة الرَّجُلِ وَرَبِيبَتِهِ.