Verse. 517 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

وَّالْمُحْصَنٰتُ مِنَ النِّسَاۗءِ اِلَّا مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ۝۰ۚ كِتٰبَ اللہِ عَلَيْكُمْ۝۰ۚ وَاُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاۗءَ ذٰلِكُمْ اَنْ تَبْتَغُوْا بِاَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِيْنَ غَيْرَ مُسٰفِحِيْنَ۝۰ۭ فَـمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِہٖ مِنْھُنَّ فَاٰتُوْھُنَّ اُجُوْرَھُنَّ فَرِيْضَۃً۝۰ۭ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا تَرٰضَيْتُمْ بِہٖ مِنْۢ بَعْدِ الْفَرِيْضَۃِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ كَانَ عَلِــيْمًا حَكِـيْمًا۝۲۴
Waalmuhsanatu mina alnnisai illa ma malakat aymanukum kitaba Allahi AAalaykum waohilla lakum ma waraa thalikum an tabtaghoo biamwalikum muhsineena ghayra musafiheena fama istamtaAAtum bihi minhunna faatoohunna ojoorahunna fareedatan wala junaha AAalaykum feema taradaytum bihi min baAAdi alfareedati inna Allaha kana AAaleeman hakeeman

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» حرمت عليكم «المحصَنات» أي ذوات الأزواج «من النساء» أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كن أو لا «إلا ما ملكت أيمانكم» من الإماء بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهن أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء «كتاب الله» نصب على المصدر أي كتب ذلك «عليكم وَأحلَّ» بالبناء للفاعل والمفعول «لكم ما وراء ذلكم» أي سوى ما حرم عليكم من النساء «أن تبتغوا» تطلبوا النساء «بأموالكم» بصداق أو ثمن «محصنين» متزوجين «غير مسافحين» زانين «فما» فمن «استمتعتم» تمتعتم «به منهن» ممن تزوجتم بالوطء «فآتوهن أجورهن» مهورهن التي فرضتم لهن «فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم» أنتم وهن «به من بعد الفريضة» من حطها أو بعضها أو زيادة عليها «إن الله كان عليما» بخلقه «حكيما» فيما دبره لهم.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ }. فيه مسائل: المسألة الأولى: الاحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال: مدينة حصينة ودرع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 80] معناه لتمنعكم وتحرزكم، والحصن الموضع الحصين لمنعه من يريده بالسوء، والحصان بالكسر الفرس الفحل، لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان بالفتح المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَةَ عِمْرَانَ ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } تفسير : [التحريم: 12]. واعلم أن لفظ الاحصان جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الحرية كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 4] يعني الحرائر، ألا ترى أنه لو قذف غير حر لم يجلد ثمانين، وكذلك قوله: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } يعني الحرائر، وكذلك قوله: {أية : مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } تفسير : [النساء: 25] وقوله: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } وقوله: {أية : وَٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } تفسير : [الأنبياء: 91] أي أعفته، وثالثها الاسلام: من ذلك قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } قيل في تفسيره: اذا أسلمن، ورابعها: كون المرأة ذات زوج يقال: امرأة محصنة اذا كانت ذات زوج، وقوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } يعني ذوات الأزواج، والدليل على أن المراد ذلك أنه تعالى عطف المحصنات على المحرمات، فلا بد وأن يكون الاحصان سببا للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف والاسلام لا تأثير له في ذلك، فوجب أن يكون المراد منه المزوجة، لأن كون المرأة ذات زوج له تأثير في كونها محرمة على الغير. واعلم أن الوجوه الأربعة مشتركة في المعنى الأصلي اللُّغَويّ، وهو المَنْع، وذلك لأنا ذكرنا أن الاحصان عبارة عن المنع، فالحرية سبب لتحصين الإنسان من نفاذ حكم الغير فيه، والعفة أيضا مانعة للانسان عن الشروع فيما لا ينبغي، وكذلك الاسلام مانع من كثير مما تدعو إليه النفس والشهوة، والزوج أيضا مانع للزوجة من كثير من الأمور، والزوجة مانعة للزوج من الوقوع في الزنا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من تزوج فقد حصن ثلثي دينه» تفسير : فثبت أن المرجع بكل هذه الوجوه إلى ذلك المعنى اللغوي والله أعلم. المسألة الثانية: قال الواحديّ: اختلف القُراء في {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } فقرؤا بكسر الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية فانهم أجمعوا على الفتح فيها، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن يعني: أسلمن واخترن العفاف، وتزوجن وأحسن أنفسهن بسبب هذه الأمور. ومن قرأ بالفتح جعل الفعل لغيرهن، يعني أحصنهن أزواجهن، والله أعلم. المسألة الثالثة:قال الشافعي- رحمة الله عليه-: الثَّيّب الذمي إذا زنى يُرْجَم، وقال أبو حنيفة -رضي الله عنه-: لا يرجم. حجة الشافعي أنه حصل الزنا مع الاحصان وذلك علة لاباحة الدم، فوجب أن يثبت إباحة الدم، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم. أما قولنا: حصل الزنا مع الاحصان، فهذا يعتمد اثبات قيدين: أحدهما: حصول الزنا ولا شك فيه. الثاني: حصول الاحصان وهو حاصل، لأن قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } يدل على أن المراد من المحصنة: المزوجة، وهذه المرأة مزوجة فهي محصنة، فثبت أنه حصل الزنا مع الاحصان، وإنما قلنا: ان الزنا مع الاحصان علة لاباحة الدم لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يحل دم امرىء مسلم الا لاحدى معان ثلاثة» تفسير : ومنها قوله: «حديث : وزنا بعد إحصان» تفسير : جعل الزنا بعد الاحصان علة لاباحة الدم في حق المسلم، والمسلم محل لهذا الحكم، أما العلة فهي مجرد الزنا بعد الإحصان، بدليل أن لام التعليل إنما دخل عليه. أقصى ما في الباب أنه حكم في حق المسلم، أن الزنا بعد الإحصان علة لاباحة الدم، إلا أن كونه مسلما محل الحكم، وخصوص محل الحكم لا يمنع من التعدية إلى غير ذلك المحل، والا لبطل القياس بالكلية. وأما العلة فهي ما دخل عليه لام التعليل، وهي ماهية الزنا بعد الاحصان، وهذه الماهية لما حصلت في حق الثيب الذمي، وجب أن يحصل في حقه اباحة الدم، فثبت أنه مباح الدم. ثم ههنا طريقان: ان شئنا اكتفينا بهذا القدر، فانا ندعي كونه مباح الدم والخصم لا يقول به، فصار محجوجا، أو نقول: لما ثبت أنه مباح الدم وجب أن يكون ذلك بطريق الرجم لأنه لا قائل بالفرق. فان قيل: ما ذكرتم إن دل على أن الذمي محصن، فههنا ما يدل على أنه غير محصن، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن». تفسير : قلنا: ثبت بالدليل الذي ذكرناه ان الذمي محصن، وثبت بهذا الخبر الذي ذكرتم أنه ليس بمحصن، فنقول: إنه محصن بمعنى أنه لعله ذو زوج، وغير محصن بمعنى أنه لا يحد قاذفه، وقوله: من أشرك بالله فليس بمحصن يجب حمله على أنه لا يحد قاذفه، لا على أنه لا يحد على الزنا، لأنه وصفه بوصف الشرك وذلك جناية، والمذكور عقيب الجناية لا بد وأن يكون أمرا يصلح أن يكون عقوبة، وقولنا: انه لا يحد قاذفه يصلح أن يكون عقوبة، أما قولنا: لا يحد على الزنا، لا يصلح أن يكون عقوبة له، فكان المراد من قوله: من أشرك بالله فليس بمحصن ما ذكرناه والله أعلم. المسألة الرابعة: في قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } قولان: أحدهما: المراد منها ذوات الأزواج، وعلى هذا التقدير ففي قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } وجهان: الأول: أن المرأة اذا كانت ذات زوج حرمت على غير زوجها، إلا اذا صارت ملكا لانسان فانها تحل للمالك، الثاني: أن المراد بملك اليمين ههنا ملك النكاح، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إلا اذا ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البنيوية بينهن وبين أزواجهن، والمقصود من هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد، أو بملك يمين إن كانت المرأة مملوكة، وعبر عن ذلك بملك اليمين لأن ملك اليمين حاصل في النكاح وفي الملك. القول الثاني: أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر، والدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } تفسير : [النساء: 25] ذكر ههنا المحصنات ثم قال بعده: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } كان المراد بالمحصنات ههنا ما هو المراد هناك، ثم المراد من المحصنات هناك الحرائر، فكذا ههنا. وعلى هذا التقدير ففي قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } وجهان: الأول: المراد منه إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، فصار التقدير: حرمت عليكم الحرائر إلا العدد الذي جعله الله ملكا لكم وهو الأربع، الثاني: الحرائر محرمات عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكا عليهن، وذلك عند حضور الولي والشهود وسائر الشرائط المعتبرة في الشريعة، فهذا الأول في تفسير قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } هو المختار، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 29 ـ 30] جعل ملك اليمين عبارة عن ثبوت الملك فيها، فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك، لأن تفسير كلام الله تعالى بكلام الله أقرب الطرق الى الصدق والصواب،والله أعلم. المسألة الخامسة: اتفقوا على أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الأخر وأخرج إلى دار الاسلام وقعت الفرقة. أما إذا سبيا معا فقال الشافعي رضي الله عنه: ههنا تزول الزوجية، ويحل للمالك أن يستبرئها بوضع الحمل إن كانت حاملا من زوجها، أو بالحيض. وقال أبو حنيفة رحمة الله عليه: لا تزول. حجة الشافعي رضي الله عنه أن قوله: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء } يقتضي تحريم ذات الأزواج ثم قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } يقتضي أن عند طريان الملك ترفع الحرمة ويحصل الحل، قال أبو بكر الرازي: لو حصلت الفرقة بمجرد طريان الملك لوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها وإرثها، ومعلوم أنه ليس كذلك، فيقال له: كأنك ما سمعت أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، وأيضا: فالحاصل عند السبي إحداث الملك فيها، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص فكان الأول أقوى، فظهر الفرق. المسألة السادسة: مذهب علي وعمر وعبد الرحمن بن عوف أن الأمة المنكوحة إذا بيعت لا يقع عليها الطلاق، وعليه إجماع الفقهاء اليوم، وقال أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وجابر وأنس: إنها إذا بيعت طلقت. حجة الجمهور: أن عائشة لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مزوجة، ولو وقع الطلاق بالبيع لما كان لذلك التخيير فائدة. ومنهم من روى في قصة بريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : بيع الأمة طلاقها» تفسير : وحجة أبي كعب وابن مسعود عموم الاستثناء في قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } وحاصل الجواب عنه يرجع إلى تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد والله أعلم. ثم إنه تعالى ختم ذكر المحرمات بقوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } وفيه وجهان: الأول: أنه مصدر مؤكد من غير لفظ الفعل فان قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } يدل على معنى الكتبة فالتقدير: كتب عليكم تحريم ما تقدم ذكره من المحرمات كتابا من الله، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير نظيره {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ } تفسير : [النمل: 88] الثاني: قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ويكون «عليكم» مفسرا له فيكون المعنى: الزموا كتاب الله. ثم قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {وَأُحِلَّ لَكُمْ } على ما لم ُيسَمَّ فاعِلُه،عطفا على قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } والباقون بفتح الألف والحاء عطفا على {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } يعني كتب الله عليكم تحريم هذه الأشياء وأحل لكم ما وراءها. المسألة الثانية: اعلم أن ظاهر قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } يقتضي حل كل من سوى الأصناف المذكورة. إلا أنه دل الدليل على تحريم أصناف أخر سوى هؤلاء المذكورين ونحن نذكرها. الصنف الأول: لا يجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» تفسير : وهذا خبر مشهور مستفيض، وربما قيل: إنه بلغ مبلغ التواتر، وزعم الخوارج أن هذا خبر واحد، وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لا يجوز، واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن عموم الكتاب مقطوع المتن ظاهر الدلالة، وخبر الواحد مظنون المتن ظاهر الدلالة، فكان خبر الواحد أضعف من عموم القرآن، فترجيحه عليه بمقتضى تقديم الأضعف على الأقوى وإنه لا يجوز. الثاني: من جملة الأحاديث المشهورة خبر معاذ، وإنه يمنع من تقديم خبر الواحد على عموم القرآن من وجهين لأنه قال: بم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم التمسك بكتاب الله على التمسك بالسنة، وهذا يمنع من تقديم السنة على الكتاب، وأيضا فانه قال: فان لم تجد قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، علق جواز التمسك بالسنة على عدم الكتاب بكلمة «إن» وهي للاشتراط، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط. الثالث: أن من الأحاديث المشهورة قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا فردوه» تفسير : فهذا الخبر يقتضي أن لا يقبل خبر الواحد إلا عند موافقة الكتاب، فاذا كان خبر العمة والخالة مخالفا لظاهر الكتاب وجب رده. الرابع: أن قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } مع قوله عليه السلام: لا تنكح المرأة على عمتها لا يخلو الحال فيهما من ثلاثة أوجه: إما أن يقال: الآية نزلت بعد الخبر، فحينئذ تكون الآية ناسخة للخبر لأنه ثبت أن العام إذا ورد بعد الخاص كان العام ناسخا للخاص، وإما أن يقال: الخبر ورد بعد الكتاب، فهذا يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز، وإما أن يقال: وردا معا، وهذا أيضا باطل لأن على هذا التقدير تكون الآية وحدها مشتبهة، ويكون موضع الحجة مجموع الآية مع الخبر، ولا يجوز للرسول المعصوم أن يسعى في تشهير الشبهة ولا يسعى في تشهير الحجة، فكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يسمع أحدا هذه الآية إلا مع هذا الخبر، وأن يوجب إيجابا ظاهرا على جميع الأمة أن لا يبلغوا هذه الآية أحد إلا مع هذا الخبر، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساويا لاشتهار هذه الآية، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم. الوجه الخامس: أن بتقدير أن تثبت صحة هذا الخبر قطعا، إلا أن التمسك بالآية راجح على التمسك بالخبر. وبيانه من وجهين: الأول: أن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } نص صريح في التحليل كما أن قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } نص صريح في التحريم. وأما قوله: «حديث : لا تنكح المرأة على عمتها»تفسير : فليس نصا صريحا لأن ظاهره إخبار، وحمل الاخبار على النهي مجاز، ثم بهذا التقدير فدلالة لفظ النهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ الاحلال على معنى الاباحة. الثاني: أن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريح في تحليل كل ما سوى المذكورات، وقوله:«حديث : لا تَنْكِحَ المرأة على عمتها»تفسير : ليس صريحا في العموم، بل احتماله للمعهود السابق أظهر. الوجه السادس: أنه تعالى استقصى في هذه الآية شرح أصناف المحرمات فعد منها خمسة عشر صنفا، ثم بعد هذا التفصيل التام والاستقصاء الشديد قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فلو لم يثبت الحل في كل من سوى هذه الأصناف المذكورة لصار هذا الاستقصاء عبثا لغوا، وذلك لا يليق بكلام أحكم الحاكمين، فهذا تقرير وجوه السؤال في هذا الباب. والجواب على وجوه: الأول: ما ذكره الحسن وأبو بكر الأصم، وهو أن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يقتضى إثبات الحل على سبيل التأبيد، وهذا الوجه عندي هو الأصح في هذا الباب، والدليل عليه أن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إخبار عن إحلال كل ما سوى المذكورات وليس فيه بيان أن إحلال كل ما سوى المذكورات وقع على التأبيد أم لا، والدليل على أنه لا يفيد التأبيد: أنه يصح تقسيم هذا المفهوم إلى المؤبد وإلى غير المؤبد، فيقال تارة: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أبداً، وأخرى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } إلى الوقت الفلاني، ولو كان قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } صريحا في التأييد لما كان هذا التقسيم ممكنا، ولأن قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا إحلال من سوى المذكورات وصريح العقل يشهد بأن الاحلال أعم من الاحلال المؤبد ومن الاحلال المؤقت، إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } لا يفيد إلا حل من عدا المذكورات في ذلك الوقت، فأما ثبوت حلهم في سائر الأوقات فاللفظ ساكت عنه بالنفي والاثبات، وقد كان حل من سوى المذكورات ثابتا في ذلك الوقت، وطريان حرمة بعضهم بعد ذلك لا يكون تخصيصا لذلك النص ولا نسخا له، فهذا وجه حسن معقول مقرر. وبهذا الطريق نقول أيضا: إن قوله: {أية : حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } تفسير : [النساء: 23] ليس نصا في تأبيد هذا التحريم، وإن ذلك التأبيد إنما عرفناه بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم، لا من هذا اللفظ، فهذا هو الجواب المعتمد في هذا الموضع. الوجه الثاني: انا لا نسلم أن حرمة الجمع بين المرأة وبين عمتها وخالتها غير مذكورة في الآية وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى حرم الجمع بين الأختين، وكونهما أختين يناسب هذه الحرمة لأن الأختية قرابة قريبة، والقرابة القريبة تناسب مزيد الوصلة والشفقة والكرامة، وكون إحداهما ضرة الأخرى يوجب الوحشة العظيمة والنفرة الشديدة، وبين الحالتين منافرة عظيمة، فثبت أن كونها أختاً لها يناسب حرمة الجمع بينهما في النكاح، وقد ثبت في أصول الفقه ان ذكر الحكم مع الوصف المناسب له، يدل بحسب اللفظ على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف فثبت أن قوله: {أية : وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاْخْتَيْنِ } تفسير : [النساء: 23] يدل على كون القرابة القريبة مانعة من الجمع في النكاح، وهذا المعنى حاصل بين المرأة وعمتها أو خالتها، فكان الحكم المذكور في الأختين مذكورا في العمة والخالة من طريق الدلالة، بل ههنا أولى، وذلك لأن العمة والخالة يشبهان الأم لبنت الأخ ولبنت الأخت، وهما يشبهان الولد للعمة والخالة، واقتضاء مثل هذه القرابة لترك المضارة أقوى من اقتضاء قرابة الأختية لمنع المضارة، فكان قوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلاْخْتَيْنِ } مانعا من العمة والخالة بطريق الأولى. الثاني: أنه نص على حرمة التزوج بأمهات النساء فقال: {أية : وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } تفسير : [النساء: 23] ولفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة، أما على العمة فلأنه تعالى قال مخبرا عن أولاد يعقوب عليه السلام: {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ } تفسير : [البقرة: 133] فأطلق لفظ الأب على اسمعيل مع أنه كان عما، وإذا كان العم أباً لزم أن تكون العمة أماً، وأما إطلاق لفظ الأم على الخالة فيدل عليه قوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [يوسف: 100] والمراد أبوه وخالته، فان أمه كانت متوفاة في ذلك الوقت، فثبت بما ذكرنا أن لفظ الأم قد ينطلق على العمة والخالة، فكان قوله: {وَأُمَّهَـٰتُ نِسَائِكُمْ } متناولا للعمة والخالة من بعض الوجوه. وإذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } المراد ما وراء هؤلاء المذكورات سواء كن مذكورات بالقول الصريح أو بدلالة جلية، أو بدلالة خفية، وإذا كان كذلك لم تكن العمة والخالة خارجة عن المذكورات. الوجه الثالث: في الجواب عن شبهة الخوارج أن نقول: قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } عام، وقوله: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» خاص، والخاص مقدم على العام، ثم ههنا طريقان: تارة نقول: هذا الخبر بلغ في الشهرة مبلغ التواتر، وتخصيص عموم القرآن بخبر المتواتر جائز، وعندي هذا الوجه كالمكابرة، لأن هذا الخبر وإن كان في غاية الشهرة في زماننا هذا لكنه لما انتهى في الأصل إلى رواية الآحاد لم يخرج عن أن يكون من باب الآحاد. وتارة نقول: تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد جائز، وتقريره مذكور في الأصول، فهذا جملة الكلام في هذا الباب، والمعتمد في الجواب عندنا الوجه الأول. الصنف الثالث: من التخصيصات الداخلة في هذا العموم: أن المطلقة ثلاثا لا تحل، إلا أن هذا التخصيص ثبت بقوله تعالى: {أية : فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230]. الصنف الرابع: تحريم نكاح المعتدة، ودليله قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } تفسير : [البقرة: 228]. الصنف الخامس: من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة، وهذا بالاتفاق. وعند الشافعي: القادر على طول الحرة لا يجوز له نكاح الأمة، ودليل هذا التخصيص قوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم } تفسير : [النساء: 25] وسيأتي بيان دلالة هذه الآية على هذا المطلوب. الصنف السادس: يحرم عليه التزوج بالخامسة، ودليله قوله تعالى: {أية : مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ }تفسير : [النساء: 3] الصنف السابع: الملاعنة: ودليله قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : المتلاعنان لا يجتمعان أبداً».تفسير : قوله تعالى: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ }. فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَن تَبْتَغُواْ } في محله قولان: الأول: أنه رفع على البدل من «ما» والتقدير: وأحل لكم ما وراء ذلكم وأحل لكم أن تبتغوا، على قراءة من قرأ (وأحل) بضم الألف. ومن قرأ بالفتح كان محل «أن تبتغوا» نصبا. الثاني: أن يكون محله على القراءتين النصب بنزع الخافض كأنه قيل: لأن تبتغوا، والمعنى: وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوا بأموالكم وقوله: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } أي في حال كونكم محصنين غير مسافحين، وقوله: {مُّحْصِنِينَ } أي متعففين عن الزنا، وقوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } أي غير زانين، وهو تكرير للتأكيد. قال الليث: السفاح والمسافحة الفجور، وأصله في اللغة من السفح وهو الصب يقال: دموع سوافح ومسفوحة، قال تعالى: {أية : أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } تفسير : [الانعام: 145] وفلان سفاح للدماء أي سفاك، وسمي الزاني سفاحا لأنه لا غرض للزاني إلا سفح النطفة. فان قيل: أين مفعول تبتغوا؟ قلنا: التقدير: وأحل لكم ما وراء ذلكم لارادة أن تبتغوهن، أي تبتغوا ما وراء ذلكم، فحذف ذكره لدلالة ما قبله عليه والله أعلم. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا مهر أقل من عشرة دراهم، وقال الشافعي رضي الله عنه: يجوز بالقليل والكثير ولا تقدير فيه. احتج أبو حنيفة بهذه الآية، وذلك لأنه تعالى قيد التحليل بقيد، وهو الابتغاء بأموالهم، والدرهم والدرهمان لا يسمى أموالا، فوجب أن لا يصح جعلها مهرا. فان قيل: ومن عنده عشرة دراهم لا يقال عنده أموال، مع أنكم تجوزون كونها مهرا. قلنا: ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا تكون العشرة كافية، إلا أنا تركنا العمل بظاهر الآية في هذه الصورة لدلالة الاجماع على جوازه، فتمسك في الأقل من العشرة بظاهر الآية. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، لأن الآية دالة على أن الابتغاء بالأموال جائز، وليس فيها دلالة على أن الابتغاء بغير الأموال لا يجوز، إلا على سبيل المفهوم، وأنتم لا تقولون به. ثم نقول: الذي يدل على أنه لا تقدير في المهر وجوه: الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية، وذلك لأن قوله: {بِأَمْوٰلِكُمْ } مقابلة الجمع بالجمع، فيقتضي توزع الفرد على الفرد، فهذا يقتضي أن يتمكن كل واحد من ابتغاء النكاح بما يسمى مالا، والقليل والكثير في هذه الحقيقة وفي هذا الاسم سواء، فيلزم من هذه الآية جواز ابتغاء النكاح بأي شيء يسمى مالا من غير تقدير. الحجة الثانية: التمسك بقوله تعالى: {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] دلت الآية على سقوط النصف عن المذكور، وهذا يقتضي أنه لو وقع العقد في أول الأمر بدرهم أن لا يجب عليه إلا نصف درهم، وأنتم لا تقولون به. الحجة الثالثة: الأحاديث: منها ما روي أن امرأة جيء بها الى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تزوج بها رجل على نعلين، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : رضيت من نفسك بنعلين»تفسير : فقالت: نعم فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن قيمة النعلين تكون أقل من عشرة دراهم، فان مثل هذا الرجل والمرأة اللذين لا يكون تزوجهما إلا على النعلين يكونان في غاية الفقر، ونعل هذا الانسان يكون قليل القيمة جدا. ومنها ما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أعطى امرأة في نكاح كف دقيق أو سويق أو طعام فقد استحل» تفسير : ومنها ما روي في قصة الواهبة أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن أراد التزوج بها: «حديث : التمس ولو خاتما من حديد» تفسير : وذلك لا يساوي عشرة دراهم. المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لو تزوج بها على تعليم سورة من القرآن لم يكن ذلك مهراً ولها مهر مثلها، ثم قال: اذا تزوج امرأة على خدمته سنة، فان كان حراً لها مهر مثلها، وإن كان عبدا فلها خدمة سنة. وقال الشافعي رحمة الله عليه: يجوز جعل ذلك مهرا، احتج أبو حنيفة على قوله بوجوه: الأول: هذه الآية وذلك أنه تعالى شرط في حصول الحل أن يكون الابتغاء بالمال، والمال اسم للأعيان لا للمنافع، الثاني: قال تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }تفسير : [النساء: 4] وذلك صفة الأعيان. أجاب الشافعي عن الأول بأن الآية تدل على أن الابتغاء بالمال جائز، وليس فيه بيان أن الابتغاء بغير المال جائز أم لا، وعن الثاني: أن لفظ الايتاء كما يتناول الأعيان يتناول المنافع الملتزمة، وعن الثالث: أنه خرج الخطاب على الأعم الأغلب، ثم احتج الشافعي رضي الله عنه على جواز جعل المنفعة صداقا لوجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى في قصة شعيب: {أية : إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَىَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِى ثَمَانِىَ حِجَجٍ } تفسير : [القصص: 27] جعل الصداق تلك المنافع والأصل في شرع من تقدمنا البقاء الى أن يطرأ الناسخ. الحجة الثانية: ان التي وهبت نفسها، لما لم يجد الرجل الذي أراد أن يتزوج بها شيئا، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : هل معك شيء من القرآن قال نعم سورة كذا، قال زوجتكها بما معك من القرآن»تفسير : والله أعلم. المسألة الرابعة: قال أبو بكر الرازي: دلت الآية على أن عتق الأمة لا يكون صداقا لها، لأن الآية تقتضي كون البضع مالا، وما روي أنه عليه السلام أعتق صفية وجعل عتقها صداقها، فذاك من خواص الرسول عليه السلام. المسألة الخامسة: قوله: {مُّحْصِنِينَ } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد أنهم يصيرون محصنين بسبب عقد النكاح، والثاني: أن يكون الاحصان شرطا في الاحلال المذكور في قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } والأول أولى، لأن على هذا التقدير تبقى الآية عامة معلومة المعنى، وعلى هذا التقدير الثاني تكون الآية مجملة، لأن الاحصان المذكور فيه غير مبين، والمعلق على المجمل يكون مجملا، وحمل الآية على وجه يكون معلوما أولى من حملها على وجه يكون مجملا. قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً }. فيه مسائل: المسألة الأولى: الاستمتاع في اللغة الانتفاع، وكل ما انتفع به فهو متاع، يقال: استمتع الرجل بولده، ويقال فيمن مات في زمان شبابه: لم يتمتع بشبابه. قال تعالى: {أية : رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } تفسير : [الأنعام: 128] وقال: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَـٰتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } تفسير : [الأحقاف: 20] يعني تعجلتم الانتفاع بها، وقال: {أية : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلـٰقِكُمْ } تفسير : [التوبة: 69] يعني بحظكم ونصيبكم من الدنيا. وفي قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } وجهان: الأول: فما استمتعتم به من المنكوحات من جماع أو عقد عليهن، فآتوهن أجورهن عليه، ثم أسقط الراجع إلى «ما» لعدم الالتباس كقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلاْمُورِ } تفسير : [الشورى: 43] فأسقط منه. والثاني: أن يكون «ما» في قوله: {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } بمعنى النساء و«من» في قوله: {مِنْهُنَّ } للتبعيض، والضمير في قوله: {بِهِ } راجع إلى لفظ {مَا } لأنه واحد في اللفظ، وفي قوله: {فآتوهن أجورهن } إلى معنى «ما» لأنه جمع في المعنى، وقوله: {أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن، قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } إلى قوله: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } تفسير : [النساء: 25] وهي المهور، وكذا قوله: {فآتوهن أجورهن} ههنا، وقال تعالى في آية أخرى: {أية : لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } تفسير : [الممتحنة: 10] وإنما سمي المهر أجراً لأنه بدل المنافع، وليس ببدل من الأعيان، كما سمي بدل منافع الدار والدابة أجرا،والله أعلم. المسألة الثانية: قال الشافعي: الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر. وقال أبو حنيفة تقرره. واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية لأن قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مشعر بأن وجوب إيتائهن مهورهن كان لأجل الاستمتاع بهن، ولو كانت الخلوة الصحيحة مقررة للمهر كان الظاهر أن الخلوة الصحيحة تتقدم الاستمتاع بهن، فكان المهر يتقرر قبل الاستمتاع، وتقرره قبل الاستمتاع يمنع من تعلق ذلك التقرر بالاستمتاع، والآية دالة على أن تقرر المهر يتعلق بالاستمتاع، فثبت أن الخلوة الصحيحة لا تقرر المهر. المسألة الثالثة: في هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول أكثر علماء الأمة أن قوله: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ } المراد منه ابتغاء النساء بالأموال على طريق النكاح، وقوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فان استمتع بالدخول بها آتاها المهر بالتمام، وإن استمتع بعقد النكاح آتاها نصف المهر. والقول الثاني: أن المراد بهذه الآية حكم المتعة، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمال معلوم إلى أجل معين فيجامعها، واتفقوا على أنها كانت مباحة في ابتداء الاسلام، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة في عمرته تزين نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم طول العزوبة فقال: (حديث : استمتعوا من هذه النساء)تفسير : ، واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها صارت منسوخة، وقال السواد منهم: إنها بقيت مباحة كما كانت وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين، أما ابن عباس فعنه ثلاث روايات: احداها: القول بالاباحة المطلقة، قال عمارة: سألت ابن عباس عن المتعة: أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: هي متعة كما قال تعالى، قلت: هل لها عدة؟ قال نعم عدتها حيضة، قلت: هل يتوارثان؟ قال لا. والرواية الثانية عنه: أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس في المتعة قال ابن عباس: قاتلهم الله إني ما أفتيت باباحتها على الاطلاق، لكني قلت: إنها تحل للمضطر كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير له. والرواية الثالثة: أنه أقر بأنها صارت منسوخة. روى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } قال صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : يأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } تفسير : [الطلاق: 1] وروي أيضا أنه قال عند موته: اللهم إني أتوب اليك من قولي في المتعة والصرف وأما عمران بن الحصين فانه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم ينزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمتعنا بها، ومات ولم ينهنا عنه، ثم قال رجل برأيه ما شاء. وأما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالشيعة يروون عنه إباحة المتعة، وروى محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: لولا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى إلا شقي، وروى محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية أن عليا رضي الله عنه مر بابن عباس وهو يفتي بجواز المتعة، فقال أمير المؤمنين: إنه صلى الله عليه وسلم نهى عنها وعن لحوم الحمر الأهلية، فهذا ما يتعلق بالروايات. واحتج الجمهور على حرمة المتعة بوجوه: الأول: أن الوطء لا يحل إلا في الزوجة أو المملوكة لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المعارج: 29، 30] وهذه المرأة لا شك أنها ليست مملوكة، وليست أيضا زوجة، ويدل عليه وجوه: أحدها: لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوٰجُكُمْ } تفسير : [النساء: 12] وبالاتفاق لا توارث بينهما، وثانيها: ولثبت النسب، لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الولد للفراش» تفسير : وبالاتفاق لا يثبت، وثالثها: ولوجبت العدة عليها، لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [البقرة: 234] واعلم أن هذه الحجة كلام حسن مقرر. الحجة الثانية: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في خطبته: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما، ذكر هذا الكلام في مجمع الصحابة وما أنكر عليه أحد، فالحال ههنا لا يخلو إما أن يقال: انهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا إباحتها ولا حرمتها. فسكتوا لكونهم متوقفين في ذلك، والأول هو المطلوب، والثاني يوجب تكفير عمر، وتكفير الصحابة لأن من علم أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم باباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة من غير نسخ لها فهو كافر بالله، ومن صدقه عليه مع علمه بكونه مخطئا كافرا، كان كافرا أيضا. وهذا يقتضي تكفير الأمة وهو على ضد قوله: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } تفسير : [آل عمران: 110]. والقسم الثالث: وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة فلهذا سكتوا، فهذا أيضا باطل، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح، واحتياج الناس إلى معرفة الحال في كل واحد منهما عام في حق الكل، ومثل هذا يمنع أن يبقى مخفيا، بل يجب أن يشتهر العلم به، فكما أن الكل كانوا عارفين بأن النكاح مباح، وأن إباحته غير منسوخة، وجب أن يكون الحال في المتعة كذلك، ولما بطل هذان القسمان ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الانكار على عمر رضي الله عنه لأنهم كانوا عالمين بأن المتعة صارت منسوخة في الاسلام. فان قيل: ما ذكرتم يبطل بما أنه روي أن عمر قال: لا أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته، ولا شك أن الرجم غير جائز، مع أن الصحابة ما أنكروا عليه حين ذكل ذلك، فدل هذا على أنهم كانوا يسكتون عن الانكار على الباطل. قلنا: لعله كان يذكر ذلك على سبيل التهديد والزجر والسياسة، ومثل هذه السياسات جائزة للامام عند المصلحة، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من منع منا الزكاة فانا آخذوها منه وشطر ماله»تفسير : ثم أن أخذ شطر المال من مانع الزكاة غير جائز، لكنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للمبالغة في الزجر، فكذا ههنا والله أعلم. الحجة الثالثة على أن المتعة محرمة: ما روى مالك عن الزهري عن عبدالله والحسن ابني محمد ابن علي عن أبيهما عن علي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء وعن أكل لحوم الحمر الانسية. وروى الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه قال: غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا هو قائم بين الركن والمقام مسند ظهره إلى الكعبة يقول: «حديث : يا أيها الناس إني أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا وإن الله قد حرمها عليكم إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً»تفسير : وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : متعة النساء حرام» تفسير : وهذه الأخبار الثلاثة ذكرها الواحدي في البسيط، وظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ، ومجرد النكاح ليس كذلك، أما القائلون باباحة المتعة فقد احتجوا بوجوه. الحجة الأولى: التمسك بهذه الآية أعني قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن} وفي الاستدلال بهذه الآية طريقان: الطريق الأول: أن قول: نكاح المتعة داخل في هذه الآية، وذلك لأن قوله: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ } يتناول من ابتغى بماله الاستمتاع بالمرأة على سبيل التأييد، ومن ابتغى بماله على سبيل التأقيت، وإذا كان كل واحد من القسمين داخلا فيه كان قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ } يقتضي حل القسمين، وذلك يقتضي حل المتعة. الطريق الثاني: أن نقول: هذه الآية مقصورة على بيان نكاح المتعة، وبيانه من وجوه: الأول: ما روي أن أبي بن كعب كان يقرأ {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فآتوهن أجورهن } وهذا أيضا هو قراءة ابن عباس، والأمة ما أنكروا عليهما في هذه القراءة، فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة، وتقريره ما ذكرتموه في أن عمر رضي الله عنه لما منع من المتعة والصحابة ما أنكروا عليه كان ذلك إجماعا على صحة ما ذكرنا، وكذا ههنا، واذا ثبت بالاجماع صحة هذه القراءة ثبت المطلوب. الثاني: أن المذكور في الآية إنما هو مجرد الابتغاء بالمال، ثم انه تعالى أمر بايتائهن أجورهن بعد الاستمتاع بهن، وذلك يدل على أن مجرد الابتغاء بالمال يجوز الوطء، ومجرد الابتغاء بالمال لا يكون إلا في نكاح المتعة، فأما في النكاح المطلق فهناك الحل إنما يحصل بالعقد، ومع الولي والشهود، ومجرد الابتغاء بالمال لا يفيد الحل، فدل هذا على أن هذه الآية مخصوصة بالمتعة. الثالث: أن في هذه الآية أوجب إيتاء الأجور بمجرد الاستمتاع، والاستمتاع عبارة عن التلذذ والانتفاع، فأما في النكاح فايتاء الأجور لا يجب على الاستمتاع ألبتة، بل على النكاح، ألا ترى أن بمجرد النكاح يلزم نصف المهر، فظاهر أن النكاح لا يسمى استمتاعا، لأنا بينا أن الاستمتاع هو التلذذ. ومجرد النكاح ليس كذلك. الرابع: أنا لو حملنا هذه الآية على حكم النكاح لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة، لأنه تعالى قال في أول هذه السورة: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } تفسير : [النساء: 3] ثم قال: {أية : وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً } تفسير : [النساء: 4] أما لو حملنا هذه الآية على بيان نكاح المتعة كان هذا حكما جديدا، فكان حمل الآية عليه أولى والله أعلم. الحجة الثانية على جواز نكاح المتعة: أن الأمة مجمعة على أن نكاح المتعة كان جائزا في الاسلام، ولا خلاف بين أحد من الأمة فيه، إنما الخلاف في طريان الناسخ، فنقول: لو كان الناسخ موجودا لكان ذلك الناسخ إما أن يكون معلوما بالتواتر، أو بالآحاد، فان كان معلوما بالتواتر، كان علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعمران بن الحصين منكرين لما عرف ثبوته بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك يوجب تكفيرهم، وهو باطل قطعا، وإن كان ثابتا بالآحاد فهذا أيضا باطل، لأنه لما كان ثبوت إباحة المتعة معلوما بالاجماع والتواتر، كان ثبوته معلوما قطعا، فلو نسخناه بخبر الواحد لزم جعل المظنون رافعاً للمقطوع وإنه باطل. قالوا: ومما يدل أيضا على بطلان القول بهذا النسخ أن أكثر الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر، وأكثر الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أباح المتعة في حجة الوداع وفي يوم الفتح، وهذان اليومان متأخران عن يوم خيبر، وذلك يدل على فساد ما روي أنه عليه السلام نسخ المتعة يوم خيبر، لأن الناسخ يمتنع تقدمه على المنسوخ، وقول من يقول: انه حصل التحليل مراراً والنسخ مراراً ضعيف، لم يقل به أحد من المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التناقض عن هذه الروايات. الحجة الثالثة: ما روي أن عمر رضي الله عنه قال على المنبر: متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنهما: متعة الحج، ومتعة النكاح، وهذا منه تنصيص على أن متعة النكاح كانت موجودة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله: وأنا أنهي عنهما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نسخه، وإنما عمر هو الذي نسخه. وإذا ثبت هذا فنقول: هذا الكلام يدل على أن حل المتعة كان ثابتا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام ما نسخه، وأنه ليس ناسخ الا نسخ عمر، وإذا ثبت هذا وجب أن لا يصير منسوخا لأن ما كان ثابتا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وما نسخه الرسول، يمتنع أن يصير منسوخا بنسخ عمر، وهذا هو الحجة التي احتج بها عمران بن الحصين حيث قال: ان الله أنزل في المتعة آية وما نسخها بآية أخرى، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء، يريد أن عمر نهى عنها، فهذا جملة وجوه القائلين بجواز المتعة. والجواب عن الوجه الأول أن نقول: هذه الآية مشتملة على أن المراد منها نكاح المتعة وبيانه من ثلاثة أوجه: الأول: أنه تعالى ذكر المحرمات بالنكاح أولا في قوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ } ثم قال في آخر الآية: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } فكان المراد بهذا التحليل ما هو المراد هناك بهذا التحريم، لكن المراد هناك بالتحريم هو النكاح، فالمراد بالتحليل ههنا أيضا يجب أن يكون هو النكاح. الثاني: أنه قال: {مُّحْصِنِينَ } والاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح. والثالث: قوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } سمى الزنا سفاحا لأنه لا مقصود فيه إلا سفح الماء، ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النكاح، والمتعة لا يراد منها إلا سفح الماء فكان سفاحا، هذا ما قاله أبو بكر الرازي. أما الذي ذكره في الوجه الأول: فكأنه تعالى ذكر أصناف من يحرم على الانسان وطؤهن، ثم قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أي وأحل لكم وطء ما وراء هذه الأصناف، فأي فساد في هذا الكلام؟ وأما قوله ثانياً: الاحصان لا يكون إلا في نكاح صحيح فلم يذكر عليه دليلا، وأما قوله ثالثاً: الزنا إنما سمي سفاحا، لأنه لا يراد منه إلا سفح الماء، والمتعة ليست كذلك، فان المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل الله، فان قلتم: المتعة محرمة، فنقول: هذا أول البحث، فلم قلتم: إن الأمر كذلك، فظهر أن الكلام رخو، والذي يجب أن يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول: إنا لا ننكر أن المتعة كانت مباحة، إنما الذي نقوله: إنها صارت منسوخة، وعلى هذا التقدير فلو كانت هذه الآية دالة على أنها مشروعة لم يكن ذلك قادحا في غرضنا، وهذا هو الجواب أيضا عن تمسكهم بقراءة أبي وابن عباس، فان تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع فيه، إنما الذي نقوله: إن النسخ طرأ عليه، وما ذكرتم من الدلائل لا يدفع قولنا، وقولهم: الناسخ إما أن يكون متواتراً أو آحادا. قلنا: لعل بعضهم سمعه ثم نسيه، ثم إن عمر رضي الله عنه لما ذكر ذلك في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه فسلموا الأمر له. قوله: إن عمر أضاف النهي عن المتعة إلى نفسه. قلنا: قد بينا أنه لو كان مراده أن المتعة كانت مباحة في شرع محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أنهي عنه لزم تكفيره وتكفير كل من لم يحاربه وينازعه، ويفضي ذلك إلى تكفير أمير المؤمنين حيث لم يحاربه ولم يرد ذلك القول عليه، وكل ذلك باطل، فلم يبق إلا أن يقال: كان مراده أن المتعة كانت مباحة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهي عنها لما ثبت عندي أنه صلى الله عليه وسلم نسخها، وعلى هذا التقدير يصير هذا الكلام حجة لنا في مطلوبنا والله أعلم. ثم قال تعالى: {فآتوهن أجورهن فريضة } والمعنى أن إيتاءهن أجورهن ومهورهن فريضة لازمة وواجبة، وذكر صاحب «الكشاف» في قوله: {فَرِيضَةً } ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حال من الأجور بمعنى مفروضة. وثانيها: أنها وضعت موضع إيتاء، لأن الايتاء مفروض. وثالثها: أنه مصدر مؤكد، أي فرض ذلك فريضة. ثم قال تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان حكم النكاح قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئه عنه بالكلية، فعلى هذا: المراد من التراضي الحط من المهر أو الابراء عنه، وهو كقوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } تفسير : [النساء: 4] وقوله: {أية : إَّلا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَٱلَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنّكَاحِ } تفسير : [البقرة: 237] وقال الزجاج معناه: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول. وأما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا: المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل ألبتة، فان قال لها: زيديني في الأيام وأزيدك في الأجرة كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فعلت، وإن شاءت لم تفعل، فهذا هو المراد من قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ } أي من بعد المقدار المذكور أولا من الأجر والأجل. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إلحاق الزيادة في الصداق جائز، وهي ثابتة ان دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة، وكان لها نصف المسمى في العقد. وقال الشافعي رحمة الله عليه: الزيادة بمنزلة الهبة، فإن أقبضها ملكته بالقبض، وإن لم يقبضها بطلت. احتج أبو بكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية فقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ } يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة والنقصان، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق، قال: بل هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما، والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج، والزيادة لا تصح إلا بقبوله، فاذا علق ذلك بتراضيهما جميعا دل على أن المراد هو الزيادة. والجواب: لم لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج؟ وهو أنه إذا طلقها قبل الدخول، فإن شاءت المرأة أبرأته عن النصف، وان شاء الزوج سلم اليها كل المهر، وبهذا التقدير يكون قد زادها عما وجب عليه تسليمه اليها، وأيضا عندنا أنه لا جناح في تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة. والدليل القاطع على بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع بقاء العقد الأول، أو بعد زوال العقد، والأول باطل، لأن العقد لما انعقد على القدر الأول، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني، لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته، وذلك يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال. والثاني باطل لانعقاد الاجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد الأول، فثبت فساد ما قالوه والله أعلم. ثم إنه تعالى لما ذكر في هذه الآية أنواعا كثيرة من التكاليف والتحريم والاحلال، بين أنه عليم بجميع المعلومات لا يخفى عليه منها خافية أصلا، وحكيم لا يشرع الأحكام إلا على وفق الحكمة، وذلك يوجب التسليم لأوامره والانقياد لأحكامه والله أعلم. النوع السابع: من التكاليف المذكورة في هذه السورة قوله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه أربع عشرة مسألة: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} عطف على المحرّمات والمذكورات قبلُ. والتّحَصُّن: التمنّع؛ ومنه الحِصْن لأنه يُمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالىٰ: { أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 80] أي لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك. والحصان (بفتح الحاء): المرأة العفيفة لمنعها نفسها من الهلاك. وحَصُنت المرأة تَحْصُن فهي حَصان؛ مثل جبنت فهي جبان. وقال حَسَّان في عائشة رضي الله عنها: شعر : حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِريبةٍ وتُصبِح غَرْثَىٰ من لحُومِ الغَوَافِل تفسير : والمصدر الحصانة (بفتح الحاء) والحِصن كالعِلْم. فالمراد بالمحصنَات هٰهنا ذوات الأزواج؛ يُقال: ٱمرأة مُحْصنة أي متزوّجة، ومحصِنة أي حُرّة؛ ومنه { أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ } تفسير : [المائدة: 5]. ومحصِنَة أي عفيفة؛ قال الله تعالىٰ: { أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } تفسير : [النساء:25] وقال: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}. ومُحصَنَة ومُحْصِنة وحَصان أي عفيفة، أي ممتنعة من الفسق؛ والحرّية تمنع الحُرّة مما يتعاطاه العبيد. قال الله تعالىٰ: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ } تفسير : [النور: 4] أي الحرائر، وكان عُرْف الإماء في الجاهلية الزّنى؛ ألا ترى إلى قول هِند بنتِ عُتبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم حين بايعته: «وَهَلْ تَزْنِي الحُرّة»؟ والزوج أيضاً يمنع زوجه من أن تَزوّج غيره؛ فبِناء(ح ص ن) معناه المنع كما بيّنا. ويستعمل الإحصان في الإسلام؛ لأنه حافظ ومانع، ولم يرد في الكتاب وورد في السنة؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : الإيمان قَيْدُ الفَتْكِ » تفسير : . ومنه قول الهُذَلِيّ: شعر : فليس كعهدِ الدّار يا أُمَّ مالكٍ ولكن أحاطتْ بالرّقاب السلاسِلُ تفسير : وقــال الشاعر: شعر : قالت هَلُمّ إلى الحديث فقلت لا يأبى عليكِ اللَّهُ والإسلامُ تفسير : ومنه قول سُحَيم: شعر : كفـى الشيـبُ والإسـلام للمرء ناهياً تفسير : الثانية ـ إذا ثبت هذا فقد ٱختلف العلماء في تأويل هذه الآية؛ فقال ٱبن عباس وأبو قلابة وٱبن زيد ومَكْحُولٌ والزُّهِريّ وأبو سعيدٍ الخُدْرِيّ: المراد بالمحصَنات هنا المسْبِيّات ذواتُ الأزواج خاصة، أي هنّ محرّمات إلاَّ ما ملكت اليَمين بالسبْي من أرض الحرب، فإن تلك حلال للَّذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج. وهو قول الشافعيّ في أن السِّباء يقطع العِصمة؛ وقاله ٱبن وهب وٱبن عبد الحكم وروياه عن مالك، وقال به أَشهب. يدلّ عليه ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيدٍ الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ حُنينٍ بعث جيشاً إلى أوْطاسٍ فلقوا العدوّ فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سَبَايَا؛ فكان ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم تحرّجوا من غِشْيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين، فأنزل الله عزّ وجلّ(في ذلك) {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}. أي فهنّ لكم حلال إذا ٱنقضت عدّتهنّ. وهذا نصّ صحيح صريحٌ في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن وطء المَسْبِيّات ذواتِ الأزواج؛ فأنزل الله تعالىٰ في جوابهم {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر، وهو الصحيح إن شاء الله تعالىٰ. وٱختلفوا في استبرائها بماذا يكون؛ فقال الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستبرؤون المَسْبِيّة بحيضة؛ وقد رُوي ذلك من حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ في سبايا أوْطاس: « حديث : لا توطأ حاملٌ حتى تضع ولا حائل حتى تحيض » تفسير : . ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثراً حتى يقال إن المسبِية مملوكةٌ ولكنها كانت زوجة زال نكاحها فتعتد عدّة الإماء، على ما نُقل عن الحسن بن صالح قال: عليها العدّة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة العلماء رأوا استبراءها واستبراء التي لا زوج لها واحداً في أن الجميع بحيضة واحدة. والمشهور من مذهب مالك أنه لا فرق بين أن يُسْبَىٰ الزوجان مجتمعَيْن أو متفرّقين. ورَوى عنه ٱبن بكير أنهما إن سُبِيا جميعاً وٱسْتُبْقِي الرجل أقرّا على نكاحهما؛ فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار له عهدٌ وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يحال بينه وبينها؛ وهو قول أبي حنيفة والثَّوْريّ، وبه قال ٱبن القاسم ورواه عن مالك. والصحيح الأوّل؛ لما ذكرناه؛ ولأن الله تعالىٰ قال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} فأحال على مِلْك اليمين وجعله هو المؤثِّر فيتعلّق الحكم به من حيث العموم والتعليل جميعاً إلا ما خصّه الدليل. وفي الآية قول ثانٍ قاله عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيِّب والحسن بن أبي الحسن وأُبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وٱبن عباس في رواية عِكرِمة: أن المراد بالآية ذواتُ الأزواج، أي فهنّ حرام إلاَّ أن يشتري الرجل الأَمةَ ذاتَ الزوج فإن بيعها طلاقُها والصدقة بها طلاقُها وأن تورث طلاقُها وتطليق الزوج طلاقها. قال ٱبن مسعود: فإذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحق ببُضْعها وكذلك المَسْبِية؛ كل ذلك موجب للفُرقة بينها وبين زوجها. قالوا: وإذا كان كذلك فلا بدّ أن يكون بيع الأمة طلاقاً لها؛ لأن الفرج محرّم على ٱثنين في حال واحدة بإجماع من المسلمين. قلت؛ وهذا يردّه حديث بَرِيرة؛ لأن عائشة رضي الله عنها ٱشترت بَرِيرة وأعتقتها ثم خيرها النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ذات زوج، وفي إجماعهم على أن بريرة قد خُيِّرت تحت زوجها مُغِيثٍ بعد أن ٱشترتها عائشة فأعتقتها لدليلٌ على أن بيع الأَمَة ليس طلاقها؛ وعلى ذلك جماعة فقهاء الأمصار من أهل الرأي والحديث، وألاّ طلاق لها إلاَّ الطلاق. وقد ٱحتجّ بعضهم بعموم قوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} وقياساً على المَسْبِيّات. وما ذكرناه من حديث بَريرة يخصُّه ويردّه، وأن ذلك إنما هو خاص بالمَسْبِيّات على حديث أبي سعيدٍ، وهو الصواب والحق إن شاء الله تعالىٰ. وفي الآية قول ثالث ـ روى الثَّوْرِيّ عن مجاهد عن إبراهيم قال ٱبن مسعود في قوله تعالىٰ: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال عليّ بن أبي طالب: ذوات الأزواج من المشركين. وفي الموطّأ عن سعيد بن المسيّب {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} هنّ ذواتُ الأزواج؛ ويرجع ذلك إلى أن الله حرّم الزّنىٰ. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية يُراد به العفائف، أي كل النساء حرام. وألبسهن ٱسم الإحصان من كان منهنّ ذات زوج أو غير ذات زوج؛ إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك. {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} قالوا: معناه بنكاح أو شراء. هذا قول أبي العالِية وعَبيدة السّلْمانيّ وطاوس وسعيد بن جُبير وعطاء، ورواه عَبيدة عن عمر؛ فأدخلوا النكاح تحت مِلك اليمين، ويكون معنى الآية عندهم في قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يعني تملكون عصمتهنّ بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهنّ كلهنّ ملك يمين وما عدا ذلك فزِنًى، وهذا قول حسن. وقد قال ٱبن عباس: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال ٱبن عطية: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنى؛ وأسند الطَّبرِيّ أن رجلاً قال لسعيد بن جُبير: أما رأيتَ ٱبنَ عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئاً؟ فقال سعيد: كان ٱبن عباس لا يعلمها. وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يُفَسِّر لي هذه الآيةَ لضربت إليه أكباد الإبل: قوله {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} إلى قوله {حَكِيماً}. قال ٱبن عطية: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ٱبن عباس ولا كيف ٱنتهى مجاهد إلى هذا القول؟. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} نصب على المصدر المؤكّد، أي حُرّمت هذه النساء كتاباً من الله عليكم. ومعنى «حُرّمت عليكم» كتب الله عليكم. وقال الزجاج والكوفيون: هو نصب على الإغْراء، أي ألزموا كتاب الله، أو عليكم كتاب الله. وفيه نظر على ما ذكره أبو عليّ؛ فإن الإغراء لا يجوز فيه تقديم المنصوب على حرف الإغراء، فلا يُقال: زيداً عليك، أو زيداً دونك؛ بل يُقال: عليك زيداً ودونك عمراً، وهذا الذي قاله صحيح على أن يكون منصوباً بـ «عليكم»، وأما على تقدير حذف الفعل فيجوز. ويجوز الرفع على معنى هذا كتاب الله وفرضه. وقرأ أبو حَيْوَة ومحمد بن السَّمَيقع «كتَبَ الله عليكم» على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالىٰ، والمعنى كتب الله عليكم ما قصّه من التحريم. وقال عَبيدة السَّلْماني وغيره: قوله {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله تعالىٰ: {مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} وفي هذا بُعْدٌ؛ والأظهر أن قوله: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} قرأ حمزة والكِسائيّ وعاصم في رواية حفص {وَأُحِلَّ لَكُمْ} ردّاً على {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ}. الباقون بالفتح رَدّاً على قوله تعالىٰ: {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. وهذا يقتضي ألاَّ يحرم من النساء إلاَّ مَن ذُكر، وليس كذلك؛ فإن الله تعالىٰ قد حرّم على لسان نبِّيه مَن لم يذكر في الآية فيُضمّ إليها؛ قال الله تعالىٰ: { أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7]. روى مُسْلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يجمع بين المرأة وعَمّتها ولا بين المرأة وخالتها » تفسير : . وقال ٱبن شهاب: فنرى خالة أبيها وعَمَّة أبيها بتلك المنزلة، وقد قيل: إن تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها متلقىً من الآية نفسها؛ لأن الله تعالى حرم الجمَع بيع الأُختين، والجمعُ بين المرأة وعمتها في معنى الجمع بين الأُختين؛ أو لأن الخالة في معنى الوالدة والعمّةَ في معنى الوالد. والصحيح الأوّل؛ لأن الكتاب والسنّة كالشيء الواحد؛ فكأنه قال: أحللت لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملتُ به البيان على لسان محمد عليه السَّلام. وقول ٱبن شهاب: «فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة» إنما صار إلى ذلك لأنه حمل الخالة والعمة على العموم وتمّ له ذلك؛ لأن العمة ٱسمٌ لكل أُنثىٰ شاركت أباك في أصليه أو في أحدهما والخالة كذلك كما بيّناه. وفي مصنّف أبي داود وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تنكح المرأة على عَمّتها ولا العمةُ على بنت أخيها ولا المرأةُ على خالتها ولا الخالةُ على بنت أختها ولا تُنكح الكبرىٰ على الصُّغْرىٰ ولا الصغرى على الكبرىٰ » تفسير : . وروى أبو داود أيضاً عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : أنّه كرِه أن يجمع بين العمّة والخالة وبين العمّتيْن والخالتينتفسير : . الرواية «لا يجمعُ» برفع العين على الخبر على المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك، وهذا الحديث مُجْمَعٌ على العمل به في تحريم الجمع بين مَن ذكر فيه بالنكاح. وأجاز الخوارج الجمع بين الأُختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يُعْتد بخلافهم لأنهم مَرَقُوا من الدّين وخرجوا منه، ولأنهم مخالفون للسنّة الثابتة. وقوله: «حديث : لا يُجمع بين العمتين والخالتين»تفسير : فقد أشكل على بعض أهل العلم وتحيّر في معناه حتى حمله على ما يبعد أو لا يجوز؛ فقال: معنى بين العمتين على المجاز، أي بين العمة وبنت أخيها؛ فقيل لهما: عمتان، كما قيل: سُنّةُ العُمَرَين أبي بكر وعمر؛ قال: وبين الخالتين مثله. قال النحاس: وهذا من التعسُّف الذي لا يكاد يُسمع بمثله، وفيه أيضاً مع التعسُّف أنه يكون كلاماً مكرراً لغير فائدة؛ لأنه إذا كان المعنى نهى أن يجمع بين العمة وبنت أخيها وبين العمتين يعني به العمة وبنت أخيها صار الكلام مكرراً لغير فائدة؛ وأيضاً فلو كان كما قال لوجب أن يكون وبين الخالة، وليس كذلك الحديث؛ لأن الحديث: «حديث : نهى أن يجمع بين العمة والخالة»تفسير : . فالواجب على لفظ الحديث ألا يجمع بين ٱمرأتين إحداهما عمّة الأُخرىٰ والأُخرىٰ خالة الأُخرىٰ. قال النحاس: وهذا يخرج على معنًى صحيح، يكون رجل وٱبنه تزوّجا ٱمرأة وابنتها؛ تزوّج الرجلُ البنتَ وتزوّج الابنُ الأُمَّ فوُلد لكل واحد منهما ابنةٌ من هاتين الزوجتين؛ فٱبنة الأب عمّةُ ٱبنةِ الابنِ، وٱبنةُ الابنِ خالةُ ٱبنة الأب. وأما الجمع بين الخالتين فهذا يوجب أن يكونا ٱمرأتين كُلّ واحدة منهما خالة الأُخرىٰ؛ وذلك أن يكون رجل تزوّج ٱبنة رجل وتزوّج الآخرُ ٱبنته، فوُلد لكل واحد منهما ٱبنة، فٱبنة كل واحد منهما خالةُ الأُخرىٰ. وأما الجمع بين العمّتين فيوجب ألاّ يُجمع بين ٱمرأتين كلُّ واحدة منهما عمّةُ الأُخرىٰ؛ وذلك أن يتزوّج رجل أمّ رجل ويتزوّج الآخر أُمّ الآخر، فيولد لكل واحد منهما ٱبنة فٱبنةُ كلِّ واحد منهما عمّةُ الأُخرىٰ؛ فهذا ما حرّم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن. الخامسة ـ وإذا تقرّر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهنّ عقداً حسناً؛ فروى مُعْتَمِر ابن سليمان عن فُضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبيّ قال: كل ٱمرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكراً لم يجز له أن يتزوّج الأُخرىٰ فالجمع بينهما باطل. فقلت له: عمّن هذا؟ قال: عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سفيان الثوْرِيّ: تفسيره عندنا أن يكون من النسب، ولا يكون بمنزلة ٱمرأة وٱبنة زوجها يجمع بينهما إن شاء. قال أبو عمر: وهذا على مذهب مالك والشافعيّ وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل. وقد كرِه قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ٱبنة رجل وٱمرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكراً لم يحل له نكاح الأُخرىٰ. والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك، وأن المراعَى النسب دون غيره من المصاهرة؛ ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلّة في منع الجمع بين مَن ذُكر، وذلك ما يُفضِي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشَّنآن والشرور بسبب الغَيْرَة؛ فروى ٱبن عباس قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّج الرجل المرأة على العمّة أو على الخالة، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» تفسير : ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وٱبن عبد البر وغيرهما. ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة؛ وقد طَرَد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها، وسواء كانت بنت عمّ أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة؛ رُوي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعِكرمة وقتادة وعطاء في رواية ٱبن أبي نجيح، وروى عنه ٱبن جُريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح. وقد نكح حسن بن حسين بن عليّ في ليلة واحدة ٱبنةَ محمد بن عليّ وٱبنة عمر بن عليّ فجمع بين ٱبنتي عمّ؛ ذكره عبد الرزاق. زاد ٱبن عيينة: فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتّهما يذهبن؛ وقد كرِه مالك هذا، وليس بحرام عنده. وفي سماع ٱبن القاسم: سئل مالك عن ٱبنتي العَمّ أيجمع بينهما؟ فقال: ما أعلمه حراماً. قيل له: أفتكرهه؟ قال: إن ناساً ليتّقونه؛ قال ٱبن القاسم: وهو حلال لا بأس به. قال ٱبن المنذر: لا أعلم أحداً أبطل هذا النكاح. وهما داخلتان في جملة ما أُبيح بالنكاح غيرُ خارجتين منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، وكذلك الجمع بين ٱبنتي عمة وابنتي خالة. وقال السُّدِّي في قوله تعالىٰ: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}: يعني النكاح فيما دون الفرْج. وقيل: المعنى وأحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقربائكم. قَتادة: يعني بذلك مِلْك اليمين خاصّةً. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} لفظٌ يجمع التزوج والشراء. و «أنْ» في موضع نصب بدل من «ما»، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع؛ ويحتمل أن يكون المعنى لأن، أو بأن؛ فتحذف اللام أو الباء فيكون في موضع نصب. و {مُّحْصِنِينَ} نصب على الحال، ومعناه متعفِّفين عن الزنى. {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي غير زانين. والسَّفاح الزنى، وهو مأخوذ من سَفْح الماءِ، أي صبّه وسيلانه؛ ومنه حديث : قول النبيّ صلى الله عليه وسلم حين سمع الدَّفّاف في عرس: «هذا النكاح لا السّفاح ولا نكاح السِّرّ» تفسير : . وقد قيل؛ إن قوله {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما ذكرناه وهو الإحصان بعقد النكاح، تقديره اطلبوا منافع البُضْع بأموالكم على وجه النكاح لا على وجه السفاح؛ فيكون للآية على هذا الوجه عموم. ويحتمل أن يُقال: {مُّحْصِنِينَ} أي الإحصان صفة لهنّ، ومعناه لتزوّجوهنّ على شرط الإحصان فيهنّ؛ والوجه الأوّل أوْلى؛ لأنه متى أمكن جَرْيُ الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أوْلىٰ؛ ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافِحات لا يحلّ التزوّج بهنّ، وذلك خلاف الإجماع. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} أباح الله تعالىٰ الفروج بالأموال ولم يفصل، فوجب إذا حصل بغير المال ألاَّ تقع الإباحة به؛ لأنها على غير الشرط المأذون فيه، كما لو عقد على خمر أو خنزير أو ما لا يصح تملُّكُه. ويُردّ على أحمدَ قولُه في أن العتق يكون صداقاً؛ لأنه ليس فيه تسليم مال وإنما فيه إسقاط المِلْك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها؛ فإن الذي كان يملكه المَوْلَى مِن عنده لم ينتقل إليها وإنما سقط. فإذا لم يُسلّم الزوج إليها شيئاً ولم تستحق عليه شيئاً، وإنما أتلف به ملكه، لم يكن مهراً. وهذا بيّن مع قوله تعالىٰ: {وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ} وذلك أمر يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. وقوله تعالىٰ: { أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ } تفسير : [النساء: 4] وذلك محال في العتق، فلم يبق أن يكون الصداق إلاَّ مالاً؛ لقوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} وٱختلف من قال بذلك في قدر ذلك؛ فتعلق الشافعيّ بعموم قوله تعالىٰ: {بِأَمْوَالِكُمْ} في جواز الصداق بقليل وكثير، وهو الصحيح؛ ويَعضُده حديث : قولُه عليه السَّلام في حديث الموهوبة: «ولو خاتماً من حديد» تفسير : . وقوله عليه السَّلام: حديث : «أنكحوا الأيامى»؛ ثلاثاً. قيل: ما العلائق بينهم يا رسول الله؟ قال: «ما تراضى عليه الأهلون ولو قضِيباً من أراك» تفسير : . وقال: أبو سعيد الخدري: حديث : سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن صداق النساء فقال: «هوما ٱصطلح عليه أهلوهم» تفسير : . وروى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لو أن رجلاً أعطى ٱمرأة ملء يديه طعاماً كانت به حلالاً » تفسير : . أخرجهما الدَّارقُطْنِيّ في سننه. قال الشافعيّ: كل ما جاز أن يكون ثمناً لشيء، أو جاز أن يكون أجرةً جاز أن يكون صداقاً، وهذا قول جمهور أهل العلم. وجماعةُ أهل الحديث من أهل المدينة وغيرها. كلُّهم أجازوا الصداق بقليل المال وكثيره، وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك، واختاره ٱبن المنذر وغيرهُ. قال سعيد بن المُسَيِّب: لو أصدقها سوطاً حلّت به، وأنكَح ٱبنته من عبد الله بن وداعة بدرهمين. وقال ربيعة: يجوز النكاح بدرهم. وقال أبو الزناد: ما تراضى به الأهلون. وقال مالك: لا يكون الصداق أقلّ من ربع دينار أوثلاثة دراهم كيلاً. قال بعض أصحابنا في تعليل له: وكأن أشبه الأشياء بذلك قطع اليد، لأن البُضع عضو واليد عضو يُستباح بمقدَّر من المال، وذلك ربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلاً؛ فردّ مالك البضع إليه قياساً على اليد. قال أبو عمر: قد تقدّمه إلى هذا أبو حنيفة، فقاس الصداق على قطع اليد، واليد عنده لا تقطع إلاَّ في دينار ذهباً أو عشرة دراهم كيلاً، ولا صداق عنده أقل من ذلك وعلى ذلك جماعة أصحابه وأهل مذهبه، وهو قول أكثر أهل بلده في قطع اليد لا في أقل الصداق. وقد قال الدَّراوَرْدِيّ لمالك إذْ قال لا صداق أقل من ربع دينار: تعرّقْت فيها يا أبا عبد الله. أي سلكت فيها سبيل أهل العراق. وقد احتج أبو حنيفة بما رواه جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا صداق دون عشرة دراهم » تفسير : أخرجه الدّارقطنِيّ. وفي سنده مُبَشِّر بن عبيد متروك. وروي عن داود الأوْدِيّ عن الشَّعْبِيّ عن عليّ عليه السَّلام: لا يكون المهر أقلّ من عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: لقّن غِياثُ بن إبراهيم داودَ الأودِي عن الشعبي عن عليّ: لا مهر أقل من عشرة دراهم. فصار حديثاً. وقال النَّخَعِي: أقله أربعون درهماً. سعيد بن جُبير: خمسون درهماً. ابن شُبْرُمَة: خمسة دراهم. ورواه الدّارَقُطْنِيّ عن ابن عباس عن عليّ رضي الله عنه: لا مهر أقل من خمسة دراهم. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} الاستمتاع التلذذ. والأُجور المهور؛ وسُمِّيَ المهر أجراً لأنه أجر الاستمتاع، وهذا نصٌّ على أن المهر يسمى أجراً، و ذلك دليل على أنه في مقابلة البُضع؛ لأن ما يقابل المنفعة يُسمَّى أجراً. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو: بَدَنُ المرأة أو منفعةُ البُضْع أو الحِلّ؛ ثلاثة أقوال، والظاهر المجموع؛ فإن العقد يقتضي كل ذلك. والله أعلم. التاسعة ـ واختلف العلماء في معنى الآية؛ فقال الحسن ومجاهد وغيرهما: المعنى فما انتفعتم وتلذّذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب المهر كاملاً إن كان مُسَمَّىٰ، أو مهر مثلها إن لم يُسَمَّ. فإن كان النكاح فاسداً فقد اختلفت الرواية عن مالك في النكاح الفاسد، هل تستحق به مهر المِثْل، أو المُسَمَّىٰ إذا كان مهراً صحيحاً؟ فقال مرّة: المهر المُسَمَّىٰ، وهو ظاهر مذهبه؛ وذلك أن ما تراضوا عليه يقينٌ، ومهر المثل اجتهادٌ، فيجب أن يرجع إلى ماتيقنّاه؛ لأن الأموال لا تستحق بالشك. ووجه قوله: « حديث : مهر المثل » تفسير : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أيُّما ٱمرأة نَكْحت بغير إذن ولِيِّها فنكاحها باطل فإن دُخل بها فلها مهر مثلها بما استُحِل من فرجها » تفسير : . قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ولا يجوز أن تحمل الآية على جواز المُتْعَة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المُتْعة وحرّمه؛ ولأن الله تعالىٰ قال: { أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } تفسير : [النساء: 25] ومعلوم أن النكاح بإذن الأهلين هوالنكاح الشرعي بوَلِيّ وشاهدين، ونكاحُ المتعة ليس كذلك. وقال الجمهور: المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ٱبن عباس وأُبَيّ وابن جُبير: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ثم نهى عنها النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن المسيِّب: نسختها آية الميراث؛ إذْ كانت المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد: تحريمُها ونسخُها في القرآن؛ وذلك في قوله تعالىٰ: { أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } تفسير : [المؤمنون: 5 ـ 6]. وليست المتعة نكاحاً ولا مِلْكَ يَمين. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن عليّ بن أبي طالب قال: حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعةتفسير : ، قال: وإنما كانت لمن لم يجد، فلما نزل النّكاح والطَّلاق والعِدّة والميراث بين الزوج والمرأة نُسخت. وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: نَسخ صوم رمضان كلَّ صوم، ونسخت الزكاةُ كلَّ صدقة، ونسخ الطلاقُ والعدّةُ والميراثُ المتعةَ، ونسخت الأُضْحِية كلَّ ذَبْح. وعن ٱبن مسعود قال: المتعة منسوخة نسخها الطلاق والعدّة والميراث. وروى عطاء عن ٱبن عباس قال: ما كانت المُتْعة إلاَّ رحمة من الله تعالىٰ رحم بها عبادَه، ولولا نهْيُ عمر عنها ما زَنَى إلاَّ شَقِيّ. العاشرة ـ واختلف العلماء كم مرّة أُبيحت ونُسخت؛ ففي صحيح مُسْلم عن عبد الله قال: كنا نَغْزُو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا نساء؛ فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رَخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أَجَل. قال أبو حاتم البُسْتِيّ في صحيحه: قولهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم «ألاَ نَسْتَخْصِى؟» دليل على أن المُتْعة كانت محظورة قبل أن أُبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنًى، ثم رخّص لهم في الغزو أن ينكحوا المرأة بالثوب إلى أجل ثم نهى عنها عامَ خَيْبَر، ثم أذن فيها عامَ الفتح، ثم حرّمها بعد ثلاث، فهي محرّمة إلى يوم القيامة. وقال ابن العربيّ: وأما مُتعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أُبيحت في صدر الإسلام ثم حُرّمت يومَ خيبر، ثم أُبيحت في غزوة أوْطاسٍ، ثم حُرّمت بعد ذلك واستقرّ الأمر على التحريم، وليس لها أُخْتٌ في الشريعة إلاَّ مسألة القِبْلة، لأن النّسخ طرأ عليها مرّتين ثم استقرّت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرق الأحاديث فيها: إنها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرّات؛ فروى ٱبن أبي عمرة أنها كانت في صدر الإسلام. وروى سلمة بن الأكْوَع أنها كانت عامَ أوْطاس. ومن رواية عليّ: تحريمها يوم خَيْبَر. ومن رواية الربيع بن سَبْرة: إباحتها يوم الفتح. قلت: وهذه الطرق كلّها في صحيح مسلم؛ وفي غيره عن عليّ نهيه عنها في غزوة تَبُوك؛ رواه إسحاق بن راشد عن الزُّهْريّ عن عبد الله ابن محمد بن عليّ عن أبيه عن عليّ، ولم يتابع إسحاق بن راشد على هذه الرواية عن ابن شهاب؛ قاله أبو عمر رحمه الله. وفي مصَنّف أبي داود من حديث الرّبيع بن سَبْرة: النّهي عنها في حجة الوَداع، وذهب أبو داود إلى أن هذا أصحّ ما رُوي في ذلك. وقال عمرو عن الحسن: ما حلّت المتعة قطُّ إلاَّ ثلاثاً في عُمرة القضاء ما حلّت قبلها ولا بعدها. ورُوي هذا عن سَبْرة أيضاً؛ فهذه سبعة مواطن أحلّت فيها المتعة وحُرّمت. قال أبوجعفرالطحاويّ: كل هؤلاء الذين روَوْا عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاقَها أخبروا أنها كانت في سفر، وأن النّهي لحقها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، وليس أحد منهم يخبر أنها كانت في حَضَر؛ وكذلك رُوي عن ابن مسعود. فأما حديث سَبْرة الذي فيه إباحةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم لها في حجّة الوَدَاع فخارج عن معانيها كلِّها؛ وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلاَّ في رواية عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز خاصّةً، وقد رواه إسماعيل بن عَيّاش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فذكر أن ذلك كان في فتح مكة وأنهم شكَوْا إليه العُزْبة فرخّص لهم فيها، ومُحال أن يشكُوا إليه العُزْبة في حجة الوَداع؛ لأنهم كانوا حجوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكّة يمكنهم، ولم يكونوا حينئذ كما كانوا في الغزوات المتقدّمة. ويحتمل أنه لما كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم تكريرَ مثل هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة، ذكر تحريمها في حجّة الوَداع؛ لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكّد ذلك حتى لا تبقى شُبهة لأحد يدّعي تحليلها؛ ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيراً. الحادية عشرة ـ روى الليث بن سعد عن بُكير بن الأشَجّ عن عمّار مَوْلىٰ الشَّرِيد قال: سألت ابن عباس عن المُتْعَة أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سِفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال:المتعة كما قال الله تعالىٰ. قلت: هل عليها عِدّة؟ قال: نعم حيضة. قلت: يتوارثان، قال: لا. قال أبو عمر: لم يختلف العلماء من السَّلَف والخَلَف أن المتعة نكاح إلى أجل لا ميراث فيه، والفُرْقَة تقع عند ٱنقضاء الأجل من غير طلاق. وقال ابن عطية: «وكانت المتعة أن يتزوّج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الوَلِيّ إلى أجل مُسَمًّى؛ وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما ٱتفقا عليه؛ فإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل ويستبرىء رَحِمها؛ لأن الولد لاحِق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلّت لغيره. وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ وأن الولد لا يلحق في نكاح المتعة». قلت: هذا هو المفهوم من عبارة النحاس؛ فإنه قال: وإنما المتعة أن يقول لها: أتزوّجك يوماً ـ أو ما أشبه ذلك ـ على أنه لا عِدّة عليكِ ولا ميراث بيننا ولا طلاق ولا شاهد يشهد على ذلك؛ وهذا هو الزنى بعينه ولم يبح قط في الإسلام؛ ولذلك قال عمر: لا أُوتى برجل تزوّج مُتعة إلاَّ غيّبته تحت الحجارة. الثانية عشرة ـ وقد ٱختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المُتْعة هل يُحَدّ ولا يلحق به الولد، أو يُدفع الحدّ للشبهة ويلحق به الولد على قولين؛ ولكن يُعذر ويعاقَب. وإذا لحق اليوم الولدُ في نكاح المتعة في قول بعض العلماء مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحق في ذلك الوقت الذي أُبيح، فدلّ على أن نكاح المتعة كان على حكم النكاح الصحيح، ويفارقه في الأجل والميراث. وحكى المَهْدَوِي عن ابن عباس أن نكاح المتعة كان بلا وليّ ولا شهود. وفيما حكاه ضعف؛ لما ذكرنا. قال ابن العربيّ: وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبت رجوعه عنها، فانعقد الإجماع على تحريمها؛ فإذا فعلها أحد رُجم في مشهور المذهب. وفي رواية أُخرىٰ عن مالك: لا يرجم؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام، ولكن لأصل آخر لعلمائنا غريبٍ ٱنفردوا به دون سائر العلماء؛ وهو أن ما حُرّم بالسُّنَّة هل هو مثلُ ما حُرِّم بالقرآن أم لا؟ فمن رواية بعض المدنيّين عن مالك أنهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الطّرْطوسِيّ: ولم يُرخِّص في نكاح المتعة إلاَّ عِمْران بن حُصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت. وفي قول ابن عباس يقول الشاعر: شعر : أقول للرَّكْب إذْ طال الثَّوَاء بنا يا صاح هل لك في فُتْيَا ابنِ عباسِ في بَضّةٍ رَخْصة الأطراف ناعمةٍ تكون مَثْواك حتى مَرجعِ الناس تفسير : وسائر العلماء والفقهاء من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة، وأن المتعة حرام. وقال أبو عمر: أصحابُ ابن عباس من أهل مكة واليمن كلُّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس وحَرّمها سائر الناس. وقال مَعْمر قال الزُّهَرِيّ؛ ٱزداد الناس لها مقْتاً حتى قال الشاعر: شعر : قال المحدّث لما طال مجلسه يا صاحِ هل لك في فُتْيَا ابنِ عباسِ تفسير : كما تقـدّم. الثالثة عشرة ـ قوله تعالىٰ: {أُجُورَهُنَّ} يعمّ المال وغيره، فيجوز أن يكون الصداق منافع أعيان. وقد اختلف في هذا العلماء؛ فمنعه مالك والمُزَنِيّ واللّيث وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه: إلاَّ أن أبا حنيفة قال؛ إذا تزوّج على ذلك فالنكاح جائز وهو في حكم مَن لم يُسَمِّ لها، ولها مهر مثلها إن دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها المتعة. وكرهه ابن القاسم في كتاب محمد وأجازه أَصْبَغ. قال ابن شاس: فإن وقع مَضَى في قول أكثر الأصحاب. وهي رواية أَصْبَغ عن ابن القاسم. وقال الشافعيّ: النكاح ثابت وعليه أن يُعلمها ما شَرط لها. فإن طلقها قبل الدخول ففيها للشافعيّ قولان: أحدهما أن لها نصفَ أجر تعليم تلك السورة، والآخر أن لها نصف مهر مثلها. وقال إسحاق: النكاح جائز. قال أبو الحسن اللّخمِيّ: والقول بجواز جميع ذلك أحسن. والإجارة والحج كغيرهما من الأموال التي تُتَمَلّك وتُباع وتشترى. وإنما كره ذلك مالكٌ لأنه يستحب أن يكون الصداق معجَّلاً، والإجارة والحج في معنى المؤجَّل. احتج أهل القول الأوّل بأن الله تعالى قال: {بِأَمْوَالِكُمْ} وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع، ويُعدّ للانتفاع، ومنفعة الرقبة في الإجارة ومنفعة التعليم للعلم كله ليس بمال. قال الطحاوِيّ: والأصل المجتَمع عليه أن رجلاً لو ٱستأجر رجلاً على أن يعلّمه سورة من القرآن سماها، بدرهم لم يجز؛ لأن الإجارات لا تجوز إلا لأحد معنيين، إمّا على عملٍ بعينه كخياطة ثوب وما أشبهه، وإمّا على وقت معلوم؛ وكان إذا استأجره على تعليم سورة فتلك إجارة لا على وقت معلوم ولا على عمل معلوم، وإنما استأجره على أن يُعَلّم، وقد يفهم بقليل التعليم وكثيره في قليل الأوقات وكثيرها. وكذلك لو باعه داره على أن يعلّمه سورة من القرآن لم يجز للمعاني التي ذكرناها في الإجارات. وإذا كان التعليم لا يُمَلَّك به المنافع ولا أعيان الأموال ثبت بالنظر أنه لا تُمَلَّك به الأبضاع. والله الموفق. احتج من أجاز ذلك بحديث سهل بن سعد في حديث الموهوبة، وفيه فقال: « حديث : اذهب فقد ملَّكْتُكها بما معك من القرآن » تفسير : . في رواية قال: « حديث : ٱنطلق فقد زوّجتكها فعلّمها من القرآن » تفسير : . قالوا: ففي هذا دليل على انعقاد النكاح وتأخر المهر الذي هو التعليم، وهذا على الظاهر من قوله: « حديث : بما معك من القرآن » تفسير : فإن الباء للعوض؛ كما تقول: خذ هذا بهذا، أي عوضاً منه. وقوله في الرواية الأُخرى: « حديث : فعلّمها » تفسير : نصّ في الأمر بالتعليم، والمساق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، ولا يُلتفت لقول من قال إن ذلك كان إكراماً للرجل بما حفظه من القرآن، أي لما حفظه، فتكون الباء بمعنى اللام؛ فإن الحديث الثاني يصرح بخلافه في قوله: « حديث : فعلّمها من القرآن » تفسير : . ولا حجة فيما روي عن أبي طلحة أنه خطب أُم سُليم فقالت: إنْ أسلم تزوّجته. فأسلم فتزوّجها؛ فلا يُعلم مهر كان أكرمَ من مهرها، كان مهرها الإسلام؛ فإن ذلك خاص به. وأيضاً فإنه لا يصل إليها منه شيء بخلاف التعليم وغيره من المنافع. وقد زوّج شعيب عليه السلام ٱبنته من موسى عليه السلام على أن يَرْعَى له غنماً في صداقها؛ على ما يأتي بيانه في سورة «القصص». وقد رُوي من حديث ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أصحابه: «يا فلان هل تزوّجت»؟ قال: لا، وليس معي ما أتزوّج به. قال: «أليس معك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}»؟ قال: بلىٰ قال: «ثلث القرآن، أليس معك آية الكرسي»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن، أليس معك {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ}»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن، أليس معك {إذَا زُلْزِلَت}»؟ قال: بلىٰ قال: «ربع القرآن. تزوّج تزوّج» . تفسير : قلت: وقد أخرج الدَّارَقُطْنِيّ حديث سهل من حديث ٱبن مسعود، وفيه زيادة تبيّن ما احتجّ به مالك وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «من ينكِح هذه»؟ فقام ذلك الرجل فقال: أنا يا رسول الله؛ فقال: «ألك مال»؟ قال: لا، يا رسول الله؛ قال: «فهل تقرأ من القرآن شيئاً»؟. قال: نعم، سورة البقرة، وسورة المُفَصَّل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد أنكحتُكَها على أن تُقرئها وتعلّمها وإذا رزقك الله عوّضتَها». تفسير : فتزوّجها الرجل على ذلك. وهذا نص ـ لو صح ـ في أن التعليم لا يكون صداقاً. قال الدّارَقُطْنِيّ: تفرّد به عتبة بن السّكَن وهو متروك الحديث. و {فَرِيضَةً} نصب على المصدر في موضع الحال، أي مفروضة. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} أي من زيادة ونقصان في المهر؛ فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة. والمراد إبراء المرأة عن المهر، أو تَوْفِية الرجل كل المهر إن طلّق قبل الدخول. وقال القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدّة المتعة في أوّل الإسلام؛ فإنه كان يتزوّج الرجل المرأة شهراً على دينار مثلاً، فإذا ٱنقضى الشهر فربما كان يقول: زِيديني في الأجل أزِدْكِ في المهر. فبيّن أن ذلك كان جائزاً عند التراضي

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} حرّمت عليكم { ٱلْمُحْصَنَٰتِ } أي ذوات الأزواج {مِّنَ ٱلنّسَاءِ } أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن حرائر مسلمات كنّ أو لا {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ } من الإماءِ بالسبي فلكم وطؤهن وإن كان لهنّ أزواج في دار الحرب بعد الاستبراء {كِتَٰبَ ٱللَّهِ } نصب على المصدر أي كُتِبَ ذلك {عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ } بالبناء للفاعل والمفعول {لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } أي سوى ما حرّم عليكم من النساء {أَن تَبْتَغُواْ } تطلبوا النساء {بِأَمْوٰلِكُمْ } بصداق أو ثمن {مُّحْصِنِينَ } متزوّجين {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ } زانين {فَمَا } فمن {ٱسْتَمْتَعْتُمْ } تمتعتم {بِهِ مِنْهُنَّ } ممن تزوّجتم بالوطء {فَئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهنّ التي فرضتم لهن {فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ } أنتم وهنّ {بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ } من حطها أو بعضها أو زيادة عليها {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بخلقه {حَكِيماً } فيما دبره لهم.

ابن عطية

تفسير : قوله عز وجل: {والمحصنات} عطف على المحرمات قبل، والتحصن: التمنع، يقال حصن المكان: إذا امتنع، ومنه الحصن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه من وجوه الامتناع، وأحصنت نفسها، وأحصنها غيرها، والإحصان تستعمله العرب في أربعة أشياء، وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل، فتستعمله في الزواج، لأن ملك الزوجة منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الحرية لأن الإماء كان عرفهن في الجاهلية الزنا، والحرة بخلاف ذلك، ألا ترى إلى قوله هند بنت عتبة للنبي عليه السلام، حين بايعته، وهل تزني الحرة؟ قالحرية منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الإسلام لأنه حافظ، ومنه قول النبي عليه السلام "حديث : الإيمان قَيَّدَ الفتك " تفسير : ومنه قول الهذلي: شعر : فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ يَا أمَّ مَالِكٍ ولكنْ أَحَاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ تفسير : ومنه قول الشاعر: شعر : قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَديثِ فَقُلْتُ لا يَأبى عَلَيْكِ اللَّهُ والإسْلامُ تفسير : ومنه قول سحيم: شعر : كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيا تفسير : ومنه قول أبي حية: شعر : رَمَتْني وَسِتْرُ اللّهِ بيني وبينَها تفسير : فإن أحد الأقوال في الستر أنه أراد به الإسلام، ويستعملون الإحصان في العفة، لأنه إذا ارتبط بها إنسان وظهرت على شخص ما وتخلق بها، فهي منعة وحفظ، وحيثما وقعت اللفظة في القرآن فلا تجدها خرج عن هذه المعاني، لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض، بحسب موضع وموضع، وسيأتي بيان ذلك في أماكنه إن شاء الله. فقوله في هذه الآية {والمحصنات}، قال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو سعيد الخدري: هن ذوات الأزواج، أي هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي، من أرض الحرب، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه، وإن كان لها زوج، وروى أبو سعيد الخدري: أن الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً وأصابوا سبياً لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة، وقال عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن ابن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس أيضاً: معنى {المحصنات} ذوات الأزواج، فهن حرام إلا أن يشترى الرجل الأمة ذات الزوج، فإن بيعها طلاقها، وهبتها طلاقها والصدقة بها طلاقها، وأن تعتق طلاقها، وأن تورث طلاقها، وتطليق الزوج طلاقها، وقال ابن مسعود: إذا بيعت الأمة ولها زوج فالمشتري أحقّ ببعضها، ومذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقاً، ولا طلاق لها إلا الطلاق، وقال قوم: {المحصنات} في هذه الآية العفائف، أي كل النساء حرام، وألبسهن اسم الإحصان، إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك، {إلا ما ملكت إيمانكم} قالوا: معناه بنكاح أو شراء، كل ذلك تحت ملك اليمين، قال بهذا القول أبو العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيده عن عمر رضي الله عنه، وقال ابن عباس: {المحصنات} العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب. قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا، وأسند الطبري عن عروة أنه قال في تأويل قوله تعالى: {والمحصنات}: هن الحرائر، ويكون {إلا ما ملكت أيمانكم} معناه بنكاح، هذا على اتصال الاستثناء، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعاً، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان نساء يأتيننا مهاجرات، ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن بقوله تعالى: {والمحصنات} الآية. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرجع إلى ما قد ذكر من الأقوال، وأسند الطبري أن رجلاً قال لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية {والمحصنات من النساء} فلم يقل فيها شيئاً؟ فقال سعيد: كان ابن عباس لا يعلمها, وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل, قوله: {والمحصنات} إلى قوله: {حكيماً}. قال القاضي أبو محمد: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى هذا القول؟ وروي عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية {والمحصنات من النساء} فقال: يروى أنه حرم في هذه الآية ذوات الأزواج والعفائف من حرائر ومملوكات، ولم يحل شيئاً من ذلك إلا بالنكاح أو الشراء والتملك، وهذا قول حسن عمم لفظ الإحسان ولفظ ملك اليمين، وعلى هذا التأويل يتخرج عندي قول مالك في الموطأ، فإنه قال: هن ذوات الأزواج، وذلك راجع إلى أن الله حرم الزنا، ففسر الإحصان بالزواج، ثم عاد عليه بالعفة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة، "والمحصّنات" بفتح الصاد في كل القرآن، وقرأ الكسائي كذلك في هذا الموضع وحده، وقرأ سائر ما في القرآن المحصنات بكسر الصاد "ومحصِنات" كذلك، وروي عن علقمة أنه قرأ جميع ما في القرآن بكسر الصاد، ففتح الصاد هو على معنى أحصنهن غيرهن من زوج أو إسلام أو عفة أو حرية وكسر الصاد هو على معنى أنهن أحصنَّ أنفسهن بهذه الوجوه أو ببعضها، وقرأ يزيد بن قطيب "والمحصُنات" بضم الصاد، وهذا على إتباع الضمة الضمة، وقرأ جمهور الناس "كتاب الله" وذلك نصب على المصدر المؤكد، وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السميفع اليماني "كَتَبَ اللهُ عليكم" على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، وقال عبيدة السلماني وغيره: قوله {كتاب الله عليكم} إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله: {أية : مثنى وثلاث ورباع} تفسير : [النساء:4] وفي هذا بعد، والأظهر لأن قوله {كتاب الله عليكم} إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله، واختلفت عبارة المفسرين في قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} فقال السدي: المعنى وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم، على وجه النكاح، وقال نحوه عبيدة السلماني، وقال عطاء وغيره: المعنى "وأحل لكم ما وراء" من حرم من سائر القرابة، فهن حلال لكم تزويجهن، وقال قتادة: المعنى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} من الإماء. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية يعم جميع هذه الأقوال: وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر "وأَحل لكم" بفتح الألف والحاء، وهذا مناسبة لقوله {كتاب الله} إذ المعنى كتب الله ذلك كتاباً، وقرأ حمزة والكسائي "وأحِل" بضم الهمزة وكسر الحاء وهذه مناسبة لقوله: {حرمت عليكم} والوراء في هذه الآية ما يعتبر أمره بعد اعتبار المحرمات، فهن وراء أولئك بهذا الوجه، و {أن تبتغوا بأموالكم}، لفظ يجمع التزويج والشراء و {أن} في موضع نصب، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع، ويحتمل النصب بإسقاط الباء، و {محصنين}، معناه متعففين أي تحصنون أنفسكم بذلك {غير مسافحين}، أي غير زناة، والسفاح: الزنا، وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه، ولزم هذا الاسم الزنا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع الدفاف في عرس: هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر، واختلف المفسرون في معنى قوله: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة} فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: المعنى فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر، وهو المهر كله، ولفظة {فما} تعطي أن بيسير الوطء يجب إيتاء الأجر، وروي عن ابن عباس أيضاً ومجاهد والسدي وغيرهم: أن الآية في نكاح المتعة، وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير، "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهنَّ أجورهن" وقال ابن عباس لأبي نضرة: هكذا أنزلها الله عز وجل، وروى الحكم بن عتيبة، أن علياً رضي الله عنه قال: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقيّ، وقد كانت المتعة في صدر الإسلام, ثم نهى عنها النبي عليه السلام, وقال ابن المسيب: نسختها آية الميراث, إذ كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل قول الله تعالى: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} تفسير : [الطلاق:1] وقالت عائشة: نسخها قوله: {والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم} ولا زوجية مع الأجل ورفع الطلاق، والعدة، والميراث، وكانت: أن يتزوج الرجل المرآة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وتستبرىء رحمها لأن الولد لاحق فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره. قال القاضي أبو محمد: وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ فاحش في اللفظ، يوهم أن الولد لا يلحق في نكاح المتعة، وحكى المهدوي عن ابن المسيب: أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود، وفيما حكاه ضعف، و {فريضة} نصب على المصدر في موضع الحال، واختلف المفسرون في معنى قوله: {ولا جناح عليكم} الآية، فقال القائلون بأن الآية المتقدمة أمر بإيتاء مهور النساء إذا دخل بهن: إن هذه إشارة إلى ما يتراضى به من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، فإن ذلك الذي يكون على وجه الرضا جائز ماض، وقال القائلون بأنه الآية المتقدمة هي أمر المتعة: إن الإشارة بهذه إلى أن ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة وزيادة في الأجر جائز سائغ، وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْمُحْصَنَاتُ} ذوات الأزواج {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} بالسبي، لما سبى الرسول صلى الله عليه وسلم أهل أوطاس، قالوا: كيف نقع على نساء قد عرفنا أزواجهن فنزلت أو {وَالْمُحْصَنَاتُ} ذوات الأزواج {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إذا اشترى الأمة بطل نكاحها وحلت للمشتري قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو المحصنات العفائف، {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} بعقد نكاح، أو ملك، أو نزلت في مهاجرات تزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهي المسلمون عن نكاحهن، والإحصان: من المنع، حصن البلد لمنعه من العدو، ودرع حصينة: منيعة، وفرس حصان: لامتناع راكبه من الهلاك، وامرأة حصان: لامتناعها عن الفاحشة. {كِتَابَ اللَّهِ} الزموا كتاب الله، أو حرم ذلك كتاباً من الله، أو كتاب الله قيم عليكم فيما تحرمونه وتحلونه. {مَّا وَرَآءَ ذَالِكُمْ} ما دون الخمس، أو ما دون ذوات المحارم، أو مما وراءه مما ملكت أيمانكم. {أَن تَبْتَغُواْ} تلتمسوا بأموالكم بشراء، أو صداق. {مُسَافِحِينَ} زناة، السفح: من الصب، سفح الدمع: صبه، وسفح الجبل: أسفله لانصباب الماء فيه. {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم} قلت تكون "ما" ها هنا بمعنى "من" فما نكحتم منهن فجامعتموهن، أو المتعة المؤجلة، كان أُبَي وابن عباس يقرآن {فما استمتعتم به منهن إلى أ جل مسمى} {أُجُورَهُنَّ} الصداق. {فَرِيضَةً} أي معلومة. {فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ} من تنقيص أو إبراء عند إعسار الزوج، أو فيما زدتموه في أجل المتعة بعد انقضاء مدتها وفي أجرتها قبل استبرائهن أرحامهن، أو لا جناح عليكم فيما دفعتموه وتراضيتم به أن يعود إليكم تراضياً. {كَانَ عَلِيمًا} بالأشياء قبل خلقها. {حَكِيماً} في تدبيره لها، قال سيبويه: "لما شاهدوا علماً وحكمة قيل لهم: إنه كان كذلك لم يزل"، أو الخبر عن الماضي يقوم مقام الخبر عن المستقبل قاله الكوفيون.

النسفي

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاءِ } أي ذوات الأزواج لأنهن أحصنّ فروجهن بالتزوج. قرأ الكسائي بفتح الصاد هنا وفي سائر القرآن بكسرها وغيره بفتحها في جميع القرآن {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ } بالسبي وزوجها في دار الحرب. والمعنى وحرم عليكم نكاح المنكوحات أي اللاتي لهن أزواج إلا ما ملكتموهن بسبيهن وإخراجهن بدون أزواجهن لوقوع الفرقة بتباين الدارين لا بالسبي، فتحل الغنائم بملك اليمين بعد الاستبراء {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } مصدر مؤكد أي كتب الله ذلك عليكم كتاباً وفرضه فريضة وهو تحريم ما حرم وعطف {وَأُحِلَّ لَكُمْ } على الفعل المضر الذي نصب كتاب الله أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم {مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ما سوى الحرمات المذكورة. «وأحل»: كوفي غير أبي بكر عطف على «حرمت» {أَن تَبْتَغُواْ } مفعول له أي بين لكم ما يحل مما يحرم لأن تبتغوا، أو بدل مما «وراء ذلكم» ومفعول «تبتغوا» مقدر وهو النساء، والأجود أن لا يقدر {بأموالكم} يعني المهور، وفيه دليل على أن النكاح لا يكون إلا بمهر، وأنه يجب وإن لم يسم، وأن غير المال لا يصلح مهراً، وأن القليل لا يصلح مهراً إذ الحبة لا تعد مالاً عادة {مُّحْصِنِينَ } في حال كونكم محصنين {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ } لئلا تضيعوا أموالكم وتفقروا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دينكم ودنياكم، ولا فساد أعظم من الجمع بين الخسرانين. والإحصان العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، والمسافح الزاني من السفح وهو صب المني {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } فما نكحتموه منهن {فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن لأن المهر ثواب على البضع فـ «ما» في معنى النساء و«من» للتبعيض أو للبيان ويرجع الضمير إليه على اللفظ في «به» وعلى المعنى في «فآتوهن» {فَرِيضَةً } حال من الأجور أي مفروضة، أو وضعت موضع إيتاء لأن الإيتاء مفروض أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ } فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو يزيد لها على مقداره، أو فيما تراضيا به من مقام أو فراق {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بالأشياء قبل خلقها {حَكِيماً } فيما فرض لهم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب. وقيل: إن قوله «فما استمتعتم» نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتح الله مكة على رسوله ثم نسخت. {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } فضلاً. يقال «لفلان عليّ طول» أي فضل وزيادة وهو مفعول «يستطع» {أَن يَنكِحَ } مفعول الطول فإنه مصدر فيعمل عمل فعله أو بدل من «طولاً» {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } الحرائر المسلمات {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي فلينكحن مملوكة من الإماء المسلمات. وقوله: «من فتياتكم». أي من فتيات المسلمين والمعنى: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة، ونكاح الأمة الكتابية يجوز عندنا والتقييد في النص للاستحباب بدليل أن الإيمان ليس بشرط في الحرائر اتفاقاً مع التقييد به. وقال ابن عباس: ومما وسّع الله على هذه الأمة نكاح الأمة واليهودية والنصرانية وإن كان موسراً، وفيه دليل لنا في مسألة الطول {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ } فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن، ودليل على أن الإيمان هو التصديق دون عمل اللسان لأن العلم بالإيمان المسموع لا يختلف {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي لا تستنكفوا من نكاح الإماء فكلكم بنو آدم، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب والتفاخر بالأحساب {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } سادتهن وهو حجة لنا في أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم، وأنه ليس للعبد أو للأمة أن يتزوج إلا بإذن المولى {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } وأدوا إليهن مهورهن بغير مطل وإضرار وملاّك مهورهن مواليهن، فكان أداؤها إليهن أداء إلى الموالي لأنهن وما في أيديهن مال الموالي، أو التقدير: وآتوا مواليهن فحذف المضاف {مُحْصَنَـٰتٍ } عفائف حال من المفعول في و«آتوهن» {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } زوانٍ علانية {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } زوانٍ: سراً والأخدان: الأخلاء في السر {أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ } بالتزويج. «أحصن»: كوفي غير حفص {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ } زنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } أي الحرائر {مّنَ ٱلْعَذَابِ } من الحد يعني خمسين جلدة، وقوله: «نصف ما على المحصنات ». يدل على أنه الجلد لا الرجم لأن الرجم لا يتنصف، وأن المحصنات هنا الحرائر اللاتي لم يزوجن {ذٰلِكَ } أي نكاح الإماء {لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } لمن خاف الإثم الذي تؤدي إليه غلبة الشهوة. وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما هو الزنا لأنه سبب الهلاك. {وَأَن تَصْبِرُواْ } في محل الرفع على الابتداء أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين {خَيْرٌ لَّكُمْ } لأن فيه إرقاق الولد، ولأنها خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة وذلك كله نقصان يرجع إلى الناكح ومهانة والعزة من صفات المؤمنين، وفي الحديث «حديث : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت»تفسير : {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } يستر المحظور {رَّحِيمٌ } يكشف المحظور {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في «لا أبالك» لتأكيد إضافة الأب. والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما هو خفي عليكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بمصالح عباده {حَكِيمٌ } فيما شرع لهم {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } التكرير للتأكيد والتقرير والتقابل {وَيُرِيدُ } الفجرة {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } وهو الميل عن القصد والحق، ولا ميل أعظم منه بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات. وقيل: هم اليهود لاستحلالهم الأخوات لأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهن الله قالوا: فإنكم تحلون بنت الخالة والعمة والخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخت والأخ فنزلت. يقول: يريدون أن تكونوا زناة مثلهم {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } بإحلال نكاح الأمة وغيره من الرخص {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } لا يصبر على الشهوات وعلى مشاق الطاعات. { يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا {إِلا أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً } إلا أن تقع تجارة.« تجارة»: كوفي أي إلا أن تكون التجارة تجارة {عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } صفة لـ «تجارة» أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد أو بالتعاطي. والاستثناء منقطع معناه ولكن اقصدوا كون تجارة عن تراضٍ، أو ولكن كون تجارة عن تراضٍ غير منهي عنه. وخص التجارة بالذكر لأن أسباب الرزق أكثرها متعلق بها، والآية تدل على جواز البيع بالتعاطي وعلى جواز البيع الموقوف إذا وجدت الإجازة لوجود الرضا، وعلى نفي خيار المجلس لأن فيها إباحة الاكل بالتجارة عن تراض من غير تقييد بالتفرق عن مكان العقد والتقييد به زيادة عن النص {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } من كان من جنسكم من المؤمنين لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو ولا يقتل الرجل نفسه كما يفعله الجهلة، أو معنى القتل أكل الأموال بالباطل فظالم غيره كمهلك نفسه، أو لا تتبعوا أهواءها فتقتلوها أو تركبوا ما يوجب القتل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } ولرحمته بكم نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم. وقيل: معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم ليكون توبة لهم وتمحيصاً لخطاياهم، وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ } أي القتل أي ومن يقدم على قتل الأنفس {عُدْوٰناً وَظُلْماً } لا خطأ ولا قصاصاً وهما مصدران في موضع الحال أو مفعول لهما {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } ندخله ناراً مخصوصة شديدة العذاب {وَكَانَ ذٰلِكَ } أي إصلاؤه النار {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} سهلاً وهذا الوعيد في حق المستحيل للتخليد، وفي حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد الله بمغفرته. {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ } عن ابن مسعود رضي الله عنهما: الكبائر كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله:« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه». وعنه أيضاً: الكبائر ثلاث: الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وقيل: المراد بها أنواع الكفر بدليل قراءة عبد الله «كبير ما تنهون عنه» وهو الكفر {وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً } «مدخلا»: مدني وكلاهما بمعنى المكان والمصدر كريما «حسناً». وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت.« يريد الله ليبين لكم». «والله يريد أن يتوب عليكم». «يريد الله أن يخفف عنكم».« إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ». «إن الله لا يغفر أن يشرك به». «إن الله لا يظلم مثقال ذرة». «ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه». «ما يفعل الله بعذابكم». وتشبث المعتزلة بالآية على أن الصغائر واجبة المغفرة باجتناب الكبائر، وعلى أن الكبائر غير مغفورة باطل، لأن الكبائر والصغائر في مشيئته تعالى سواء إن شاء عذب عليهما وإن شاء عفا عنهما لقوله تعالى: {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}تفسير : فقد وعد المغفرة لما دون الشرك وقرنها بمشيئته تعالى. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } تفسير : [هود: 114]. فهذه الآية تدل على أن الصغائر والكبائر يجوز أن يذهبا بالحسنات لأن لفظ السيئات ينطبق عليهما. ولما كان أخذ مال الغير بالباطل وقتل النفس بغير حق بتمني مال الغير وجاهه نهاهم عن تمني ما فضل الله به بعض الناس على بعض من الجاه والمال بقوله {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } لأن ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير وعلم بأحوال العباد وبما ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض، فعلى كل واحد أن يرضى بما قسم له ولا يحسد أخاه على حظه، فالحسد أن يتمنى أن يكون ذلك الشيء له ويزول عن صاحبه، والغبطة أن يتمنى مثل ما لغيره وهو مرخص فيه، والأول منهي عنه. ولما قال الرجال: نرجو أن يكون أجرنا على الضعف من أجر النساء كالميراث، قالت النساء: يكون وزرنا على نصف وزر الرجال كالميراث نزل {لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا ٱكْتَسَبْنَ } أي ليس ذلك على حسب الميراث {وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ } فإن خزائنه لا تنفد ولا تتمنوا ما للناس من الفضل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً } فالتفضيل منه عن علم بمواضع الاستحقاق. قال ابن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي وفي الحديث «حديث : من لم يسأل الله من فضله غضب عليه»تفسير : وفيه«حديث : إن الله تعالى ليمسك الخير الكثير عن عبده ويقول: لا أعطي عبدي حتى يسألني»تفسير : « وسلوا»: مكي وعلي {وَلِكُلٍّ } المضاف إليه محذوف تقديره ولكل أحد أو ولكل مال {جَعَلْنَا مَوَالِيَ } ورّاثاً يلونه ويحرزونه {مّمَّا تَرَكَ ٱلْوٰلِدٰنِ وَٱلأَقْرَبُونَ } هو صفة مال محذوف أي لكل مال مما تركه الوالدان، أو هو متعلق بفعل محذوف دل عليه الموالي تقديره: يرثون مما ترك {وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ } عاقدتهم أيديكم وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره وهو {فَـئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } مع الفاء.«عقدت»: كوفي أي عقدت عهودهم أيمانكم والمراد به عقد الموالاة وهي مشروعة. والوراثة بها ثابتة عند عامة الصحابة رضي الله عنهم وهو قولنا. وتفسيره إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له وليس بعربي ولا معتق فيقول لآخر: واليتك على أن تعقلني إذا جنيت وترث مني إذا مت. ويقول الآخر: قبلت. انعقد ذلك ويرث الأعلى من الأسفل {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً } أي هو عالم الغيب والشهادة وهو أبلغ وعد ووعيد. {ٱلرّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنّسَاء } يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا وسموا قواماً لذلك {بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } الضمير في «بعضهم» للرجال والنساء يعني إنما كانوا مسيطرين عليهن لسبب تفضيل الله بعضهم ــ وهم الرجال ــ على بعض ــ وهم النساء ــ بالعقل والعزم والحزم والرأي والقوة والغزو وكمال الصوم والصلاة والنبوة والخلافة والإمامة والأذان والخطبة والجماعة والجمعة وتكبير التشريق ــ عند أبي حنيفة رحمه الله ــ والشهادة في الحدود والقصاص وتضعيف الميراث والتعصيب فيه وملك النكاح والطلاق وإليهم الانتساب وهم أصحاب اللحى والعمائم. {وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } وبأن نفقتهن عليهم وفيه دليل وجوب نفقتهن عليهم. ثم قسمهن على نوعين. النوع الأول {فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ } مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج {حَـفِظَـٰتٌ لّلْغَيْبِ } لمواجب الغيب وهو خلاف الشهادة أي إذ كان الأزواج غير شاهدين لهن حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة من الفروج والبيوت والأموال. وقيل: للغيب لأسرارهم {بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ } بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج بقوله: {أية : وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [النساء: 19]. أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن لحفظ الغيب، أو بحفظ الله إياهن حيث صيرهن كذلك. والثاني {وَٱلَّٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } عصيانهن وترفعهن عن طاعة الأزواج. والنشز: المكان المرتفع والنبوة. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هو أن تستخف بحقوق زوجها ولا تطيع أمره {فَعِظُوهُنَّ } خوفوهن عقوبة الله تعالى. والضرب والعظة كلام يلين القلوب القاسية ويرغب الطبائع النافرة {وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ } في المراقد أي لا تداخلوهن تحت اللحف وهو كناية عن الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع لأنه لم يقل عن المضاجع {وَٱضْرِبُوهُنَّ } ضرباً غير مبرح. أمر بوعظهن أولاً ثم بهجرانهن في المضاجع، ثم بالضرب إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } بترك النشوز {فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } فأزيلوا عنهن التعرض بالأذى و«سبيلاً» مفعول «تبغوا» وهو من بغيت الأمر أي طلبته {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } أي إن علت أيديكم عليهن فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن فاجتنبوا ظلمهن، أو إن الله كان علياً كبيراً وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه ثم تتوبون فيتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم إذا رجع. ثم خاطب الولاة بقوله {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أصله «شقاقاً بينهما» فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تفسير : [سبأ: 33]. وأصله بل مكر في الليل والنهار. والشقاق: العداوة والخلاف، لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه، أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء {فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ } رجلاً يصلح للحكومة والإصلاح بينها {وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. والضمير في {إِن يُرِيدَا إِصْلَـٰحاً } للحكمين، وفي {يُوَفّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَا } للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. أو الضميران للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد. أو الضميران للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً } بإرادة الحكمين {خَبِيراً } بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافاً لمالك رحمه الله.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {والمحصنات} يعني حرمت المحصنات {من النساء} وأصل الإحصان في اللغة المنع والحصان بالفتح المرأة العفيفة ويطلق الإحصان على المرأة ذات الزوج والحرة والعفيفة والمرأة المسلمة والمراد من الإحصان في قوله والمحصنات ذوات الأزواج من النساء فلا يحل لأحد نكاحهن قبل مفارقة أزواجهن وهذه هي السابعة من النساء التي حرمن بالسبب. قال أبو سعيد الخدري: نزلت هذه الآية في نساءكن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فتزوجن ببعض المسلمين ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن ثم استثنى فقال تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} يعني السبايا اللاتي سبين ولهن أزواج في دار الحرب، فيحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء لأن السبي يرتفع به النكاح بينها وبين زوجها قال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين فكرهوا غشيانهن فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال ابن مسعود: أراد أنه إذا باع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقاً فيحل للمشتري وطؤها. وقال عطاء: أراد بقوله إلا ما ملكت أيمانكم أن تكون أمته في نكاح عبده فيجوز له أن ينتزعها منه وقيل أراد بالمحصنات من النساء الحرائر ومعناه أن ما فوق الأربع منهن فإنه عليكم حرام إلا ما ملكت أيمانكم فإنه لا عدد عليكم في الجواري ولا حصر {كتاب الله عليكم} يعني حرمت عليكم أمهاتكم وكتب عليكم هذا كتاباً وقيل معناه الزموا كتاب الله وقيل معناه كتاباً من الله عليكم بمعنى كتب الله تحريم ما حرم عليكم من ذلك وتحليل ما حلل كتاباً {وأحل لكم ما وراء ذلكم} يعني وأحل الله لكم ما سوى ذلكم الذي ذكر من المحرمات. وظاهر هذه الآية يقتضي حل ما سوى المذكورين من الأصناف المحرمات، لكن قد دل الدليل من السنة بتحريم أصناف أخر سوى ما ذكر فمن ذلك أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن ذلك المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره ومن ذلك نكاح المعتدة فلا تحل للأزواج حتى تنقضي عدتها ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لم يجز له أن يتنزوج بأمة والقادر على طول الحرة لم يجز له أن يتزوج بالأمة ومن ذلك من كان عنده أربع نسوة حرم عليه أن يتزوج بخامسة ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن بالتأبيد فهذه أصناف من المحرمات سوى ما ذكر في الآية فعلى هذا يكون قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ورد بلفظ العموم لكن العموم دخله التخصيص فيكون عاماً مخصوصاً. وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} فيه إضمار تقديره وأحل لكم أن تبتغوا أي تطلبوا بأموالكم أن تنكحوا بصداق أو تشتروا بثمن. وفي الآية دليل على أن الصداق لا يتقدر بشيء فيجوز على القليل والكثير لإطلاق قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} يعني متزوجين وقيل متعففين {غير مسافحين} يعني غير زانين والسفاح الفجور وأصله من السفح وهو الصب وإنما سمي الزنى سفاحاً لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط. قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن} اختلفوا في معناه فقال الحسن ومجاهد: أراد ما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بنكاح صحيح لأن أصل الاستمتاع في اللغة الانتفاع وكل ما انتفع به فهو متاع {فآتوهن أجورهن} يعني مهورهن وإنما سمي المهر أجراً لأنه بدل المنافع ليس بدل الأعيان كما سمي بدل منافع الدار والدابة أجراً. وقال قوم المراد من حكم الآية وهو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة معلومة بشيء معلوم فإذا انقضت تلك المدة بانت منه بغير طلاق ويستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث وكان هذا في ابتداء الإسلام ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة فحرمها (م) عن سبرة بن معبد الجهني أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال "حديث : يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً" تفسير : وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أي أن نكاح المتعة حرام والآية منسوخة واختلفوا في ناسخها فقيل نسخت بالسنة وهو ما تقدم من حديث سبرة الجهني (ق) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية" وهذا على مذهب من يقول إن السنة تنسخ القرآن ومذهب الشافعي في أن السنّة لا تنسخ القرآن فعلى هذا يقول: إن ناسخ هذه الآية قوله تعالى في سورة المؤمنون: {أية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين}تفسير : [المؤمنون: 5-6] والمنكوحة في المتعة ليست بزوجة ولا ملك يمين واختلفت الروايات عن ابن عباس في المتعة فروي عنه أن الآية محكمة وكان يرخص في المتعة. قال عمارة سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح؟ فقال لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هي؟ قال متعة؟ قال الله تعالى فما به منهن قلت هل لها عدة قال نعم؟ حيضة قلت هل يتوارثان؟ قال لا وروى أن الناس لما ذكروا الأشعار في فتيا ابن عباس بالمتعة قال: قاتلهم الله أنا ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق لكن قلت إنما تحل للمضطر كما تحل الميتة له وروي أنه رجع عنه. وقال بتحريمها وروى عطاء الخرساني عن ابن عباس في قوله فما استمتعتم به منهن إنها صارت منسوخة بقوله: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} تفسير : [الطلاق: 1] وروى سالم بن عبدالله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لا أجد رجلاً نكحها إلا رجمته بالحجارة وقال هدم المتعة: النكاح والطلاق والعدة والميراث قال الشافعي: لا أعلم في الإسلام شيئاً أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم غير المتعة. وقال أبو عبيد: المسلمون اليوم مجمعون على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم نسخها الكتاب والسنّة هذا قول أهل العلم جميعاً من أهل: الحجاز الشام والعراق من أصحاب الأثر والرأي وأنه لا رخصة فيها لمضطر ولا لغيره قال ابن الجوزي في تفسيره: وقد تكلف قوم من مفسري القرآن فقالوا: المراد بهذه الآية نكاح المتعة ثم نسخت بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن متعة النساء وهذا تكلف لا يحتاج إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز المتعة ثم منع منها فحرمها فكان قوله منسوخاً بقوله وأما الآية فإنها لم تتضمن جواز المتعة لأنه تعالى قال فيها إن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فدل ذلك على النكاح الصحيح. قال الزّجاج ومعنى قوله فما استمتعتم به منهن فما نكحتموه على الشرائط التي جرت وهو قوله محصنين غير مسافحين أي عاقدين التزويج. وقال ابن جرير الطبري: أولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من تأوله فما نكحتموه منهن فجامعتموهن فآتوهن أجورهن لقيام الحجة بتحريم الله تعالى متعة النساء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: {فآتوهن أجورهن} يعني مهورهن {فريضة} يعني لازمة وواجبة {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} اختلفوا فيه فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة قال: أراد إنهما إذا عقد عقداً إلى أجل على مال فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر، وإن لم يتراضيا فارقها وقد تقدم أن ذلك كان جائزاً ثم نسخ وحرم ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح. قال المراد بقوله ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به يعني من الإبراء من المهر والافتداء والاعتياض. وقال الزّجاج معناه لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزوج مهرها وأن يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه {إن الله كان عليماً} يعني بما يصلحكم أيها الناس في مناكحكم وغيرها من سائر أموركم {حكيماً} يعني فيما دبر لكم من التدبير وفيما يأمركم به وينهاكم عنه ولا يدخل حكمه خلل ولا زلل. فصل في قدر الصداق وما يستحب منه اعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى: {أية : وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} تفسير : [النساء: 20] والمستحب أن لا يغالي فيه قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ألا لا تغالوا في صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية أخرجه الترمذي ولأبي داود نحوه (م) عن أبي سلمة قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشر أوقية ونشا قالت: أتدري ما النش؟ قلت: لا قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم واختلف العلماء في أقل الصداق فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقله بل كل ما جاز أن يكون مبيعاً أو ثمناً جاز أن يكون صداقاً وهو قول ربيعة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وقال قوم يتقدر الصداق بنصاب السرقة وهو قول مالك وأبي حنيفة. غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاث دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم والدليل على أن الصداق لا يتقدر ما روي عن سهل بن سعد الساعدي قال: حديث : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد وهبت نفسي لك فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: "فهل عندك من شيء"؟ فقال لا والله يا رسول الله فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً؟" فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظر ولو خاتماً من حديد" فذهب ثم رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد ولكن إزاري هذا. قال سهل ما له رداء فلها نصفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء" فجلس الرجل حتى طال مجلسه قام فرآه النبي صلى الله عليه وسلم مولياً فأمر به فدعا له فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن" قال: معي سورة كذا وسورة كذا عددها قال: "تقرأهن عن ظهر قلب"؟ قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن"تفسير : . وفي رواية : "حديث : فقد زوجتكها تعلمها من القرآن"تفسير : وفي رواية: "حديث : فقد أنكحناكها بما معك من القرآن"تفسير : . أخرجاه في الصحيحين وهذا لفظ الحميدي. ففي هذا الحديث دليل على أنه لا تقدير لأقل الصداق لأنه هل تجد شيئاً فهذا يدل على جواز أي شيء كان من المال ثم قال ولو خاتماً من حديد ولا قيمة له إلا القليل التافه وفيه دليل على أنه يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقاً وهو قول الشافعي ومنعه أصحاب الرأي عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أعطى من صداق امرأة ملء كفيه سويقاً أو تمراً فقد استحل"تفسير : . أخرجه أبو داود عن عبدالله بن عامر عن أبيه حديث : أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فأجازه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال عمر بن الخطاب: ثلاث قبضات من زبيب مهر.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} عطْفاً على المُحَرَّمَاتِ، قيل: والتحصُّن التمنُّع، ومنه الحِصْن، وحصنت المرأة: ٱمتنعَتْ بوجه مِنْ وُجُوه الاِمتناعِ، وأَحْصَنَتْ نَفْسَهَا، وأَحْصَنَهَا غيْرُها، والإحْصَانُ تستعمله العَرَبُ في أربعةِ أشياءَ، وعلَىٰ ذلك تصرَّفَتِ اللفظة في كتاب اللَّهِ عزَّ وجلَّ: فتستعملُهُ في الزَّوَاجِ؛ لأنَّ مِلْكَ الزَّوْجِ منعة وحفظ، وتستعمله في الحرِّيَّة؛ لأنَّ الإماء كان عُرْفُهُنَّ في الجاهليَّة الزِّنَا، والحُرَّةُ بخلافِ ذلك؛ ألا تَرَىٰ إلَىٰ قول هندٍ: «وهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ»، وتستعمله في الإسلام؛ لأنه حافظٌ، وتستعمله في العِفَّة؛ لأنها إذا ٱرتبطَ بها إنسانٌ، وظهرَتْ علَىٰ شَخْصٍ مَّا، وتخلَّق بها، فهي مَنَعَةٌ وحفْظٌ. وحيثما وقعتِ اللفظة في القرآن، فلا تجدُها تخرُجُ عن هذه المعانِي، لكنَّها قد تَقْوَىٰ فيها بعضُ هذه المعانِي دُونَ بَعْض؛ كما سيأتي بيانُهُ في أماكنه (إن شاء اللَّه). فقوله سبحانه في هذه الآية: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} قال فيه ابنُ عَبَّاس وغيره: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، محرَّماتٌ إلاَّ ما ملكَتِ اليمينُ بِالسَّبْيِ، ورُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ؛ أنه سُئِلَ عن هذه الآية: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَاءِ}، فقال: نُرَىٰ أنه حَرَّم في هذه الآية ذَوَاتِ الأزواجِ، والعَفَائِفَ مِنْ حَرَائِرَ ومملوكاتٍ، ولم يحلَّ شيءٌ من ذلك إلاَّ بنكاحٍ، أو شراءٍ، أو تملُّك، وهذا قولٌ حَسَنٌ عَمَّم لفظَ الإحصانِ، ولَفْظَ ملكِ اليمين، وذلك راجعٌ إلى أنَّ اللَّه حَرَّم الزنا، قال عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ وغيره: قوله سبحانه: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}: إشارةٌ إلَىٰ ما ثبت من القرآن من قوله سبحانه: {أية : مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} تفسير : [النساء:3]؛ وفي هذا بُعْدٌ، والأظْهَرُ أنَّ قوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}، إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ، وبَيْنَ ما كانَتِ الجاهليةُ تفعله. قال الفَخْر: و {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}: مصْدَرٌ من غير لفظ الفَعْلِ، قال الزَّجَّاج: ويجوزُ أَنْ يكونَ مَنْصُوباً علَىٰ جهة الأَمْرِ، ويكون {عَلَيْكُمْ} خبراً له، فيكون المعنَى: ٱلْزَمُوا كتابَ اللَّهِ. انتهى. وفي «التمهيد» لأبي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}: أي: حكمه فيكُمْ وقضاؤُه عليكم. انتهى. وقوله سبحانه: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ}، قال عطاء وغيره: المعنَىٰ: وأُحِلَّ لكم ما وراء مَنْ حُرِّم، قلْتُ: أي: علَىٰ ما عُلِمَ تفصيله مِنَ الشريعة. قال * ع *: و {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ}: لفظٌ يجمع التزوُّجَ والشراءَ، و {مُّحْصِنِينَ}: معناه: متعفِّفين، أي: تُحْصِنُونَ أنفسكم بذلك، {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ}، أي: غَيْرَ زُنَاةٍ، والسِّفَاحُ: الزنا. وقوله سبحانه: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَـئَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، قال ابن عَبَّاس وغيره: المعنَىٰ: فإذا استمتعتم بالزوْجَة، ووَقَعَ الوطْء، ولو مرَّةً، فقد وجَب إعطاء الأجْرِ، وهو المهر كلُّه، وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً وغيره: إن الآية نزلَتْ في نكاح المُتْعة، قال ابنُ المُسَيَّب: ثم نُسِختْ. قال * ع *: وقد كانَتِ المتعةُ في صَدْرِ الإسلامِ، ثم نَهَىٰ عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ}، أي: مِنْ حَطٍّ أو تأخيرٍ بعد ٱستقرارِ الفَريضَةِ، ومَنْ قال بأنَّ الآية المتقدِّمة في المُتْعَة، قال: الإشارةُ بهذه إلَىٰ أنَّ ما تراضَيَا علَيْه من زيادةٍ في مُدَّة المُتْعةِ، وزيادةٍ في الأجْرِ جائزٌ. وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...} الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره: الطَّوْل هنا: السَّعَة في المالِ؛ وقاله مالِكٌ في «المُدَوَّنة»، فعلَىٰ هذا التأويلِ لا يصحُّ للحُرِّ أنْ يتزوَّج الأَمَةَ إلاَّ بٱجتماعِ شرطَيْنِ: عَدَمِ السَّعَةِ في المالِ، وخَوْفِ العَنَتِ، وهذا هو نصُّ مالك في «المدوَّنة». قال مالك في «المُدَوَّنة»: «ولَيْسَتِ الحُرَّة تحته بِطَوْل، إنْ خَشِيَ العَنَتَ»، وقال في «كتاب محمَّد» ما يقتضِي أنَّ الحُرَّة بمثابة الطَّوْل. قال الشيخُ أبو الحَسَن اللَّخْمِيُّ: وهو ظاهرُ القرآن، ونحوه عنِ ابْنِ حَبيبٍ. وقال أبو حنيفة: وجودُ الحُرَّة تحته لا يَجُوزُ معه نكاحُ الأَمَةِ؛ وقاله الطَّبَرِيُّ، وتقولُ: طَالَ الرَّجُلُ طَوْلاً (بفتح الطاء)؛ إذا تفضَّل، ووَجَدَ، وٱتَّسَعَ، وطُولاً (بضمها): في ضِدِّ القِصَر، و {ٱلْمُحْصَنَـٰتُ} في هذا الموضع: الحرائرُ ـــ والفتاةُ، وإن كَانَتْ في اللغة واقعةً على الشَّابَّة، أَيَّةً كانَتْ، فعرفُها في الإماء، وفَتًى كذلك، و {ٱلْمُؤْمِنَـٰتُ}؛ في هذا الموضع: صفةٌ مشترطةٌ عند مالك، وجمهور أصحابه، فلا يجوزُ نكاحُ أمةٍ كافرةٍ عندهم؛ قُلْتُ: والعلَّة في مَنْعِ نكاحِ الأَمَةِ ما يؤولُ إلَيه الحالُ من ٱسترقاقِ الولد. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ}، ومعناه: واللَّهُ أعلمُ ببَوَاطِنِ الأمور، ولكم ظواهرُها، فإذا كانَتِ الفتاةُ ظاهِرُها الإيمانُ، فنكاحها صحيحٌ، وفي اللفظ أيضاً: تنبيهٌ علَىٰ أنهُ ربَّما كان إيمانُ أَمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ إيمانِ بعضِ الحرائرِ، فلا تَعْجَبُوا بمعْنَى الحُرِّيَّة، والمَقْصِدُ بهذا الكلامِ أنَّ الناس سواءٌ، بَنُو الحرائرِ، وبَنُو الإمَاءِ، أكرمهم عنْدَ اللَّهِ أتقاهُمْ، وفي هذا توطئَةٌ لنفوسِ العَرَبِ التي كانَتْ تَسْتَهْجِنُ ولَدَ الأَمَةِ. وقوله تعالى: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}، معناه: بولايةِ أربابِهِنَّ المالكين، {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، أي: مُهُورَهُنَّ، {بِٱلْمَعْرُوفِ}: معناه: بالشَّرْع والسُّنَّة، و {مُحْصَنَـٰتٍ}: الظاهرُ أنه بمعْنَىٰ عفيفاتٍ. قال * ص *: مُحْصَنَاتٍ: منصوبٌ على الحَالِ، والظَّاهِرُ أنَّ العَامِلَ وآتُوهُنَّ، ويجوزُ أَنْ يَكُونَ العامِلُ: فٱنْكِحُوهُنَّ مُحْصَنَاتٍ، أي: عفائفَ. انتهى. والمسافِحَاتُ: الزوانِي المتبذِّلاتُ اللَّوَاتِي هُنَّ سُوقٌ للزِّنا، ومتَّخِذَاتُ الأخدانِ هنَّ المُسْتَتِرَاتُ اللواتِي يصحبن واحداً واحداً، ويَزْنينَ خفيةً، وهذان كانا نَوْعَيْن في زنا الجاهليَّة؛ قاله ابنُ عبَّاس وغيره. وقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ...} الآية، أي: تزوَّجْن، قال الزُّهْرِيُّ وغيره: فالمتزوِّجة محدودةٌ بالقرآن، والمُسْلِمَةُ غير المتزوِّجة محدودةٌ بالحديث، وفي مسلمٍ والبخاريُّ، «أنه قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الأَمَةُ إذَا زَنَتْ، ولَمْ تُحْصَنْ»؟ فأوْجَبَ علَيْها الحدَّ» والفاحشة، هنا الزِّنا. قال * ص *: وجوابُ: «إذَا»: «فإنْ أتَيْنَ»، وجوابه. انتهى. و {ٱلْمُحْصَنَـٰتُ} في هذه الآية: الحَرَائِرُ؛ إذ هي الصفَةُ المَشْرُوطة في الحدِّ الكامِلِ، والرَّجْمُ لا يتنصَّف، فلم يُرَدْ في الآية بإجماع، والعَنَتُ في اللغة: المَشَقَّة. قال ابنُ عباسٍ وغيره: والمَقْصِدُ به هنا الزنا. وقوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني: عَنْ نكاحِ الإماء؛ قاله ابنُ عَبَّاس وغيره: وهذا نَدْبٌ إلى التَّرْك؛ وعِلَّتُهُ مَا يؤَدِّي إلَيْه نكاحُ الإِماءِ مِن ٱسترقاقِ الوَلَدِ ومِهْنَتِهنَّ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ} قرأ الجمهور {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} بفتح الصاد سواء كانت معرفة بأل أم نكرة والكسائي بكسرها في الجميع إلاَّ في قوله {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} في هذه الآية فَإنَّهُ وافق الجمهور فأما الفتح ففيه وجهان: أشهرهما: أنَّهُ أسْنَدَ الإحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزْوَاجُ أو الأولياء، فَإنَّ الزَّوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها بالتَّزويج أيضاً واللَّهُ يحصنها بذلك. والثَّاني: أنَّ هَذَا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور منها، يعني: أنه اسم فاعل، وَإنَّمَا شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ أحصن، فهو مُحْصَنٌ، وَألقح فهو مُلْقَحٌ، وأسْهَبَ فهو مُسْهَبُ، وَأمَّا الكسرُ فَإنَّهُ أسند الإحصان إليهن؛ لأنَّهُنَّ يحصن أنفسهن بعفافهن، أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وَأمَّا استثناء الكسائي الآية لتي هنا قال: لأن المراد بهن المُزَوَّجَات، [فالمعنى أنَّ أزواجهن أحصنوهن فهنَّ مفعولات، وهذا على أحد الأقوال في المحصناتِ هنا منهنَّ على أنَّهُ قد قُرِئَ شاذاً بالكسر في هذا أيضاً قال: وإنْ أُرِيدَ بهن المزوّجات]؛ لأنَّ المراد أحصن أزواجهن، و فروجهن وهو ظاهر. وقرأ يزيد بن قطيب: "والمُحْصُنات" بضمّ الصّاد كأنَّهُ لم يعتد بالساكن فأتبع الصّاد للميم كقولهم: "مَنْتُن"، وأصل هذه المادة الدَّلالة على المنع ومنه الحصن؛ لأنَّهُ يمنع به، و "حصان" بالكَسْرِ للفرس من ذلك، ومدينة حصينةٌ ودرع حصينة أي: مَانِعَةٌ صاحبها من الجراح، قال تعالى {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ} تفسير : [الأنبياء: 80] أي: لتمنعكم، والحَصَانُ: بالفتح المرأة العفيفة؛ لمنعها فرجها من الفَسَادِ، قال تعالى: {أية : ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ} تفسير : [التحريم: 12]، ويقال: أحْصَنَتِ المرأةُ وَحَصُنَتْ، ومصدر حَصُنَتْ: "حصن" عن سيبويه، و "حصانة" عن الكِسَائِيِّ، وأبي عبيدةَ، واسمُ الفاعل من أحْصَنَتْ مُحْصَنَةٌ، ومن حَصُنَت حَاصِنٌ، قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1780- حَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسِ مِن الأذى وَمِنْ قرافِ الْوَقْسِ تفسير : ويقالُ لها "حصان" كما تقدم [بفتح الحاء] قال [حَسَّان] يصف عائشة رضي الله عنها: [الطويل] شعر : 1781- حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ تفسير : فصل [معنى الإحصان] والإحْصَان ورد في القرآن [بإزاء] أربعة معان: التزّوج كهذه الآية لأنَّهُ عطفت المحصنات على المحرّمات، فلا بدّ وأنْ يكون الإحصان سبباً للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف، والإسلام لها تأثير لها في ذلك، والمرْأةُ المزوّجة محرمة على الْغَيْرِ. الثَّاني: العِفَّةُ قال تعالى: {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} تفسير : [النساء: 25] وقوله {أية : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} تفسير : [المائدة: 5] {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [الأنبياء: 91] أي: أعَفَّتْهُ. الثالث: الحرية في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4] يعني الحرائر؛ لأنَّهُ لو قَذَفَ غَيْرَ حرَّةٍ لم يجلد ثمانين جلدة. وكذا قوله {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [النساء: 25]. الرَّابعُ: الإسلام قال تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قيل في تفسيره فإذا أسْلَمْنَ، وهذا يقع معرفته في الاستثناء الواقع بعده، وهو قول بعض العلماء، فإنْ أُرِيدَ به هنا التَّزوج كان المعنى: وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات، قال أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنَّ أزواج فيتزوّجْنَ بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فَنَهى اللَّهُ عن نكاحهن [ثم استثنى] فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} يعني بالسّبي، [ولهن أزواج في دار الحرب يحل لمالكهن وطؤهنّ بعد الاستبراء؛ لأنَّ بالسّبي] يرتفع النِّكاح بينها وبين زوجها. قال أبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ: بعث رسولُ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لَهُنَّ أزْوَاج من المشركين فكرهوا غشيانهن وتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية. وقال عطاءٌ: يريد أنْ تكون أمته في نكاح عبده يجوز أن ينزعها منه. وقال ابن مسعود: أرَادَ أنْ يبيع الجارية المزوّجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويكون بيعها طلاقاً فيحل للمشتري وطؤها وهذا قول أبيّ بن كعب وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وجابر، وأنس - رضي الله عنهم - وقال علي، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: إنَّ الأمة المزوجة إذَا بيعت لا يقع عليها الطَّلاق، وعليه إجْمَاعُ الفقهاء اليوم؛ لأنَّ عائشة - رضي الله عنها - لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النَّبي صلى الله عليه وسلم وكانت متزوجة فلو وقع الطلاق بالبيع لما كان في ذلك فائدة، وحجة الأوَّلين ما روي في قصة بَريرةَ أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ قال: "حديث : بيع الأمة طلاقها" تفسير : قالوا: فَإذَا ملكت الأمة حَلَّ وطؤها سواء ملكت بشراء، أو هبة أوْ إرث ويدل على أنَّ مُجَرَّد السّبي يحلُّ الأمة قول الْفَرَزْدَق: [الطويل] شعر : 1782- وذَاتِ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ تفسير : يعني: أنَّ مجرد سبائها أحَلَّهَا بعد الاستبراء، وإنْ أُريد به الإسلام، أو العفّة فالمعنى: أنَّ المسلمات العفيفات حرام كلهنَّ، [يعني] فلا يزنى بهن إلا مَا مُلِكَ منهنّ بتزويج نكاح جديد بعد وقوعه البَيْنُونَةِ بينهن وبين أزواجهم أو ما ملكت يمين إن كانت المرأة مملوكة، فيكون المراد بما ملكت أيمانكم التّسلط عليهن، وهو قدر مشتركٌ، وعلى هذه الأوجه الثَّلاثة يكون الاستثناء متصلاً، وإذا أريد الحرائر، فالمرادُ إلا بما ملكت [أيمانكم] بملك اليمين ويدل عليه قوله بعد ذلك {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} تفسير : [النساء: 25] فكان المراد [بالمحصنات هنا هو المراد] هناك، وعلى هذا ففي قوله {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} وجهان: الأوَّلُ: أنَّ المراد منه إلاَّ العقد الذي جعله اللَّه تعالى ملكاً لكم وهو الأربع. والثَّاني: أنَّ الحرائرَ محرمات عليكم إلا ما أثبت اللَّهُ لكم ملكاً عليهنَّ بحضور الولي والشُّهود والشُّروط المعتبرة في النِّكاح، وعلى هذا [فَإنَّ] الاستثناء منقطع. قوله {مِنَ ٱلنِّسَآءِ} في محلِّ نصب على الحال كنظيره المتقدّم. وقال مَكِّيٌّ: فائدةُ [قوله] {مِنَ ٱلنِّسَآءِ} أنَّ المحصنات يقع على الأنفس فقوله: {مِنَ ٱلنِّسَآءِ} يرفع ذلك الاحتمال، والدَّلِيلًُ على أنَّهُ يراد بـ "المحصنات" الأنفس قوله {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4] فلو أُرِيدَ به النِّساء خاصَّةً لما حُدَّ مِنْ قذف رجلاً بنصّ القرآن، وقد أجمعوا على أنَّ حدَّه بهذا النَّص. انتهى. قال شهَابُ الدِّينِ: وهذا كلام عجيبٌ؛ لأنَّهُ بعد تسليم ما قاله في آية النُّور كيف يتوهَّم ذلك هنا أحد من النَّاس. فصل [في سبي أحد الزوجين] اتَّفَقُوا على أنَّهُ إذَا سبي أحد الزَّوْجَيْنِ قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما، فإنْ سُبِيَا معاً، قال الشَّافِعِيُّ: تزول الزَّوجيّة ويستبرئها المالك. وقال أبُو حَنِيفَةَ لا تزول الزَّوجيَِّة. واستدلَّ الشافعيُّ بقوله {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} فيقتضي تحريم ذوات الأزواج ثم قال {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} يقتضي أن عند طريان الملك ترتفع الحرمة ويحصل الحل. قال أبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ: إن حصلت الفُرْقَةُ بمجرد طريان الملك فوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها [وإرثها] وليس ذلك واجب، فإنَّ العام بعد التَّخصيص حجة في الباقي، وأيضاً فالحاصل عن السَّبي إحداث الملك، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، فكان الأوَّل أقوى. قوله [{كِتَابَ ٱللَّهِ}] في نصبه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّهُ منصوبٌ على أنَّهُ مصدر مؤكّد بمضمون الجملة المتقدِّمة قبله، وهي قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} ونصبه بفعل مقدر [تقديره] كتب الله ذلك عليكم كتاباً، والمعنى: كتب اللَّهُ عليكم تحريم ما تقدَّمَ ذكره من المحرمات كتَاباً مِنَ اللَّهِ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير. قال تعالى {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ صُنْعَ ٱللَّهِ} تفسير : [النمل: 88]، وأبعد عبيدة السلماني في جعله هذا المصدر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم [من النساء}]. الثاني: أنه منصوب على الأغراء بـ "عليكم" والتقدير: عليكم كتاب الله، أي: الزموه كقوله تعالى {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ} تفسير : [المائدة: 105] وهذا رأي الكِسَائيِّ ومن تابعه أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإغراء مستدلِّينَ بهذه الآية، وبقول الشَّاعِرِ: [الرجز] شعر : 1783- يَأيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إنِّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا تفسير : فـ "دَلْوِي" منصوبٌ بدونك تقَدَّمَ، والبصريون يمنعون ذلك، قالوا: لأنَّ العامل ضعيف، وتأوَّلُوا الآية [على ما تَقَدَّمَ] والبيتَ على أنَّ "دَلْوِي" منصوب بالمائِحِ أي: الَّذِي مَاحَ دلوي. والثَّالثُ: أنَّهُ منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي: الزموا كِتَابَ اللَّهِ [وهذا قريب من الآخر. وقال أبُو الْبَقَاءِ: هذا الوجه تقديره: الزموا كِتَاب اللَّهِ] وعليكم: إغراء يعني: أنَّ مفعوله قد حُذِفَ للدلاَلَةِ بـ {كِتَابَ ٱللَّهِ} عليه. أيْ عليكم ذلك فيكون أكثر تأكيداً، وأمَّا عليكم فقال أبُو الْبَقَاءِ: إنَّهَا على القَوْلِ بأنَّ كِتَابَ اللَّهِ مصدرٌ يتعلَّقُ بذلك الفعل المقدر النَّاصب لكتاب، ولا يتعلَّق بالمصدر وقال: لأنَّهُ هنا فَضْلة، قال: وقيل: يتعلَّق بنفس المصدر؛ لأنَّهُ ناب عن الفعل حيثُ لم يذكر معه فهو كقولك: مروراً بِزَيْدٍ، قلت وَأمَّا على القول بأنَّهُ [إغراء فلا محل له من الإعراب لأنه واقع موقع فعل الأمر وأما على القول بأنَّه] منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي الزموا فَعَلَيْكُمْ متعلِّقٌ بنفس كتاب، أو محذوف على أنَّهُ حالٌ منه. وقرأ أبُو حَيْوَةَ "كتب الله" على أن "كتب" فعل ماض و"الله" فاعل به، وهو يؤيدُ كونه منصوباً على المصدر المؤكد. وقرأ ابنُُ السّميفع اليمانيُّ "كُتُبُ الله" جعله جَمْعاً مرفوعاً مضافاً للَّهِ تعالى على أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه كُتُبُ اللَّهِ عليكم. قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ} قرأ الأخوانِ وحفصٌ عن عاصمٍ {وَأُحِلَّ}، مبنيِّا للمفعول والباقُونَ مبنيًّا للفاعل، وكِلْتَا القراءَتَيْنِ الفعل فيما معطوف على الجملة الفعليَّةِ من قوله {حُرِّمَتْ}، والمُحَرَّمُ والمُحَلَّلُ: هو اللَّهُ - تعالى - في الموضعين سواء صرَّح بإسناد الفعل إلىِّ ضميره، أو حذف الفاعل للعلم بِهِ، وادَّعَى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ قراءة {وَأُحِلَّ} مبنياً للمفعول [عطف على {حُرِّمَتْ} ليعطف فعلاً مبنياً للمفعول] على مثله، [أي حرمت المبني للمفعول] وَأمَّا على قراءة بنائه للفاعل فَجَعَلَهُ معطوفاً على الفعل المقدَّر النَّاصِبِ لكتاب [كأنه قيل: كتب اللَّهُ عليكم تحريم ذلك، وأحَلَّ لكم ما وراء ذلكم. قال أبُو حَيَّان: وما اختاره يعني من التَّفْرِقَةِ بين القِرَاءَتَيْنِ غير مختار؛ لأنَّ النَّاصب لكتاب اللَّه] جملة مؤكدّة لمضمون الجُمْلَة من قوله {حُرِّمَتْ} إلى آخره، وقوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ} جملة تأسيسية، [فلا يناسب أنْ تعطف إلاَّ على تأسيسية مثلها لا على] جملة مؤكدة، والجملتان هنا متقابلتان إذْ إحْدَاهُمَا للتحريم، والأخرى للتحليل فالمناسب أن تعطف إحْدَاهُمَا على الأخرى لا على جملة أخرى غير الأولى، وقد فعل هو مثل ذلك في قراءة البناء للمفعول، فليكن هذا مثله. قال شهاب الدِّينِ: وفي هذا الرد نظر [لأنَّ تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى وما ذكره أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهره وقد تبع البيضاويُّ الزَّمَخْشَرِيَّ في التفرقة فتأمل. قوله] {ما وراء ذلكم} مفعول به إما منصوب المحل أوْ مرفوع على حسب القراءتين في "أحل". فصل ظاهر قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} يقتضي حِلَّ كُلِّ من سوى الأصناف المذكورة إلا أنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ على تحريم أصناف أخرى سوى [الأصناف] المذكورين، لقوله عليه السلام: "حديث : لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا"تفسير : وزعم الخوارجُ أنَّ هذا خبر واحد، فلا يجوزُ أن يخصَّ به القرآن لوجوه: أحَدُهَا: أنَّ عموم الكتاب مقطوع وخبر الواحد مظنون المتن، فَكَانَ أضعف فترجيحُهُ يقتضي تقديم الأضعف على الأقوى، وهو لا يجوز. وثانيها: حديث معاذٍ حين قال عليه السَّلام: "حديث : بِمَ تَحْكُم؟ قال: بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُول اللَّهِ" تفسير : فقدَّمَ التَّمَسُّكَ بالكتاب على التَّمَسُّكِ بالسُّنَّةِ [وعلق جواز التمسك بالسُّنَّة على عدم الكتاب بكلمة "إن" والمتعلّق على شرط عدم عند عدم الشِّرط. وثالثها: قوله عليه السَّلام: "حديث : إذَا رُوِيَ لَكُم عَنِّي حَدِيثٌ فاعْرِضُوهُ عَلَى كتابِ اللَّهِ فَإنْ وَافَقَ فَاقْبَلُوهُ وَإلاَّ فَرُدُّوهُ ". تفسير : هذا يقتضي ألاَّ يقبل خبر الواحد إلا عمد موافقة الكِتَابِ. ورابعها: أنَّ قوله تعالى {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} مع قوله عليه السلام "حديث : لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا" تفسير : لا يخلو من ثَلاثَةِ أوجه: إمَّا أن تكون الآية نزلت بَعْدَ الخبر فتكون الآية ناسخة له؛ لأنَّ العام إذَا ورد بعد الخاصّ ينسخ الخاصّ، وَإما أنْ يكون الخبر ورد بعد الكِتَابِ فيقتضي نسخَ القرآن بخبر الوَاحِدِ، وإنه لا يجوز وإمَّا أنْ يردا معاً، وهذا أيضاً بَاطِلٌ؛ لأنَّ [على] هذا التَّقْدِيرِ تكون الآية وَحْدَهَا غير مَبْنِيَِّةٍ، وتكونُ الحجَّةُ مجموع الآية والخبر. ولا يجوزُ للِرَّسُولِ أنْ يسعى في تشهير الشُّبْهَةِ، ولا يسعى في تشهير الحجَّة، فكان يجب عليه ألاَّ يسمع أحَدٌ هذه الآية إلاّ مع [هذا] الخبر، ويوجب على الأمَّةِ ألاَّ يبلغوا هذه الآية أحداً إلا مع هذا الخبر، ولو كان كذلك لزم أن يكون اشتهار هذا الخبر مساوياً لاشتهار هذه الآية، ولما لم يكن كذلك عُلِمَ فساد هَذَا القسم. وخامسُهَا: أنَّ بتقدير صحَّةِ هذا الخبر قطعاً إلا أنْ التَّمسُّكَ بالآية راجحٌ عليه لوجهين: الأوَّلُ: أنَّ قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} نص صريح في التحليل كما أن قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} نص صريح في التحريم. وأما قوله: "حديث : لا تُنْكَحُ المَرْأةُ عَلَى عَمَّتِهَا [وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا]" تفسير : فليس نصاً صريحاً؛ لأنَّ ظاهره إخبار، وحمل الإخبار على النَّهي مجاز، وإن سلّمنا كونه نهياً فدلالة النَّهي على التحريم أضعف من دلالة لفظ [الإحْلاَلِ] على معنى الإبَاحَةِ. الثَّانِي: أنَّ الآية صريحة في تحليل كُلِّ ما سوى المذكورات والحديثُ ليس صريحاً في العموم بل احتماله للمعهود السَّابق أظهر. وسادسها: أنَّهُ تعالى اسْتَقْصَى في هذه الآيةَ شرح أصْنَافِ المحرَّمات فعدَّ منها خَمْسَةَ عَشرَ صنفاً، ثُمَّ بعد هذا التّفصيل التَّام والاستقصاء الشّديد قال {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} فلو لم يَثْبُت الحلُّ في كُلِّ من سوى هذه الأصناف المذكورة، لكانَ هذا الاستقصاء عبثاً، ولغواً، وذلك لا يليق بالحكيم. والجوابُ من وُجُوهٍ: الأول: قال الحَسَنُ وأبو بَكْرٍ الأصَمُّ إنَّ قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} لا يقتضي إثبات الحل على التأبيد؛ لأنَّهُ يصحُّ [تقسيم] هذا المفهوم إلى المؤبد، وإلى غير المؤبَّد، فيقال {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} أبداً، ويقال {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُم} إلى الوقت الفلانِيِّ، ولو كان صريحاً في التَّأبيد لما كان هذا التقسيم ممكناً في الآية، فالآية لا تُفِيدُ [إلاَّ] إحلال من سوى المذكورات، والعقلُ يشهد بأنَّ الإحلال أعمّ من الإحلال المؤبّد، ومن الإحلال المؤقّت، فالآيةُ لا تفيد إلا حلّ مَنْ عدا المذكورات في ذلك الوقت، فأمَّا ثبوتُ حكمهم في سائر الأوقات فَمَسْكُوتٌ عنه، وقد كان حِلُّ من سوى المَذْكُوراتِ ثَابِتاً في ذَلِكَ الوقت، وطريان حرمة بعضهم بَعْدَ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ تَخْصِيصاً لذلك النَّصِّ ولا نسخاً له، وبهذا الطَّرِيق يظهر أنَّ قوله {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23] ليس نصّاً في تأبيد هذا التَّحريمِ، وَإنَّمَا عرفنا ذلك التَّأبيد بالتَّواتر من دين محمد - عليه الصلاة والسلام -. الثَّانِي: أنَّ حرمة الجمع بَيْنَ الأخْتَيْنِ لِكَوْنِهِما أخْتَيْنِ يناسبُ هذه الحرمة؛ لأنَّ الأخْتيَّة قَريبَةٌ فناسبت مزيد الوصلة والشّفقة والكرامة، فكون إحداهما ضرَّة الأخْرَى موجبٌ الوَحْشَةَ العظيمةَ والنُّفْرَةَ الشَّدِيدَةَ كالأختية تناسب حرمة الجمع بينهما في النِّكَاحِ لما ثبتَ في أصُول الْفِقْهِ: أنَّ ذِكْرَ الحُكْمِ مع الوَصْفِ المُنَاسِبِ مُشْعِرٌ بالعِلّيةِ، وهذا المعنى مَوْجُودٌ فِي المْرأةِ وعمَّتِهَا، وخالَتِهَا، بل أولى؛ لأنَّ العمّة [والخَالَة] تشبهان الأمِّ. والثَّالِثُ: أنَّهُ تعالى نَصَّ على تَحْرِيمِ أمَّهَاتِ النِّسَاءِ، ولفظُ الأمِّ قد ينطلقُ على العَمَّةِ والخَالَةِ، أمَّا العمَّةُ فلقوله تعالى مخبراً عن أوْلاَدِ يعقوب عليه السَّلامُ {أية : نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} تفسير : [البقرة: 133] فأطلق لفظ الأبِ على "إسماعيل" مع أنَّهُ كان عَمّاً وإذا كان العَمُّ أباً لزم أن تكون العَمَّة أمًّا، وأمَّا إطلاق لفظ "الأمِّ" على الخالة فقوله تعالى {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [يوسف: 100] والمراد أبوه وخالته، فإنَّ أمَّه كانت مُتَوَفَّاة في ذلك الوقتِ فثبت أن قوله {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} يتناولُ العمَّةَ والخَالَةَ من بعض الوُجُوهِ وإذا كان كذلك فلم يكن قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} متناولاً له، وَإنَّمَا تناولتهم آية التحريم في قوله {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} إمَّا بالدلالة الصَّريحة، أو الجليّة، أو الخفية. الرَّابعُ: أنْ تقولَ: يجوز تخصيصُ عموم الكِتَاب بخبر الوَاحِدِ الصّنف الثَّاني من المحرَّمات، والخارجة من هذا العموم: المطلقة ثلاثاً، ونكاح المُعْتَدَّة، ومن كان متزوّجاً بحرّة لم يجز له أن يَتَزَوَّج أمَةً، وتحريم الخامسة، وتحريم الملاعنة لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : المُتَلاَعِنَانِ لا يَجْتَمِعَان أبَداً ". تفسير : قوله {أَن تَبْتَغُواْ} في محلّه ثلاثة أوْجُهٍ: الرَّفُعُ، والنَّصْبُ، والجَرُّ فالرَّفْعُ على أنَّهُ بدل من {مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} على قراءة أحِلَّ مبْنِياً للمفعول [لأنّ "ما" حينئذٍ قائِمَة مقامَ الفَاعلِ؛ وهذا بدل منها بدل اشتمال، وَأمَّا النَّصْبُ فالأجود أن يكون على أنَّهُ بدل من "مَا" المتقدّمة على قراءة "أَحَلَّ" مبنيّاً للفاعل] كأنه قال: وأحل لكم ابتغاء أموالكم من تزويج أو ملك يمين، وأجاز الزَّمَخْشَرِيُّ أن يكونَ نصبه على المفعول من أجْلِهِ، قال: بمعنى بَيَّنَ لكم [ما يَحِلُّ مما] يحرم إرادة أنْ يَكُونَ ابتغاؤكم بأموالكم الَّتي جعل اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً في حال كونكم مُحْصِنِينَ، وأنحى عليه أبُو حَيَّانَ وجعله إنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ دسيسة الاعتزال ثم قال: فَظَاهِرُ الآية غير ما فَهِمَهُ إذ الظِّاهِرُ أنَّهُ تعالى أحَلَّ لنا ابتغاء ما سوى المُحَرَّماتِ السَّابق ذكرها بأمْوَالِنَا حَالَةَ الإحْصَانِ؛ لا حالةَ السِّفَاح، وعلى هذا الظَّاهِرِ لا يجوز أن يعرب {أَن تَبْتَغُواْ} مفعولاً له، لأنَّهُ فات شرط من شُرُوطِ المفعول له، وهو اتِّحاد الفاعِلِ في العامل والمفعول له؛ لأنَّ الفاعِلَ بـ "أحل" هو اللَّهُ - تعالى -، والفاعل في {تَبْتَغُواْ} ضمير المخاطبين، فقد اخْتَلَفَا ولما أحسّ الزمخشريُّ إن كان أحس جعل "أن تبتغوا" على حذف إرادة حتّى يتحد الفاعل في قوله {وَأُحِلَّ} في المفعول له، ولم يجعل {أَن تَبْتَغُواْ} مفعولاً له إلاّ على حذف مضاف، وَإقامتهِ مُقَامهُ، وهذا كلُّهُ خروجٌ عن الظَّاهِر انتهى. قال شهابُ الدِّينِ: ولا أدْرِي ما هَذَا التَّحمل، ولا كيف يخفى عَلَى أبي القاسم شرط اتحاد الفاعلِ في المفعولِ لَهُ حتّى يقول: إنْ كان أحسّ، وأجاز أبُو البقاءِ فيه النَّصْبَ على حذف حَرْفِ الْجَرِّ. قال أبُو البَقَاءِ: في "ما" من قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وجهان: أحدُهمَا: هي بمعنى "مِنْ" فعلى هذا يكون قوله {أَن تَبْتَغُواْ [بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ}] في موضع جرٍّ أو نصبٍ على تقديرِ بأن تبتغوا؛ أو لأنْ تبتغوا، أي أبيح لكم غير ما ذكرنا من النِّساء بالمُهُورِ. والثَّاني: أنَّ "ما" بمعنى الذي، والذي كناية عن الفعلِ، أي: وأحلّ لكم تحصيل ما وراء ذلك الفعل المحرم، و {أَن تَبْتَغُواْ} بدلٌ منه، ويجوزُ أن يكون "أن تبتغوا" في هذا الوَجْهِ مثله في الوجه الأوَّلِ، يعني: فيكونُ أصله بأن تَبْتَغُوا، أو لأن تبتغوا، وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، وأمَّا الجرُّ فعلى ما قاله أبُو البَقَاءِ، وقد تَقَدَّم ما فيه. و {مُّحْصِنِينَ} حال من فاعل تبتغوا، و {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} حال ثانية، ويجوزُ أن يكون حالاً من الضَّمَيرٍ في {مُّحْصِنِينَ}، ومفعول مُحصنينَ ومُسافحينَ محذوف، أي: محصنين فُرُوجَكُمْ غير مسافحين الزَّوَانِي، وكأنَّها في الحقيقةِ حال مؤكدة؛ لأنَّ المحصن غير مسافح، ولم يقرأ أحدٌ بفتح الصَّادِ من محصنين فيما نعلم. والسَّفَاحُ الزِّنَا. قال اللَّيث: السَّفَاحُ والمُسَافحةُ: الفجور، وأصله الصَّبُّ، يقال: دموع سَوَافِحُ ومسْفُوحةٌ. قال تعالى: {أية : أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] وفلان سَفَّاحٌ للدِّماءِ، وسمي الزِّنَا سفاحاً؛ لأنَّهُ لا غرض للزَّاني إلا صب منيه، وكانوا يَقُولُونَ صافحني ومَا ذَمَّنِي والمسافحُ من يظاهر بالزِّنَا، ومتّخذ الأخْدَان من تستر فاتَّخَذَ واحدة خفية. فصل [الخلاف في قدر المهر] قال أبُو حنيفة: لا مهر أقلَّ من عشرة دراهم، وقال غيره: يجوزُ بالقليل والكثير، واحتج أبُو حنيفة بهذه الآية؛ لأنَّهُ تعالى قَيَّد التحليل بالابتغاء بالأموال و [الدِّرهم] والدرهمان لا يسمّى أموالاً، فلا يصحُّ جعلها مهراً. فإن قيل: ومَنْ عنده عشرة دراهم، لا يقال عنده أموال مع أنَّكُم تجوزونها مَهْراً قلنا: ظاهر الآيةِ يقتضي ألاَّ يكون العشرة كافية، إلا أنَّا أنزلنا العملَ بظاهر هذه الآية للإجْمَاعِ على جوازه، ويتمسَّك في الأقل من العشرة بِظَاهِرِ الآية وهذا استدلال ضعيف؛ لأنَّ الآية دَلَّت على أنَّ الابتغاء بالأموال غير جائز، وليس فيها دلالة على أنَّ الابتغاء بغير الأموال غير جائز، إلاّ على سبيل المفهوم وأنتم لا تقولُونَ به، واستدلّ المخالف بوجوه: أحدها: قوله {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ} فقابل الجَمْعُ بالجَمْعِ فيقتضي توزع الفَرْد على الفَرْدِ، وهذا يقتضي أنْ يتمكَّن كلُّ واحدٍ من ابتغاء النِّكَاح بما يسمى مالاً، والقليل والكثير في هذه الحقيقةِ، وفي هذا الاسم سواء. وثانيها: قوله تعالى {أية : وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] فَدَلَّتْ الآية على سقوط النصف من المذكور، وهذا يقتضي أنَّهُ لو وقع العقدُ في أوَّلِ الأمْرِ بِدرْهمٍ: لم يجب إلا نصفُ درهمٍ، وأنْتُمْ لا تقُولُونَ به. وثالثها: حديث : ما رُوِيَ أنَّ امْرَأةً جيء بها إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقد تزوّج بها رجل على نعلين فقال عليه السَّلام"رَضِيت مِنْ نَفْسِكَ بِنَعْلَين"، فقالت: نعم؛ فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم تفسير : والظاهرُ أنَّ قيمة النَّعلين أقلُّ من عشرةِ دراهم، فإنَّ مثل هذا الرَّجُل والمرأةِ اللذين تزوَّجَا على نعلين يكونان في غَايَةِ الفَقْرِ فنعلهما تكون قليلة القِيمَةِ جدّاً. وروى جَابِر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: "حديث : مَنْ أعْطَى امْرأةً من نِكَاح كَفَّ دقيق، أو سويق، أو طعاماً فقد استحلّ"تفسير : وحديث الواهبة نفسها أنَّهُ -عليه السَّلامُ- حديث : قال لِلَّذي أرَادَ أن يتزوَّجَهَا الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتماً مِنْ حَدِيدٍ تفسير : وذلك لا يساوي عشرة دراهم. فصل [في الخلاف في المهر بالمنافع] قال أبُو حنيفةَ: لو تزوَّجَهَا على تعْليمِ سورة من القُرْآنِ لم يكن ذلك مهراً، ولها مهر مثلها ولو تزوَّجَهَا على خدمة سَنَةٍ، فإنْ كان حرّاً فلها مَهْرُ مثلها، وإنْ كان عبداً فلها خدمة سنة وقال غيره: يجوزُ جعل ذلك مهراً، واحتجَّ أبُو حنيفةَ بهذه الآية. قال: لأنَّهُ تعالى شرط في حصول الحل ذلك الابتغاء بالمال، والمال اسمٌ للأعيان لا للمنافع وأيضاً قال: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وذلك صفة للأعيان لا للمنَافِعِ، وأيضاً قال {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. وأجيب عن الأوَّل بأن الآية دَلَّت على أنَّ الابتغاء بالمال جائز، وليس فيه بيان أنَّ الابتغاء بغير المال جَائِزٌ أم لا. وعن الثاني: بأنَّ لَفْظَ الايتاء كما يتناولُ الأعيان يتناول المنافِعَ الملتزمة. وعن الثَّالث: أنَّهُ خرج الخطاب على الأعمِّ الأغلب. واستدلَّ المُخالفُ بوجهين: أحدهما: قصة شعيب في قوله لموسى {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} تفسير : [القصص: 27] وشرعهم شرع لَنا ما لم يرد نَاسِخٌ. وثانيهما: قوله عليه السلام "حديث : زَوَّجْتُكَ بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ". تفسير : فصل [في تفسير قوله {مُّحْصِنِينَ}] في قوله مُحصنينَ وجهان: أحدُهُمَا:- أنَّ المراد أنْ يصيروا مُحْصنينَ بسبب عَقْدِ النِّكَاحِ. الثَّاني:- أنْ يكون الاحصانُ شَرْطاً في الإحْلالِ المذكور في قوله {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} والأوَّلُ أولى؛ لأنَّ الآية تَبْقى عامَّةً معلومة المعنى. وعلى الثَّاني: تكونُ الآيةُ مجملةً؛ لأنَّ الإحْصانَ المذكور فيها غير مُبَيّن، والمعلَّق على المجمل يكون مجملاً، وحمل الآية على وَجْهٍ معلوم أوْلَى من حملها على وجه مجمل. قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ} يجوزُ في "ما" وجهان أحدهُمَا: أنْ تكون شرطيّة. والثَّاني: أن تكونَ مَوْصولةً، وعلى كلا التقديرين فيجوزُ أن يكون المراد بها النساء المُسْتمتعَ بِهِنَّ، أي النَّوع المستمتع به، وأن يراد بها الاستمتاع الَّذي هو الحدث، وعلى جميع الأوجهِ المُتقدِّمَةِ، فهي في محلِّ رفع بالابتداء، فإنْ كانت شرطيَّة ففي خبرها الخِلافُ المشهور هل هو فعل الشّرط وجوابه، أو كلاهما وقد تقدَّمَ تحقيقهُ في البقرة، وإن كانت موصولة؛ فالخبَرُ قوله "فآتوهن" ودخلت الفاءُ لشبه الموصول باسم الشرط كما تقدَّمَ، ثم إنْ أريد بها النَّوع المستمتعُ به فالعَائِدُ على المبتد سواء كانت ما شرطية أو موصولة الضمير [المنصوب] في "فآتوهن" ويكون قد راعى لفظ "مَا" تارة فأفرد في قوله "بِهِ"، ومعناها أخرى، فجمع في قوله "منهن" "فآتوهن" فيصيرُ المعنى: أي نوع من النّساء استمتعم به فآتوهن، أو النَّوع الذي استمتعم به من النِّسَاء، فآتوهُنّ، وإن أُرِيدَ بها الاستمتاع، فالعائِدُ حينئذٍ محذوف، تقديره: فأيُّ نوع من الاستمتاعِ استمتعم به من النساء فآتوهنّ أجورهن لأجله. و"من" في "منهن" تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للبيان. والثاني: أنْ تكون للتّبعيض، ومحلها النّص على الحال، من الهاء في "به"، ولا يجوزُ في "ما" أنْ تكون مصدريّة لفساد المعنى ولعود الضَّميرِ في "بِهِ" عليها. فصل [في تفسير الاستمتاع] الاستمتاعُ في اللُّغَةِ: الانْتِفَاعُ، وكلُّ مَا انتفعَ به فهو مَتَاعٌ، يقالُ: استمتع الرَّجُلُ بولده، ويقال فيمنْ مَاتَ شابّاً: لم يَتمتَّع بشَبَابِهِ، قال تعالى {أية : رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} تفسير : [الأنعام: 128] وقال {أية : فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ} تفسير : [التوبة: 69] يعني: بحظِّكُمْ عليهنّ؛ فآتُوهنّ أجورهنّ عليه، أو مهورهن عليه، وإنَّما سُمِّيَ المهرُ أجراً؛ لأنَّهُ بَدَلُ المَنَافِعِ كما سُمِّي بَدَلُ منافع الدَّارِ والدَّابَّةِ أجْراً. فصل [في الخلاف في تقرير المهر بالخلوة] قال الشَّافعيُّ: الخلوةُ الصَّحيحةُ لا تُقرِّرُ المَهْرَ. وقال أبُو حنيفةَ وأحْمَدُ: تقرره، واحتجَّ الشَّافِعِيُّ بقوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فجعل وُجُوبَ إتيانهنّ لأجل الاستمتاع بهنَّ، فلوْ تقرَّر بالخُلْوَةِ قبلَ الاستمتَاعِ لمنع من تَعَلُّقِ النُّقُودِ بالاسْتِمتَاعِ وهو خلاف الآية. فصل قال الحَسَنُ ومُجاهدٌ وأكثرُ العلماءِ: والمراد بهذه الآية ابتغاء النِّساء بالأمْوَالِ على طريق النِّكاحِ الصحيح. وقوله {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فجعل وُجُوبَ إتيانهنّ بالدُّخُول أي {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي مهورهن بالتَّمام. قال القُرْطُبِيُّ: اختلف النَّاس في المعقود عليه في النِّكَاحِ هل هو بَدَنُ المرأة، أو منفعة البُضْعِ، أو الحِلّ على ثلاثة أقوال، قال: والظَّاهِرُ المجموع؛ لأنَّ العَقْدَ يقتضي كُلَّ ذلك فإن عقد النِّكاح آتاها نصف المهر، وقال آخرونَ: هو نِكَاحُ المُتْعَةِ، وهو أن يستأجر امرأةً بمالٍ مَعْلوم إلى أجل معينٍ، فإذا انقضت تلك المدَّة باتت منه بلا طلاق وتستبرئ رحمها، وليس بينهما ميراث، وكان ذلك مباحاً في ابتداء الإسْلامِ ثم نَهَى عنه رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، روى الرّبيع بن سبرة الجهني أنَّ أباه حدَّثه أنَّهُ كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء فإنَّ اللَّهَ قد حرَّم ذلك إلى يوم القيامة فَمَنْ كان عنده منهن شيء فَلْيُخَلِّ سبيله، ولا تأخُذُوا مما آتيتموهن شيئاً"تفسير : . وروى علي بن أبي طالب "حديث : أنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام نهى عن متعة النِّسَاءِ يَوْمَ خيبر وعن أكل لُحُومِ الحُمُرِ الإنسيّة" تفسير : وعامّة أهل العلم على أنَّ نكاح المتعة حرام منسوخ وذهب ابن عباس إلى أنَّ الآية محكمة، ويرخّص في نكاح [المُتْعَةِ]. روى أبو نَضْرَةَ قال: سألتُ ابْن عَبَّاسٍ عن متعة النّساءِ فقال: أما تقرأ سورة النِّساء: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} إلى أجل مسمى {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} قلت: لا أقرؤها هكذا، فقال ابن عبَّاس: هكذا أنزل اللَّهُ ثلاث مرات، وروي حديث : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه لما قدم مكّة في عمرته تزين نساء أهل مكة فشكى أصحابُ النَّبي صلى الله عليه وسلم طول العزوبة فقال "اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِه النِّسَاءِ" تفسير : وهذا القول مروي عن ابن عبَّاسٍ وعمران بن الحُصَيْنِ، أمَّا ابن عبَّاسٍ فعنه ثلاث روايات أحدها أنَّهَا مباحة مطلقاً، وقال عِمَارة سألت ابن عباس عن المتعة أسِفَاحٌ هي أم نِكَاحٌ قال: لا سِفَاحَ ولا نِكَاحَ، قلتُ: فما هي قال: مُتْعَةٌ كما قال اللَّهُ تعالى قلت: هل لها عِدَّةٌ؟ قال: نعم حيضةٌ، قلت: هل يتوارثان، قال: لا. الثانية أنَّ النَّاسَ لما ذكرُوا الأسفار في المتعة، قال ابن عبَّاس: قَاتَلهُمُ اللَّهُ ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكني قلت إنَّها تحلُّ للمضطر كما تحلُّ الميتةُ، والدَّم، ولحمُ الخنزير له. الثَّالِثَةُ: أنَّهُ أقرَّ بأنَّهَا صارت مَنْسُوخَةً. روى عَطَاءٌ الخُراسَانِيُّ: عن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} قال صارت هذه الآيةُ منسوخة بقوله تعالى {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] وروى أيضاً أنَّهُ قال عند موته: اللَّهُمَّ إني أتوبُ إليك من قولي في المتعة والصرف، وأمَّا عمرانُ بْنُ الحُصَيْنِ فإنَّهُ قال نزلت هذه المتعة في كتاب اللَّهِ ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وتمتعنا بها، ومات ولم ينهنا عنه، ثمَّ قال رجلٌ برأيه ما شاء، وروى مُحَمِّدُ بْنُ جريرٍ الطبري في تفسيره عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنَّهُ قال: لولا أنَّ عمر نهى عن المتعة [ما زنا إلا شقي. والجمهور على تحريم نكاح المتعة لما روى سالم بن عبد الله بن عمر أنَّ عمرُ بْنُ الخَطَّاب - رضي الله عنه - قال في خطبته ما بال رجال ينكحون هذه المتعة] وقد نهى رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عنها لا أجِدُ أحداً نكحها إلاَّ رجمتُهُ بالحجارة، وقال: هذه المُتْعة النِّكَاحُ والطَّلاق والعدّةُ والميراث فذكر هذا الكلام في مَجْمَعٍ من الصَّحَابَةِ، ولم ينكروا عليه، فالحالُ لا يخلو من أن يكونُوا عالمين بحرمة المُتْعةِ فَسَكتُوا، أو كانوا عالمين بإباحتها فسكتوا مداهنة، أو ما عرفوا حكمها فسكتوا تَوَقُّفاً. والأوَّلُ: هو المطلوب. والثَّاني: يُوجبُ تكفيرَ عُمَرَ وتكفيرَ الصَّحابةِ، لأنَّ من علم أنَّ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حكم بإباحة المُتْعَةِ ثمَّ قال: إنَّهَا محرَّمة من غير نسخ لها فهو كافر، ومن صدقه مع علمه بكونه مخطئاً كافر، وهذا يقتضي تَكْفِير الأمَّةِ. وإن لم يكونوا عالمين بالإباحَةِ ولا بالحرمة، فهذا أيضاً باطلٌ؛ لأنَّ كون المتعة مباحة يقتضي كونها كالنِّكَاح، واحتياج النَّاس إلى معرفة حكمها عام في حقِّ الكُلِّ، ومثل هذا يمتنع خفاؤه بل يجبُ أن يُشْتَهَر العلم بحكمه كاشتهار علمهم بحلِّ النِّكاح، ولما بطل هذان القسمان ثَبَتَ أنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا سَكَتُوا عن الإنكار على عُمَرَ لعلمهم بأنَّ المتعة صارت منسوخَةً في الإسْلاَمِ. فإن قيل: الرَّجْمُ غير جائز مع أنَّ الصَّحابةَ ما أنكروا عليه حين ذكر ذلك، ولما سكتَ ابْنُ عباسٍ عنه في مسألة المُبَاهَلَة ثم ذكرها بعد موت عمر وقال: من شاء باهلته فقيل له: هلاّ قلت هذا في زمن عُمَرَ، فقال: هِبْتُه، وكان أمْرَأً مُهاباً. فالجوابُ لعلَّهُ ذكر ذلك على سبيل الزَّجْرِ والتهديدِ والسِّيَاسة، ومثلُ هذا جائز [للإمام] عند المصلحةَ كقوله عليه السَّلامُ "حديث : مَنْ مَنَعَ الزَّكاةَ فإنَّا نَأخُذُهَا مِنْهُ وَشَطْر مالِهِ" تفسير : وأخذ شَطْرِ المالِ غير جائز لكنَّه قال ذلك للزَّجر فكذا ههنا، وأمَّا سكوت ابن عباس، فكَانَ سكوت رجل واحد في خلائق عظيمة، فلا يُشْبِهُ سكوت الخَلاَئِقِ العظيمة عند رجل واحد، ويدلُّ على التَّحريم حديثُ الربيعِ بْنِ سبرة، وحديث عَلِيٍّ المذكوران أوَّل الفَصْلِ قال الرَّبيعُ بْنُ سُليْمَانَ: سمعت الشَّافِعِيِّ يقول: لا أعلم في الإسْلاَمِ شيئاً أحِلَّ ثم حرم غير المُتْعَةِ. واحتجَّ من قال بإباحَةِ المتعة بوجوهٍ: أحدُهَا قراءة أبيِّ بنِ كَعْبٍ وابن عباس "فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن" ولم ينكر عليهما هذه القراءة فكان إجماعاً، فيقابل الإجماع الَّذي كان حاضراً عند خطبة عُمَرَ. الثَّاني: أنَّ المذكور في الآية إنَّمَا هو مُجَرَّدُ الابتغاء بالمالِ، ثُمَّ إنَّهُ تعالى أمر بإتيانهنَّ أجورهنَّ بعد الاستمتاع بهنَّ، وذلك يدُلُّ على أنَّ مجرَّدَ الابتغاءِ بالمال يجوزُ الوطء، ومجرَّد الابتغاء بالمالِ لا يكونُ إلاَّ في نِكَاحِ المُتْعَةِ، فأمَّا في النِّكَاحِ المطلق، فالحل إنَّمَا يحصل بالعَقْدِ والولي والشُّهود، ولا يفيد فيه مُجرَّدُ الابتغاء بالمال. الثَّالِثُ: أنَّهُ وَاجِبٌ إيتاء الأجور بمجرَّدِ الاستمتاع، والاستمتاعُ عبارةٌ عن التَّلذُّذِ والانتفاع، وأمَّا في النِّكَاحِ المطلق فإيتاء الأجور لا يتوقَّفُ على الاستمتاع ألْبَتَّةَ بل على العقد. ألا تَرَى أنَّ بمجرد النِّكَاحِ يلزم نصفُ المهر. الرَّابعُ: أن الأمَّةَ مجمعة على أنَّ نِكَاحَ المتعة كَانَ جَائِزاً في الإسْلامِ، وإنَّمَا الخلافُ في النَّسْخِ، فَنَقُولُ لو كان النَّاسِخُ موجوداً، لكان إمَّا معلوماً بالتَّواتُرِ أو الآحاد، ولم يعلم بالتَّواتُرِ؛ لأنَّه كان يلزمُ منه كونُ عليٍّ، وابن عباس، وعمران بن الحُصَيْنِ منكرين لما عرف ثبوته بالتَّواتُرِ في دين محمَّدٍ عليه السلامُ، وذلك يوجب تكفيرهم، ويكون باطلاً قطعاً، وإنْ كان ثابتاً بالآحاد لزم نسخ الثابت المتواتر المقطوع به بخبر الوَاحِدِ المظنون، وهذا أيضاً باطل، ومما يدلُّ على بطلان هذا النَّسخ أيضاً أنَّ أكثر الرِّوايات أنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة يوم خيبر، وأكثر الرِّوايات أنَّهُ عليه السلامُ أباح المتعةَ في حجَّة الوداع وفي يومَ الفَتْحِ، وهذان اليومان متأخرانِ عن يوم خيبر، وذلك يدلُّ على فساد ما روي أنَّهُ عليه السلامُ نسخ المتعة يوم خيبر، لأنَّ النَّاسِخَ يمتنع تقدُّمهُ على المنسوخ، [وقول] من قال إنَّهُ حصل التحليل مراراً [والنسخ مراراً] قول ضعيف لم يقل به أحدٌ من [المُتقدِّمينَ] المعتبرين، إلا الذين أرادوا إزالة التَّناقُضِ عن هذه الرِّوايات. الخامس: أنَّ عمر - رضي الله عنه - قال على المنبر متعتان كانتا مشروعتين في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنهما: مُتْعَةُ الحَجِّ، ومتعةُ النِّكَاحِ وهذا تنصيص منه على أنَّ متعة النِّكاحِ كانت موجودةً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله "حديث : وأنَا أنْهى" تفسير : يدلُّ على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نسخة، وَإنَّما عمر هو الذي نَسَخَهُ وإذَا كانت كذلك؛ وجب أن لا يصير منسوخاً بنسخ عُمرَ، وهذا هو الحجةُ التي احتجَّ بها عمران بن الحصين حيث قال: ولم تنزل آية بنسخ آية المتعة، ولم يَنْهَنَا عنها حتى مات، ثم قال رجلٌ برأيه ما شاء، يريد أنَّ عمر نهى عنها. والجوابُ أنْ يقال: إن هذه الآيةَ مشتملة على أنَّ المراد منها تحريم نكاح المتعة من ثلاثة أوجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تعالى ذكر المحرمات بالنِّكاح أولاً في قوله {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} ثم قال في آخر الآية {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} فكانَ المرادُ بهذا التحليل ههنا ما هو المراد هناك بالتَّحريم هو النِّكاح، فالمرادُ بالتحليل هنا أيضاً يجب أنْ يكون هو النِّكاح. الثّاني: قوله تعالى {مُّحْصِنِينَ} والإحْصَانُ لا يكون إلاَّ في نكاحٍ صحيح. الثالثُ: قوله {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} سمَّى الزِّنَا سِفَاحاً؛ لأنَّهُ لا مقصود فيه إلا سفح الماء ولا يطلب فيه الولد وسائر مصالح النِّكاح، والمتعة لا يراد منها إلاَّ سفح الماء فكان سفاحاً، هذا قول أبِي بكر الرَّازي، وفيه مناقشة. أمَّا الأولُ: فإنَّهُ تعالى ذكر أصْنافاً مِمَّنْ يَحْرُمُ وَطْؤهُنَّ ثم قال {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} أي وأحل لكم وَطْءُ ما وراء هذه الأصناف، فأيُّ فساد في هذا الكلام. وأمَّا الثَّاني: وهو أنَّ الإحْصَانَ لا يكون إلا في نِكَاحٍ صحيح فالمخالف يقول بصحَّةِ هذا النِّكَاحِ. وأما الثَّالِثُ: وهو أنَّ الزِّنَا إنَّمَا سمي سفاحاً؛ لأنَّهُ لا يراد منه إلا سفح الماء فالمتعةُ ليست كذلك فإنَّ المقصود منها سفح الماء بطريق مشروع مأذون فيه من قبل اللَّه، فلم قلتم إنَّ المتعة محرمة. قال ابْنُ الخطيبِ: وَإنَّمَا الجواب المعتمدُ أن نقول: إنَّا لا نُنْكِرُ أنَّ المتعةَ كانت مباحة إنَّمَا الذي نقوله: إنَّها صارت منسوخَةً، وعلى هذا التقدير، فلو كانت [هذه الآية دالة على أنها مشروعة] [لم يكن ذلك قادحاً في غرضنا، وهذا هو الجواب أيضاً عن تمسكهم بقراءة أبيّ وابن عباس، فإن تلك القراءة بتقدير ثبوتها لا تدل إلا على أن المتعة كانت مشروعة، ونحن لا ننازع] لكن نقول: إنَّ النسْخَ طرأ عليه، وما ذكرتم من الدلائل لا يدفع قولنا، وقولهم إنَّ النَّاسخَ إمَّا أن يكون متواتراً، أو آحاداً قلنا: لعلَّ بعضهم سمعه ثم نسيه [ثم إن عمر - رضي لله عنه - لمّا ذكر في الجمع العظيم تذكروه وعرفوا صدقه فيه وسلموا الأمر له. وقولهم:] إنَّ عمر أضاف النّهي عن المتعة إلى نفسه. قلنا: قد بَيَّنَا أنَّهُ لو كان مراده أنَّ المتعة كانت مباحة في شرع محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنه؛ لزمَ تكفيره، وتكفير كلّ مَنْ لا يحاربه وينازعه، ويفْضِي ذلك إلى تكفير جميع المؤمنين، وكلُّ ذلك باطل فلم يبق إلا أن يقال: كان مراده أنّ المتعة كانت مباحة في زمن الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وأنا أنهى عنها لما ثبت أنَّهُ صلى الله عليه وسلم نسخها، فهو ناقل للنَّسْخِ، لا أنَّهُ نسخ من عنده. فصل قال القرطبيُّ: اختلف العلماءُ كم مرة أبيحت ونسخت؛ ففي "صحيح مسلم" عن [عبد] الله قال: "حديث : كُنَّا نَغْزُو مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ليس لنا نِسَاء، فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّص لنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بالثَّوْبِ إلى أجَلٍ" تفسير : قال أبُو حَاتِم البُسْتِيُّ في صحيحه: قولهم للنبيِّ صلى الله عليه وسلم "ألا نَسْتَخْصِي" دليل على أنَّ المتعة كانتَ مَحْظُورَةً قبل أنْ يبيح لهم الاستمتاع، ولو لم تكن محظورة لم يكن لسؤالهم عن هذا معنىً، ثم رَخَّص لهم في الغَزْوِ أن ينكحوا المرأة بالثَّوب إلى أجَلٍ ثمَّ نهى عنها عام خيبر ثم أذن فيها عام الفتح ثم حرمها بعد ثلاث فهي محرّمةٌ إلى يوم القيامة. وقال ابن العَرَبِيّ: وأمَّا متعة النّساء فهي من غرائب الشَّريعة؛ لأنَّهَا أبيحت في صدر الإسْلامِ ثمَّ حرمت يَوْمَ خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوْطَاسٍ ثُمَّ حرِّمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التَّحريم، وليس لها أختٌ في الشَّريعة إلاَّ مسألة القبلة، فإنَّ النَّسْخَ طرأ عليها [مرتين] ثم استقرَّتْ بعد ذلك. وقال غيره مِمَّنْ جمع طرق الأحاديث فيها: إنَّها تقتضي التَّحليلَ والتَّحْرِيمَ سبع مرات فروى ابن أبي عمرة: أنَّها كانت في صدر الإسلام. وروى سلمةُ بْنُ الأكوع: أنَّها كانت عام أوْطَاسٍ، ومن رواية عليٍّ تحريمها يومَ خيبر، ومن رواية الرَّبِيعِ بْنِ سبرة إباحتها يَوْمَ الفَتْحِ. قال القرطبيُّ وهذه الطرق كُلُّهَا في "صحيح مسلم" وغيره عن علي نَهْيُهُ عنها في غزوة تَبُوكَ وفي مصنف أبي داود من حديث الرَّبيعِ بْنِ سبرةَ النَّهي عنها في حجَّةِ الوَدَاعِ. وروى الحسن عن [ابن] سبرة أيضاً: ما حلَّتِ المتعةُ قطُّ إلاّ ثلاثاً في عمرة القَضَاءِ ما حلَّت قبلها، ولا بعدها. فهذه سبعةُ مواطن أحلت فيها المتعة وحرمت. قوله "فريضة" حال من أجورهن، أو مصدر مؤكد أي فرض اللَّهُ ذلك فريضة [أو فرضاً] أو مصدر على غير المصدر؛ لأنَّ الإيتاء مفروض فَكَأنَّهُ قال "فآتوهن أجورهن إيتاء مفروضاً". قوله {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} من حمل الآية على النِّكاح الصّحيح قال المراد منه الإبراء من المهر، أو الحط عنه، أو الافتداء، أو الاعتياض وهو كقوله تعالى {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4] [فإن قبضها ملكت بالقبض] وقوله {أية : إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ} تفسير : [البقرة: 237] من حمل الآية على نِكَاحِ المتعة قال: أراد إذا انْقَطَعَ زمانُ المتعَةِ لم يبق للرَّجُلِ على المرأة سبيل، فإنْ شاءت المرأة زادت في الأجل وزاد الرجل في الأجر وإن لم يتراضيا تفارقا. فصل [حكم إلحاق الزيادة بالصداق] قال أبُو حنيفة: إلحاق الزِّيَادَةِ بالصَّدَاقِ جائز، وهي ثابتة إن دَخَلَ بها، أو مات عنها وإن طلقها قبل الدُّخولِ بطلت الزِّيَادة، وكانت بمنزلة الهبة فإن قبضتها ملكتها بالقبض، وإن لم تقبضها بطلت، واحتَجُّوا بقوله {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} وهذا بعمومه يدلُّ على جواز إلحاق الزِّيَادة [بالصداق، قال: بل هذه بالزيادة أخص منها بالنقصان؛ لأنه تعالى علقه بتراضيهما والبراءة والحط لا يحتاج إلى رضا الزوج، والزيادة لا تصح إلا بقبوله، فإذا علق ذلك بتراضيهما جميعاً، دل على أن المراد هو الزيادة. الجواب أنه لا يجوز أن تكون الزيادة عبارة] عما ذكره الزَّجَّاجُ، وهو أنَّهُ إذا طلقها قبل الدُّخول، فإن شاءت أبرأته من النَّصف، وإن شاء الزَّوج سلّم إليها كلَّ المال، فيكون قد زادها على ما وَجَبَ عليه؛ ولأنَّ هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إمَّا مع العقد الأوَّلِ، أوْ بعد زواله، والأوَّلُ باطل؛ لأنَّ العقد لما انعقد على القدر الأوَّلِ، فلو انعقد مرَّةً أخرى على القدر الثَّاني؛ لكان ذلك تكويناً لذلك العقد بعد ثبوته، وهو تحصيلُ الحاصلِ. والثَّاني باطل؛ لانعقادِ الإجماع على أنَّ عند إلحاق الزَّيادَةِ لا يرتفعُ العقدُ الأوَّلُ، ففسد قولهم. فصل [في استحباب قلة المهر] اعلم أنَّهُ لا تقدير لأكثر الصّداق لقوله تعالى {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 20] والمستحبّ أن لا يغالي فيه. قال عُمَرُ بْنُ الخطَّاب: "ألاَ لاَ تغالوا في صدقة النِّساء، فإنَّهَا لو كانت مُكرمَةً في الدُّنْيَا وتقوى عند اللَّهِ، لكان أولاكم بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نَكَحَ شيئاً من نسَائِهِ، ولا أنكح شيئاً من بناته بأكثر من اثْنَي عشر أوقية. وعن أبِي سَلَمَةَ قال: سألتُ عَائِشَة كم كان صداق النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: كَانَ صَدَاقُهُ لأزْوَاجِهِ اثْنَتي عَشْرَةَ أوقِيةً وَنشاً وقالت: أتدري ما النشُّ؟ قلتُ: لا قالت: نصف أوقية فتلك خَمسمائة دِرهم، وَأمَّا أقل الصَّداق فذهب بعضهم إلى أنَّهُ لا تقدير فيه، بل ما جاز أنْ يكونَ مبيعاً أو ثمناً جاز أن يكون صداقاً، وهو قول ربيعةَ، وسفيانَ الثَّوريّ، والشَّافعيِّ، وأحمد وإسحاقَ. وقال عمرُ بْنُ الخَطَّابِ: "في ثلاث قبضات مهر زينب"، وقال سعيدُ بن المسيِّبِ: "لو أصدقها سوطاً جاز"، وقال قوم: تقدر بنصاب السّرقة، وهو قول مَالِكٍ، وأبي حنيفَةَ، غير أنَّ نصاب السَّرقةِ عند مالك ثَلاثَةُ دراهِمَ، وحجَّةُ الشافعي وأحمد قوله عليه السلام "حديث : الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدِ، زوجتك بما معك من القرآن"تفسير : وزوّج امْرَأةً على نَعْلَيْن. فصل [في حكم جعل القرآن ونحوه صداقاً] قال الشافعيُّ، وأحمدُ: "يجوزُ أن يجعل تعليم القرآن صَدَاقاً للحديث"، وقال أصحابُ الرَّأي لا يجوزُ، وكذلك كلُّ عَمَلٍ يجوزُ الاستئجار عليه مثل البِنَاءِ، والخياطة وغيرهما يجوز أن يجعل صداقاً للحديث، ولقول شُعيب لموسى عليه السَّلامُ {أية : إِنِّيۤ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ٱبْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} تفسير : [القصص: 27]. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يجعل منفعة الحرّ صداقاً.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة الإغارة على الحق والأول جمع بين المنكوحين وهذا جمع بين الناكحين فقال - عاطفاً على النائب عن فاعل {حرمت}: {والمحصنات} أي الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير الأزواج {من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} أي من أزواج أهل الحرب، فإن الملك بالأسر يقطع النكاح. ولما أتم ذلك قال مؤكداً له ومبيناً عظمته: {كتاب الله} أي خذوا فرض الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه منه، والزموه غير ملتفتين إلى غيره، وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال: {عليكم} ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطاً للإيضاح وتعظيماً لحرمتها في قوله: {وأحل لكم} وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال: {ما وراء ذلكم} أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة. ولما كان الكلام في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال؛ " حرمت " - ترفقاً في الخطاب حثاً على الآداب، فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييباً للقلوب وتأنيساً للنفوس في قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة والحاء، وأبهمه في قراءة الباقين على نسق {حرمت} لأن فاعل الحل والحرمة عند أهل هذا الكتاب معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلاً، ثم أتبع التحليل علته فقال: {أن} أي إرادة أن {تبتغوا} أي تطلبوا متبعين من شئتم مما أحل لكم {بأموالكم} اللاتي تدفعونها مهوراً حال كونكم {محصنين} أي قاصدين بذلك العفة لأنفسكم ولهن {غير مسافحين} أي قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء الدافق لذلك فقط، وهو على هذا الوجه لا يكون إلا زنًى سراً وجهراً، فيكون فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين، ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين الخسرانين. ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن أخذ شيء مما دفع إلى المرأة، وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله، مسمى أو لا قال هنا مسبباً عن الابتغاء المذكور: {فما استمتعتم} أي أوجدتم المتاع وهو الانتفاع {به منهن} بالبناء بها، متطلبين لذلك من وجوهه الصحيحة راغبين فيه {فآتوهن أجورهن} أي عليه كاملة، وهي المهور {فريضة} أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم، ويجوز كونه تأكيداً لآتوا بمصدر من معناه {ولا جناح} أي حرج وميل {عليكم فيما تراضيتم به} أي أنتم والأزواج {من بعد الفريضة} أي من طلاق أو فراق أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة، أو من مهر المثل من بعد تقديره إن لم تكن مسماة فيمن عقد عليها من غير تسمية صداق. ولما ذكر في هذه الآيات أنواعاً من التكاليف هي في غاية الحكمة، والتعبير عنها في الذروة العليا من العظمة، وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان الرضى أمراً باطناً لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى، حث على الورع في شأنه بنوط الحكم بغلبة الظن فقال مرغباً في امتثال أوامره ونواهيه: {إن الله} أي الذي له الإحاطة التامة علماً وقدرة {كان عليماً} أي بمن يقدم متحرياً لرضى صاحبه أو غير متحرٍّ لذلك {حكيماَ *} أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من الجزاء على الذنوب وغيره.

السيوطي

تفسير : أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطحاوي وابن حبان والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري "‏حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوّاً فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرَّجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ يقول‏:‏ إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن‏ "تفسير : .‏ وأخرج الطبراني عن ابن عباس في الآية قال‏:‏ نزلت يوم حنين لما فتح الله حنيناً أصاب المسلمون نساءً لهن أزواج، وكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة قالت‏:‏ إن لي زوجاً فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك‏.‏ فأنزلت هذه الآية ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ يعني السبية من المشركين، تصاب لا بأس بذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جبير في الآية قال‏:‏ نزلت في نساء أهل حنين لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً أصاب المسلمون سبايا، فكان الرجل إذا أراد أن يأتي المرأة منهن قالت‏:‏ إن لي زوجا‏ً.‏ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فأنزل الله ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ السبايا من ذوات الأزواج‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت‏. ‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية يقول‏:‏ كل امرأة لها زوج فهي عليك حرام إلا أمة ملكتها ولها زوج بأرض الحرب، فهي لك حلال إذا استبرأتها‏.‏ وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة والطبراني عن علي وابن مسعود في قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال علي‏:‏ المشركات إذا سبين حلت له، وقال ابن مسعود‏:‏ المشركات والمسلمات‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ كل ذات زوج عليك حرام إلا ما اشتريت بمالك، وكان يقول: بيع الأمة طلاقها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال:‏ طلاق الأمة ست بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال‏:‏ إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ قال‏:‏ ذوات الأزواج‏. ‏ وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن أنس بن مالك ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ قال‏:‏ ذوات الأزواج الحرائر حرام إلا ما ملكت أيمانكم‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ قال‏:‏ ذوات الأزواج‏.‏ وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن المسيب ‏ {‏والمحصنات من النساء‏} ‏ قال‏:‏ هن ذوات الأزواج، ومرجع ذلك إلى أن حرَّم الله الزنا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد ‏{‏والمحصنات من النساء‏} ‏ قال‏:‏ نهين عن الزنا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي في الآية قال‏:‏ نزلت يوم أوطاس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن، فمنعناهن بقوله ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ يعني بذلك ذوات الأزواج من النساء، لا يحل نكاحهن يقول‏:‏ لا تحلب ولا تعد فتنشز على بعلها، وكل امرأة لا تنكح إلا ببينة ومهر فهي من المحصنات التي حرم ‏ {‏إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ يعني التي أحل الله من النساء، وهو ما أحلَّ من حرائر النساء مثنى وثلاث ورباع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏والمحصنات من النساء‏} ‏ قال‏:‏ لا يحل له أن يتزوّج فوق أربع، فما زاد فهو عليه حرام كأمه وأخته‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية قال‏:‏ يقول ‏{أية : ‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 3‏]‏ ثم حرَّم ما حرَّم من النسب والصهر، ثم قال ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ فرجع إلى أول السورة إلى أربع. فقال‏:‏ هن حرام أيضاً إلا لمن نكح بصداق وسنَّة وشهود‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن عبيدة قال‏:‏ أحل الله لك أربعاً في أول السورة، وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء أنه سئل عن قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء‏} ‏ فقال‏:‏ حرم ما فرق الأربع منهن‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والمحصنات‏} ‏ قال‏:‏ العفيفة العاقلة من مسلمة أو من أهل الكتاب‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله ‏ {‏إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال‏:‏ إلا الأربع اللاتي ينكحن بالبينة والمهر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ قال‏:‏ ينزع الرجل وليدته امرأة عبده‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ قال هي حل للرجل إلا ما أنكح مما ملكت يمينه فإنها لا تحل له‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عمرو بن مرة قال‏:‏ قال رجل لسعيد بن جبير‏:‏ أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ فلم يقل فيها شيئاً‏؟‏ فقال‏:‏ كان لا يعلمها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال‏:‏ لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال‏:‏ سألت عكرمة عن هذه الآية ‏ {‏والمحصنات من النساء‏} ‏ فقال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم "الإحصان إحصانان: إحصان نكاح، وإحصان عفاف‏"‏ قال ابن أبي حاتم‏:‏ قال أبي‏:‏ هذا حديث منكر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب أنه سئل عن قوله ‏ {‏والمحصنات من النساء‏} ‏ قال‏:‏ نرى أنه حرم في هذه الآية ‏ {‏المحصنات من النساء‏}‏ ذوات الأزواج أن ينكحن مع أزواجهن، والمحصنات العفائف، ولا يحللن إلا بنكاح أوملك يمين، والإحصان إحصانان‏:‏ إحصان تزويج، وإحصان عفاف في الحرائر والمملوكات، كل ذلك حرم الله إلا بنكاح أوملك يمين‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد. أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن {والمحصنات‏} [‏المائدة: 5‏]‏ بكسر الصاد إلا التي في النساء ‏ {‏والمحصنات‏}‏ من النساء بالنصب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ ‏ {‏والمحصنات من النساء‏}‏ بنصب الصاد، وكان يحيى بن وثاب يقرأ ‏{‏والمحصنات‏} ‏ بكسر الصاد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الأسود أنه كان ربما قرأ ‏ {‏والمحصنات‏} ‏ والمحصنات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة. أن هذه الآية التي في سورة النساء ‏ {‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏} ‏ نزلت في امرأة يقال لها‏:‏ معاذة. وكانت تحت شيخ من بني سدوس يقال له‏:‏ شجاع بن الحرث‏.‏ وكان معها ضرة لها قد ولدت لشجاع أولاداً رجالاً، وإن شجاعاً انطلق يميز أهله من هجر فمر بمعاذة ابن عم لها فقالت له‏:‏ احملني إلى أهلي فإنه ليس عند هذا الشيخ خير‏.‏ فاحتملها فانطلق بها فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: شعر : يا رسول الله وأفضل العرب إني خرجت أبغيها الطعام في رجب فتولت والطت بالذنب وهي شر غالب لمن غلب رأت غلاماً واركاً على قتب لها وله أرب‏.‏ تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "حديث : عليّ عليّ فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها وإلا فردوا على الشيخ امرأته، فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرتها فطلبها، فجاء بها ونزلت بيتها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيدة السلماني في قوله ‏ {‏كتاب الله عليكم‏} ‏ قال‏:‏ الأربع‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب‏.‏ مثله‏. ‏ وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس ‏ {‏كتاب الله عليكم‏} ‏ قال‏:‏ واحدة إلى أربع في النكاح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم ‏{‏كتاب الله عليكم‏}‏ قال‏:‏ ما حرم عليكم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. أنه قرأ ‏ {‏وأحل لكم‏} ‏ بضم الألف وكسر الحاء‏.‏ وأخرج عن عاصم‏.‏ أنه قرأ ‏ {‏وأحل لكم‏} ‏ بالنصب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال ‏ {‏وراء‏} ‏ أمام. في القرآن كله غير حرفين ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏}‏ يعني سوى ذلكم ‏{‏فمن ابتغى وراء ذلك‏}‏ يعني سوى ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏} ‏ قال‏:‏ ما دون الأربع‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال ‏ {‏كتاب الله عليكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا النسب ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏} ‏ قال‏:‏ ما وراء هذا النسب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏} ‏ قال‏:‏ ما وراء ذات القرابة‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏} ‏ قال‏:‏ ما ملكت أيمانكم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني ‏ {‏وأحل لكم ما وراء ذٰلكم‏} ‏ قال‏:‏ من الإماء يعني السراري‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏محصنين‏} ‏ قال‏:‏ متناكحين ‏ {‏غير مسافحين‏} ‏ قال‏:‏ غير زانين بكل زانية‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس. أنه سئل عن السفاح‏؟‏ قال‏:‏ الزنا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة‏} يقول‏:‏ إذا تزوّج الرجل منكم المرأة ثم نكحها مرة واحدة فقد وجب صداقها كله ‏"‏والاستمتاع‏"‏ هو النكاح‏.‏ وهو قوله ‏{أية : ‏وآتوا النساء صدقاتهن نحلة‏} ‏تفسير : [‏النساء: 4‏]‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه، فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته، وكان يقرأ ‏ {‏فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى‏} ‏ نسختها ‏ {‏محصنين غير مسافحين‏} ‏ وكان الإحصان بيد الرجل، يمسك متى شاء ويطلق متى شاء‏. ‏ وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال‏:‏ كانت المتعة في أول الإسلام، وكانوا يقرأون هذه الآية ‏"فما استمتعتم به منهنَّ إلى أجل مسمى‏.‏‏.‏‏"‏ الآية‏.‏ فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج بقدر ما يرى أنه يفرغ من حاجته، لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه، حتى نزلت هذه الآية ‏{أية : ‏حرمت عليكم أمهاتكم‏} ‏تفسير : [‏النساء: 23‏]‏ إلى آخر الآية فنسخ الأولى فحرمت المتعة، وتصديقها من القرآن ‏{أية : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم‏} ‏تفسير : [‏المؤمنون: 6‏]‏ وما سوى هذا الفرج فهو حرام‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه من طرق عن أبي نضرة قال‏:‏ قرأت على ابن عباس ‏ {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏"فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى‏".‏ فقلت: ما نقرؤها كذلك‏!‏ فقال ابن عباس‏:‏ والله لأنزلها الله كذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال‏:‏ في قراءة أبي بن كعب "‏فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير قال‏:‏ في قراءة أبي بن كعب ‏"‏فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عطاء. أنه سمع ابن عباس يقرؤها ‏"‏فما استمتعتم به منهن إلى أجل فآتوهن أجورهن‏"‏ وقال ابن عباس‏:‏ في حرف أبي ‏"إلى أجل مسمى"‏‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏{‏فما استمتعتم به منهن‏}‏ قال‏:‏ يعني نكاح المتعة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال‏:‏ هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمى، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث‏.‏ ليس يرث واحد منهما صاحبه‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي‏؟‏ فنهانا عن ذلك، ورخص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [‏المائدة: 87‏]‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال‏:‏ ‏"‏أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام فتح مكة في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي - ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة - مع كل واحد منا برد، أما بردي فخلق، وأما برد ابن عمي فبرد جديد غض، حتى إذا كنا بأعلى مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة فقلنا‏:‏ هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وما تبذلان‏؟‏ فنشر كل واحد منا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال‏:‏ إن برد هذا خلق وبردي جديد غض‏.‏ فتقول‏:‏ وبرد هذا لا بأس به‏.‏ ثم استمتعت منها فلم تخرج حتى حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال "حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً بين الركن والباب، وهو يقول‏:‏ يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإن الله حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال‏‏ ‏"‏رخصَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهى عنها بعدها‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة‏} ‏ قال‏:‏ نسختها ‏{أية : ‏يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن‏} تفسير : ‏[‏الطلاق:1‏]‏‏.‏‏{أية : ‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء‏} ‏تفسير : [‏البقرة: 228‏]‏‏.‏ ‏{أية : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر‏}‏ تفسير : ‏[‏الطلاق: 4‏]‏‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ نسخت آية الميراث المتعة‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال‏:‏ المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال‏:‏ نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق والعدة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن الحكم. أنه سئل عن هذه الآية أمنسوخة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وقال عليّ‏:‏ لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي‏.‏ وأخرج البخاري عن أبي جمرة قال‏:‏ سئل ابن عباس عن متعة النساء فرخص فيها‏.‏ فقال له مولى له‏:‏ إنما كان ذلك وفي النساء قلة والحال شديد‏!‏ فقال ابن عباس‏:‏ نعم‏.‏ وأخرج البيهقي عن علي قال‏:‏ ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، وإنما كانت لمن لم يجد‏.‏ فلما نزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت‏"‏‏.‏ وأخرج النحاس عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس‏:‏ إنك رجل تائه ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال‏:‏ ‏"‏إنما أحلت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متعة النساء ثلاثة أيام، نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن عمر. أنه خطب فقال‏:‏ ‏"‏ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لا أوتي بأحد نكحها إلا رجمته‏.‏ وأخرج مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية‏"‏‏.‏ وأخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير. أن خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت‏:‏ إن ربيعة بن أمية استمتع بامرأة مولدة فحملت منه‏.‏ فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فقال‏:‏ هذه المتعة، ولو كنت تقدمت فيها لرجمت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن خالد بن المهاجر قال‏:‏ أرخص ابن عباس للناس في المتعة فقال له ابن عمرة الأنصاري‏:‏ ما هذا يا ابن عباس‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ فقال ابن عباس‏:‏ فعلت مع إمام المتقين فقال ابن أبي عمرة‏:‏ اللهم غفرا‏.‏‏!‏ إنما كانت المتعة رخصة كالضرورة إلى الميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أحكم الله الدين بعد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال‏:‏ والله ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام، أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ما كانت قبل ذلك ولا بعد‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ ‏"‏نهى عمر عن متعتين‏:‏ متعة النساء، ومتعة الحج‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن نافع أن عمر سئل عن المتعة، فقال‏:‏ حرام‏.‏‏.‏‏.‏ فقيل له‏:‏ إن ابن عباس يفتي بها‏!‏ قال‏:‏ فهلا ترمرم بها في زمان عمر‏؟‏‏.‏ وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ لا يحل لرجل أن ينكح امرأة إلا نكاح الإسلام بمهرها ويرثها وترثه، ولا يقاضيها على أجل، إنها امرأته، فإن مات أحدهما لم يتوارثا‏.‏ وأخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن جبير قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ ماذا صنعت، ذهب الركاب بفتياك‏؟‏ وقالت فيه الشعراء‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ وما قالوا‏؟‏‏!‏ قلت‏:‏ قالوا‏: شعر : أقول للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس‏‏ تفسير : فقال‏‏ إنا لله وإنا إليه راجعون، لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلا للمضطر، ولا أحللت منها إلا ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال‏:‏ يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي قال‏:‏ وهي التي في سورة النساء ‏ {‏فما استمتعتم به منهن‏} ‏ إلى كذا وكذا من الأجل، على كذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم‏.‏‏.‏‏.‏ وليس بينهما نكاح‏.‏ وأخبر أنه سمع ابن عباس يراها الآن حلالاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق عمار مولى الشريد قال‏:‏ سألت ابن عباس عن المتعة أسفاح هي أم نكاح‏؟‏ فقال‏:‏ لا سفاح ولا نكاح‏.‏ قلت‏:‏ فما هي‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هي المتعة كما قال الله‏.‏ قلت هل لها من عدة‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ عدتها حيضة‏.‏ قلت‏:‏ هل يتوارثان‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ‏ {‏فآتوهن أجورهن فريضة‏} ‏ قال‏:‏ ما تراضوا عليه من قليل أو كثير‏. ‏ وأخرج ابن جرير عن حضرمي. أن كانَ رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال الله ‏ {‏ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏}‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏} ‏ قال‏:‏ التراضي أن يوفي لها صداقها ثم يخيرها‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن شهاب في الآية قال‏:‏ نزل ذلك في النكاح، فإذا فرض الصداق فلا جناح عليهما فيما تراضيا به من بعد الفريضة من إنجاز صداقها قليل أو كثير‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ربيعة في الآية قال‏:‏ إن أعطت زوجها من بعد الفريضة أو وضعت إليه فذلك الذي قال‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ إن وضعت لك منه شيئاً فهو سائغ‏.‏ وأخرج عن السدي في الآية قال‏:‏ إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى التي تمتع بها فقال‏:‏ أتمتع منك أيضاً بكذا وكذا‏.‏‏.‏‏.‏ قبل أن يستبرئ رحمها. والله أعلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} بفتح الصاد وهن ذواتُ الأزواجِ أحصنهنّ التزوجُ أو الأزواجُ أو الأولياءُ أي أَعَفَّهن عن الوقوع في الحرام، وقرىء على صيغة اسمِ الفاعلِ فإنهن أحصَنَّ فزوجَهن عن غير أزواجِهن، أو أحصَنَّ أزواجَهن. وقيل: الصيغةُ للفاعل على القراءة الأولى أيضاً وفتحُ الصادِ محمولٌ على الشذوذ كما في نظيريه مُلقَح ومسهَب من ألقح وأسهب، قيل: قد ورد الإحصانُ في القرآن على أربعة معانٍ، الأولُ: التزوجُ كما في هذه الآية الكريمةِ، والثاني: العفةُ كما في قوله تعالى: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} [النساء، الآية 24]، الثالث: الحريةُ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} تفسير : [سورة النساء، الآية 25] والرابع: الإسلامُ كما في قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} [سورة النساء، الآية 25] قيل في تفسيره: أي أسلمن وهي معطوفةٌ على المحرمات السابقة، وقوله تعالى: {مّنَ ٱلنّسَاء} متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منها أي كائناتٍ من النساء، وفائدتُه تأكيدُ عمومِها في دفع توهُّمِ شمولِها للرجال بناءً على كونها صفةً للأنفس كما تُوهِّم {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} استثناءٌ من المحصَنات استثناءَ النوعِ من الجنس، أي ملكتُموه، وإسنادُ المِلكِ إلى الأَيْمان لما أن سببَه الغالبَ هو الصفةُ الواقعةُ بها وقد اشتهر ذلك في الإرِقاء، لا سيما في إناثهم وهن المراداتُ هٰهنا رعايةً للمقابلة بـينه وبـين مِلكِ النكاحِ الواردِ على الحرائر، والتعبـيرُ عنهن بما لإسقاطهن بما فيهن من قصور الرقِّ عن رتبة العقلاءِ، وهي إما عامةٌ حسب عمومِ صلتِها فالاستثناءُ حينئذ ليس لإخراج جميعِ أفرادِها من حكم التحريمِ بطريق شمولِ النفي بل بطريق نفيِ الشمولِ المستلزِمِ لإخراج بعضِها أي حُرمت عليكم المحصَناتُ على الإطلاق إلا المحصناتِ اللاتي ملكتُموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرُم نكاحُهن في الجملة وهن المسْبـياتُ بغير أزواجِهن أو مطلقاً حسب اختلافِ الرأيـين، وإما خاصةٌ بالمذكورات فالمعنى: حُرمت عليكم المحصناتُ إلا اللاتي سُبِـين فإن نكاحَهن مشروعٌ في الجملة أي لغير مُلاّكِهن، وأما حِلُّهن لهم بحكم ملكِ اليمينِ فمفهومٌ بدِلالة النصِّ لاتحاد المَناطِ لا بعبارته لما عرفت من أن مَساقَ النظمِ الكريمِ لبـيان حرمةِ التمتعِ بالمحرمات المعدودةِ بحكم ملكِ النكاحِ، وإنما ثبوتُ حرمةِ التمتعِ بهن بحكم مِلكِ اليمينِ بطريق دِلالةِ النصِّ وذلك مما لا يجري فيه الاستثناءُ قطعاً، وأما عدُّهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفُرقةِ بـينهن وبـين أزواجِهن قطعاً بالتبايُن أو بالسبْـي على اختلاف الرأيـين فمبنيٌّ على اعتقاد الناسِ حيث كانوا حينئذ غافلين عن الفُرقة، ألا ترى إلى ما رُوي عن أبـي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه من أنه قال: أصبْنا يومَ أوطاس سبايا لهن أزواجٌ فكرِهْنا أن نقَع عليهن فسألنا النبـيَّ عليه السلام. وفي رواية عنه قلنا: يا رسولَ الله كيف نقَع على نساءٍ قد عرَفنا أنسابَهن وأزواجَهن؟ فنزلت، والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت إيمانُكم فاستحللناهن. وفي رواية أخرى عنه ونادى منادي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ألا لا توطأَ حاملٌ حتى تضَعَ ولا حائلٌ حتى تحيضَ تفسير : فأباح وطأَهن بعد الاستبراءِ، وليس في ترتيب هذا الحكمِ على نزول الآيةِ الكريمةِ ما يدل على كونها مَسوقةً له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدِلالةِ لا على إفادتها بطريق العبارةِ أو نحوِها. هذا وقد روي عن أبـي سعيد رضي الله عنه أنه قال: إنها نزلت من نساءٍ كنّ يهاجِرْن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواجٌ فيتزوجُهن بعضُ المسلمين ثم يقدَمُ أزواجُهن مهاجرين فنهىٰ عن نكاحهن، فالمحصناتُ حينئذ عبارةٌ عن المهاجرات اللاتي يَتَحقق أو يُتوقع من أزواجهن الإسلامُ والمهاجَرَة، ولذلك لم يزُلْ عنهن اسمُ الإحصانِ، والنهيُ للتحريم المحقق، وتعرُّفِ حالِ المتوقعِ، وإلا فما عداهن بمعزل من الحُرمة واستحقاقِ إطلاقِ الاسمِ عليهن، كيف لا وحين انقطعت العلاقةُ بـين المَسْبـيةِ وزوجِها مع اتحادهما في الدين فلأَنْ تنقطِعَ ما بـين المهاجِرَةِ وزوجِها أحقُّ وأولى كما يُفصح عنه قولُه عز وجل: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَـٰتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } تفسير : [الممتحنة، الآية 10] الآية. {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} مصدرٌ مؤكّدٌ أي كتَبَ الله {عَلَيْكُمْ} تحريمَ هؤلاءِ كتاباً وفرضه فرضاً، وقيل: منصوبٌ على الإغراء بفعل مضمرٍ أي الزَموا كتابَ الله وعليكم متعلقٌ إما بالمصدر وإما بمحذوف وقع حالاً منه وقيل: هو إغراءٌ آخَرُ مؤكدٌ لما قبله قد حُذف مفعولُه لدِلالة المذكورِ عليه أو بنفس عليكم على رأي من جوّز تقديمَ المنصوبِ في باب الإغراءِ كما في قوله: [الرجز] شعر : يا أيها المائحُ دَلْوي دونكا إني رأيتُ الناسَ يحمَدونكا تفسير : وقرىء كُتُبُ الله بالجمع والرفع أي هذه فرائضُ الله عليكم وقرىء كتَبَ الله بلفظ الفعل {وَأُحِلَّ لَكُمْ} عطفٌ على حُرّمت عليكم الخ، وتوسيطُ قوله تعالى: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} بـينهما للمبالغة في الحمل على المحافظة عن المحرمات المذكورةِ، وقرىء على صيغة المبنيِّ للفاعل فيكون معطوفاً على الفعل المقدّرِ، وقيل: بل على حرمت الخ، فإنهما جملتانِ متقابلتانِ مؤسِّستانِ للتحريم والتحليلِ المنوطَيْن بأمر الله تعالى ولا ضير في اختلاف المُسندِ إليه بحسب الظاهِرِ لا سيما بعد ما أُكّدت الأولى بما يدل على أن المحرِّمَ هو الله تعالى{مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} إشارةٌ إلى ما ذُكر من المحرمات المعدودةِ أي أُحِلَّ لكم نِكاحُ ما سواهن انفراداً وجمعاً، ولعل إيثارَ اسمِ الإشارةِ المتعرِّضِ لوصف المشارِ إليه وعنوانِه على الضمير المتعرِّضِ للذات فقط لتذكير ما في كل واحدةٍ منهن من العنوان الذي يدور عليه حُكمُ الحرمةِ فيُفهم مشاركةُ مَنْ في معناهن لهن فيها بطريق الدلالةِ فإن حرمةَ الجمعِ بـين المرأةِ وعمتِها وبـينها وبـين خالتِها ليست بطريق الدِلالةِ كما سلف، وقيل: ليس المرادُ بالإحلالِ مطلقاً أي على جميع الأحوالِ حتى يردَ أنه يلزمُ منه حِلُّ الجمعِ بـين المرأةِ وعمتِها وبـينها وبـين خالتِها، بل إنما هو إحلالُهن في الجملة أي على بعض الأحوالِ ولا ريب في حل نكاحِهن بطريق الانفرادِ، ولا يقدَحُ في ذلك حرمتُه بطريق الجمعِ، ألا ترى أن حرمةَ نكاحِ المعتدّةِ والمطلقةِ ثلاثاً والخامسةِ ونكاحِ الأمةِ على الحرة ونكاحِ الملاعنةِ لا تقدَحُ في حل نكاحِهن بعد العدةِ، وبعد التحليلِ، وبعد تطليقِ الرابعةِ وانقضاءِ العدةِ، وبعد تطليقِ الحرةِ، وبعد إكذابِ الملاعِنِ نفسَه! وأنت خبـير بأن الحلَّ يجب أن يتعلق هٰهنا بما تعلق به الحرمةُ فيما سلف وقد تعلق هناك بالجمع فلا بد أن يتعلق الحِلُّ هٰهنا به أيضاً {أَن تَبْتَغُواْ} متعلقٌ بالمفعولين المذكورين على أنه مفعولٌ له لكن لا باعتبار ذاتِهما بل باعتبار بـيانِهما وإظهارِهما أي بـيّن لكم تحريمَ المحرماتِ المعدودةِ وإحلالَ ما سواهن إرادةَ أن تبتغوا بأموالكم، والمفعولُ محذوفٌ أي تبتغوا النساءَ، أو متروكٌ أي تفعلوا الابتغاءَ {بِأَمْوٰلِكُمْ} بصَرْفها إلى مهورهن، أو بدلُ اشتمالٍ مما وراءَ ذلكم بتقدير ضميرِ المفعولِ {مُّحْصِنِينَ} حالٌ من فاعل تبتغوا والإحصانُ العفةُ وتحصينُ النفسِ عن الوقوع فيما يوجب اللومَ والعِقابَ {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} حالٌ ثانيةٌ منه أو حالٌ من الضمير محصِنين، والسِفاحُ الزنا والفجورُ من السَّفْح الذي هو صبُّ المنيِّ، سُمّي به لأنه الغرضُ منه، ومفعولُ الفعلين محذوفٌ أي محصِنين فروجَكم غيرَ مسافحين الزّواني، وهي في الحقيقة حالٌ مؤكدةٌ لأن المحصَنَ غيرُ مسافحٍ ألبتةَ، وما في قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} إما عبارةٌ عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال، وعلى التقديرين فهي إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها، وإما موصولةٌ ما بعدها صلتُها، وأياً ما كان فهي مبتدأٌ خبرُها على تقدير كونِها شرطيةً: إما فعلُ الشرطِ أو جوابُه أو كلاهما على الخلاف المعروفِ، وعلى تقدير كونِها موصولةً قولُه تعالى: {فآتوهنَّ أجورهُنَّ} والفاءُ لتضمُّن الموصولِ معنى الشرطِ ثم على تقدير كونِها عبارةً عن النساء فالعائدُ إلى المبتدأ هو الضميرُ المنصوبُ في فآتوهن، سواءٌ كانت شرطيةً أو موصولةً، ومن بـيانيةٌ أو تبعيضيةٌ محلُّها النصبُ على الحالية من الضمير المجرورِ في به، والمعنى فأيُّ فردٍ استمتعتم به أو فالفردُ الذي استمتعتم به حالَ كونِه من جنس النساءِ أو بعضِهن فآتوهن، وقد روعيَ تارةً جانبُ اللفظِ فأُفرِدَ الضميرُ أولاً، وأخرى جانبُ المعنى فجمع ثانياً وثالثاً، وأما على تقدير كونِها عبارةً عما يتعلق بهن فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بالاستمتاع والعائدُ إلى المبتدأ محذوفٌ والمعنى أيُّ فعلٍ استمتعتم به من جهتهن من نكاح أو خلوةٍ أو نحوِهما، أو فالفعلُ الذي استمتعتم به من قِبَلهن من الأفعال المذكورةِ فآتوهن أجورَهن لأجله أو بمقابلته والمرادُ بالأجور المهورُ فإنها أجورُ أبضاعِهن. {فَرِيضَةً} حالٌ من الأجور بمعنى مفروضةً أو نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي إيتاءً مفروضاً أو مصدرٌ مؤكدٌ أي فُرض ذلك فريضةً أي لهن عليكم {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} أي لا إثمَ عليكم فيما تراضيتم به من الحط عن المهر أو الإبراءِ منه على طريقة قولِه تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْء مّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ } تفسير : [النساء، الآية 4] إثرَ قولِه تعالى: {أية : وَءاتُواْ ٱلنّسَاء صَدُقَـٰتِهِنَّ } تفسير : [النساء، الآية 4] وقوله تعالى: {أية : إَّلا أَن يَعْفُونَ } تفسير : [البقرة، الآية 237] وتعميمُه للزيادة على المسمى لا يساعدُه رفعُ الجُناحِ عن الرجال لأنها ليست مَظِنةَ الجُناحِ إلا أن يُجعلَ الخِطابُ للأزواج تغليباً فإن أخذَ الزيادةِ على المسمّى مظِنةُ الجُناحِ على الزوجة، وقيل: فيما تراضيتم به من نفقة ونحوِها، وقيل: من مقام أو فِراقٍ، ولا يساعدُه قوله تعالى: {مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} إذ لا تعلقَ لهما بالفريضة إلا أن يكون الفِراقُ بطريق المخالعةِ، وقيل: نزلت في المتعة التي هي النكاحُ إلى وقت معلومٍ من يوم أو أكثرَ، سُمِّيت بذلك لأن الغرضَ منها مجردُ الاستمتاعِ بالمرأة واستمتاعِها بما يُعطى، وقد أبـيحت ثلاثةَ أيامٍ حين فُتحت مكةُ شرَّفها الله تعالى ثم نُسخت لما روي أنه عليه السلام أباحها ثم أصبح يقول: «حديث : ياأيها الناسُ إني كنتُ أمرتُكم بالاستمتاع من هذه النساءِ ألا أنَّ الله حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يومِ القَيامَةِ» تفسير : وقيل: أُبـيح مرتين وحُرِّم مرتين، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رجَع عن القول بجوازه عند موتِه، وقال: "اللهم إني أتوبُ إليك من قولي بالمتعة وقولي في الصرْف" {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بمصالح العبادِ {حَكِيماً} فيما شرَع لهم من الأحكام ولذلك شرَع لكم هذه الأحكامَ اللائقةَ بحالكم.

القشيري

تفسير : إذا حافظت الحدود، وراعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه من تبِعة، فذلك مباحٌ طلقٌ.

اسماعيل حقي

تفسير : {والمحصنات} هن ذوات الازواج احصنهن التزوج او الازواج او الاولياء اى اعفهن عن الوقوع فى الحرام. وقد ورد الاحصان فى القرآن بازاء اربعة معان. الاول التزوج كما فى هذه الآية. والثانى العفة كما فى قوله {محصنين غير مسافحين}. والثالث الحرية كما فى قوله {أية : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات}تفسير : [النساء: 25]. والرابع الاسلام كما فى قوله {أية : فاذا أحصن} تفسير : [النساء: 25]. قيل فى تفسيره اى اسلمن وهى معطوفة على المحرمات السابقة اى وحرم عليكم ذوات الازواج كائنات {من النساء} وفائدته تأكيد عمومها لا دفع توهم شمولها للرجال بناء على كونها صفة للانفس كما توهم {إلا ما ملكت أيمانكم} يريد ما ملكت ايمانكم من اللاتى سبين ولهن الازواج فى دار الكفر فهن حلال لغزاة المسلمين ان كن محصنات. قال نجم الدين الكبرى قدس سره ان الله تعالى حرم المحصنات من النساء على الرجال عفة للحصانة وصحة للنسب ونزاهة لعرض الرجال عن خسة الاشتراك فى الفراش علوا للهمة فان الله يحب معالى الامور ويبغض سفاسفها وقال {الا ما ملكت ايمانكم} يعنى ملكتم بالقوة والغلبة على ازواجهن من الكفار واقتطاعهن من حيز الاشتراك وافساد نسب الأولاد وتخليطه ولهذا اوجب الشرع فيها الاستبراء بحيضة {كتاب الله عليكم} مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتابا وفرضه فرضا {واحل لكم} عطف على حرمت عليكم وتوسيط قوله {كتاب الله عليكم} بينهما للمبالغة فى الحمل على المحافظة على المحرمات المذكورة {ما وراء ذلكم} اشارة الى ما ذكر من المحرمات المعدودة اى احل لكم نكاح ما سواهن انفرادا وجمعا وخص منه بالسنة ما فى معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها {ان تبتغوا} متعلق بالفعلين المذكورين اى حرمت واحل على انه مفعول له لكن لا باعتبار بيانهما واظهارهما اى بين لكم تحريم المحرمات المعدودة واحلال ما سواهن ارادة ان تبتغوا النساء اى تطلبوهن {باموالكم} بصرفها الى مهورهن او اثمانهن {محصنين} حال من فاعل تبتغون والاحصان من العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب {غير مسافحين} حال ثانية منه والسفاح الزنى والفجور من السفح الذى هو صب المنى سمى به لانه الغرض منه ومفعول الفعلين محذوف اى محصنين فروجكم غير مسافحين الزوانى وهى فى الحقيقة حال مؤكدة لان المحصن غير مسافح البتة والمعنى لا تضيعوا اموالكم فى الزنى لئلا يذهب دينكم ودنياكم ولكن تزوجوا بالنساء فهو خير لكم وذكر الاموال يدل على ان غير المال لا يصلح مهرا وان القليل لا يكفى مهرا فان الدرهم ونحوه لا يسمى مالا ثم هو عندنا لا يكون اقل من عشرة دراهم قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا مهر اقل من عشرة " .تفسير : {فما استمتعتم به منهن} اى فالذى انتفعتم به من النساء بالنكاح الصحيح من جماع او خلوة صحيحة او غير ذلك {فآتوهن اجورهن} مهورهن فان المهر فى مقابلة الاستمتاع {فريضة} حال من الاجور بمعنى مفروضة {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به} اى فى ان تراضيتم بعد النكاح على زيادة المهر من جانب الزوج او على الحط من المهر من جانب الزوجة وان تهب لزوجها جميع مهرها {من بعد الفريضة} اى بعد المفروضة للزوجة {ان الله كان عليما} بمصالح العباد {حكيما} فيما شرع لهم من الاحكام ولذلك شرع لكم هذه الاحكام اللائقة بحالكم. اعلم ان المحرم عندنا من حرم نكاحه على التأبيد بنسب او مصاهرة او رضاع ولو بوطء حرام فخرج بالاول ولد العمومة والخؤولة وبالثانى اخت الزوجة وعمتها وخالتها وشمل ام المزنى بها وبنتها وابا الزانى وابنه واحكامه تحريم النكاح وجواز النظر والخلوة والمسافرة الا المحرم من الرضاع فان الخلوة بها مكروهة وكذا بالصهرة الشابة وحرمة النكاح على التأبيد لا مشاركة للمحرم فيها فان الملاعنة تحل اذا كذب نفسه او خرج من اهلية الشهادة والمجوسية تحل بالاسلام او بتهودها او تنصرها والمطلقة ثلاثا بدخول الثانى وانقضاء عدته ومنكوحة الغير بطلاقها وانقضاء عدتها ومعتدة الغير بانقضائها وكذا لا مشاركة للمحرم فى جواز النظر والخلوة والسفر واما عبدها فكالأجنبى على المعتمد لكن الزوج يشارك المحرم فى هذه الثلاثة والنساء الثقات لا يقمن مقام المحرم والزوج فى السفر. ويختص المحرم النسيب باحكام. منها عتقه على قريبه لو ملكه ولا يختص بالاصل والفرع. ومنها وجوب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغنى فلا بد من كونه رحما من جهة القرابة فابن العم والاخ من الرضاع لا يعتق ولا تجب نفقته ويغسل المحرم قريبه. ومنها انه لا يجوز التفريق بين الصغير ومحرم ببيع او هبة الا فى عشر مسائل. ومنها ان المحرمية مانعة من الرجوع فى الهبة. وتختص الاصول والفروع من بين سائر المحارم باحكام. منها انه لا يقطع احدهما بسرقة مال الآخر. ومنها لا يقضى ولا يشهد احدهما للآخر. ومنها تحريم موطوءة كل منهما على الآخر ولو بزنى. ومنها تحريم منكوحة كل منهما على الآخر بمجرد العقد. ومنها لا يدخلون فى الوصية للاقارب. وتختص الاصول باحكام. منها لا يجوز له قتل اصله الحربى الا دفعا عن نفسه وان خاف رجوعه ضيق عليه والجأه ليقتله غيره وله قتل فرعه الحربى كمحرمه. ومنها لا يقتل الاصل بفرعه ويقتل الفرع باصله. ومنها لا يحد الاصل بقذف فرعه ويحد الفرع بقذف اصله. ومنها لا تجوز مسافرة الفرع الا باذن اصله دون عكسه. ومنها لو ادعى الاصل ولد جارية ابنه ثبت نسبه والجد اب الاب كالاب عند عدمه بخلاف الفرع اذا ادعى ولد جارية اصله لم يصح الا بتصديق الاصل. ومنها لا يجوز الجهاد الا باذنهم بخلاف الاصول لا يتوقف جهادهم على اذن الفروع. ومنها لا تجوز المسافرة الا باذنهم ان كان الطريق مخوفا والا فان لم يكن ملتحيا فكذلك والا فلا. ومنها اذا دعا احد ابويه فى الصلاة وجبت اجابته الا ان يكون عالما بكونه فيها ولم ار حكم الاجداد والجدات وينبغى الالحاق ـ ومنها كراهة حجه بدون اذن من كرهه من ابويه ان احتاج الى خدمته. ومنها جواز تأديب الاصل فرعه والظاهر عدم الاختصاص بالأب فالأم والاجداد والجدات كذلك. ومنها تبعية الفرع للاصل فى الاسلام. ومنها لا يحبسون بدين الفرع والأجداد والجدات كذلك واختصت الاصول الذكور بوجوب الاعفاف. واختص الأب والجد لأب باحكام. منها ولاية المال فلا ولاية للام فى مال الصغير الا الحفظ وشراء ما لا بد منه للصغير. ومنها تولى طرفى العقد فلو باع الأب ماله من ابنه او اشترى وليس فيه غبن فاحش انعقد بكلام واحد. ومنها عدم خيار البلوغ فى تجويز الأب والجد فقط واما ولاية الانكاح فلا تختص بهما فتثبت لكل ولى سوءا كان عصبة او من ذوى الأرحام. وكذا الصلاة فى الجنازة لا تختص بهما. وفى الملتقط من النكاح لو ضرب المعلم الولد باذن الأب فهلك لم يغرم الا ان يضربه ضربا لا يضرب مثله ولا ضرب باذن الأم غرم الدية اذا هلك والجد كالأب عند فقده الا فى ثنتى عشرة مسألة ـ فائدة ـ يترتب على النسب اثنا عشر حكما توريث المال والولاء وعدم صحة الوصية عند المزاحمة ويلحق بها الاقرار بالدين فى مرض موته وتحمل الدية وولاية التزويج وولاية غسل الميت والصلاة عليه وولاية المال وولاية الحضانة وطلب الحد وسقوط القصاص هذا كله من الاشباه والنظائر نقلته ههنا لفوائده الكثيرة وملاءمته المحل على ما لا يخفى.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ الكسائي: "المحصنات" "ومحصنات"، بكسر الصاد حيث وقع، إلا قوله: {والمحصنات من النساء} ها هنا فانه فتح الصاد. وقرأ أهل الكوفة إلا أبو بكر، وأبو جعفر: {وأحل لكم} - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: بفتحها. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: "أحصن" بفتح الهمزة والصاد، الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. المعنى: قيل في معنى قوله: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الأقوى - ما قاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو قلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لها زوج. وقال بعضهم، مستدلا على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الأوثان، دخلوا في الاسلام. الثاني - قال أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود - في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وابراهيم: إن المراد به ذوات الأزواج إلا ما ملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لأن بيعها طلاقها. وقال ابن عباس: طلاق الأمة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: أن السبي خاصة طلاقها، قالوا لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) خير بريرة بعد أن أعتقتها عائشة، ولو بانت بالعتق لما صح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق الحرة. الثالث - قال أبو العالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره الطبري: ان المحصنات العفائف، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الأمة. اللغة والاعراب: وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصناً لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الأفراس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد. ومنه قوله: {أية : التي أحصنت فرجها } تفسير : وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، والحاصن: العفيفة، قال العجاج: شعر : وحاصن من حاصنات ملس من الأذى ومن قراف الوقس تفسير : وقال أبو علي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصناً وهي حصان، مثل: جبنت جبناً فهي جبان، وقالوا حصناً، كما قالوا: علما قال الازهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام: أحدها - يكون بالزوجة، كقوله: {والمحصنات من النساء}. والثاني - بالاسلام، كقوله: {أية : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات}. تفسير : والثالث - بالعفة كقوله: {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}. تفسير : الرابع - يكون بالحرية، كقوله: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} وقوله: {كتاب الله عليكم} يحتمل نصبه وجهين: أحدهما - أن يكون مصدراً جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم الله ذلك كتاباً من الله، أو كتب كتاباً، كما قال: {أية : صنع الله الذي أتقن كل شيء } تفسير : فنصبه بقوله: {أية : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب}تفسير : فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر: شعر : ورضت فذلت صعبة أي اذلال تفسير : لأن معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوباً على جهة الأمر، ويكون {عليكم} مفسراً، والمعنى: الزموا كتاب الله. الثاني - على الاغراء، والعامل محذوف، لأن عليكم لا يعمل فيما قبله: وأنشد: شعر : يا أيها المائح دلوى دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا تفسير : والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج. المعنى: وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا باموالكم على وجه النكاح. الثاني - قال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم. الثالث - قال قتادة: {ما وراء ذلكم} مما ملكت أيمانكم. الرابع - ما وراء ذوات المحارم إلى الأربع، أن تبتغوا بأموالكم نكاحا، أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لأنه حمل الآية على عمومها في جميع ما ذكر الله، ولا تنافي بين هذه الاقوال. ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: {كتاب الله علكيم} ومن ضم حمله على {حرمت} وموضع {أن تبتغوا} نصب، ويحتمل نصبه على وجهين: أحدهما - على البدل من ما. والثاني - على حذف اللام من "لأن تبتغوا"، ومن قرأ بالضم جاز عنده الرفع والنصب، وقوله: {محصنين} أي عاقدين التزويج، غير مسافحين: عافين للفروج، فال مجاهد، والسدي: معناه غير زانين وأصله: صب الماء، تقول: سفح الدمع إذا صبه، وسفح الجبل أسفله، لانه مصب الماء منه، وسافح إذا زنا لصبه الماء باطلا. وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين من أحد، فاذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على كل حال، على السفاح واتخاذ الصديق. وقوله: {فما استمتعتم به منهن} قال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: هو النكاح، وقال ابن عباس، والسدي: هو المتعة إلى أجل مسمى، وهو مذهبنا، لأن لفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع إلا العقد المؤجل، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يقول بالمتعة، وفلان لا يقول بها، ولا يريدون إلا العقد المخصوص، ولا ينافي ذلك قوله: {أية : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم } تفسير : لأنا نقول: إن هذه زوجة، ولا يلزم أن يلحقها جميع أحكام الزوجات، من الميراث، والطلاق، والايلاء، والظهار، واللعان، لأن احكام الزوجات تختلف، ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذلك المرتد عندنا، والكتابية لا ترث، وأما العدة فانها تلحقها عندنا، ويلحق بها أيضاً الولد، فلا شناعة بذلك، ولو لم تكن زوجة لجاز أن يضم ما ذكر في هذه السورة إلى ما في تلك الآية، لأنه لا تنافي بينهما، ويكون التقدير: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم أو ما استمتعتم به منهن وقد استقام الكلام. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: أنهم قرأوا {فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى} وذلك صريح بما قلناه، على أنه لو كان المراد به عقد النكاح الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد، لأنه قال: {فآتوهن أجورهن} يعني مهورهن، عند أكثر المفسرين، وذلك غير واجب بلا خلاف، وإنما يجب الأجر بكماله في عقد المتعة. وفي أصحابنا من قال: قوله: {أجورهن} يدل على أنه أراد المتعة، لأن المهر لا يسمى أجراً، بل سماه الله صدقة ونحلة، وهذا ضعيف، لأن الله سمى المهر أجراً في قوله {أية : فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن}تفسير : وقال: {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن}تفسير : ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكباً لما يعلم خلافه، ومن حمل لفظ الاستمتاع على الانتفاع فقد أبعد، لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم من لا ينتفع بها شيء من المهر، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء، وإن لم يلتذ ولم ينتفع. وأما الخبر الذى يروونه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) نهى عن المتعة، فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، وقد طعن أيضاً في طريقه بما هو معروف، وأدل دليل على ضعفه قول عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) فأخبر أن هذه المتعة كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنه الذي نهى عنهما، لضرب من الرأي. فان قالوا. إنما نهى لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان نهى عنهما، قلنا: لو كان كذلك لكان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فنهى عنهما، وأنا أنهى عنهما أيضاً، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وصح ما قلناه. وقال الحكم بن عتيبة، قال علي (ع) لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذكر البلخي، عن وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود: قال كنا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ونحن شباب، فقلنا يا رسول الله ألا نستخصي، قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل. وقوله: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} قال الحسن، وابن زيد: أي تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره، أو هبة جميعه. وقال السدي وقوم من أصحابنا: معناه: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فتزيدها في الأجر وتزيدك في المدة. وفي الآية دلالة على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، لأن قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} عام في جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وما يروى من قوله (صلى الله عليه وسلم): "حديث : لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها" تفسير : خبر واحد لا ينسخ به القرآن، ولو كان معلوماً لما جاز أن ينسخ به القرآن عند أكثر الفقهاء، لأن نسخ القرآن لا يجوز عندهم بالسنة، وادعاؤهم الاجماع على الخبر غير مسلم، لأنا نخالف فيه. وقوله: {إن الله كان عليماً حكيماً} معناه عليما بما يصلح أمر الخلق، حكيما فيما فرض لهم من عقد النكاح الذى به حفظت الأموال، والانساب. قال البلخي: والآية دالة على أن نكاح المشركين ليس بزنا. لأن قوله: {والمحصنات من النساء} المراد به ذوات الازواج من أهل الحرب، بدلالة قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} بسبيهن ولا خلاف أنه لا يجوز وطي المسبية إلا بعد استبرائها بحيضة.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} لكون بضعهنّ مملوكاً للغير {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} كالمسبيّات الّلاتى لهنّ ازواج كفّار فانهنّ محلّلة وكالاماء اللاتى تحت العبيد فانّ امرهم بالاعتزال وكذا بيعهنّ بمنزلة الطّلاق {كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} اى كتب الله تلك الاحكام كتاباً عليكم {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} هذا ايضاً مجمل بيّنه لنا اهله فانّ سائر المحرّمات بالرّضاع والجمع بين المرأة وعمّتها او خالتها بغير اذنهما غير مذكورة فى الآية السّابقة وغير محلّلة {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} حافظين لانفسكم بالنّكاح الشّرعىّ غير زانين {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} اى فالنّساء الّلاتى استمتعتم بهنّ من جملة النّساء فآتوهنّ اجورهنّ او فالمال الّذى استمتعتم به من النّساء فآتوه ايّاهنّ، ووضع الاجور على هذا موضع الضّمير وفى لفظ الاستمتاع وذكر الاجور وذكر الاجل على قراءة الى اجل دلالة واضحة على تحليل المتعة {فَرِيضَةً} فرضت فريضةً او حال كونها مفروضة عليكم بالعقد {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} من اعطاء الزّيادة على الفريضة او اسقاطهنّ شيئاً من الفريضة {مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} وفيه اشعار بكون الاجر من اركان عقد التّمتّع كما عليه من قال به، وروى عن الباقر (ع) لا بأس بان تزيدها وتزيدك اذا انقطع الاجل فيما بينكما تقول: استحللتك باجل آخر برضىً منهما ولا تحلّ لغيرك حتّى تنقضى عدّتها وعدّتها حيضتان {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فحلّل المتعة من علم ولغايات منوطة بالمصالح والحكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} والمحصنات هاهنا اللاتي لهن الأزواج. يقول: حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم... إلى هذه الآية ثم قال: والمحصنات من النساء، أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء. قال: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي من السبايا. فإذا سُبِيت امرأة من أرض الشرك ولها زوج ثم وقعت في سهم رجل، فإن كانت من أهل الكتاب وكانت حاملاً لم يطأها حتى تضع حملها. وإن كانت ليست بحامل لم يقربها حتى تحيض. وإن لم يكن لها زوج فكذلك أيضاً. وإن كانت من غير أهل الكتاب لم يطأها حتى تتكلم بالإِسلام وتصلي. فإذا قالت لا إله إلا الله محمد رسول الله وما جاء به حق، وصلّت، استبرأها بحيضة، إلا أن تكون حاملاً فيكف عنها حتى تضع حملها. ذكر أبو سعيد الخدري قال: أصبنا يوم أوطاس سبايا نعرف أنسابهن وأزواجهن، فامتنعنا منهن، فنزلت هذه الآية: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أي من السبايا. قوله: {كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} يعني حرمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم إلى هذا الموضع، ثم قال: كتاب الله عليكم، يعني بتحريم ما قد ذكر. قوله: {وَأَحَلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} يعني ما بعد ذلكم من النساء. {أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} أي: تتزوّجوا بأموالكم. لا تتزوجون فوق أربع. {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي ناكحين غير زانين. قال: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ} أي من النكاح، نكاح المتعة {فَآتُوهُنَّ} أي فاعطوهن {أُجُورَهُنَّ} أي صَدُقَاتهن {فَرِيضَةً}. وهذا شيء كان في المتعة. زعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في المتعة يوم فتح مكة إلى أجل، على أن لا يرثوا ولا يورثوا، ثم نهى عنها بعد ثلاثة أيام، قال: فصارت منسوخة، نسخها الميراث والعِدة. وقال بعضهم: بل أحلّها الله ولم ينزل تحريمها ولم ينسخها. وكان ابن عباس ممن يقول ذلك ويُفتي به ويقول: لو أطاعني عمر في المتعة لم يُجلد في الزنا إلا شقي. قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}. قال الحسن: لا بأس على الرجل أن تدع له المرأة من صداقها الذي فرض لها كقوله: (أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً) تفسير : [النساء:4]. وقال بعضهم: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ} يقول: ما تراضيا عليه من قليل أو كثير أحله الله له. وقال بعضهم: هذا في المتعة إذا مضى الأجل الذي كانا أجّلاه بينهما، فإن كان له حاجة بها قال لها: زيديني في الأجل وأزيدك في الصداق، فذلك قوله: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ}، أي الفريضة الأولى. وهو هذا. قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي غنى، وقال بعضهم: سعة. وهو واحد. {أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ} أي الحرائر المؤمنات {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ} يعني من إمائكم {المُؤْمِنَاتِ}. ولا يحل نكاح إماء أهل الكتاب. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} وفي الآية تقديم. يقول: من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض، يعني المؤمنين: حرّهم ومملوكهم، ذكرهم وأنثاهم والله أعلم بإيمانكم. قوله: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}: أي ساداتهن، وكذلك المرأة الحرّة، إنما يُنكِحها وليُّها. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : السلطان ولي من لا ولي لهتفسير : . ذكره عروة بن الزبير، ورواه عن [عائشة عن] رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الحسن وسعيد بن المسيب في المرأة يزوّجها غير وليها قالا: ذلك إلى الولي، إن شاء أجاز وإن شاء ردّ. قوله: {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: ما تراضوا عليه من المهر. {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي ناكحات غير زانيات {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} والمسافحة هي المجاهرة بالزنا، وذات الخدن التي لها خليل في السر. وقال مجاهد: هي الخليلة يتخذها الرجل، والمرأة تتخذ الخليل، ويقول: نكاح ليس بسفاح ولا خليل في السر. وقال الحسن: لا تحل المسافِحَة لمسلم أن يتزوّجها ولا ذات الخدن. وذكر بعضهم إن المسافحة البَغِي التي تواجر نفسَها مَنْ عَرَض لها، وذات الخدن ذات الخليل الواحد. والعامة على التفسير الأول. قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} أَي: أحصنتهن البعولة {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يعني الزنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ} يعني الحرائر {مِنَ العَذَابِ} أي من الجلد؛ فجلد خمسين جلدة إن لم يكن لها زوج. يقول: تجلد وإن كان لها زوج؛ ليس عليها رجم. ويلقى عنها من الثياب إذا جلدت ما يصل إليها العذاب. وكذلك المملوك أيضاً يجلد خمسين، كانت له امرأة حرة أو مملوكة، أو لم تكن له امرأة. وتوضع عنه ثيابه إذا جلد. ولا تُحصن المملوكةُ الحرَّ، ولا يحصن الحرُّ المملوكة. ولا تحصن اليهودية ولا النصرانية. ذكروا عن إبراهيم أنه قال: لا رجم عليهما حتى يكونا حرين مسلمين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يعنفها. ثم إن زنت فليجلدها ولا يعنفها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يعنفها ثم إن زنت فليبعها ولو بضفيرتفسير : . والضفير الحبل. قوله: ولا يعنفها؛ إن الزانيين كانا قبل أن ينزل حدهما يعيران ويشتمان وتحبس المرأة. حتى نزل حد الزنا. قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} أي إنما أحل الله نكاح الإِماء المؤمنات أن يتزوجهن من خشي العنت؛ والعنت الضيق، يعني الزنا؛ أي لا يجد ما يستعفّ به ولا يصبر فيزني. وقال في أول الآية: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ} ذكر عطاء بن السايب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: لا يحل نكاح الأمة إلا لمن لا يجد طولاً وخشي العنت. ولا يتزوج الحرُّ إلا أمة واحدة. ذكر سعيد بن جبير أنه قال: ما ازلحفّ ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً، وما رخص له إلا إذا لم يجد طولاً وخشي العنت. ذكروا عن الحسن أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تزويج الأمة على الحرة. ذكروا أن عمر بن الخطاب كان ينزع الإِماء إذا زُوِّجْنَ على الحرائر. وقال الحسن: إذا تزوج الرجل الأمة على الحرة فُرِّق بينه وبينها. ولا بأس أن يتزوج الحرة على الأمة. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن شاء تزوَّج الحرة على الأمة، فيكون للحرة يومان وللأمة يوم. ذكروا عن الحسن وسعيد بن المسيب أنهما قالا: يتزوّج الحرة على الأمة إن شاء ويقسم بينهما: يومين للحرة ويوماً للأمة، والنفقة كذلك. ولا يتزوج الأمة على اليهودية ولا على النصرانية، ويتزوّج اليهودية والنصرانية على الأمة ويقسم بينهما: لليهودية والنصرانية يومان وللأمة يوم. قوله: {وَأَن تَصْبِرُوا} أي عن نكاح الإِماء {خَيْرٌ لَّكُمْ} في تفسير مجاهد وغيره. {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَآءِ}: عطف على الجمع، من أن تجمعوا أو على أمهاتكم، فالمحصنات محرمات وهن ذوات الأزواج، لا يحل تزوجهن حتى يفارقن الأزواج، وتم العدة من غير أن يكون مريد التزوج داعياً للمرأة إلى الفراق من زوجها، وسواء كان أزواجهن موحدين، أو مشركين إلا إن سبيت وحدها، أو هى وزوجها فهى أمة بزوجها مالكها من شاء أو يتسراها، وكذا إن سبيت ثم جاء زوجها مسلماً من يشرك، فإنها أمة يزوجها مالكها لمن يشاء أو يتسراها، فلو كان زوجها موحداً فهاجرت ثم هاجر زوجها فهى له، ولو تزوجت قبل الهجرة. قال أبو سعيد الخدرى: نزلت الآية فى نساءكن هاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهن أزواج فتزوجت ببعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهى الله المسلمين عن نكاحهن أى أمر بفراقهن إن تزوجن، وترك تزوجهن إذا كان أزواجهن موحدين قبل الهجرة، والمحصنات: جمع محصنة بفتح الصاد، اسم مفعول والفاعل الزوج، أو التزويج أى واللاتى أحصنهن أزواجهن أو أحصنهن التزويج. وقرأ الكسائى بكسر الصاد فى جميع القراء كان غير هذا الحرف، لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج، وكذا قرأ طلحة بن مطرف بكسر الصاد هنا فهو اسم فاعل، والإحصان فى القرآن على أربعة، الأول: التزوج لأن الزوج يكون لها حصناً مانعاً عن الزنى باكتفائها به، والمنعة لها. والثانى: العفة كقوله {أية : محصنات غير مسافحات}تفسير : وقوله تعالى: {أية : والتى أحصنت فرجها}تفسير : أى أعفته، لأن الإنسان إذا ارتبط بالعفة وظهرت على شخص ما وتخلق بها، صارت له منعة وحفظاً، والثالث: الحرية كقوله تعالى: {أية : والذين يرمون المحصنات}تفسير : أى الحرائر لأنه لو قذف غير الحرة لم يجلد ثمانين، لكم يحتمل أن يكون المراد التى لا يلقين أنفسهن فى التهم بناءً على أنه إذا ظهرت أمارة الزنى لم يجلد قاذفها، وقوله تعالى {أية : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات}تفسير : وذلك أن الإماء كان عرفهن فى الجاهلية الزنى، والحرة بخلاف ذلك، ألا ترى إلى قوله هند زوجة أبى سفيان حال البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حين نهاهن عن الزنى: وهل تزنى الحرة؟. الرابع: الإسلام كقوله {أية : فإذا أحصن}تفسير : أى أسلمن لأن الإسلام حافظ مانع، والمراد هنا التزوج، لأن ذات الزوج لا تتزوج بخلاف الإسلام، والعفة، والحرية، فليس مانعات من التزوج، وبعض المواضع يقوى فيها بعض المعانى الأربعة دون بعض، قال ابن عباس: فى هذه الآية المحصنات ذوات الأزواج. وسئل ابن شهاب عن قوله تعالى: {والمحصنات} فقال: حرم الله ذوات الأزواج والعفائف من حرائر، ومملوكات غيرك إلا بنكاح من لا زوج لها، وتسرى المملوكة بملك من سيدها وذلك راجع إلى تحريم الزنى، وهذا ولو كان حسناً عم لفظ الإحصان، ولفظ الملك لكن بظاهره، أنه لا يحرم الزنى بغير العفيفة، وليس ذلك مراداً فالزنى مطلقاً حرام، ولعله أراد بالعفائف مطلق الحرائر، لأن من شأنها العفة وقيل: أراد بالمحصنات: من فوق أزواج إلى حله الأربع، فإنه لا يحل له فوقهن إلا التسرى، كما قال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُم}. {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ}: لا ما ملك يمين غيرك وقيل: المراد بما ملكت أيمانكم: السبايا التى يسبين ولهن أزواج فى دار الحرب، فيحل لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء لأن السبى يرتفع به النكاح بينها وبين زوجها الأول، وأجمعوا أنه إذا سبى أحد الزوجين قبل الآخر، وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما وإن سبياً معاً فكذلك تفع الفرقة عندنا، وعند الشافعى يستبرئها مالكها ويزوجها أو يتسراها، وقال أبو حنيفة: إذا سبياً معاً، لا واحد قبل الآخر، ويرد عليه إطلاق الآية وأحاديث تسرى ما ملكت اليمين، قال أبو سعيد: أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن، وعن عطاء: أراد أن الرجل تكون أمته تحت رجل مشرك، فيسلم فيجوز له نزعها من المشرك، فتحل له بالتسرى، أو يزوجها مسلماً بعد استبراء. {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}: كتاب: مفعول لاسم الفعل، تقدم عليه وهو عليكم، ومعناه: الزموا كتاب الله ولا تخرجوا عما حرم أو حلل، ولا يقاس على تقديمه خلافاً للكسائى، ولا دليل له فى الآية لجواز أن يكون كتاب مفعولا مطلقاً، أى: كتب الله عليكم تحريم من ذكر كتاباً، فعليكم ليس اسم فعل، بل جار ومجرور متعلق بكتب المحذوف، وبكتاب لما حذف كتب أضيف كتاب إلى فاعله، وأجاز الزجاج تخريج الآية على ما ذكر الزجاج، وقرئ: كتب الله، بضم الكاف والتاء والباء، وهو مبتدأ جمع كتب بمعنى فروض الله عليكم خبره، وقرئ: كتب الله، بفتح الكاف والتاء والباء ورفع اسم الجلالة على أنهما فعل وفاعل، أى: كتب الله عليكم تحريم من ذكر. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}: عطف على ناصب كتاب وهو كتب أو على كتب الله فى قراءه الفعل والفاعل، أو على حرمة عليكم أمهاتكم ويتعين هذا الوجه على أن عليكم اسم فعل، ويدل للعطف على حرمت عليكم أمهاتكم، قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم {وَأُحِلَّ لَكُمْ} بالبناء للمفعول عطفاً على {حرمت عليكم أمهاتكم}، ومعنى {وراء ذلكم} غير ذلك والإشارة إلى هؤلاء المحرمات، بتأويل من ذكر وخصت السنة من عموم تحليل ما وراء ذلك: الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وقيس عليهما سائر جميع المحارم، وخصت الآية الأخرى المطلقة ثلاثة حتى تنكح آخر، ومن فى العدة، وتحريم الخامسة والملاعنة، فآية النور دلت عليها، والسنة صرحت، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : المتلاعنان لا يجتمعان أبداً والأمة على ومنع له حرة أو وجد الطاقة عليها"تفسير : قيل: وسائر محرمات الرضاع، وقد مر استنباط مفطمهن من قوله تعالى: {أية : وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة}. تفسير : {أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ}: على تقدير لام التعليل: أى لأن تبتغوا، أو مفعول لأجله على تقدير مضاف، أى إرادة أن تبتغوا، أو حب أن تبتغوا، وإنما قدرت المضاف، لأن الابتغاء فاعله الناس لا متعلق اللام الناصب للمفعول من أجله، وهو أحل وأمر، ومن لم يوجب اتحاد الفاعل، لم يوجب تقدير المضاف، ثم إنك إذا قدرت الإرادة فلا بد أن تئول الإرادة بالحب، لأن إرادة الله لا تتخلف، ويجوز أن يكون تبتغوا بدلا من ما وراء ذلكم اشتماليا، بتأويل المصدر، والابتغاء المذكور، قد يتخلف بخلاف الحب، فإن الله أحب الطاعة، وكثير عصوه، ومفعول تبتغوا محذوف، أى تبتغوا النساء، أى تحصلون عليهن حرائر بالتزوج، أو إماء به، أو بالتسرى فاستعمل الابتغاء الموضوع لطلب حصول الشىء فى مسببه وهو التحصيل، ومعنى الابتغاء بالمال تحصيل التزوج والتسرى والقيام بمؤنهما به، بأن يعطى مهراً او يشترى أمة ويسكن ويوكل ويشرب بكسو، ويفعل الواجب كله فقد ظهر لك التعميم مع تقدير مفعول، لتبتغوا، إلا كما قيل إن التعميم المذكور لا يفيده إلا الحذف، نعم عدم التقدير أظهر فى شمول الآية لنحو النفقة والمئونة كأنه قيل: إن تنصرفوا بأموالكم وتخرجوها عنكم. و{مُّحْصِنِينَ} حال من واو {تَبْتَغُوا}، وغير حال ثان، أو حال المستتر فى محصنين، ومفعول محصنين محذوف، أى محصنين فروجكم، أو محصنين أنفسكم عن اللوم والعقاب، وأما مسافحين فلا مفعول له، على تأويله بزانين وأما على إبقائه فى معنى قولهم سافحين، وما ذينى من السفح وهو الصب، إذ يصب المنى كما أن ماذينى من المذى واختير ذلك اللفظ لأن غرض الزانى قضاء الوطر، فالمفعول مقدر أى: مسافحين الزانيات، واحتج الحنفية بالآية على أن الصداق لا يكون إلا مالا فلم يجيزوا أن يكون عناء، كحفر بئر، ورعى غنم، وأما تعليم القرآن صداقاً، فقال صلى الله عليه وسلم للذى أباح له ذلك "حديث : لا يحل ذلك لغيرك"تفسير : ، ولم يبلغ قوله لا يحل لغيرك إلى الشافعية، أو لم يثبت عنده، فأجاز ذلك إلى الآن ومن قال: شرع من قبلنا شرع لنا أجاز العناء صداقاً، كما فعل موسى مع شعيب، وقد استدل بقصتهما فى الإيضاح على جواز الأجرة فى باب مطلق الأجرة، والشيخ عامر يقول شرعا لنا وهو أكثر القول، وهو الصحيح كما يراه من تتبع السؤالات وكتب أصحابنا والخلاف فى المذهب ولو اشتهر أنه غير شرع لنا، وذلك فيما لم يرد النص على أنه ليس شرعاً لنا، وأشارت الآية إلى أنه إنما يصرف المال فى النكاح الحلال لا فى الحرام لئلا يخسر صاحبه دنياه وأخراه، وهو أعظم خسارة. {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} ما: واقعة على الجماع، ويلحق به غيره مما يلزم به الصداق، أو على ما يلزم به الصداق جماعاً ونحوه، وهى "إما موصولة منصوبة المحل على الاشتغال والشاغل محذوف أى آتوهن أجورهن عليه والتقدير فاعتبروا ما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن عليه، والفاء للتأكيد، وذلك أولى من جعلها مبتدأ أخبر عنها بالطلب. وإما شرطية كذلك، إلا أنه يقدر الناصب بعد شرطها إن جعلنا ما يصلح خبراً لها هو الجواب، أو الشرط والجواب، وإن جعلنا الخبر شرطها، فلا إشكال بأنه إخبار لا طلب، فلا حاجة إلى الاشتغال ولو جاز، وعلى الشرط فالفاء رابطة، و"الاستمتاع" الانتفاع والتلذذ، والأجور: المهور، لأنه عوض الانتفاع وذلك فى النساء مطلقاً وقد بينت الأخرى أن الأجر فهو كامل إن جامعها، وألحق بالجماع ما قاربه كمس الفرج باليد ومس البدن بالذكر، وإنه نصف المهر إن كان غير ذلك، وعن أبى حنيفة: إن خلا بها فلها المهر كاملا بالخلو بها، ولو صدقته فى أنه لم يدخل. وقيل: المراد بالآية نكاح المتعة، وهو أن يتزوج امرأة إلى مدة معلومة بصداق وإذا تمت المدة فارقته إلى طلاق، وإن شاء معاً زادها فى الصداق، وزادت فى المدة بالولى والشهود، ولا إرث بينهما إن مات أحدهما قبل تمام المدة، ثم نسخ ذلك. وقيل: لم ينسخ والصحيح أنه نسخ ونهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر، وعن أكل لحوم حمر إلا نسية، قال ابن معبد الجهنى: كنت مع رسول الله صلى الله فقال: "حديث : يأيها الناس إنى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شىء فليخل سبيله ولا تاخذوا مما آتيتموهن شيئاً" تفسير : ، فالآية نسخت وهى فى نكاح المتعة بهذا الحديث، على أن القرآن ينسخ بالسنة الموحاة، وقيل بقوله تعالى: {أية : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم}تفسير : والمرأة فى المتعة ليست زوجة، ولا مما ملكت اليمين، قيل: أباحها صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام حين فتح مكة، ثم نسخت كأن ينكح لليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غيره، قيل: أباحها ثم أصبح يقول: "أية : أيها الناس إنى أمرتكم بالاستمتاع من النساء إلى أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة"تفسير : وعن عطاء عن ابن عباس بقوله تعالى {أية : يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن}تفسير : قال سالم بن عبد الله بن عمر إن عمر بن الخطاب صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، لا أجد رجلا ينكحها إلا رجمته بالحجارة قال الشافعى: لا أعلم فى الإسلام شيئاً أحل ثم حرم، ثم أحل ثم حرم، غير المتعة، والصحيح أن نكاح المتعة جائز بالسنة، ثم نسخ بالسنة، وليست الآية فى نكاح المتعة، فلا رخصة فيه لمضطر، ولا لغيره، و هو قول أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم من الأمة إلا رواية عن ابن عباس أنه أجازه ولم يقل بنسخها للمضطر وغيره، ورواية عنه أنه أجازه للمضطر، وروى أنه لما ذكر الناس فتبار عباس فى الأشعار باجازة نكاح المتعة قال: قاتلهم الله أنا ما أفتيت باباحتها على الإطلاق، لكن قلت: إنما تحل للمضطر كما تحل الميتة له، وروى أنه رجع عنه وقال بتحريمه وكان قبل الرجوع يقول: لو وافق عمر على إجازته لم يجلد على الزنى إلا شقى، وعن عمارة سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هى أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح. قلت: فما هى؟ قال: متعة كما قال الله تعالى {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ} فكان يرى أن الآية فى نكاح المتعة، فقيل عنه بالنسخ كما مر، وقيل لا، وعنه كان يقرأ {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ} إلى أجل مسمى. وروى عنه أنه رجع عند موته عن نكاح المتعة، وقال: اللهم إنى أتوب من قولى بالمتعة وقولى فى الصرف يعنى قوله: إنه يجوز بأكثر إذا حضر، والحق أن الآية ليست فيه بل فى مطلق النكاح المجمع على جوازه، واستدل بعض على أنها ليست فى المتعة لمجرياتها على قوله {إن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِين} وفيه أن تفسيرها بالمتعة لا ينافيه هذا الجريان، بل يناسبه، وعن ابن عباس، المعنى فإن استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء، ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر وهو المهر كله وهذا منه بدل على أن {ما} واقعة على النساء ويرجع إليه هاؤه باعتبار اللفظ وهاء فآتوهن باعتبار المعنى، ومن للبيان أو التبعيض، وأما على وقوع {ما} على الجماع فمن للابتداء. {فَرِيضَةً}: قيل حال من الأجور بمعنى مفروضة على أنه باق على الوصفية فكان فعلية بمعنى مفعولة، ويبحث فى هذا الإعراب بأن الأصل فى مثل هذا التذكير لذكر الموصوف، كما مرأة جريح، ولعل من قال بذلك اعتبر أصل معنى مفعول مع تغلب الاسمية أو مفعول مطلق، بمعنى مفروضاً أى إيتاء مفروضاً فالتاء لما كانت لتلعب الاسمية لم تمنع من وصف المذكر، ولما اعتبر كونه فى الأصل وصفاً صح النعت به، ويجوز كون الموصوف مؤنثاً أى إيتاء فريضة أى مفروضة، وأجيز كونه مصدراً مؤكداً لمحذوف، أى فرض ذلك فرضاً. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ}: قيل هذا مع ما قبل ووحده فى نكاح المتعة، أى فيما تراضيتم به من مقام على زيادة الصداق، وتجديد العقد بعد تمام مدة المتعة، أو من فراق بعد تمامها وذلك كله بعد أن تفرضوا لهن فريضة على نكاح المتعة، و صحيح أن هذا فى نكاح نحو المتعة، أو فيما تحط الزوجة عن الزج من المهر أو فى هبتها له كله أو زيادته لها على ما فرض عليه نصف الصداق، حين لم يدخل لها، {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُم}: أيها الأزواج والزوجات فيما تراضيتم به من ذلك، وذلك كله بعد أن تفرضوا تحقيقاً، وإن سكتوا عن الفرض أدركت المهر أو صداق المثل، وإن لم يدخل فلها منع نفسها حتى يصدق لها، وإذا زاد وطلق قبل الدخول أو افتدت، والزيادة كلها لها، وقيل: نصفها مع نصف الصداق وهو مذهب أبى حنيفة، والأول للشافعى وخرج من تراضوا من أول النكاح على أن لا صداق لها، فإنه نكاح حرام باطل، وهو زنى، وزعم بعض أنه لا يفرق بينهما، وتدرك المهر أو صداق المثل أو تمنعه إن لم يدخل حتى يصدق لها، وفروع النكاح فى العقد وقيل {فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ} من فراق أو مقام ويرده أنه لا يعتبر رضى المرأة فيهما، وإنما هذا فى نكاح المتعة، أو يقال الخطاب للأزوج الذكور، والتراضى على غير بابه، بل بمعنى الرضى. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً}: بمصالحكم فى النكاح وغيره. {حَكِيماً}: متقناً لا خلل فى أمره ونهيه وصنعه.

اطفيش

تفسير : {وَالمُحْصَنَاتُ} المتزوجات، لأن أزواجهن يحصنونهن، أو أولياءهن، بالتزويج أو الله يحصنها بالتزويج {مِنَ النِسَّآءِ} والعطف على أمهاتكم، أو على الجمع، والإحصان بمعنى التزوج كما هنا، وكما فى قوله {محصنين غير مسافحين}، وبمعنى الحرية كما في قوله تعالى: {أية : ومن لم يستطع منكم طولاً} تفسير : [النساء: 25] الخ، وبمعنى الخفة كما فى قوله تعالى: {أية : محصنات غير مسافحات} تفسير : [النساء: 25]، وبمعنى الإسلام كما فى قوله تعالى: {أية : فإذا أحصن} تفسير : [النساء: 25]، أى صيرهن الله مسلمات، قيل والعقل والكل من معنى الحفظ والتحرز، وقيل كل أفعل اسم فاعله مفعل بالكسر إلا أولع وأحصن، وألفج، ذهب ماله، وأسهب؛ كثر كلامه، فيصح أن المحصنات بفتح الصاد اسم فاعل شاذَّا قياساً، فصيح استعمالا، لا بمعنى أنهن أحصن فروجهن، أو أحصن أزواجهن، ويدل له قراءة طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب بكسر الصاد {إلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} بالسبى فلكم تزوجهن وتسريهن بعد الإسلام والعدة، ولو كان لهن أزواج فى دار الحرب، أو سبى معهن أزواجهن، وزعم أبو حنيفة أنه إن سبى الزوجات لم يرتفع النكاح ولا تحل لغير زوجها، وإطلاق الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : تحل المسببة ولو كانت ذات زوج"تفسير : ، يردان عليه، وسبوا فى ذات أوطاس نساء، لهن أزواج، فنزلت الآية فى تحليلهن، لكن لم يكن معهن أزواجهن، بل هربوا وكذا فى حنين، وقيل ما ملكت أيمانكم ما ملكت من ذوات الأزواج بالشراء من أزواجهن، أو من الإمام أو نحوالشراء {كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} كتب الله عليكم ذلك كتابا، وكان الحذف والتأخير، والجملة مؤكدة لقوله حرمت عليكم الخ، أو النصب بعليكم بمعنى الزموا، على قول الكسائى بجواز تقديم معمول اسم الفعل عليه {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ} عطف على ما حرمت، وعلى كتب الله عليكم ذلك، وخصت السنة محرمات الرضاع، والجمع بين من لا تتناكحان لو كانت إحداهما ذكرا، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" تفسير : ، والمتلاعنين قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المتلاعنان لا يجتمعان أبداًتفسير : ، والمعتدة، والخامسة، والمطلقة ثلاثا، والمطلقة الكتابية، مرة فى قول فيها، ومطلقة العبد بالسيد اثنتين فى قول، والإماء على من عنده حرة، أو قدر عليها على خلاف، وما فوق الحرتين لعبد على خلاف، والمزنى بها على من زنى بها" {أن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم} تعليل لأجل أى لأن تبتغوا، أو قصد أن بتبغوا، أو دعاء أن تبتغوا، وقيل إرادة أن تبتغوا، وفيه أن إرادة الله لا تتخلف، ولعله أراد بالإرادة الدعاء، أو القصد، والمعنى أن تبتغوا النساء، فحذف المفعول به، أو لا مفعول له لعدم تعلق القصد به، بل المراد تنفس ابتغاء صرف الأموال فى المصالح، كالمهور، واثمان السرارى، والإنفاق على الأزواج والسرارى، وأن تبتغوا بدل اشتمال من ما الواقعة على العاقلات لقصد الأنواع، ويجوز أن تقع على غير العاقلات، أى وأحل لكم الفعل الذى وراء ذلكم كالتزوج والإنفاق، وأن تبتغوا بدل، والآية مناسبة لمذهبنا ومذهب الحنفية فى أن الصداق بالمال ولا يجوز بالعناء، ولو لم يكن الحصر فى الآية، لأنا وجدنا الصداق بالمال فى القرآن والسنة ولم نجده بالعناء، وما فى السنة من الصداق بالعناء فى التعليم بالقرآن مخصوص بذلك الرجل، كما روى أنه قال صلى الله عليه وسلم: حديث : هذا لك خاصةتفسير : ، ومن لم يثبت عنده قوله هذا لك خاصة قال: الله زوجه إياها بلا صداق، لأنها وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم، وأن المعنى زوجتها لك تعظيما لما معك من السور التى ذكرت أنك تقرؤهن على ظهر الغيب، ولصداق موسى عليه السلام الرعى شرع لمن قبلها، واختلف فى شرع من قبلنا أهو شرع لنا؟ والمذهب، أنه غير شرع لنا، ويناسبه آتوهن أجورهن، فإن المتبادر فى الإيتاء الأعيان {مُّحْصِنِينَ} أى أعيّاء، أو محصنين أنفسكم أو فروجكم {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} الزوانى، أى صابين ماءكم فى غير الزوجات، وكان الفاجر فى الجاهلية يقول للمرأة سافحينى وماذينى من المذى، فإن الزانى لا غرض له إلاصب الماء، وقال الزجاج: إن المسافح والمسافحة اللذان لا يمتنعان من أحد، والزانية بواحد تسمى ذات خدن {فَمَا اسْتَمْتَعْتم بِهِ مْنْهُنَّ} ما واقعة الجماع أو العقد أو الاستماع، فهى شرطية، مفعول مطلق أى فأى استمتاع مما يلزم به الصداق، أو أى جماع استمتعتم، أو جامعتم فآتوهن أجورهن لأجله، أو على العاقلات باعتبار الوصف، أو النوع أى الفرد الذى تمتعتم به، والجمع فى الضمير باعتبار تعدد الأزواج، وبتعدد زوجة الواحد {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مهورهن التى فرضتم، والتى لزمت بالدخول، إن لم تفرضوا فى مقابلة الاستمتاع بالذكر فى الفرج، أو غيره، أو باليد فى الفرج أو نظر باطنه، ونصفها بالفرقة قبل ذلك، وقال أبو حنيفة: يلزم المهر كاملا بالخلوة ولو بلا جماع ولا مس ولا نظر، ولو أقرت بانتقاء ذلك، وقيل لا يكمل المهر إلا بغيوب الحشفة، ولم يقل فآتوهن أثمانهن، لأن الصداق عوض نفع لا ثمن ذاتهن {فَرِيضَةً} حال كون الأجور مفروضة، أو إيتاء مفروضاً، أو مصدر بمعنى مفعول أو فرضت فرضاً {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} من زيادة فى الأجور، أو نقص منها برضاهن، أو إسقاطهن الأجور كلها، قيل: ومن نفقة، أو مقام، أو فراق، وفيه أنه لا يناسب المقام، والفراق ذكر الفريضة، إلا أن يكون الفراق بطريق الفداء، وما زاد على الصداق على أنه منه قبل الدخول فهو لها تاما، ولو فارقها قبل الدخول عند الشافعى، وقال أبو حنيفة هو فى حكم الصداق، وقال قليل من العلماء: الآية فى نكاح المتعة المؤقت إلى أجل، لئلا يتكرر مع قوله تعالى: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن} تفسير : [النساء: 4]، لا بأس عليكم أن تزيدوا مالا، ويزدن مدة بعد الأجل الأول، والأجر الأول، ويدل له قراءة اُبىّ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، وكذا قرأ ابن عباس وابن مسعود، ولعل ذلك قراءة تفسير، لا قراءة تلاوة، وقد رجع ابن مسعود وابن عباس عن ذلك، قال على لابن عباس: إنك رجل تائه، فاترك ذلك، فتركه، وقال ابن الزبير فى إمارته: والله لئن فعلت لأرجمنك بحجارتك، أى الحجارة التى تستحقها، والحق أن الآية لم تنزل فى إباحتها، وإن نزلت فيها، وقد نسخت، ومن عمل بها فإنه لم يصله النسخ، وعن ابن عباس، أنه لما كثر عيب ذلك عليه قال: ما أفتيت به مطلقاً بل بشرط الاضطرار، كالميتة، ثم نسخ بعد ثلاثة أيام فى مكة حين فتحها، أصبح صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : أيها الناس إنى كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامةتفسير : ، ورجع ابن عباس عن القول ببقائه، وحقق بعض أنها حلت قبل يوم خيبر وحرمت يوم خيبر، وأبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ تحريماً مؤبداً يوم القيامة {إنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً} فى الشرع والمصالح، ويقال أبيح نكاح المتعة فى صدر الإسلام، وحرمت يوم خيبر، وأبيحت فى غزوة أوطاس، وحرمت ثم أبيحت يوم الفتح، وحرمت للأبد.

الالوسي

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} عطف على ما قبله من المحرمات. والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج، أحصنهن التزوج أو الأزواج أو الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم، وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة على فتح الصاد هنا؛ ورواية الفتح عن الكسائي لا تصح، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيـى بن وثاب، وعليه يكون اسم فاعل لأنهنّ أحصن فروجهن عن غير أزواجهن، أو أحصن أزواجهن، وقيل: الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضاً، فقد قال ابن الأعرابـي: كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه. وحكي عن الأزهري مثله، وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير، ويقال: حصنت المرأة بالضم حصناً أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضاً بينة الحصانة، وفرس حصان بالكسر بيّنُ التحصين والتحصن، ويقال: إنه سمي حصاناً لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصاناً، والإحصان في المرأة ورد في اللغة واستعمل في القرآن بأربعة معان: الإسلام والحرية والتزوج والعفة، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء، وفائدته تأكيد عمومها، وقيل: دفع توهم شمولها للرجال بناءاً على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث ـ وليس بشيء ـ كما لا يخفى، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد: لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج ابن أبـي شيبة عن أبـي السوداء قال: سألت عكرمة عن هذه الآية {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ} الخ فقال: لا أدري، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال: أحدها: أن المراد بها المزوجات كما قدمنا. والمراد بالملْك الملْكُ بالسبـي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابـي دون غيره، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، لكن وقع الخلاف هل مجرد السبـي محل لذلك أو سبيها وحدها؟ فعند الشافعي رحمه الله تعالى مجرد السبـي موجب للفرقة ومحل للنكاح، وعند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابـي، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبـي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قال: أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فاستحللناهن، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو مخالف لما تقرر في الأصول من أنه لا يعتبر خصوص السبب، وأجيب بأنه ليس من ذاك القصر في شيء وإنما خص لمعارضة دليل آخر وهو الحديث المشهور عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها لما اشترت بريرة وكانت مزوجة أعتقتها وخيرها صلى الله عليه وسلم فلو كان بيع الأمة طلاقاً ما خيرها فاقتصر بالعام حينئذٍ على سببه الوارد عليه لما كان غير البيع من أنواع الانتقالات كالبيع في أنه ملْكٌ اختياري مترتب على ملك متقدم بخلاف السباء فإنه ملك جديد قهري فلا يلحق به غيره كذا قيل، واعترض أصحاب الشافعي بإطلاق الآية والخبر على الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وجعلوا ذلك حجة عليه فيما ذهب إليه، وأجاب الشهاب بأن الإطلاق غير مسلم ففي الأحكام المروي أنه لما كان يوم أوطاس لحقت الرجال بالجبال وأخذت النساء فقال المسلمون: كيف نصنع ولهن أزواج؟ فأنزل الله تعالى الآية، وكذا في حنين كما ذكره أهل المغازي فثبت أنه لم يكن معهن أزواج. فإن احتجوا بعموم اللفظ قيل لهم: قد اتفقنا على أنه ليس بعام وأنه لا تجب الفرقة بتجدد الملك فإذا لم يكن كذلك علمنا أن الفرقة لمعنى آخر وهو اختلاف الدارين فلزم تخصيصها بالمسبيات وحدهن، وليس السبـي سبب الفرقة بدليل أنها لو خرجت مسلمة أو ذمية ولم يلحق بها زوجها وقعت الفرقة بلا خلاف. وقد حكم الله تعالى به في المهاجرات في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلْكَوَافِرِ} تفسير : [الممتحنة: 10] فلا يرد ما أورد، وثانيها: أن المراد بالمحصنات ما قدمنا، وبالملك مطلق ملك اليمين فكل من انتقل إليه ملك أمة ببيع أو هبة أو سباء أو غير ذلك وكانت مزوجة كان ذلك الانتقال مقتضياً لطلاقها وحلها لمن انتقلت إليه ـ وهو قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة ـ وإليه ذهب جمهور الإمامية. وثالثها: أن المحصنات أعم من العفائف والحرائر وذوات الأزواج، والملك أعم من ملك اليمين وملك الاستمتاع بالنكاح فيرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا وحرمة كل أجنبية إلا بعقد أو ملك يمين، وإلى ذلك ذهب ابن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في «الموطأ» ورابعها: كون المراد من المحصنات الحرائر، ومن الملك المطلق والمقصود تحريم الحرائر بعد الأربع. أخرج عبد الرزاق وغيره عن عبيدة أنه قال في هذه الآية: «أحل الله تعالى لك أربعاً في أول السورة وحرم نكاح كل محصنة بعد الأربع إلا ما ملكت يمينك» وروي مثله عن كثير. وقال شيخ الإسلام: المراد من المحصنات ذوات الأزواج والموصول إما عام حسب عموم صلته، والاستثناء ليس لإخراج جميع الأفراد من حكم التحريم بطريق شمول النفي بل بطريق نفي الشمول المستلزم لإخراج البعض أي حرمت عليكم المحصنات على الإطلاق إلا المحصنات اللاتي ملكتموهن فإنهن لسن من المحرمات على الإطلاق بل فيهن من لا يحرم نكاحهن في الجملة وهن المسبيات بغير أزواجهن أو مطلقاً على اختلاف المذهبين، وإما خاص بالمسبيات فالمعنى حرمت عليكم المحصنات إلا اللاتي سبين فإن نكاحهن مشروع في الجملة أي لغير ملاكهن، وأما حلهن لهم بحكم ملك اليمين فمفهوم بدلالة النص لاتحاد المناط لا بعبارته لأن مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح، وإنما ثبوت حرمة التمتع بهن بحكم ملك اليمين بطريق دلالة النص وذلك مما لا يجري فيه الاستثناء قطعاً، وأما عدهن من ذوات الأزواج مع تحقق الفرقة بينهن وبين أزواجهن قطعاً بتباين الدارين أو بالسباء فمبني على اعتقاد الناس حيث كانوا غافلين عن الفرقة كما ينبـي عن / ذلك خبر أبـي سعيد، وليس في ترتب ما فيه من الحكم على نزول الآية الكريمة ما يدل على كونها مسوقة له فإن ذلك إنما يتوقف على إفادتها له بوجه من وجوه الدلالات لا على إفادتها بطريق العبارة أو نحوها. واعترض بأن فيه ارتكاب خلاف الظاهر من غير ما وجه ولا مانع على تقدير تسليم أن يكون مساق النظم الكريم لبيان حرمة التمتع بالمحرمات المعدودة بحكم ملك النكاح فقط من أن يكون الاستثناء باعتبار لازم تحريم النكاح وهو تحريم الوطء فكأنه قيل: يحرم عليكم نكاح المحصنات فلا يجوز لكم وطؤهن إلا ما ملكت أيمانكم فإنه يجوز لكم وطؤهن فتدبر. {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ} مصدر مؤكد أي كتب الله تعالى {عَلَيْكُمْ} تحريم هؤلاء كتاباً، ولا ينافيه الإضافة كما توهم، والجملة مؤكدة لما قبلها و {عَلَيْكُمْ} متعلق بالفعل المقدر، وقيل: {كِتَاب} منصوب على الإغراء أي الزموا كتاب الله، و {عَلَيْكُمْ} متعلق إما بالمصدر أو بمحذوف وقع حالاً منه، وقيل: هو إغراء آخر مؤكد لما قبله وقد حذف مفعوله لدلالة ما قبله عليه؛ وقيل: منصوب بعليكم، واستدلوا به على جواز تقديم المفعول في باب الإغراء وليس بشيء. وقرأ أبو السميقع (كتب الله) بالجمع والرفع أي: هذه فرائض الله تعالى عليكم، و ـ كتب الله ـ بلفظ الفعل. {وَأُحِلَّ لَكُمْ} قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول، والباقون على البناء للفاعل، وجعله الزمخشري على القراءة الأولى معطوفاً على {حُرُمَـٰتِ}، وعلى الثانية معطوفاً على (كتب) المقدر، وتعقبه أبو حيان بأن ما اختاره من التفرقة غير مختار لأن جملة (كتب) لتأكيد ما قبلها، وهذه غير مؤكدة فلا ينبغي عطفها على المؤكدة بل على الجملة المؤسسة خصوصاً مع تناسبهما بالتحليل والتحريم، ونظر فيه الحلبـي، ولعل وجه النظر أن تحليل ما سوى ذلك مؤكد لتحريمه معنى، وما ذكر أمر استحساني رعاية لمناسبة ظاهرة {مَّا وَرَاء ذَٰلِكُمْ} إشارة إلى ما تقدم من المحرمات أي أحل لكم نكاح ما سواهن انفراداً وجمعاً، وفي إيثار اسم الإشارة على الضمير إشارة إلى مشاركة من في معنى المذكورات للمذكورات في حكم الحرمة فلا يرد حرمة الجمع بين المرأة وعمتها وكذا الجمع بين كل امرأتين أيتهما فرضت ذكراً لم تحل لها الأخرى كما بيّن في الفروع لأن تحريم من ذكر داخل فيما تقدم بطريق الدلالة كما مرت إليه الإشارة عن بعض المحققين، وحديث تخصيص هذا العموم بالكتاب والسنة مشهور. {أَن تَبْتَغُواْ} مفعول له لما دل عليه الكلام أي بين لكم تحريم المحرمات المذكورات وإحلال ما سواهن إرادة، وطلب أن تبتغوا والمفعول محذوف أي تبتغوا النساء، أو متروك أي تفعلوا الابتغاء {بِأَمْوٰلِكُمْ} بأن تصرفوها إلى مهورهن، أو بدل اشتمال من {مَّا وَرَاء ذَٰلِكُمْ} بتقدير المفعول ضميراً. وجوز بعضهم كون {مَا} عبارة عن الفعل كالتزوج والنكاح، وجعل هذا بدل كل من كل، والمروي عن ابن عباس تعميم الكلام بحيث يشمل صرف الأموال إلى المهور والأثمان {مُّحْصِنِينَ} حال من فاعل {تَبْتَغُواْ}، والمراد بالإحصان هنا العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما لا يرضي الله تعالى {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} حال من الضمير البارز، أو من الضمير المستكن وهي في الحقيقة حال مؤكدة، والسفاح الزنا من السفح وهو صب الماء وسمي الزنا به لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط لا النسل، وعن الزجاج المسافحة والمسافح: الزانيان اللذان لا يمتنعان من أحد، ويقال للمرأة إذا كانت تزني بواحد: ذات خدن، ومفعول الوصفين محذوف أي محصنين فروجكم أو نفوسكم غير مسافحين الزواني، وظاهر الآية حجة لمن ذهب إلى أن المهر لا بدّ وأن / يكون مالاً كالإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وقال بعض الشافعية: لا حجة في ذلك لأن تخصيص المال لكونه الأغلب المتعارف فيجوز النكاح على ما ليس بمال، ويؤيد ذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً خطب الواهبة نفسها للنبـي صلى الله عليه وسلم ماذا معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وكذا وعددهن قال: تقرأهن على ظهر قلبك؟ قال: نعم قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن»تفسير : ووجه التأييد أنه لو كان في الآية حجة لما خالفها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأجيب بأن كون القرآن معه لا يوجب كونه بدلاً والتعليم ليس له ذكر في الخبر فيجوز أن يكون مراده صلى الله عليه وسلم زوجتك تعظيماً للقرآن ولأجل ما معك منه ـ قاله بعض المحققين ـ ولعل في الخبر إشارة إليه. {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} (ما) إما عبارة عن النساء أو عما يتعلق بهن من الأفعال وعليهما فهي إما شرطية أو موصولة وأياً مّا كان فهي مبتدأ وخبرها على تقدير الشرطية فعل الشرط أو جوابه أو كلاهما وعلى تقدير الموصولية قوله تعالى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط ثم على تقدير كونها بمعنى النساء بتقديرية العائد إلى المبتدأ الضمير المنصوب في {فَآتُوهُنَّ} و (من) بيانية أو تبعيضية في موضع النصب على الحال من ضمير {بِهِ} واستعمال (ما) للعقلاء لأنه أريد بها الوصف كما مر غير مرة، وقد روعي في الضمير أولاً جانب اللفظ وأخيراً جانب المعنى، والسين للتأكيد لا للطلب، والمعنى فأي فرد أو فالفرد الذي تمتعتم به حال كونه من جنس النساء أو بعضهن فأعطوهن أجورهن، وعلى تقدير كونها عبارة عما يتعلق بهن ـ فمن ـ ابتدائية متعلقة بالاستمتاع بمعنى التمتع أيضاً و (ما) لما لا يعقل، والعائد إلى المبتدأ محذوف أي فأي فعل تمتعتم به من قبلهن من الأفعال المذكورة فآتوهن أجورهن لأجله أو بمقابلته، والمراد من الأجور المهور، وسمي المهر أجراً لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين {فَرِيضَةً} حال من الأجور بمعنى مفروضة أو صفة مصدر محذوف أي إيتاءاً مفروضاً، أو مصدر مؤكد أي فرض ذلك فريضة فهي كالقطيعة بمعنى القطع {وَلاَ جُنَاحَ} أي لا إثم {عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} من الحط عن المهر أو الإبراء منه أو الزيادة على المسمى، ولا جناح في زيادة الزيادة لعدم مساعدة {لا جُنَاحَ} إذا جعل الخطاب للأزواج تغليباً فإن أخذ الزيادة مظنة ثبوت المنفى للزوجة {مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} أي الشيء المقدر، وقيل: فيما تراضيتم به من نفقة ونحوها، وقيل: من مقام أو فراق، وتعقبه شيخ الإسلام بأنه لا يساعده ذكر الفريضة إذ لا تعلق لهما بها إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة، وقيل: الآية في المتعة وهي النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر، والمراد: ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب في عقد المتعة بأن يزيد الرجل في الأجر وتزيده المرأة في المدة، وإلى ذلك ذهبت الإمامية، والآية أحد أدلتهم على جواز المتعة، وأيدوا استدلالهم بها بأنها في حرف أبـيّ (فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى)، وكذلك قرأ ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم ـ والكلام في ذلك شهير ـ ولا نزاع عندنا في أنها أحلت ثم حرمت، وذكر القاضي عياض في ذلك كلاماً طويلاً، والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالاً قبل يوم خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس لاتصالهما، ثم حرمت يومئذٍ بعد ثلاث / تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة، واستمر التحريم، ولا يجوز أن يقال: إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم خيبر للتأبيد وإن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم إباحة يوم الفتح إذ الأحاديث الصحيحة تأبـى ذلك، وفي «صحيح مسلم» ما فيه مقنع. وحكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يقول بحلها ثم رجع عن ذلك حين قال له علي كرم الله تعالى وجهه: إنك رجل تائه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة كذا قيل، وفي «صحيح مسلم» ما يدل على أنه لم يرجع حين قال له عليّ ذلك، فقد أخرج عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه قام بمكة فقال: إن ناساً أعمى الله تعالى قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل ـ يعني ابن عباس ـ كما قال النووي، فناداه فقال إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين ـ يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقال له ابن الزبير: فجرب نفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك فإن هذا إنما كان في خلافة عبد الله بن الزبير، وذلك بعد وفاة علي كرم الله تعالى وجهه، فقد ثبت أنه مستمر القول على جوازها لم يرجع إلى قول الأمير كرم الله تعالى وجهه، وبهذا قال العلامة ابن حجر في «شرح المنهاج»، فالأولى أن يحكم بأنه رجع بعد ذلك بناءاً على ما رواه الترمذي والبيهقي والطبراني عنه أنه قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شأنه» حتى نزلت الآية {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] فكل فرج سواهما فهو حرام، ويحمل هذا على أنه اطلع على أن الأمر إنما كان على هذا الوجه فرجع إليه وحكاه، وحكي عنه أيضاً أنه إنما أباحها حالة الاضطرار والعنت في الأسفار، فقد روي عن ابن جبير أنه قال: قلت لابن عباس: لقد سارت بفتياك الركبان، وقال فيها الشعراء قال: وما قالوا؟ قلت: قالوا:شعر : قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس تفسير : فقال: سبحان الله! ما بهذا أفتيت وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير، ولا تحل إلا للمضطر، ومن هنا قال الحازمي: إنه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباحها لهم وهم في بيوتهم وأوطانهم، وإنما أباحها لهم في أوقات بحسب الضرورات حتى حرمها عليهم في آخر الأمر تحريم تأبيد، وأما ما روي أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبـي بكر وعمر حتى نهى عنها عمر فمحمول على أن الذي استمتع لم يكن بلغه النسخ، ونهي عمر كان لإظهار ذلك حيث شاعت المتعة ممن لم يبلغه النهي عنها؛ ومعنى ـ أنا محرمها ـ في كلامه إن صح مظهر تحريمها لا منشئه كما يزعمه الشيعة، وهذه الآية لا تدل على الحل، والقول بأنها نزلت في المتعة غلط، وتفسير البعض لها بذلك غير مقبول لأن نظم القرآن الكريم يأباه حيث بين سبحانه أولاً المحرمات ثم قال عز شأنه: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوٰلِكُمْ} وفيه شرط بحسب المعنى فيبطل تحليل الفرج وإعارته، وقد قال بهما الشيعة، ثم قال جل وعلا: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني فبطلت المتعة بهذا القيد لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض، ولذا تجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب، وفي كل سنة بحجر ملاعب، فالإحصان غير حاصل في امرأة المتعة أصلاً ولهذا قالت الشيعة: إن المتمتع الغير الناكح / إذا زنى لا رجم عليه، ثم فرع سبحانه على حال النكاح قوله عز من قائل: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ} وهو يدل على أن المراد بالاستمتاع هو الوطء والدخول لا الاستمتاع بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة، والقراءة التي ينقلونها عمن تقدم من الصحابة شاذة. وما دل على التحريم كآية {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ } تفسير : [المؤمنون: 6] قطعي فلا تعارضه، على أن الدليلين إذا تساويا في القوة وتعارضا في الحل والحرمة قدم دليل الحرمة منهما، وليس للشيعة أن يقولوا: إن المرأة المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه، أو زوجة لانتفاء جميع لوازم الزوجية ـ كالميراث والعدة والطلاق والنفقة ـ فيها، وقد صرح بذلك علماؤهم. وروى أبو نصير منهم في «صحيحه» عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن امرأة المتعة أهي من الأربع؟ قال: لا ولا من السبعين، وهو صريح في أنها ليست زوجة وإلا لكانت محسوبة في الأربع، وبالجملة الاستدلال بهذه الآية على حل المتعة ليس بشيء كما لا يخفى. ولا خلاف الآن بين الأئمة وعلماء الأمصار إلا الشيعة في عدم جوازها، ونقل الحل عن مالك رحمه الله تعالى غلط لا أصل له بل في حد المتمتع روايتان عنه، ومذهب الأكثرين (أنه لا يحد لشبهة العقد وشبهة الخلاف، ومأخذ الخلاف على ما قال النووي ـ اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف وتصير المسألة مجمعاً عليها؟ فبعض قال: لا يرفعه بل يدوم الخلاف ولا تصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليها أبداً، وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني)، وقال آخرون: بأن الإجماع اللاحق يرفع الخلاف السابق وتمامه في الأصول؛ وحكى بعضهم عن زفر أنه قال: من نكح نكاح متعة تأبد نكاحه ويكون ذكر التأجيل من باب الشروط الفاسدة في النكاح وهي ملغية فيها، والمشهور في «كتب أصحابنا» أنه قال ذلك في النكاح المؤقت ـ وفي كونه عين نكاح المتعة ـ بحث، فقد قال بعضهم باشتراط الشهود في المؤقت وعدمه في المتعة، ولفظ التزويج أو النكاح في الأول، وأستمتع أو أتمتع في الثاني، وقال آخرون: النكاح المؤقت من أفراد المتعة، وذكر ابن الهمام أن النكاح لا ينعقد بلفظ المتعة، وإن قصد به النكاح الصحيح المؤبد وحضر الشهود لأنه لا يصلح مجازاً عن معنى النكاح كما بينه في «المبسوط». بقي ما لو نكح مطلقاً ونيته أن لا يمكث معها إلا مدة نواها فهل يكون ذلك نكاحاً صحيحاً حلالياً أم لا؟ الجمهور على الأول (بل حكى القاضي الإجماع عليه، وشذ الأوزاعي فقال: هو نكاح متعة ولا خير فيه) فينبغي عدم نية ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} بما يصلح أمر الخلق {حَكِيماً} فيما شرع لهم، ومن ذلك عقد النكاح الذي يحفظ الأموال والأنساب.

سيد قطب

تفسير : هذا الدرس تكملة لما جاء في هذه السورة عن تنظيم الأسرة, على قواعد الفطرة، ولا يعود السياق بعد ذلك إلا في موضعين لبيان بعض الأحكام التكميلية في هذا الموضوع الأساسي الهام، الذي يترتب على تنظيمه جريان الحياة الإنسانية في مجراها الفطري الهادىء الصالح، كما يترتب على انحرافها عنه فساد في الأرض كبير. وهذا الدرس يتضمن تكملة لبيان المحرمات من النساء. ثم يحدد الطريقة التي يحب الله أن يجتمع عليه الرجال والنساء في مؤسسة الأسرة النظيفة. ويكشف عما في هذه الطريقة من تيسير على الناس وتخفيف، إلى جانب نظافتها وطهارتها. ويقرر القواعد التنظيمية التي تقوم عليها تلك المؤسسة الأساسية، والحقوق والواجبات الملقاة على عاتق الطرفين المتعاقدين فيها. وإلى جانب هذا التنظيم في الأسرة يتطرق إلى شيء من التنظيم لبعض علاقات المجتمع المسلم في الأموال؛ فيبين حقوق الرجال والنساء، في المال المكتسب، والمال الموروث. وما يتبع كذلك في تصفية ما كان من عقود التوارث بالولاء بين غير الأقارب. ومما يلاحظ - بوجه عام - أن السياق يربط ربطاً دقيقاً بين هذه التنظيمات والأحكام وبين الأصل الأول الكبير للإيمان: وهو أن هذه التنظيمات والأحكام صادرة من الله. وهي مقتضى ألوهيته. فأخص خصائص الألوهية - كما كررنا ذلك في مطلع السورة - هو الحاكمية، والتشريع للبشر، ووضع الأسس التي تقوم عليها حياتهم وارتباطاتهم. والسياق ما يني يكرر هذا الارتباط الدقيق؛ وينبه إلى هذه الخاصية من خصائص الألوهية. ويكرر كذلك الإشارة إلى صدور هذه التنظيمات عن العليم الحكيم.. وهي إشارة ذات مغزى.. فالأمر في هذا المنهج الإلهي كله هو قبل كل شيء أمر العلم الشامل الكامل، والحكمة المدركة البصيرة.. هذه الخصائص الإلهية التي يفقدها الإنسان، فلا يصلح بعدها أبداً لوضع المنهج الأساسي لحياة الإنسان! ومن هنا شقوة الإنسان في الأرض كلما حاد عن منهج العليم الحكيم، وراح يخبط في التيه بلا دليل، ويزعم أنه قادر، بجهله وطيشه وهواه، أن يختار لنفسه ولحياته خيراً مما يختاره الله!!! والأمر الآخر الذي يؤكده سياق الدرس ويكرره: هو أن منهج الله هذا أيسر على الإنسان وأخف وأقرب إلى الفطرة، من المناهج التى يريدها البشر ويهوونها، وأنه من رحمة الله بضعف الإنسان أن يشرع له هذا المنهج، الذي تكلفه الحيدة عنه عنتاً ومشقة، فوق ما تكلفه من هبوط وارتكاس. وسنرى - عند استعراض النصوص بالتفصيل - مصداق هذه الحقيقة في واقع البشر التاريخي وهي حقيقة واضحة في هذا الواقع، لولا أن الهوى يطمس القلوب، ويعمي العيون، عندما ترين الجاهلية على القلوب والعيون! "والمحصنات من النساء - إلا ما ملكت أيمانكم - كتاب الله عليكم - وأحل لكم - ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين. فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. إن الله كان عليماً حكيماً. ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات - والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض - فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بالمعروف، محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان. فإذا أحصن، فإن أتين بفاحشة، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب - ذلك لمن خشي العنت منكم - وأن تصبروا خير لكم، والله غفور رحيم. يريد الله ليبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم، ويتوب عليكم، والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً".. لقد سبق في نهاية الجزء الرابع بيان المحرمات من النساء حرمة ذاتية. وذلك في قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء - إلا ما قد سلف - إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً. حرمت عليكم أمهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعماتكم، وخالاتكم، وبنات الأخ، وبنات الأخت، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم - وحلائل أبنائكم - الذين من أصلابكم - وأن تجمعوا بين الأختين - إلا ما قد سلف - إن الله كان غفوراً رحيماً". أما هذه التكملة: "والمحصنات من النساء..." فتتعلق بالمحرمات لأنهن في عصمة رجال آخرين. محصنات بالزواج منهم: فهن محرمات على غير أزواجهن، لا يحل نكاحهن... وذلك تحقيقاً للقاعدة الأولى في نظام المجتمع الإسلامي، من قيامه على قاعدة الأسرة، وجعلها وحدة المجتمع، وصيانة هذه الأسرة من كل شائبة، ومن كل اختلاط في الأنساب، ينشأ من "شيوعية" الاتصال الجنسي، أو ينشأ من انتشار الفاحشة، وتلوث المجتمع بها. والأسرة القائمة على الزواج العلني، الذي تتخصص فيه امرأة بعينها لرجل بعينه، ويتم به الإحصان - وهو الحفظ والصيانة - هي أكمل نظام يتفق مع فطرة "الإنسان" وحاجاته الحقيقية، الناشئة من كونه إنساناً، لحياته غاية أكبر من غاية الحياة الحيوانية - وإن كانت تتضمن هذه الغاية في ثناياها - ويحقق أهداف المجتمع الإنساني، كما يضمن لهذا المجتمع السلم المطمئنة: سلم الضمير. وسلم البيت. وسلم المجتمع في نهاية المطاف. والملاحظ بصفة ظاهرة، أن الطفل الإنساني يحتاج إلى فترة رعاية أطول من الفترة التي يحتاج إليها طفل أي حيوان آخر. كما أن التربية التي يحتاج إليها ليصبح قادراً على إدراك مقتضيات الحياة الإنسانية الاجتماعية المترقية - التي يتميز بها الإنسان - تمتد إلى فترة طويلة أخرى. وإذا كانت غاية الميل الجنسي في الحيوان تنتهي عند تحقيق الاتصال الجنسي والتناسل والإكثار، فإنها في الإنسان لا تنتهي عند تحقيق هذا الهدف، إنما هي تمتد إلى هدف أبعد هو الارتباط الدائم بين الذكر والأنثى - بين الرجل والمرأة - ليتم إعداد الطفل الإنساني لحماية نفسه وحفظ حياته، وجلب طعامه وضرورياته، كما يتم - وهذا هو الأهم بالنسبة لمقتضيات الحياة الإنسانية - تربية هذا الطفل وتزويده برصيد من التجارب الإنسانية والمعرفة الإنسانية يؤهله للمساهمة في حياة المجتمع الإنساني، والمشاركة في حمل تبعته من اطراد الترقي الإنساني عن طريق الأجيال المتتابعة. ومن ثم لم تعد اللذة الجنسية هي المقوم الأول في حياة الجنسين في عالم الإنسان؛ إنما هي مجرد وسيلة ركبتها الفطرة فيهما ليتم الالتقاء بينهما ويطول بعد الاتصال الجنسي للقيام بواجب المشاركة في اطراد نمو النوع. ولم يعد "الهوى" الشخصي هو الحكم في بقاء الارتباط بين الذكر والأنثى. إنما الحكم هو "الواجب"... واجب النسل الضعيف الذي يجيء ثمرة للالتقاء بينهما، وواجب المجتمع الإنساني الذي يحتم عليهما تربية هذا النسل إلى الحد الذي يصبح معه قادراً على النهوض بالتبعة الإنسانية، وتحقيق غاية الوجود الإنساني. وكل هذه الاعتبارات تجعل الارتباط بين الجنسين على قاعدة الأسرة، هو النظام الوحيد الصحيح. كما تجعل تخصيص امرأة لرجل هو الوضع الصحيح الذي تستمر معه هذه العلاقة. والذي يجعل "الواجب" لا مجرد اللذة ولا مجرد الهوى، هو الحكم في قيامها، ثم في استمرارها، ثم في معالجة كل مشكلة تقع في أثنائها، ثم عند فصم عقدتها عند الضرورة القصوى. وأي تهوين من شأن روابط الأسرة، وأي توهين للأساس الذي تقوم عليه - وهو "الواجب" لإحلال "الهوى" المتقلب، و "النزوة" العارضة، و "الشهوة" الجامحة محله، هي محاولة آثمة، لا لأنها تشيع الفوضى والفاحشة والانحلال في المجتمع الإنساني فحسب، بل كذلك لأنها تحطم هذا المجتمع؛ وتهدم الأساس الذي يقوم عليه. ومن هنا ندرك مدى الجريمة التي تزاولها الأقلام والأجهزة الدنسة، المسخرة لتوهين روابط الأسرة، والتصغير من شأن الرباط الزوجي, وتشويهه وتحقيره، للإعلاء من شأن الارتباطات القائمة على مجرد الهوى المتقلب، والعاطفة الهائجة، والنزوة الجامحة. وتمجيد هذه الارتباطات، بقدر الحط من الرباط الزوجي! كما ندرك مدى الحكمة والعمق في قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لرجل أراد أن يطلق زوجته، معللاً ذلك بأنه لم يعد يحبها: "ويحك! ألم تبن البيوت إلا على الحب؟ فأين الرعاية؟ وأين التذمم؟".. مستمداً قولته هذه من توجيه الله سبحانه وتربية القرآن الكريم لتلك الصفوة المختارة من عباده: {أية : وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً} تفسير : وذلك للإمساك بالبيوت - ما أمكن - ومقاومة نزوات القلوب، وعلاجها حتى تفيء، وعدم بت هذه الصلة إلا حين تفلس المجادلات كلها، رعاية للجيل الناشىء في هذه البيوت؛ وصيانة لها من هزات العاطفة المتقلبة، والنزوة الجامحة، والهوى الذاهب مع الريح! وفي ظل هذه النظرة السامية العميقة، تتبدى التفاهة والسطحية فيما ينعق به اليوم أولئك المائعون، وهم يمجدون كل ارتباط إلا الارتباط الذي يحكم الواجب، والذي يرعى أمانة الجنس البشري كله، وهي تنشئة أجيال تنهض بمقتضيات الحياة الإنسانية المترقية، وتحكيم مصلحة هذه الأجيال، لا مصلحة العواطف الوقتية الزائلة! إن أقلاماً دنسة رخيصة وأجهزة خبيثة لئيمة توحي لكل زوجة ينحرف قلبها قليلاً عن زوجها أن تسارع إلى خدين؛ ويسمون ارتباطها بخدينها هذا "رباطاً مقدساً"! بينما يسمون ارتباطها بذلك الزوج "عقد بيع للجسد"! والله سبحانه يقول: في بيان المحرمات من النساء: "والمحصنات من النساء".. فيجعلهن "محرمات". هذا قول الله. وذلك قول المائعين المسخرين لتحطيم هذا المجتمع ونشر الفاحشة فيه... {أية : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل }. تفسير : إن جهوداً منظمة موجهة تبذل لإنشاء موازين وقيم وتصورات للمجتمع غير تلك التي يريدها الله. ولإقامة أسس للحياة والارتباطات غير تلك التي أقامها الله. ولتوجيه الناس والحياة وجهة غير التي قررها الله.. والموجهون لهذه الجهود يحسبون أنهم ينتهون إلى تحطيم قواعد المجتمع الإسلامي، وتدمير حياة المسلمين في الأوطان الإسلامية، حتى لا تبقى أمامهم حواجز تصد أطماعهم القديمة في هذه الأوطان، بعد أن تنهار عقائدها، وتنهار أخلاقها، وتنهار مجتمعاتها.. ولكن الكارثة أبعد من هذا مدى.. إنها تحطيم قواعد المجتمع الإنساني كله - لا المجتمع الإسلامي وحده - تحطيم قواعد الفطرة التي تقوم عليها حياة الإنسان. وحرمان المجتمع البشري من العناصر التي تحمل أمانته الكبرى. أمانة الحياة الإنسانية المترقية. وذلك بحرمانه من الأطفال المؤهلين - في جو الأسرة الهادىء، المطمئن، الآمن من عواصف الشهوات الجامحة، والنزوات المتقلبة والهوى الذاهب مع الريح - للنهوض بأمانة الجنس البشري كله. وهي شيء آخر غير مجرد التناسل الحيواني! وغير مجرد الالتقاء الشهواني على أساس "العواطف" وحدها وتنحية "الواجب" المطمئن الثابت الهادىء! وهكذا تحق اللعنة على الجنس البشري كله، إذ يحطم نفسه بنفسه؛ ويدمر الجيل الحاضر منه مستقبل الأجيال القادمة. لتحقيق لذاته هو، وشهواته هو، وعلى الأجيال القادمة اللعنة. وتحق كلمة الله على الخارجين على كلمته وفطرته وتوجيهه. ويذوق الجنس البشري كله وبال أمره. إلا أن يرحمه الله بالعصبة المؤمنة التي تقر كلمة الله ومنهجه في الأرض، وتأخذ بيد الناس إليها؛ وتعصمهم من الشر الماحق الذي يهيئونه لأنفسهم بأيديهم. وهم يحسبون أنهم فقط إنما يحطمون الأوطان الإسلامية، لتنهار حواجزها بتلك الجهود الموجهة الخبيثة! التي تتولاها أقلام وأجهزة من داخل هذه الأوطان ذاتها. "والمحصنات من النساء - إلا ما ملكت أيمانكم..". وهذا الاستثناء يتعلق بالسبايا اللواتي كن يؤخذن أسيرات في حروب الجهاد الإسلامي وهن متزوجات في دار الكفر والحرب. حيث تنقطع علاقاتهن بأزواجهن الكفار، بانقطاع الدار. ويصبحن غير محصنات. فلا أزواج لهن في دار الإسلام. ومن ثم يكفي استبراء أرحامهن بحيضة واحدة؛ يظهر منها خلو أرحامهن من الحمل. ويصبح بعدها نكاحهن حلالا - إن دخلن في الإسلام - أو أن يباشرهن من غير عقد نكاح من يقعن في سهمه، باعتبارهن ملك يمين، سواء أسلمن أم لم يسلمن. ولقد سبق لنا في الجزء الثاني من هذه الظلال، بيان موقف الإسلام من مسألة الرق بجملتها.. كذلك ورد بيان آخر عند تفسير قوله تعالى:{أية : حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق؛ فإما منّاً بعد وإما فداء؛ حتى تضع الحرب أوزارها} تفسير : .. في سورة "محمد" في الجزء السادس والعشرين فيرجع إليهما في مواضعهما. ونكتفي هنا بالقول: بأن المعسكر الإسلامي كان يعامل أعداءه في مسألة استرقاق الأسرى في الحرب كما يعاملونه من حيث مبدأ الرق، ويفضلهم في نوع معاملته للرقيق وفي اعتبار إنسانيته فضلاً كبيراً. ولم يكن له بد من ذلك. حيث كان استرقاق الأسرى نظاماً عالمياً لا يملك الإسلام إبطاله من جانب واحد. وإلا كان الأسرى من المسلمين يصبحون رقيقاً؛ بينما الأسرى من الكفار يصبحون أحراراً، فترجح كفة المعسكرات الكافرة على المعسكر الإسلامي، وتطمع هذه المعسكرات في مهاجمته وهي آمنة مطمئنة من عواقب الهجوم، بل وهي رابحة غانمة! ومن ثم لم يكن بد من أن تكون هناك سبايا كوافر في المجتمع المسلم. فكيف يصنع بهن؟ إن الفطرة لا تكتفي بأن يأكلن ويشربن. فهناك حاجة فطرية أخرى لا بد لهن من إشباعها وإلا التمسنها في الفاحشة التي تفسد المجتمع كله وتدنسه! ولا يجوز للمسلمين أن ينكحوهن وهن مشركات. لتحريم الارتباط الزوجي بين مسلم ومشركة فلا يبقى إلا طريق واحد هو إحلال وطئهن بلا نكاح ما دمن مشركات، بعد استبراء أرحام المتزوجات منهن؛ وانقطاع صلتهن بأزواجهن في دار الكفر والحرب. وقبل أن يمضي السياق القرآني في تقرير ما يحل بعد تلك المحرمات، يربط بين أصل التحريم والتحليل ومصدر التحريم والتحليل. المصدر الذي ليس لغيره أن يحرم أو يحلل؛ أو يشرع للناس شيئاً في أمور حياتهم جميعاً: "كتاب الله عليكم".. هذا عهد الله عليكم وميثاقه وكتابه.. فليست المسألة هوى يتبع، أو عرفاً يطاع، أو موروثات بيئة تتحكم.. إنما هو كتاب الله وعهده وميثاقه.. فهذا هو المصدر الذي تتلقون منه الحل والحرمة؛ وترعون ما يفرضه عليكم وما يكتبه، وتطالبون بما كتب عليكم وما عهد إليكم كذلك. ومما يلاحظ أن معظم المحرمات التي حرمها القرآن في الآيات السابقة، كانت محرمة في الجاهلية ولم يكن يباح منها في عرف الجاهلية إلا ما نكح الآباء، والجمع بين الأختين - على كره من العرف الجاهلي ذاته لنكاح زوجات الآباء. وقد كان يسمى عندهم "مقيتاً" نسبة إلى المقت! ولكن لما جاء القرآن يقرر حرمة هذه المحرمات، لم يرجع في تحريمها إلى عرف الجاهلية هذا، إنما قال الله سبحانه: "كتاب الله عليكم".. هذه لمسة تقتضي الوقوف أمامها لبيان حقيقة الأصل الاعتقادي في الإسلام، وحقيقة الأصل الفقهي. فهذا البيان يفيدنا في أمور كثيرة في حياتنا الواقعية: إن الإسلام يعتبر أن الأصل الوحيد الذي يقوم عليه التشريع للناس هو أمر الله وإذنه. بإعتبار أنه هو مصدر السلطان الأول والأخير. فكل ما لم يقم ابتداء على هذا الأصل فهو باطل بطلاناً أصلياً، غير قابل للتصحيح المستأنف. فالجاهلية بكل ما فيها - والجاهلية هي كل وضع لا يستمد وجوده من ذلك الأصل الوحيد الصحيح - باطلة بطلاناً أصلياً. باطلة بكل تصوراتها وقيمها وموازينها وعرفها وتقاليدها وشرائعها وقوانينها. والإسلام حين يسيطر على الحياة ويصرفها، يأخذ الحياة جملة، ويأخذ الأمر جملة؛ فيسقط ابتداء كل أوضاع الجاهلية وكل قيمها، وكل عرفها، وكل شرائعها؛ لأنها باطلة بطلاناً أصلياً غير قابل للتصحيح المستأنف.. فإذا أقر عرفاً كان سائداً في الجاهلية، فهو لا يقره بأصله الجاهلي؛ مستنداً إلى هذا الأصل. إنما هو يقرره ابتداء بسلطانه المستمد من أمر الله وإذنه. أما ذلك الذي كان في الجاهلية فقد سقط ولم يعد له وجود من الناحية الشرعية. كذلك حين يحيل الفقه الإسلامي على "العرف" في بعض المسائل فهو يمنح العرف ابتداء سلطاناً من عنده هو - بأمر الله - فتصبح للعرف - في هذه المسائل - قوة الشريعة، استمداداً من سلطان الشارع - وهو الله - لا استمداداً من الناس ومن البيئة التي تواضعت على هذا العرف من قبل. فليس تواضع البيئة على هذا العرف هو الذي يمنحه السلطان.. كلا.. إنما الذي يمنحه السلطان هو اعتبار الشارع إياه مصدراً في بعض المسائل. وإلا بقي على بطلانه الأصلي، لأنه لم يستمد من أمر الله. وهو وحده مصدر السلطان. وهو يقول عما كانت الجاهلية تشرعه مما لم يأذن به الله: {أية : أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟}تفسير : فيشير إلى أن الله وحده هو الذي يشرع. فهل لهم آلهة شرعت لهم ما لم يأذن به الله؟ هذا الأصل الكبير، الذي تشير إليه هذه اللمسة: "كتاب الله عليكم" تقرره وتؤكده النصوص القرآنية في كل مناسبات التشريع، فما من مرة ذكر القرآن تشريعاً إلا أشار إلى المصدر الذي يجعل لهذا التشريع سلطاناً. أما حين يشير إلى شرائع الجاهلية وعرفها وتصوراتها فهو يردفها غالباً بقوله: {أية : ما أنزل الله بها من سلطان} تفسير : لتحريرها من السلطان ابتداء، وبيان علة بطلانها، وهي كونها لم تصدر من ذلك المصدر الوحيد الصحيح. وهذا الأصل الذي نقرره هنا هو شيء آخر غير الأصل المعروف في التشريع الإسلامي. من أن الأصل في الأشياء الحل، ما لم يرد بتحريمها نص، فكون الأصل في الاشياء الحل، إنما هو كذلك بأمر الله وإذنه، فهو راجع إلى الأصل الذي قررناه ذاته، إنما نحن نتحدث عما تشرعه الجاهلية لنفسها دون رجوع إلى ما شرعه الله. وهذا الأصل فيه البطلان جملة وكلية، حتى يقرر شرع الله ما يرى تقريره منه من جديد، فيكتسب منذ أن يرد في شرع الله المشروعية والسلطان. فإذا انتهى السياق من بيان المحرمات، وربطها بأمر الله وعهده، أخذ في بيان المجال الذي يملك فيه الناس أن يلبوا دوافع فطرتهم في التزاوج؛ والطريقة التي يحب الله أن يلتقي بها أفراد الجنسين لتكوين البيوت؛ وإقامة مؤسسات الأسرة، والمتاع بهذا الالتقاء في نظافة وطهر وجد تليق بهذا الأمر العظيم: {وأحل لكم - ما وراء ذلكم - أن تبتغوا بأموالكم.. محصنين غير مسافحين.. فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن - فريضة - ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة. إن الله كان عليماً حكيماً}.. ففيما وراء هذه المحرمات المذكورة فالنكاح حلال، وللراغبين فيه أن يبتغوا النساء، بأموالهم - أي لأداء صداقهن - لا لشراء أعراضهن بالأموال من غير نكاح! ومن ثم قال: {محصنين غير مسافحين}.. وجعلها قيداً وشرطاً للابتغاء بالأموال، قبل أن يتم الجملة، وقبل أن يمضي في الحديث. ولم يكتف بتقرير هذا القيد في صورته الإيجابية المثبته: {محصنين} بل أردفها بنفي الصورة الأخرى: {غير مسافحين} زيادة في التوكيد والإيضاح، في معرض التشريع والتقنين.. ثم لكي يرسم صورة لطبيعة العلاقة الأولى التي يحبها ويريدها.. علاقة النكاح.. وصورة لطبيعة العلاقة الأخرى التي يكرهها وينفيها.. علاقة المخادنة أو البغاء.. وقد كانت هذه وتلك معروفة في مجتمع الجاهلية، ومعترفاً بها كذلك من المجتمع! جاء في حديث عائشة - رضي الله عنها -: "ان النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم. يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته. فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته - إذا طهرت من طمثها - أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبداً حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر. يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان. تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك" فالنوعان الثالث والرابع هما السفاح الذي ينص على نفيه - سواء منه المخادنة والبغاء - والأول هو الإحصان الذي ينص على طلبه.. أما الثاني فما ندري كيف نسميه!!! والقرآن يصور طبيعة النوع الذي يريده الله.. فهو إحصان.. هو حفظ وصيانة.. هو حماية ووقاية.. هو إحصان للرجل وإحصان للمرأة. ففي هذه القراءة "محصِنين" بصيغة اسم الفاعل، وفي قراءة أخرى: "محصَنين" بصيغة اسم المفعول. وكلا المعنيين يتحقق في هذه الصورة النظيفة القويمة العفيفة. وهو إحصان للبيت والأسرة والأطفال. إحصان لهذه المؤسسة التي تقوم على هذا الأساس ثابتة راسخة وطيدة. والآخر: سفاح.. مفاعلة من السفح، وهو إراقة الماء في المنحدر الواطىء! مسافحة يشترك فيها الرجل والمرأة، فيريقان ماء الحياة، الذي جعله الله لامتداد النوع، ورقيه، عن طريق اشتراك الرجل والمرأة في إنجاب الذرية وتربيتها وحضانتها وصيانتها. فإذا هما يريقانه للذة العابرة، والنزوة العارضة، يريقانه في السفح الواطىء! فلا يحصنهما من الدنس، ولا يحصن الذرية من التلف، ولا يحصن البيت من البوار! وهكذا يرسم التعبير القرآني صورتين كاملتين لنوعين من الحياة؛ في كلمتين اثنتين. ويبلغ غايته من تحسين الصورة التي يرتضيها، وتبشيع الصورة التي لا يرتضيها، بينما هو يقرر حقيقة كل من الصورتين في واقع الحياة. وذلك من بدائع التعبير في القرآن. فإذا انتهى من هذا القيد للابتغاء بالأموال. عاد ليقرر كيف يُبتغى بالأموال: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضةْ}. فهو يجعل صداق المرأة فريضة لها مقابل الاستمتاع بها. فمن أراد أن يستمتع بامرأة من الحلائل - وهن ما وراء ذلكم من المحرمات - فالطريق هو ابتغاؤها للإحصان - أي عن طريق النكاح (الزواج) لا عن أي طريق آخر - وعليه أن يؤدي لها صداقها حتماً مفروضاً، لا نافلة، ولا تطوعاً منه، ولا إحساناً، فهو حق لها عليه مفروض. وليس له أن يرثها وراثة بلا مقابل - كما كان يقع في بعض الأحوال في الجاهلية - وليس له أن يقايض عليها مقايضة كما كان يقع في زواج الشغار في الجاهلية. وهو أن يتزوج الرجل امرأة في مقابل أن يدفع لوليها امرأة من عنده! كأنهما بهيمتان! أو شيئان! وبعد تقرير هذا الحق للمرأة وفرضيته، يدع الباب مفتوحاً لما يتراضى عليه الزوجان بينهما وفق مقتضيات حياتهما المشتركة، ووفق مشاعرهما وعواطفهما أحدهما تجاه الآخر: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}. فلا حرج عليهما في أن تتنازل الزوجة عن مهرها - كله أو بعضه - بعد بيانه وتحديده. وبعد أن أصبح حقاً لها خالصاً تتصرف فيه كما تتصرف في سائر أموالها بحرية - ولا جناح عليهما في أن يزيدها الزوج على المهر، أو يزيدها فيه. فهذا شأنه الخاص. وهذا شأنهما معاً يتراضيان عليه في حرية وسماحة. ثم يجيء التعقيب. يربط هذه الأحكام بمصدرها؛ ويكشف عما وراءها من العلم الكاشف، والحكمة البصيرة: {إن الله كان عليماً حكيماً}.. فهو الذي شرع هذه الأحكام. وهو الذي شرعها عن علم وعن حكمة.. فيعرف ضمير المسلم من أين يتلقى الأحكام في كل شأن من شئون حياته - وأخصها هذا الذي بينه وبين زوجه - ويطمئن إلى ما يتلقاه من هذه الأحكام، الصادرة عن العلم وعن الحكمة {إن الله كان عليماً حكيماً}... فإذا كانت ظروف المسلم تحول بينه وبين الزواج من حرة تحصنها الحرية وتصونها، فقد رخص له في الزواج من غير الحرة، إذا هو لم يصبر حتى يستطيع الزواج من حرة، وخشي المشقة؛ أو خشي الفتنة: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات - والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض - فانكحوهن بإذن أهلهن؛ وآتوهن أجورهن بالمعروف - محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان - فإذا أحصن. فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب. ذلك لمن خشي العنت منكم. وأن تصبروا خير لكم. والله غفور رحيم}. إن هذا الدين يتعامل مع "الإنسان" في حدود فطرته، وفي حدود طاقته. وفي حدود واقعه، وفي حدود حاجاته الحقيقية.. وحين يأخذ بيده ليرتفع به من حضيض الحياة الجاهلية إلى مرتقى الحياة الإسلامية لا يغفل فطرته وطاقته وواقعه وحاجاته الحقيقية، بل يلبيها كلها وهو في طريقه إلى المرتقى الصاعد.. إنه فقط لا يعتبر واقع الجاهلية هو الواقع الذي لا فكاك منه. فواقع الجاهلية هابط، وقد جاء الإسلام ليرفع البشرية من وهدة هذا الواقع! إنما هو يعتبر واقع "الإنسان" في فطرته وحقيقته.. واقتدار الإنسان على الترقي واقع من هذا الواقع.. فليس الواقع فقط هو مجرد تلبطه في وحل الجاهلية.. أية جاهلية.. فمن الواقع كذلك مقدرته - بما ركب في فطرته - على الصعود والتسامي عن ذلك الوحل أيضاً! والله - سبحانه - هو الذي يعلم "واقع الإنسان" كله، لأنه يعلم "حقيقة الإنسان" كلها. هو الذي خلقه ويعلم ما توسوس به نفسه.. {أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } تفسير : وقد كان في المجتمع المسلم الأول رقيق يتخلف من الحروب؛ ريثما يتم تدبير أمره.. إما بإطلاق سراحه امتناناً عليه بلا مقابل. وإما فداء مقابل إطلاق سراح أسارى المسلمين، أو مقابل مال - حسب الملابسات والظروف المنوعة فيما بين المسلمين وأعدائهم المحاربين - وقد عالج الإسلام هذا الواقع بإباحة مباشرة ملك اليمين - كما جاء في الآية السابقة - لمن هن ملك يمينه. لمواجهة واقع فطرتهن كما أسلفنا. مباشرتهن إما بزواج منهن - إن كن مؤمنات - أو بغير زواج، بعد استبراء أرحام المتزوجات منهن في دار الحرب، بحيضة واحدة.. ولكنه لم يبح لغير سادتهن مباشرتهن إلا أن يكون ذلك عن طريق الزواج. لم يبح لهن أن يبعن أعراضهن في المجتمع لقاء أجر؛ ولا أن يسرحهن سادتهن في المجتمع يزاولن هذه الفاحشة لحسابهم كذلك! وفي هذه الآية ينظم طريقة نكاحهن والظروف المبيحة لهذا النكاح: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}.. إن الإسلام يؤثر الزواج من حرة في حالة الطول - أي القدرة على نكاح الحرة - ذلك أن الحرة تحصنها الحرية؛ وتعلمها كيف تحفظ عرضها، وكيف تصون حرمة زوجها. فهن "محصنات" هنا - لا بمعنى متزوجات، فقد سبق تحريم نكاح المتزوجات - ولكن بمعنى حرائر، محصنات بالحرية؛ وما تسبغه على الضمير من كرامة، وما توفره للحياة من ضمانات. فالحرة ذات أسرة وبيت وسمعة ولها من يكفيها، وهي تخشى العار، وفي نفسها أنفة وفي ضميرها عزة، فهي تأبى السفاح والانحدار. ولا شيء من هذا كله لغير الحرة. ومن ثم فهي ليست محصنة، وحتى إذا تزوجت، فإن رواسب من عهد الرق تبقى في نفسها، فلا يكون لها الصون والعفة والعزة التي للحرة. فضلاً على أنه ليس لها شرف عائلي تخشى تلويثه.. مضافاً إلى هذا كله أن نسلها من زوجها كان المجتمع ينظر إليهم نظرة أدنى من أولاد الحرائر. فتعلق بهم هجنة الرق في صورة من الصور.. وكل هذه الاعتبارات كانت قائمة في المجتمع الذي تشرع له هذه الآية.. لهذه الاعتبارات كلها آثر الإسلام للمسلمين الأحرار ألا يتزوجوا من غير الحرائر، إذا هم استطاعوا الزواج من الحرائر. وجعل الزواج من غير الحرة رخصة في حالة عدم الطول. مع المشقة في الانتظار. ولكن إذا وجدت المشقة، وخاف الرجال العنت. عنت المشقة أو عنت الفتنة. فإن الدين لا يقف أمامهم يذودهم عن اليسر والراحة والطمأنينة. فهو يحل - إذن - الزواج من المؤمنات غير الحرائر اللواتي في ملك الآخرين. ويعين الصورة الوحيدة التي يرضاها للعلاقة بين الرجال الأحرار وغير الحرائر. وهي ذاتها الصورة التي رضيها من قبل في زواج الحرائر: فأولاً: يجب أن يكن مؤمنات: {فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}.. وثانياً: يجب أن يعطين أجورهن فريضة لهن لا لسادتهن. فهذا حقهن الخالص. {وآتوهن أجورهن}. وثالثاً: يجب أن تكون هذه الأجور في صورة صداق: وأن يكون الاستمتاع بهن في صورة نكاح. لا مخادنة ولا سفاح: والمخادنة أن تكون لواحد. والسفاح أن تكون لكل من أراد. {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}. وقد كان المجتمع إذ ذاك يعرف هذه الأنواع من الاتصال الجنسي بين الحرائر كما سلف من حديث عائشة - رضي الله عنها - كما كان يعرف كذلك بين غير الحرائر أنواعاً من البغاء. وقد كان سادة من أشراف القوم يرسلون رقيقاتهم يكسبن بأجسامهن في هذا السبيل القذر، لحساب سادتهن. وكان لعبدالله بن أبي بن سلول - رأس المنافقين في المدينة وهو من سادة قومه - أربع جوار يكسبن له من هذا السبيل! وكانت هذه بقايا أو حال الجاهلية، التي جاء الإسلام ليرفع العرب منها، ويطهرهم ويزكيهم، كما يرفع منها سائر البشرية كذلك! وكذلك جعل الإسلام طريقاً واحدة للمعاشرة بين الرجال الأحرار وهؤلاء "الفتيات"، هي طريق النكاح، الذي تتخصص فيه امرأة لرجل لتكوين بيت وأسرة، لا الذي تنطلق فيه الشهوات انطلاق البهائم. وجعل الأموال في أيدي الرجال لتؤدى صداقاً مفروضاً، لا لتكون أجراً في مخادنة أو سفاح.. وكذلك طهر الإسلام هذه العلاقات حتى في دنيا الرقيق من وحل الجاهلية، الذي تتلبط فيه البشرية كلما ارتكست في الجاهلية! والذي تتلبط فيه اليوم في كل مكان، لأن رايات الجاهلية هي التي ترتفع في كل مكان، لا راية الإسلام! ولكن - قبل أن نتجاوز هذا الموضع من الآية - ينبغي أن نقف أمام تعبير القرآن عن حقيقة العلاقات الإنسانية التي تقوم بين الأحرار والرقيق في المجتمع الإسلامي، وعن نظرة هذا الدين إلى هذا الأمر عندما واجهه المجتمع الإسلامي. إنه لا يسمي الرقيقات: رقيقات. ولا جواري. ولا إماء. إنما يسميهن "فتيات". {فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}.. وهو لا يفرق بين الأحرار وغير الأحرار تفرقة عنصرية تتناول الأصل الإنساني - كما كانت الاعتقادات والاعتبارات السائدة في الأرض كلها يومذاك - إنما يذكر بالأصل الواحد، ويجعل الآصرة الإنسانية والآصرة الإيمانية هما محور الارتباط: {والله أعلم بإيمانكم، بعضكم من بعض}.. وهو لا يسمي من هن ملك لهم سادة. إنما يسميهم "أهلاً": {فانكحوهن بإذن أهلهن}. وهو لا يجعل مهر الفتاة لسيدها. فمهرها إنما هو حق لها. لذلك يخرج من قاعدة أن كسبها كله له. فهذا ليس كسباً، إنما هو حق ارتباطها برجل: {وآتوهن أجورهن}.. وهو يكرمهن عن أن يكن بائعات أعراض بثمن، من المال إنما هو النكاح والإحصان: {محصنات غير مسافحات ولامتحذات أخدان}.. وكلها لمسات واعتبارات تحمل طابع التكريم لإنسانية هؤلاء الفتيات، حتى وهن في هذا الوضع، الذي اقتضته ملابسات وقتية، لا تطعن في أصل الكرامة الإنسانية. وحين يقاس هذا التكريم إلى ما كان سائداً في جاهلية الأرض كلها يومذاك من النظرة إلى الرقيق، وحرمانه حق الانتساب إلى "إنسانية" السادة! وسائر الحقوق التي تترتب على هذه "الإنسانية".. يبدو مدى النقلة التي نقل الإسلام إليها كرامة "الإنسان" وهو يرعاها في جميع الأحوال، بغض النظر عن الملابسات الطارئة التي تحد من أوضاع بعض الأناسي، كوضع الاسترقاق. ويبدو مدى النقلة البعيدة حين يقاس صنيع الإسلام هذا، وتنظيمه لأوضاع هذه الحالة الطارئة بما تصنعه الجيوش الفاتحة في هذه الجاهلية الحديثة بنساء وفتيات البلاد المفتوحة. وكلنا يعرف حكاية "الترفيه" أو قصة الوحل الذي تلغ فيه جيوش الجاهلية الفاتحة في كل مكان! وتخلفه وراءها للمجتمع حين ترحل يعاني منه السنوات الطوال! ثم يقرر الإسلام عقوبة مخففة على من ترتكب الفاحشة من هؤلاء الفتيات بعد إحصانها بالزواج، واضعاً في حسابه واقعها وظروفها التي تجعلها أقرب إلى السقوط في الفاحشة، وأضعف في مقاومة الإغراء من الحرة، مقدراً أن الرق يقلل من الحصانة النفسية، لأنه يغض من الشعور بالكرامة، والشعور بشرف العائلة - وكلاهما شعور يثير الإباء في نفس الحرة - كما يقدر الحالة الاجتماعية والاقتصادية، واختلافها بين الحرة والأمة، وأثرها في جعل هذه أكثر تسامحاً في عرضها، وأقل مقاومة لإغراء المال وإغراء النسب ممن يراودها عن نفسها! يقدر الإسلام هذا كله فيجعل حد الأمة - بعد إحصانها - نصف حد الحرة المحصنة بالحرية قبل زواجها. {فإذا أحصن. فإن أتين بفاحشة، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}. ومفهوم أن النصف يكون من العقوبة التي تحتمل القسمة. وهي عقوبة الجلد. ولا يكون في عقوبة الرجم. إذ لا يمكن قسمتها! فإذا زنت الجارية المؤمنة المتزوجة عوقبت بنصف ما تعاقب به الحرة البكر. أما عقوبة الجارية البكر فمختلف عليها بين الفقهاء. هل تكون هذا الحد نفسه - وهو نصف ما على الحرة البكر - ويتولاه الإمام؟ أم تكون تأديباً يتولاه سيدها ودون النصف من الحد؟ وهو خلاف يطلب في كتب الفقه. أما نحن - في ظلال القرآن - فنقف أمام مراعاة هذا الدين لواقع الناس وظروفهم، في الوقت الذي يأخذ بأيديهم في المرتقى الصاعد النظيف. إن هذا الدين يأخذ في اعتباره - كما قلنا - واقع الناس، دون أن يدعهم يتلبطون في الوحل باسم هذا الواقع! وقد علم الله ما يحيط بحياة الرقيق من مؤثرات. تجعل الواحدة - ولو كانت متزوجة - أضعف من مقاومة الإغراء والوقوع في الخطيئة، فلم يغفل هذا الواقع ويقرر لها عقوبة كعقوبة الحرة، ولكن كذلك لم يجعل لهذا الواقع كل السلطات، فيعفيها نهائياً من العقوبة. قوام وسط. يلحظ كل المؤثرات وكل الملابسات. كذلك لم يجعل من انحطاط درجة الرقيق سبباً في مضاعفة العقوبة، كما كانت قوانين الجاهلية السائدة في الأرض كلها تصنع مع الطبقات المنحطة والطبقات الراقية؛ أو مع الوضعاء والأشراف تخفف عن الأشراف، وتقسو على الضعاف. كان المعمول به في القانون الروماني الشهير أن تشدد العقوبة كلما انحطت الطبقة. فكان يقول: "ومن يستهو أرملة مستقيمة أو عذراء، فعقوبته - إن كان من بيئة كريمة - مصادرة نصف ماله. وإن كان من بيئة ذميمة فعقوبته الجلد والنفي من الأرض". وكان المعمول به في القانون الهندي الذي وضعه "منو" وهو القانون المعروف باسم "منوشاستر" أن البرهمي إن استحق القتل، فلا يجوز للحاكم إلا أن يحلق رأسه. أما غيره فيقتل! وإذا مد أحد المنبوذين إلى برهمي يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده... الخ" وكان اليهود إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد. وجاء الإسلام ليضع الحق في نصابه؛ ولياخذ الجاني بالعقوبة، مراعياً جميع اعتبارات "الواقع". وليجعل حد الأمة - بعد الإحصان - نصف حد الحرة قبل الإحصان. فلا يترخص فيعفيها من العقوبة، ويجعل إرادتها ملغاة كلية من ارتكاب الفعل تحت وطأة الظروف. فهذا خلاف الواقع. ولا يغفل واقعها كذلك فيعاقبها عقاب الحرة - وواقعها يختلف عن واقع الحرة. ولا يتشدد تشدد الجاهلية مع الضعاف دون الأشراف!!! وما تزال الجاهلية الحديثة في أمريكا وفي جنوب أفريقية وفي غيرها تزاول هذه التفرقة العنصرية، وتغفر للأشراف "البيض" ما لا تغفره للضعاف "الملونين" والجاهلية هي الجاهلية حيث كانت. والإسلام هو الإسلام.. حيث كان.. ثم تنتهي الآية ببيان أن الزواج من الإماء رخصة لمن يخشى المشقة أو الفتنة. فمن استطاع الصبر - في غير مشقة ولا فتنة - فهو خير. لما أسلفناه من الملابسات التي تحيط بالزواج من الإماء: {ذلك لمن خشي العنت منكم. وأن تصبروا خير لكم. والله غفور رحيم}.. إن الله لا يريد أن يعنت عباده، ولا أن يشق عليهم، ولا أن يوقعهم في الفتنة. وإذا كان دينه الذي اختاره لهم، يريد منهم الاستعلاء والارتفاع والتسامي، فهو يريد منهم هذا كله في حدود فطرتهم الإنسانية، وفي حدود طاقتهم الكامنة، وفي حدود حاجاتهم الحقيقية كذلك.. ومن ثم فهو منهج ميسر، يلحظ الفطرة، ويعرف الحاجة، ويقدر الضرورة. كل ما هنالك أنه لا يهتف للهابطين بالهبوط، ولا يقف أمامهم - وهم غارقون في الوحل - يبارك هبوطهم، ويمجد سقوطهم. أو يعفيهم من الجهد في محاولة التسامي، أو من التبعة في قلة مقاومة الإغراء! وهو هنا يهيب بالصبر حتى تتهيأ القدرة على نكاح الحرائر؛ فهن أولى أن تصان نفوسهن بالزواج، وأن تقوم عليهن البيوت، وأن ينجبن كرام الأبناء، وأن يحسن الإشراف على الجيل الناشىء، وأن يحفظن فراش الأزواج.. فأما إذا خشي العنت: عنت المشقة عند الصبر، وعنت الفتنة التي لا تقاوم، فهناك الرخصة، والمحاولة لرفع مستوى الإماء، بذلك التكريم الذي يضفيه عليهن. فهن "فتياتكم" وهم "أهلهن". والجميع بعضهم من بعض يربطهم الإيمان. والله أعلم بالإيمان. ولهن مهورهن فريضة. وهو نكاح لا مخادنة ولا سفاح.. وهن مسؤولات إن وقعن في الخطيئة.. ولكن مع الرفق والتخفيف ومراعاة الظروف: {والله غفور رحيم}.. يعقب بها على الاضطرار لنكاح غير الحرائر. ويعقب بها على تخفيف عقوبة الإماء.. وهي في موضعها المناسب عقب هذه وتلك. فمغفرة الله ورحمته وراء كل خطيئة، ووراء كل اضطرار. ثم يجيء التعقيب الشامل على تلك الأحكام؛ وعلى تلك التنظيمات التي شرعها الله للأسرة في المنهج الإسلامي، ليرفع بها المجتمع المسلم من وهدة الحياة الجاهلية؛ وليرفع بها مستواه النفسي والخلقي والاجتماعي إلى القمة السامقة النظيفة الوضيئة التي رفعه إليها. يجيء التعقيب ليكشف للجماعة المسلمة عن حقيقة ما يريده الله لها بهذا المنهج وبتلك الأحكام والتشريعات والتنظيمات؛ وعن حقيقة ما يريده بها الذين يتبعون الشهوات ويحيدون عن منهج الله: {يريد الله ليبين لكم، ويهديكم سنن الذين من قبلكم، ويتوب عليكم، والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم؛ ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً}.. إن الله - سبحانه - يتلطف مع عباده؛ فيبين لهم حكمة تشريعاته لهم، ويطلعهم على ما في المنهج الذي يريده لحياتهم من خير ويسر. إنه يكرمهم - سبحانه - وهو يرفعهم إلى هذا الأفق. الأفق الذي يحدثهم فيه، ليبين لهم حكمة ما يشرعه لهم؛ وليقول لهم: إنه يريد: أن يبين لهم.. {يريد الله ليبين لكم}.. يريد الله ليكشف لكم عن حكمته؛ ويريد لكم أن تروا هذه الحكمة، وأن تتدبروها، وأن تقبلوا عليها مفتوحي الأعين والعقول والقلوب؛ فهي ليست معميات ولا ألغازاً؛ وهي ليست تحكماً لا علة له ولا غاية؛ وأنتم أهل لإدراك حكمتها؛ وأهل لبيان هذه الحكمة لكم.. وهو تكريم للإنسان، يدرك مداه من يحسون حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، فيدركون مدى هذا التلطف الكريم. {ويهديكم سنن الذين من قبلكم}.. فهذا المنهج هو منهج الله الذي سنه للمؤمنين جميعاً. وهو منهج ثابت في أصوله، موحد في مبادئه، مطرد في غاياته وأهدافه.. هو منهج العصبة المؤمنة من قبل ومن بعد. ومنهج الأمة الواحدة التي يجمعها موكب الإيمان على مدار القرون. بذلك يجمع القرآن بين المهتدين إلى الله في كل زمان ومكان؛ ويكشف عن وحدة منهج الله في كل زمان ومكان؛ ويربط بين الجماعة المسلمة والموكب الإيماني الموصول، في الطريق اللاحب الطويل. وهي لفتة تشعر المسلم بحقيقة أصله وأمته ومنهجه وطريقه.. إنه من هذه الأمة المؤمنة بالله، تجمعها آصرة المنهج الإلهي، على اختلاف الزمان والمكان، واختلاف الأوطان؛ والألوان وتربطها سنة الله المرسومة للمؤمنين في كل جيل، ومن كل قبيل. {ويتوب عليكم}.. فهو - سبحانه - يبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم، ليرحمكم... ليأخذ بيدكم إلى التوبة من الزلل، والتوبة من المعصية. ليمهد لكم الطريق، ويعينكم على السير فيه.. {والله عليم حكيم}... فعن العلم والحكمة تصدر هذه التشريعات. ومن العلم والحكمة تجيء هذه التوجيهات. العلم بنفوسكم وأحوالكم. والعلم بما يصلح لكم وما يصلحكم. والحكمة في طبيعة المنهج وفي تطبيقاته على السواء... {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً}.. وتكشف الآية الواحدة القصيرة عن حقيقة ما يريده الله للناس بمنهجه وطريقته، وحقيقة ما يريده بهم الذين يتبعون الشهوات، ويحيدون عن منهج الله - وكل من يحيد عن منهج الله إنما يتبع الشهوات - فليس هنالك إلا منهج واحد هو الجد والاستقامة والالتزام، وكل ما عداه إن هو إلا هوى يتبع، وشهوة تطاع، وانحراف وفسوق وضلال. فماذا يريد الله بالناس، حين يبين لهم منهجه، ويشرع لهم سنته؟ إنه يريد أن يتوب عليهم. يريد أن يهديهم. يريد أن يجنبهم المزالق. يريد أن يعينهم على التسامي في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة. وماذا يريد الذين يتبعون الشهوات، ويزينون للناس منابع ومذاهب لم يأذن بها الله، ولم يشرعها لعباده؟ إنهم يريدن لهم أن يميلوا ميلاً عظيماً عن المنهج الراشد، والمرتقى الصاعد والطريق المستقيم. وفي هذا الميدان الخاص الذي تواجهه الآيات السابقة: ميدان تنظيم الأسرة؛ وتطهير المجتمع؛ وتحديد الصورة النظيفة الوحيدة، التي يحب الله أن يلتقي عليها الرجال والنساء؛ وتحريم ما عداها من الصور، وتبشيعها وتقبيحها في القلوب والعيون.. في هذا الميدان الخاص ما الذي يريده الله وما الذي يريده الذين يتبعون الشهوات؟ فأما ما يريده الله فقد بينته الآيات السابقة في السورة. وفيها إرادة التنظيم، وإرادة التطهير، وإرادة التيسير، وإرادة الخير بالجماعة المسلمة على كل حال. وأما ما يريده الذين يتبعون الشهوات فهو أن يطلقوا الغرائز من كل عقال: ديني، أو أخلاقي، أو اجتماعي.. يريدون أن ينطلق السعار الجنسي المحموم بلا حاجز ولا كابح، من أي لون كان. السعار المحموم الذي لا يقر معه قلب، ولا يسكن معه عصب، ولا يطمئن معه بيت، ولا يسلم معه عرض، ولا تقوم معه أسرة. يريدون أن يعود الآدميون قطعاناً من البهائم، ينزو فيها الذكران على الإناث بلا ضابط إلا ضابط القوة أو الحيلة أو مطلق الوسيلة! كل هذا الدمار، وكل هذا الفساد، وكل هذا الشر باسم الحرية، وهي - في هذا الوضع - ليست سوى اسم آخر للشهوة والنزوة! وهذا هو الميل العظيم الذي يحذر الله المؤمنين إياه، وهو يحذرهم ما يريده لهم الذين يتبعون الشهوات. وقد كانوا يبذلون جهدهم لرد المجتمع المسلم إلى الجاهلية في هذا المجال الأخلاقي، الذي تفوقوا فيه وتفردوا بفعل المنهج الإلهي القويم النظيف. وهو ذاته ما تريده اليوم الأقلام الهابطة والأجهزة الموجهة لتحطيم ما بقي من الحواجز في المجتمع دون الانطلاق البهيمي، الذي لا عاصم منه، إلا منهج الله، حين تقره العصبة المؤمنة في الأرض إن شاء الله. واللمسة الأخيرة في التعقيب تتولى بيان رحمة الله بضعف الإنسان، فيما يشرعه له من منهج وأحكام. والتخفيف عنه ممن يعلم ضعفه، ومراعاة اليسر فيما يشرع له، ونفي الحرج والمشقة والضرر والضرار. {يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفاً}.. فأما في هذا المجال الذي تستهدفه الآيات السابقة، وما فيها من تشريعات وأحكام وتوجيهات، فإرادة التخفيف واضحة؛ تتمثل في الاعتراف بدوافع الفطرة، وتنظيم الاستجابة لها وتصريف طاقتها في المجال الطيب المأمون المثمر، وفي الجو الطاهر النظيف الرفيع؛ دون أن يكلف الله عباده عنتاً في كبتها حتى المشقة والفتنة؛ ودون أن يطلقهم كذلك ينحدرون في الاستجابة لها بغير حد ولا قيد. وأما في المجال العام الذي يمثله المنهج الإلهي لحياة البشر كلها فإرادة التخفيف تبدو كذلك واضحة؛ بمراعاة فطرة الإنسان، وطاقته، وحاجاته الحقيقية؛ وإطلاق كل طاقاته البانية. ووضع السياج الذي يقيها التبدد وسوء الاستعمال! وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله - وبخاصة في علاقات الجنسين - شاق مجهد. والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح! وهذا وهم كبير... فإطلاق الشهوات من كل قيد؛ وتحري اللذة -واللذة - وحدها في كل تصرف؛ واقصاء "الواجب" الذي لا مكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والأخير؛ وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم؛ والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي، ومن كل التزام اجتماعي.. إن هذه كلها تبدو يسراً وراحة وانطلاقاً، ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة. وعقابيلها في حياة المجتمع - بل في حياة كل فرد - عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة.. والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي "تحررت!" من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب. لو كانت هنالك قلوب! لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة. حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية. وهذه الفوضى ذاتها هي التي أخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة؛ وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى؛ وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وانجلترا، وغيرها من دول الحضارة الحديثة. وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة، مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة 1870 إلى اليوم، وهي في طريقها إلى الانهيار التام، كما تدل جميع الشواهد. وهذه بعض الأمارات التي أخذت تبدو واضحة من بعد الحرب العالمية الأولى: "إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم: اضمحلال قواهم الجسدية، وتدرجها إلى الضعف يوماً فيوماً. فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم؛ وتعبد الشهوات يكاد يأتي على قوة صبرهم وجلدهم؛ وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم. فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب في المتطوعة للجند الفرنسي، على فترة كل بضع سنين. لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسير الأيام.. وهذا مقياس أمين، يدلنا كدلالة مقياس الحرارة - في الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية في الأمة الفرنسية. ومن أهم عوامل هذا الاضمحلال: الأمراض السرية الفتاكة. يدل على ذلك أن كان عدد الجنود الذين اضطرت الحكومة إلى أن تعفيهم من العمل، وتبعث بهم إلى المستشفيات، في السنتين الأوليين من سني الحرب العالمية الأولى، لكونهم مصابين بمرض الزهري، خمسة وسبعين الفاً. وابتلي بهذا المرض وحده 242 جندياً في آن واحد في ثكنة متوسطة. وتصور - بالله - حال هذه الأمة البائسة في الوقت الذي كانت فيه - بجانب - في المضيق الحرج بين الحياة والموت، فكانت أحوج ما تكون إلى مجاهدة كل واحد من أبنائها المحاربين لسلامتها وبقائها. وكان كل فرنك من ثروتها مما يضن به ويوفر؛ وكانت الحال تدعو إلى بذل أكثر ما يمكن من القوة والوقت وسائر الأدوات والوسائل في سبيل الدفاع. وكان - بجانب آخر - أبناؤها الشباب الذين تعطل آلاف منهم عن أعمال الدفاع، من جراء انغماسهم في اللذات؛ وما كفى أمتهم ذلك خسراناً، بل ضيعوا جانباً من ثروة الأمة ووسائلها في علاجهم، في تلك الأوضاع الحرجة". "يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه: إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري، وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة. وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى "الدق". وهذه جريرة مرض واحد من الأمراض السرية التي فيها عدا هذا أمراض كثيرة أخرى". والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير: ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي، وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد، لا تدع مجالاً لتكوين الأسرة، ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر. ومن ثم يقل الزواج، ويقل التناسل، وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية. "سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم. ولك أن تقدر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوج من أهاليها. ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج، قل فيهم من ينوون به التحصن والتزام المعيشة البرة الصالحة بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض. حتى إنه كثيراً ما يكون من مقاصد زواجهم أن يحللوا به الولد النغل الذي قد ولدته أمه قبل النكاح! ويتخذوه ولداً شرعياً! فقد كتب "بول بيورو": من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقاً قبل أن يعقد بينهما النكاح، أن الرجل سيتخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولداً شرعياً له وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين siene فصرحت: إنني كنت قد آذنت بعلي عن النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح. وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة، فما كان في نيتي عند ذاك، ولا هو في نيتي الآن. ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا، ولم ألتق به إلى هذا اليوم، لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية". "قال عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيورو: إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغي في بيتهم أيضاً. ذلك أنهم يظلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحراراً طلقاء. ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة، فيتزوجون بامرأة بعينها، حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته، ولذة المخادنة الحرة خارج البيت". وهكذا تدهورت فرنسا. وهكذا هزمت في كل حرب خاضتها، وهكذا تتوارى عن مسرح الحضارة ثم عن مسرح الوجود يوماً بعد يوم. حتى تحق سنة الله التي لا تتخلف؛ وإن بدت بطيئة الدوران في بعض الأحيان! بالقياس إلى تعجل الإنسان! أما في الدول التي لا تزال تبدو فتية، أو لم تظهر فيها آثار الدمار واضحة بعد، فهذه نماذج مما يجري فيها: يقول صحفي ممن زاروا السويد حديثاً.. بعد أن يتحدث عن "حرية الحب في السويد، وعن الرخاء المادي، والضمانات الاجتماعية في مجتمعها الاشتراكي النموذجي:" "إذا كانت أقصى أحلامنا أن نحقق للشعب هذا المستوى الاقتصادي الممتاز؛ وأن نزيل الفوارق بين الطبقات بهذا الاتجاه الاشتراكي الناجح؛ وأن نؤمن المواطن ضد كل ما يستطيع أي عقل أن يتصوره من أنواع العقبات في الحياة.. إذا وصلنا إلى هذا الحلم البهيج الذي نسعى بكل قوانا وإمكانياتنا إلى تحقيقه في مصر.. فهل نرضى نتائجه الأخرى؟ هل نقبل الجانب الأسود من هذا المجتمع المثالي؟ هل نقبل "حرية الحب" وآثارها الخطيرة على كيان الأسرة؟ "دعونا نتحدث بالأرقام..." "مع وجود كل هذه المشجعات على الاستقرار في الحياة، وتكوين أسرة، فإن الخط البياني لعدد سكان السويد يميل إلى الانقراض!.. مع وجود الدولة التي تكفل للفتاة إعانة زواج؛ ثم تكفل لطفلها الحياة المجانية حتى يتخرج في الجامعة، فإن الأسرة السويدية في الطريق إلى عدم إنجاب أطفال على الإطلاق!" "يقابل هذا انخفاض مستمر في نسبة المتزوجين. وارتفاع مستمر في نسبة عدد المواليد غير الشرعبين. مع ملاحظة أن عشرين في المائة من البالغين الأولاد والبنات لا يتزوجون أبداً". "لقد بدأ عهد التصنيع. وبدأ معه المجتمع الاشتراكي في السويد عام1870. كانت نسبة الأمهات - غير المتزوجات - في ذلك العام 7 في المائة، وارتفعت هذه النسبة في عام 1920 إلى 16 في المائة. والاحصاءات بعد ذلك لم أعثر عليها. ولكنها ولا شك مستمرة في الزيادة". "وقد أجرت المعاهد العلمية عدة استفسارات عن "الحب الحر" في السويد، فتبين منها أن الرجل تبدأ علاقاته الجنسية بدون زواج في سن الثامنة عشرة، والفتاة في سن الخامسة عشرة. وأن 95 في المائة من الشبان في سن 21 سنة لهم علاقات جنسية!" "وإذا أردنا تفصيلات تقنع المطالبين بحرية الحب، فإننا نقول: إن 7 في المائة من هذه العلاقات الجنسية مع خطيبات، و 35 في المائة منها مع حبيبات! و 58 في المائة منها مع صديقات عابرات!" "وإذا سجلنا النسب عن علاقة المرأة الجنسية بالرجل قبل سن العشرين. وجدنا أن 3 في المائة من هذه العلاقات مع أزواج. و 27 في المائة منها مع خطيب! و64 في المائة منها مع صديق عابر!" "وتقول الأبحاث العلمية: إن 80 في المائة من نساء السويد مارسن علاقات جنسية كاملة قبل الزواج و20 في المائة بقين بلا زواج!" "وأدت حرية الحب بطبيعة الحال إلى الزواج المتأخر، وإلى الخطبة الطويلة الأجل. مع زيادة عدد الأطفال غير الشرعيين كما قلت". "والنتيجة الطبيعية بعد ذلك أن يزيد تفكك الأسرة.. إن أهل السويد يدافعون عن "حرية الحب" بقولهم: إن المجتمع السويدي ينظر نظرة احتقار إلى الخيانة بعد الزواج، كأي مجتمع متمدن آخر! وهذا صحيح لا ننكره! ولكنهم لا يستطيعون الدفاع عن الاتجاه إلى انقراض النسل. ثم الزيادة المروعة في نسبة الطلاق". "إن نسبة الطلاق في السويد هي أكبر نسبة في العالم. إن طلاقاً واحداً يحدث بين كل ست أو سبع زيجات، طبقاً للإحصاءات التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية بالسويد. والنسبة بدأت صغيرة، وهي مستمرة في الزيادة.. في عام 1925 كان يحدث 26 طلاقاً بين كل 100 ألف من السكان - ارتفع هذا الرقم إلى 104 في عام 1952، ثم ارتفع إلى 114 في عام 1954". "وسبب ذلك أن 30 في المائة من الزيجات تتم اضطراراً تحت ضغط الظروف، بعد أن تحمل الفتاة. والزواج بحكم "الضرورة" لا يدوم بطبيعة الحال كالزواج العادي. ويشجع على الطلاق أن القانون السويدي لا يضع أية عقبة أمام الطلاق إذا قرر الزوجان أنهما يريدان الطلاق. فالأمر سهل جداً، وإذا طلب أحدهما الطلاق. فإن أي سبب بسيط يقدمه، يمكن أن يتم به الطلاق!" "وإذا كانت حرية الحب مكفولة في السويد.. فهناك حرية أخرى يتمتع بها غالبية أهل السويد.. إنها حرية عدم الإيمان بالله! لقد انتشرت في السويد الحركات التحررية من سلطان الكنيسة على الإطلاق. وهذه الظاهرة تسود النرويج والدنمرك أيضاً. المدرسون في المدارس والمعاهد يدافعون عن هذه الحرية ويبثونها في عقول النشء والشباب." "والجيل الجديد ينحرف.. وهذه ظاهرة جديدة تهدد الجيل الجديد في السويد وباقي دول اسكندنافيا. إن افتقادهم للإيمان يجرفهم إلى الانحراف، وإلى الإدمان على المخدرات والخمور.. وقد قدر عدد أطفال العائلات التي لها أب مدمن بحوالي 175 ألفاً. أي ما يوازي 10 في المائة من مجموع أطفال العائلات كلها. وإقبال المراهقين على إدمان الخمر يتضاعف.. إن من يقبض عليهم البوليس السويدي في حالة سكر شديد من المراهقين بين سن 15 و 17 يوازي ثلاثة أمثال عدد المقبوض عليهم بنفس السبب منذ 15عاماً. وعادة الشرب بين المراهقين والمراهقات تسير من سيىء إلى أسوأ.. ويتبع ذلك حقيقة رهيبة". "إن عشر الذين يصلون إلى سن البلوغ في السويد يتعرضون لاضطرابات عقلية! ويقول أطباء السويد: إن50 في المائة من مرضاهم يعانون من اضطرابات عقلية تلازم أمراضهم الجسدية. ولا شك أن التمادي في التمتع بحرية عدم الإيمان سيضاعف هذه الانحرافات النفسية، ويزيد من دواعي تفكك الأسرة. ويقربهم إلى هوة انقراض النسل..." والحال في أمريكا لا تقل عن هذه الحال. ونذر السوء تتوالى. والأمة الأمريكية في عنفوانها لا تتلفت للنذر. ولكن عوامل التدمير تعمل في كيانها، على الرغم من هذا الرواء الظاهري؛ وتعمل بسرعة، مما يشي بسرعة الدمار الداخلي على الرغم من كل الظواهر الخارجية!!! لقد وجد الذين يبيعون أسرار أمريكا وبريطانيا العسكرية لأعدائهم، لا لأنهم في حاجة إلى المال. ولكن لأن بهم شذوذاً جنسياً، ناشئاً من آثار الفوضى الجنسية السائدة في المجتمع. وقبل سنوات وضع البوليس الأمريكي يده على عصابة ضخمة ذات فروع في مدن شتى. مؤلفة من المحامين والأطباء - أي من قمة الطبقة المثقفة - مهمتها مساعدة الأزواج والزوجات على الطلاق بإيجاد الزوج أو الزوجة في حالة تلبس بالزنا، وذلك لأن بعض الولايات لا تزال تشترط هذا الشرط لقبول توقيع الطلاق! ومن ثم يستطيع الطرف الكاره أن يرفع دعوى على شريكه بعد ضبطه عن طريق هذه العصابة متلبساً، وهي التي أوقعته في حبائلها! كذلك من المعروف أن هناك مكاتب مهمتها البحث عن الزوجات الهاربات والبحث عن الأزواج الهاربين! وذلك في مجتمع لا يدري فيه الزوج إن كان سيعود فيجد زوجته في الدار أم يجدها قد طارت مع عشيق! ولا تدري الزوجة إن كان زوجها الذي خرج في الصباح سيعود إليها أم ستخطفه أخرى أجمل منها أو أشد جاذبية! مجتمع تعيش البيوت فيه في مثل هذا القلق الذي لا يدع عصباً يستريح!!! وأخيراً يعلن رئيس الولايات المتحدة أن ستة من كل سبعة من شباب أمريكا لم يعودوا يصلحون للجندية بسبب الانحلال الخلقي الذي يعيشون فيه. وقد كتبت إحدى المجلات الأمريكية منذ أكثر من ربع قرن تقول: "عوامل شيطانية ثلاثة يحيط ثالوثها بدنيانا اليوم. وهي جميعها في تسعير سعير لأهل الأرض، أولها: الأدب الفاحش الخليع الذي لا يفتأ يزداد في وقاحة ورواجه بعد الحرب العالمية (الأولى) بسرعة عجيبة. والثاني الأفلام السينمائية التي لا تذكي في الناس عواطف الحب الشهواني فحسب، بل تلقنهم دروساً عملية في بابه. والثالث انحطاط المستوى الخلقي في عامة النساء، الذي يظهر في ملابسهن، بل في عريهن، وفي إكثارهن من التدخين، واختلاطهن بالرجال بلا قيد ولا التزام.. هذه المفاسد الثلاث فينا إلى الزيادة والانتشار بتوالي الأيام. ولا بد أن يكون مآلها زوال الحضارة والاجتماع النصرانيين وفناءهما آخر الأمر. فإن نحن لم نحد من طغيانها، فلا جرم أن يأتي تاريخنا مشابهاً لتاريخ الرومان، ومن تبعهم من سائر الأمم، الذين قد أوردهم هذا الاتباع للأهواء والشهوات موارد الهلكة والفناء، مع ما كانوا فيه من خمر ونساء، أو مشاغل رقص ولهو وغناء". والذي حدث أن أمريكا لم تحد من طغيان هذه العوامل الثلاثة، بل استسلمت لها تماماً وهي تمضي في الطريق الذي سار فيه الرومان! ويكتب صحفي آخر عن موجة انحراف الشباب في أمريكا وبريطانيا وفرنسا، ليهون من انحلال شبابنا! يقول: "انتشرت موجة الإجرام بين المراهقين والمراهقات من شباب أمريكا. وأعلن حاكم ولاية نيويورك، أنه سوف يجعل علاج هذا الانحراف على رأس برنامج الإصلاح الذي يقوم به في الولاية:" "وعمد الحاكم إلى انشاء المزارع و "الإصلاحيات" التهذيبية والأندية الرياضية.. الخ " "ولكنه أعلن أن علاج الإدمان على المخدرات - التي انتشرت بصفة خاصة بين طلبة وطالبات الجامعات ومنها الحشيش والكوكايين! - لا يدخل في برنامجه، وأنه يترك أمره للسلطات الصحية!" "وأما في انجلترا فقد كثرت في العامين الأخيرين جرائم الاعتداء على النساء وعلى الفتيات الصغيرات في طرق الريف. وفي معظم الحالات كان المعتدي أو المجرم غلاماً مراهقاً. وفي بعضها كان المجرم يعمد إلى خنق الفتاة أو الطفلة، وتركها جثة هامدة، حتى لا تفشي سره، أو تتعرف عليه، إذا عرضه عليها رجال البوليس". "ومنذ شهرين اثنين كان شيخ عجوز في طريقه إلى القرية، عندما أبصر على جانب الطريق - وتحت شجرة - غلاماً يضاجع فتاة.." "واقترب الشيخ منهما، ووكز الغلام بعصاه وزجره ووبخه، وقال له: إن ما يفعله لا يجوز ارتكابه في الطريق العام!" "ونهض الفتى، وركل الشيخ بكل قوته في بطنه... ووقع الشيخ". "وهنا ركله الفتى في رأسه بحذائه... واستمر يركله بقسوة حتى تهشم الرأس!" "وكان الغلام في الخامسة عشرة، والفتاة في الثالثة عشرة من عمرها!" وقد قررت لجنة الأربعة عشر الأمريكية التي تعنى بمراقبة حالة البلاد الخلقية أن90 في المائة من الشعب الأمريكي مصابون بالأمراض السرية الفتاكة (وذلك قبل وجود المركبات الحديثة من مضادات الحيويات كالبنسلين والاستريبتومايسين!) وكتب القاضي لندسي بمدينة" دنفر" أنه من كل حالتي زواج تعرض قضية طلاق! وكتب الطبيب العالم العالمي ألكسيس كاريل في كتابه: "الإنسان ذلك المجهول": "بالرغم من أننا بسبيل القضاء على إسهال الأطفال والسل والدفتريا والحمى التيفودية. الخ فقد حلت محلها أمراض الفساد والانحلال. فهناك عدد كبير من أمراض الجهاز العصبي والقوى العقلية... ففي بعض ولايات أمريكا يزيد عدد المجانين الذين يوجدون في المصحات على عدد المرضى الموجودين في جميع المستشفيات الأخرى. وكالجنون، فإن الاضطرابات العصبية وضعف القوى العقلية آخذ في الازدياد. وهي أكثر العناصر نشاطاً في جلب التعاسة للأفراد، وتحطيم الأسر.. إن الفساد العقلي أكثر خطورة على الحضارة من الأمراض المعدية، التي قصر علماء الصحة والأطباء اهتمامهم عليها حتى الآن!".. هذا طرف مما تتكلفه البشرية الضالة، في جاهليتها الحديثة، من جراء طاعتها للذين يتبعون الشهوات ولا يريدون أن يفيئوا إلى منهج الله للحياة. المنهج الملحوظ فيه اليسر والتخفيف على الإنسان الضعيف؛ وصيانته من نزواته، وحمايته من شهواته، وهدايته إلى الطريق الآمن، والوصول به إلى التوبة والصلاح والطهارة: {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً}. والفقرة الثانية في هذا الدرس، تتناول جانباً من العلاقات المالية في المجتمع المسلم، لتنظيم طرق التعامل في هذا الجانب؛ لضمان طهارة التعامل بين الأفراد عامة؛ ثم لتقرير حق النساء كالرجال في الملك والكسب - كل حسب نصيبه - وأخيراً لتنظيم التعامل في عقود الولاء التي كانت سارية في الجاهلية وفي القسم الأول من صدر الإسلام، لتصفية هذا النظام، وتخصيص الميراث بالأقارب؛ ومنع عقود الولاء الجديدة: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم - ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً. وكان ذلك على الله يسيراً. إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم؛ وندخلكم مدخلاً كريماً. ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، وأسالوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليماً، ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون؛ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً}.. إنها حلقة في سلسلة التربية، وحلقة في سلسلة التشريع.. والتربية والتشريع في المنهج الإسلامي متلازمان؛ أو متداخلان؛ أو متكاملان.. فالتشريع منظور فيه إلى التربية؛ كما هو منظور فيه إلى تنظيم شؤون الحياة الواقعية؛ والتوجيهات المصاحبة للتشريع منظور فيها إلى تربية الضمائر؛ كما أنه منظور فيها إلى حسن تنفيذ التشريع، وانبعاث التنفيذ عن شعور بجدية هذا التشريع؛ وتحقق المصلحة فيه. والتشريع والتوجيه المصاحب منظور فيهما - معاً - إلى ربط القلب بالله، وإشعاره بمصدر هذا المنهج المتكامل من التشريع والتوجيه.. وهذه هي خاصية المنهج الرباني للحياة البشرية.. هذا التكامل الذي يصلح الحياة الواقعية، ويصلح الضمير البشري في ذات الأوان.. وهنا في هذه الفقرة نجد النهي للذين آمنوا عن أكل أموالهم بينهم بالباطل - وبيان الوجه الحلال للربح في تداول الأموال - وهو التجارة - ونجد إلى جانبه تصوير أكل الأموال بالباطل بأنه قتل للأنفس؛ وهلكة وبوار. ونجد إلى جانبه كذلك التحذير من عذاب الآخرة، ومس النار!.. وفي الوقت ذاته نجد التيسير والوعد بالمغفرة والتكفير، والعون على الضعف والعفو عن التقصير.. كذلك نجد تربية النفوس على عدم التطلع إلى ما أنعم الله على البعض، والتوجه إلى الله - صاحب العطاء - وسؤال من بيده الفضل والعطاء. وذلك التوجيه مصاحب لتقرير حق الرجال ونصيبهم فيما اكتسبوا، وحق النساء ونصيبهن فيما اكتسبن، وهذا وذلك مصحوب بأن الله كان بكل شيء عليماً.. كما أن بيان التصرف في عقود الولاء، والأمرء بالوفاء بها نجده مصحوباً بأن الله كان على كل شيء شهيداً.. وهي لمسات وجدانية مؤثرة مصاحبة للتشريع، وتوجيهات تربوية من صنع العليم بالإنسان، وتكوينه النفسي، ومسالك نفسه ودروبها الكثيرة. {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم - ولا تقتلوا أنفسكم. إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً}. النداء للذين آمنوا، والنهي لهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل. {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}. مما يوحي بأنها عملية تطهير لبقايا رواسب الحياة الجاهلية في المجتمع الإسلامي؛ واستجاشة ضمائر المسلمين بهذا النداء: { يا أيها الذين آمنوا}.. واستحياء مقتضيات الإيمان. مقتضيات هذه الصفة التي يناديهم الله بها، لينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل. وأكل الأموال بالباطل يشمل كل طريقة لتداول الأموال بينهم لم يأذن بها الله، أو نهى عنها، ومنها الغش والرشوة والقمار واحتكار الضروريات لإغلائها، وجميع أنواع البيوع المحرمة - والربا في مقدمتها - ولا نستطيع أن نجزم إن كان هذا النص قد نزل بعد تحريم الربا أو قبله؛ فإن كان قد نزل قبله، فقد كان تمهيداً للنهي عنه. فالربا أشد الوسائل أكلاً للأموال بالباطل. وإن كان قد نزل بعده، فهو يشمله فيما يشمل من ألوان أكل أموال الناس بالباطل. واستثنى العمليات التجارية التي تتم عن تراض بين البائع والشاري: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}.. وهو استثناء منقطع.. تأويله: ولكن إذا كانت تجارة عن تراض منكم فليست داخلة في النص السابق.. ولكن مجيئها هكذا في السياق القرآني، يوحي بنوع من الملابسة بينها وبين صور التعامل الأخرى، التي توصف بأنها أكل لأموال الناس بالباطل.. وندرك هذه الملابسة إذا استصحبنا ما ورد في آيات النهي عن الربا - في سورة البقرة - من قول المرابين في وجه تحريم الربا: {أية : إنما البيع مثل الربا}تفسير : ورد الله عليهم في الآية نفسها: {أية : وأحل الله البيع وحرم الربا}تفسير : .. فقد كان المرابون يغالطون؛ وهم يدافعون عن نظامهم الاقتصادي الملعون. فيقولون: إن البيع - وهو التجارة - تنشأ عنها زيادة في الأموال وربح. فهو - من ثم - مثل الربا. فلا معنى لإحلال البيع وتحريم الربا! والفرق بعيد بين طبيعة العمليات التجارية والعمليات الربوية أولاً، وبين الخدمات التي تؤديها التجارة للصناعة وللجماهير؛ والبلاء الذي يصبه الربا على التجارة وعلى الجماهير. فالتجارة وسيط نافع بين الصناعة والمستهلك؛ تقوم بترويج البضاعة وتسويقها؛ ومن ثم تحسينها وتيسير الحصول عليها معاً. وهي خدمة للطرفين، وانتفاع عن طريق هذه الخدمة. انتفاع يعتمد كذلك على المهارة والجهد؛ ويتعرض في الوقت ذاته للربح والخسارة.. والربا على الضد من هذا كله. يثقل الصناعة بالفوائد الربوية التي تضاف إلى أصل التكاليف ويثقل التجارة والمستهلك بأداء هذه الفوائد التي يفرضها على الصناعة. وهو في الوقت ذاته - كما تجلى ذلك في النظام الرأسمالي عندما بلغ أوجه - يوجه الصناعة والاستثمار كله وجهة لا مراعاة فيها لصالح الصناعة ولا لصالح الجماهير المستهلكة؛ وإنما الهدف الأول فيها زيادة الربح للوفاء بفوائد القروض الصناعية. ولو استهلكت الجماهير مواد الترف ولم تجد الضروريات! ولو كان الاستثمار في أحط المشروعات المثيرة للغرائز، المحطمة للكيان الإنساني.. وفوق كل شيء.. هذا الربح الدائم لرأس المال؛ وعدم مشاركته في نوبات الخسارة - كالتجارة - وقلة اعتماده على الجهد البشري، الذي يبذل حقيقة في التجارة.. إلى آخر قائمة الاتهام السوداء التي تحيط بعنق النظام الربوي؛ وتقتضي الحكم عليه بالإعدام؛ كما حكم عليه الإسلام! فهذه الملابسة بين الربا والتجارة؛ هي التي لعلها جعلت هذا الاستدراك - {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} يجيء عقب النهي عن أكل الأموال بالباطل. وإن كان استثناء منقطعاً كما يقول النحويون! {ولا تقتلوا أنفسكم. إن الله كان بكم رحيماً}.. تعقيب يجيء بعد النهي عن أكل الأموال بالباطل؛ فيوحي بالآثار المدمرة التي ينشئها أكل الأموال بالباطل في حياة الجماعة؛ إنها عملية قتل.. يريد الله أن يرحم الذين آمنوا منها، حين ينهاهم عنها! وإنها لكذلك. فما تروج وسائل أكل الأموال بالباطل في جماعة: بالربا. والغش. والقمار. والاحتكار. والتدليس. والاختلاس. والاحتيال. والرشوة. والسرقة. وبيع ما ليس يباع: كالعرض. والذمة. والضمير. والخلق. والدين! - مما تعج به الجاهليات القديمة والحديثة سواء - ما تروج هذه الوسائل في جماعة، إلا وقد كتب عليها أن تقتل نفسها، وتتردى في هاوية الدمار! والله يريد أن يرحم الذين آمنوا من هذه المقتلة المدمرة للحياة، المردية للنفوس؛ وهذا طرف من إرادة التخفيف عنهم؛ ومن تدارك ضعفهم الإنساني، الذي يرديهم حين يتخلون عن توجيه الله، إلى توجيه الذين يريدون لهم أن يتبعوا الشهوات! ويلي ذلك التهديد بعذاب الآخرة، تهديد الذين يأكلون الأموال بينهم بالباطل، معتدين ظالمين. تهديدهم بعذاب الآخرة؛ بعد تحذيرهم من مقتلة الحياة الدنيا ودمارها. الآكل فيهم والمأكول؛ فالجماعة كلها متضامنة في التبعة؛ ومتى تركت الأوضاع المعتدية الظالمة، التي تؤكل فيها الأموال بالباطل تروج فيها فقد حقت عليها كلمة الله في الدنيا والآخرة: {ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً، فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً}. وهكذا يأخذ المنهج الإسلامي على النفس أقطارها - في الدنيا والآخرة - وهو يشرع لها ويوجهها؛ ويقيم من النفس حارساً حذراً يقظاً على تلبية التوجيه، وتنفيذ التشريع؛ ويقيم من الجماعة بعضها على بعض رقيباً لأنها كلها مسؤولة؛ وكلها نصيبها المقتلة والدمار في الدنيا، وكلها تحاسب في الآخرة على إهمالها وترك الأوضاع الباطلة تعيش فيها.. {وكان ذلك على الله يسيراً} فما يمنع منه مانع، ولا يحول دونه حائل، ولا يتخلف، متى وجدت أسبابه عن الوقوع! وفي مقابل اجتناب "الكبائر" - ومنها أكل الأموال بينهم بالباطل - يعدهم الله برحمته، وغفرانه، وتجاوزه، عما عدا الكبائر؛ مراعاة لضعفهم الذي يعلمه - سبحانه - وتيسيراً عليهم، وتطميناً لقلوبهم؛ وعوناً لهم على التحاجز عن النار؛ باجتناب الفواحش الكبار: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفر عنكم سيئاتكم، وندخلكم مدخلاً كريماً}. ألا ما أسمح هذا الدين! وما أيسر منهجه! على كل ما فيه من هتاف بالرفعة والسمو والطهر والنظافة، والطاعة. وعلى كل ما فيه من التكاليف والحدود، والأوامر والنواهي، التي يراد بها إنشاء نفوس زكية طاهرة؛ وإنشاء مجتمع نظيف سليم. إن هذا الهتاف؛ وهذه التكاليف؛ لا تغفل - في الوقت ذاته - ضعف الإنسان وقصوره؛ ولا تتجاوز به حدود طاقته وتكوينه؛ ولا تتجاهل فطرته وحدودها ودوافعها؛ ولا تجهل كذلك دروب نفسه ومنحنياتها الكثيرة. ومن ثم هذا التوازن بين التكليف والطاقة. وبين الأشواق والضرورات. وبين الدوافع والكوابح. وبين الأوامر والزواجر. وبين الترغيب والترهيب. وبين التهديد الرعيب بالعذاب عند المعصية والإطماع العميق في العفو والمغفرة.. إنه حسبُ هذا الدين من النفس البشرية أن يتم اتجاهها لله؛ وأن تخلص حقاً في هذا الاتجاه، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه.. فأما بعد ذلك.. فهناك رحمة الله.. هناك رحمة الله ترحم الضعف، وتعطف على القصور؛ وتقبل التوبة، وتصفح عن التقصير؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين، في إيناس وفي تكريم.. وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه. أما مقارفة هذه الكبائر- وهي واضحة ضخمة بارزة؛ لا ترتكبها النفس وهي جاهلة لها أو غير واعية! فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة.. وحتى هذه فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه.. وقد قال فيها: {أية : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}تفسير : .. وعدهم من {المتقين}. إنما الذي نحن بصدده هنا هو تكفير السيئات والذنوب مباشرة من الله، متى اجتنبت الكبائر؛ وهذا هو وعد الله هنا وبشراه للمؤمنين. أما ما هي الكبائر.. فقد وردت أحاديث تعدد أنواعاً منها - ولا تستقصيها - وذلك بدليل احتواء كل حديث على مجموعة تزيد أو تنقص؛ مما يدل على أن هذه الأحاديث كانت تعالج حالات واقعة؛ فتذكر من الكبائر - في كل حديث - ما يناسب الملابسة الحاضرة، والمسلم لا يعسر عليه أن يعلم "الكبائر" من الذنوب. وإن كانت تختلف عدداً ونوعاً بين بيئة وبيئة، وبين جيل وجيل! ونذكر هنا قصة عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو المتحرج المتشدد الشديد الحساسية بالمعصية. تبين - مع ذلك كله - كيف قوّم الإسلام حسه المرهف، وكيف جعل الميزان الحساس يعتدل في يده ويستقيم؛ وهو يعالج أمور المجتمع وأمور النفوس: قال ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون؛ عن الحسن أن ناساً سألوا عبدالله بن عمرو بمصر، فقالوا نرى أشياء من كتاب الله - عز وجل - أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها؛ فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك. فقدم وقدموا معه. فلقي عمر - رضي الله - عنه فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله، أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك. قال: فاجمعهم لي. قال فجمعتهم له. قال أبو عون: أظنه قال: في بهو.. فأخذ أدناهم رجلاً؛ فقال: أنشدك الله، وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله! قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا - ولو قال: نعم، لخصمه! قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك.. ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال: ثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}... الآية. ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا:لا. قال لو علموا لوعظت بكم!". فهكذا كان عمر - المتحرج الشديد الحساسية - يسوس القلوب والمجتمع؛ وقد قوم القرآن حسه؛ وأعطاه الميزان الدقيق.. " قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات!" ولن نكون غير ما علم ربه أن نكون! إنما المعول عليه هو القصد والتصويب والمحاولة والرغبة في الوفاء بالالتزامات، وبذل الجهد في هذا الوفاء.. إنه التوازن والجد واليسر والاعتدال. وفي سياق الحديث عن الأموال، وتداولها في الجماعة، تجيء تكملة فيما بين الرجال والنساء من ارتباطات ومعاملات. وفيما كان من عقود الولاء وعلاقاتها بنظام التوريث العام. الذي سبق تفصيله في أوائل السورة: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.. للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن.. واسألوا الله من فضله. إن الله كان بكل شيء عليما. ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون. والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم. إن الله كان على كل شيء شهيداً..} والنص عام في النهي عن تمني ما فضل الله بعض المؤمنين على بعض.. من أي أنواع التفضيل، في الوظيفة والمكانة، وفي الاستعدادات والمواهب، وفي المال والمتاع.. وفي كل ما تتفاوت فيه الأنصبة في هذه الحياة.. والتوجه بالطلب إلى الله، وسؤاله من فضله مباشرة؛ بدلاً من إضاعة النفس حسرات في التطلع إلى التفاوت؛ وبدلاً من المشاعر المصاحبة لهذا التطلع من حسد وحقد؛ ومن حنق كذلك ونقمة، أو من شعور بالضياع والحرمان، والتهاوي والتهافت أمام هذا الشعور.. وما قد ينشأ عن هذا كله من سوء ظن بالله؛ وسوء ظن بعدالة التوزيع.. حيث تكون القاصمة، التي تذهب بطمأنينة النفس، وتورث القلق والنكد؛ وتستهلك الطاقة في وجدانات خبيثة، وفي اتجاهات كذلك خبيثة. بينما التوجه مباشرة إلى فضل الله، هو ابتداء التوجه إلى مصدر الإنعام والعطاء، الذي لا ينقص ما عنده بما أعطى، ولا يضيق بالسائلين المتزاحمين على الأبواب! وهو بعد ذلك موئل الطمأنينة والرجاء؛ ومبعث الإيجابية في تلمس الأسباب، بدل بذل الجهد في التحرق والغيظ أو التهاوي والانحلال! النص عام في هذا التوجيه العام. ولكن موضعه هنا من السياق، وبعض الروايات عن سبب النزول، قد تخصص من هذا المعنى الشامل تفاوتاً معيناً، وتفضيلاً معيناً، هو الذي نزل هذا النص يعالجه.. هو التفاضل في أنصبة الرجال وأنصبة النساء.. كما هو واضح من سياق الآية في عمومها بعد ذلك.. وهذا الجانب - على أهميته الكبرى في تنظيم العلاقة بين شطري النفس البشرية وإقامتها على الرضا وعلى التكامل؛ وإشاعة هذا الرضا - من ثم - في البيوت وفي المجتمع المسلم كله؛ إلى جانب إيضاح الوظائف المنوعة فيه بين الجنسين والمهام.. هذا الجانب على أهميته هذه لا ينفي عموم النص مع خصوص السبب.. ولهذا روت التفاسير المأثورة، هذا المعنى وذاك: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان؛ عن أبى نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث.. فأنزل الله: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه. من حديث الثوري، عن أبي نجيح، عن مجاهد. قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث.. فنزلت الآية.. ثم أنزل الله: {أية : أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى}تفسير : ... الآية. وقال السدي في الآية: إن رجالاً قالوا: إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان! وقالت النساء: إنا نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإننا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا! فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم: سلوني من فضلي. قال ليس بعرض الدنيا.. وروي مثل ذلك عن قتادة.. كذلك وردت روايات أخرى بإطلاق معنى الآية: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: "ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لي مال فلان وأهله. فنهى الله عن ذلك. ولكن يسأل من فضله.. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا.. ونجد في الأقوال الأولى ظلالاً من رواسب الجاهلية في تصور ما بين الرجال والنساء من روابط؛ كما نجد روائح للتنافس بين الرجال والنساء، لعلها قد أثارتها تلك الحريات والحقوق الجديدة التي علمها الإسلام للمرأة تمشياً مع نظريته الكلية في تكريم الإنسان بجنسيه، وفي إنصاف كل جنس فيه وكل طبقة وكل أحد.. إنصافه حتى من نفسه التي بين جنبيه.. ولكن الإسلام إنما كان يستهدف من هذا كله تحقيق منهجه المتكامل بكل حذافيره. لا لحساب الرجال، ولا لحساب النساء! ولكن لحساب "الإنسان" ولحساب "المجتمع المسلم" ولحساب الخلق والصلاح والخير في إطلاقه وعمومه. وحساب العدل المطلق المتكامل الجوانب والأسباب. إن المنهج الإسلامي يتبع الفطرة في تقسيم الوظائف؛ وتقسيم الأنصبة بين الرجال والنساء. والفطرة ابتداء جعلت الرجل رجلاً والمرأة امرأة؛ وأودعت كلاً منهما خصائصه المميزة؛ لتنوط بكل منهما وظائف معينة.. لا لحسابه الخاص. ولا لحساب جنس منهما بذاته. ولكن لحساب هذه الحياة الإنسانية التي تقوم، وتنتظم، وتستوفي خصائصها، وتحقق غايتها - من الخلافة في الأرض وعبادة الله بهذه الخلافة - عن طريق هذا التنوع بين الجنسين؛ والتنوع في الخصائص والتنوع في الوظائف.. وعن طريق تنوع الخصائص؛ وتنوع الوظائف، ينشأ تنوع التكاليف، وتنوع الأنصبة، وتنوع المراكز.. لحساب تلك الشركة الكبرى والمؤسسة العظمى.. المسماة بالحياة.. وحين يدرس المنهج الإسلامي كله ابتداء، ثم يدرس الجانب الخاص منه بالارتباطات بين شطري النفس الواحدة، لا يبقى مجال لمثل ذلك الجدل القديم الذي ترويه هذه الروايات، ولا كذلك للجدل الحديث، الذي يملأ حياة الفارغين والفارغات في هذه الأيام. ويطغى أحياناً على الجادين والجادات بحكم الضجيج العام! إنه عبث تصوير الموقف كما لو كان معركة حادة بين الجنسين، تسجل فيه المواقف والانتصارات.. ولا يرتفع على هذا العبث محاولة بعض الكتاب الجادين تنقص "المرأة" وثلبها، وإلصاق كل شائنة بها.. سواء كان ذلك باسم الإسلام أو باسم البحث والتحليل.. فالمسألة ليست معركة على الإطلاق! إنما هي تنويع وتوزيع. وتكامل. وعدل بعد ذلك كامل في منهج الله. يجوز أن تكون هناك معركة في المجتمعات الجاهلية؛ التي تنشى ء أنظمتها من تلقاء نفسها؛ وفق هواها ومصالحها الظاهرة القريبة. أو مصالح طبقات غالبة فيها، أوبيوت، أو أفراد.. ومن ثم تنتقص من حقوق المرأة لأسباب من الجهالة بالإنسان كله، وبوظيفة الجنسين في الحياة، أو لأسباب من المصالح الاقتصادية في حرمان المرأة العاملة من مثل أجر الرجل العامل في نفس مهنتها. أو في توزيع الميراث، أو حقوق التصرف في المال - كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية الحديثة! فأما في المنهج الإسلامي فلا.. لا ظل للمعركة. ولا معنى للتنافس على أعراض الدنيا. ولا طعم للحملة على المرأة أو الحملة على الرجل؛ ومحاولة النيل من أحدهما، وثلبه، وتتبع نقائصه!.. ولا مكان كذلك للظن بأن هذا التنوع في التكوين والخصائص، لا مقابل له من التنوع في التكليف والوظائف، ولا آثار له في التنوع في الاختصاصات والمراكز.. فكل ذلك عبث من ناحية وسوء فهم للمنهج الإسلامي ولحقيقة وظيفة الجنسين من ناحية! وننظر في أمر الجهاد والاستشهاد ونصيب المرأة منه ومن ثوابه.. وهو ما كان يشغل بال الصالحات من النساء في الجيل الصالح، الذي يتجه بكليته إلى الآخرة؛ وهو يقوم بشئون هذه الدنيا.. وفي أمر الإرث ونصيب الذكر والأنثى منه. وقد كان يشغل بعض الرجال والنساء قديماً.. وما يزال هو وأمثاله يشغل رجالاً ونساء في هذه الأيام.. إن الله لم يكتب على المرأة الجهاد ولم يحرمه عليها؛ ولم يمنعها منه - حين تكون هناك حاجة إليها، لا يسدها الرجال - وقد شهدت المغازي الإسلامية آحاداً من النساء - مقاتلات لا مواسيات ولا حاملات أزواد - وكان ذلك على قلة وندرة بحسب الحاجة والضرورة؛ ولم يكن هو القاعدة.. وعلى أية حال، فإن الله لم يكتب على المرأة الجهاد كما كتبه على الرجال. إن الجهاد لم يكتب على المرأة، لأنها تلد الرجال الذين يجاهدون. وهي مهيأة لميلاد الرجال بكل تكوينها، العضوي والنفسي؛ ومهيأة لإعدادهم للجهاد وللحياة سواء. وهي - في هذا الحقل - أقدر وأنفع.. هي أقدر لأن كل خلية في تكوينها معدة من الناحية العضوية والناحية النفسية لهذا العمل؛ وليست المسألة في هذا مسألة التكوين العضوي الظاهر؛ بل هي - وعلى وجه التحديد - كل خلية منذ تلقيح البويضة، وتقرير أن تكون أنثى أو ذكراً من لدن الخالق - سبحانه - ثم يلي ذلك تلك الظواهر العضوية، والظواهر النفسية الكبرى.. وهي أنفع - بالنظر الواسع إلى مصلحة الأمة على المدى الطويل - فالحرب حين تحصد الرجال وتستبقي الإناث؛ تدع للأمة مراكز إنتاج للذرية تعوض الفراغ. والأمر ليس كذلك حين تحصد النساء والرجال - أو حتى حين تحصد النساء وتستبقي الرجال! فرجل واحد - في النظام الإسلامي - وعند الحاجة إلى استخدام كل رخصه وإمكانياته - يمكن أن يجعل نساء أربعاً ينتجن، ويملأن الفراغ الذي تتركه المقتلة بعد فترة من الزمان. ولكن ألف رجل لا يملكون أن يجعلوا امرأة تنتج أكثر مما تنتج من رجل واحد، لتعويض ما وقع في المجتمع من اختلال. وليس ذلك إلا باباً واحداً من أبواب الحكمة الإلهية في إعفاء المرأة من فريضة الجهاد... ووراءه أبواب شتى في أخلاق المجتمع وطبيعة تكوينه، واستبقاء الخصائص الأساسية لكلا الجنسين، لا يتسع لها المجال هنا، لأنها تحتاج إلى بحث خاص.. وأما الأجر والثواب، فقد طمأن الله الرجال والنساء عليه، فحسب كل إنسان أن يحسن فيما وكل إليه ليبلغ مرتبة الإحسان عند الله على الإطلاق.. والأمر في الميراث كذالك.. ففي الوهلة الأولى يبدو أن هناك إيثاراً للرجل في قاعدة: {فللذكر مثل حظ الأنثيين}.. ولكن هذه النظرة السطحية لا تفتأ أن تتكشف عن وحدة متكاملة في أوضاع الرجل والمرأة وتكاليفهما.. فالغنم بالغرم، قاعدة ثابتة متكاملة في المنهج الإسلامي.. فالرجل يؤدي للمرأة صداقها ابتداء ولا تؤدي هي له صداقاً. والرجل ينفق عليها وعلى أولادها منه. وهي معفاة من هذا التكليف، ولو كان لها مال خاص - وأقل ما يصيب الرجل من هذا التكليف أن يحبس فيه إذا ماطل!! - والرجل عليه في الديات والأرش (التعويض عن الجراحات) متكافلاً مع الأسرة، والمرأة منها معفاة. والرجل عليه في النفقة على المعسرين والعاجزين والعواجز عن الكسب في الأسرة - الأقرب فالأقرب - والمرأة معفاة من فريضة التكافل العائلي العام.. حتى أجر رضاع طفلها من الرجل وحضانته عند افتراقهما في المعيشة، أو عند الطلاق، يتحملها الرجل، ويؤديها لها كنفقتها هي سواء بسواء.. فهو نظام متكامل توزيع التبعات فيه هو الذي يحدد توزيع الميراث. ونصيب الرجل من التبعات أثقل من نصيبه في الميراث. ومنظور في هذا إلى طبيعته وقدرته على الكسب؛ وإلى توفير الراحة والطمأنينة الكاملة للمرأة، لتقوم على حراسة الرصيد البشري الثمين؛ الذي لا يقوّم بمال، ولا يعد له إنتاج أية سلعة أو أية خدمة أخرى للصالح العام! وهكذا نجد معالم التوازن الشامل، والتقدير الدقيق في المنهج الإسلامي الحكيم، الذي شرعه الحكيم العليم.. ونسجل هنا ما منحه الإسلام للمرأة في هذا النص من حق الملكية الفردية: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن}.. وهو الحق الذي كانت الجاهلية العربية - كغيرها من الجاهليات القديمة - تحيف عليه؛ ولا تعترف به للمرأة - إلا في حالات نادرة - ولا تفتأ تحتال للاعتداء عليه. إذ كانت المرأة ذاتها مما يستولى عليه بالوراثة، كالمتاع! وهو الحق الذي ظلت الجاهليات الحديثة - التي تزعم أنها منحت المرأة من الحقوق والاحترام ما لم يمنحه لها منهج آخر - تتحيفه؛ فبعضها يجعل الميراث لأكبر وارث من الذكور. وبعضها يجعل إذن الولي ضرورياً لتوقيع أي تعاقد للمرأة بشأن المال؛ ويجعل إذن الزوج ضرورياً لكل تصرف مالي من الزوجة في مالها الخاص! وذلك بعد ثورات المرأة وحركاتها الكثيرة؛ وما نشأ عنها من فساد في نظام المرأة كله، وفي نظام الأسرة، وفي الجو الأخلاقي العام. فأما الإسلام فقد منحها هذا الحق ابتداء؛ وبدون طلب منها، وبدون ثورة، وبدون جمعيات نسوية، وبدون عضوية برلمان!! منحها هذا الحق تمشياً مع نظرته العامة إلى تكريم الإنسان جملة؛ وإلى تكريم شِقَّيْ النفس الواحدة؛ وإلى إقامة نظامه الاجتماعي كله على أساس الأسرة؛ وإلى حياطة جو الأسرة بالود والمحبة والضمانات لكل فرد فيها على السواء. ومن هنا كانت المساواة في حق التملك وحق الكسب بين الرجال والنساء من ناحية المبدأ العام. وقد أورد الدكتور عبد الواحد وافي في كتاب "حقوق الإنسان" لفتة دقيقة إلى وضع المرأة في الإسلام ووضعها في الدول الغربية جاء فيه: "وقد سوى الإسلام كذلك بين الرجل والمرأة أمام القانون، وفي جميع الحقوق المدنية سواء في ذلك المرأة المتزوجة وغير المتزوجة. فالزواج في الإسلام يختلف عن الزواج في معظم أمم الغرب المسيحي، في أنه لا يفقد المرأة اسمها ولا شخصيتها المدنية، ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملك. بل تظل المرأة المسلمة بعد زواجها محتفظة باسمها واسم أسرتها، وبكامل حقوقها المدنية؛ وبأهليتها في تحمل الالتزامات، وإجراء مختلف العقود، من بيع وشراء ورهن وهبة ووصية؛ وما إلى ذلك؛ ومحتفظة بحقها في التملك تملكاً مستقلاً عن غيرها. فللمرأة المتزوجة في الإسلام شخصيتها المدنية الكاملة، وثروتها الخاصة المستقلة عن شخصية زوجها وثروته. ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً من مالها - قل ذلك أو كثر - قال تعالى: {أية : وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج، وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً. أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً؟}تفسير : وقال: {أية : ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً}تفسير : .. وإذا كان لا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً مما سبق أن آتاه لزوجته فلا يجوز له من باب أولى أن يأخذ شيئاً من ملكها الأصيل إلا أن يكون هذا أو ذاك برضاها، وعن طيب نفس منها. وفي هذا يقول الله تعالى: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً، فكلوه هنيئاً مريئاً}تفسير : ولا يحل للزوج كذلك أن يتصرف في شيء من أموالها، إلا إذا أذنت له بذلك، أو وكلته في إجراء عقد بالنيابة عنها. وفي هذه الحالة يجوز أن تلغي وكالته، وتوكل غيره إذا شاءت. "وهذه المنزلة من المساواة لم يصل إلى مثلها - بعد - أحدث القوانين في أرقى الأمم الديمقراطية الحديثة. فحالة المرأة في فرنسا كانت إلى عهد قريب - بل لا تزال إلى الوقت الحاضر - أشبه شيء بحالة الرق المدني. فقد نزع منها القانون صفة الأهلية في كثير من الشئون المدنية، كما تنص على ذلك المادة السابعة عشرة بعد المائتين من القانون المدني الفرنسي. إذ تقرر أن: "المرأة المتزوجة - حتى ولو كان زواجها قائماً على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها - لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها، ولا أن ترهن، ولا أن تمتلك بعوض أو بغير عوض، بدون اشتراك زوجها في العقد، أو موافقته عليه موافقة كِتَابِيَّة!".. وأورد نصها الفرنسي... "ومع ما أدخل على هذه المادة من قيود وتعديلات، فيما بعد، فإن كثيراً من آثارها لا يزال ملازماً لوضع المرأة الفرنسية من الناحية القانونية إلى الوقت الحاضر.. وتوكيداً لهذا الرق المفروض على المرأة الغربية تقرر قوانين الأمم الغربية، ويقضي عرفها، أن المرأة بمجرد زواجها تفقد اسمها واسم اسرتها، فلا تعود تسمى فلانة؛ بنت فلان ; بل تحمل اسم زوجها وأسرته؛ فتدعى "مدام فلان" أو تتبع اسمها باسم زوجها وأسرته، بدلاً من أن تتبعه باسم أبيها وأسرتها.. وفقدان اسم المرأة، وحملها لاسم زوجها، كل ذلك يرمز إلى فقدان الشخصية المدنية للزوجة، واندماجها في شخصية الزوج. "ومن الغريب أن الكثير من سيداتنا يحاولن أن يتشبهن بالغربيات - حتى في هذا النظام الجائر - ويرتضين لأنفسهن هذه المنزلة الوضيعة؛ فتسمي الواحدة منهن نفسها باسم زوجها؛ أو تتبع اسمها باسم زوجها وأسرته، بدلاً من أن تتبعه باسم أبيها وأسرتها، كما هو النظام الإسلامي، وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه المحاكاة العمياء! وأغرب من هذا كله أن اللاتي يحاكين هذه المحاكاة! هن المطالبات بحقوق النساء، ومساواتهن بالرجال؛ ولا يدرين أنهن بتصرفهن هذا يفرطن في أهم حق منحه الإسلام لهن؛ ورفع به شأنهن، وسواهن فيه بالرجال". والآن نجيء إلى النص الأخير في هذه الفقرة؛ وهو ينظم التصرف في عقود الولاء التي سبقت أحكام الميراث. هذه الأحكام التي حصرت الميراث في القرابة. بينما عقود الولاء كانت تجعلها كذلك في غير القرابة على ما سيأتي بيانه: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون؛ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم. إن الله كان على كل شيء شهيداً}.. بعد أن ذكر أن للرجال نصيباً مما اكتسبوا، وللنساء نصيباً مما اكتسبن.. وبين - فيما سلف - أنصبة الذكور والإناث في الميراث.. ذكر أن الله جعل لكل موالي من قرابته يرثونه. يرثونه مما آل إليه من الوالدين والأقربين.. فالمال يظل يتداول بهذا الإرث جيلاً بعد جيل. يرث الوارثون ثم يضمون إلى ميراثهم ما يكتسبون؛ ثم يرثهم من يلونهم من الأقربين.. وهي صورة تمثل دورة المال في النظام الإسلامي؛ وأنها لا تقف عند جيل؛ ولا تتركز في بيت ولا فرد.. إنما هو التوارث المستمر، والتداول المستمر، وحركة التوزيع الدائبة؛ وما يتبعها من تعديل في المالكين، وتعديل في المقادير، بين الحين والحين.. ثم عطف على العقود، التي أقرتها الشريعة الإسلامية؛ والتي تجعل الإرث يذهب أحياناً إلى غير الأقرباء.. وهي عقود الموالاة.. وقد عرف المجتمع الإسلامي أنواعاً من هذه العقود: الأول عقد ولاء العتق، وهو النظام الذي يصبح بمقتضاه الرقيق - بعد عتقه - بمنزلة العضو في أسرة مولاه (مولى العتق) فيدفع عنه المولى الدية، إذا ارتكب جناية توجب الدية - كما يفعل ذلك حيال أقربائه من النسب - ويرثه إذا مات ولم يترك عصبة.. والثاني عقد الموالاة. وهو النظام الذي يبيح لغير العربي - إذا لم يكن له وارث من أقاربه - أن يرتبط بعقد مع عربي هو (مولى الموالاة). فيصبح بمنزلة عضو في أسرة مولاه. يدفع عنه المولى الدية - إذا ارتكب جناية توجب الدية - ويرثه إذا مات. والنوع الثالث، هو الذي عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - أول العهد بالمدينة، بين المهاجرين والأنصار. فكان المهاجر يرث الأنصاري، مع أهله - كواحد منهم - أو دون أهله إن كانوا مشركين فصلت بينهم وبينه العقيدة.. والنوع الرابع.. كان في الجاهلية، يعاقد الرجل الرجل، ويقول: "وترثني وأرثك".. وقد جعل الإسلام يصفي هذه العقود؛ وبخاصة النوعين الثالث والرابع. بتقرير أن الميراث سببه القرابة. والقرابة وحدها. ولكنه لم يبطل العقود التي سبق عقدها. فأمضاها على ألا يجدد سواها. وقال الله سبحانه: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}. وشدد في هذا وأشهد الله على العقد وعلى التصرف فيه: {إن الله كان على كل شيء شهيداً}.. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا حلف في الإسلام. وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" تفسير : (رواه أحمد ومسلم). وقد سار الإسلام في تصفية هذه العقود سيرته في كل ما يتعلق بالأنظمة المالية، في علاجه لها - بدون أثر رجعي - فهكذا صنع في الربا حين أبطله. أبطله منذ نزول النص، وترك لهم ما سلف منه؛ ولم يأمر برد الفوائد الربوية. وإن كان لم يصحح العقود السابقة على النص، ما لم يكن قد تم قبض تلك الفوائد. فأما هنا فقد احترم تلك العقود؛ على ألا ينشأ منها جديد. لما يتعلق بها - فوق الجانب المالي - من ارتباطات أخذت طابع العضوية العائلية بتشابكاتها الكثيرة المعقدة. فترك هذه العقود القائمة تنفذ؛ وشدد في الوفاء بها؛ وقطع الطريق على الجديد منها؛ قبل أن تترتب عليه أية آثار تحتاج إلى علاج! وفي هذا التصرف يبدو التيسير، كما يبدو العمق والإحاطة والحكمة والشمول، في علاج الأمور في المجتمع. حيث كان الإسلام يصوغ ملامح المجتمع المسلم يوماً بعد يوم؛ ويمحو ويلغي ملامح الجاهلية في كل توجيه وكل تشريع. والموضوع الأخير في هذا الدرس، هو تنظيم مؤسسة الأسرة؛ وضبط الأمور فيها؛ وتوزيع الاختصاصات، وتحديد الواجبات؛ وبيان الإجراءات التي تتخذ لضبط أمور هذه المؤسسة؛ والمحافظة عليها من زعازع الأهواء والخلافات؛ واتقاء عناصر التهديم فيها والتدمير، جهد المستطاع: {الرجال قوامون على النساء, بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله. واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. إن الله كان علياً كبيراً. وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما. إن الله كان عليماً خبيراً}.. ولا بد - قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية، وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية - من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة، ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها، وأهدافه منها.. بيان مجمل بقدر الإمكان، إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص: إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته "الزوجية" شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود: {أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}تفسير : .. ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة: {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها}تفسير : .. وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكناً للنفس، وهدوءاً للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد.. ثم ستراً وإحصاناً وصيانة.. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهادىء المطمئن المستور المصون: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}تفسير : .. {أية : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}تفسير : .. {أية : نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله}تفسير : .. {أية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}تفسير : .. {أية : والذين آمنوا، واتبعتهم ذريتهم بإيمان، ألحقنا بهم ذريتهم، وما ألتناهم من عملهم من شيء }. تفسير : ومن تساوي شطري النفس الواحدة في موقفهما من الله، ومن تكريمه للإنسان، كان ذلك التكريم للمرأة، وتلك المساواة في حقوق الأجر والثواب عند الله، وفي حقوق التملك والإرث، وفي استقلال الشخصية المدنية.. التي تحدثنا عنها في الصفحات السابقة من هذا الدرس. ومن أهمية التقاء شطري النفس الواحدة، لإنشاء مؤسسة الأسرة. ومن ضخامة تبعة هذه المؤسسة أولاً: في توفير السكن والطمأنينة والستر والإحصان للنفس بشطريها، وثانياً: في إمداد المجتمع الإنساني بعوامل الامتداد والترقي... كانت تلك التنظيمات الدقيقة المحكمة التي تتناول كل جزئية من شئون المؤسسة.. وقد احتوت هذه السورة جانباً من هذه التنظيمات هو الذي استعرضناه في الصفحات السابقة من أول هذا الجزء؛ تكملة لما استعرضناه منها في الجزء الرابع.. واحتوت سورة البقرة جانباً آخر، هو الذي استعرضناه في الجزء الثاني. واحتوت سور أخرى من القرآن، وعلى الأخص سورة النور في الجزء الثامن عشر وسورة الأحزاب في الجزءين الحادي والعشرين والثاني والعشرين وسورة الطلاق وسورة التحريم في الجزء الثامن والعشرين.. ومواضع أخرى متفرقة في السور، جوانب أخرى تؤلف دستوراً كاملاً شاملاً دقيقاً لنظام هذه المؤسسة الإنسانية؛ وتدل بكثرتها وتنوعها ودقتها وشمولها، على مدى الأهمية التي يعقدها المنهج الإسلامي للحياة الإنسانية على مؤسسة الأسرة الخطيرة! ونرجو أن يكون قارىء هذه الصفحة على ذكر مما سبق في صفحات هذا الجزء نفسه؛ عن طفولة الطفل الإنساني، وطولها، وحاجته في خلالها إلى بيئة تحميه أولاً حتى يستطيع أن يكسب رزقه للمعاش؛ وأهم من هذا أن تؤهله، بالتربية، إلى وظيفته الاجتماعية؛ والنهوض بنصيبه في ترقية المجتمع الإنساني، وتركه خيراً مما تسلمه، حين جاء إليه! فهذا الكلام ذو أهمية خاصة في بيان قيمة مؤسسة الأسرة؛ ونظرة المنهج الإسلامي إلى وظائفها، والغاية منها؛ واهتمامه بصيانتها، وحياطتها من كل عوامل التدمير من قريب ومن بعيد.. وفي ظل هذه الإشارات المجملة إلى طبيعة نظرة الإسلام للأسرة وأهميتها؛ ومدى حرصه على توفير ضمانات البقاء والاستقرار والهدوء في جوها.. إلى جانب ما أوردناه من تكريم هذا المنهج للمرأة؛ ومنحها استقلال الشخصية واحترامها؛ والحقوق التي أنشأها لها إنشاء - لا محاباة لذاتها ولكن لتحقيق أهدافه الكبرى من تكريم الإنسان كله ورفع الحياة الإنسانية - نستطيع أن نتحدث عن النص الأخير في هذا الدرس، الذي قدمنا للحديث عنه بهذا الإيضاح: إن هذا النص - في سبيل تنظيم المؤسسة الزوجية وتوضيح الاختصاصات التنظيمية فيها لمنع الاحتكاك فيها بين أفرادها، بردهم جميعاً إلى حكم الله لا حكم الهوى والانفعالات والشخصيات - يحدد أن القوامة في هذه المؤسسة للرجل؛ ويذكر من أسباب هذه القوامة: تفضيل الله للرجل بمقومات القوامة، وما تتطلبه من خصائص ودربة، و.. تكليف الرجل الإنفاق على المؤسسة. وبناء على إعطاء القوامة للرجل، يحدد كذلك اختصاصات هذه القوامة في صيانة المؤسسة من التفسخ؛ وحمايتها من النزوات العارضة؛ وطريقة علاج هذه النزوات - حين تعرض - في حدود مرسومة - وأخيراً يبين الإجراءات - الخارجية - التي تتخذ عندما تفشل الإجراءات الداخلية، ويلوح شبح الخطر على المؤسسة، التي لا تضم شطري النفس الواحدة فحسب، ولكن تضم الفراخ الخضر، الناشئة في المحضن. المعرضة للبوار والدمار. فلننظر فيما وراء كل إجراء من هذه الإجراءات من ضرورة، ومن حكمة، بقدر ما نستطيع: {الرجال قوامون على النساء. بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم}.. إن الأسرة - كما قلنا - هي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية. الأولى من ناحية أنها نقطة البدء التي تؤثر في كل مراحل الطريق. والأولى من ناحية الأهمية لأنها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون، في التصور الإسلامي. وإذا كانت المؤسسات الأخرى الأقل شأناً، والأرخص سعراً: كالمؤسسات المالية والصناعية والتجارية... وما إليها... لا يوكل أمرها - عادة - إلا لأكفأ المرشحين لها؛ ممن تخصصوا في هذا الفرع علمياً، ودربوا عليه عملياً، فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة... إذا كان هذا هو الشأن في المؤسسات الأقل شأناً والأرخص سعراً.. فأولى أن تتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة، التي تنشئ أثمن عناصر الكون.. العنصر الإنساني.. والمنهج الرباني يراعي هذا. ويراعي به الفطرة، والاستعدادات الموهوبة لشطري النفس لأداء الوظائف المنوطة بكل منهما وفق هذه الاستعدادات، كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري النفس الواحدة. والعدالة في اختصاص كل منهما بنوع الأعباء المهيأ لها، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميزة المتفردة.. والمسلم به ابتداء أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق الله. وأن الله - سبحانه - لا يريد أن يظلم أحداً من خلقه، وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة! وقد خلق الله الناس ذكراً وأنثى.. زوجين على أساس القاعدة الكلية في بناء هذا الكون.. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل.. وهي وظائف ضخمة أولاً وخطيرة ثانياً. وليست هينة ولا يسيرة، بحيث تؤدَّى بدون إعداد عضوي ونفسي وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى! فكان عدلاً كذلك أن ينوط بالشطر الثاني - الرجل - توفير الحاجات الضرورية. وتوفير الحماية كذلك للأنثى؛ كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة؛ ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل.. ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد! وكان عدلاً كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه. وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظيفتها تلك. وكان هذا فعلاً.. ولا يظلم ربك أحداً.. ومن ثم زودت المرأة - فيما زودت به من الخصائص - بالرقة والعطف، وسرعة الانفعال والاستجابة العاجلة لمطالب الطفولة - بغير وعي ولا سابق تفكير - لأن الضرورات الإنسانية العميقة كلها - حتى في الفرد الواحد - لم تترك لأرجحة الوعي والتفكير وبطئه، بل جعلت الاستجابة لها غير إرادية! لتسهل تلبيتها فوراً وفيما يشبه أن يكون قسراً. ولكنه قسر داخلي غير مفروض من الخارج؛ ولذيذ ومستحب في معظم الأحيان كذلك، لتكوين الاستجابة سريعة من جهة ومريحة من جهة أخرى - مهما يكن فيها من المشقة والتضحية! صنع الله الذي أتقن كل شيء. وهذه الخصائص ليست سطحية. بل هي غائرة في التكوين العضوي والعصبي والعقلي والنفسي للمرأة.. بل يقول كبار العلماء المختصين: إنها غائرة في تكوين كل خلية. لأنها عميقة في تكوين الخلية الأولى، التي يكون من انقسامها وتكاثرها الجنين، بكل خصائصه الأساسية! وكذلك زود الرجل - فيما زود به من الخصائص - بالخشونة والصلابة، وبطء الانفعال والاستجابة؛ واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة. لأن وظائفه كلها من أول الصيد الذي كان يمارسه في أول عهده بالحياة إلى القتال الذي يمارسه دائماً لحماية الزوج والأطفال. إلى تدبير المعاش.. إلى سائر تكاليفه في الحياة.. لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام؛ وإعمال الفكر، والبطء في الاستجابة بوجه عام!.. وكلها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها.. وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة، وأفضل في مجالها.. كما أن تكليفه بالإنفاق - وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة؛ والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها.. وهذان هما العنصران اللذان أبرزهما النص القرآني، وهو يقرر قوامة الرجال على النساء في المجتمع الإسلامي. قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد. ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات. ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية؛ وتكليف كل شطر - في هذا التوزيع - بالجانب الميسر له، والذي هو معان عليه من الفطرة. وأفضليته في مكانها.. في الاستعداد للقوامة والدربة عليها.. والنهوض بها بأسبابها.. لأن المؤسسة لا تسير بلا قوامة - كسائر المؤسسات الأقل شأناً والأرخص سعراً - ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها، معان عليها، مكلف تكاليفها. وأحد الشطرين غير مهيأ لها، ولا معان عليها.. ومن الظلم أن يحملها ويحمل تكاليفها إلى جانب أعبائه الأخرى.. وإذا هو هيىء لها بالاستعدادات الكامنة، ودرب عليها بالتدريب العلمي والعملي، فسد استعداده للقيام بالوظيفة الأخرى.. وظيفة الأمومة.. لأن لها هي الأخرى مقتضياتها واستعداداتها. وفي مقدمتها سرعة الانفعال، وقرب الاستجابة. فوق الاستعدادات الغائرة في التكوين العضوي والعصبي؛ وآثارها في السلوك والاستجابة! إنها مسائل خطيرة.. أخطر من أن تتحكم فيها أهواء البشر.. وأخطر من أن تترك لهم يخبطون فيها خبط عشواء.. وحين تركت لهم ولأهوائهم في الجاهليات القديمة والجاهليات الحديثة، هددت البشرية تهديداً خطيراً في وجودها ذاته؛ وفي بقاء الخصائص الإنسانية، التي تقوم بها الحياة الإنسانية وتتميز. ولعل من الدلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها؛ ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها.. لعل من هذه الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط وفساد، ومن تدهور وانهيار؛ ومن تهديد بالدمار والبوار، في كل مرة خولفت فيها هذه القاعدة. فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة. أو اختلطت معالمها. أو شذت عن قاعدتها الفطرية الأصلية! ولعل من هذه الدلائل توقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القوامة على أصلها الفطري في الأسرة. وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة؛ عندما تعيش مع رجل، لا يزاول مهام القوامة؛ وتنقصه صفاتها اللازمة؛ فيكل إليها هي القوامة! وهي حقيقة ملحوظة تسلم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام! ولعل من هذه الدلائل أن الأطفال - الذين ينشأون في مؤسسة عائلية القوامة فيها ليست للأب. إما لأنه ضعيف الشخصية، بحيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر. وإما لأنه مفقود: لوفاته - أو لعدم وجود أب شرعي! - قلما ينشأون أسوياء. وقل ألا ينحرفوا إلى شذوذ ما، في تكوينهم العصبي والنفسي، وفي سلوكهم العملي والخلقي.. فهذه كلها بعض الدلائل، التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها، ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها! ولا نستطيع أن نستطرد أكثر من هذا - في سياق الظلال - عن قوامة الرجال ومقوماتها ومبرراتها، وضرورتها وفطريتها كذلك.. ولكن ينبغي أن نقول: إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني؛ ولا إلغاء وضعها "المدني" - كما بينا ذلك من قبل - وإنما هي وظيفة - داخل كيان الأسرة - لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة، وصيانتها وحمايتها. ووجود القيم في مؤسسة ما، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها، والعاملين في وظائفها. فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية، وصيانة وحماية، وتكاليف في نفسه وماله، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله. وبعد بيان واجب الرجل وحقه والتزاماته وتكاليفه في القوامة، يجيء بيان طبيعة المرأة المؤمنة الصالحة وسلوكها وتصرفها الإيماني في محيط الأسرة: {فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله}.. فمن طبيعة المؤمنة الصالحة، ومن صفتها الملازمة لها، بحكم إيمانها وصلاحها، أن تكون.. قانتة.. مطيعة. والقنوت: الطاعة عن إرادة وتوجه ورغبة ومحبة، لا عن قسر وإرغام وتفلت ومعاظلة! ومن ثم قال: قانتات. ولم يقل طائعات. لأن مدلول اللفظ الأول نفسي، وظلاله رخية ندية.. وهذا هو الذي يليق بالسكن والمودة والستر والصيانة بين شطري النفس الواحدة. في المحضن الذي يرعى الناشئة، ويطبعهم بجوه وأنفاسه وظلاله وإيقاعاته! ومن طبيعة المؤمنة الصالحة، ومن صفتها الملازمة لها، بحكم إيمانها وصلاحها كذلك، أن تكون حافظة لحرمة الرباط المقدس بينها وبين زوجها في غيبته - وبالأولى في حضوره - فلا تبيح من نفسها في نظرة أو نبرة - بله العرض والحرمة - مالا يباح إلا له هو - بحكم أنه الشطر الآخر للنفس الواحدة. وما لا يباح، لا تقرره هي، ولا يقرره هو: إنما يقرره الله سبحانه: {بما حفظ الله}.. فليس الأمر أمر رضاء الزوج عن أن تبيح زوجته من نفسها - في غيبته أو في حضوره - ما لا يغضب هو له. أو ما يمليه عليه وعليها المجتمع! إذا انحرف المجتمع عن منهج الله.. إن هنالك حكماً واحداً في حدود هذا الحفظ؛ فعليها أن تحفظ نفسها {بما حفظ الله}.. والتعبير القرآني لا يقول هذا بصيغة الأمر. بل بما هو أعمق وأشد توكيداً من الأمر. إنه يقول: إن هذا الحفظ بما حفظ الله، هو من طبيعة الصالحات، ومن مقتضى صلاحهن! وعندئذ تتهاوى كل أعذار المهزومين والمهزومات من المسلمين والمسلمات. أمام ضغط المجتمع المنحرف. وتبرز حدود ما تحفظه الصالحات بالغيب: {بما حفظ الله} مع القنوت الطائع الراضي الودود.. فأما غير الصالحات.. فهن الناشزات. (من الوقوف على النشز وهو المرتفع البارز من الأرض) وهي صورة حسية للتعبير عن حالة نفسية. فالناشز تبرز وتستعلي بالعصيان والتمرد.. والمنهج الإسلامي لا ينتظر حتى يقع النشوز بالفعل، وتعلن راية العصيان؛ وتسقط مهابة القوامة؛ وتنقسم المؤسسة إلى معسكرين.. فالعلاج حين ينتهي الأمر إلى هذا الوضع قلما يجدي. ولا بد من المبادرة في علاج مبادىء النشوز قبل استفحاله. لأن مآله إلى فساد في هذه المنظمة الخطيرة، لا يستقر معه سكن ولا طمأنينة، ولا تصلح معه تربية ولا إعداد للناشئين في المحضن الخطير. ومآله بعد ذلك إلى تصدع وانهيار ودمار للمؤسسة كلها؛ وتشرد للناشئين فيها؛ أو تربيتهم بين عوامل هدامة مفضية إلى الأمراض النفسية والعصبية والبدنية... وإلى الشذوذ.. فالأمر إذن خطير. ولا بد من المبادرة باتخاذ الإجراءات المتدرجة في علاج علامات النشوز منذ أن تلوح من بعيد.. وفي سبيل صيانة المؤسسة من الفساد، أو من الدمار، أبيح للمسئول الأول عنها أن يزاول بعض أنواع التأديب المصلحة في حالات كثيرة.. لا للانتقام، ولا للإهانة، ولا للتعذيب.. ولكن للإصلاح ورأب الصدع في هذه المرحلة المبكرة من النشوز: {واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن. واهجروهن في المضاجع. واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إن الله كان علياً كبيراً}.. واستحضار ما سبق لنا بيانه من تكريم الله للإنسان بشطريه. ومن حقوق للمرأة نابعة من صفتها الإنسانية.. ومن احتفاظ للمرأة المسلمة بشخصيتها المدنية بكامل حقوقها.. بالإضافة إلى أن قوامة الرجل عليها لا تفقدها حقها في اختيار شريك حياتها؛ والتصرف في أمر نفسها والتصرف في أمر مالها.. إلى آخر هذه المقومات البارزة في المنهج الإسلامي.. استحضار هذا الذي سبق كله؛ واستحضار ما قيل عن أهمية مؤسسة الأسرة كذلك.. يجعلنا نفهم بوضوح - حين لا تنحرف القلوب بالهوى والرءوس بالكبر! - لماذا شرعت هذه الإجراءات التأديبية أولاً. والصورة التي يجب أن تؤدى بها ثانياً.. إنها شرعت كإجراء وقائي - عند خوف النشوز - للمبادرة بإصلاح النفوس والأوضاع، لا لزيادة إفساد القلوب، وملئها بالبغض والحنق، أو بالمذلة والرضوخ الكظيم! إنها..أبداً.. ليست معركة بين الرجل والمرأة. يراد لها بهذه الإجراءات تحطيم رأس المرأة حين تهم بالنشوز؛ وردها إلى السلسلة كالكلب المسجور! إن هذا قطعاً.. ليس هو الإسلام.. إنما هو تقاليد بيئية في بعض الأزمان. نشأت مع هوان "الإنسان" كله. لا هوان شطر منه بعينه.. فأما حين يكون هو الإسلام، فالأمر مختلف جداً في الشكل والصورة. وفي الهدف والغاية.. {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن}.. هذا هو الإجراء الأول.. الموعظة.. وهذا هو أول واجبات القيم ورب الأسرة. عمل تهذيبي. مطلوب منه في كل حالة: {أية : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}تفسير : .. ولكنه في هذه الحالة بالذات، يتجه اتجاهاً معيناً لهدف معين. هو علاج أعراض النشوز قبل أن تستفحل وتستعلن. ولكن العظة قد لا تنفع. لأن هناك هوى غالباً، أو انفعالاً جامحاً، أو استعلاء بجمال. أو بمال. أو بمركز عائلي.. أو بأي قيمة من القيم. تنسي الزوجة أنها شريكة في مؤسسة، وليست نداً في صراع أو مجال افتخار!.. هنا يجيء الإجراء الثاني.. حركة استعلاء نفسية من الرجل على كل ما تدل به المرأة من جمال وجاذبية أو قيم أخرى، ترفع بها ذاتها عن ذاته، أو عن مكان الشريك في مؤسسة عليها قوامة. {واهجروهن في المضاجع}.. والمضجع موضع الإغراء والجاذبية، التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها. فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها. وكانت - في الغالب - أميل إلى التراجع والملاينة، أمام هذا الصمود من رجلها، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه، في أحرج مواضعها!.. على أن هناك أدباً معيناً في هذا الإجراء.. إجراء الهجر في المضاجع.. وهو ألا يكون هجراً ظاهراً في غير مكان خلوة الزوجين.. لا يكون هجراً أمام الأطفال، يورث نفوسهم شراً وفساداً.. ولا هجراً أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزًا. فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة؛ ولا إفساد الأطفال! وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء.. ولكن هذه الخطوة قد لا تفلح كذلك.. فهل تترك المؤسسة تتحطم؟ إن هناك إجراء - ولو أنه أعنف - ولكنه أهون وأصغر من تحطيم المؤسسة كلها بالنشوز: {واضربوهن}.. واستصحاب المعاني السابقة كلها؛ واستصحاب الهدف من هذه الإجراءات كلها يمنع أن يكون هذا الضرب تعذيباً للانتقام والتشفي. ويمنع أن يكون إهانة للإذلال والتحقير. ويمنع أن يكون أيضاً للقسر والإرغام على معيشة لا ترضاها.. ويحدد أن يكون ضرب تأديب، مصحوب بعاطفة المؤدب المربي؛ كما يزاوله الأب مع أبنائه وكما يزاوله المربي مع تلميذه.. ومعروف - بالضرورة - أن هذه الإجراءات كلها لا موضع لها في حالة الوفاق بين الشريكين في المؤسسة الخطيرة. وإنما هي لمواجهة خطر الفساد والتصدع. فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما هو الذي تعالجه هذه الإجراءات.. وحين لا تجدي الموعظة، ولا يجدي الهجر في المضاجع.. لا بد أن يكون هذا الانحراف من نوع آخر، ومن مستوى آخر، لا تجدي فيه الوسائل الأخرى.. وقد تجدي فيه هذه الوسيلة! وشواهد الواقع، والملاحظات النفسية، على بعض أنواع الانحراف، تقول: إن هذه الوسيلة تكون أنسب الوسائل لإشباع انحراف نفسي معين، وإصلاح سلوك صاحبه.. وإرضائه.. في الوقت ذاته! على أنه من غير أن يكون هناك هذا الانحراف المرضي، الذي يعينه علم النفس التحليلي بالاسم؛ إذ نحن لا نأخذ تقريرات علم النفس مسلمات "علمية"، فهو لم يصبح بعد "علماً" بالمعنى العلمي، كما يقول الدكتور "ألكسيس كاريل"، فربما كان من النساء من لا تحس قوة الرجل الذي تحب نفسها أن تجعله قيماً وترضى به زوجاً، إلا حين يقهرها عضلياً! وليست هذه طبيعة كل امرأة. ولكن هذا الصنف من النساء موجود. وهو الذي قد يحتاج إلى هذه المرحلة الأخيرة.. ليستقيم. ويبقي على المؤسسة الخطيرة.. في سلم وطمأنينة! وعلى أية حال، فالذي يقرر هذه الإجراءات، هو الذي خلق. وهو أعلم بمن خلق. وكل جدال بعد قول العليم الخبير مهاترة؛ وكل تمرد على اختيار الخالق وعدم تسليم به، مفض إلى الخروج من مجال الإيمان كله.. وهو - سبحانه - يقررها، في جو وفي ملابسات تحدد صفتها، وتحدد النية المصاحبة لها، وتحدد الغاية من ورائها. بحيث لا يحسب على منهج الله تلك المفهومات الخاطئة للناس في عهود الجاهلية؛ حين يتحول الرجل جلاداً - باسم الدين! وتتحول المرأة رقيقاً - باسم الدين! - أو حين يتحول الرجل امرأة؛ وتتحول المرأة رجلاً؛ أو يتحول كلاهما إلى صنف ثالث مائع بين الرجل والمرأة - باسم التطور في فهم الدين - فهذه كلها أوضاع لا يصعب تمييزها عن الإسلام الصحيح ومقتضياته في نفوس المؤمنين! وقد أبيحت هذه الإجراءات لمعالجة أعراض النشوز - قبل استفحالها - وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها، فور تقريرها وإباحتها. وتولى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنته العملية في بيته مع أهله، وبتوجيهاته الكلامية علاج الغلو هنا وهناك، وتصحيح المفهومات في أقوال كثيرة: ورد في السنن والمسند: "حديث : عن معاوية بن حيدة القشيري، أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت. ولا تضرب الوجه. ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت"تفسير : .. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه: "حديث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا تضربوا إماء الله".. فجاء - عمر رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ذئرت النساء على أزواجهن! فرخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ضربهن. فأطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير يشتكين أزواجهن! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن.. ليس أولئك بخياركم "!! "حديث : وقال - صلى الله عليه وسلم - لا يضرب أحدكم امرأته كالعير يجلدها أول النهار. ثم يضاجعها آخره "تفسير : وقال "حديث : خيركم خيركم لأهله. وأنا خيركم لأهلي ". تفسير : ومثل هذه النصوص والتوجيهات؛ والملابسات التي أحاطت بها؛ ترسم صورة لصراع الرواسب الجاهلية مع توجيهات المنهج الإسلامي، في المجتمع المسلم، في هذا المجال. وهي تشبه صورة الصراع بين هذه الرواسب وهذه التوجيهات في شتى مجالات الحياة الأخرى. قبل أن تستقر الأوضاع الإسلامية الجديدة، وتعمق جذورها الشعورية في أعماق الضمير المسلم في المجتمع الإسلامي.. وعلى أية حال فقد جعل لهذه الإجراءات حد تقف عنده - متى تحققت الغاية - عند مرحلة من مراحل هذه الإجراءات. فلا تتجاوز إلى ما وراءها: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً}.. فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة. مما يدل على أن الغاية - غاية الطاعة - هي المقصودة. وهي طاعة الاستجابة لا طاعة الإرغام. فهذه ليست طاعة تصلح لقيام مؤسسة الأسرة، قاعدة الجماعة. ويشير النص إلى أن المضي في هذه الإجراءات بعد تحقق الطاعة بغي وتحكم وتجاوز. {فلا تبغوا عليهن سبيلاً}.. ثم يعقب على هذا النهي بالتذكير بالعلي الكبير.. كي تتطامن القلوب، وتعنو الرؤوس، وتتبخر مشاعر البغي والاستعلاء، إن طافت ببعض النفوس: على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب. {إن الله كان علياً كبيراً}.. ذلك حين لا يستعلن النشوز، وإنما تتقى بوادره. فأما إذا كان قد استعلن. فلا تتخذ تلك الإجراءات التي سلفت. إذا لا قيمة لها إذن ولا ثمرة. وإنما هي إذن صراع وحرب بين خصمين ليحطم أحدهما رأس الآخر! وهذا ليس المقصود، ولا المطلوب.. وكذلك إذا رئي أن استخدام هذه الإجراءات قد لا يجدي، بل سيزيد الشقة بعداً، والنشوز استعلاناً؛ ويمزق بقية الخيوط التي لا تزال مربوطة. أو إذا أدى استخدام تلك الوسائل بالفعل إلى غير نتيجة.. في هذه الحالات كلها يشير المنهج الإسلامي الحكيم بإجراء أخير؛ لإنقاذ المؤسسة العظيمة من الانهيار. قبل أن ينفض يديه منها ويدعها تنهار: {وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها. إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما. إن الله كان عليماً خبيراً}.. وهكذا لا يدعو المنهج الإسلامي إلى الاستسلام لبوادر النشوز والكراهية؛ ولا إلى المسارعة بفصم عقدة النكاح، وتحطيم مؤسسة الأسرة على رؤوس من فيها من الكبار والصغار - الذين لا ذنب لهم ولا يد ولا حيلة - فمؤسسة الأسرة عزيزة على الإسلام؛ بقدر خطورتها في بناء المجتمع، وفي إمداده باللبنات الجديدة، اللازمة لنموه ورقيه وامتداده. إنه يلجأ إلى هذه الوسيلة الأخيرة - عند خوف الشقاق - فيبادر قبل وقوع الشقاق فعلاً.. ببعث حكم من أهلها ترتضيه، وحكم من أهله يرتضيه. يجتمعان في هدوء. بعيدين عن الانفعالات النفسية، والرواسب الشعورية، والملابسات المعيشية، التي كدرت صفو العلاقات بين الزوجين. طليقين من هذه المؤثرات التي تفسد جو الحياة، وتعقد الأمور، وتبدو - لقربها من نفسي الزوجين - كبيرة تغطي على كل العوامل الطيبة الأخرى في حياتهما. حريصين على سمعة الأسرتين الأصليتين. مشفقين على الأطفال الصغار. بريئين من الرغبة في غلبة أحدهما على الآخر - كما قد يكون الحال مع الزوجين في هذه الظروف - راغبين في خير الزوجين وأطفالهما ومؤسستهما المهددة بالدمار... وفي الوقت ذاته هما مؤتمنان على أسرار الزوجين، لأنهما من أهلهما: لا خوف من تشهيرهما بهذه الأسرار. إذ لا مصلحة لهما في التشهير بها، بل مصلحتهما في دفنها ومداراتها! يجتمع الحكمان لمحاولة الإصلاح. فإن كان في نفسي الزوجين رغبة حقيقية في الإصلاح، وكان الغضب فقط هو الذي يحجب هذه الرغبة، فإنه بمساعدة الرغبة القوية في نفس الحكمين، يقدر الله الصلاح بينهما والتوفيق: {إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما}.. فهما يريدان الإصلاح، والله يستجيب لهما ويوفق.. وهذه هي الصلة بين قلوب الناس وسعيهم، ومشيئة الله وقدره.. إن قدر الله هو الذي يحقق ما يقع في حياة الناس. ولكن الناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا؛ وبقدر الله - بعد ذلك - يكون ما يكون. ويكون عن علم بالسرائر وعن خبرة بالصوالح: {إن الله كان عليماً خبيراً}. وهكذا نرى - في هذا الدرس - مدى الجدية والخطورة في نظرة الإسلام إلى المرأة وعلاقات الجنسين ومؤسسة الأسرة، وما يتصل بها من الروابط الاجتماعية.. ونرى مدى اهتمام المنهج الإسلامي بتنظيم هذا الجانب الخطير من الحياة الإنسانية. ونطلع على نماذج من الجهد الذي بذله هذا المنهج العظيم، وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة - التي التقطها من سفح الجاهلية - في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة على هدى الله. الذي لا هدى سواه..

ابن عاشور

تفسير : عطف على {أية : وأن تجمعوا}تفسير : [النساء: 23] والتقدير: وحُرّمت عليكم المحصنات من النساء إلخ... فهذا الصنف من المحرّمات لعارض نظيرَ الجمع بين الأختين. والمحصنات ــــ بفتح الصاد ــــ من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقّل بها عن غيره، ويقال: امرأة محصنة ــــ بكسر الصاد ــــ أحصنت نفسها عن غير زوجها، ولم يقرأ قوله: {والمحصنات} في هذه الآية إلاَّ بالفتح. ويقال أحصَنَ الرجُلُ فهو محصِن ــــ بكسر الصاد ــــ لا غير، ولا يقال محصَن: ولذلك لم يقرأ أحد: محصَنين غير مسافحين ــــ بفتح الصاد ــــ، وقريء قوله: {ومحصنات} ــــ بالفتح والكسر ــــ وقوله: {أية : فإذا أحصن} تفسير : [النساء: 25] ــــ بضم الهمزة وكسر الصاد، وبفتح الهمزة وفتح الصاد ــــ. والمراد هنا المعنى الأول، أي وحرّمت عليكم ذوات الأزواج ما دُمن في عصمة أزواجهنّ، فالمقصود تحريم اشتراك رجلين فأكثر في عصمة امرأة، وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمّى الضِّمَاد، ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة: أن يشترك الرجال في المرأة وهم دون العشرة، فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع، فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمّي من أحبّت باسمه فيلحق به. ونوع آخر يسمّى نكاح الاستبضاع؛ وهو أن يقول الزوج لامرأته إذا طَهرت من حيضها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسّها حتّى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها. قالت عائشة: وإنما يفعل هذا رغبة في نجابة الولد، وأحسب أنّ هذا كان يقع بتراض بين الرجلين، والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد، فقد يكون لبذل مال أو صحبة. فدَلّت الآية على تحريم كلّ عقد على نكاح ذات الزوج، أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من زوج واحد. وأفادت الآية تعميم حرمتهنّ ولو كان أزواجهنّ مشركين، ولذلك لزم الاستثناء بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} أي إلاّ اللائي سبَيتُموهنّ في الحرب، لأنّ اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف. وقد جعل الله السبي هادما للنكاح تقريراً لمعتاد الأمم في الحروب، وتخويفاً أن لا يناصبوا الإسلام لأنّهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشدّ من سبي نسوته، ثم من أسره، كما قال النابغة:شعر : حِذاراً على أن لا تُنال مقادتي ولاَ نسوتي حتّى يمُتْن حَرائراً تفسير : واتّفق المسلمون على أنّ سبي المرأة دون زوجها يهدم النكاح، ويُحلّها لمن وقعت في قسمته عند قسمة المغانم. واختلفوا في التي تسبَى مع زوجها: فالجمهور على أنّ سبيها يهدم نكاحها، وهذا إغضاء من الحكمة التي شرع لأجلها إبقاء حكم الاسترقاق بالأسر. وأومأت إليها الصلة بقوله: {ملكت أيمانكم} وإلاّ لقال: إلاّ ما تركت أزواجهنّ. ومن العلماء من قال: إنّ دخول الأمة ذاتِ الزوج في ملك جديد غير ملك الذي زوَّجها من ذلك الزوج يسوّغ لمالكها الجديد إبطال عقد الزوجية بينها وبين زوجها، كالتي تباع أو توهب أو تورث، فانتقال الملك عندهم طلاق. وهذا قول ابن مسعود، وأبَي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وسعيد، والحسن البصري، وهو شذوذ؛ فإنّ مالكها الثاني إنّما اشتراها عالماً بأنّها ذات زوج، وكأنَّ الحامل لهم على ذلك تصحيح معنى الاستثناء، وإبقاء صيغة المضيّ على ظاهرها في قوله: {ملكت} أي ما كن مملوكات لهم من قبل. والجواب عن ذلك أن المراد بقوله: {ملكت} ما تجدّد ملكها بعد أن كانت حرّة ذات زوج. فالفعل مستعمل في معنى التجدّد. وقد نقل عن ابن عباس أنّه تحيّر في تفسير هذه الآية، وقال: «لو أعلم أحداً يعلم تفسيرها لضربت إليه أكباد الإبل». ولعلّه يعني من يعلم تفسيرها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان بعض المسلمين في الزمن الأول يتوهّم أنّ أمة الرجل إذا زوَّجها من زوج لا يحرم على السيّد قِربانها، مع كونها ذات زوج. وقد رأيت منقولاً عن مالك: أنّ رجلا من ثقيف كان فعل ذلك في زمان عُمر، وأنّ عمر سأله عن أمته التي زوجّها وهل يطَؤها، فأنكر، فقال له: لو اعترفتَ لجعلتُكَ نَكَالاً. وقوله: {كتاب الله عليكم} تذييل، وهو تحريض على وجوب الوقوف عند كتاب الله، فــــ {عليكم} نائب مناب (الزَمُوا)، وهو مُصيَّر بمعنى اسم الفعل، وذلك كثير في الظروف والمجرورات المنزَّلة منزلة أسماء الأفعال بالقرينة، كقولهم: إليك، ودُونك، وعَليك. و{كتاب الله} مفعوله مُقدّم عليه عند الكوفيين، أو يجعل منصوباً بــــ (عليكم) محذوفاً دلّ عليه المذكور بعده، على أنّه تأكيد له، تخريجاً على تأويل سيبويه في قول الراجز:شعر : يأيُّها المائِحُ دلوي دُونك إنّي رأيت الناس يحمدونك تفسير : ويجوز أن يكون {كتاب} مصدراً نائباً مناب فعلِه، أي كَتَب الله ذلك كتاباً، و{عليكم} متعلّقاً به. عطف على قوله: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم}تفسير : [النساء: 23] وما بعدَه، وبذلك تلتئم الجمل الثلاث في الخبرية المراد بها الإنشاء، وفي الفعلية والماضوية. وقرأ الجمهور: {وأحل لكم} بالبناء للفاعل، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة من قوله: {كتاب الله عليكم}. وأسند التحليل إلى الله تعالى إظهاراً للمنّة، ولِذلك خالف طريقة إسناد التحريم إلى المجهول في قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} لأنّ التحريم مشقّة فليس المقام فيه مقام منّة. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر: {وأحل} ــــ بضم الهمزة وكسر الحاء ــــ على البناء للنائب على طريقة {حرمت عليكم أمهاتكم}. والوراء هنا بمعنى غير ودُون، كقول النابغة:شعر : وليسَ وراءَ اللَّه للمرءِ مذهب تفسير : وهو مجاز؛ لأنّ الوراء هو الجهة التي هي جهة ظهر ما يضاف إليه. والكلام تمثيل لحال المخاطبين بحال السائر يَترك ما وراءه ويتجاوزه. والمعنى: أحلّ لكم ما عَدا أولئكم المحرّمات، وهذا أنزِل قبل تحريم ما حرّمته السُّنة نحو (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، ونحو (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب). وقوله: {أن تبتغوا بأموالكم} يجوز أن يكون بدل اشتمال من (ما) باعتبار كون الموصول مفعولا لــــ (أحَلَّ)، والتقدير: أن تبتغوهنّ بأموالكم فإنّ النساء المبَاحات لا تحلّ إلاّ بعد العقد وإعطاء المهور، فالعقد هو مدلول (تبتغوا)، وبذل المهر هو مدلول (بأموالكم)، ورابط الجملة محذوف: تقديره أن تبتغوه، والاشتمال هنا كالاشتمال في قول النابغة:شعر : مخافة عمرو أن تكون جياده يقدن إلينا بين حاف وناعل تفسير : ويجوز أن يجعل {أن تبتغوا} معمولا للام التعليل محذوفةٍ، أي أحَلَّهُن لتبتغوهنّ بأموالكم، والمقصود هو عين ما قرّر في الوجه الأول. و{محصنِين} حال من فاعل (تبتغوا) أي محصنين أنفسكم من الزنى، والمراد متزوّجين على الوجه المعروف. {غير مسافحين} حال ثانية، والمسافح الزاني، لأنّ الزنى يسمّى السفاح، مشتقّا من السفح، وهو أن يهراق الماء دون حَبْس، يقال: سَفَح الماءُ. وذلك أنّ الرجل والمرأة يبذل كلّ منهما للآخر ما رامه منه دون قيد ولا رضَى وليّ، فكأنّهم اشتقّوه من معنى البذل بلا تقيّد بأمرٍ معروف؛ لأنّ المِعطاء يطلق عليه السَّفَّاح. وكان الرجل إذا أراد من المرأة الفاحشة يقول لها: سافحيني، فرجع معنى السفاح إلى التباذل وإطلاق العنان، وقيل: لأنّه بلا عقد، فكأنّه سَفَح سفحاً، أي صبّا لا يحجبه شيء، وغير هذا في اشتقاقه لا يَصحّ، لأنّه لا يختصّ بالزنى. تفريع على {أن تبتغوا بأموالكم} وهو تفريع لفظي لبيان حقّ المرأة في المهر وأنّه في مقابلة الاستمتاع تأكيداً لما سبقه من قوله تعالى: {أية : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}تفسير : [النساء: 4] سواء عند الجمهور الذين يجعلون الصداق ركنا للنكاح، أو عند أبي حنيفة الذي يجعله مجرّد حقّ للزوجة أن تطالب به؛ ولذلك فالظاهر أن تجعل (ما) اسم شرط صادقاً على الاستمتاع، لبيان أنّه لا يجوز إخلاء النكاح عن المهر، لأنّه الفارق بينه وبين السفاح، ولذلك قرن الخبر بالفاء في قوله: {فأتوهن أجزرهن فريضة} لأنّه اعتبر جواباً للشرط. والاستمتاع: الانتفاع، والسين والتاء فيه للمبالغة، وسمَّى الله النكاح استمتاعاً لأنّه منفعة دنيوية، وجميع منافع الدنيا متاع، قال تعالى: {أية : وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع}تفسير : [الرعد: 26]. والضمير المجرور بالباء عائد على (مَا). و(مِنْ) تبعيضية، أي: فإن استمتعتم بشيء منهن فآتوهنّ؛ فلا يجوز استمتاع بهنّ دون مهر. أو يكون (مَا) صادقة على النساء، والمجرور بالباء عائداً إلى الاستمتاع المأخوذ من استمتعتم و(من) بيانية، أي فأي امرأة استمتعتم بها فآتوها. ويجوز أن تجعل (مَا) موصولة، ويكون دخول الفاء في خبرها لمعاملتها معاملة الشرط، وجيء حينئذ بــــ (ما) ولم يعبر بــــ (مَن) لأنّ المراد جنس النساء لا القصد إلى امرأة واحدة، على أنّ (ما) تجيء للعاقل كثيراً ولا عكس: و{فريضةً} حال من {أجورهن} أي مفروضة، أي مقدرة بينكم. والمقصد من ذلك قطع الخصومات في أعظم معاملة يقصد منها الوثاق وحسن السمعة. وأمّا نكاح التفويض: وهو أن ينعقد النكاح مع السكوت عن المهر، وهو جائز عند جميع الفقهاء؛ فجوازه مبني على أنّهم لا يفوّضون إلاّ وهم يعلمون معتاد أمثالهم، ويكون (فريضة) بمعنى تقديراً، ولذلك قال: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة}، أي فيما زدتم لهنّ أو أسقطن لكم عن طيب نفس. فهذا معنى الآية بيّنا لا غبار عليه. وذهب جمع: منهم ابن عباس، وأُبيّ بن كعب، وابن جبير: أنّها نزلت في نكاح المتعة لما وقع فيها من قوله: {فما استمتعتم به منهن}. ونكاح المتعة: هو الذي تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجّلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا محالة، ووقع النهي عنه يوم خيبر، أو يوم حنين على الأصحّ. والذين قالوا: حُرّم يوم خيبر قالوا: ثم أبيح في غزوة الفتح، ثم نهي عنه في اليوم الثالث من يوم الفتح. وقيل: نهي عنه في حجّة الوداع، قال أبو داود: وهو أصحّ. والذي استخلصناه أنّ الروايات فيها مضطربة اضطراباً كبيراً. وقد اختلف العلماء في الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أنّ الأمر استقرّ على تحريمه، فمنهم من قال: نسخته آية المواريث لأنّ فيها {أية : ولكم نصف ما ترك أزواجكم ولهن الربع مما تركتم}تفسير : [النساء: 12] فجعل للأزواج حَظّا من الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها. وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سَبْرة الجهني، أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسنداً ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: «حديث : أيها الناس إن كنت أذنت لكم في الاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة»تفسير : . وانفراد سبرة به في مِثل ذلك اليوم مغمز في روايته، على أنّه ثبت أنّ الناس استمتعوا. وعن علي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، وابن عباس، وجماعة من التابعين والصحابة أنّهم قالوا بجوازه. قيل: مطْلقاً، وهو قول الإمَامية، وقيل: في حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن. وروي عن ابن عباس أنّه قال: لولا أنّ عُمر نهى عن المتعة ما زنى إلاَّ شَفى. وعن عمران بن حصين في «الصحيح» أنه قال: «نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدَها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال رجلٌ برأيه ما شَاء» يعني عُمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن من خلافته بعد أن عملوا بها في معظم خلافته، وكان ابن عباس يفتي بها، فلمّا قال له سعيد بن جبير: أتدري ما صنعتَ بفتواك فقد سارت بها الركبان حتّى قال القائل:شعر : قد قلتُ للركب إذْ طال الثَّواءُ بنا يا صاح هل لك في فتوى ابن عبّاس في بَضَّةِ رخصةِ الأطراف ناعمةٍ تَكُونُ مثواكَ حتّى مَرْجعِ الناس تفسير : أمسك عن الفتوى وقال: إنّما أحللت مثل ما أحلّ الله الميتة والدم، يريد عند الضرورة. واختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها، وفي رجوعه. والذي عليه علماؤنا أنّه رجع عن إباحتها. أمّا عمران بن حصين فثبت على الإباحة. وكذلك ابن عباس على «الصحيح». وقال مالك: يُفسخ نكاح المتعة قبل البناء وبعد البناء، وفسخه بغير طلاق، وقيل: بطلاق، ولا حدَّ فيه على الصحيح من المذهب، وأرجح الأقوال أنّها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، ووجه مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل. وللنظر في ذلك مجال. والذي يُستخلص من مختلف الأخبار أنّ المتعة أذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، ونهى عنها مرتين، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرّر ولكنّه إناطة إباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنّه نسخ. وقد ثبت أنّ الناس استمتعوا في زمن أبي بكر، وعمر، ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته. والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنّه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدّة العصمة، مثل الغربة في سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجهُ. ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد ووليّ حيث يُشترط، وأنّها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنّها لا ميراث فيها بين الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع، وأنّ عدّتها حيضة واحدة، وأنّ الأولاد لاَحقون بأبيهم المستمتِع. وشذّ النحّاس فزعم أنّه لا يلحق الولد بأبيه في نكاح المتعة. ونحن نرى أنّ هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحا بذلك، ولكنّها صالحة لاندراج المتعة في عموم {ما استمتعتم} فيُرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعتَ آنفاً.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} الآية. اعلم أولاً أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات: الأول: المحصنات العفائف. ومنه قوله تعالى: {أية : مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} تفسير : [النساء: 25] أي عفائف غير زانيات. الثاني: المحصنات الحرائر. ومنه قوله تعالى: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَاب} تفسير : [النساء: 25] أي على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد. الثالث: أن يراد بالإحصان التزوج. ومنه على التحقيق قوله تعالى: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} تفسير : [النساء: 25] الآية - أي: فإذا تزوجن. وقول من قال من العلماء: إن المراد بالإحصان في قوله: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ} تفسير : [النساء: 25] الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية. لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات حيث قال: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} تفسير : [النساء: 25] الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج. لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَات} تفسير : [النساء: 25] والله أعلم. والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره اهـ محل الغرض منه بلفظه. فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 24] الآية - أوجه من التفسير هي أقوال للعلماء، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها. قال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات، أي حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح أو ملك شرعي بالرق، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح أو تسر شرعي، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة واختاره مالك في الموطأ. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع، وأحل لكم ما ملكت أيمانكم من الإماء، وعليه فالاستثناء منقطع. وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات: المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات. لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته. لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك النكاح، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله: {أية : فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَات} تفسير : [النساء: 25] وقوله {أية : وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} تفسير : [الأحزاب: 50] وقوله: {أية : وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النساء: 36] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 5-6] في الموضعين، فجعل ملك اليمين قسماً آخر غير الزوجية. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} تفسير : [النور: 33] فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر. لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى. وصرح العلامة ابن القيم - رحمه الله - بأن هذا القول مردود لفظاً ومعنى، فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، كما دلت عليه الآيات الأخر التي ذكرنا، ويؤيده سبب النزول. لأن سبب نزولها كما أخرجه مسلم في صحيحه والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبنا سبياً من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسالنا النَّبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} فاستحللنا فروجهن. وروى الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر، ونظير هذا التفسير الصحيح قول الفرزدق. شعر : وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق تفسير : تنبيه: فإن قيل: عموم قوله تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ} لا يختص بالمسببات، بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر فهي تحل له بملكك اليمين ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك، والآية وإن نزلت في خصوص المسببات كما ذكرنا، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فالجواب: أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم فحكموا بأن بيع الأمة مثلاً يكون طلاقاً لها من زوجها أخذاً بعموم هذه الآية، ويروى هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن ومعمر، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، ولكن التحقيق في هذه المسالة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبيات دون غيرها من المملوكات بسبب آخر غير السبي، كالبيع مثلاً وليس من تخصيص العام بصورة سببه. وأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق، ما نصه: وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثاً، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقاً لها. لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة، وباعها مسلوبة عنه، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ. وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء، ما خيرها النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسببات فقط والله أعلم اهـ منه بلفظه. فإن قيل: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح. لأنها لا تملك الاستمتاع ببضع الأمة، بخلاف الرجل، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح، كما قال بهذا جماعة، ولا يرد على هذا القول حديث بربرة، فالجواب هو ما حرره العلامة ابن القيم رحمه الله، وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها، فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها، وأخذ مهرها، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع، فإذا حققت ذلك، علمت أن التحقيق في معنى الآية: وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فلا منع في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء، لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما قررنا، وكانت أم المؤمنين جورية بنت الحارث رضي الله عنها متزوجة برجل اسمه مسافع، فسبيت في غزوة بني المصطلق وقصتها معروفة. قال ناظم قرة الأبصار في جورية رضي الله عنها: شعر : وقد سباها في غزاة المصطلق من بعلها مسافع بالمنزلق تفسير : ومراده بالمنزلق السيف، ثم إن العلماء اختلفوا في السبي، هل يبطل حكم الزوجية الأولى مطلقاً ولو سبي الزوج معها، وهو ظاهر الآية أو لا يبطله إلا إذا سبيت وحدها دونه؟ فإن سبي معها فحكم الزوجية باق، وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب احمد والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} الآية. يعني: كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فأعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [النساء: 21] الآية. فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملاً، هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله: {أية : فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} تفسير : الآية. وقوله: {أية : وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}تفسير : [النساء: 4] وقوله: {أية : وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} تفسير : [البقرة: 229] الآية. فالآية في عقد النكاح، لا في نكاح المتعة كما قال به من لا يعلم معناها، فإن قيل التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة. لأن الصداق لا يسمى أجراً، فالجواب أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجراً في موضع لا نزاع فيه. لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة كما صرح به تعالى في قوله: {أية : وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} تفسير : [النساء: 21] الآية. صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسمي أجراً، وذلك الموضع هو قوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [النساء: 25] أي: مهورهن بلا نزاع، ومثله قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} تفسير : [المائدة: 5] الآية. أي مهورهن فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح المتعة، فإن قيل: كان ابن عباس وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والسدي يقرأون، فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، وهذا يدل على أن الآية في نكاح المتعة، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن قولهم إلى أجل مسمى لم يثبت قرآناً لإجماع الصحابة على عدم كتبه في المصاحف العثمانية، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآناً لا يستدل به على شيء. لأنه باطل من أصله. لأنه لما لم ينقله إلا على أنه قرآن فبطل كونه قرآناً ظهر بطلانه من أصله. الثاني: أنا لو مشينا على أنه يحتج به، كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم، أو على أنه تفسير منهم للآية بذلك، فهو معارض بأقوى منه. لأن جمهور العلماء على خلافه. ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة، وصرح صلى الله عليه وسلم بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معيد الجهني - رضي الله عنه - أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة. فقال: "حديث : يأيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ". تفسير : وفي رواية لمسلم في حجة الوداع، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك يوم فتح مكة، وفي حجة الوداع أيضاً والجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث. الثالث: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة فإن إباحتها منسوخة كما صح نسخ ذلك في الأحاديث المتفق عليها عنه صلى الله عليه وسلم وقد نسخ ذلك مرتين الأولى يوم خيبر كما ثبت في الصحيح والآخرة يوم فتح مكة، كما ثبت في الصحيح أيضاً. وقال بعض العلماء: نسخت مرة واحدة يوم الفتح، والذي وقع في خيبر تحريم لحوم الحمر الأهلية فقط، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف أيضاً لتحريم المتعة. واختار هذا القول العلامة ابن القيم - رحمه الله - ولكن بعض الروايات الصحيحة، صريحة في تحريم المتعة يوم خيبر أيضاً، فالظاهر أنها حرمت مرتين كما جزم به غير واحد، وصحت الرواية به. والله تعالى أعلم. الرابع: أنه تعالى صرح بأنه يجب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية في قوله تعالى {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 6] في الموضعين، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله: {أية : فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ} تفسير : [المؤمنون: 7] الآية. ومعلوم أن المستمتع بها ليست مملوكة ولا زوجة، فمبتغيها إذن من العادين بنص القرآن، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث، والعدة والطلاق، والنفقة، ولو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق ووجبت لها النفقة، كما هو ظاهر، فهذه الآية التي هي {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ} تفسير : [المؤمنون: 5-7] صريحة في منع الاستمتاع بالنساء الذي نسخ. وسياق الآية التي نحن بصددها يدل دلالة واضحة على أن الآية في عقد النكاح كما بينا لا في نكاح المتعة، لأنه تعالى ذكر المحرمات التي لا يجوز نكاحها، بقوله تعالى: {أية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} تفسير : [النساء: 23] إلخ.. ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [النساء: 24]ٍ ثم بين أن من نكحتم منهن واستمتعتم بها يلزمكم أن تعطوها مهرها، مرتباً لذلك بالفاء على النكاح بقوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء: 24] الآية. كما بيناه واضحاً والعلم عند الله تعالى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المحصنات: جمع محصنة والمراد بها هنا المتزوجة. إلا ما ملكت إيمانكم: المملوكة بالسبي والشراء ونحوهما. ما وراء ذلكم: أي ما عداه أي ما عدا ما حرم عليكم. غير مسافحين: المسافح: الزاني، لأن السفاح هو الزنى. أجورهن فريضة: مهورهن نحلة. طولاً: سعة وقدرة على المهر. المحصنات: العفيفات. أجورهن: مهورهن. ولا متخذات أخدان: الخدين الخليل الذي يفجر بالمرأة سراً تحت شعار الصداقة. فإذا أحصن: بأن أسلمن أو تزوجن إذ الإِحصان يكون بهما. العنت: العنت الضرر في الدين والبدن. معنى الآيتين: ما زال السياق في بيان ما يحرم من النكاح وما يجوز ففي الآية الأولى [24] عطف تعالى على المحرمات في المصاهرة المرأة المتزوجة فقال {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ} أي ذوات الأزواج فلا يحل نكاحهن إلا بعد مفارقة الزوج بطلاق أو وفاة، وبعد انقضاء العدة أيضاً واستثنى تعالى من المتزوجات المملوكة باليمين وهي المرأة تسبى في الحرب الشرعية وهي الجهاد في سبيل الله فهذه من الجائز أن يكون زوجها لم يمت في الحرب وبما أن صلتها قد انقطعت بدار الحرب وبزوجها وأهلها وأصبحت مملوكة أذن الله تعالى رحمة بها في نكاحها ممن ملكها من المؤمنين. ولذا ورد أن الآية نزلت في سبايا أوطاس وهي وقعة كانت بعد موقعة حنين فسبي فيها المسلمون النساء والذراري، فتحرّج المؤمنون في غشيان أولئك النسوة ومنهن المتزوجات فأذن لهم في غشيانهنّ بعد أن تسلم إحداهن وتستبرأ بحيضة، أما قبل إسلامها فلا تحل لأنها مشركة، هذا معنى قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ} وقوله: {كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} يريد ما حرمه تعالى من المناكح قد كتبه على المسلمين كتاباً وفرضه فرضاً لا يجوز إهماله أو التهاون به. فكتابَ الله منصوب على المصدرية. وقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} أي ما بعد الذي حرمه من المحرمات بالنسب وبالرضاع وبالمصاهرة على شرط أن لا يزيد المرء على أربع كما هو ظاهر قوله تعالى في أول السورة {أية : مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ}تفسير : [النساء: 3] وقوله تعالى {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} أي لا حرج عليكم أن تطلبوا بأموالكم من النساء غير ما حرّم عليكم فتتزوجوا ما طاب لكم حال كونكم محصنين غير مسافحين، وذلك بأن يتم النكاح بشروطه من الولي والصداق والصيغة والشهود، إذ أن نكاحاً يتم بغير هذه الشروط فهو السفاح أي الزنى وقوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} يريد تعالى: أيما رجل تزوج امرأة فأفضى إليها أي وطئها إلا وجب لها المهر كاملاً، أما التي لم يتم الاستمتاع بها بأن طلقها قبل البناء فليس لها إلا نصف المهر المسمى، وإن لم يكن قد سمى لها فليس لها إلا المتعة، فالمراد من قوله {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} أي بنيتم بهن ودخلتم عليهن. وقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} يريد إذا أعطى الرجل زوجته ما استحل به فرجها وهو المهر كاملاً فليس عليهما بعد ذلك من حرج في أن تسقط المرأة من مهرها لزوجها، أو تؤجله أو تهبه كله له أو بعضه إذ ذاك لها وهي صاحبته كما تقدم {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} المراد منه إفهام المؤمنين بأن الله تعالى عليم بأحوالهم حكيم في تشريعه لهم فليأخذوا بشرعه ورخصه وعزائمه فإنه مراعى فيه الرحمة والعدل، ولنعم تشريع يقوم على أساس الرحمة والعدل. هذا ما تضمنته الآية الأولى [24] أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً...} فقد تضمنت بيان رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين إذ رخص لمن لم يستطع نكاح الحرائر لقلة ذات يده، مع خوفه العنت الذي هو الضرر في دينه بالزنى، أو في بدنه بإقامة الحد عليه رخص له أن يتزوج المملوكة بشرط أن تكون مؤمنة، وأن يتزوجها بإذن مالكها وأن يؤتيها صداقها وأن يتم ذلك على مبدأ الإِحصان الذي هو الزواج بشروطه لا السفاح، الذي هو الزنى العلني المشار إليه بكلمة {غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ}، ولا الخفيّ المشار إليه بكلمة {وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ} أي أخلاء هذا معنى قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي قدرة مالية أن ينكح المحصنات أي العفائف من {فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ} أي من إمائكم المؤمنات لا الكافرات بحسب الظاهر أما الباطن فعلمه إلى الله ولذا قال: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ} وقوله {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} فيه تطييب لنفس المؤمن إذا تزوج للضرورة الأمة فإن الإِيمان أذهب الفوارق بين المؤمنين وقوله: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ} فيه بيان للشروط التي لا بد منها وقد ذكرناها آنفاً. وقوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} - أي الإِماء - بالزواج وبالإِسلام {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ} أي زنين فعليهن حد هو نصف ما على المحصنات من العذاب وهو جلد خمسين جلدة وتغريب ستة أشهر، لأن الحرة إن زنت وهي بكر تجلد مائة وتغرب سنة. أما الرجم والذي هو الموت فإنه لا ينصف فلذا فهم المؤمنون في تنصيف العذاب أنه الجلد لا الرجم وهو إجماع لا خلاف فيه وقوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} يريد أبحت لكم ذلك لمن خاف على نفسه الزنى إذا لم يقدر على الزواج من الحرة لفقره واحتياجه وقوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ...} أي على العزوبيَّة خير لكم من نكاح الإِماء. وقوله {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفور للتائبين رحيم بالمؤمنين ولذا رخَّص لهم في نكاح الإِماء عند خوف العنت، وأرشدهم إلى ما هو خير منه وهو الصبر فلله الحمد وله المِنَّة. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- تحريم المرأة المتزوجة حتى يفارقها زوجها بطلاق أو موت وحتى تنقضي عدتها. 2- جواز نكاح المملوكة باليمين وإن كان زوجها حيّاً في دار الحرب إذا أسلمت، لأن الإِسلام فصل بينهما. 3- وجوب المهور، وجواز إعطاء المرأة من مهرها لزوجها شيئاً. 4- جواز التزوج من المملوكات لمن خاف العنت وهو عادم للقدرة على الزواج من الحرائر. 5- وجوب إقامة الحد على من زنت من الإِماء إن أُحْصِنَّ بالزواج والإِسلام. 6- الصبر على العزوبة خير من الزواج بالإِماء لإِرشاد الله تعالى إلى ذلك.

القطان

تفسير : المحصنات: العفيفات، والمراد الحرائر المتزوجات. ما ملكت أيمانكم: ما سبيتموهن في الحروب. ما وراء ذلك. محصنين: عفيفين. غير مسافحين: المسافحة هي الزنى. وبالاضافة الى ما سبق حُرم عليكم نكاح المتزوجات عامة الا مَن سَبيتم وملكتم منهن في حرب بينكم وبين الكفار. إن عقد زواجهن السابق ينفسخ بالسبي فيصِرن حلالاً لكم بعد استبراء أرحامهن، هذا ما كتب عليكم تحريمه فرضاً مؤكداً من عند الله. وأحلّ الله لكم ما وراء ذلك من النساء، تتزوجون بأموالكم منهن من تشاؤون، محصِنين أنفسكم، بعيدين عن الزنا والمخادعة. وأيّ امرأة من النساء اللاتي أُحللن لكم فاستمتعتم بالزواج منها، فأعطوها مهرها الذي اتفقتم عليه عند العقد. ذلك فريضة من الله فرضها عليكم لا تسامح فيها. بيد أنه لا حرج عليكم فيما اذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره، أو تركه كله، أو الزيادة فيه. إن ذلك عائد للزوجين اذا ما تفاهما وعاشا في مودة وطمأنينة. وهذا ما يبغيه الشارع الحكيم. وقد تمسّك الشيعة الإمامية بقوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وقالوا ان المراد بذلك هو المتعة، وهي الزواج المؤقت. كما قالوا: ان هذا دليل واضح. ولا تزال المتعة قائمة عندهم، معمولاً بها. يقول الطَّبَرْسي، وهو من كبار علماء الشيعة الامامية في تفسيره "مجمع البيان" عند هذه الآية: "قيل المرادُ به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معين الى أجل معلوم، عن ابن عباس والسدّي وجماعة من التابعين، وهو مذهب اصحابنا الإمامية الخ" وكذلك يقول شيخ الطائفة العلاّمة أبو جعفر محمد بن الحسن الطُّوسي في تفسيره "التبيان". ويقول ابن رشد في "بداية المجتهد": "وأما نكاح المتعة فإنه تواترت الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريمه، الا انها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم... وأكثرُ الصحابة وجميع فقهاء الأمصار على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وروَوا انه كان يحتج لذلك بقوله تعالى {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...} الآية وفي قراءة عنه {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَل مسمّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ...} الخ. وهذا الذي روي عن ابن عباس، رواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار. وعن عطاء، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: تمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر ونصفٍ من خلافة عمر ثم نهى عنها عمرُ الناسَ". قراءات: قرأ الكسائي: "والمحصنات" بكسر الصاد في جميع القرآن، بمعنى أحصنّ فزوجهن. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "وأُحِلّ لكم" بضم الهمزة وكسر الحاء كما هو في المصحف هنا، والباقون قرأوا "وأحل لكم" بفتح الهمزة والحاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَاتُ} {أَيْمَانُكُمْ} {كِتَابَ} {بِأَمْوَالِكُمْ} {مُسَافِحِينَ} {فَآتُوهُنَّ} {تَرَاضَيْتُمْ} (24) - وَتَحْرُمُ النِّسَاءَ الأخْرَياتُ، غَيْرُ الوَارِدِاتِ فِي التَّحْرِيمِ السَّابِقِ، المُتَزَوِّجَاتُ (أيْ المُحْصَنَاتُ بِالزَّوَاجِ لأنَّهُنَّ يَكُنَّ في حصْنِ أزْوَاجِهِنَّ وَحِمَايَتِهِمْ)، إلاَّ النِّسَاءَ المُتَزَوِّجَاتِ اللَّوَاتِي يَقَعْنَ سَبَايَا فِي مُلْكِكُمْ فِي حَرْبٍ دِينيَّة تُدَافِعُونَ بِها عَنْ دِينِكُمْ، وَأَزْوَاجُهُنَّ كُفَّارٌ فِي دَارِ الكُفْرِ، فَحِينَئذٍ يَنْحَلُّ عَقْدُ زَوَاجِهِنَّ، وَيَكُنَّ حَلالاً لَكُمْ بِالشُّرُوطِ المَعْرُوفَةِ فِي كُتُبِ الفِقْهِ. وَيَقُولُ أبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَنْ سُبِيَ مَعَهَا زَوْجُهَا فَلاَ تَحِلُّ لِغَيْرِهِ لأنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اخْتِلافِ الدَّارِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ، دَارِ الإِسْلاَمِ وَدَارِ الكُفْرِ. وَهذا التَّحْرِيمُ هُوَ كِتَابُ اللهِ عَلَيْكُمْ فَالْتَزِمُوا بِهِ. وَمَا عَدَا هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ فَذَلِكَ حَلاَلٌ لَكُمْ إذَا سَعَيْتُمْ إلى الحُصُولِ عَلَيْهِ بِأَمْوَالِكُمْ لِلزَّوَاجِ، أوْ لِشِراءِ السَّرَارِي، بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِي، لاَ بِقَصْدِ الزِّنى وَلا المُخَادَنَةِ. (وَلِذَا قَالَ تَعَالَى مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ أيْ لاَ تَسْفَحُونَ فِيهِ مَاءَ الفِطْرَةِ سَفْحاً). وَكَمَا تَسْتَمْتِعُونَ بِالنِّسَاءِ، فَعَلَيْكُمْ أنْ تُؤْتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ المَفْرُوضَةَ (أُجُورَهُنَّ)، فِي مُقَابِلِ ذَلِكَ. وَإنْ كُنْتُمْ فَرَضْتُمْ لِلْمَرْأةِ مَهْراً ثُمَّ رَضيَتْ أنْ تَضَعَ لَكُمْ مِنْهُ شَيْئاً بَعْدَ الفَرْضِ، فَلاَ بَأسَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ، كَذَلِكَ لاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ فِي الزِّيَادَةِ فِي المَهْرِ المَفْرُوضِ. وَاللهُ عَليمٌ مُطَّلِعٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، وَهُوَ حَكيمٌ فِيما أَمَرَ بِهِ وَفَرَضَهُ عَلى عِبَادِهِ. المُحْصَنَةُ وَالمُحْصَنُ - العَفِيفَةُ وَالعَفِيفُ، وَأُحْصِنَتِ المَرْأَةُ تَزَوَّجَتْ وَأصْبَحَتْ فِي حِصْنِ الرَّجُلِ وَحِمَايَتِهِ. المُسَافِحُ - الزَّاني. وَالمُسَافِحَةُ - الزَّانِيَةُ. الاسْتِمْتَاعُ - التَّمَتُّعُ بِالشَّيءِ. الأجُوُرُ - هِيَ فِي الأصْلِ مَا يُعْطَى مُقَابِلَ عَمَلٍ وَيُقْصَدُ بِها هُنَا المَهْرُ الذِي يُخَصَّصُ لِلزَّوْجَةِ. الفَرِيضَةُ - الحِصَّةُ المُحَدَّدَةُ المَفْرُوضَةُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقول الحق: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 24] هو قول معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات السابقات المحصنات من النساء، ومَنْ هن المحصنات من النساء؟ الأصل في الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركاً. فهذه مأخوذة من "الحصن"، وهو مكان يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم، أما إذا لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يُغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة: منها ما جاء في قوله تعالى: {أية : وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ ٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ..} تفسير : [التحريم: 12]. و {أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ..} [التحريم: 12] يعني أنها عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ ..} [النساء: 24] في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها المتزوجات، فما دامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولاً بالغير، فيمتنع أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. هذا معنى {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ..} [النساء: 24]، فالمحصنات هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25]. فما دامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات كالحرائر؟ لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحداً، فهو سبحانه يقول: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25]، وأصل الإحصان وهو العفة .. توصف به الحرة؛ لأن الحرة عادة لا يقربها أحد. وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت: وهل تزني الحرة؟ كأن الزنَى كان خاصاً بالإماء؛ لأنهن المهينات وليس لهن أب أو أم أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء عقابها نصف عقاب الحرة؛ لأن الأمة يحوم حولها من الناس مَنْ تسوّل له نفسه فعل الفاحشة. إذن فالإحصان يُطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتُطلق المحصنات على الحرائر. فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلاً ولا يجترئ عليها أحد، لكن هَبْ أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت مملوكة، ومملوكيتها وأَسْرُها أسقطت عنها الإحصان، فقال: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ..} [النساء: 24]. إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت متزوجة لأن هناك اختلافاً في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلاَّ بعد استبرائها والاستيثاق من خلو رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوْطاس: "حديث : لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض" تفسير : وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلاً من أن يلغ سيدها في أعراض الناس. {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 24] و {كِتَابَ ٱللَّهِ ..} [النساء: 24] يعني: كَتَبَ الله ذلك كتاباً عليكم، وهو أمر مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضاً، ويقول الحق: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ..} [النساء: 24]. إذن فالمحرمات هن: محرمات نسب، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ..} [النساء: 24] أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ ..} [النساء: 24] أي تطلبوا "بأموالكم محصنين" والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. والحركة تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن يموت دون ماله؛ لأن المال ما جاء إلا ثمرة جدّ، وحتى إذا ما جاء المال عن ميراث؛ فالذي وّرثك أيضاً ما ورَّثك إلا نتيجة كدّ وتعب، وعرفنا أن الذي يتعب مدّة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش بعدها مرتاحاً، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ولده مرتاحاً، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحاً. إذن فكل ما تراه من مال موروث كان نتيجة جدّ وكدّ ومشقة من الآباء، وإذا ما قال الحق: {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ ..} [النساء: 24] دلّ على أن مقابل البضع يكون من جهة الرجل .. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ ..} [النساء: 24] التي قال عنها سيدنا رسول الله: "حديث : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". تفسير : وما دام المال عزيزاً على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجدّ وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى الخير الآجل، فإن هو حقق به خيراً عاجلاً ثم سها وغفل عن شرّ آجل فهو لم يضع المال في موضعه. {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ} [النساء: 24] و "محصنين" كما عرفنا لها معان متعددة .. "محصنين" أي متعففين أن تَلِغُوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم، أي ضع مالك الذي كسبته بكدّ فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا تلغوا به في أعراض الناس؛ لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعاً عاجلاً ولكنك ذهلت عن شرّ آجل، يقول فيها ربنا: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ..} [النساء: 24] ومنه أخذ السِفاح. فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة تقضي معها وطراً. فكلمة {مُّحْصِنِينَ ..} [النساء: 24] تعني التزام العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين، من السفح وهو: الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما السفح صبّ، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل مصبوباً. هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول: {مُّحْصِنِينَ ..} [النساء: 24] بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ ..} [النساء: 24] بالفتحة. لم يقل "محصِنات" بالكسرة، لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائماً للأنوثة، والأنوثة مطلوبة دائماً. {غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ..} [النساء: 24] والاستمتاع هو إدراك متعة للنفس، والمتعة توجد أولاً في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك: إذا استمتعت بهن فلا بد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها نقول له: ادفع نصف المهر؛ لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئاً وبالتالي فلا شيء عليه من المهر، لكن نقول: إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء. الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات، فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ملكة واحدة. لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما يفعله ليس أمراً طبيعياً، وما دام ليس أمراً طبيعياً فالملكات النفسية تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تُبِنى الأسرة على طهر وعلى أمن، وهذا الأمن النفسي يعطي لكل ملكات النفس متعة. وقلنا من قبل إن الإنسان إذا كان له بنت ثم رأى شاباً يمر كثيراً على البيت ويلتفت كثيراً إلى الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه؟ تهيج كل جوارحه، فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني. ماذا يكون موقف والد الفتاة؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية والنفس مطمئنة، ويتم إعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحاً؛ لأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء. ولذلك رُوى: "حديث : جَدَعَ الحلال أنف الغيْرة ". تفسير : أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة فيها حمية، وإن طُلِبَ عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب الحمية والغضب والثورة؟ إنه - سبحانه - هو الذي يفعل ذلك. والإنسان عليه أن يلتفت إلى أن كُلاً منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول: "زوجني" و "زوجتك" وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي تُسر؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه فقط، والإلف السيال بينك وبينه ما زال في أوله ما يكفي عندما تقابله أن تلقي عليه السلام وينتهي الأمر، لكنْ هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال الودي بينك وبينه، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك؛ لأن هناك جاذبية ومودة ولكل منهما تأثير. إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييراً كيماويا في النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال: شعر : بأبي من وددته فافترقنا وقضي الله بعد ذاك اجتماعاً وتمنيته فلما التقينا كان تسليمه عليَّ وداعاً تفسير : كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافته كي يغذي ما عنده من الود، وكأنه يريد أن يقول: أنا التقيت مع من أوده فاختفى في واختفيت فيه، وهذا ناشىء من الامتزاج. إذن فالتكوين العاطفي أو السيال أوجده الله كسيال التقاء. هذا إذا ما كان على شرع الله، أما في الحالة الأخرى فهو سيال كراهية. وما الذي يسبب ذلك؟ إنه عطاء من الله وهو خالق الرجل وخالق المرأة، فساعة يجيء اللقاء على وفق ما شرع الله فلا تستبعد أن يعدل الخالق الذرات، فعندما يحدث الامتزاج فلا بد أن الوفاء يأتي كنتيجة طبيعية وكذلك الولاء، ويتحقق الانسجام هذا إيجاب، أما إذا كان اللقاء على غير طريق الله فلا انسجام فيه وهذا سلب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يبني الأسرة على هذا المعنى. وأنتم تعلمون أن الالتقاءات التي تحدث عن غير طريق الله إنما تحدث في الخفاء، ومنكورة الثمرة، فإن جاء منها أثر وحمل فسيلقى الوليد في الشارع ويكون لقيطاً وقد يميتونه، إنما الثمرة التي تأتي بالحل فالكل يفرح بها. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ..} [النساء: 24] والاستمتاع أشياء كثيرة، وجاء الشيعة في قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ..} [النساء: 24]. وقالوا: هذا نكاح المتعة بدليل أنه سبحانه سمى ما أخذ في نظير ذلك أجراً ونقول: كلمة "أجر" هذه واردة في الزواج، فسيدنا شعيب عندما جاءه سيدنا موسى عليه السلام قال له: أعطني أجر ثماني حجج. وسيأتي في الآية نفسها التي يتقولون بها ويقول: {أية : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} تفسير : [النساء: 25]. فسمى المهر "أجراً" أيضاً، فلماذا تأخذون هذا المعنى؟ هم يقولون: نكاح المتعة حدث، ونقول لهم: نكاح المتعة حدث ولننظر إلى أسبابه. إن هذا النكاح قد حصل على يد مشرع وله حكمة، ولكن ماذا بعد أن أنهى المشرع هذا الحكم وانتقل إلى الرفيق الأعلى؟ لقد أنهى الحكم، إن الرسول صلى الله عليه وسلم أحل زواج المتعة في فترة وجيزة حينما كانوا في غزوة من الغزوات، وذهب قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يريدون أن يبنوا حركة حياتهم على الإيمان الناصع. كان من الممكن أن يواروا هذه المسألة عن الرسول، إنهم قالوا له: يا رسول الله أنستخصي؟ أي نخصي أنفسنا؟ فما دام الجهاد يَطلب منا أن نكون في هذا الموقع بعيداً عن أهلنا فلنستخص حتى لا يكون عندنا رغبة. فأباح لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زواج المتعة؛ ولكنه أنهاه، والدليل على أنه أنهاه، أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأنتم تعلمون منزلته - رضي الله عنه - من التشريع في أحكام الله، إنه كان يقترح الاقتراح فينزل القرآن موافقاً له، يقول عمر: ما يجيء واحد ليستمتع إلى أجل إلا رجمته. إذن فانتهت المسألة، وسيدنا علي - كرم الله وجهه - أقر نَهْي سيدنا عمر، وقالوا: إن ابن عباس قال به: لكنه قال: إنني كنت قد أخطأت فيه، ونعلم أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجلسوا في فصول تعليمية لسماع الوحي، بل كان كل منهم يذهب إلى رسول الله بعد أن يفرغ من عمله، فهذا سمع وذلك لم يسمع. وهذا هو السبب في أن هذا يروى وذاك لم يرو، فسيدنا ابن عباس قال: إنني كنت أعرف مسألة المتعة، ولم يصح عندي خبر منعها إلا في آخر حياتي. إذن فقول الشيعة: إن المتعة موجودة هو نتيجة استدلال خاطئ، فقوله سبحانه: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ..} [النساء: 24] علينا أن نقرنه بقوله أيضاً في المهور في الآية التالية: {أية : فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ..} تفسير : [النساء: 25] لأن هناك فرقاً بين الثمن وبين الأجر، فالثمن للعين، والأجر للمنفعة من العين، ولم يَملك الرجل بمهره المرأة. إنما ملك الانتفاع بالمرأة، وما دام هو ملْكَ انتفاع فيقال له أجر أيضاً. {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ..} [النساء: 24] أي أن الذي فرض ذلك هو ربنا. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] ونلحظ هنا أن هناك فرقاً بين أن يشرع الحق لحق، وأن يترك باب الفضل مفتوحاً، فمن حقها أنها تأخذ المهر. لكن ماذا إن تراضت المرأة مع الرجل في ألا تأخذ المهر وتتنازل له عنه؟ أو أن يعطيها أكثر من المهر؟ هذا ما يدخل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237]، فلا لوم ولا تثريب فيما يتراضى به الزوجان من بعد الفريضة، وكلمة {تَرَاضَيْتُمْ ..} [النساء: 24] تدخل في قوله سبحانه: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} تفسير : [النساء: 4]. وفي عصرنا نجد أن المرأة تأخذ مهرها من الرجل وتجهز منه أثاث البيت، مع أن المفروض أن يجهز الرجل لزوجته البيت وأن يبقى المهر كاملاً لها، ولكن التعاون هو الذي يعطي العطف والتكاتف. ويذيل الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: 24] إذن فكل أحكام الله مبنية على العلم بما يصلح خلقه، ولا يغيب عنه أمر كي يؤخر تشريعه، فتأخير التشريع يعني: أن الذي شرع غاب عن ذهنه جزئيات ما كانت في باله ساعة شرع، وحين يأتي الواقع يأتي له بجزئيات لم تكن موجودة، فيضطر إلى إصدار تشريع جديد يستدرك به ما لم يكن في باله. والذين يقولون: إن التشريع الإلهي لا يغطي حاجة البشر نقول لهم: مَنْ الذي سيغطيه؟ أنتم يا مفكرون أتعدلون على الله؟ إن الله يكشفكم أنكم تأتون بتقنينات، وبعد ذلك يظهر عيبها وعوارها وأخطاؤها فتضطرون أن تعدلوا، فسبحانه عليم حكيم. فإن أخرَّ حكماً عن ميعاده فقد اقتضت الحكمة أن يكون كذلك. ومثال ذلك تحريم الخمر، لم يجيء به مرة واحدة، لأن الشيء الذي تحكمه العادة والإلف، لا بد فيه من التريث، وأن يصدر التشريع على مراحل، وكل مرحلة تسهل المسألة بالنسبة لما سبقها، ويكون الأمر صعباً إذا كان التشريع دفعة واحدة لأن ترك العادة دون تدرج يكون عسيراً شاقاً؛ لأن أهم شيء في الخمر أنها تقود إلى الاعتياد، بدليل أن مدمن الخمر عندما يمر عليه الوقت يضطرب فيأخذ كأساً ليستريح، وأول مرحلة في التحريم أن الحق كسر الاعتياد، وما دامت هي عادة متغلغلة فمن الصعب جداً أن ينزعها صاحبها عن نفسه مرة واحدة. فأولا جاء الأمر كعظة، وبعد ذلك يقول: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} تفسير : [النساء: 43]. وما دامت لا تشربها وأنت تصلي فكم مرة تصلي؟ خمس مرات في النهار، إذن فعودك أن تترك وقتا من الأوقات غير ملتبس بالخمر، وتكون قد تعودت على ترك الخمر طوال النهار، وبعد ذلك يتدرج فيقول: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [البقرة: 219]. لكن الأحمق عادة يرجح الإثم ويفعله، وما دام سبحانه قال: {أية : فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ..} تفسير : [البقرة: 219] إذن فالإثم يترجح. وبعد ذلك جعلها بعلمه - سبحانه - أمراً نهائياً، والحكمة شاءت أن يكون التحريم بالتدريج. ويطمئننا الحق على أن علمه وحكمته منوط بها إخراج الأحكام، ولذلك قال: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [البقرة: 106]. وسبحانه عليم لا يخفى عليه شيء، ويعلم أن امرأة أحبت زوجها لدرجة أن هذا الأجر ليس له قيمة، أو رجل أحب زوجته أيضاً لدرجة أن النقود ليس لها قيمة عنده، وما دام سبحانه حكيم. فهو قد يجري الأمور لا بحتمية ما افترض، ولكن بإبقاءٍ على فضل المتعاملين. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} فالمُحْصَنُ: العَفِيفَ. والمُسَافِحُ: الزَّانِيُ.

الأندلسي

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ} قرىء بكسر الصاد وفتحها. والمعنى بها هاهنا المزوّجات واستثنى منهن ما ملكت ملك يمين فإِنه بالملك ينفسخ نكاحها من زوجها وتحل لمن ملكها. {كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} انتصب بإِضمار فعل وهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت عليكم، وكأنه قيل: كتب الله عليكم تحريم ذلك كتاباً. ولا حجة للكسائي في دعواه إن هذا من باب الأعزاء وان التقدير عليكم كتاب الله وقدم المفعول ولا يجوز ذلك عند البصريين في باب الاغراء. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} لما نص على المحرمات في النكاح أخبر تعالى أنه أحل ما سوى من ذكر وظاهر ذلك العموم. وبهذا الظاهر استدلت الخوارج ومن وافقهم من الشيعة على جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما وقد أطال الاستدلال في ذلك أبو جعفر الطوسي أحد علماء الشيعة الاثني عشرية في كتابه في التفسير. قال الزمخشري: فإن قلت: علام عطف قوله: وأحل لكم؟ قلت: على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحل لكم ما وراء ذلكم. ويدل عليه قراءة اليماني كتب الله عليكم وأحل لكم. ثم قال: ومن قرأ وأحل لكم مبنياً للمفعول فقد عطفه على حرمت. "انتهى". ففرق في العطف بين القراءتين وما اختاره من التفرقة غير مختار لأن انتصاب كتاب الله عليكم إنما هو انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة السابقة من قوله: حرمت، فالعامل فيه وهو كتب إنما هو تأكيد لقوله: حرمت، فلم يؤت بهذه الجملة على سبيل التأكيد للحكم إنما التأسيس حاصل بقوله: حرمت وهذه جنى بها على سبيل التأكيد لتلك الجملة المؤسسة وما كان سبيله هكذا فلا يناسب أن يعطف عليه الجملة لحكم إنما يناسب أن تعطف عليه جملة مؤسسة مثلها لا سيما والجملتان متقابلتان إذ أحديهما للتحريم والأخرى للتحليل، فناسب أن تعطف هذه على هذه. وقد أجاز الزمخشري ذلك في قراءة من قرأ، وأحل مبنياً للمفعول فكذلك يجوز فيه مبنياً للفاعل. {أَن تَبْتَغُواْ} نصب على أنه بدل اشتمال من ما وراء ذلكم ويشمل الابتغاء بالمال النكاح والشراء. وقيل: الابتغاء بالمال هو على وجه النكاح. وقال الزمخشري: أن تبتغوا مفعول له بمعنى بين لكم ما يحل مما يحرم إرادة أن يكون ابتغاؤكم بأموالكم التي جعل الله لكم قياماً في حال كونكم محصنين غير مسافحين لئلا تضيّعوا أموالكم وتفرقوا أنفسكم فيما لا يحل لكم فتخسروا دنياكم ودينكم ولا مفسدة أعظم مما يجمع بين الخسرانين. "انتهى كلامه". وانظر إلى جعجعة هذه الألفاظ وكثرتها وتحميل لفظ القرآن ما لا يدل عليه وتفسير الواضح الجليّ باللفظ المعقّد ودسّ مذهب الاعتزال في غضون هذه الألفاظ الطويلة دسا خفيا إذ فسّر قوله: وأحل لكم، بمعنى بين لكم ما يحل، وجعل قوله: أن تبتغوا على حذف مضافين أي إرادة أن يكون ابتغاؤكم أي إرادة كون ابتغاؤكم بأموالكم، وفسر الأموال بعد بالمهور وما يخرج في المناكح، فتضمن تفسيره أنه تعالى بين لكم ما يحل لإِرادته كون ابتغائكم بالمهور فاختصت إرادته بالحلال الذي هو النكاح دون السفاح. وظاهر الآية غير هذا الذي فهمه الزمخشري إذ الظاهر أنه تعالى أحل لنا ابتغاء ما سوى المحرمات السابق ذكرها بأموالنا حالة الاحصان لا حالة السّفاح. وعلى هذا الظاهر لا يجوز أن يعرب أن تبتغوا مفعولاً له كما ذهب إليه الزمخشري لأنه فات شرط من شروط المفعول له وهو اتحاد الفاعل في العامل والمفعول له لأن الفاعل بقوله: وأحل هو الله تعالى والفاعل في أن تبتغوا هو ضمير المخاطبين فقد اختلفا ولما أحس الزمخشري إن كان أحس بهذا جعل ان تبتغوا على حذف إرادة حتى يتحد الفاعل في قوله: وأحل، وفي المفعول له فلم يجعل ان تبتغوا مفعولاً له إلا على حذف مضاف وإقامته مقامه وهذا كله خروج عن الظاهر لغير داع إلى ذلك ومفعول تبتغوا محذوف اختصاراً إذ هو ضمير يعود على ما من قوله: ما وراء ذلكم وتقديره أن تبتغوه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: أين مفعول تبتغوا؟ قلت: يجوز أن يكون مقدراً وهو النساء وأجود أن لا يقدر وكأنه قيل: أن تخرجوا أموالكم. "انتهى". فإِما تقديره إذا كان مقدراً بالنساء فإِنه لما جعله مفعولاً له غاير بين متعلق المفعول له وبين متعلق المعلول وأما قوله: وأجود أن لا يقدر وكأنه قيل أن تخرجوا أموالكم فهو مخالف للظاهر لأن مدلول تبتغوا ليس مدلول تخرجوا، ولا تعدى تبتغوا إلى الأموال بالباء ليس على طريق المفعول به الصريح كما هو في تخرجوا، وهذا كله تكلف ينبغي أن ينزه كتاب الله عنه. والاحصان: العفة، وتحصين النفس عن الوقوع في الحرام. وانتصب محصنين على الحال، وغير مسافحين حال مؤكدة لأن الاحصان لا يجامع السفاح. {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}، أي واستمتعتم به من الزوجة وهو الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر وهو المهر ولفظة ما تدل على أن يسير الوطىء يوجب إيتاء الأجر. قال الزمخشري: فما استمتعتم من المنكوحات من جماع أو خلوة صحيحة أو عقد عليهن فأتوهن أجورهن من عليه. "انتهى". وأدرج في الاستمتاع الخلوة الصحيحية على مذهب أبي حنيفة. {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ} الآية، لما أمر بإِيتاء أجور النساء المستمتع بهن كان ذلك يقتضي الوجوب فأخبر تعالى أنه لا حرج ولا إثم في نقص ما تراضوا عليه أورده أو تأخيره أعني الرجال والنساء بعد الفريضة فلها أن ترد عليه وأن تنقص وأن تؤخر هذا ما يدل عليه سياق الكلام وهو نظير قوله تعالى: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً}تفسير : [النساء: 4] الآية. {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} الطول: السعة في المال، قاله ابن عباس. والمحصنات: هن الحرائر. والظاهر أن المؤمنات شرط في نكاحهن. وكذلك في قوله: من فتياتكم المؤمنات، وفي نكاح الحرائر غير المؤمنات، وفي نكاح الفتيات غير المؤمنات خلاف. والظاهر أنه لا يجوز نكاح الإِماء يجد الطول وأن ينكح مفعول يستطيع ومما ملكت متعلق بفعل محذوف تقديره فلينكح مما ملكت. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ} لما خاطب المؤمنين بالحكم الذي ذكره من تجويز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة للأمة المؤمنة نبّه على أن الإِيمان هو وصف باطن وأن المطلع عليه هو الله تعالى، فالمعنى أنه لا يشترط في إيمان الفتيات أن يكونوا عالمين بذلك العلم اليقين لأن ذلك إنما هو لله تعالى فيكفي في الإِيمان منهن إظهاره فمتى كانت مظهرة للإِيمان فنكاحها صحيح، وربما كانت خرساء أو قريبة عهد بسباء وأظهرت الإِيمان فيكتفي بذلك منها. {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} هذا أقر إباحة. والمعنى بولاية ملاكهن. والمراد بالنكاح هنا العقد ولذلك ذكر إيتاء الأجر بعده أي المهر وسمى ملاك الاماء أهلاً لهن لأنهن كالأهل إذ رجوع الأمة إلى سيدها في كثير من الأحكام. وقيل: هو على حذف مضاف أي بإِذن أهل ولايتهن وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك ومقتضى هذا الخطاب أن الاذن شرط في صحة النكاح فلو تزوجت بغير إذن السيد لم يصح النكاح. {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} الأجور هنا المهور. وفيه دليل على وجوب إيتاء الأمة مهرها لها وانها أحق بمهرها من سيدها، وهذا مذهب مالك. قال: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز. وجمهور العلماء على أنه يجب دفعه للسيد دونها. {بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلق بقوله: وآتوهن أجورهن. قيل: معناه بغير مَطل وضرار وأحوج إلى اقتضاء. {مُحْصَنَٰتٍ} عفائف. {غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ} أي غير معلنات بالزنا وهي التي لا ترد يد لامس. {وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ}، هن المتسترات بالزنا لخل واحد. والخدن: الصديق. وعلى هذين النوعين كان زنا الجاهلية. {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أي تزوجن. وقرىء مبنياً للمفعول ومبيناً للمفعول. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ} هي الزنا. {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ} أي الحرائر. يعني إذا زنين. {مِنَ ٱلْعَذَابِ} وهو خمسون جلدة ذلك إشارة إلى نكاح عادم طول للحرة المؤمنة أو الأمة المؤمنة. والعنت هنا: الزنا، قاله ابن عباس وغيره. وأصله المشقة. ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ}تفسير : [البقرة: 220] أي لشق عليكم. {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} ظاهره الاخبار عن صبر خاص وهو عن نكاح الاماء، قاله ابن عباس وغيره. وجهة الخيرية كونه لا يرق ولده وان لا يبتذل هو وينقص في العادة بنكاح الأمة وفي سنن ابن ماجة من حديث أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: حديث : من أراد أن يلقى الله ظاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر .

الجيلاني

تفسير : {وَ} حرمت أيضاً عليكم {ٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} الأجنبيات اللاتي أحصنهن أزواجهن {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ} من المسبيات اللاتي لهن أزواج كفار؛ إذ بالسبي يرتفع النكاح، فصار تلك المحرمات {كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي: من الأمور التي حرمه الله عليكم حتماً مقتضياً {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} أي: ما سوى المحرمات المذكورة، وإنما أحل لكم ما أحل {أَن تَبْتَغُواْ} أي: لأن تطلبوا {بِأَمْوَٰلِكُمْ} أزواجاً حلائل مصلحات لدينكم، صالحات لإبقاء نوعكم حال كونكم {مُّحْصِنِينَ} بهن دينكم {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} أي: مجتنبين عن الزنا المؤدي إلى إبطال حكمة الله وإفساد مصلحته {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ} أي: فمن انتفعتم واجتمعتم {بِهِ} بسبب المهر حين العقد {مِنْهُنَّ} أي: من النساء اللاتي أحلهن الله لكم أيها المؤمنون {فَآتُوهُنَّ} أي: فعليكم أن تدفعوا إليهن {أُجُورَهُنَّ} مهورهن معتقدين أداءها {فَرِيضَةً} أي: مما فرض الله لكم في دينكم واجبة الأداء شرعاً وعقلاً؛ إذ الإفضاء إنما هو بسببه كما هر، هذا إذا كانت المرأة طالبة كمال مهرها. {وَلاَ جُنَاحَ} أي: لا مواخذة {عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ} من الأخذ والترك والزيادة والنقصان بعدما حصل التراضي من الجانبين {مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} المقدرة الواجبة الأداء، هذا الحكم مما يقبل التغيير بعد المراضاة {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {كَانَ عَلِيماً} في سابق علمه بصلحهم ومراضاتهم {حَكِيماً} [النساء: 24] في إصدارها عنهم إصلاحاً لمعاشهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 24]، إشارة في الآية: إن الله تعالى حرم المحصنات من النساء وهن: ذوات الأزواج على الرجال؛ عفة للحصانة وصحة النسب ونزاهة لعرض الرجال عن خسة الاشتراك في الفراش علو الهمة، فإن الله يحب معالي الأمور ويبغض سفاسفها، وقال تعالى: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ} [النساء: 24]؛ يعني: ما ملكتم بالقوة والغلبة على أزواجهن من الكفار، واقتطاعهن من حيز الاشتراك وإفساد نسب الأولاد وتخليطه، ولهذا أوجب الشرع فيها الاستبراء بحيضة {كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]؛ أي: كتب الله في الأزل الاجتماع بهن بعد قضاء أوطار أزواجهن منهن، كقوله تعالى: {أية : كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً} تفسير : [الإسراء: 58]، أو كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم مع زينب - رضي الله عنها - قال الله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} تفسير : [الأحزاب: 38]، وفيه إشارة أخرى وهي: إن قد قدرنا أن في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 22]، إشارة إلى نهي التعلق والتصرف في السفليات التي هي الأمهات المتصرفة فيها آباؤكم العلوية، فهي في الحقيقة الدنيا وما يتعلق بها، {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [النساء: 24]؛ وهي الدنيا بهذه المناسبة معطوفة عليها، لا تتعلقوا وتتصرفوا في شيء من الدنيا وهي محصنة بملكية الغير، {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ} [النساء: 24] منها بطريق صالح، {كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]؛ أي: لما كتب الله عليكم التصرف فيها، كقوله تعالى: {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}تفسير : [الأعراف: 31]؛ أي: كلوا وأشربوا بقدر الحاجة لقوام القالب إقامة لأداء الواجب عليكم، ولا تسرفوا بالإكثار وتتبع الشهوات الحيوانية، فتأكلوا كما تأكل الأنعام والنار مثوى لكم، بل تصرفوا فيها بقدر تحصيل النفقة الواجبة عليكم للعيال. {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ} [النساء: 24]؛ أي: ما وراء الذي أحصن بملكية الغير يتعلق حقه ونظره وهمته فإنه بقطعكم عن الحق، {أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ} [النساء: 24]؛ أي: لتبتغوا بمالكم {مُّحْصِنِينَ} [النساء: 24]؛ يعني: حرائر من الدنيا وما فيها، {غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ} [النساء: 24] في الطلب؛ معناه: لا تبذلوا أنفسكم عند الخلق بطلب الشهوات، ولا تسفحون مياه وجوهكم عند الله تعالى؛ لنيل المرادات الإنسانية واستيفاء اللذات الحيوانية، {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} [النساء: 24]؛ أي: من ضرورات الخلق من الدنيا مأكولاً ومشروباً وملبوساً ومنكوحاً على هذا الوجه، {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} [النساء: 24]؛ أي: قاطعوا حقوق تلك الحظوظ بالطاعة والشكر والذكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أذيبوا طعامكم بذكر الله"تفسير : ، {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ} [النساء: 24]؛ أي: فيما تفتدون أنفسكم من المجاهدات والرياضة، واحتمال الأذى في الله تقرباً إلى الله تعالى من بعد أداء ما فرض الله عليكم، {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً} [النساء: 24] بنياتكم وقصوركم، {حَكِيماً} [النساء: 24] فيما يهديكم إلى مطلوبكم ومقصودكم.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ} [24] 116- أنا إسماعيل بن مسعود، نا خالد، عن سعيد، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد أنه ذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا من أهل الشِّرك، فكان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفُّوا عن غشيانهن من أجل أزواجهن، فنزلت {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ}. 117- أنا يحيى بن حكيم، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عثمان البتِّيِّ قال: سمعت أبا الخليل يحدث عن أبي سعيد قال: أصابوا سبياً لهنَّ أزواج فوطئوا بعضهن، فكأنهم أشفقوا من ذلك، فأنزل الله عز وجل {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ}. 118- أنا يحيى بن حكيم، نا محمد بن جعفر، أنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس - مِثله.

همام الصنعاني

تفسير : 547- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابنِ المسيب في قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ}: [الآية: 24]، قال: هُنَّ ذوات الأزواج حَرَّم الله تعالى نكاحهنّ إلاّ ما ملكت يمينك فبيعها طلاقها. قال معمر وقال الحسن مثل ذلك. 548- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معْمَر، عن أيوب، عن ابن سِيرينَ، عن عُبَيْدة قال: أحلَّ اللهُ لك أرْبعاً في أوّل السّورة، وحرَّم عليك نكاح كل محصنةٍ بعد الأربع إلا ما ملكتْ يَمينُك. قال معمر: وأخبرني، ابن طاوس عن أبيه قال: إلا ما ملكت يمينك، قال: فزوجُك مِمَّا ملكتْ يمِينُك. يقول: حرَّم الله الزنا. لا يحلُّ لك أن تطأ امرأةً إلاَّ ما مَلَكتْ يَمينُك. 549- حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة عن أبي الخليل أو غيره، أو عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنَا سبَايَا مِنْ سَبْي يوم أوْطاسٍ لهُنَّ أزْواحٌ فكرهْنا أن نَقَع علَيْهِنَّ ولَهُنَّ أزْوَاجٌ، فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ}: [الآية: 24]، فاسْتحللناهُنَّ بملك اليَمينِ. 552- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن، في قوله: {فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}: [الآية: 24]، قال: هُوَ النّكاح.