٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين من يحل ومن لا يحل: بين فيمن يحل أنه متى يحل، وعلى أي وجه يحل فقال: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الكسائي {ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } بكسر الصاد، وكذلك {مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } وكذلك {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } كلها بكسر الصاد، والباقون بالفتح، فالفتح معناه ذوات الأزواج، والكسر معناه العفائف والحرائر، والله أعلم. المسألة الثانية: الطول: الفضل، ومنه التطول وهو التفضل، وقال تعالى: {أية : ذِى ٱلطَّوْلِ } تفسير : [غافر: 3] ويقال: تطاول لهذا الشيء أي تناوله، كما يقال: يد فلان مبسوطة وأصل هذه الكلمة من الطول الذي هو خلاف القصر؛ لأنه إذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة، كما أنه إذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان، وسمي الغنى أيضاً طولا، لأنه ينال به من المرادات مالا ينال عند الفقر، كما أن بالطول ينال ما لا ينال بالقصر. إذا عرفت هذا فنقول: الطول القدرة، وانتصابه على أنه مفعول «يستطع» و«أَن يَنكِحَ » في موضع النصب على أنه مفعول القدرة. فان قيل: الاستطاعة هي القدرة، والطول أيضا هو القدرة، فيصير تقدير الآية: ومن لم يقدر، منكم على القدرة على نكاح المحصنات، فما فائدة هذا التكرير في ذكر القدرة؟ قلنا: الأمر كما ذكرت، والأولى أن يقال: المعنى فمن لم يستطع منكم استطاعة بالنكاح المحصنات، وعلى هذا الوجه يزول الاشكال، فهذا ما يتعلق باللغة. أما ما قاله المفسرون فوجوه: الأول: ومن لم يستطع زيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح الحرة فلينكح أمة. الثاني: أن يفسر النكاح بالوطء، والمعنى: ومن لم يستطع منكم طولا وطء الحرائر فلينكح أمة، وعلى هذا التقدير فكل من ليس تحته حرة فإنه يجوز له التزوج بالأمة. وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فان مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له التزوج بالأمة. وهذا التفسير لائق بمذهب أبي حنيفة، فإن مذهبه أنه إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، سواء قدر على التزوج بالحرة أو لم يقدر. والثالث: الاكتفاء بالحرة، فله أن يتزوج بالأمة سواء كان تحته حرة أو لم يكن، كل هذه الوجوه إنما حصلت، لأن لفظ الاستطاعة محتمل لكل هذه الوجوه. المسألة الثالثة: المراد بالمحصنات في قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن. المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن الله تعالى شرط في نكاح الإماء شرائط ثلاثة، اثنان منها في الناكح، والثالث في المنكوحة، أما اللذان في الناكح. فأحدهما: أن يكون غير واجد لما يتزوج به الحرة المؤمنة من الصداق، وهو معنى قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } فعدم استطاعة الطول عبارة عن عدم ما ينكح به الحرة. فان قيل: الرجل إذا كان يستطيع التزوج بالأمة يقدر على التزوج بالحرة الفقيرة، فمن أين هذا التفاوت؟ قلنا: كانت العادة في الإماء تخفيف مهورهن ونفقتهن لاشتغالهن بخدمة السادات، وعلى هذا التقدير يظهر هذا التفاوت. وأما الشرط الثاني: فهو المذكور في آخر الآية وهو قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } [النساء: 25] أي بلغ الشدة في العزوبة. وأما الشرط الثالث: المعتبر في المنكوحة، فأن تكون الأمة مؤمنة لا كافرة، فإن الأمة إذا كانت كافرة كانت ناقصة من وجهين: الرق والكفر، ولا شك أن الولد تابع للأم في الحرية والرق، وحينئذ يعلق الولد رقيقا على ملك الكافر، فيحصل فيه نقصان الرق ونقصان كونه ملكا للكافر، فهذه الشرائط الثلاثة معتبرة عند الشافعي في جواز نكاح الأمة. وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فيقول: إذا كان تحته حرة لم يجز له نكاح الأمة، أما إذا لم يكن تحته حرة جاز له ذلك، سواء قدر على نكاح الحرة أو لم يقدر، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وتقريره من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكر عدم القدرة على طول الحرة، ثم ذكر عقيبه التزوج بالأمة، وذلك الوصف يناسب هذا الحكم لأن الانسان قد يحتاج الى الجماع، فاذا لم يقدر على جماع الحرة بسبب كثرة مؤنتها ومهرها، وجب أن يؤذن له في نكاح الأمة، اذا ثبت هذا فنقول: الحكم اذا كان مذكورا عقيب وصف يناسبه، فذلك الاقتران في الذكر يدل على كون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف، اذا ثبت هذا فنقول: لو كان نكاح الأمة جائزا بدون القدرة على طول الحرة ومع القدرة عليه لم يكن لعدم هذه القدرة أثر في هذا الحكم ألبتة، لكنا بينا دلالة الآية على أن له أثرا في هذا الحكم، فثبت أنه لا يجوز التزوج بالأمة مع القدرة على طول الحرة. الثاني: أن نتمسك بالآية على سبيل المفهوم، وهو أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، والدليل عليه أن القائل اذا قال: الميت اليهودي لا يبصر شيئا، فإن كل أحد يضحك من هذا الكلام ويقول: إذا كان غير اليهودي أيضا لا يبصر فما فائدة التقييد بكونه يهوديا، فلما رأينا أن أهل العرف يستقبحون هذا الكلام ويعللون ذلك الاستقباح بهذه العلة، علمنا اتفاق أرباب اللسان على أن التقييد بالصفة يقتضي نفي الحكم في غير محل القيد. قال أبو بكر الرازي: تخصيص هذه الحالة بذكر الاباحة فيها لا يدل على حظر ما عداه، كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } تفسير : [الإسراء: 31] ولا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحالة، وقوله: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } تفسير : [آل عمران: 130] لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، وقوله: {لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً } لا دلالة فيه على إباحة الأكل عند زوال هذه الحالة، فيقال له: ظاهر اللفظ يقتضي ذلك، إلا أنه ترك العمل به بدليل منفصل، كما أن عندك ظاهر الأمر للوجوب، وقد يترك العمل به في صور كثيرة لدليل منفصل، والسؤال الجيد على التمسك بالآية ما ذكرناه، حيث قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد من النكاح الوطء، والتقدير: ومن لم يستطع منكم وطء الحرة، وذلك عند من لا يكون تحته حرة، فإنه يجوز له نكاح الأمة، وعلى هذا التقدير تنقلب الآية حجة لأبي حنيفة. وجوابه: أن أكثر المفسرين فسروا الطول بالغنى، وعدم الغنى تأثيره في عدم القدرة على العقد، لا في عدم القدرة على الوطء. واحتج أبو بكر الرازي على صحة قوله بالعمومات، كقوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] وقوله: {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَـٰمَىٰ مِنْكُمْ } وقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} وقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [المائدة: 5] وهو متناول للاماء الكتابيات. والمراد من هذا الإحصان العفة. والجواب: أن آيتنا خاصة، والخاص مقدم على العام، ولأنه دخلها التخصيص فيا إذا كان تحته حرة، وإنما خصت صونا للولد، عن الارقاق، وهو قائم في محل النزاع. المسألة الخامسة: ظاهر قوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } يقتضي كون الإيمان معتبرا في الحرة، فعلى هذا: لو قدر على حرة كتابية ولم يقدر على طول حرة مسلمة فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة، وأكثر العلماء أن ذكر الإيمان في الحرائر ندب واستحباب، لأنه لا فرق بين الحرة الكتابية وبين المؤمنة في كثرة المؤنة وقلتها. المسألة السادسة: من الناس من قال: انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة، واحتجوا بهذه الآيات، فقالوا: إنه تعالى بين أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، وذلك ينفي دلالة الآية. ثم أكدوا هذه الدلالة بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221] وقد بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير هذه الآية أن الكتابية مشركة. المسألة السابعة: الآية دالة على التحذير من نكاح الاماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الانسان وفي حق ولده. والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج. الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جدا ولا يجد إليها سبيلا لأن السيد يمنعها ويحبسها. الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار. الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة، والله أعلم. قوله تعالى: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } فيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم } أي فليتزوج مما ملكت أيمانكم. قال ابن عباس: يريد جارية أختك، فِِإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه. المسألة الثانية: الفتيات: المملوكة جمع فتاة، والعبد فتى، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقولن أحدكم عبدي ولكن ليقل فتاي وفتاتي» تفسير : ويقال للجارية الحديثة: فتاة، وللغلام فتى، والأمة تسمى فتاة، عجوزاً كانت أو شابة، لأنها كالشابة في أنها لا توقر توقير الكبير. المسألة الثالثة: قوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } يدل على تقييد نكاح الأمة بما إذا كانت مؤمنة فلا يجوز التزوج بالأمة الكتابية، سواء كان الزوج حراً أو عبدا، وهذا قول مجاهد وسعيد والحسن، وقول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز التزوج بالأمة الكتابية. حجة الشافعي رضي الله عنه: أن قوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تقييد لجواز نكاح الأمة بكونها مؤمنة، وذلك ينفي جواز نكاح غير المؤمنة من الوجهين اللذين ذكرناهما في مسألة طول الحرة، وأيضا قال تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ } تفسير : [البقرة: 221]. حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: النص والقياس: أما النص فالعمومات التي ذكرنا تمسكه بها في طول الحرة، وآكدها قوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } تفسير : [المائدة: 5] وأما القياس فهو أنا أجمعنا على أن الكتابة الحرة مباحة، والكتابية المملوكة أيضا مباحة، فكذلك إذا تزوج بالكتابية المملوكة وجب أنه يجوز. والجواب عن العمومات: أن دلائلنا خاصة فتكون مقدمة على العمومات، وعن القياس: أن الشافعي قال: إذا تزوج بالحرة الكتابية فهناك نقص واحد، أما إذا تزوج بالأمة الكتابية فهناك نوعان من النقص: الرق والكفر، فظهر الفرق. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ } قال الزجاج: معناه اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم مكلفون بظواهر الأمور، والله يتولى السرائر والحقائق. ثم قال تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } وفيه وجهان: الأول: كلكم أولاد آدم فلا تداخلنكم أنفة من تزوج الإماء عند الضرورة. والثاني: ان المعنى: كلكم مشتركون في الإيمان، والإيمان أعظم الفضائل، فإذا حصل الاشتراك في أعظم الفضائل كان التفاوت فيما وراءه غير ملتفت إليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 71] وقوله: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] قال الزجاج: فهذا الثاني أولى لتقدم ذكر المؤمنات، أو لأن الشرف بشرف الإسلام أولى منه بسائر الصفات، وهو يقوي قول الشافعي رضي الله عنه: إن الإيمان شرط لجواز نكاح الأمة. واعلم أن الحكمة في ذكر هذه الكلمة أن العرب كانوا يفتخرون بالأنساب، فاعلم في ذكر هذه الكلمة أن الله لا ينظر و يلتفت اليه. روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ثلاث من أمر الجاهلية: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والاستسقاء بالانواء، ولا يدعها الناس في الاسلام» تفسير : وكان أهل الجاهلية يضعون من ابن الهجين، فذكر تعالى هذه الكلمة زجرا لهم عن أخلاق أهل الجاهلية. ثم أنه تعالى شرح كيفية هذا النكاح فقال: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس. أما القرآن فهو هذه الآية فان قوله تعالى: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وان لم يكن النكاح واجبا. وهو كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» تفسير : فالسلم ليس بواجب، ولكنه إذا اختار أن يسلم فعليه استيفاء هذه الشرائط، كذلك النكاح وان لم يكن واجبا، لكنه إذا أراد أن يتزوج أمة، وجب أن لا يتزوجها إلا باذن سيدها. وأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا باذنه. واعلم أن لفظ القرآن مقتصر على الأمة، وأما العبد فقد ثبت ذلك في حقه بالحديث عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا تزوج العبد بغير إذن السيد فهو عاهر». تفسير : المسألة الثانية: قال الشافعي رضي الله عنه: المرأة البالغة العاقلة لا يصح نكاحها إلا باذن الولي. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يصح، احتج الشافعي بهذه الآية، وتقريره أن الضمير في قوله: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } عائد إلى الاماء، والأمة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة ذات موصوفة بصفة الرق، وصفة الرق صفة زائلة، والاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة زائلة لا يتناول الاشارة إلى تلك الصفة، ألا ترى أنه لو حلف لا يتكلم مع هذا الشاب فصار شيخا ثم تكلم معه يحنث في يمينه، فثبت أن الاشارة إلى الذات الموصوفة بصفة عرضية زائلة، باقية بعد زوال تلك الصفة العرضية، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } اشارة إلى الاماء، فهذه الاشارة وجب أن تكون باقية حال زوال الرق عنهن، وحصول صفة الحرية لهن، وإذا كان كذلك فالحرة البالغة العاقلة في هذه الصورة يتوقف جواز نكاحها على إذن وليها، وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة وجب ثبوت هذا الحكم في سائر الصور؛ ضرورة أنه لا قائل بالفرق. احتج أبو بكر الرازي بهذه الآية على فساد قول الشافعي في هذه المسألة فقال: مذهبه أنه لا عبارة للمرأة في عقد النكاح، فعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تزوج أمتها، بل مذهبه أن توكل غيرها بتزويج أمتها. قال: وهذه الآية تبطل ذلك، لأن ظاهر هذه الآية يدل على الاكتفاء بحصول اذن أهلها، فمن قال لا يكفي ذلك كان تاركا لظاهر الآية. والجواب من وجوه: الأول: أن المراد بالإذن الرضا. وعندنا أن رضا المولى لا بد منه، فأما أنه كاف فليس في الآية دليل عليه، وثانيها: أن أهلهن عبارة عمن يقدر على نكاحهن، وذلك إما المولى أن كان رجلا، أو ولي مولاها إن كان مولاها امرأة. وثالثها: هب أن الأهل عبارة عن المولى، لكنه عام يتناول الذكور والإناث، والدلائل الدالة على أن المرأة لا تنكح نفسها خاصة قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : العاهر هي التي تنكح نفسها» تفسير : فثبت بهذا الحديث أنه عبارة لها في نكاح نفسها، فوجب أن لا يكون لها عبارة في نكاح مملوكتها، ضرورة أنه لا قائل بالفرق والله أعلم. ثم قال تعالى: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسير الآية قولان: الأول: ان المراد من الأجور: المهور، وعلى هذا التقدير فالآية تدل على وجوب مهرها إذا نكحها، سمي لها المهر أو لم يسم، لأنه تعالى لم يفرق بين من سمى، وبين من لم يسم في إيجاب المهر، ويدل على أنه قد أراد مهر لمثل قوله تعالى:{بِٱلْمَعْرُوفِ }وهذا إنما يطلق فيما كان مبنيا على الاجتهاد وغالب الظن في المعتاد والمتعارف كقوله تعالى: {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ }تفسير : [البقرة: 233] الثاني: قال القاضي: ان المراد من أجورهن النفقة عليهن، قال هذا القائل: وهذا أولى من الأول، لأن المهر مقدر، ولا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنه تعالى بين أن كونها أمة لا يقدح في وجوب نفقتها وكفايتها كما في حق الحرة إذا حصلت التخلية من المولى بينه وبينها على العادة، ثم قال القاضي: اللفظ وان كان يحتمل ما ذكرناه فأكثر المفسرين يحملونه على المهر، وحملوا قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ } على ايصال المهر اليها على العادة الجميلة عند المطالبة من غير مطل وتأخير. المسألة الثانية: نقل أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن بعض أصحاب مالك أن الأمة هي المستحقة لقبض مهرها، وان المولى إذا آجرها للخدمة كان المولى هو المستحق للأجر دونها وهؤلاء احتجوا في المهر بهذه الآية، وهو قوله: {وآتوهن أجورهن بالمعروف} وأما الجمهور فانهم احتجوا على ان مهرها لمولاها بالنص والقياس، أما النص فقوله تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْء } تفسير : [النحل: 75] وهذا ينفي كون المملوك مالكا لشيء أصلا، وأما القياس فهو أن المهر وجب عوضا عن منافع البضع، وتلك المنافع مملوكة للسيد، وهو الذي أباحها للزوج بقيد النكاح، فوجب أن يكون هو المستحق لبدلها. والجواب عن تمسكهم بالآية من وجوه: الأول: أنا إذا حملنا الأجور في الآية على النفقة زال السؤال بالكلية. الثاني: أنه تعالى إنما أضاف إيتاء المهور إليهن لأنه ثمن بضعهن وليس في قوله: {وَءاتُوهُنَّ } ما يوجب كون المهر ملكا لهن، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : العبد وما في يده لمولاه» تفسير : فيصير ذلك المهر ملكا للمولى بهذه الطريق والله أعلم. ثم قال تعالى: {مُحْصَنَـٰت غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: محصنات أي عفائف، وهو حال من قوله: {فَٱنكِحُوهُنَّ } باذن أهلهن، فظاهر هذا يوجب حرمة نكاح الزواني من الاماء، واختلف الناس في أن نكاح الزواني هل يجوز أم لا؟ وسنذكره في قوله: {أية : ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } تفسير : [النور: 3] والأكثرون على أنه يجوز فتكون هذه الآية محمولة على الندب والاستحباب وقوله: {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ } أي غير زوان {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } جمع خدن، كالأتراب جمع ترب، والخدن الذي يخادنك وهو الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن. قال أكثر المفسرين: المسافحة هي التي تؤاجر نفسها مع أي رجل أرادها، والتي تتخذ الخدن فهي التي تتخذ خدنا معينا، وكان أهل الجاهلية يفصلون بين القسمين، وما كانوا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية، فلما كان هذا الفرق معتبرا عندهم لا جرم أن الله سبحانه أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر، ونص على حرمتهما معاً، ونظيره أيضاً قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } تفسير : [الأعراف: 33]. المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية أحد ما يستدل به من لا يجعل الايمان في نكاح الفتيات شرطا، لأنه لو كان ذلك شرطا لكان كونهن محصنات عفيفات أيضاً شرطا، وهذا ليس بشرط. وجوابه: أن هذا معطوف لا على ذكر الفتيات المؤمنات، بل على قوله: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ولا شك أن كل ذلك واجب، فعلمنا أنه لا يلزم من عدم الوجوب في هذا، عدم الوجوب فيما قبله والله أعلم. ثم قال تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ }. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {أُحْصِنَّ } بالفتح في الألف، والباقون بضم الألف، فمن فتح فمعناه: أسلمن، هكذا قاله عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والسدي، ومن ضم الألف فمعناه: أنهن أحصن بالازواج. هكذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد. ومنهم من طعن في الوجه الأول فقال: انه تعالى وصف الاماء بالايمان في قوله: {فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } ومن البعيد أن يقال فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فاذا آمن، فان حالهن كذا وكذا، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى ذكر حكمين: الأول: حال نكاح الاماء، فاعتبر الايمان فيه بقوله: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } والثاني: حكم ما يجب عليهن عند إقدامهن على الفاحشة، فذكر حال إيمانهن أيضا في هذا الحكم، وهو قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ }. المسألة الثانية: في الآية إشكال قوي، وهو أن المحصنات في قوله: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } إما أن يكون المراد منه الحرائر المتزوجات، أو المراد منه الحرائر الأبكار. والسبب في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن. والأول مشكل، لأن الواجب على الحرائر المتزوجات في الزنا: الرجم، فهذا يقتضي أن يجب في زنا الاماء نصف الرجم، ومعلوم أن ذلك باطل. والثاني: وهو أن يكون المراد: الحرائر الأبكار، فحينئذ يكون هذا الحكم معلقا بمجرد صدور الزنا عنهن، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقا بمجموع الأمرين: الاحصان والزنا، لأن قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ } شرط بعد شرط، فيقتضي كون الحكم مشروطا بهما نصا، فهذا إشكال قوي في الآية. والجواب: أنا نختار القسم الثاني، وقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } ليس المراد منه جعل هذا الاحصان شرطا لأن يجب في زناها خمسون جلدة، بل المعنى أن حد الزنا يغلظ عند التزوج، فهذه إذا زنت وقد تزوجت فحدها خمسون جلدة لا يزيد عليه، فبأن يكون قبل التزوج هذا القدر أيضاً أولى، وهذا مما يجري مجرى المفهوم بالنص، لأن عند حصول ما يغلظ الحد، لما وجب تخفيف الحد لمكان الرق، فبأن يجب هذا القدر عند مالا يوجد ذلك المغلظ كان أولى والله أعلم. المسألة الثالثة: الخوارج اتفقوا على إنكار الرجم، واحتجوا بهذه الآية، وهو أنه تعالى أوجب على الأَمَةِ نصف ما على الحُرَّة المُحْصَنَة، فلو وجب على الحرة المحصنة الرجم، لزم أن يكون الواجب على الأمة نصف الرجم وذلك باطل، فثبت أن الواجب على الحرة المتزوجة ليس إلا الجلد، والجواب عنه ما ذكرناه في المسألة المتقدمة، وتمام الكلام فيه مذكور في سورة النور في تفسير قوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } تفسير : [النور: 2]. المسألة الرابعة: اعلم أن الفقهاء صيروا هذه الآية أصلا في نقصان حكم العبد عن حكم الحر في غير الحد، وإن كان في الأمور مالا يجب ذلك فيه والله أعلم. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} ولم يختلفوا في أن ذلك راجع إلى نكاح الاماء فكأنه قال: فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات لمن خشي العنت منكم، والعنت هو الضرر الشديد الشاق قال تعالى فيما رخص فيه مخالطة اليتامى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لاعْنَتَكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] أي لشدد الأمر عليكم فألزمكم تمييز طعامكم من طعامهم فلحقكم بذلك ضرر شديد وقال: {أية : وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 118]، أي أحبوا أن تقعوا في الضرر الشديد. وللمفسرين فيه قولان: أحدهما: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة ربما تحمل على الزنا فيقع في الحد في الدنيا وفي العذاب العظيم في الآخرة، فهذا هو العنت. والثاني: أن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد تؤدي بالانسان إلى الأمراض الشديدة، أما في حق النساء فقد تؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد تؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر. وأكثر العلماء على الوجه الأول لأنه هو اللائق ببيان القرآن. ثم قال تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن نكاح الاماء بعد رعاية شرائطه الثلاثة أعني عدم القدرة على التزوج بالحرة، ووجود العنت، وكون الأمة مؤمنة: الأولى تركه لما بينا من المفاسد الحاصلة في هذا النكاح. المسألة الثانية: مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه أن الاشتغال بالنكاح أفضل من الاشتغال بالنوافل، فإن كان مذهبهم أن الاشتغال بالنكاح مطلقاً أفضل من الاشتغال بالنوافل، سواء كان النكاح نكاح الحرة أو نكاح الأمة، فهذه الآية نص صريح في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنا لا نرجح نكاح الأمة على النافلة، فحينئذ يسقط هذا الاستدلال، إلا أن هذا التفصيل ما رأيته في شيء من كتبهم والله أعلم. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه إحدى وعشرون مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} الآية. نبّه تعالى على تخفيف في النكاح وهو نكاح الأَمَة لمن لم يجد الطَّوْل. واختلف العلماء في معنى الطَّوْل على ثلاثة أقوال: الأوّل ـ السَّعة والغِنَى؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير والسُّديُّ وٱبن زيد ومالك في المدوّنة. يقال: طال يطول طَوْلاً في الإفضال والقدرة. وفلان ذو طَوْل أي ذو قدرة في ماله (بفتح الطاء). وطُولاً (بضم الطاء) في ضدّ القِصَر. والمراد هٰهنا القدرة على المهر في قول أكثر أهل العلم، وبه يقول الشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبو ثَوْر. قال أحمد بن المُعَذَّل قال عبد الملك: الطَّوْل كلُّ ما يُقدَر به على النكاح من نقد أو عَرَض أو دَين على مَليّ. قال: وكل ما يمكن بيعه وإجارته فهو طَوْل. قال: وليست الزوجة ولا الزوجتان ولا الثلاثة طَوْلا. وقال: وقد سمعت ذلك من مالك رضي الله عنه. قال عبد الملك: لأن الزوجة لا ينكح بها ولا يصل بها إلى غيرها إذ ليست بمال. وقد سئل مالك عن رجل يتزوّج أَمَة وهو ممن يجد الطول، فقال: أرى أن يفرق بينهما. قيل له: إنه يخاف العنَتَ. قال: السوط يضرب به. ثم خففه بعد ذلك. القول الثاني ـ الطَّوْل الحُرّةُ. وقد ٱختلف قول مالك في الحرّة هل هي طول أم لا؛ فقال في المدوّنة: ليست الحرّة بطوْل تمنع من نكاح الأمة؛ إذا لم يجد سَعة لأُخرى وخاف العَنَت. وقال في كتاب محمد ما يقتضي أن الحُرّة بمثابة الطَّوْل. قال اللَّخْمِيّ: وهو ظاهر القرآن. ورُوي نحو هذا عن ٱبن حبيب، وقاله أبو حنيفة. فيقتضي هذا أن من عنده حُرّة فلا يجوز له نكاح الأَمَة وإن عدم السَّعَة وخاف العَنَت، لأنه طالب شهوة وعنده ٱمرأة، وقال به الطَّبَريّ وٱحتجّ له. قال أبو يوسف: الطوَّلْ هو وجود الحرّة تحته؛ فإذا كانت تحته حُرَّة فهو ذو طول، فلا يجوز له نكاح الأَمَة. القول الثالث ـ الطَّوْل الجَلَدُ والصّبر لمن أحبّ أَمَة وهَوِيَها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوّج غيرها، فإن له أن يتزوّج الأَمَة إذا لم يملك هواها وخاف أن يَبْغِي بها وإن كان يجد سعَة في المال لنكاح حُرّة؛ هذا قول قَتادة والنَّخَعِيّ وعطاء وسفيان الثّوري. فيكون قوله تعالى: {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ} على هذا التأويل في صفة عَدم الجَلَد. وعلى التأويل الأوّل يكون تزويج الأَمَة معلَّقاً بشرطين: عَدمَ السَّعَة في المال، وخَوف العَنت؛ فلا يصح إلا باجتماعهما. وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد. قال مُطَرِّف وابن الماجِشُون: لا يحل للرجل أن ينكح أَمَة، ولا يُقرّان إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى؛ وقاله أَصْبَغ. وروي هذا القول عن جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاوس والزُّهْرِيّ ومكْحول، وبه قال الشافعيّ وأبو ثَوْر وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره. فإن وجد المهر وعدم النفقة فقال مالك في كتاب محمد: لا يجوز له أن يتزوّج أَمَة. وقال أَصْبَغ: ذلك جائز؛ إذ نفقة الأَمَة على أهلها إذا لم يضمّها إليه وفي الآية قول رابع قال مجاهد: ممّا وسّع الله على هذه الأمّة. نكاحُ الأَمَة والنّصرانية، وإن كان موسراً. وقال بذلك أبو حنيفة أيضاً، ولم يشترط خوف العنت؛ إذا لم تكن تحته حُرّة. قالوا: لأن كل مال يمكن أن يتزوّج به الأَمَة يمكن أن يتزوّج به الحرّة؛ فالآية على هذا أصلٌ في جواز نكاح الأَمَة مطلقاً. قال مجاهد: وبه يأخذ سفيان، وذلك أني سألته عن نكاح الأمة فحدّثني عن ابن أبي لَيْلَى عن المِنْهال عن عبّاد بن عبد الله عن عليّ رضي الله عنه قال: إذا نُكحت الحُرّة على الأَمَة كان للحرّة يومان وللأَمَة يوم. قال: ولم ير عليٌّ به بأسا. وحجّة هذا القول عمومُ قولِه تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}. وقولِه تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} إلى قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ}؛ لقوله عز وجل: { أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً } تفسير : [النساء:3]. وقد اتفق الجميع على أن للحُرّ أن يتزوّج أربعاً وإن خاف أَلاَّ يَعدل. قالوا: وكذلك له تزوّج الأَمَة وإن كان واجداً للطَّوْل غير خائف للعَنَت. وقد رُوي عن مالك في الذي يجد طَوْلا لحرّة أنه يتزوّج أَمَة مع قدرته على طَوْل الحُرّة؛ وذلك ضعيف من قوله. وقد قال مرّة أُخرى: ما هو بالحرام البَيِّن، وأُجَوِّزه. والصحيح أنه لا يجوز للحرّ المسلم أن يَنكِح أَمَةً غيرَ مسلمة بحال، ولا له أن يتزوّج بالأَمَة المسلمة إلا بالشرطين المنصوص عليهما كما بيّنا. والعَنَت الزِّنى؛ فإن عدِم الطّول ولم يَخْش العَنَت لم يجز له نكاح الأمة، وكذلك إن وجد الطّول وخشي العنت. فإن قَدَر على طَوْل حرّة كتابيّة وهي المسألة: الثانية ـ فهل يتزوّج الأَمَة؛ اختلف علماؤنا في ذلك، فقيل: يتزوّج الأَمَة فإن الأَمة المسلمة لا تلحق بالكافرة، فأَمةٌ مؤمنةٌ خيرٌ من حُرّة مشركة. واختاره ابن العربيّ. وقيل: يتزوّج الكتابية؛ لأن الأَمَة وإن كانت تفضُلها بالإيمان فالكافرة تفضلها بالحرّية وهي زوجة. وأيضاً فإن ولدها يكون حرّاً لا يسترقّ، وولد الأمة يكون رقيقاً؛ وهذا هو الذي يتمشَّى على أصل المذهب. الثالثة ـ واختلف العلماء في الرجل يتزوّج الحُرّة على الأَمَة ولم تعلم بها؛ فقالت طائفة: النكاح ثابت. كذلك قال سعيد بن المُسَيب وعطاء ابن أبي رَباح والشافعيّ وأبو ثَوْر وأصحاب الرأي، وروي عن عليّ. وقيل: للحرّة الخيار إذا علمت. ثم في أي شيء يكون لها الخيار؛ فقال الزُّهْرِيّ وسعيد بن المُسَيّب ومالك وأحمد وإسحاق في أن تُقِيم معه أو تفارقه. وقال عبد الملك: في أن تُقِرّ نكاح الأَمَة أو تفسخه. وقال النَّخَعِيّ: إذا تزوّج الحرّة على الأَمَة فارق الأَمَة إلا أن يكون له منها ولد؛ فإن كان لم يُفرّق بينهما. وقال مسروق: يُفسخ نكاح الأمة؛ لأنه أمرٌ أبيح للضرورة كالميتة، فإذا ٱرتفعت الضرورة ارتفعت الإباحة. الرابعة ـ فإن كانت تحته أَمَتان عَلِمت الحُرّةُ بواحدة منهما ولم تعلم بالأُخرى فإنه يكون لها الخيار. ألا ترى لو أن حُرة تزوّج عليها أَمَة فرضيت، ثم تزوّج عليها أمة فرضيت، ثم تزوّج عليها أُخرى فأنكرت كان ذلك لها؛ فكذلك هذه إذا لم تعلم بالأَمَتين وعلمت بواحدة. قال ابن القاسم قال مالك: وإنما جعلنا الخيار للحرّة في هذه المسائل لمَا قالت العلماء قبلي. يريد سعيد بنَ المُسَيَّب وابنَ شهاب وغيرهما. قال مالك: ولولا ما قالوه لرأيتُه حلالاً؛ لأنه في كتاب الله حلال. فإن لم تَكْفِه الحرّة واحتاج إلى أُخرى ولم يقدر على صداقها جاز له أن يتزوّج الأَمَة حتى ينتهي إلى أربع بالتزويج بظاهر القرآن. رواه ابن وهب عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: يُرَدّ نكاحه. قال ابن العربيّ: والأوّل أصح في الدليل، وكذلك هو في القرآن؛ فإن من رضي بالسبب المحقّق رضي بالمسبّب المرتب عليه، وألاّ يكون لها خيار؛ لأنها قد علِمت أن له نكاح الأربع؛ وعلِمت أنه إن لم يقدر على نكاح حُرّة تزوّج أَمَة، وما شرط الله سبحانه عليها كما شرطت على نفسها، ولا يعتبر في شروط الله سبحانه وتعالى عِلمها. وهذا غاية التحقيق في الباب والإنصاف فيه. الخامسة ـ قوله تعالى: {ٱلْمُحْصَنَاتِ} يريد الحرائر؛ يدل عليه التقسيم بينهن وبين الإماء في قوله: {مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} وقالت فرقة معناه العفائف وهو ضعيف لأنّ الإماء يقعن تحته فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيّات. وهو قول ابن مَيْسرة والسُّدِّي. وقد اختلف العلماء فيما يجوز للحُرّ الذي لا يجد الطَّوْل ويخشى العَنَت من نكاح الإماء؛ فقال مالك وأبو حنيفة وابن شهاب الزُّهْرِيّ والحارث العُكْلِيّ: له أن يتزوّج أربعاً. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له أن ينكح من الإماء أكثر من ٱثنتين. وقال الشافعيّ وأبو ثَوْر وأحمد وإسحاق: ليس له أن ينكح من الإماء إلاّ واحدة. وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة؛ واحتجّوا بقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} وهذا المعنى يزول بنكاح واحدة. السادسة ـ قوله تعالى: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} أي فَلْيَتَزَوّج بأَمَة الغير. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوّج أَمَةَ نفسه؛ لتعارض الحقوق وٱختلافها. السابعة ـ قوله تعالى: {مِّن فَتَيَاتِكُمُ} أي المملوكات، وهي جمع فتاة. والعرب تقول للمملوك: فَتًى، وللمملوكة فتاة. وفي الحديث الصحيح: « حديث : لا يقولنّ أحدُكم عَبْدِي وأَمَتِي ولكن ليقل فَتَايَ وفتاتِي » تفسير : وسيأتي. ولفظ الفتى والفتاة يطلق أيضاً على الأحرار في ابتداء الشباب، فأما في المماليك فيطلق في الشباب وفي الكِبَر. الثامنة ـ قوله تعالى: {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} بيّن بهذا أنه لا يجوز التزوّج بالأَمَة الكتابية، فهذه الصفة مشترطة عند مالك وأصحابه، والشافعيّ وأصحابه، والثوري والأوْزَاعِيّ والحسن البَصْرِيّ والزُّهْرِيّ ومَكْحول ومجاهد. وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الأَمة الكتابية جائز. قال أبو عمر: ولا أعلم لهم سَلَفاً في قولهم، إلا أبا مَيْسرة عمرو بن شُرَحْبِيل فإنه قال: إماء أهل الكتاب بمنزلة الحرائر منهنّ. قالوا: وقوله {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} على جهة الوصف الفاضل وليس بشرط ألاّ يجوز غيرها؛ وهذا بمنزلة قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} فإن خاف ألاّ يعدِل فتزوّج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل ألاّ يتزوّج؛ فكذلك هنا الأفضل ألاّ يتزوّج إلا مؤمنة، ولو تزوّج غير المؤمنة جاز. وٱحتجُّوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله: {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} في الحرائر من نكاح الكتابيات فكذلك لا يمنع قوله {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} في الإماء من نكاح إماءِ الكتابيات. وقال أشهب في المدوّنة: جائز للعبد المسلم أن يتزوّج أَمَةً كتابية. فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحُرّية والدِّين معاً. ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز لمسلم نكاحُ مجوسِيّة ولا وَثَنِيّة، وإذا كان حراماً بإجماع نكاحُهما فكذلك وطؤهما بِملْك اليَمين قياساً ونظراً. وقد روي عن طاوس ومجاهد وعطاء وعمرو بن دِينار أنهم قالوا: لا بأس بنكاح الأَمَة المجوسيّة بملك اليَمين. وهو قول شاذّ مهجور لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار. وقالوا: لا يحلّ أن يطأها حتى تُسلم. وقد تقدّم القول في هذه المسألة في «البقرة» مستوفًى. والحمد لله. التاسعة ـ قوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} المعنى أن الله عليم ببواطن الأُمور ولكم ظواهرها، وكلّكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكِفُوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثةَ عهدٍ بِسِباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربّما كان إيمان أَمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر. العاشرة ـ قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} ابتداء وخبر؛ كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم. وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ فلْينكِح بعضُكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأَمَة وتُعيّره وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأَمَة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلَى. الحادية عشرة ـ قوله تعالى: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أي بولاية أربابهن المالكين وإذنهم. وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن سيّده؛ لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستَغرق، لكن الفرق بينهما أن العبد إذا تزوّج بغير إذن سيده فإن أجازه السيد جاز؛ هذا مذهب مالك وأصحاب الرأي، وهو قول الحسن البَصْرِيّ وعطاء بن أبي رَباح وسعيد بن المسيِّب وشُريح والشَّعْبِيّ. والأَمَةُ إذا تزوّجت بغير إذن أهلها فُسِخ ولم يجز بإجازة السيد؛ لأن نقصان الأُنوثة في الأَمَة يمنع من ٱنعقاد النكاح الْبَتَّةَ. وقالت طائفة: إذا نكح العبد بغير إذن سيده فسخ نكاحه؛ هذا قول الشافعيّ والأُوْزاعِيّ وداود بن عليّ، قالوا: لا تجوز إجازة المَوْلَى إن لم يحضره؛ لأن العقد الفاسد لا تصح إجازته، فإن أراد النكاح استقبله على سُنّته. وقد أجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز نكاح العبد بغير إذن سيده. وقد كان ابن عمر يَعُدّ العبد بذلك زانياً ويحدّه؛ وهو قول أبي ثَوْر. وذكر عبد الرزاق عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وعن مَعْمَر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه أخذ عبداً له نكح بغير إذنه فضربه الحدّ وفرّق بينهما وأبطل صداقها. قال: وأخبرنا ابن جُريج عن موسى بن عقبة أنه أخبره عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرى نكاح العبد بغير إذن وَلِيّه زِنًى، ويرى عليه الحدّ، ويعاقب الذين أنكحوهما. قال: وأخبرنا ٱبن جريج عن عبد الله ابن محمد بن عقيل قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أيّما عبدٍ نكح بغير إذن سيده فهو عاهِر » تفسير : . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هو نكاح حرام؛ فإن نكح بإذن سيده فالطلاق بيد من يستحل الفرج. قال أبو عمر: على هذا مذهب جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق، ولم يُختَلف عن ابن عباس أن الطلاق بيد السيّد؛ وتابعه على ذلك جابر بن زيد وفرقة. وهو عند العلماء شذوذ لا يُعرَّج عليه، وأظن ابن عباس تأوّل في ذلك قول الله تعالى: { أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ } تفسير : [النحل: 75]. وأجمع أهل العلم على أن نكاح العبد جائز بإذن مولاه؛ فإن نكح نكاحاً فاسداً فقال الشافعيّ؛ إن لم يكن دخل فلا شيء لها، وإن كان دخل فعليه المهر إذا عَتَق؛ هذا هو الصحيح من مذهبه، وهو قول أبي يوسف ومحمد لا مهر عليه حتى يعتِق. وقال أبو حنيفة: إن دخل عليها فلها المهر. وقال مالك والشافعيّ: إذا كان عبد بين رجلين فأذن له أحدهما في النكاح فنكح فالنكاح باطل، فأما الأمة إذا آذنت أهلها في النكاح فأذنوا جاز، وإن لم تباشر العقد لكن تُولِّي من يعقده عليها. الثانية عشرة ـ قوله تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} دليلٌ على وجوب المهر في النكاح، وأنه للأَمَة. {بِٱلْمَعْرُوفِ} معناه بالشرع والسُّنّة، وهذا يقتضي أنهنّ أحقُّ بمهورهنّ من السادة، وهو مذهب مالك. قال في كتاب الرّهون: ليس للسيّد أن يأخذ مهر أَمَته ويَدَعها بلا جهاز. وقال الشافعيّ: الصداق للسيّد؛ لأنه عوض فلا يكون للأمة. أصله إجازة المنفعة في الرقبة، وإنما ذكرت لأن المهر وجب بسببها. وذكر القاضي إسماعيل في أحكامه: زعم بعض العراقيين إذا زوّج أمته من عبده فلا مهر. وهذا خلاف الكتاب والسنة وأطنب فيه. الثالثة عشرة ـ قوله تعالى: «مُحْصِنَاتٍ» أي عفائف. وقرأ الكِسائِي {مُحْصَنَاتٍ} بكسر الصاد في جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ}. وقرأ الباقون بالنصب في جميع القرآن. ثم قال: {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أي غير زوانٍ، أي مُعْلِنات بالزِّنَى؛ لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزّواني في العلانية، ولهنّ رايات منصوبات كراية البيطار. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أصدقاء على الفاحشة، واحدهم خِدْن وخدِين، وهو الذي يخادنك، ورجل خُدَنَةٌ، إذا اتخذ أخذاناً أي أصحاباً؛ عن أبي زيد. وقيل: المسافِحة المجاهِرة بالزنَى، أي التي تكري نفسها لذلك. وذات الخِدْن هي التي تزني سرّاً. وقيل: المسافِحَة المبذولة، وذات الخدْن التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنَى، ولا تعيب ٱتخاذ الأخذان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك، وفي ذلك نزل قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } تفسير : [الأنعام: 151] عن ابن عباس وغيره. الرابعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قراءة عاصم وحمزة والكِسائيّ بفتح الهمزة. الباقون بضمها. فبالفتح معناه أسْلَمن، وبالضم زُوِّجن. فإذا زنت الأَمة المسلمة جُلدت نصف جلد الحرة؛ وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور: ابنِ مسعود والشعبيّ والزُّهْرِيّ وغيرهم. وعليه فلا تُحدّ كافرة إذا زنت، وهو قول الشافعيّ فيما ذكر ٱبن المُنْذِر. وقال آخرون: إحصانها التزوّج بحرّ. فإذا زنت الأَمَة المسلمة التي لم تتزوّج فلا حدّ عليها، قاله سعيد بن جُبير والحسن وقتادة، وروي عن ٱبن عباس وأبي الدَّرْدَاء، وبه قال أبو عبيد. قال: وفي حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حَدّ الأَمة فقال: إنّ الأَمَة ألقت فَرْوَة رأسها من وراء الدار. قال الأصمعيّ: الفروة جلدة الرأس قال أبو عبيد: وهو لم يرد الفروة بعينها، فكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار، ولكن هذا مثل! إنما أراد بالفَرْوة القِناع، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب، وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه، لا تقدر على الامتناع من ذلك؛ فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك؛ فكأنه رأى أن لا حدّ عليها إذا فجرت؛ لهذا المعنى. وقالت فرقة: إحصانها التزوّج، إلا أن الحدّ واجب على الأَمَة المسلمة غير المتزوّجة بالسنّة؛ كما في صحيح البُخارِيّ ومُسْلم أنه قيل: يا رسول الله، الأَمَة إذا زنت ولم تُحصن؟ فأوجب عليها الحدّ. قال الزُّهْرِيّ: فالمتزوّجة محدودةٌ بالقرآن، والمسلمة غير المتزوّجة محدودة بالحديث. قال القاضي إسماعيل في قول من قال {إِذَآأُحْصِنَّ} أسْلَمْن: بُعْدٌ؛ لأن ذكر الإيمان قد تقدّم لهن في قوله تعالى: {مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ}. وأما من قال: {إِذَآأُحْصِنَّ} تزوّجن، وأنه لا حدّ على الأَمة حتى تتزوّج؛ فإنهم ذهبوا إلى ظاهر القرآن وأحسِبَهم لم يعلموا هذا الحديث. والأمر عندنا أن الأَمَة إذا زنت وقد أحصنت مجلودة بكتاب الله، وإذا زنت ولم تحصن مجلودةٌ بحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا رجم عليها؛ لأن الرجم لا يتنصّف. قال أبو عمر: ظاهر قولِ الله عز وجل يقتضي ألاّ حدّ على أَمَة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنّة بجلدها وإن لم تحصن، فكان ذلك زيادة بيان. قلت: ظَهْر المؤمن حِمًى لا يُستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف، لولا ما جاء في صحيح السُّنّة من الجلد في ذلك. والله أعلم. وقال أبو ثَوْر فيما ذكر ابن المنذِر: وإن كانوا اختلفوا في رجمهما فإنهما يُرجمان إذا كانا محصنَيْن، وإن كان إجماعٌ فالإجماع أوْلى. الخامسة عشرة ـ وٱختلف العلماء فيمن يُقيم الحدَّ عليهما؛ فقال ابن شهاب: مضت السّنّة أن يَحُدَّ العبدَ والأَمَة أهلوهم في الزنى، إلا أن يُرفع أمرهم إلى السلطان فليس لأحد أن يفتات عليه؛ وهو مقتضى قوله عليه السلام: « حديث : إذا زنت أَمَةُ أحدِكم فلْيحدها الحَدّ » تفسير : . وقال عليّ رضي الله عنه في خطبته: يا أيها الناس، أقِيموا على أرِقّائكم الحدّ، من أحصن منهم ومن لم يحصِن، فإن أَمَةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث عهد بنفاس، فخشِيت إن أنا جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : أحسنت » تفسير : . أخرجه مسلم موقوفاً عن عليّ. وأسنده النسائي وقال فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن منهم ومن لم يحصن » تفسير : . وهذا نص في إقامة السادة الحدودَ على المماليك من أحصن منهم ومن لم يحصن. قال مالك رضي الله عنه: يَحُدّ المولى عبده في الزنى وشرب الخمر والقذف إذا شهد عنده الشهود بذلك، ولا يقطعه في السرقة، وإنما يقطعه الإمام؛ وهو قول الليث. وروي عن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا الحدود على عبيدهم، منهم ابن عمر وأنس، ولا مخالِف لهم من الصحابة. ورُوي عن ٱبن أبي لَيْلَى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار يضربون الوَلِيدة من ولائدهم إذا زنت، في مجالسهم. وقال أبو حنيفة: يقيم الحدود على العبيد والإماء السلطانُ دون المَوْلَى في الزنى وسائر الحدود؛ وهو قول الحسن بن حيّ. وقال الشافعيّ: يحدّه المولى في كل حدّ ويقطعه؛ واحتج بالأحاديث التي ذكرنا. وقال الثّوْرِيّ والأُوْزاعِيّ: يحدّه في الزنى؛ وهو مقتضى الأحاديث، والله أعلم. وقد مضى القول في تغريب العبيد في هذه السورة. السادسة عشرة ـ فإن زَنَت الأَمة ثم عُتقَت قبل أن يحدّها سيّدها لم يكن له سبيل إلى حدّها، والسلطان يجلدها إذا ثبت ذلك عنده؛ فإن زنت ثم تزوّجت لم يكن لسيدها أن يجلدها أيضاً لحق الزوج؛ إذْ قد يضره ذلك. وهذا مذهب مالك إذا لم يكن الزوج مِلْكاً للسيد، فلو كان، جاز للسيد ذلك لأن حقَّهما حقُّه. السابعة عشرة ـ فإن أقرّ العبد بالزنى وأنكره المولى فإن الحدّ يجب على العبد لإقراره، ولا التفات لما أنكره المولى، وهذا مجمع عليه بين العلماء. وكذلك المدبَّر وأُمُّ الولد والمكاتَب والمُعْتَق بعضه. وأجمعوا أيضاً على أن الأَمَة إذا زنت ثم أُعتقت حُدّت حدّ الإماء؛ وإذا زنت وهي لا تعلم بالعتق ثم علمت وقد حُدّت أُقيم عليها تمام حدّ الحرّة؛ ذكره ابن المنذر. الثامنة عشرة ـ واختلفوا في عفو السيد عن عبده وأمتَه إذا زنيا؛ فكان الحسن البصري يقول: له أن يعفُوَ. وقال غير الحسن: لا يسعه إلا إقامة الحدّ، كما لا يسع السلطان أن يعفوَ عن حدّ إذا علمه، لم يسع السيّد كذلك أن يعفُوَ عن أمته إذا وجب عليها الحدّ؛ وهذا على مذهب أبي ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول. التاسعة عشرة ـ قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي الجلد ويعني بالمحصَنات هٰهنا الأبكار الحرائر؛ لأن الثيب عليها الرجم والرجم لا يتبعّض. وإنما قيل للبكر محصنة وإن لم تكن متزوجة؛ لأن الإحصان يكون بها؛ كما يقال: أضحِية قبل أن يُضَحَّى بها؛ وكما يقال للبقرة؛ مثيرة قبل أن تُثِير. وقيل: {ٱلْمُحْصَنَاتِ} المتزوّجات؛ لأن عليها الضرب والرّجم في الحديث، والرّجم لا يتبعّض فصار عليهن نصف الضرب. والفائدة في نقصان حدّهن أنهن أضعف من الحرائر. ويقال: إنهن لا يصِلْن إلى مرادهن كما تصل الحرائر. وقيل: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة؛ ألا ترى أن الله تعالى قال لأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم: { أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشدّ، وكذلك الإماء لما كانت نعمتهن أقل فعقوبتهن أقلّ. وذكر في الآية حدّ الإماء خاصّة، ولم يُذكر حدّ العبيد؛ ولكن حدّ العبيد والإماء سواء: خمسون جلدة في الزنى، وفي القذف وشرب الخمر أربعون؛ لأن حدّ الأَمَة إنما نقص لنقصان الرقّ فدخل الذكور من العبيد في ذلك بعلة المملوكية، كما دخل الإماء تحت قوله عليه السلام: « حديث : من أعتق شركاً له في عبد » تفسير : . وهذا الذي يسميه العلماء القياس في معنى الأصل؛ ومنه قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ } تفسير : [النور: 4] الآية. فدخل في ذلك المحصنين قطعاً؛ على ما يأتي بيانه في سورة «النُّور» إن شاء الله تعالى. الموفِية عشرين ـ وأجمع العلماء على أن بيع الأَمَة الزانية ليس بيعها بواجب لازم على ربّها، وإن اختاروا له ذلك؛ لقوله عليه السلام: « حديث : إذا زَنت أَمَةُ أحدكم فتبيّن زناها فليجلدها الحدّ ولا يُثَرِّبْ عليها ثم إن زَنت فلْيجلدها الحدّ ولا يُثَرِّبْ عليها ثم إن زنت الثالثةَ فتبيّن زناها فلْيبِعْها ولو بحبلٍ من شَعَر » تفسير : . أخرجه مسلم عن أبي هريرة. وقال أهل الظاهر بوجوب بيعها في الرابعة. منهم داود وغيره؛ لقوله: « حديث : فليبعها » تفسير : وقوله: « حديث : ثم بيعوها ولو بضفِير » تفسير : . قال ابن شهاب: فلا أدري بعد الثالثة أو الرابعة؛ والضفير الحبل. فإذا باعها عرّف بزناها؛ لأنه عيب فلا يحل أن يكتم. فإن قيل: إذا كان مقصود الحديث إبعاد الزانية ووجب على بائعها التعريف بزناها فلا ينبغي لأحد أن يشتريها؛ لأنها مما قد أمرنا بإبعادها. فالجواب أنها مال ولا تُضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تُسيَّب؛ لأن ذلك إغراء لها بالزنى وتمكين منه، ولا تحبس دائماً، فإن فيه تعطيلَ منفعتها على سيدها فلم يبق إلا بيعها. ولعل السيِّد الثاني يُعِفّها بالوطء أو يبالغ في التحرّز فيمنعها من ذلك. وعلى الجملة فعند تبدّل المُلاّك تختلف عليها الأحوال. والله أعلم. الحادية والعشرون ـ قوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي الصبر على العُزْبة خير من نكاح الأمة، لأنه يُفضي إلى إرقاق الولد، والغضُّ من النفس والصبرُ على مكارم الأخلاق أوْلى من البذالة. ورُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيّما حُرٍّ تزوّج بأمَةٍ فقد أرقّ نصفه. يعني يصيّر ولده رقيقاً؛ فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرِقّ الولد. وقال سعيد بن جُبير: ما نكاح الأمَة من الزنى إلا قريب، قال الله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، أي عن نكاح الإماء. وفي سنن ابن ماجه عن الضحّاك بن مُزاحِم قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : من أراد أن يَلْقَى الله طاهراً مطَهّراً فلْيتزوّج الحرائر » تفسير : . ورواه أبو إسحاق الثعلبيّ من حديث يونس بن مِرْداس، وكان خادماً لأنس، وزاد: فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : الحرائر صلاح البيت والإماءُ هلاك البيت ـ أو قال ـ فساد البيت 2.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي: سعة وقدرة {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي: الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} قال ربيعة: الطول: الهوى، يعني: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم أخذ يشنع على هذا القول. ويرده: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي: فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: {مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ}، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان. ثم اعترض بقوله: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور. ثم {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} فدل على أن السيد هو ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث: «حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر» تفسير : أي: زان. فإن كان مالك الأمة امرأة، زوجها من يزوج المرأة بإذنها؛ لما جاء في الحديث: «حديث : لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» تفسير : وقوله تعالى: {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئاً استهانة بهن؛ لكونهن إماء مملوكات، وقوله تعالى: {مُحْصَنَـٰت} أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال: {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ} وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة. وقوله تعالى: {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}، قال ابن عباس: {المسافحات} هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحداً أرادهن بالفاحشة، و {مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} يعني: أخلاء. وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني: الصديق. وقال الضحاك أيضاً: {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك. يعني: تزويجها، ما دامت كذلك. وقوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} اختلف القراء في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد، مبني لما لم يسم فاعله، وقرىء بفتح الهمزة والصاد، فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين: (أحدهما): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد ابن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك؛ استدلالاً بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثاً مرفوعاً، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} قال: «حديث : إحصانها إسلامها وعفافها»تفسير : وقال: المراد به ههنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر. (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد ابن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه الإيضاح عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير في تفسيره، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي. وقيل: معنى القراءتين متباين، فمن قرأ: أحصن بضم الهمزة، فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها، فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره، وقرره ونصره، والأظهر، والله أعلم أن المراد بالإحصان ههنا التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أي: تزوجن؛ كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت، فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لاحد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لاشك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : أحسنت، اتركها حتى تماثل»تفسير : ، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: «حديث : فإذا تعالت من نفسها حُدّها خمسين» تفسير : وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها، ولو بحبل من شعر» تفسير : ولمسلم: «حديث : إذا زنت ثلاثاً، فليبعها في الرابعة»تفسير : ، وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا. (الجواب الثاني) جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديباً، وهو المحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «حديث : إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»تفسير : . قال ابن شهاب: لاأدري أبعد الثالثة أو الرابعة. وأخرجاه في الصحيحين. وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير: الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، والله أعلم. وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس على أمة حد حتى تحصن ـ أو حتى تزوج ـ فإذا أحصنت بزوج، فعليها نصف ما على المحصنات» تفسير : وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي عن سفيان به مرفوعاً، وقال: رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران، وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث عليٍ وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة: (أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة؛ جمعاً بينه وبين هذا الحديث. (الثاني): أن لفظة الحد في قوله: «فليقم عليها الحد» مقحمة من بعض الرواة؛ بدليل (الجواب الثالث)، وهو أن هذا من حديث صحابيين، وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضاً فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم عن عمه، وكان قد شهد بدراً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير»تفسير : (الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظة الحد في الحديث على الجلد؛ لأنه لما كان الجلد، اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم. وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة: أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلاً، لاحداً، وكأنه أخذ بمفهوم الآية، ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لاتضرب حداً، ولا ينفي ضربها تأديباً، فهو كقول ابن عباس رضي الله عنه ومن تبعه في ذلك، والله أعلم. (الجواب الثالث): أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان، فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} تفسير : [النور: 2] وكحديث عبادة بن الصامت: «حديث : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة» تفسير : . والحديث في صحيح مسلم، وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان، وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع عليه السلام سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: «حديث : اجلدوها» تفسير : ولم يقل: مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود، لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء، وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن؛ لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت؟ لكن لما علموا حكم أحد الحكمين، سألوا عن حكم الآخر، فبينه لهم، كما في الصحيحين: أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه، فذكرها لهم، ثم قال: «حديث : والسلام ما قد علمتم» تفسير : وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِْمُواْ تَسْلِيمًا} تفسير : [الأحزاب: 56] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث، وهكذا هذا السؤال. (الجواب الرابع) عن مفهوم الآية جواب أبي ثور، وهو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن، فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات، وهو الرجم، وهو لا ينصف، فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان، فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية، وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} والمراد بهن الحرائر فقط، من غير تعرض للتزويج بحرَّة، وقوله: {نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه، وهو الجلد، لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد نصاً في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: إن صفيَّة كانت قد زنت برجل من الحمس، فولدت غلاماً، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وجلدهما خمسين خمسين. وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي: إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد، وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلاً، لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب "السنن والآثار"، وهو بعيد من لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية، لا من سواها، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها؟ وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام، ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه، وهو قول في مذهب أحمد رحمه الله، فأما قبل الإحصان، فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضاً بعيد؛ لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه، لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم؛ من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها؛ لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: «حديث : إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها» تفسير : ملخص الآية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها تنفى عنه. والثاني لا تنفى عنه مطلقاً، والثالث أنها تنفى نصف سنة، وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة، فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام، إن شاء فعله، وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن، وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، وبإقامة الحد عليه، رواه البخاري، وذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم. والثاني أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان، وتضرب تأديباً غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه، فيكون مذهباً بالتأويل، وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود. وأضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضاً، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها، وجاهد نفسه في الكف عن الزنا، فهو خير له؛ لأنه إذا تزوجها، جاء أولاده أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج غريباً، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ومن هذه الآية الكريمة، استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجاً بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضاً، سواء كان واجداً لطول حرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: {وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة، وهذه أيضاً ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } أي غنى ل {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ } الحرائر {ٱلْمُؤْمِنَٰتِ } هو جَريٌ على الغالب فلا مفهوم له {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم } ينكح {مّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ } فاكتفُوا بظاهره وكِلُوا السرائر إليه فإنه العالم بتفصيلها، ورُبَّ أَمَةٍ تفضل الحرّة فيه وهذا تأنيس بنكاح الإماء {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أي أنتم وهنّ سواء في الدين فلا تستنكفوا من نكاحهنّ {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } مواليهن {وَءاتُوهُنَّ } أعطوهنّ {أُجُورَهُنَّ } مهورهنّ {بِٱلْمَعْرُوفِ } من غير مَطل ونقص {مُحْصَنَٰت } عفائف حال {غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ } زانيات جهراً {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } أخلاّء يزنون بهنّ سرًّا {فَإِذَا أُحْصِنَّ } زُوِّجن وفي قراءة بالبناء للفاعل تَزَوَّجْنَ {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ } زناً {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ } الحرائر الأبكار إذا زنين {مّنَ ٱلْعَذَابِ } الحدّ فيجلدن خمسين ويغرّبن نصف سنة، ويقاس عليهن العبيد، ولم يجعل الإحصان شرطاً لوجوب الحدّ بل لإفادة أنه لا رجم عليهنّ أصلاً {ذٰلِكَ } أي نكاح المملوكات عند عدم الطَّوْل {لِمَنْ خَشِىَ } خاف {ٱلْعَنَتَ } الزنا وأصله المشقة سمي به الزنا لأنه سببها بالحدّ في الدنيا والعقوبة في الآخرة {مّنكُمْ } بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها وكذا من استطاع طَوْلَ حرّة وعليه الشافعي. وخرج بقوله «من فتياتكم المؤمنات» الكافرات فلا يحل له نكاحها ولو عدم وخاف {وَأَن تَصْبِرُواْ } عن نكاح المملوكات {خَيْرٌ لَّكُمْ } لئلا يصير الولد رقيقاً {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بالتوسعة في ذلك.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتَ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} في الطوْل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغنى والسعة الموصل إلى نكاح الحرّة، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد، والشافعي، ومالك. والقول الثاني: هو أن تكون تحته حرة، وهو قول أبي حنيفة. والقول الثالث: هو الهوى وهو أن يهوى أَمَةً فيجوز أن يتزوجها، إن كان ذا يسار وكان تحته حرة، وهذا قول جابر، وابن مسعود، والشعبي، وربيعة، وعطاء. وأصل الطَوْل الفضل والسعة، لأن المعنى كالطول في أنه ينال به معالي الأمور، ومنه قولهم ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد، فكان هو الأصح من تأويلاته. واختلف في إيمان الأمَةِ هل هو شرط في نكاحها عند عدم الطَوْل على قولين: أحدهما: أنه شرط لا يجوز نكاح الأَمَةِ نكاح الأَمَةِ إلا به، وهو قول الشافعي. والثاني: أنه ندب وليس بشرط، فإن تزوج غير المؤمنة جاز، وهو قول أبي حنيفة. قوله تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} يعني بالمسافحة: المعلنة بالزنى. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} هو أن تتخذ المرأة خدناً وصديقاً ولا تزني بغيره، وقد كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنى، ويستحلون ما بطن، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}. {فَإِذَا أُحْصِنَّ} قرأ بفتح الألف حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، ومعنى ذلك أسلمن، فيكون إحصانها ها هنا إسلامها،وهذا قول ابن مسعود، والشعبي، وروى الزهري قال: جَلَدَ عمر ولائد أبكاراً من ولائد الإمارة في الزنى. وقرأ الباقون بضم الألف، ومعنى ذلك تزوجن، فيكون إحصانها ها هنا تزويجها، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يعني بها ها هنا الزنى. {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} يعني نصف حد الحرة. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: الزنى، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وبه قال الشافعي. والثاني: أن العنت الإثم. والثالث: أنه الحد الذي يصيبه. والرابع: هو الضرر الشديد في دين أو دنيا. وهو نحو قوله تعالى: {أية : وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} تفسير : [آل عمران: 118]. {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرُ لَّكُمْ} يعني الصبر عن نكاح الأمَةِ لئلا يكون ولده عبداً.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتَ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمًُ المُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيْمانِكُم بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك بن أنس في المدونة، الطول هنا السعةفي المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، ثم يكون قوله تعالى: {لمن خشي العنت} على هذا التأويل بياناً في صفة عدم الجلد, وعلى التأويل الآخر يكون تزوج الأمة معلقاً بشرطين: عدم السعة في المال وخوف العنت، فلا يصح إلا باجتماعهما، وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد ان الحر لا يتزوج الأمة على حال إلا ألا يجد سعة في المال لمهر حرة، وأن يخشى العنت مع ذلك، وقال مالك في كتاب محمد: إذا وجد المهر ولكنه لا يقدر على النفقة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة, وقال أصبغ: ذلك جائز، إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للحر أن ينكح أمة, ولا يقر إن وقع، إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى، وقاله أصبغ، قال: وقد كان ابن القاسم يذكر أنه سمع مالكاً يقول: نكاح الأمة حلال في كتاب الله عز وجل. قال القاضي ابو محمد: وهو في المدونة، وقال سحنون في غيرها: ذلك في قوله تعالى: {أية : وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} تفسير : [النور:32] وقاله ابن مزين. قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية ما يلزم منه تحليل الأمة لحر دون الشرطين، وقال مالك في المدونة: ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت، وقال في كتاب محمد: ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهو ظاهر القرآن، وروي نحو هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة: فمقتضى هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح أمة، وإن عدم السعة وخاف العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له، و {طولاً} - يصح في إعرابه أن يكون مفعولاً بالاستطاعة، و {أن ينكح} في موضع نصب بدل من قوله {طولاً} أو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح، وفي هذا نظر، ويصح أن يكون {طولاً} نصباً على المصدر, والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، و {أن ينكح} على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر, تقول: طال الرجل طولاً بفتح الطاء إذا تفضل ووجد واتسع عرفه، و {وطولاً} بضم الطاء في ضد القصر {والمحصنات} في هذا الموضع الحرائر, يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء، وقالت فرقة: معناه العفائف وهو ضعيف لأن الإماء يقعن تحته, وقد تقدم الذكر للقراءة في {المحصنات} و {المؤمنات} صفة , فأما من يقول في الرجل يجد طولاً لحرة كتابية لا لمؤمنة: إنه يمتنع عن نكاح الإماء، فهي صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ الأمة مؤمنة، وهذا المذهب المالكي، نص عليه ابن الماجشون في الواضحة ومن قال في الرجل لا يجد طولاً إلا الكتابية: إنه يتزوج الأمة إن شاء، فصفة {المؤمنات} عنده في الآية مشترطة في إباحة نكاح الإماء, والمسألة مختلف فيها حسبما ذكرناه، و {ما} في قوله: {فمن ما ملكت أيمانكم} يصح أن تكون مصدرية, تقديره: فمن ملك أيمانكم ويصح أن يراد بها النوع المملوك، فهي واقعة عليه، والفتاة - وإن كانت واقعة في اللغة على الشابة أية كانت، فعرفها في الإماء، وفتى - كذلك, وهذه المخاطبات بالكاف والميم عامة، أي: منكم الناكحون ومنكم المالكون، لأن الرجل ينكح فتاة نفسه, وهذا التوسع في اللغة كثير, و {المؤمنات} في هذا الموضع صفة مشترطة عند مالك وجمهور أصحابه، لأنهم يقولون: لا يجوز زواج أمة غير مسلمة بوجه، وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الأمة الكتابية جائز، وقوله {المؤمنات} على جهة الوجه الفاضل، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله {المؤمنات} في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا يمنع قوله {المؤمنات} في الإماء من نكاح الكتابيات الإماء، وقال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية. قال القاضي أبو محمد: فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معاً، وقوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم} معناه: أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها, فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله، وإنما هذا لئلا يستريب متحير بإيمان بعض الإماء، كالقريبة عهد بالسباء، أو كالخرساء وما أشبهه. وفي اللفظ أيضاً تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض من الحرائر، أي: فلا تعجبوا بمعنى الحرية, وقوله: {بعضكم من بعض} قالت طائفة: هو رفع على الابتداء والخبر، والمقصد بهذا الكلام، أي إنكم أيها الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء، أكرمكم عند الله أتقاكم، فهذه توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها، أعلموا مع ذلك أن ذلك التهجين لا معنى له، وقال الطبري: هو رفع بفعل تقديره: فلينكح مما ملكت "أيمانكم بعضكم من بعض" فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، وهذا قول ضعيف. {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله: {بإذن أهلهن} معناه: بولاية أربابهن المالكين، وقوله: {وآتوهن آجورهن} يعني مهورهن, قاله ابن زيد وغيره، و {بالمعروف} معناه: بالشرع والسنة، وهذايقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة, وهو مذهب مالك قال في كتاب الرهون: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز، قال سحنون في غير المدونة: كيف هذ؟ وهو لا يبوئه معها بيتاً. وقال بعض الفقهاء: معنى ما في المدونة: أنه بشرط التبوئة، فعلى هذا لا يكون قول سحنون خلافاً و {محصنات} وما بعده حال، فالظاهر أنه بمعنى عفيفات إذ غير ذلك من وجوه الإحصان بعيد إلا مسلمات فإنه يقرب، والعامل في الحال {فانكحوهن} ويحتمل أن يكون {فانكحوهن بإذن أهلهن} كلاماً تاماً، ثم استأنف " وآتوهن أجورهن مزوجات غير مسافحات", فيكون العامل {وآتوهن} ، ويكون معنى الإحصان: التزويج، و "المسافحات" من الزواني: المبتذلات اللواتي هن سوق للزنا، "ومتخذات الأخذان": هن المتسترات اللواتي يصحبن واحداً واحداً ويزنين خفية، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وعامر الشعبي والضحاك وغيرهم، وأيضاً فهو تقسيم عقلي لا يعطي الوجود إلا أن تكون الزانية إما لا ترد يد لامس وإما أن تختص من تقتصر عليه، وقوله تعالى: {فإذا أحصنَّ} الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر "أُحصن" على بناء الفعل للمفعول, وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم, فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة: إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر، فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة: الإحصان - في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، وهي الحديث الصحيح في مسلم والبخاري، أنهحديث : قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحدتفسير : . قال الزهري: فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث. قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى {أحصنَّ} تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف قول من قال: إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم، لأنه جائز أن يقطع في الكلام ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان {فإن أتين بفاحشة فعليهن}، وذلك سائغ صحيح، والفاحشة هنا: الزنى بقرينة إلزام الحد، و {المحصنات} في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس والجمهور: على الأمة نصف المائة لا غير ذلك، وقال الطبري وجماعة من التابعين: على الأمة نصف المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر, والإسشارة بذلك إلى نكاح الأمة، و {العنت} في اللغة: المشقة, وقالت طائفة: المقصد به ها هنا الزنا، قاله مجاهد: وقال ابن عباس: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قريباً، قال: و {العنت} الزنا، وقاله عطية العوفي والضحاك، وقالت طائفة: الإثم، وقالت طائفة: الحد. قال القاضي أبو محمد: والآية تحتمل ذلك كله، وكل ما يعنت عاجلاً وآجلاً، وقوله تعالى: {وأن تصبروا خير لكم} يعني عن نكاح - الإماء - قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وابن عباس رضي الله عنهما، وهذا ندب إلى الترك، وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن، وهذه الجملة ابتداء، وخبر تقديره: وصبركم خير لكم {والله غفور}، أي لمن فعل وتزوج.
ابن عبد السلام
تفسير : {طَوْلاً} سعة موصلة إلى نكاح الحرة، أو يكون تحته حرة، أو أن يهوي أمة فيجوز له تزوجها إن كان ذا يسار وكان تحته حرة قاله جابر وجماعة، والطَّوْل: من الطُّول، لأن الغنى ينال به معالي الأمور، ليس فيه طائل أي لا ينال به شيء من الفوائد، وإيمان الأمة شرط، أو ندب. {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} محصنات عفائف، والمسافحات: المعلنات بالزنا، ومتخذات الأخدان: أن تتخذ صديقاً تزني به دون غيره، وكانوا يحرمون ما ظهر من الزنا ويحلون ما بطن فنزل {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} تفسير : [الأنعام: 151]. {أَحْصَنَّ} أسلمن، و {أُحْصِنَّ} تزوجن، ونصف عذاب الحرة: نصف حدها. {الْعَنَتَ} الزنا، أو الإثم، أو الحد، أو الضرب الشديد في دين أو دنيا. {وَأَن تَصْبِرُواْ} عن نكاح الأمة خير من إرقاق الولد.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن لم يستطع منكم طولاً} يعني فضلاً وسعة وإنما سمي الغني طولاً لأنه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر والطول هنا كناية عما يصرف إلى المهر والنفقة {أن ينكح المحصنات} يعني الحرائر {المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم} يعني جارية أخيك المؤمن فإن الإنسان لا يجوز له أن يتزوج بجارية نفسه {من فتياتكم المؤمنات} المعنى من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة فليتزوج الأمة المؤمنة والفتيات الجواري المملوكات جمع فتاة يقال للأمة فتاة والعبد فتى. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحدهما أن لا يجد مهر حرة لأنه جرت العادة في الإماء بتخفيف مهورهن ونفقتهن وسبب ذلك اشتغالهن بخدمة ساداتهن. والشرط الثاني وهو خوف العنت على نفسه وهو قوله تعالى ذلك لمن خشي العنت منكم. قال ابن عباس: هو الزنا وهذا قول جابر وابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومسروق ومكحول وعمرو بن دينار وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد. وروي عن علي والحسن البصري وابن المسيب ومجاهد والزهري أنه يجوز للحر أن ينكح الأمة وإن كان موسراً وهو مذهب أبي حنيفة إلا أن يكون في نكاح حرة والسبب مع منع الحر من نكاح الأمة إلا عند خوف العنة إن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، وإذا كانت الأم رقيقة كان الولد رقيقاً وذلك نقص في حق الحر وفي حق ولده ولأن حق السيد أعظم من حق الزوج فربما احتاج الزوج إليها فلا يجد إليها سبيلاً لأن للسيد حبسها لخدمته ولأن مهرها ملك السيد فلا تقدر على هبته من زوجها ولا أن تبرئه منه بخلاف الحرة فلهذا السبب منع الله من نكاح الأمة إلاعلى سبيل الرخصة والاضطرار ويجوز للعبد نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة. وعند أبي حنيفة لا يجوز له إذا كانت تحته حرة كما يقول في الحر وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم حراً كان أو عبداً نكاح الأمة الكتابية لقوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} يفيد جواز نكاح الأمة المؤمنة دون الكتابية لأن فيها نوعين من النقص وهما: الرق والكفر بخلاف الأمة المؤمنة لأن فيها نقصاً واحداً وهو الرق وهذا قول مجاهد والحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وقال أبو حنيفة: يجوز التزويج بالأمة الكتابية وبالاتفاق يجوز وطء الأمة الكتابية بملك اليمين وقوله تعالى: {والله أعلم بأيمانكم} قال الزّجاج أي اعملوا على الظاهر في الإيمان فإنكم متعبدون بما ظهر والله يتولى السرائر والحقائق وقيل معناه لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخذوا بالظاهر فإن الله أعلم بإيمانكم {بعضكم من بعض} يعني أنكم كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفوا من نكاح الإماء عند الضرورة وإنما قيل لهم ذلك لأن العرب كانت تفتخر بالأنساب والأحساب ويسمون ابن الأمة الهجين فأعلم الله تعالى أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإماء، فإنكم متساوون في النسب إلى آدم وقيل إن معناه إن دينكم واحد وهو الإيمان وأنتم مشتركون فيه فمتى وقع لأحدكم الضرورة جاز له أن يتزوج بالأمة عند خوف العنت. وقال ابن عباس: يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض {فانكحوهن بإذن أهلهن} يعني اخطبوا الإماء إلى ساداتهن واتفق العلماء على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل لأن الله تعالى جعل إذنه السيد شرطاً في جواز نكاح الأمة {وآتوهن أجورهن} يعني مهورهن {بالمعروف} يعني من غير مطل ولا ضرار. وقيل معناه وآتوهن مهور أمثالهن وأجمعوا على أن المهر للسيد لأنه ملكه وإنما أضيف إيتاء المهر إلى الإماء لأنه ثمن بضعهن {محصنات} يعني عفائف {غير مسافحات} يعني غير زانيات {ولا متخذات أخدان} جمع خدن وهو الصاحب الذي يكون معك في كل أمر ظاهر وباطن وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب بشهوة يقال خدن المرأة وخدينها يعني حبها الذي يزني بها في السر. قال الحسن: المسافحة هي التي كل من دعاها تبعته وذات الأخذان هي التي تختص بواحد ولا تزني مع غيره وكانت العرب في الجاهلية تحرم الأولى وتجوز الثانية فلما كان الفرق معتبراً عندهم لا جرم أن الله تعالى أفرد كل واحد من هذين القسمين بالذكر ونص على تحريمهما معاً {فإذا أحصن} قرئ بفتح الألف والصاد ومعناه حفظن فروجهن، وقيل معناه أسلمن وقرأ حفص بضم الألف وكسر الصاد ومعناه زوجن {فإن أتين بفاحشة} يعني بزنى {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} يعني فعلى الإماء اللاتي زنين نصف ما على الحرائر الأبكار إذا زنين من الجلد ويجلد العبد الزنا إذا زنا خمسين جلدة ولا فرق بين المملوك المتزوج وغير المتزوج فإنه يجلد خمسين ولا رجم عليه هذا قول أكثر العلماء ويروى عن ابن عباس وقال طاوس: أنه لا حد على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى لأن الله تعالى قال فإذا أحصن والذي لم يتزوج ليس بمحصن وأجيب عنه بأن معنى الإحصان عند الأكثرين الإسلام، وإن كان المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحد عليه بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصناً فلا رجم عليه إنما حده الجلد، بخلاف الحر فحد الأمة ثابت بهذه الآية وبيان أنه بالجلد لا بالرجم ثابت بالحديث وهو ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر" تفسير : أخرجاه في الصحيحين قوله ولا يثرب عليها أي لا يعيرها والتثريب التأبين والتعيير والاستقصاء في اللوم قال الشيخ محيي الدين النواوي: وهذا البيع المأمور به في الحديث مستحب وليس بواجب عندنا وعند الجمهور وقال داود وأهل الظاهر هو واجب وفيه جواز بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير وهذا البيع المأمور به يلزم صاحبه أن يبين حالها للمشتري لأنه عيب والإخبار بالعيب واجب. فإن قيل كيف يكره شيئاً ويرتضيه لأخيه المسلم. فالجواب لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه أو يصونها بهيبته أو بالإحسان إليها أو يزوجها أو غير ذلك والله أعلم. {ذلك} إشار إلى نكاح الأمة {لمن خشي العنت منكم} يعني الزنا والمعنى ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق والغلمة وشدة الشهوة على الزنى وإنما سمي الزنى بالعنت لما يعقبه من المشقة وهي شدة العزوبة فأباح الله تعالى نكاح الإماء بثلاثة شروط: عدم القدرة على نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة {وأن تصبروا} يعني عن نكاح الإماء متعففين {خير لكم} يعني كيلا يكون الولد عبداً رقيقاً {والله غفور رحيم} وهذا كالتوليد لما تقدم يعني أنه تعالى غفر لكم ورحمكم حيث أباح لكم ما أنتم محتاجون إليه.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية "من" شرطية وهو الظَّاهِرُ، ويجوز أن تكون موصولة، وقوله {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} إما جواب الشَّرط، وإمَّا خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و {مِنكُمْ} في محلِّ نصب على الحال من فاعل {يَسْتَطِعْ} وفي نصب {طَوْلاً} ثلاثة أوْجُهٍ: أظهرُهَا: أنَّهُ مفعول بـ "يستطيع" وفي قوله "أنْ ينكح" على هذا ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه في محلِّ نصبٍ بـ "طولاً" على أنَّهُ مفعول بالمصدر المنون؛ لأنَّه مصدر؛ وطلت الشيء أي: نلتُهُ، والتَّقدير: ومن لم يستطع أنْ ينال نكاح المحصنات [المؤمنات]، ومثله قول الفَرَزْدَقِ: [الكامل] شعر : 1784- إنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الأوْعَالاَ تفسير : أي: طالت الأوْعَالُ فلم تَنْلها، وإعمالُ المصدر المنوَّن كثير قال الشَّاعِرُ: [الوافر] شعر : 1785- بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنَا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ تفسير : وقول اللَّه تعالى {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا} تفسير : [البلد: 14، 15] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي. الثاني: {أَن يَنكِحَ} بدل من {طَوْلاً} بدل الشَّيْءِ من الشَّيْءِ؛ لأنَّ الطول هو القدرة، أو الفضل، والنِّكاحُ قدرة وفضل. الثَّالثُ: أنَّهُ على حذف حرف الجَرِّ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم مَنْ قَدَّرَهُ بـ "إلى" أي: طولاً إلى أن ينكح المُحْصَنَاتِ، ومنهم من قَدَّرَهُ باللامِ أي: لأن ينكح، وعلى هذين التَّقديرين، فالجارّ في محلِّ الصِّفَةِ لطولاً، فيتعلَّق بمحذوف، ثُمَّ لما حُذِفَ حرف الجرِّ فالخلاف المشهُورُ في محل "أن" أنصبٌ هو أم جرٌّ؟. وقيل: اللامُ المقدّرة مع "أنْ" هي لام المفعول من أجله، أي: لأجل نِكاحِهنَّ. الوجه الثَّاني من نصب {طَوْلاً}: أن يكون مفعولاً له على حذف [مضاف] أي: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا فـ "أن ينكح" مفعول "يستطع" أي: ومن لم يستطع نكاح المُحْصَنَات لعدم الطَّوْلِ. الوجه الثالثُ: أن يكون مَنْصُوباً على المصدر. قال ابْنُ عَطيَّة: ويصحُّ أن يكون طَوْلاً نصباً على المَصْدَرِ، والعامِلُ فيه الاستطاعة [لأنَّهما بمعنى و {أَن يَنكِحَ}، على هذا مفعول بالاستطاعة، أو] بالمصدر يعني أنَّ الطولَ هو استطاعة في المعنى، فَكَأنَّهُ قيل: ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطَّوْلُ: [الفضل ومنه] التطول وهو التَّفضل قال تعالى {أية : ذِي ٱلطَّوْلِ} تفسير : [غافر: 3] ويقال: تطاولَ لهذا الشَّيءِ أي تناوله كما يقالُ: يد فلان مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطُّولِ الّذي هو ضدّ القصر؛ لأنَّهُ إذَا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة [كما أنه إذا كان قصيراً ففيه قصور ونقصان، فسمى الغنى طولاً لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر] كما أنَّ بالطول ينال ما لا ينال بالقصر. قال ابنُ عبَِّاس ومُجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ والسُّديُّ وابنُ زيدٍ، ومالكٌ: "الطَّول هو السَّعة، والغنى" قيل: والطَّوْلُ: الحرة، ومعناه: أنَّ من عنده حرَّة لا يجوز له نكاح [أمة]، وإن عَدمَ السَّعَةَ، وخاف العَنَتَ؛ لأنَّهُ طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبِي حنيفَةَ [وبه قال الطَّبرِيُّ]. وقال أبُو يُوسفَ: الطَّوْلُ هو وجود الحرَّة تحته، وقيل: الطَّوْلُ هو التَّجلد والصبر كمن أحبَّ أمةً، وهويها حتَّى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج [عليها] غيرها، فإنَّ له أن يتزوّج الأمَةَ إذا لم يملك مهرها، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال لِنِكَاحِ حرَّةٍ. وهذا قول قَتَادَةَ والنَّخَعِيِّ وعطاءٍ، وسفيان والثَّوْرِي نقله القُرْطُبِيُّ. فصل: [تفسير المراد بالمحصنات] والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر [لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر نكاح المحصنات، فلا بد أن يكون المراد بهن الحرائر]؛ لأنه ذكرهن كالضّد للإمَاء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصَّاد أنَّهن أحصن بحريتهن عن أحوال الإمَاءِ فإنَّ الأمَةَ تكونُ خراجةً مُمْتهنَةً مُبْتَذِلَةً في الظَّاهِرِ، والحرةُ مصونة عن هذه القَضَايَا، وأمَّا على قراءة كسر الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهنَّ. فصل [في شرط نكاح الأمة] دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُ لا يجوزُ للحرِّ نكاحُ الأمَةِ إلاَّ بشرطين؛ وهما ألاَّ يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأنْ يخاف العَنَتَ، وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بْنُ دينَار، وإليه ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحْمَدُ، وجوّز أصحابُ الرَّأي للحر نكاح الأمَةِ. فإنْ قيل: أيُّ تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبَيْنَ نكاح الحرَّة الفقيرة. فَالجوابُ: أنَّ العادة كانت في الإماء التخفيف لاشتغالهن بخدمةِ السَّيِّد فظهر التَّفَاوُتُ. فصل [في حكم نكاح الأمة الكتابية] دلَّت الآيةُ على أنَّهُ لا يجوز للمُسْلِم نكاحُ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} ولقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [المائدة: 5] ولأن الأمَةَ الكافرةَ ناقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: نَقْصُ الرِّقِّ، ونَقْصُ الكُفْرِ، والولدُ تابع للأمِّ في الحريةِ والرق، فيتعلَّقُ الولدُ رقيقاً على مِلْكِ الكافِرِ وجوز أبُو حنيفة ذلك لعموم قوله:{أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [النساء: 3] وقوله: {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] وقوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} وقوله: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [المائدة: 5] والمراد بهذا الإحصان العفّة. والجَوَابُ أنَّ آيتنا خاصةٌ، والخاص مُقَدَّمٌ على العام؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرّة، وَاتَّفَقُوا على أنَّهُ [لا] يجوزُ وطؤها بملك اليمين. انتهى. فصل [في شرط الإيمان] ظاهر قوله {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} يقتضي كون الإيمان معتبراً من الحرَّة فعلى هذا لو قدر على طول حرّة كتابيَّة، ولم يقدر على طول أمةٍ مسلمةٍ فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوّج بالأمةِ، وأكثرُ العُلماء على أنَّ ذكر الإيمان نذب في الحرائرِ، ولا فرق بين [الأمة] المؤمنة والكتابيَّة في كثرة المؤمنة وقلتها. فصل في التَّحذيرِ من نكاح الأمَاءِ وجوهٌ منها:- الولد ينبع الأمَّ في الحريَّة والرِّق فيصير الولد رقيقاً. قال عُمَرُ - رضي الله عنه -: أي حُرٍّ تَزوَّجَ بأمَةٍ، فقد رَقّ نِصْفُهُ، يعني: يصير وَلَدُهُ رقيقاً. وقال سعيدُ بْنُ جُبير: ما نكاح الأمة من الزِّنَا إلا قريب، قال الله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي عنْ نِكَاحِ الإمَاءِ. ومنها أنَّ الأمَةَ تكون قد تعوّدت الخروجَ، والبروزَ والمخالطةَ للرِّجَالِ وصارت في غاية الوقَاحةِ، ورُبَّمَا تَعَوَّدَت الفجورَ. ومنها أن حقّ المولى عليهم أعظم من حقِّ الزَّوْجِ، ولا تخلص للزَّوْج كخلوص الحُرَّةِ، وربَّما احتاج الزَّوْجُ إليها جداً، ولا يجد إليها سبيلاً [لحبس السيّد لها]. ومنها أنَّ المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمَةِ يُوجِبُ طلاقها تصير مطلَّقَة شاء الزَّوْجُ أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يُسَافِر المولى بها وبولدها، وذلك من أعْظَمِ المَضَارّ. ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تَقْدِرُ على هبته لِزوجهَا، ولا إبرائه بخلاف الحرَّةِ، فلهذه الوجوه لم يُؤْذَنْ في نِكَاحِ الأمةِ إلا على سبيل الرُّخصةِ. وروى أبُو هريرة قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يقول [الحرائر] صلاح البيت والإماء هلاك البيت أو قال فساد "فساد البيت" ذكره القرطبي. قوله: "فممّا" الفاء قد تقدّم أنَّها إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدة في الخَبَرِ على حَسْبِ القولين في "من" وفي هذه الآية سبعة أوْجُهٍ: أحدها: أنَّها متعلّقة بفعل مقدّر بعد الفاء تقديرُهُ: فينكحُ مِمَّا ملكت أيمانكم و "ما" على هذا موصولة بمعنى الذي أي: نوع الّذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدّر محذوفٌ تقديرهُ: فَيَنْكِحُ امرأة، أو أمَةً مما ملكته أيمانكم؛ فـ "مِمَّا" في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لذلك المفعولِ المحذُوفِ و "من" للتَّبعيضِ، نحو: أكلتُ مِنَ الرَّغيفِ، و {مِّن فَتَيَاتِكُمُ} في محلِّ نصب على الحال من الضَّمير المقدّر في "ملكت" العائد على ["مَا"] الموصولة و {ٱلْمُؤْمِنَات} صفة لفتياتكم. الثَّاني: أن تكون "مِنْ" زائدة و "ما" هي المفعولة بذلك الفعل المقدَّر أي: فلينكح ما ملكته أيمانكم. الثَّالثُ: أنَّ "مِنْ" في {مِّن فَتَيَاتِكُمُ} زائدة و {فَتَيَاتِكُمُ} هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّرِ أي: فلينكح فتياتكم، و "مما ملكت" متعلق بنفس الفعل و "من" لابتداء الغاية، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من "فتياتكم" قدم عليها و "من" للتَّبعيضِ. الرَّابعُ: أن مفعول "فلينكح" [هو المؤمنات أي: فلينكح] المؤمنات الفتيات و "مما ملكت" على ما تقدَّم في الوجْهِ قبله و "من فتياتكم" حال من ذلك العائد المحذوف. الخامِسُ: أنَّ مما في محَلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحَةُ مِمَّا ملكت [أيمانكم]. السَّادس: أن "ما" في "مِمَّا" مصدريَّةٌ أي: فلينكح من ملك أيمانكم، ولا بدَّ أن يكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعولِ نحو: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 11] ليصحّ [وقوع] النكاح [عليه]. السَّابعُ: وهو أغربها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراًَ وأنَّ التقدير: ومنْ لَمْ يستطعْ منكمْ [طولاً] أنْ ينكحَ المُحْصنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم فاعل ذلك [الفعل] المقدّر، فعلى هذا يكون قوله {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} معترضاً بين ذلك الفعل المقدَّر وفاعله، ومثل هذا لا ينبغي أن يقال. فصل قال ابن عباس: يُريدُ بقوله {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} أي: فليتزوّج جاريةَ أخيه، فإنَّ الإنسانَ لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه، والفتيات المملوكات جمع فتاةٍ تقُولُ العربُ للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، قال عليه السلامَ: "حديث : لا يَقُولَنَّ أحدكُم عَبْدِي، ولا أمَتِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ فَتَاي وفَتَاتِي" تفسير : ويقالُ للجارية الحديثة: فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى فَتَاة. قوله: {والله أعلم بإيمانكم} جملة من مبتدأ وخبر جيء بها بعد قوله {مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} لتفيد أنَّ الإيمان الظَّاهر كافٍ في نكاحِ الأمَةِ المؤمنة ظاهراً ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطلع عليه إلا اللَّه تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاح الإماءِ، فإنَّهم كانوا يفرون من ذلك. قال الزَّجَّاجُ: "المعنى: احملوا فتياتكم على ظاهر الإيمانِ، واللَّهُ أعلمُ بالسَّرائِرِ". قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} مبتدأ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الأمة [كما تقدَّم، والمعنى: أنَّ بعضكم من جنس بعض في النَّسب والدين، فلا يدفع الحر عن نكاح الأمَّةِ، عند الحاجة إليه، وما أحسن قول أمير المؤمنين عَلِيٍّ رضي الله عنه]: [البسيط] شعر : 1786- والنَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثيلِ أَكْفَاءُ أبوهُمُ آدَمٌ والأمُّ حَوَّاءُ تفسير : والحكمَةُ في ذِكْرِ هذه الكَلِمَةِ أنَّ العَرَبَ كانوا يَتفاخَرُونَ بالأنْسَابِ، فأخبر تعالى أن ذلك لا يلتفت إليه؛ لأنَّ الإيمان أعظم الفضائل، وإذا حصل الاشتراك فيه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك. قال تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 71] وقال: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات: 13] وكان أهلُ الجاهليّة يضعون من أين الهجين فذكر تعالى هذه الكلمة زجراً لهم من أخلاق أهل الجاهليَّةِ. قوله "بإذن أهلهن" متعلق بـ "انكحوهنّ" وقدّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي: بإذنِ أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم المُلاَّك. فصل في نكاح الأمة بإذن سيدها اتَّفَقُوا على أنَّ نكاحَ الأمَةِ بدون إذن سيِّدهَا باطلٌ بهذه الآية، فإنها تقتضي كون الإذن شرطاً في جواز النِّكاحِ، وإن لم يكن النكاح واجباً كقوله عليه [الصَّلاة و] السلام: "حديث : من أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ معلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعلُوم" تفسير : فالسلم ليس بواجب، ولكنَّهُ إذا اختار أن يُسْلِمَ فعليه استيفاء هذه الشَّرائط، ولأنَّ الأمَةَ ملك للسيِّد، وبالتّزوج تبطل عليه أكْثَرُ منافعها؛ فوجب ألاّ يجوز ذلك إلا بإذنِهِ، وأمَّا العبد فلقوله عليه السَّلامُ: "حديث : إذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ السيّد فهو عاهِرٌ ". تفسير : فصل في اشتراط إذن الولي في النكاح استدلُّوا بهذه الآية على أنَّه لا يصحُّ نِكَاحُ الحرَّة البالغة العاقلة إلاَّ بإذن الولي، قالوا: لأنَّ الضَّمِيرَ في قوله {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} عائد إلى الإماءِ والأمة ذات موصوفة بالرِّق، وصفة الرِّقِّ صفة زَائِلَةٌ لا تتناول الإشارة بتلك الصّفة، إلا تَرى أنَّهُ لَوْ حلف لا يَتكلَّمُ مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تَكَلَّمَ معه حَنَثَ؛ فثبت أن الإشارة إلى الذَّاتِ الموصوفة بصفَةٍ، عرضية زائلة باقية بعد زوال تلك الصِّفةِ العرضية، وإذَا كان كذلك، فوجب أن تكون الإشَارَة إلى الإمَاءِ باقيةً بعد زَوَالِ الرِّقِّ، وحصول صفة الحريّة لهنّ، وإذا ثبت أنَّ ذلك في الصُّورَةِ الباقية؛ وجب ثبوته في سائر الصُّورِ، لأنَّهُ لا قائل بالفرق. قال الرازيُّ: هذه الآية ترد على الشافعيِّ، فإنَّهُ يقول: لا عِبَارَةَ للمرأة في النِّكاح، فإذا ملكت المرأةُ جارية وكلتْ مَنْ يزوجها، واللَّهُ تعالى شرط إذن أهلهنّ مطلقاً فقد ترك [الظاهر] والجوابُ من وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المرادُ بالإذن الرِّضَا ولا بدَّ مِنْهُ. الثَّاني: أنَّ المرادَ بأهلهنّ من يقدر على نكاحهن، فإن كانت امرأةً فموْلاَهَا. الثَّالِثُ: أنَّ الأهْلَ يتناولُ الذكورَ والإناثَ، لكنَّهُ عام والأدلَّةُ الدَّالَّةُ على المرأة لا تنكح نفسها خاصّة، والخاصُّ مقدَّمٌ وفي الحديثِ: "حديث : العَاهِر هي التي تنكِحُ نَفْسَهَا" تفسير : ولذا كانت مسلوبةَ العبارة في [حقّ] نفسها، فهي في حقّ مملوكها أولى. قوله تعالى {فآتوهن أجورهن} قال بعضهم: هو المهر، قال: والمُرادَ به مهر المثل لقوله تعالى: {بِٱلْمَعْرُوفِ} وهذا إنَّمَا ينطلق فيما كان مبنياً على الاجتهاد وغالب الظنِّ في المعتاد والمتعارف كقوله: "وعلى الوارث مثل ذلك" {أية : وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} تفسير : [البقرة: 233]. وقال القاضي: "المرادُ من [الأجُورِ:] النَّفَقةُ عليهنّ قال: لأنَّ المهر مقدّر، فلا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ كونها أمَةً لا يقدحُ في وُجُوبِ نفقتها، وكفايتها كما في حقّ الحرة، وأكثر المفسَِّرينَ حملوا قوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} على تَرْكِ المطْلِ، والتَّأخيرِ عند المطالبة على العَادَةِ الجميلَةِ. فصل في من المستحق لقبض مهر الأمة؟ نقل أبُو بكرٍ الرَّازِي في أحكام القرآن عن بعض أصْحَابِ مالكٍ، أنَّ الأمة هي المستحقّة لقبض مهرها بهذه الآيةِ. والجوابُ من وُجوهٍ: أحدُهَا: أنَّا إذا حملنا [قوله] الأجور على النَّفَقَةِ، زال تمسكهم. وثانيها: إنَّمَا أضاف إيتاء المهور إليهن، لأنَّهُ ثمن بعضهن، وليس في قوله "وآتوهن" ما يوجب كون المَهْرِ ملكاً لهنَّ. وثالِثُهَا: ثبت أنَّهَا تقتضي كَوْنَ المَهْرِ ملكاً لهُنَّ، ولكنَّهُ عليه السلامُ قال: "حديث : العَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ [ملِكٌ] لمولاهُ" تفسير : وقال تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [النحل: 75] فنفى الملك عنه. ورابُعهَا: أنَّ المهر عِوَضٌ عن منافِع البُضْعِ، وهي مملوكةٌ للسيِّدِ. قوله: "بالمعروف" فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أنَّه متعلِّق بـ {وَآتُوهُنَّ} أي: آتوهن مهورهن بالمعروف. الثَّاني: أنَّهُ حالٌ من أجورهن أي: ملتبسات بالمعروف، يعني: غير ممطولة. الثالِثُ: - أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله {فَٱنكِحُوهُنَّ} أي: فانكحوهن بالمعروف [بإذن أهلهن ومهر مثلهن، والإشهاد عليه، وهذا هو المعروفُ] وقيل: في الكلامِ حذف تقديره: وآتوهُنَّ أجورهن بإذن أهلهنَّ فحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّلِ عليه، نحو {أية : وَٱلذَّاكِـرِينَ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱلذَّاكِرَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35]. أي الذاكرات الله. وقيل: ثَمَّ مُضَاف مقدر أي: وآتوا مواليهن أجورهن؛ لأنَّ الأمة لا يسلّم لها شيءٌ من المهر. قوله تعالى {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} حالان من مفعول {فَآتُوهُنَّ} ومحصنات على هذا، بمعنى مزوجات. وقيل: {مُحْصَنَاتٍ} حال من مفعول {فَٱنكِحُوهُنَّ}، ومحصنات على هذا بمعنى عفائف، أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حال كونهن محصنات لا حال سفاحهن واتِّخَاذِهِنَّ للأخدان، وقد تقدم أن "محصنات" بكسر الصَّاد وفتحها وما معناها، وأن {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} حال مؤكدة. و {وَلاَ مُتَّخِذَات} عطف على الحال قبله، والأخدان مفعول بمتخذات، لأنَّهُ اسم فاعل، وأخدان جمع "خِدْن" كعِدْل وأعْدَال. والخِدْنُ: الصَّاحب. قال أبو زيد: الأخدانُ: الأصدقاء على الفاحشة، واحدهُمْ خِدْنٌ وخدين وهو الّذي يخادنك، ورجل خُدْنَةٌ: إذا اتَّخَذَ أخداناً أي: أصحاباً وقد تقدَّمَ أنَّ المُسَافح هو المجاهر بالزِّنَا، ومتخذ الأخْدَان هو المستتر [به]، وكان الزِّنَا في الجاهليَّة منقسماً إلى هذين القسمين، ولم يحكموا على ذاتِ الخدن بكونها زانية. قوله: "فإذا أحصن" قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم {أُحْصِنَّ} بضمّ الهمزة وكسر الصَّادِ على البِنَاءِ للمفعول والباقون بفتحها على البنَاءِ للفاعل، فمعنى الأوَّلِ أحصن بالتزويج فالمحصن بهنَّ هو الزوجَ، هكذا قاله ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بْنُ جُبيرٍ والحَسَنُ ومُجاهِد. ومعنى الثَّانية: "وأحصن فروجهن أو أزواجهن". وقال عُمَرُ وابنُ مسعودٍ والشعبيُّ والنخعيُّ والسديُّ: أسلمن. وطعنوا في هذا الوجه بِأنَّهُ تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله {فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} ويبعد أن يقال: فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فإذا آمن فإن حالهن كذا وكذا، ويمكن جوابه بأنَّهُ تعالى حكم حكمين: الأوَّلُ: حال نكاح الإمَاءِ فاعتبر الإيمان فيه بقوله: {فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ}. والثَّاني: ما يجبُ عليهنَّ عند إقدامهن على الفاحشَةِ، فذكر [حال] إيمانهنَّ أيضاً في هذا الحكم وهو قوله تعالى {فَإِذَآ أُحْصِنَّ}. قوله: "فإن أتين بفاحشة فعليهن" الفاء في "فإنْ" جواب "إذَا" وفي "فعليهن" جواب "إن" فالشَّرط الثَّاني وجوابه مترتِّبٌ على وجود الأوَّلِ، ونظيره: إن أُكلت فإن ضربت عمراً فأنت حرٌّ، لا يُعْتق حتى يأكل أولاً، ثم يضرب عمراً ثانياً ولو أسقطت الفاء الدّاخلة على "إن" في مثل هذا التّركيب انعكس الحكم، ولزم أن يَضْرب أولاً ثُمَّ يأكل ثانياً، وهذا يُعْرف من قواعد النَّحْوِ، وهو أن الشَّرْطَ الثَّاني يُجْعل حالاً، فيجب التَّلبُّسُ به أولاً. قوله: "من العذاب" متعلق بمحذوف؛ لأنَّهُ حالٌ من الضَّميرِ المستكن في صلة "ما" وهو "على"، فالعامل فيها معنوي، وهو في الحقيقة ما تعلَّقَ به هذا الجار، ولا يجوز أن يكون حالاً من "ما" المجرورة بإضافة "نصف" إليها؛ لأنَّ الحال لا بدَّ أن يعمل فيها [ما يعمل] في صاحبها [إن] و "نصفُ" هو العامل في صاحبها الخفض بالإضافة، ولكنه لا يعمل في الحال، لأنَّهُ [ليس] من الأسماء العاملة إلا أنَّ بعضهم يرى أنَّهُ إذا كان جزءاً من المضاف جاز ذلك فيه، والنصفُ جزء فيجوز ذلك. فصل في الآية إشكال، وهو أنَّ المحصنات في قوله: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ} إمَّا أن يكون المرادُ منه الحرائِر المتزوّجات، أو الحرائر الأبكار، والسَّبَبُ في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن، والأول مُشْكِلٌ؛ لأن الواجبَ على الحرائر المتزوجات في الزِّنَا الرَّجم، فهذا يقتضي أن يجب في زِنَا الإماء نصفُ الرَّجْمِ وذلك باطل. والثَّاني وهو أن يكون المراد الحرائر الأبكار، فنصف ما عليهنَّ خمسون جَلْدَةً وهذا القدر واجب في زنَا الأمَةِ، سواء كانت مُحْصَنَةً أو لم تكن، فحينئذ يكون هذا الحكمُ معلقاً بمجرَّدِ صُدُورِ الزِّنَا عنهنَّ، وظاهر الآية يقتضِي كونه معلقاً بمجموع الأمرين: الإحصان والزِّنا، لأنَّ قوله {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} شرط بعد شرط. فيقتضي كون الحكم مشروطاً بهما نصاً. فالجوابُ أن يُخْتارَ القسم الثَّاني، وقوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} ليس المرادُ منه جعل هذا الإحْصَانِ شرطاً لأن يجب في زَنَاهَا خمسُونَ جَلْدَةً، بل المعنى أنَّ حدَّ الزِّنَا يغلظ عند التَّزوُّجِ فهذه إذَا زَنَتْ، وقد تزوَّجت فحدُّهَا خمسون جلدة، لا يزيد عليه فبأن يكون قبل التَّزوُّجِ هذا القدر [أيضاً] أولى، وهذا مما يَجْرِِي [فيه مجرى] المفهوم بالنَّصِّ لأنَّهُ لما خفف الحدَّ لمكان الرّق عند حصول ما يُوجبُ التَّغليظَ فبأن يجب هذا القدر عندما لا يوجد المغلظ أولى، وذهب بعضهم إلى أنَّهُ لا جلد على من لم يتزوّج من المماليك إذَا زَنَا لقوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} وهذا مرويٌّ عن ابن عباسٍ وبه قال طاووس. ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلامُ، وإن كان المرادُ منه التزويج، فليس المراد منه أنَّ التزويج شرط لوجوب الحدّ عليه، بل المرادُ منه التّنبيه على أنَّ الممْلُوكَ إذا كان محصناً بالتَّزويج؛ فلا رجم عليه، إنَّمَا حده الجلد بخلاف الحر، فحدُّ الأمةِ ثابت بهذه الآية، وبيان أنَّه الجلد قوله عليه السلامُ "حديث : إذا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ولا يُثربْ عليْهَا، ثُمَّ إن زَنَتْ الثَّالِثَةُ؛ فَلْيَبِعْها وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعِرٍ ". تفسير : فصل في من يقيم الحد على الإماء؟ اختلفوا فيمن يقيمُ الحدَّ على العَبْدِ والأمَةِ إذَا زَنَيَا، قال بن شهاب: مضت السُّنَّةُ أن يَحُدَّ العَبْدَ والأمَةَ أهلُوهُم في الزِّنَا، إلاَّ أنْ يُرْفَع أمرُهُمْ إلى السَّلطان، فليس لأحَدٍ أن يفتات عليه قوله عليه السلامُ "حديث : إذَا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا الحَدَّ"تفسير : وقال عليه السلامُ: "حديث : أقيمُوا الحُدُودَ عَلى مَا مَلَكتْ أيْمانُكُمْ مَنْ أحْصِنَ مِنْهُمْ، ومَنْ لَمْ يُحْصِن ". تفسير : قال مَالِكٌ: يَحُدَّ المولى عبده في الزِّنَا وشرب الخمر، والقَذْفِ إذا شهد عنده الشُّهُودُ، ولا يقطعُهُ في السَّرقَةِ إلاَّ الإمام. وقال أبُو حنيفةَ: "لا يقيمُ الحُدُودَ عليهم إلاَّ السُّلْطَان". فصل متى يحد الأمة السلطان؟ قال القُرطبيُّ: إذَا زنتِ الأمَةُ ثُمَّ عُتِقَتْ قَبْلَ أن يحدَّها سيِّدُهَا لم يحدَّهَا إلا السُّلْطَان، فإنْ زَنَتْ ثم تزوَّجَتْ لم يكُنْ لسيِّدِهَا أن يجلدَهَا لحقِّ الزَّوْجِ؛ إذ قد يَضُرُّهُ ذلك، إذَا لم يكن الزَّوْجُ ملكاً للسَّيِّدِ، فلو كان ملكاً للسَّيِّدِ؛ جازَ ذلك لأن حقَّهُمَا حَقُّهُ. فصل إذا أقرَّ العَبْدُ بالزِّنَا، وأنْكَرَهُ المولى فالحدُّ يجبُ على العبد لإقرارِهِ، ولا يلتفت لإنكار السَّيِّد، فلو عفا السَّيِّدُ عن عَبْدِهِ، أو أمته إذا زَنَيَا، فقال الحَسَنُ: له أن يغفر وقال غيرُهُ: لا ينفَعُهُ إلاَّ إقامَةُ الحدِّ، كما لا يسع السُّلطانَ أنْ يعفو عن حدٍّ إذا عَلِمَهُ. قوله: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} "ذلك": مبتدأ ولمن خشِيَ: جارٌّ ومجرورٌ [خبره]، والمشارُ إليه بـ "ذلك" إلى نكاح الأمة المؤمنة لمنْ عدِمَ الطَّوْلَ، والعَنَتُ في الأصْلِ انكسارُ العَظْمِ بعد الجَبْرِ؛ فاستعير لكلِّ مَشَّقَّةٍ. قال تعالى: {أية : وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ} تفسير : [البقرة: 220] أي: لشدَّدَ الأمرَ عليكم، وأُريدَ بِهِ به هُنَا ما يجرُّ إليه الزِّنَا منَ العذاب الدُّنْيَوِيِّ، والأخرويِّ. وقال بعضُ المفسِّرينَ: إنَّ الشَّبق الشَّديدَ في حقِّ النساء قد يؤدِّي إلى اختناق الرَّحم، وأمَّا في حقِّ الرِّجالِ فقد يؤدي إلى أوجاعِ الوركين والظهر والأوَّل هو اللائِقُ ببيان القرآن. و "منكم" حالٌ من الضَّميرِ في "خشيِ" أي: في حال كَوْنِهِ مِنْكُمْ، ويجوزُ أن تكون "من" للبيان. قوله: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. مبتدأ وخبر لتأوله بالمصدَرِ وهو كقوله {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 237] والمعنى وأنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعفِّفِينَ خيرٌ لكم لما بَيَّنَا من المفاسدِ الحاصلة في هذا النَّكَاحِ. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الحَرَائِرُ صَلاَحُ البَيْتِ، والإمَاءُ هَلاَكُهُ ". تفسير : وقال الشاعر: شعر : 1787- وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ قَهْرَمَانَةٌ فَذلِكَ بَيْتٌ لا أبَالَكَ ضَائِعُ تفسير : وقال الآخر: [الطويل] شعر : 1788- إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنْزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ تفسير : فصل مذهب أبي حنيفة وأحمد: أنَّ الاشتغال بالنِّكاح أفضل من الاشتغال بالنَّافلة، فإن قالوا بهذا سواء كان نكاح حرَّةٍ أو نكاح أمةٍ فهذه الآية نصٌّ في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنَّا لا نرجِّح نكاح الأمة على النَّافلة، فحينئذٍ يسقط استدلالهم. ثم قال: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهذا كالمؤكّد لما ذكره؛ لأنَّ الأولى ترك هذا النِّكاح يعني أنَّهُ وإنْ حصل ما يقتضي المَنْعَ من هذا النِّكَاحِ إلا أنَّهُ تعالى أباحه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرَّحْمَةِ.
البقاعي
تفسير : ولما مضى ذلك على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح، وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء؛ فقال عاطفاً على ما تقديره: هذا حكم من استطاع نكاح حرة: {ومن لم يستطع منكم} أي أيها المؤمنون {طولاً} أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهويناً لبذله بأنه ميال، لا ثبات له، وهنا بالطول الذي معناه: التي قل من يجدها {أن} أي لأن {ينكح المحصنات} أي الحرائر، فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد الفساد، لأن العرب كانوا يصونونهنَّ وهنَّ أنفسهن عن أن يكن كالإماء {المؤمنات} بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر {فمن} أي فلينكح إن أراد من {ما ملكت أيمانكم} أي مما ملك غيركم من المؤمنين {من فتياتكم} أي إمائكم، وأطلقت الفتوة - وهي الشباب - على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخاً، ثم وضح المراد بالإضافة فقال: {المؤمنات} أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء الكافرات ولا مما ملك الكفار حذراً من مخالطة كافرة خوفاً من الفتنة - كما مضى في البقرة، ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكاً لكافر، هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا: إن تقييد المحصنات بالمؤمنات لا مفهوم له، وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطاً بعقد مسلمة، حرة كانت أو أمة، ولم يشترط ذلك؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية، والظاهر أن فائدة التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح منهن إلا لضرورة، فكأن هذه سورة المواصلة، أسقط فيها أهل المباعدة، والمائدة سورة تمام الدين، فذكر فيها ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد، لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ما فيه من فائدة الندب إلى الترك، وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور {أية : وانكحوا الأيامى منكم} تفسير : [النور: 32] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. ولما شرط في هذا النكاح الإيمان، وعبر فيه بالوصف، وكان أمراً قلبياً، لا يطلع على حقيقته إلا الله؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال: {والله} أي الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات {أعلم بإيمانكم} فربما ظهر ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه، لكن في التعبير به وبالوصف لا بالفعل إرشاد إلى مزيد التحري من جهة الدين "فاظفر بذات الدين، تربت يداك!". ولما اشترط الدين كان كأنه قيل: فالنسب؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله: {بعضكم من بعض} أي كلكم من آدم وإن تشعبتم بعده {فانكحوهن} أي بشرط العجز {بإذن أهلهن} أي من مواليهن، ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم. ولما كان مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب الأولى كان الأمر بدفع المهور إليهن مفيداً لندب السيد إلى جبرها به من غير أن يوهم أنها تملكه وهي لا تملك نفسها، فلذلك قال تعالى: {وآتوهن أجورهن} وهي المهور {بالمعروف} أي من غير ضرار، لا عليكم ولا عليهن ولا على أهلهن، حال كونهن {محصنات} أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي لهن {غير مسافحات} أي مجاهرات بالزنى لمن أراد، لا لشخص معين {ولا متخذات أخدان} أي أخلاء في السر للزنى معينين، لا تعدو ذات الخدن خدنها إلى غيره؛ قال الأصبهاني: وهو - أي الخدن - الذي يكون معك في كل ظاهر وباطن. ولما لم يتقدم بيان حد الإماء قال مبنياً له: {فإذا أحصن} مبنياً للفاعل في قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم، والمفعول في قراءة الباقين، أي انتقلن من حيز التعريض للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن حفظن فروجهن بكراهتهن للزنى، أو حفظهن الموالي بالرضى لهن بالعفة؛ وقال الشافعي في أوائل الرسالة في آخر الناسخ والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه: إن معنى (أحصن) هنا: أسلمن، لا نكحن فاصبن بالنكاح، ولا أعتقن وإن لم يصبن، وقال: فإن قال قائل: أراك توقع الإحصان على معان مختلفة؟ قيل: نعم، جماع الإحصان أن يكون دون التحصين مانع من تناول المحرم، فالإسلام مانع، وكذلك الحرية مانعة، وكذلك التزوج والإصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت مانع، وكل ما منع أحصن، وقد قال الله عز وجل {أية : وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم} تفسير : [الأنبياء: 80] وقال: {أية : لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة}تفسير : [الحشر: 41] يعني مممنوعة، قال: وآخر الكلام وأوله يدلان على أن معنى الإحصان المذكور عام في موضع دون غيره، إذ الإحصان ها هنا الإسلام دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف، وهذه الأسماء التي يجمعها اسم الإحصان - انتهى. {فإن أتين بفاحشة} ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من غير إكراه. ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد، فغلظ في الحرائر بالرجم؛ بين تعالى أنه لا تغليظ على الإماء، بل حدهن بعده هو حدهن قبله، فقال {فعليهن نصف ما على المحصنات} أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير أزواج {من العذاب} أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان، وهذا يفهمه بطريق الأولى، والمراد هنا الجلد، لأن الرجم لا ينتصف. ولما كان كأنه قيل: هل هذا لكل عاجز عن الحرة؟ استؤنف جواب هذا السؤال بقوله تعالى مشيراً بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه: {ذلك} أي حل نكاح الإماء الذي ينبغي البعد منه {لمن خشي العنت} أي الوقوع في الزنا الموجب للإثم المقتضي للهلاك بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم الداعية إلى النكاح ومشقة الصبر عنه؛ قالوا: وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر؛ قال الأصبهاني: وقيل: إن الشبق الشديد والغلمة العظيمة قد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشدية، أما في حق النساء فقد يؤدي إلى اختناق الرحم، وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر. ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصاً بالمؤمنين منا قيد بقوله: {منكم}. ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح بالندب إلى حبس النفس عنه فقال: {وإن تصبروا} أي عن نكاحهن متعففين {خير لكم} أي لئلا تعيروا بهن، أو تسترق أولادكم منهن، ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال: {والله} أي الذي له الجلال والإكرام {غفور} أي لمن لم يصبر، والمغفرة تشير إلى نوع تقصير {رحيم *} أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ذلك من المحذور.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس {ومن لم يستطع منكم طولاً} يقول: من لم يكن له سعة أن ينكح المحصنات يقول: الحرائر {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات} فلينكح من إماء المؤمنين {محصنات غير مسافحات} يعني عفائف غير زوان في سر ولا علانية {ولا متخذات أخدان} يعني أخلاء {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة} يعني إذا تزوجت حراً ثم زنت {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} قال: من الجلد {ذلك لمن خشي العنت} هو الزنا فليس لأحد من الأحرار أن ينكح أمة إلا أن لا يقدر على حرة وهو يخشى العنت {وأن تصبروا} عن نكاح الإماء {فهو خير لكم}. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة، ومن وجد طولاً لحرة فلا ينكح أمة "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد {ومن لم يستطع منكم طولاً} يعني من لم يجد منكم غنى {أن ينكح المحصنات} يعني الحرائر فلينكح الأمة المؤمنة {وأن تصبروا} عن نكاح الإماء {خير لكم} وهو حلال. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن جابر بن عبد الله. أنه سئل عن الحر يتزوّج الأمة، فقال: إذا كان ذا طول فلا. قيل إن وقع حب الأمة في نفسه؟ قال: إن خشي العنت فليتزوجها. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: إنما أحل الله نكاح الإماء إن لم يستطع طولاً، وخشي العنت على نفسه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال: مما وسع الله به على هذه الأمة نكاح الأَمة واليهودية والنصرانية، وإن كان موسراً. وأخرج ابن جرير عن السدي {من فتياتكم} قال: من إمائكم. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن مجاهد قال: لا يصلح نكاح إماء أهل الكتاب، إن الله يقول {من فتياتكم المؤمنات}. وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن الحسن قال: إنما رخص في الأمة المسلمة لمن لم يجد طولاً. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إنما رخص لهذه الأمة في نكاح نساء أهل الكتاب ولم يرخص لهم في الإماء. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس قال: لا يتزوج الحر من الإماء إلا واحدة. وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال: إنما أحل الله واحدة لمن خشي العنت على نفسه ولا يجد طولاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ثم قال في التقديم: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض}. وأخرج ابن المنذر عن السدي {فانكحوهن بإذن أهلهن} قال: بإذن مواليهن {وآتوهن أجورهن} قال: مهورهن. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: المسافحات. المعلنات بالزنا و "المتخذات أخدان" ذات الخليل الواحد قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك. فأنزل الله {أية : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} تفسير : [الأنعام: 151]. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فإذا أحصن} قال: إحصانها إسلامها. وقال علي: اجلدوهن. قال ابن أبي حاتم حديث منكر "تفسير : . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود. أنه سئل عن أمة زنت وليس لها زوج، فقال: اجلدوها خمسين جلدة قال: إنها لم تحصن. قال: إسلامها إحصانها. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: في الأمة إذا كانت ليست بذات زوج فزنت جلدت {نصف ما على المحصنات من العذاب}. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قرأ {فإذا أَحْصَنَّ} بفتح الألف وقال: إحصانها إسلامها. وأخرج ابن جرير عن إبراهيم {فإذا أحصن} قال: إذا أسلمن. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يقرأ {فإذا أحصن} قال: إذا أسلمن، وكان مجاهد يقرأ {فإذا أحصن} يقول: إذا تزوجن، ما لم تزوّج فلا حَدَّ عليها. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس أنه قرأها {فإذا أحصن} يعني برفع الألف يقول: أحصن بالأزواج. يقول: لا تجلد أمة حتى تزوّج. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس قال: إنما قال الله {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن} فليس يكون عليها حد حتى تحصن. وأخرج سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج، فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات" تفسير : . قال ابن خزيمة والبيهقي: رفعه خطأ. والصواب وقفه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ {فإذا أحصنَّ} يقول: فإذا تزوجن. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس. أنه كان لا يرى على الأمة حداً حتى تُزوَّج زوجاً حراً. وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كان يضرب إماءَهُ الحد إذا زنين، تزوّجن أو لم يتزوجن. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: في بعض القراءة "فإن أتوا أو أتين بفاحشة". وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} قال: خمسون جلدة، ولا نفي ولا رجم. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس قال: حد العبد يفتري على الحر أربعون. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: العنت الزنا. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت قال: الإثم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : رأيتك تبتغي عنتي وتسعى على الساعي عليّ بغير دخل تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {وأن تصبروا خير لكم} قال: عن نكاح الإماء. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود {وأن تصبروا خير لكم} قال: عن نكاح الإماء. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة {وأن تصبروا} عن نكاح الأمة خير، وهو حل لكم إسترقاق أولادهن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أن تصبر ولا تنكح الأمة فيكون أولادك مملوكين فهو خير لك. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: ما تزحف ناكح الإماء عن الزنا إلا قليلاً. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة وعن سعيد بن جبير. مثله. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الحر الأمة فقد أرَقَّ نصفه. وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير، لا يحل إلا للمضطر.
ابو السعود
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ} مَنْ إما شرطيةٌ ما بعدها شرطُها، أو موصولةٌ ما بعدها صلتُها والظرفُ متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من فاعل يستطِعْ أي حالَ كونِه منكم وقوله تعالى: {طُولاً} أي غنىً وسعة أي اعتلاءً ونيلاً، وأصلُه الزيادةُ والفضلُ، مفعولٌ ليستطِعْ وقوله عز وجل: {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} إما مفعولٌ صريح لطَولاً، فإن أعمالَ المصدرِ المنوَّنِ شائعٌ ذائعٌ كما في قوله تعالى: {أية : أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } تفسير : [البلد، الآية 14، 15] كأنه قيل: ومن لم يستطعْ منكم أن ينال نكاحَهن، وإما بتقدير حرفِ الجرِّ أي ومن لم يستطعْ منكم غِنىً إلى نكاحهن أو لنكاحهن، فالجارُّ في محل النصبِ صفةٌ لطولاً أي طَوْلاً مُوصِلاً إليه أو كائناً له أو على نكاحهن، على أن الطَولَ بمعنى القُدرة. في القاموس الطَّوْلُ والطائلُ والطائلةُ الفَضْلُ والقُدْرَةُ والغِنَى والسَّعَةُ، ومحلُّ أن بعد حذفِ الجارِّ نَصْبٌ عند سيبويهِ والفراءِ وجرٌّ عند الكسائيِّ والأخفشِ، وإما بدلٌ من طولاً لأن الطَوْلَ فضلٌ والنكاحُ قدرةٌ، وإما مفعولٌ ليستطِعْ وطَوْلاً مصدرٌ مؤكدٌ له لأنه بمعناه، إذ الاستطاعةُ هي الطَّوْلُ، أو تميـيزٌ، أي ومن لم يستطع منكم نكاحَهن استطاعةً أو من جهة الطَوْل والغِنى أي لا من جهة الطبـيعةِ والمزاجِ فإن عدمَ الاستطاعةِ من تلك الجهةِ لا تعلقَ له بالمقام، والمرادُ بالمحصنات الحرائرُ بدليل مقابلتِهن بالمملوكات، فإن حريتَهن أحصَنَتْهن عن ذل الرقِّ والابتذالِ وغيرِهما من صفات القصورِ والنقصان. وقوله عز وجل: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} إما جوابٌ للشرط أو خبرٌ للموصول، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرطِ، والجارُّ متعلقٌ بفعل مقدرٍ حُذف مفعولُه، وما موصولةٌ أي فلينكِح امرأةً أو أمةً من النوع الذي ملكتْه أيمانُكم وهو في الحقيقة متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لذلك المفعولِ والمحذوفِ، ومِنْ تبعيضيةٌ أي فلينكِح امرأةً كائنةً من ذلك النوعِ، وقيل: مِنْ زائدةٌ والموصولُ مفعولٌ للفعل المقدر أي فلينكِحْ ما ملكتْه أيمانُكم وقولُه تعالى: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} في محل النصبِ على الحالية من الضمير المقدر في ملكت الراجعِ إلى ما، وقيل: هو المفعولُ للفعل المقدر على زيادة ومما ملكتْ متعلقٌ بنفس الفعلِ ومن لابتداء الغايةِ، أو بمحذوف وقع حالاً من فتياتكم ومِنْ للتبعيض أي فلينكِحْ فتياتِكم كائناتٍ بعضَ ما ملكت أيمانُكم والمؤمناتِ صفةٌ لفتياتكم على كل تقدير، وقيل: هو المفعولُ للفعل المقدرِ ومما ملكت على ما تقدم آنفاً ومن فتياتكم حالٌ من العائد المحذوفِ. وظاهرُ النظمِ الكريمِ يفيد عدمَ جوازِ نكاحِ الأمةِ الكتابـيةِ أصلاً كما هو رأيُ أهلِ الحجازِ، وقد جوزهما أبو حنيفة رحمه الله تعالى متمسكاً بالعمومات فمَحْمَلُ الشرطِ والوصفِ هو الأفضليةُ ولا نِزاعَ فيها لأحد، وقد رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: ومما وسع الله على هذه الأمةِ نكاحُ الأمةِ واليهوديةِ والنصرانيةِ وإن كان موسِراً وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ} جملةٌ معترضةٌ جيء بها لتأنيسهم بنكاح الإماءِ واستنزالِهم من رتبة الاستنكافِ منه ببـيان أن مناطَ التفاضُل ومدارَ التفاخُرِ هو الإيمانُ دون الأحساب والأنسابِ على ما نطَق به قولُه عز قائلاً: {أية : يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات، الآية 13] والمعنى أنه تعالى أعلمُ منكم بمراتبكم في الإيمان الذي به تنتظِمُ أحوالُ العبادِ وعليه يدور فلَكُ المصالحِ في المعاش والمعادِ ولا تعلّقَ له بخصوص الحريةِ والرقِّ، فرُبّ أمةً يفوق إيمانُها إيمانَ الحرائرِ، وقولُه تعالى: {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} إن أريد به الاتصالُ من حيث الدينُ فهو بـيانٌ لتناسبهم من تلك الحيثيةِ إثرَ بـيانِ تفاوتِهم في ذلك، وإن أريد به الاتصالُ من حيث النسبُ فهو اعتراضٌ آخرُ مؤكدٌ للتأنيس من جهة أخرى، والخطابُ في الموضعين إما لمن كما في الخطاب الذي يعقُبه قد روعيَ فيما سبق جانبُ اللفظِ وهٰهنا جانبُ المعنى، والالتفاتُ للاهتمام بالترغيب والتأنيس وإما لغيرهم من المسلمين كالخِطابات السابقةِ لحصول الترغيبِ بخطابهم أيضاً، وأياً ما كان فإعادةُ الأمرِ بالنكاح على وجه الخطابِ في قوله تعالى: {فَٱنكِحُوهُنَّ} مع انفهامه من قوله تعالى: {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ} [النساء، الآية:25] حسبما ذُكر لزيادة الترغيبِ في نكاحهن، وتقيـيدُه بقوله تعالى: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} وتصديرُه بالفاء للإيذان بترتبه على ما قبله أي وإذْ قد وقفتم على جلية الأمرِ فانكِحوهن بإذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن، وفي اشتراط إذنِ الموالي دون مباشرتِهم للعقد إشعارٌ بجواز مباشرتِهن له {وآتوهنَّ أجُورَهُنَّ} أي مهورَهن {بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلقٌ بآتوهن أي أدّوا إليهن مهورَهن بغير مَطْلٍ وضِرارٍ وإلجاءٍ إلى الاقتضاء واللزِّ حسبما يقتضيه الشرعُ والعادةُ ومن ضرورته أن يكون الأداءُ إليهن بإذن الموالي فيكونُ ذكرُ إيتائِهن لبـيان جوازِ الأداءِ إليهن لا لكون المهورِ لهن، وقيل: أصلُه آتُوا موالِيَهن فحُذف المضافُ وأُوصل الفعلُ إلى المضاف إليه {مُحْصَنَـٰت} حال من مفعول فانكِحوهن أي حال كونِهن عفائفَ عن الزنا. {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ} حالٌ مؤكدةٌ أي غيرَ مجاهراتٍ به {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} عطفٌ على مسافحات و{لا} لتأكيد ما في {غَيْرِ} من معنى النفي، والخِدْنُ: الصاحُب، قال أبو زيد: الأخدانُ الأصدقاءُ على الفاحشة والواحد خِدنٌ وخَدين والجمعُ للمقابلة بالانقسام على معنى ألا يكونَ لواحدة منهن خِدنٌ لا على معنى ألا يكونَ لها أخدانٌ، أي غيرَ مجاهراتٍ بالزنا ولا مُسِرّاتٍ له وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى هذين قسمين {فَإِذَا أُحْصِنَّ} أي بالتزويج وقرىء على البناء للفاعل أي أحصَنَّ فزوجَهن أو أزواجَهن {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ} أي فعلْن فاحشةً وهي الزنا {فَعَلَيْهِنَّ} وجبَ عليهن شرعاً {نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} أي الحرائرِ الأبكارِ {مّنَ ٱلْعَذَابِ} من الحد الذي هو جَلدُ مائةٍ فنصفُه خمسون كما هو كذلك قبل الإحصانِ، فالمرادُ بـيانُ عدمِ تفاوتِ حدِّهن بالإحصان كتفاوت حدِّ الحرائرِ، فالفاءُ في {فَإِنْ أَتَيْنَ} جواب إذا، والثانيةُ جوابُ إنْ والشرطُ الثاني مع جوابه مترتبٌ على وجود الأولِ كما في قولك: إذا أتيتَني فإنْ لم أكرِمْك فعبدي حرٌّ {ذٰلِكَ} أي نكاحُ الإماءِ {لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي لمن خاف وقوعَه في الإثم الذي تؤدّي إليه غلبةُ الشهوةِ، وأصلُ العنَتِ انكسارُ العظْمِ بعد الجبْرِ فاستُعير لكل مشقةٍ وضررٍ يعتري الإنسانَ بعد صلاحِ حالِه ولا ضررَ أعظمُ من مُواقَعه المآثمِ بارتكاب أفحشِ القبائحِ وقيل: أريد به الحدُّ لأنه إذا هَوِيَها يخشىٰ أن يواقِعَها فيُحَدَّ. والأولُ اللائقُ بحال المؤمنِ دون الثاني لإيهامه أن المحذورَ عنده الحدُّ لا ما يوجبه {وَأَن تَصْبِرُواْ} أي عن نكاحهن متعفِّفين كآفّين أنفسَكم عما تشتهيه من المعاصي {خَيْرٌ لَّكُمْ} من نكاحهن وإن سبَقَت كلمةُ الرُّخصةِ فيه لما فيه من تعريض الولدِ للرق، قال عمرُ رضي الله عنه: «أيُّما حرَ تزوّج بأمة فقد أرَقَّ نصفَه». وقال سعيد بن جبـير: «ما نكاحُ الأمةِ من الزنا إلا قريبٌ». ولأن حقَّ المولىٰ فيها أقوى فلا تخلُصُ للزوج خُلوصَ الحرائرِ ولأن المولى يقدِرُ على استخدامها كيفما يريد في السفر والحضَرِ وعلى بـيعها للحاضرِ والبادي وفيه من اختلال حالِ الزوجِ وأولادِه ما لا مزيدَ عليه، ولأنها مُمتهنةٌ مبتذَلةٌ خرّاجةٌ ولاّجةٌ، وذلك كلُّه ذلٌّ ومهانةٌ ساريةٌ إلى الناكح، والعزةُ هي اللائقةُ بالمؤمنين ولأن مَهرَها لمولاها فلا تقدِر على التمتع به ولا على هِبته للزوج فلا ينتظم أمرُ المنزلِ وقد قال عليه السلام: «حديث : الحرائِرُ صلاحُ البـيتِ والإماءُ هلاكُ البـيتِ» تفسير : {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} مبالِغٌ في المغفرة فيغفرُ لمن لم يصبِرْ عن نكاحهن ما في ذلك من الأمور المنافيةِ لحال المؤمنين {رَّحِيمٌ} مبالغٌ في الرحمة ولذلك رَخّص لكم في نكاحهن.
القشيري
تفسير : الرخص جعلت للمستضعفين، فأما الأقوياء فأمرهم الجِدّ، والأخذ بالاحتياط والتضييق؛ إذ لا شغل لهم سوى القيام بحق الحق، فإن كان أمر الظاهر يشغلهم عن مراعاة القلوب فالأخذ في الأمور الظاهرة بالسهولة والأخف أوْلى من الاستقصاء فيما يمنع من مراعاة السر، لأنه ترك بعض الأمور لما هو الأهم والأجَلُّ، فمن نزلت درجته عن الأخذ بالأوثق والأحوط فمباح له الانحدار إلى وصف الترخص. ثم قال في آخر الآية: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}: يعني على مقاساة ما فيه الشدة، وفي هذا نوع استمالة للعبيد حيث لم يقل اصبروا بل قال: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات} من لم يستطع اى من لم يجد كما يقول الرجل لا استطيع ان احج اى لا اجد ما احج به. ومنكم حال من فاعل يستيطع اى حال كونه منكم. والطول القدرة وانتصابه على انه مفعول يستطيع وان ينكح فى موضع النصب على انه مفعول القدرة والمراد بالمحصنات الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات فان حريتهن احصنتهن عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان والمعنى ومن لم يجد طول حرة اى ما يتزوج به الحرة المسلمة {فمن ما ملكت ايمانكم} فلينكح امرأة او امة من النوع الذى ملكته ايمانكم {من فتياتكم المؤمنات} حال من الضمير المقدر فى ملكت الراجع الى ما اى من امائكم المسلمات. والفتاة اصلها الشابة والفتاء بالمد الشباب والفتى الشاب والامة تسمى فتاة والعبد يسمى فتى وان كانا كبيرين فى السن لانهما لا يوقران للرق توقير الكبار ويعاملان معاملة الصغار {والله اعلم بايمانكم} تأنيس بنكاح الاماء وإزالة الاستنكاف منه اى اعلم بتفاضل ما بينكم وبين ارقائكم فى الايمان فربما كان ايمان الامة ارجح من الايمان الحرة وايمان المرأة من ايمان الرجل. فلا ينبغى للمؤمن ان يطلب الفضل والرجحان الا باعتبار الايمان والاسلام لا بالاحساب والأنساب {بعضكم من بعض} انتم وارقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الاسلام كما قيل شعر : الناس من جهة التمثال اكفاء ابوهمو آدم والام حواء تفسير : فبينكم وبين ارقائكم المواخاة الايمانية والجنسية الدينية لا يفضل حر عبدا الا برجحان فى الايمان وقدم فى الدين {فانكحوهن بإذن أهلهن} اى واذ قد وقفتم على جلية الامر فانكحوهن باذن مواليهن ولا تترفعوا عنهن وفى اشتراط اذن الموالى دون مباشرتهم للعقد اشعار بجواز مباشرتهن له {وآتوهن اجورهن بالمعروف} اى ادوا اليهن مهورهن بغير مطل وضرار والجاء الى الافتداء واللز اى المضايقة والالحاح {محصنات} حال من مفعول فانكحوهن اى حال كونهن عفائف عن الزنى {غير مسافحات} حال مؤكدة اى غير مجاهرات به والمسافح الزانى من السفح وهو صب المنى لان غرضه مجرد صب الماء {ولا متخذات أخدان} جمع خدن وهو الصديق سرا والجمع للقابلة بالانقسام على معنى ان لا يكون لواحدة منهن خدن لا على معنى ان لا يكون لها اخدان اى غير مجاهرات بالزنى ولا مسرات له وكان زناهن فى الجاهلية من وجهين السفاح وهو بالاجر من الراغبين فيها والمخادنة وهى مع صديق لها على الخصوص وكان الاول يقع اعلانا والثانى سرا وكانوا لا يحكمون على ذات الخدن بكونها زانية ولذا افرد الله كل واحد من هذين القسمين بالذكر ونص على حرمتهما معا {فاذا احصن} اى بالتزويج {فان اتين بفاحشة} اى فعلن فاحشة وهى الزنى {فعليهن} فثابت عليهن شرعا {نصف ما على المحصنات} اى الحرائر الابكار {من العذاب} من الحد الذى هو جلد مائة فنصفه خمسون كما هو كذلك قبل الاحصان فالمراد بيان عدم تفاوت حدهن بالاحصان كتفاوت حد الحرائر ولا رجم عليهن لان الرجم لا ينتصف وجعلوا حد العبد مقيسا على الامة والجامع بينهما الرق والاحصان عبارة عن بلوغ مع عقل وحرية ودخول فى نكاح صحيح واسلام خلافا للشافعى فى الاسلام {ذلك} اى نكاح المملوكات عند عدم الطول لمن {خشى العنت منكم} اى خاف الزنى وهو فى الاصل انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر اعظم من موافقة الاسم بافحش القبائح وانما سمى الزنى به لانه سبب المشقة بالحد فى الدنيا والعقوبة فى العقبى {وان تصبروا} اى عن نكاحهن متعففين كافين انفسكم عما تشتهيه من المعاصى {خير لكم} من نكاحهن وان سبقت كلمة الرخصة فيه لما فيه من تعريض الولد للرق ولان حق المولى فيها فلا تخلص للزوج خلوص الحرائر ولان المولى يقدر على استخدامها كيف ما يريد فى السفر والحضر وعلى بيعها للحاضر والبادى. وفيه من اختلال حال الزوج واولاده ما لا مزيد عليه ولانها ممتهنة مبتذلة خراجة ولاجة وذلك كله ذل ومهانة سارية الى الناكح والعزة هى اللائقة بالمؤمنين ولان مهرها لمولاها فلا تقدر على التمتع به ولا على هبته للزوج فلا ينتظم امر المنزل وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحرائر صلاح البيت والاماء هلاك البيت " .تفسير : {والله غفور} لمن لم يصبر {رحيم} بالرخصة والتوسعة فنكاح الامة عند الطول والقدرة على نكاح الحرة لا يحل عند الشافعى وعند الحنفية يحل ما لم يكن عنده امرأة حرة ومحصله ان الشافعى اخذ بظاهر الآية وقال لا يجوز نكاح الامة الا بثلاثة شرائط اثنان فى الناكح عدم طول الحرة وخشية العنت والثالث فى المنكوحة وهى ان تكون امة مؤمنة لا كافرة كتابية وعند ابى حنيفة شىء من ذلك ليس بشرط فهو حمل عدم استطاعة الطول على عدم ملك فراش الحرة بان لا يكون تحته حرة فحينئذ يجوز نكاح الامة وحمل النكاح على الوطء وحمل قوله {من فتياتكم المؤمنات} على الافضل اى نكاح الامة المؤمنة افضل من نكاح الكتابية فجعله على الندب واستدل عليه بوصف الحرائر مع كونه ليس بشرط. قال فى التيسير واما قوله {من فتياتكم المؤمنات} ففيه اباحة المؤمنات وليس فيه تحريم الكتابيات فالغنى والفقير سواء فى جواز نكاح الامة سواء كانت مؤمنة او يهودية او نصرانية. اعلم ان النكاح من سنن المرسلين وشرعة المخلصين الا ان الحال يختلف فيه باختلاف احوال الناس فهو واجب بالنسبة الى صاحب التوقان ومستحب بالنسبة الى من كان فى حد الاعتدال ومكروه بالنسبة الى من عجز عن الوقاع والانفاق. قال فى الشرعة وشرحها ويختار للتزوج المرأة ذات الدين فان المرأة الصالحة خير متاع الدنيا فان بها يحصل تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكلف بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الاوانى وتهيئة اسباب المعيشة فان الانسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعسر عليه فى منزله وحده اذ لو تكفل بجميع اشغال المنزل لضاعت اكثر اوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة المصلحة للمنزل معينة على الدين بهذا الطريق واختلال هذه الاسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك قال ابو سليمان الدرانى الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فانها تفرّغك للآخرة: قال الشيخ السعدى قدس سره شعر : زن خوب فرمان بربارسا كند مرد درويش را يادشا سفر عيد باشد بران كتخداى كه يارى زشتش بود درسراى تفسير : ثم ان بعضهم اختارو البكر وقالوا انها تكون لك فاما الثيب فان لم يكن لها ولد فنصفها لك وان كان لها ولد فكلها لغيرك تاكل رزقك وتحب غيرك والحاصل ان اختيار نكاح المملوكات رخصة والصبر عنه عزيمة ولا ريب ان العزيمة اولى لانه بالصبر يترقى العبد الى الدرجات العلى وفى الخبر "حديث : يؤتى باشكر اهل الارض فيجزيه الله تعالى جزاء الشاكرين ويؤتى باصبر اهل الارض فيقال له أترضى ان نجزيك جزاء الشاكرين فيقول نعم يا رب فيقول الله كلا انعمت عليك فشكرت وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر عليه فيعطى اضعاف جزاء الشاكرين " .تفسير : وقد يجمع العبد فضيلتى الصبر والشكر بان يصبر على مقتضى النفس زمانا ثم بعد النيل والفوز يشكر على نعمه الجزيلة حققنا الله واياكم بحقائق الصبر والشكر شعر : نعمت حق شمار وشكر كذار نعمتش را اكرجه نيست شمار شكر باشد كليد كنج مزيد كنج خواهى منه زدست كليد تفسير : وقيل فى حق الصبر شعر : جون بمانى بسته در بند حرج صبر كن كه الصبر مفتاح الفرج صبركن حافظ بسختى روزشب عاقبت روزى بيابى كام را تفسير : ثم ان رحمته لعباده اوسع من ان تذكر ولذلك قال {والله غفور رحيم} ومن جملة رحمته بيان طرائق من سلف وتقدم من اهل الرشاد ليسلكوا مناهجهم وينالوا الى المراد وقال عليه السلام "حديث : "يا كريم العفو" فقال جبريل أتدرى ما معنى كريم العفو هو ان يعفو عن السيآت برحمته ثم يبدلها بحسنات بكرمه" تفسير : : قال جلا الدين الرومى قدس سره شعر : توبه آرند وخدا توبه بذير امر او كيرند او نعم الامير سيآتت را مبدل كرد حق تاهمة طاعت شود آن ما سبق
ابن عجيبة
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَإنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ...} قلت: الطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طَوْلاً، وهو مفعول {يستطع}، أو مصدر له ـ لتقارب معناهما، و {أن ينكح} بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح، و {محصنات غير مسافحات}، حالان، والعامل فيه: {أنكحوهن}، والخدن: الخليل. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن لم يستطع منكم طَوْلاً} أي: لم يجد غني يقدر به على نكاح {المحصنات}، أي: الحرائر {المؤمنات}، فليتزوج من ما ملكت أيمانكم، من الإماء المؤمنات دون الكافرات، فإن أظهرت الإيمان فاكتفوا بذلك، وعلم الباطن لا يعلمه إلا الله، {والله أعلم بإيمانكم} فلا يمنعكم من نكاحهن خوف المعرة، فإنما أنتم جنس واحد، ودينكم واحد، {بعضكم من بعض} فلا تستنكفوا من نكاحهن، {فانكحوهن بإذن أهلهن}، أي أربابهن، حتى يعقدوا لكم نكاحهن، {وآتوهن أجورهن}: أي: مهورهن، وهن أحق به دون ساداتهن، على مذهب مالك، {بالمعروف} من غير مطل، ولا نقص، على ما تقتضيه السنة. حال كونهن {محصنات} أي: عفيفات {غير مسافحات} أي: غير زانيات {ولا متخذات أخدان}، أي: أصحاب يزنون بهن. وكان في الجاهلية مِن النساء مَنْ تتخذ صاحبًا واحدًا تزني معه خاصة، ومنها من لا ترد يد لامس. قال ابنُ جزي: مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين: أحداهما: عدم الطول؛ وهو ألاَّ يجد ما يتزوج به حُرة، والآخر: خوف العنت؛ وهو الزنا. لقوله بعد هذا: {ذلك لمن خشي العنت منكم}، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين، على القول بأن دليل الخطاب لا يُعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة، لقوله: {من فتياتكم المؤمنات} إلا أهل العراق فلم يشترطوه.هـ. الإشارة: فمن لم يستطع أن ينكح أبكار الحقائق، لكونه لم يقدر أن يدفع عن قلبه الشواغل والعلائق، فليتنزل لنكاح العلوم الرسمية والأعمال الحسية، بأخذها من أربابها، ويحصنها بالإخلاص في أخذها، ويقوم بحقها بقدر الإمكان، وهو بذلها لأهلها والصبر على نشرها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فإن صح قصده، وخلص عمله، قيض الله له وليًا من أوليائه يغنيه بالله، حتى يصير من الأغنياء به، فيتأهل لنكاح الحرائر، ويلتحق بأولياء الله الأكابر، {أية : وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ}تفسير : [إبراهيم:20]. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لما تكلم على ثمرات المحبة ـ قال: فترى النفس مائلة لطاعته، والعقل متحصنًا بمعرفته، والروح مأخوذة في حضرته، والسر مغمورًا في مشاهدته، والعبد يستزيد من حبه فيُزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسى حُلل التقريب على بساط القُربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم.هـ. فعلم الحقائق أبكار، وما يوصل إليه من علوم الطريقة ثيبات حرائر، وما سواها من علوم الرسوم إماء بالنسبة إلى غيرها، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حدَّ الأمَةِ إذا زنت، فقالت: {...فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ...} قلت: أحصن الرجل ـ بفتح الهمزة وضمها ـ: صار محصنًا بالفتح والكسر، وهذا مما اتحد فيه البناء للفاعل والمفعول. وقيل بالفتح، معناه: أسلم، وبالضم: تزوج. يقول الحقّ جلّ جلاله: إن الإماء إذا تزوجن {فإن أتين بفاحشة}، وهو الزنا، فعليهن نصف ما على الحرة من الحد، وهو خمسون، لأن حد البكر مائة. ويفهم منه أنها لا ترجم؛ لأن الرجم لا يتبعض. وكذلك الذكور من العبيد عليهم نصف الحدود كلها، ولا رجم عليهم، وسمَى الحد عذابًا، كقوله: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ} تفسير : [النور:2]. الإشارة: بقدر ما يعلو المقام يُشدد العقاب، وبقدر ما يحصل من القرب يُطلَب الآداب، فليست المعصية في البعد كالمعصية في القرب، وليس يُطلب من البعيد ما يُطلب من القريب، وانظر إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى لهن: {أية : يَا نِسَآءَ النَّبِيّ مَن يَأَتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَاَبُ ضِعْفَيْنِ}تفسير : [الأحزاب:30]. وما ذلك إلا لحظوتهن وشدة قربهن من الله. ولذلك كان لا يدخل الحضرة إلا أهل الآداب والتهذيب، بعد التدريج والتدريب، وتأمل قضيةَ الجنيد، حيث قيل له في المنام: مثلُك لا يُرضى منه هذا، حيث خطر على قلبه الاعتراض على السائل، غير أن المقربين يعاتبون، ويردون إلى الحضرة، وأهلُ البُعد يزيدون بُعداً، ولكن لا يشعرون، والله تعالى أعلم. ثم ذكر شرط تزوج الأمة لعادم الطَوْل، فقال: {...ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} قلت: العنت: المشقة والضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم، ولا سيما بأفحش الفواحش؛ وهو الزنا، {يريد الله ليبين لكم}، أي: لأن يُبين، واللام زائدة في المفعول، لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإدارة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ذلك} أي: نكاح الإماء إنما أبَحْتُهُ لمن خشي الوقوع في الزنا، الذي هو أقبح الفواحش، فنكاح الأمةُ، وإرقاق الولد يباع في الأسواق أخف من الزنا. {وأن تصبروا} عن نكاحهن، مع التعفف عن الزنا، {خير لكم} لئلا يرق أولادكم. وعن أنس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : مَنْ أرادَ أنْ يَلْقَى اللهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّج الْحَرائِر" تفسير : وقال أبو هريرة: سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : الحَرَائِر صَلاحُ البَيْتَ، والإمَاءُ هَلاكُ البَيت ". تفسير : {والله غفور} لكم فيما سلف من المخالفة، {رحيم} بكم، حيث رخَّص لكم عند خوف الإثم نكاحَ الأمَة، {يريد الله ليبين لكم} شرائع دينكم، ومصالح أموركم، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي: مناهج مَنْ تقدمكم من أهل الرشد، كالأنبياء والصالحين، لتسلكوا مناهجهم، كحفظ الأموال والأنساب، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنهن محرمات على من قبلكم، {ويتوب عليكم} أي: يغفر ذنوبكم الماضية، أو يرشدكم إلى التوبة، أو يمنعكم من المعاصي بالعصمة. {والله عليم} بما أسلفتم وما تستقبلونه من أفعالكم، {حكيم} بما دبر وأبرم. {والله يريد أن يتوب عليكم} كرره توطئة لقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا} عن الحق {ميلاً عظيمًا} بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات، وكأنه تعالى يقول: إنا نريد توبتكم ورشدكم، والذين يتبعون الشهوات يريدون ميلكم وإضلالكم، والمراد بهم الزناة؛ لأنهم يودون أن يكون الناس كلهم زناة، وأمَّا من تعاطى شهوة النكاح في الحلال، فإنه متبع للحق لا لهم، وقد قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "حديث : تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإنِّي مُبَاهِ بِكُمُ الأممَ يَوم القِيَامة "تفسير : . وقد كان سيدنا علي ـ كرم الله وجهه ـ أزهدَ الصحابة، وكان له أربع حرائر وسبعُ جواري سُرِّيَّاتٍ، وقيل: سبع عشرة، وقيل: المراد بهم اليهود والنصارى، لأن اليهود يُحلون الأقارب من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت. وقيل: المجوس. {يريد الله أن يخفّف عنكم} فلذلك شرع لكم الشريعة الحنيفية السمحة السهلة، ورخص لكم عند المضايق في نكاح الأمة. {وخُلق الإنسانُ ضعيفًا} في كل شيء، لأنه خُلق من ضعف، ويؤول إلى ضعف، أسير جَوعة، صريع شبعة، وخصوصًا عن شهوة النساء، فإنه لا يصبر عن الجماع، ولا يكون في شيء أضعفَ منه في أمر النساء، وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: (ألا تروني أني لا أقوم إلا رفدًا، ولا آكل إلا ما لُيِّن لي، وقد مات صاحبي ـ يعني ذكره ـ منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي، وأن لي ما تطلع عليه الشمس، مخافة أن يأتيني الشيطان فيحركه، على أنه لا سمع ولا بصر). قال ابن عباس: ثماني آيات في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} [النساء:26]، {وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء:27]، {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ} [النساء:28]، {أية : إن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...} تفسير : [النساء:31] الآية، {أية : إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ...} تفسير : [النساء:48] الآية، {أية : إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ...} تفسير : [النساء:40]، {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظلِمْ نَفْسَهُ...} تفسير : [النساء:110] الآية، {أية : مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ...} تفسير : [النساء:147] الآية.هـ. الأشارة: إنما ينزل المريد إلى العلوم الرسمية، أو الأعمال الحسية، إذا خشي الانمحاق أو الاصطلام في بحر الحقائق، وإن صبر وتماسك، حتى يتقوى على حمل أعبائها، فهو خير له، لأن الرجوع إلى الحس، لا يؤمن من الحبس، والله غفور لمن تنزل لعلة ما تقدم، رحيم حين جعل له الرخصة، {يريد الله ليبين لكم} سلوك الطريق إلى عين التحقيق، ويهديكم طرق الوصول، كما هدى مَنْ قبلكم، ويتوب فيما خطر ببالكم، من الفترة أو الوقفة، والله يريد أن يتعطف عليكم، لترجعوا إليه بكليتكم. وأهل الغفلة المنهمكون في الشهوات، يريدون ميلكم عن طريق الوصول إلى حضرة ربكم، يرد الله أن يخفف عنكم، فلا يُحملكم من الواردات إلا ما تطيقه طاقتكم، لأنكم ضعفاء إلا إن قوَّاكُم. اللهم قونا على ما نريد، وأيدنا فيما تريد، إنك على كل شيء قدير. ولمّا ذكر ما يتعلق بحفظ أموال اليتامى وأموال النساء، وانجر الكلام إلى ما يتعلق بهن من حدودهن، وما يحل وما يحرم منهن، ذكر ما بقي من حفظ أموال الرجال.
الطوسي
تفسير : القراءة، واللغة: قرأ أهل الكوفة إلا حفصاً {فإذا أحصن} - بضم الهمزة وكسر الصاد - الباقون بفتحهما، وقرأ {المحصنات} - بكسر الصاد - الكسائي وحده، قوله: {ومن لم يستطع منكم طولاً} معناه: من لم يجد منكم طولا، وقيل في معنى الطول قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: هو الغنى، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). والثاني - قال ربيعة، وجابر، وعطاء، وابراهيم: أنه الهوى، قال: إذا هوي الأمة فله أن يتزوجها وإن كان ذا يسار. وقال الحسن، والشعبي: لا يجوز ذلك، والقول الأول هو الصحيح، وعليه أكثر الفقهاء. والطول الغنى، وهو مأخوذ من الطول خلاف القصر، فشبه الغنى به، لأنه ينال به معالي الأمور، وقولهم ليس فيه طائل. أي: لا ينال به شيء من الفوائد، والتطول الافضال بالمال، والتطاول على الناس الترفع عليهم، وكذلك الاستطالة، وتقول: طال فلان طولا، أي كأنه فضل عليه في القدرة، وقد طالت طولك وطيلك أي طالت مدتك، قال الشاعر: شعر : إنا محيوك فاسلم أيها الطلل وإن بليت وإن طالت بك الطيل تفسير : والطول الحبل. المعنى: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، لأنه قيد جواز العقد على الاماء إذا كن مؤمنات، وهو قول مالك بن أنس، ومجاهد، وسعيد بن عبد العزيز، وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، والحسن، والطبري، وقال أبو ميسرة، وأبو حنيفة، وأصحابه: يجوز ذلك، لأن التقييد هو على جهة الندب دون التحريم، والأول أقوى، لأنه الظاهر، وما قالوه عدول عنه. ومنهم من قال: لأن التأويل: من فتياتكم المؤمنات دون المشركات من عبدة الأوثان، بدلالة الآية التي في المائدة، وهي قوله تعالى: {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } تفسير : وهذا ليس بشيء، لأن الكتابية لا تسمى مؤمنة. ومن أجاز العقد على الكتابية له أن يقول: آية المائدة مخصوصة بالحرائر منهن دون الاماء، وظاهر الآية يقتضي أن من وجد الطول من مهر الحرة ونفقتها، ولا يخاف العنت. لا يجوز له تزويج الأمة، وإنما يجوز العقد عليها مع عدم الطول، والخوف من العنت. وهو مذهب الشافعي، غير أن أكثر أصحابنا قالوا: ذلك على وجه الأفضل، لا أنه لو عقد عليها وهو غني كان العقد باطلا، وبه قال أبو حنيفة، وقوّوا ذلك بقوله:{أية : ولأمة مؤمنة خير من مشركة }تفسير : إلا أن من شرط صحة العقد على الأمة عند أكثر الفقهاء، أن لا تكون عنده حرة، وهكذا عندنا، إلا أن ترضى الحرة بأن يتزوج عليها أمة، فان أذنت كان العقد صحيحاً عندنا، ومتى عقد عليها بغير إذن الحرة كان العقد على الأمة باطلا. وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الأمة، أو تفسخ عقد نفسها، والاول أظهر، لأنه إذا كان العقد باطلا لا يحتاج إلى فسخه، فأما تزويج الحرة على الأمة، فجائز، وبه قال الجبائي. وفي الفقهاء من منع منه، غير أن عندنا لا يجوز ذلك إلا باذن الحرة، فان لم تعلم الحرة بذلك كان لها أن تفسخ نكاحها، أو نكاح الأمة، وفي الناس من قال: في عقده على الحرة طلاق الأمة. وقوله: {من فتياتكم المؤمنات} فالفتى الشاب، والفتاة الشابة، والفتاة الأمة، وإن كانت عجوزاً لأنها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الكبيرة، والفتوّة حال الحداثة، ومنه الفتيا، تقول: أفتى الفقيه. يفتي لأنه يسأله مسألة في حادثة. وقوله: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} قيل في معناه قولان: أحدهما - كلكم ولد آدم. والثاني - كلكم على الايمان. ويجوز أن تكون الأمة أفضل من الحرة، وأكثر ثواباً عند الله، وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الأمة، إذا جوّز أن تكون أكثر ثواباً عند الله، مع اشتراكهم بأنهم ولد آدم، وفي ذلك صرف عن التغاير بالأنساب. ومن كره نكاح الأمة قال: لأن الولد عندنا يلحق بالحرية في كلا الطرفين. وقوله: {فانكحوهن بإذن أهلهن} أي اعقدوا عليهن باذن أهلهن، وفيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز نكاح الأمة بغير اذن وليها الذي هو مالكها. وقوله: {وآتوهن أجورهن} معناه: اعطوا مالكهن مهورهن، لأن مهر الأمة لسيدها، {بالمعروف} وهو ما وقع عليه العقد وتراضي. وقوله: {محصنات غير مسافحات} يعني بالعقد عليهن، دون السفاح معهن، {ولا متخذات أخدان} وقد بينا الفرق بين الخدن والسفاح فيما مضى، والخدن هو الصديق يكون للمرأة، بزني بها سرّاً، كذا كان في الجاهلية، والسفاح ما ظهر منه، وكان فيهم من يحرم ما ظهر من الزنا، ولا يحرم ما خفي منه، ذكر ذلك ابن عباس، وغيره من المفسرين. وخدن الرجل وخدينه صديقه. وقوله: {فإذا أحصن} من قرأ بالضم، قال: معناه تزوجن، ذكر ذلك ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. ومن فتح الهمزة قال: معناه أسلمن، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، والشعبي، وابراهيم، والسدي. وقال الحسن: يحصنها الزوج، ويحصنها الاسلام، وهو الأولى، لأنه لا خلاف أنه يجب عليها نصف الحد إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، كما أن عليها ذلك وان كان لها زوج، لأنه وإن كان لها زوج لا يجب عليها الرجم، لأنه لا يتبعض، فكان عليها نصف الحد خمسين جلدة. على أن قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات} يعني نصف ما على الحرائر، وليس المراد به ذوات الأزواج، فالاحصان المذكور للأمة التزويج، والمذكور للمحصنات الحرية، وبينا أنه يعبر به عن الأمرين. وقال بعضهم: إذا زنت الأمة قبل أن تتزوّج، فلا حد عليها، وإنما عليها نصف الحد إذا تزوجت بظاهر الآية. وقوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم}، فالعنت معناه ها هنا الزنا في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، والضحاك، وابن زيد. وقال قوم: هو الضرر الشديد في الدين أو الدنيا، مأخوذ من قوله: {أية : ودوا ما عنتم } تفسير : والأول أقوى، وقوله: {وإن تصبروا خير لكم} يعني: عن نكاح الاماء، في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وعطية. وأكمة عنوت صعبة المرتقى. ومتى اجتمع عند الرجل حرة وأمة كان للحرة يومان وللأمة يوم، وعندنا أن بيع الأمة طلاقها، إلا أن يشاء المشتري إمضاء العقد، وكذلك الهبة، وكل ما ينتقل به الملك من الميراث، والسبي، وغيره. فأما عتقها فانه يثبت به لها الخيار، كما ثبت لبريره، ومتى كانت تحت الزوج الحر أو عبد لغيره، لم يكن للمولى التفرقة بينهما، فان كانا جميعاً له كان التفرقة إلى المولى. واستدلت الخوارج على بطلان الرجم بهذه الآية، قالوا: لما قال الله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}، وكان الرجم لا يمكن تبعيضه، دل على أنه لا أصل له، وعلى ما بيناه من أن المراد فعليهن نصف ما على الحرائر، دون ذوات الأزواج، يسقط هذا السؤآل. ويدل على أن الاحصان يعبر به عن الحرية زائداً على ما تقدم، قوله في أول الآية: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم} ولا شك أنه أراد الحرة أو العفائف، لأن التي لها زوج لا يمكن العقد عليها، وجد طولها أو لم يجد، وقوله: {والذين يرمون المحصنات} يدل عليه أيضاً، لأن المراد به المسلمة الحرة، سواء كانت ذات زوج أو لم تكن، بلا خلاف. والرجم معلوم من دين المسلمين بالتواتر فانهم لا يختلفون أنه (صلى الله عليه وسلم) رجم ماعز بن مالك الأسلمي، ورجم يهودياً ويهودية، وعليه جيمع الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، فخلاف الخوارج لا يلتفت إليه. وفي الناس من قال: إن قوله: {أن ينكح المحصنات} المراد به الحرائر دون أن يكون مختصاً بالعفائف، لأنه لو كان مختصاً بالعفائف لما جاز العقد على من ليس كذلك، لأن قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} إلى قوله: {أية : وحرم ذلك على المؤمنين }تفسير : منسوخ بالاجماع، وبقوله: {أية : فانكحوا ما طاب }تفسير : وبقوله: {أية : وانكحوا الأيامى } تفسير : ويمكن أن يخص بالعفائف على الأفضل دون الوجوب، وقوله: {فعليهن} معناه لازم لهن نصف ما يلزم المحصنات، دون أن يكون ذلك واجباً عليهن، وقوله: {وإن تصبروا} في موضع رفع، والتقدير والصبر عن نكاح الأمة خير لكم. وفي الآية تقديم وتأخير، لأن التقدير: {ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم} أي فلينكح مما ملكت أيمانكم {من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض والله أعلم بأيمانكم} ذكره الطبري وهو جيد مليح.
الجنابذي
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} فانّ فى نكاحنّ تكاليف شاقّة من النّفقة والكسوة والمسكن والقسامة {فَ} لينكح {مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} فاكتفوا بظاهر الايمان فانّ الله هو العالم بالسّرائر فربّ امة كانت افضل فى الايمان من الحرّة والامة بحسب المعاش اخفّ عليكم {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} فى النّسبة الى آدم (ع) والى الاسلام {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} فانّه بدون الاذن زنا {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ} عفايف {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} زانيات {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} اخلاّء فى السّرّ {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} بالتّزويج {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} زنا {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} يعنى انّ العبيد والاماء يضربون نصف الحدّ فان عادوا الى ثمانى مرّات هكذا يحدّون وفى الثّامنة يقتلون، وعن الصّادق (ع) انّما صار يقتل فى الثّامنة لانّ الله رحمه ان يجمع عليه ربق الرّقّ وحدّ الحرّ، وعن الباقر (ع) فى امةٍ تزنى قال تجلد نصف حدّ الحرّ كان لها زوج او لم يكن لها زوج، وفى رواية لا ترجم ولا تنفى {ذَلِكَ} اى ترخيص نكاح الاماء {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} اى التّعب والاذى من العزوبة {وَأَن تَصْبِرُواْ} عن نكاح الاماء بالتّعفّف {خَيْرٌ لَّكُمْ} لانّهنّ فى الاغلب غير اصيلة غليظة الطّبع والمضاجعة معهنّ مؤثّرة فتؤثّر فى نفوسكم وامزجتكم واولادهنّ يصيرون مثلهنّ ولا ينبغى لنطفكم ان تقع فى ارحامهنّ فيتولّد لكم منهنّ ما لا يليق بكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} للسّوءة اللاّزمة من نكاحنّ {رَّحِيمٌ} بالتّرخيص لكم فى نكاحهنّ حين العنت وترجيح التّعفّف عنهنّ مهما امكن حتّى لا يرد عليكم من مضاجعتهنّ سوءة.
اطفيش
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} مصدر {يَنكِحَ} بدلا من {طَوْلاً} بدل اشتمال، والرابط محذوف، والطول: الغنى أى طولا نكاح المحصنات المؤمنات به، ويجوز أن يكون طولا، بمعنى نيلا، فيكون مصدر {يَنْكِحَ} مفعولا به لطولا، فيكون ذلك من أعمال المصدر المنون، وذلك أنه يقال: طلت الشىء بمعنى نلته، وأصل الطول الفضل والزيادة، وسمى به الغنى، لأنه ينال به ما لا ينال مع الفقر، والمحصنات المؤمنات: الحرائر المؤمنات. {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}: أى فانكحوا بعضاً مما ملكه إخوانكم المؤمنون من إمائهم المؤمنات، وذلك أن الإنسان لا يتزوج أمة نفسه وتسرى أمة نفسه لا يشرط فيه عدم استطاعة الطول، فظهر أن المراد تزوجك بأمة أخيك المؤمن، بشرط عدم استطاعة نكاح الحرة، كما ذكر وشرط من خوف العنت كما يذكر بعد، فذلك شرطان، وشرطاً ثالثاً، هو الإيمان، كما قال {المُؤْمِنَاتِ} وعدم الطول: أن لا يكون عند ما يتزوج به الحرة، ويقوم بمئونتها، ولو وضيعة، ويلتحق بذلك ما إذا لم يجدها، بأن امتنعن منه، وقد وجد ما يصدق ويقوم بها والمراد بالغنى هنا ما يطيق به الحرة صداقاً ومؤنة، فما نعت لمفعول محذوف، أى فانكحوا بعضاً مما ملكت أيمانكم أو فتيات مما ملكت أيمانكم، ويقدر مضاف، كما رأيت أى إيمان إخوانكم، ومن الثانية بيان متعلقة لمحذوف حال منها، والفتاة الشابة مطلقاً فى أصل اللغة، والمراد هنا الأمة شابة أو غيرها وذلك عرف للعرب، ونكاح الأمة أيسر بقلة صداقها، وإنما قل لنقصها ولأنها تشتغل بخدمة سيدها، فمن انتهى عليه إذا كانت عنده وعلى زوجها، إذا كانت عنده. قال عمر رضى الله عنه: أيما رجل تزوج أمة فقد أرق نصفه يعنى يصير ولده رقيقاً، وإنما منع الحر من نكاحها إلا بالشرطين لأن ولد الأمة عبد ولو كان زوجها حرا ففى تزوجها تنقيص الولد، وللولد على أبيه أن يختار له أفضل ما يجد من النسب، ولأن السيد أعظم حقا من الزوج إذا اجتمع السيد والزوج على الأمة إذ لسيدها استخدامها إلا وقت احتياج الزوج لجماعها، ولأن له بيعها ولو أبى الزوج، ولأن مهرها ملك لسيدها، فلا تقدر أن تهبه أو بعضه لزوجها، ولأن الأمة قد تعودت الخروج ومخالطة الرجال، وهى داعى وقاحة وزنى، وخرج بقوله عز وجل {المُؤْمِنَات}: الإماء الكتابيات، فلا يجوز نكاحها، ولو وجد الشرطان لاجتماع الرق والشرك، ولا يجوز تسريها أيضاً لذلك خلافاً لابن عباد - رحمه الله - وقال ابو حنيفة: يجوز تزوج الأمة المسلمة والأمة الكتابية إن لم تكن فى عصمته حرة مسلمة ولو كان عنده ما يتزوج به الحرة المسلمة، وما يقام بها، ولم يخفف العنت، وروى جواز الأمة المسلمة ولو لم يخف العنت، ووجد الحرة عن على والحسن البصرى وابن المسيب ومجاهد والزهرى، وفسر أبو حنيفة ما فى الآية من المنع، بما إذا كانت عنده محصنة مؤمنة، وفسر النكاح بالوطىء، فمن استطاع وطء حرة مؤمنة هو من كانت هى عنده زوجة، مع ذلك رأى هو وعلى ومن ذكرته: المنع فى الآية تنزيهاً وإرشاداً لا تحريماً، ويجوز للعبد نكاح الأمة نكاح الأمة ولو أطاق الحرة، ولم يخف العنت، أو كانت تحته حرة. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له تزوج الأمة إن كانت تحته حرة. {واللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ}: تحقيقاً فلا تكلفون إيمان الإماء على الحقيقة، بل اكتفوا بما ظهر من إيمانهن، فيجوز لكم تزوجهن على ما ظهر من إيمانهن، ولا تعتبر تفاضل الإيمان بينكم وبينهن، فإنكم لا تحققونه فرب أمة أفضل إيماناً من حر أو حرة واعتبروا مطلق الإيمان فاستبيحوا نكاحهن لفضله، ولا يمنعكم منهن ما فيهن من خسه بالرق، فقد جبرت بالإسلام الذى هو المعتبر مطلقاً لا لفضل النسب، فإن الناس كلهم من آدم وحواء، ففى الإماء أيضاً نسب يجمعكم، كما قال الله جل وعلا. {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ}: أى أنتم وإمائكم كشىء واحد لاتفاق النسب ودين الإسلام، قال على: شعر : الناس من جهة التمثيل أكفاءُ أبوهمُ آدمٌ والأم حواء تفسير : وكانت العرب تفتخر بالأنساب وتبالغ، والآية رد عليهم فى المبالغة، وعن ابن عباس: معنى الآية أن المؤمنين بعضهم أكفاء، جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}: أى ملاكهن، فمن تزوجت بغير إذن سيدها فهى زاينة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العاهر هى التى تنكح نفسها" تفسير : وهذا فى الحرة والأمة أو فى الحرة تكون الأمة أولى بذلك، وإن زوجت نفسها بلا إذن أو بإذن، فإن أجاز بعد العقد، وقبل الدخول جاز وقبل بعد العقد، وإن أجاز بعد الدخول لم يصح، وقد حرمت وإن كانت ملكاً لامرأة فلتوكل رجلا يزوجها، وأجاز أبو حنيفة أن تزوج المرأة أمتها وأن يقول السيد والسيدة للأمة زوجى نفسك، فتزوج نفسها، فيصح ولو لم يتكلم بالإجازة بعد العقد، لقوله {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ}. وأما الطفل والمجنون فيزوج أمتهما وعبدهما وليهما، وقيل: لا يزوجهما، وقيل: يزوج أمتهما بعبدهما، ومجيز تزويج الطفل المميز وليته يجيز تزويجه أمته أو عبده أو توكيله والإذن فى الشىء إجازته، وفسرته السنة بأن يقول سيدها ومثله ولى المرأة فى تزويجها: زوجتكها. {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}: يقدر مضاف أى أدوا إلى مواليهن مهورهن لأنهن ملك لسادتهن، فمهورهن لهم، ودخل فى ذلك أن مهر أمة المرأة للمرأة وتعطاه ولا يعطى مهر أمة الطفل أو المجنون له بل لقائمه، وروى بعض أصحاب مالك عن مالك أن مهر الأمة ملك لها فتعطاه متمسكاً بظاهر الآية، وليس كذلك لظهور أن مال المملوك لسيده، فيقدر مضاف كما رأيت، ويجوز أن يقدر بإذن أهلهن أو به، أى: وآتوهن أجورهن بإذن أهلهن، أو آتوهن أجورهن به، أى بإذنهم، فحينئذ لا يقدر مضاف، ودل على هذا المحذوف ما قبله، أعنى ناسب ما قبله، تقدير ذلك، وإلا فالدليل خارجى وهو أن مال الإنسان لا يمكن لآخر إلا بإذنه، ودلت الآية أن النكاح لا يكون بلا صداق وحكى بعضهم الإجماع على أن مهر الأمة لسيدها لعدم الاعتداد بالقول المذكور عن مالك، أو لرجوج مالك عنه، أو لعدم صحته عنده عن مالك أو لأنه لم يطلع عليه. {بِالْمَعْرُوفِ}: متعلق بآتوهن، ومعنى المعروف: أن يعطوا أجورهن بلا مطل ولا ضرار، ولا نقص، عما عقد عليه، وقيل: متعلق بمحذوف حال من أجورهن، أى آتوهن أجورهن معبرة بالمقدار المعروف لأمثالهن، وهذا ضعيف لأن لمولى الأمة أن يزوجها بصداق تستحق أكثر منه، وإنما الممنوع أن يزوجها على أن لا صداق لها. {مُحْصَنَاتٍ}: حال من الهاء فى {آتوهن} أى مزوجات لكم. {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ}: غير زانيات، حال ثان من هاء آتوهن، وحال من المستتر فى محصنات، بمعنى أحصن أنفسهن بالإسلام أو أحصنهن الله. {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}: أخلاء واحد بعد واحد، يرفثن معهم بالكلام وانكشاف ما لا يحل كشفه، بلا زنى، ويجوز أن يكون غير مسافحات بمعنى غير مجاهرات السفاح وهو الزنى ولا متخدات أخدان بمعنى ولا متخذات أخلاء فى السر للزنى. {فَإِذَآ أُحْصِنَّ}: أحصنهن المولى بالتزويج، أو أحصنهن الزوج بالتزوج، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائى بالبناء للفاعل، أى إذا أحصن أنفسهن أو أحصن فروجهن، أو أحصن أزواجهن. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ}: أى بزنى. {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ}: أى الحرائر التى لم يتزوجن. {مِنَ الْعَذَابِ}: والذى عليهن منه مائة جلدة فللإماء خمسون وهو نصفها تزوجن أو لم يزوجن، فالعذاب الإيلام بالجلد لا بالرجم، لأن الرجم لا يتنصف وليس قوله {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} شرطاً لتنصيف بل هو بيان لكونهن مع التزوج لا يجاوزن خمسين جلدة وإن حدهن لا يزيد بالتزوج على الخمسين بل يبقى خمسين، كأنه قيل: يبقى حدهن على الخمسين إذا أحصن وهذه العبارة تفيد كونه قبل التزوج وبقاءه عليهن بعده والأظهر أنه صلى الله عليه وسلم قد عرف قبل نزول الآية أن حدهن الخمسون هكذا، فنزلت الآية تبين بقاءه مع التزوج دفعاً لتوهم ارتفاعه كما يرتفع حد الحرة معه، وكذا حد العبد، وقيل: إن لم يحصن العبد أو الأمة جلد أربعين جلدة، وقال طاووس لا حد على من لم يتزوج من المماليك لظاهر قوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ}. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليحدها، ثم إذا زنت فليجلدها، ثم إذا زنت فليحدها، ثم إذا زنت فليبعها ولو بظفير"تفسير : أى لعلها تنحصن عند مشريها إما بهيبته أو إحسانه، أو تزويجه إياها أو تسرية. وفى رواية كلما قال فليحدها زاد ولا يعتقها. {ذَلِكَ}: أى نكاح الأمة عند عدم الطول. {لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ}: أى لمن خشى الزنى، سمى عنتاً لأن العنت المشقة، والزنى سبب للمشقة الحاصلة لعذاب الدنيا والآخرة، ويجوز أن يكون المعنى لمن خشى المشقة فى تحمل عدم الوطىء ثم رأيت مثله للخازن والحمد لله، ولا يتزوج أمة على حرة، كتابية ولا يتزوج الحر الأمة واحدة، روى عن ابن عباس ذلك، وعن سعيد بن المسيب والحسن: يتزوج الحرة على الأمة فيكون للحرة يومان، وللأمة يوم، والنفقة كذلك، ولو كانت الحرة كتابية، والأمة مسلمة، وكذلك عن على، وقيل: المراد بالعنت: الحد، وقيل: أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة. {وَأَنْ تَصْبِرُواْ}: متعففين من الزنى. {خَيْرٌ لَّكُمْ}: قال سعيد بن جبير: ما نكاح الأمة إلا قريب من الزنى ما رخص الله فيه، إلا إذا لم يجد طولا وخشى العنت، وقال مع ذلك {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُم} ذلك ذكر الشيخ هود - رحمه الله تبارك وتعالى: ألا قولى وقال مع ذلك {وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُم} والمراد إن تصبروا عن نكاح الإماء وذلك لأن ولد الأمة من غير سيدها عبد، وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الحرائر صلاح البيت، والإماء هلاك البيت ". تفسير : {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: إذ أباح لكم ما تحتاجون إليه ولم يعاقبكم إذا لم تصبروا عنهن فتزوجتموهن.
اطفيش
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} غنى {أَن يَنكِحَ} لأن ينكح، أو إلى أن ينكح، أو من لم يطق منكم نيلا، فإن ينكح على هذا مفعول طولا، أو طولا يبلغ به أن ينكح، أو أن ينكح بدل اشتمال من طولا {الْمُحْصَنَاتِ} الحرائر {المُؤْمِنَاتِ} وجازت الحرائر الكتابيات من آية أخرى {فَمِن مَّا} فلينكح مما {مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم} يتزوجها من مالكها {مِّن فَتَيَاتِكُمُ} ولو كبر سنها، فاللفظ مراد به الإطلاق، ولكن خص الفتيات لأنهن أقرب حباً إلى الحرائر واشتهاء، وكان للعرب عرف فى تسمية الأمة فتاة ولو كبيرة {الْمُؤْمِنَاتِ} وأما الأمة المشركة فلا يتزوجها مسلم ولا يتسراها ولو كتابية، هذا مذهبنا ومذهب الشافعى، وأجاز ابن عباد منا وأبو حنيفة تسرى الكتابية، وقيل عن أبى حنيفة، إنه يجوز تسرى المشركة، وأن قوله المؤمنات حمل إلى الأفضل، لا قيد، وزعم أنه يجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة، وخص المنع بمن كانت عنده حرة، وفسر الاستطاعة بأنه يمكنه وطؤها إذ كانت زوجا له، وأما من لم يتزوجها فله نكاح الأمة ولو قدر على الحرة، وهو تكلف، ومن قدر على الحرة الكتابية فله نكاح الأمة الموحدة وفيه خروج عن أهل الشرك، ولو كان فى نكاح الأمة رق الولد، قال عمر رضى الله عنه: إيما حر تزوج بأمة فقد أرق نصفه، يعنى يصير ولده رقا، وأجاز بعض نكاح الأمة ولو قدر على الحرة، وقال الآية على الأفضل {وَاللهُ أَعْلَمُ بإِيَمَانِكُم} أيكم أعظم وأثبت فيه، أيها المؤمنون الأحرار، والأرقاء، والفتيات، فاعتبروا الإيمان، فربّ أمة أفضل من الحرة فى قوة الإيمان أو العمل، وكذا العبد فلا تأنفوا من نكاح الإماء عند الحاجة، ولو صح اعتبار النسب فى السعة {بَعْضُكُم مِّن بَعضٍ} فى الإسلام، ونسب نوح وآدم، فلا عيب فى تزوج الإماء {فَانكْحُوهُنَّ} كرره ترغيباً فيهن عن الزنى، أو هذا للوجوب لخوف الزنى وما قبله للإباحة {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} سادتهن بعقدهم النكاح لكم، وشمل من له ولاية عليهن، كما يزوج الوصى أمة اليتيم وعبده، وكأبى البالغ الغائب، وأبى المجنون والأبكم، والجد فى ذلك الأب، إن لم يكن الأب، أو كان كالعدم كأب مجنون، وأجاز قومنا للحاكم والقاضى والإمام تزويج أمة غيرهم للضرورة، والصحيح أن الأب لا يزوج أمة ابنة الغائب إلا لضرورة، وزعم أبو حنيفة أن المعنى إذا أذن لهن ساداتُهن فى النكاح جاز أن يتولين عقد النكاح، ويرده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : العاهرة هى التى تنكح نفسها"تفسير : ، حتى إن مولاة الأمة توكل رجلا مزوّجا لها ولا تزوجها بنفسها، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر"تفسير : ، أى زان، إلا أنه لا يرجم لشبهة عقد النكاح، وكانت عائشة رضى الله عنها توكل رجلا يزوج امرأة صغيرة أوصيت عليها، لا تزوج المرأة نفسها ولو أذن لها وليها أو سيدها {وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} بإذن أهلهن، كما ذكر قبله، أو آتوا أهلهن، فحذف المضاف، وزعم مالك وبعض أصحابه لظاهر الآية، أن المهر للأمة، قيل كالعبد المأذون له فى التجر، فإن إنكاحها إذن لها، والذى عندنا أن مال العبد المأذون له لسيده لا له، وهذا هو عرفنا فى كونه مأذونا، وأنه يترتب عليه كل ما لزم العبد من الديون {بِالْمَعْرُوفِ} نقداً، أو بلا مطل إن كانت عاجلة، وبلا تأخير عن الأجل إن كان، وبلا ضر أو نقص {مُحْصَنَاتٍ} عفائف، وقيل متزوجات بكم، وفيه أنه يغنى عنه فانكحوهن، وقوله: فما ملكت، إلا إِن أريد بالنكاح الوطء، وقيل مسلمات لأنه لا يجوز نكاح الأمة المشركة، وفيه أنه يغنى عنه قوله عز وجل {من فتياتكم المؤمنات} {غَيْرَ مُسْافِحَاتٍ} مجاهرات بالزنى {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْذانٍ} أخلاء يزنون بهن سرَّا، وكانت العرب في الجاهلية تحرم الزنى الجهر، بأن تجعل نفسها للزنى وتبيح الزنى سرًّا فحذر؛ وكان الزنى فى الجاهلية على النوعين فنزل ما ظهر منها الخ {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} أحصنهن الله، أو الولى بالتزويج، وقيل الإسلام، وعن ابن عباس لا تحدُّ الأمة ما لم تتزوج بحر، وروى عدم الحد قبل التزوج عن مجاهد، قال بعض: الحد واجب على الأمة المسلمة قبل التزوج، قال صلى الله عليه وسلم فيها: "حديث : إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير " تفسير : {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} زنى {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفٌ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ} الحرائر التى لم تحصن {منَ العَذَابِ} الجلد، وهو مائة جلدة، ونصفها خمسون، وكذا العبد يجلد خمسين، وكذا إن لم تتزوج الأمة أو العبد، وإنما ذكر الإحصان دفعاً لتوهم أن الإحصان يوجب رجمهن كالحرة أى ما عليها إلا خمسون جلدة ولو أحصنت، ومعلوم أن الرجم لا يتجزأ، فليس مراداً بالعذاب، وأيضاً المراد به الموت لا العذاب، وكذلك تعلم أن المراد بالمحصنات الحرائر اللاتى لم يحصن لأن المحصنة ترجم، والرجم لا يتنصف {ذَلِكَ} المذكور من نكاح الإماء {لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ} المشقة بترك الوطء، فيخاف على نفسه الزنى، وأصله انكسار العظم بعد الجبر، أو العنت مشقة الحد، بأن يعشق أمة فيخاف الزنى لها، فيتزوجها دفعاً بحد الزنى، كما وقع فى قصة جابر بن زيد، أن امرأة سألته فى رجل الخ على تزوج أمتها حتى قال: أواقعها حراماً إن لم تنكحنيها فقال: أنكحيها إياه، فهذا خوف العنت، وقيل العنت الإثم وقيل الزنى، وهو رواية عن ابن عباس، وعليه الأكثر، وقيل الحد يخشى أن يزنى قيد، وجعل أبو حنيفة شرط خوف العنت إرشاداً لا إيجاباً {مِنكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا} متعففين عن الزنى {خَيْرٌ لَّكُمْ} من نكاح الأمة، لنقصها واستعباد ولدها، قال عمر: إذا تزوج العبد الحرة فقد أعتق نصفه، وإذا تزوج الحر الأمة فقد أرق نصفه، وذلك لأن ولد الأمة عبد، وولد الحرة حر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه"تفسير : ، ولأن حق المولى أعظم من حق الزوج، لا كأب وزوج، حق الزوج أعظم من حق الأَب والأم، فلا تخلص للزوج كخلوص الحرة له، فقد يحتاج إليها الزوج جدَّا ولا يجدها، فإن السيد يستخدمها يبيعها، ولأن الأَمة تعتاد البروز للرجال والوقاحة، فقد تتعود الفجور، قال سعيد بن جبير: ما نكاح الأمة إلا قريب من الزنى، وقرأ: {وأن تصبروا خير لكم}، ومثله عن أبى هريرة وابن عباس، ويقول ابن عباس: نكاح المتعة والأمة للمضطر كالميتة {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن لم يصبر، فتزوج الأَمة مع النقصان المذكور، ومع أنه يعير ولده منها ويلحقه عرق العبودية، وسواء فى ذلك الأمة السوداء والبيضاء كالنصرانيات والروميات، إذا سبين وأسلمن.
الالوسي
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ منكُمْ} {مَنْ} إما شرطية وما بعدها شرطها، وإما موصولة وما بعدها صلتها، و {منكُمْ} حال من الضمير في {يَسْتَطِعْ} وقوله سبحانه: {طَولاً} مفعول به ـ ليستطع ـ وجعله مفعولاً لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول. والمراد به الغنى والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد، وأصله الفضل والزيادة، ومنه الطائل، وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم: طلته أي نلته، ومنه قول الفرزدق:شعر : إن الفرزدق صخرة ملمومة (طالت) فليس تنالها الأوعالا تفسير : قوله عز وجل: {أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء ـ إما أن يكون متعلقاً بـ {طَولاً} على معنى ـ ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات ـ وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار في موضع الصفة لـ {طَولاً} أي ـ ومن / لم يستطع غنى موصلاً إلى نكاحهن ـ أو لنكاحهن ـ أو ـ على ـ على أن الطول بمعنى القدرة ـ كما قال الزجاج، ومحل {أن} بعد الحذف جر، أو نصب على الخلاف المعروف، وهذا التقدير قول الخليل، وإليه ذهب الكسائي، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من {طَولاً} بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد بناءاً على أن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح قوة وفضل، وقيل: يجوز أن يكون مفعولاً ـ ليستطع ـ و {طَولاً} مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز ـ أي ومن لم يستطع منكم استطاعة ـ أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ لا تعلق لذلك بالمقام. وقوله تعالى وتقدس: {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم} جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة، و {مَا} موصولة في محل جر بمن التبعيضية، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم، وأجاز أبو البقاء كون (من) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم، وقوله تعالى: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ} أي إمائكم {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى {مَا}، وقيل: (من) زائدة، و {فَتَيَـٰتِكُمُ} هو المفعول للفعل المقدر قبل، و ـ مما ملكت ـ متعلق بنفس الفعل، و (من) لابتداء الغاية، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول، و (من) للتبعيض، و (المؤمنات) على جميع الأوجه صفة (فتياتكم)، وقيل: هو مفعول ذلك الفعل المقدر، وفيه بعد. وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط ـ كما ذهب إليه الشافعي ـ وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز ـ وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى: {أية : فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [النساء: 3] و {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَٰلِكُمْ } تفسير : [النساء: 24] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة؛ أما أولاً: فالمفهومان ـ أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ـ ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول، وأما ثانياً: فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود ـ طول ـ الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها، وبالكراهة صرح في «البدائع»، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم. واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر، أو رقيقة فرقيق، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد / للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل ـ قاله ابن الهمام ـ وفيه مناقشة مّا فتأمل. وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ} الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم ـ لكل جديد لذة ـ أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد. {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُمْ} جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب، ورب أمة يفوق إيمانها إيمان كثير من الحرائر. والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم، وقيل: جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب {بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ} أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك، وأياً ما كان ـ فبعضكم ـ مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له، وزعم بعضهم أن (بعضكم) فاعل للفعل المحذوف، قيل: وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجليل على ذلك. {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب. والمراد من الأهل الموالي، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا: للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية» الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز، وفي «جامع الفصولين» القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي «فتح القدير» للشريك المفاوض تزويج الأمة، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد، وقال أبو يوسف: يملكون ذلك، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك ـ وهو رواية عند أحمد ـ ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر، وقال: حديث حسن عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر»تفسير : والعهر الزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة / عيب عن نفسه بخلاف النكاح، قال ابن الهمام: لا يقال: يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول: هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة. والحج، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك ـ وهو الشارع ـ زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى. ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل، وفي «الظهيرية» لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل، ومن نصف المسمى وحكم معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون {وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن، ولعل ما تقدم قرينة عليه، قيل: ونكتة اختيار (آتوهن) على آتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه. وقال الإمام مالك: الآية على ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً، وكذا إن فسر قوله تعالى. {بِٱلْمَعْرُوفِ} بما عرف شرعاً من إذن الموالي، والمعروف فيه أنه متعلق ـ بآتوهن ـ والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً ـ بأنكحوهن ـ أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ {مُحْصَنَـٰت} حال إما من مفعول {آتوهن} فهو بمعنى متزوجات، أو من مفعول {فَٱنكِحُوهُنَّ} فهو بمعنى عفائف، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه: {فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} فليس في إعادته كثير جدوى، والمشهور هنا تفسير المحصنات بالعفائف فقوله تعالى: {غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ} تأكيد له، والمراد غير مجاهرات بالزنا ـ كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} عطف على (مسافحات) و(لا) لتأكيد ما في {غَيْرِ} من معنى النفي ـ والأخدان ـ جمع خدن وهو الصاحب، والمراد به هنا من تتخذه المرأة صديقاً يزني بها والجمع للمقابلة، والمعنى ولا مسرات الزنا. وكان الزنا في الجاهلية منقسماً إلى سر وعلانية، وروي عن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما ظهر منه ويقولون: إنه لؤم ويستحلون ما خفي ويقولون: لا بأس به، ولتحريم القسمين نزل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } تفسير : [الأنعام: 151]. {فَإِذَا أُحْصِنَّ} أي بالأزواج ـ كما قال ابن عباس وجماعة ـ وقرأ إبراهيم {أحصن} بالبناء للفاعل أي أحصن فروجهن وأزواجهن، وأخرج عبد بن حميد أنه قرىء كذلك ثم قال: إحصانها إسلامها، وذهب كثير من العلماء إلى أن المراد من الاحصان على القراءة الأولى الإسلام أيضاً لا التزوج، وبعض من أراده من الآية قال: لا تحد الأمة إذا زنت ما لم تتزوج بحرّ، وروي ذلك مذهباً لابن عباس، وحكي عدم الحد قبل التزوج عن مجاهد وطاوس، وقال الزهري: هو فيها بمعنى التزوج. والحد واجب على الأمة المسلمة إذا لم تتزوج لما في «الصحيحين» عن زيد بن خالد الجهني حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: «اجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير»تفسير : فالمزوجة محدودة بالقرآن وغيرها بالسنة، ورجح هذا الحمل بأنه سبحانه شرط الإسلام بقوله جل وعلا: {مّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} فحمل ما هنا على غيره أتم فائدة وإن جاز أنه تأكيد لطول الكلام. وذكر بعض المحققين أن تفسير الإحصان بالإسلام ظاهر على قول أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه من جهة أنه لا يشترط في التزوج بالأمة أن تكون مسلمة وإن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع، وهو مشكل على قول من يقول بمفهوم الشرط من الشافعية فإنه يقتضي أن الأمة الكافرة إذا زنت لا تجلد، وليس مذهبه كذلك فإنه يقيم الحد على الكفار. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ} أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك. {فَعَلَيْهِنَّ} أي فثابت عليهن شرعاً {نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} أي الحرائر الأبكار {مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي الحد الذي هو جلد مائة، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف؛ وهذا دفع لتوهم أن الحد لهن يزيد بالإحصان، فيسقط الاستدلال به على أنهن قبل الإحصان لا حد عليهن كما روي ذلك عمن تقدم. قال الشهاب: وعلم من بيان حالهن حال العبيد بدلالة النص فلا وجه لما قيل: إنه خلاف المعهود لأن المعهود أن يدخل النساء تحت حكم الرجال بالتبعية وكأن وجهه أن دواعي الزنا فيهن أقوى وليس هذا تغليباً وذكراً بطريق التبعية حتى يتجه ما ذكر، ويرد على وجه التخصيص أنه لو كان كذلك لم يدل على حكم العبيد بل الوجه فيه أن الكلام في تزوج الإماء فهو مقتضى الحال انتهى. والظاهر أن المراد بالحال المعلوم بدلالة النص حال العبيد إذا أتوا بفاحشة لا مطلقاً، فإن حال العبيد ليس حال الإماء في مسألة النكاح من كل وجه كما بين في «كتب الفروع»، وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرىء (فإن أتوا)، و(أتين بفاحشة)، هذا والفاء في {فَإِنْ أَتَيْنَ} جواب (إذا)، والثانية: جواب (إن)، والشرط الثاني مع جوابه مترتب على وجود الأول، و {مِنَ ٱلْعَذَابِ} في موضع الحال من الضمير في الجار والمجرور والعامل فيها هو العامل في صاحبها، قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالاً من {مَا } لأنها مجرورة بالإضافة فلا يكون لها عامل. {ذٰلِكَ} أي نكاح الإماء {لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي لمن خاف الزنا بسبب غلبة الشهوة عليه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن العنت فقال: الإثم، فقال نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال: نعم أما سمعت قول الشاعر:شعر : رأيتك تبتغي (عنتي) وتسعى مع الساعي عليّ بغير دخل تفسير : وقيل: أصل العنت انكسار العظم بعد الجبر فاستعير لكل مشقة وضرر يعتري الإنسان بعد صلاح حاله، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم بارتكاب أفحش القبائح، ويفهم من كلام كثير من اللغويين أنه حقيقة في الإثم وكذا في الجهد والمشقة، ومنه ـ أكمة عَنُوت ـ أي صعبة المرتقى، وفسره الزجاج هنا بالهلاك، والذي عليه الأكثرون ما تقدم وهو مأثور أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: المراد به الحد لأنه إذا هويها يخشى أن يواقعها فيحد، ورجح القول الأول بكثرة الذاهبين إليه مع ما فيه من الإشارة إلى أن اللائق بحال المؤمن الخوف من الزنا المفضي إلى العذاب، وفي هذا إيهام بأن المحذور عنده الحد لا ما يوجبه وأياً مّا كان فهو شرط آخر لجواز تزوج الإماء عند الشافعي عليه الرحمة، ومذهب الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه ليس بشرط وإنما هو إرشاد للأصلح. {وَأَن تَصْبِرُواْ} أي وصبركم عن نكاح الإماء متعففين. {خَيْرٌ لَّكُمْ} من نكاحهن وإن رخص لكم فيه لأن حق الموالي فيهن أقوى فلا يخلصن للأزواج خلوص الحرائر إذ هم يقدرون على استخدامهن سفراً وحضراً، وعلى بيعهن للحاضر والبادي، وفي ذلك مشقة عظيمة على الأزواج لا سميا إذا ولد لهم منهن أولاد، ولأنهن ممتهنات مبتذلات خراجات ولاجات وذلك ذل ومهانة سارية للناكح، ولا يكاد يتحمل ذلك غيور، ولأن في نكاحهن تعريض الولد للرق. وقد أخرج عبد الرزاق وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إذا نكح العبد الحرة فقد أعتق نصفه وإذا نكح الحر الأمة فقد أرقه نصفه» وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «ما تزحف ناكح الأمة عن الزنا إلا قليلاً» وعن أبـي هريرة وابن جبير مثله. وأخرج ابن أبـي شيبة عن عامر قال: «نكاح الأمة كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل إلا للمضطر» وفي «مسند الديلمي والفردوس» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت» تفسير : وقال الشاعر:شعر : ومن لم تكن في بيته قهرمانة فذلك بيت لا أبا لك ضائع تفسير : وقال الآخر:شعر : إذا لم يكن في منزل المرء حرة تدبره ضاعت مصالح داره تفسير : {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} أي مبالغ في المغفرة فيغفر لمن لم يصبر عن نكاحهن، وإنما عبر بذلك تنفيراً عنه حتى كأنه ذنب {رَّحِيمٌ} أي مبالغ في الرحمة فلذلك رخص لكم ما رخص. هذا ومن باب الإشارة الاجمالية في بعض الآيات السابقة: أنه سبحانه أشار بقوله عز من قائل: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ} إلى النهي عن التصرف في السفليات التي هي الأمهات التي قد تصرف فيها الآباء العلوية {أية : إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 22] من التدبير الإلهي في ازدواج الأرواح لضرورة الكمالات، فإن الركون إلى العالم السفلي يوجب مقت الحق سبحانه، وأشار سبحانه بتحريم المحصنات من النساء أي الأمور التي تميل إليها النفوس إلى تحريم طلب السالك مقاماً ناله غيره، وليس له قابلية لنيله، ومن هنا قوبل الكليم بالصعق لما سأل الرؤية، وقال شاعر الحقيقة المحمدية:شعر : ولست مريداً أرجعن بلن ترى ولست بطور كي يحركني الصدع تفسير : / وقال سيدي ابن الفارض على لسانها:شعر : وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح ولا تجعل جوابـي لن ترى تفسير : ولقد أحسن بعض المحجوبين حيث يقول:شعر : إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع تفسير : وقال النيسابوري: المحصنات من النساء الدنيا حرمها الله تعالى على خلص عباده وأباح لهم بقوله: {إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَـٰنُكُمْ} تناول الأمور الضرورية من المأكل والمشرب {مُّحْصِنِينَ} أي حرائر من الدنيا وما فيها {غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ} في الطلب مياه الوجوه، ثم أمرهم إذا استمتعوا بشيء من ذلك بأن يؤدوا حقوقه من الشكر والطاعة والذكر مثلاً، وعلى هذا النمط ما في سائر الآيات، ولم يظهر لي في البنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت والمرضعات والأخوات من الرضاع والربائب والجمع بين الأختين ما ينشرح له الخاطر وتبتهج به الضمائر ولا شبهة لي في أن لله تعالى عباداً يعرفونه على التحقيق ولكنهم في الزوايا، وكم في الزوايا من خبايا، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل..
ابن عاشور
تفسير : عطف قوله: {ومن لم يستطع منكم طولاً} على قوله: {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم}تفسير : [النساء: 24] تخصيصاً لعمومه بغير الإماء، وتقييداً لإطلاقه باستطاعة الطَّول. والطَّول ــــ بفتح الطاء وسكون الواو ــــ القدرة، وهو مصدر طال المجازي بمعنى قدر، وذلك أنّ الطُّول يستلزم المقدرة على المناولة؛ فلذلك يقولون: تطاول لكذا، أي تمطَّى ليأخذه، ثم قالوا: تطاول، بمعنى تكلّف المقدرة «وأين الثريا من يد المتطاول» فجعلوا لطال الحقيقي مصدراً ــــ بضم الطاء ــــ وجعلوا لطال المجازي مصدراً ــــ بفتح الطاء ــــ وهو ممّا فرّقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين. {أية : والمحصنات}تفسير : [النساء: 24] قرأه الجمهور ــــ بفتح الصاد ــــ وقرأه الكسائي ــــ بكسر الصاد ــــ على اختلاف معنيي (أحصن) كما تقدّم آنفاً، أي اللاَّتي أحصنّ أنفسهنّ، أو أحصنهنّ أولياؤهن، فالمراد العفيفات. والمحصنات هنا وصف خرج مخرج الغالب، لأنّ المسلم لا يقصد إلاّ إلى نكاح امرأة عفيفة، قال تعالى: {أية : والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك}تفسير : [النور: 30] أي بحسب خلق الإسلام، وقد قيل: إنّ الإحصان يطلق على الحرية، وأنّ المراد بالمحصنات الحرائر، ولا داعي إليه، واللغة لا تساعد عليه. وظاهر الآية أنّ الطوْل هنا هو القدرة على بذل مهر لامرأة حرّة احتاج لتزوّجها: أولى، أو ثانية، أو ثالثةً، أو رابعة، لأنّ الله ذكر عدم استطاعة الطوْل في مقابلة قوله: {أية : أن تبتغوا بأموالكم}تفسير : [النساء: 24] {أية : فأتوهن أجورهن فريضة}تفسير : [النساء: 24] ولذلك كان هذا الأصحّ في تفسير الطوْل. وهو قول مالك، وقاله ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والسدّي، وجابر بن زيد. وذهب أبو حنيفة إلى أنّ من كانت له زوجة واحدة فهي طَوْل فلا يباح له تزوّج الإماء؛ لأنّه طالب شهوة إذْ كانت عنده امرأة تعفّه عن الزنا. ووقع لمالك ما يقرب من هذا في كتاب محمد بن الموّاز، وهو قول ابن حبيب، واستحسنه اللخمي والطبري، وهو تضييق لا يناسب يسر الإسلام على أنّ الحاجة إلى امرأة ثانية قد لا يكون لشهوة بل لحاجة لا تسدّها امرأة واحدة، فتعيّن الرجوع إلى طلب التزوّج، ووجودِ المقدرة. وقال ربيعة، والنخعي، وقتادة، وعطاء، والثوري، الطوْل: الصبر والجلَد على نكاح الحرائر. ووقع لمالك في كتاب محمد: أنّ الذي يجد مهر حرّة ولا يقدر على نفقتها، لا يجوز له أن يتزوّج أمة، وهذا ليس لكون النفقة من الطوْل ولكن لأنّ وجود المهر طول، والنفقة لا محيص عنها في كليهما، وقال أصبغ: يجوز لهذا أن يتزوّج أمة لأنّ نفقة الأمة على أهلها إن لم يضمَّها الزوج إليه، وظاهرٌ أنّ الخلاف في حالٍ. وقوله: {أن ينكح} معمول (طَوْلا) بحذف (اللاَّم) أو (على) إذ لا يتعدّى هذا المصدر بنفسه. ومعنى {أن ينكح المحصنات} أي ينكح النساء الحرائر أبكاراً أو ثيّبات، دلّ عليه قوله: {فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات}. وإطلاق المحصنات على النساء اللاتي يتزوجهنّ الرجال إطلاق مجازي بعلاقة المآل، أي اللائي يَصِرن محصنات بذلك النكاح إن كنّ أبكاراً، كقوله تعالى: {أية : قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً}تفسير : [يوسف: 36] أي عنباً آيلا إلى خمر؛ أو بعلاقة ما كان، إن كنّ ثيّبات كقوله: {أية : وآتوا اليتامى أموالهم}تفسير : [النساء: 2] وهذا بيِّن، وفيه غنية عن تأويل المحصنات بمعنى الحرائر، فإنّه إطلاق لا تساعد عليه اللغة، لا على الحقيقة ولا على المجاز، وقد تساهل المفسّرون في القول بذلك. وقد وُصف المحصنات هنا بالمؤمنات، جريا على الغالب، ومُعظم علماء الإسلام على أنّ هذا الوصف خرج للغالب ولعلّ الذي حملهم على ذلك أنّ استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول، إذْ لم تكن إباحة نكاحهنّ مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطاً بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل من ذلك أن يكون مشروطاً بالعجز عن الكتابيات أيضاً بقاعدة قياس المساواة. وعلّة ذلك أنّ نكاح الأمة يُعرّض الأولاد للرقّ، بخلاف نكاح الكتابية، فتعطيل مفهوم قوله: {المؤمنات} مع {المحصنات} حصل بأدلّة أخرى، فلذلك ألغَوْا الوصف هنا، وأعملوه في قوله: {من فتياتكم المؤمنات}. وشذّ بعض الشافعية، فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرّة المسلمة، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية، وكأنَّ فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أنّ الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده، فصار المؤمنات هنا كاللَّقب في نحو (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين). والفتيات جمع فتاة، وهي في الأصل الشابّة كالفتى، والمراد بها هنا الأمة أطلق عليها الفتاة كما أطلق عليها الجَارية، وعلى العبد الغلام، وهو مجاز بعلاقة اللزوم، لأنّ العبد والأمة يعاملان معاملة الصغير في الخدمة، وقلّة المبالاة. ووصف المؤمنات عقب الفتيات مقصود للتقييد عند كافّة السلف، وجمهور أيّمة الفقه، لأنّ الأصل أن يكون له مفهوم، ولا دليل يدلّ على تعطيله، فلا يجوز عندهم نكاح أمة كتابية. والحكمة في ذلك أنّ اجتماع الرقّ والكفر يُباعد المرأة عن الحرمة في اعتبار المسلم، فيقلّ الوفاق بينهما، بخلاف أحد الوصفين. ويظهر أثر ذلك في الأبناء إذ يكونون أرقّاء مع مشاهدة أحوال الدّين المخالف فيمتدّ البون بينهم وبين أبيهم. وقال أبو حنيفة: موقع وصف المؤمنات هنا كموقعه مع قوله: {المحصنات المؤمنات}، فلم يشترط في نكاح الأمة كونها مؤمنة، قال أبو عُمر بن عبد البرّ: ولا أعرف هذا القول لأحد من السلف إلاّ لعَمْرو بن شرحبيل ــــ وهو تابعيّ قديم روى عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب؛ ولأنَّ أبا حنيفة لا يرى إعمال المفهوم. وتقدّم آنفاً معنى {ملكت أيمانكم}. والإضافة في قوله: {أيمانكم} وقوله: {من فتياتكم} للتقريب وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء والترفّع عن نكاحهم وإنكاحهم، وكذلك وصف المؤمنات، وإن كنّا نراه للتقيد فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقريب، إذ الكفاءة عند مالك تعتمد الدين أوَّلاً. وقوله: {والله أعلم بإيمانكم} اعتراض جمع معاني شتّى، أنّه أمر، وقيدٌ للأمر في قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولاً} إلخ؛ وقد تَحول الشهوة والعجلة دون تحقيق شروط الله تعالى، فأحالهم على إيمانهم المطلّع عليه ربّهم. ومن تلك المعاني أنّه تعالى أمر بنكاح الإماء عند العجز عن الحرائر، وكانوا في الجاهلية لا يرضون بنكاح الأمة وجعْلَها حليلة، ولكن يقضون منهنّ شهواتهم بالبغاء، فأراد الله إكرام الإماء المؤمنات، جزاء على إيمانهنّ، وإشعاراً بأنّ وحدة الإيمان قرّبت الأحرار من العبيد، فلمَّا شَرَع ذلك كلّه ذيّله بقوله: {والله أعلم بإيمانكم}، أي بقوّته، فلمّا كان الإيمان، هو الذي رفع المؤمنين عند الله درجات كان إيمان الإماء مُقنعا للأحرار بترك الاستنكاف عن تزوجهنّ، ولأنّه رُبّ أمةٍ يكون إيمانها خيراً من إيمان رجل حرّ، وهذا كقوله {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 13]. وقد أشار إلى هذا الأخير صاحب «الكشاف»، وابن عطية. وقوله: {بعضكم من بعض} تذييل ثان أكّد به المعنى الثاني المراد من قوله: {والله أعلم بإيمانكم} فإنّه بعد أن قرّب إليهم الإماء من جانب الوحدة الدينية قرّبهنّ إليهم من جانب الوحدة النوعية، وهو أنّ الأحرار والعبيد كلّهم من بني آدم فــــ(ــــمِن) اتّصالية. وفرّع عن الأمر بنكاح الإماء بيان كيفية ذلك فقال: {فأنكحوهن بإذن أهلهن} وشرط الإذن لئلاّ يكون سرّا وزني، ولأنّ نكاحهنّ دون ذلك اعتداء على حقوق أهل الإماء. والأهْل هنا بمعنى السَّادة المالكين، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في كلام الإسلام. وأحسب أنّه من مصطلحات القرآن تلطّفا بالعبيد، كما وقع النهي أن يقول العبد لسيّده: سيّدي، بل يقول: مولاي. ووقع في حديث بريرة «أنّ أهلها أبوا إلاّ أن يكون الولاء لهم». والآية دليل على ولاية السيّد لأمته، وأنّه إذا نَكحت الأمة بدون إذن السيّد فالنكاح مفسوخ، ولو أجازه سيّدها. واختلف في العبد: فقال الشعبي: والأوزاعي، وداود: هو كالأمة. وقال مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من التابعين: إذا أجازه السيد جاز، ويُحتجّ بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة، احتجاجاً ضعيفاً، واحتجّ بها الحنفية على عكس ذلك، إذ سمّى الله ذلك إذناً ولم يسمّه عقداً، وهو احتجاج ضعيف، لأنّ الإذن يطلق على العقد لا سيما بعد أن دخلت عليه باء السببية المتعلّقة بــــ (انكحوهنّ). والقول في الأجور والمعروف تقدّم قريباً. غير أنّ قوله: {وأتوهن} وإضافة الأجور إليهنّ، دليل على أنّ الأمة أحقّ بمهرها من سيّدها. ولذلك قال مالك في كتاب الرهون، من المدونة: إنّ على سيّدها أن يجهّزها بمهرها. ووقع في كتاب النكاح الثاني منها: إنّ لسيّدها أن يأخذ مَهرها، فقيل: هو اختلاف من قول مالك، وقيل: إنّ قوله في كتاب النكاح: إذا لم تُبَوَّأ أو إذا جهّزها من عنده قبل ذلك، ومعنى تُبَوَّأ إذا جعل سكناها مع زوجها في بيت سيّدها. وقوله: {محصنات} حال من ضمير الإماء، والإحصان التزوّج الصحيح، فهي حال مقدّرة، أي ليصرن محصنات. وقوله: {غير مسافحات} صفة للحال، وكذلك {ولا متخذات أخدان} قصد منها تفظيع ما كانت ترتكبه الإماء في الجاهلية بإذن مواليهنّ لاكتساب المَال بالبغاء ونحوه، وكان الناس يومئذ قريبا عصرهم بالجاهلية. والمسافحات الزواني مع غير معيّن. ومتّخذاتُ الأخذَان هنّ متّخذات أخلاّء تتّخذ الواحدة خليلاً تختصّ به لا تألف غيره. وهذا وإن كان يشبه النكاح من جهة عدم التعدّد، إلاّ أنّه يخالفه من جهة التستّر وجهل النسب وخلع برقع المروءة، ولذلك عطفه على قوله: {غير مسافحات} سدّ المداخل الزني كلّها. وتقدّم الكلام على أنواع المعاشرة التي كان عليها أهل الجاهلية في أول هذه السورة. وقرأه الكسائي ــــ بكسر الصاد ــــ وقرأه الجمهور ــــ بفتح الصاد ــــ. وقوله: {فإذا أُحْصنّ} أي أحصنهنّ أزواجُهن، أي فإذا تزوجن. فالآية تقتضي أنّ التزوّج شرط في إقامة حدّ الزنا على الإماء، وأنّ الحدّ هو الجلد المعيّن لأنّه الذي يمكن فيه التنصيف بالعدد. واعلم أنّا إذا جرينا على ما حقّقناه ممّا تقدّم في معنى الآية الماضية تعيّن أن تكون هذه الآية نزلت بعد شرع حدّ الجلد للزانية والزاني بآية سورة النور. فتكون مخصّصة لعموم الزانية بغير الأمة، ويكون وضع هذه الآية في هذا الموضع ممّا ألحق بهذه السورة إكمالا للأحكام المتعلّقة بالإماء كما هو و اقع في نظائر عديدة، كما تقدّم في المقدّمة الثامنة من مقدّمات هذا التفسير. وهذه الآية تحيّر فيها المتأوّلون لاقتضائها أن لا تحدّ الأمة في الزنى إلاّ إذا كانت متزوّجة، فتأوّلها عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عُمَر بأنّ الإحصان هنا الإسلام، ورأوا أنّ الأمة تحدّ في الزنا سواء كانت متزوّجة أم عزبى، وإليه ذهب الأيّمة الأربعة. ولا أظنّ أنّ دليل الأيّمة الأربعة هو حمل الإحصان هنا على معنى الإسلام، بل ما ثبت في «الصحيحين» حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؛ فأوجب عليها الحدّتفسير : . قال ابن شهاب فالأمة المتزوّجة محدودة بالقرآن، والأمة غير المتزوّجة محدودة بالسنّة. ونِعْم هذا الكلام. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق: في حمل الإحصان في الآية على الإسلام بُعد؛ لأنّ ذكر إيمانهن قد تقدّم في قوله: {من فتياتكم المؤمنات} وهو تدقيق، وإن أباه ابن عطية. وقد دلّت الآية على أنّ حدّ الأمة الجلد، ولم تذكر الرجم، فإذا كان الرجم مشروعاً قبل نزولها دلّت على أنّ الأمة لا رجم عليها، وهو مذهب الجمهور، وتوقّف أبو ثور في ذلك، وإن كان الرجم قد شرع بعد ذلك فلا تدلّ الآية على نفي رجم الأمة، غير أنّ قصد التنصيف في حدّها يدلّ على أنّها لا يبلغ بها حدّ الحرّة، فالرجم ينتفي لأنّه لا يقبل التجزئة، وهو ما ذَهِل عنه أبو ثور. وقد روي عن عمر بن الخطاب: أنّه سئل عن حدّ الأمة فقال: «الأمة ألقت فَروة رأسها من وراء الدار» أي ألقت في بيت أهلها قناعها، أي أنّها تخرج إلى كلّ موضع يرسلها أهلها إليه لا تقدر على الامتناع من ذلك، فتصير إلى حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، قالوا: فكان يرى أن لا حدّ عليها إذا فجرت ما لم تتزوّج، وكأنّه رأى أنّها إذا تزوّجت فقد منعها زوجها. وقولُه هذا وإن كان غير المشهور عنه، ولكنّنا ذكرناه لأنّ فيه للمتبصّر بتصريف الشريعة عبرة في تغليظ العقوبة بمقدار قوّة الخيانة وضعف المعذرة. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: {أحصن} ــــ بضمّ الهمزة وكسر الصاد ــــ مبنيّا للنائب، وهو بمعنى مُحْصَنات ــــ المفتوح الصاد. وقرأه حمزة، والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وخلَف: بفتح الهمزة وفتح الصاد، وهو معنى محصِنات ــــ بكسر الصاد ــــ. وقوله: {ذلك لمن خشى العنت منكم} إشارة إلى الحكم الصالح لأن يتقيّد بخشية العنت، وذلك الحكم هو نكاح الإماء. والعنت: المشقّة، قال تعالى: {أية : ولو شاء الله لأعنتكم}تفسير : [البقرة: 220] وأريد به هنا مشقّة العُزبة التي تكون ذريعة إلى الزنا، فلذلك قال بعضهم: أريد العَنت الزنا. وقوله: {وأن تصبروا خير لكم} أي إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجه. وقوله: {والله غفور رحيم} أي إن خفتم العَنت ولم تصبروا عليه، وتزوّجتم الإماء، وعليه فهو مؤكّد لمعنى الإباحة. مؤذن بأنّ إباحة ذلك لأجل رفع الحرج، لأنّ الله رحيم بعباده. غفور فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عمّا ما يقتضي مقصدُ الشريعة تحريمَه، فليس هنا ذنب حتّى يغفر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ}. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها، ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله: {مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى وهي قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [المائدة: 5] فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات، وخالف الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - فأجاز نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن عنده طول ينكح به الحرائر. لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله - رحمه الله. أما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين، فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على إباحة وطئها بالملك، لعموم قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} تفسير : [المؤمنون: 6] الآية. ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم. وأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه فهو شذوذ لا بعد خلافاً، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس. قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر من جهة الدليل والله تعالى أعلم، جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية. لأن أكثر السبايا في عصره صلى الله عليه وسلم من كفار العرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن ولو كان حراماً لبينه، بل قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" تفسير : ولم يقل حتى يسلمن ولو كان ذلك شرطاً لقاله وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهن مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد ما نصه: ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكنّ كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام ويخفى عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعاً، فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاوس وغيره، وقواه صاحب المغني فيه ورجح أدلته، وبالله التوفيق. اهـ. كلام ابن القيم - رحمه الله - بلفظه وهو واضح جداً. قوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ}. لم يبين هنا هذا العذاب الذي على المحصنات - وهن الحرائر - الذي نصفه على الإماء، ولكنه بين في موضع آخر أنه جلد مائة بقوله: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} تفسير : [النور: 2] فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة ويلحق بها العبد الزاني فيجلد خمسين، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25] وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص. لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد فأجرى في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد، وهذه الآية عند الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص بالقياس، بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى قياساً، والخلاف في كونه قياساً معروف في الأصول. أما الرجم فمعلوم أنه لا يتشطر، فلم يدخل في المراد بالآية. تنبيه: قد علمت مما تقدم أن التحقيق في معنى أحصن أن المراد به تزوجن، وذلك هو معناه على كلتا القراءتين قراءته بالبناء للفاعل والمفعول، خلافاً لما اختاره ابن جرير من أن معنى قراءة {أَحصَنَّ} بفتح الهمزة والصاد مبنياً للفاعل أسلمن، وأن معنى {أُحْصِنَّ} بضم الهمزة وكسر الصاد مبنياً للمفعول زوجين، وعليه فيفهم من مفهوم الشرط في قوله: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} الآية. أن الأمة التي لم تتزوج لا حد عليها إذا زنت. لأنه تعالى علق حدها في الآية بالإحصان، وتمسك بمفهوم هذه الآية ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي في رواية فقالوا: لا حد على مملوكة حتى تتزوج، والجواب عن هذا والله أعلم أن مفهوم هذه الآية فيه إجمال وقد بينته السنة الصحيحة، وإيضاحه أن تعليق جلد الخمسين المذكور في الآية على إحصان الأمة، يفهم منه أن الأمة التي لم تحصن ليست كذلك فقط، فيحتمل أنها لا تجلد ويحتمل أنها تجلد أكثر من ذلك أو اقل أو ترجم إلى غير ذلك من المحتملات، ولكن السنة الصحيحة دلت على أن غير المحصنة من الإماء كذلك، لا فرق بينها وبين المحصنة، والحكمة في التعبير بخصوص المحصنة دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: سئل النَّبي عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: "حديث : إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير"تفسير : . قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة. وحمل الجلد في الحديث على التأديب غير ظاهر، لا سيما وفي بعض الروايات التصريح بالحد، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه، والظاهر أن السائل ما ساله إلا لأنه أشكل عليه مفهوم هذه الآية فالحديث نص في محل النزاع، ولو كان جلد غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم أن الأقوال المخالفة لهذا لا يعول عليها، كقول ابن عباس ومن وافقه المتقدم آنفاً، وكالقول بأن غير المحصنة تجلد مائة، وهو المشهور عن داود بن علي الظاهري، ولا يخفى بعده وكالقول بأن الأمة المحصنة ترجم وغير المحصنة تجلد خمسين، وهو قول أبي ثور، ولا يخفى شدة بعده ولعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {ومَنْ لم يستطع منكم طولاً} أَيْ: قدرةً وغنىً {أن ينكح المحصنات} الحرائر {المؤمنات فمن مّا ملكت أيمانكم} أَيْ: فليتزوَّج ممَّا ملكت أيمانكم. يعني: جارية غيره {من فتياتكم} أَيْ: مملوكاتكم {المؤمنات والله أعلم بإيمانكم} أَي: اعملوا على الظَّاهر في الإِيمان؛ فإنَّكم مُتعبَّدون بما ظهر، والله يتولَّى السَّرائر {بعضكم من بعض} أَيْ: دينكم واحدٌ، فأنتم متساوون من هذه الجهة، فمتى وقع لأحدكم الضَّرورة جاز له تزوُّج الأَمَة {فانكحوهنَّ بإذن أهلهن} أَي: اخطبوهنَّ إلى ساداتهنَّ {وآتوهنَّ أجورهنَّ} مهورهنَّ {بالمعروف} من غير مطلٍ وضرارٍ {محصنات} عفائفَ {غير مسافحات} غير زوانٍ علانيةً {ولا متخذات أخذان} زوانٍ سرَّاً {فإذا أُحصن} تزوَّجن {فإن أتين بفاحشة} بزنا {فعليهنَّ نصف ما على المحصنات} الأبكار الحرائر {من العذاب} أَي: الحدِّ. {ذٰلك} أَيْ: ذلك النِّكاح نكاح الأَمَة {لمن خشي العنت منكم} أَيْ: خاف أن تحمله شدَّة الغِلمة على الزِّنا، فيلقى العنت، أَي: الحدَّ في الدُّنيا، والعذاب في الآخرة. أَباحَ الله نكاح الأمَة بشرطين: أحدهما: عدم الطَّول، الثاني: خوف العَنَت. ثمَّ قال: {وأن تصبروا} أَيْ: عن نكاح الإِماء {خيرٌ لكم} لئلا يصير الولد عبداً. {يريدُ الله ليبيِّن لكم} شرائع دينكم، ومصالح أمركم {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام، وهو دين الحنيفيَّة {ويتوب عليكم} يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته. {واللَّهُ يريد أن يتوب عليكم} أَيْ: يُخرجكم من كلِّ ما يكره إلى ما يحبُّ ويرضى، {ويريد الذين يتبعون الشهوات} وهم الزُّناة وأهل الباطل في دينهم {أن تميلوا} عن الحقِّ وقصد السِّبيل بالمعصية {ميلاً عظيماً} فتكونوا مثلَهم. {يريد الله أن يخفف عنكم} في كلِّ أحكام الشَّرع {وخلق الإِنسان ضعيفاً} يضعف من الصَّبر عن النِّساء. {يا أَيُّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وهو كلُّ ما لا يحلُّ في الشَّرع، كالرِّبا، والغصب،والقمار، والسَّرقة، والخيانة {إلاَّ أن تكون تجارةً} لكن إن كانت تجارة {عن تراضٍ منكم} برضى البَيِّعْين فهو حلال {ولا تقتلوا أنفسكم} لا يقتل بعضكم بعضاً. {ومَنْ يفعل ذلك} أَيْ: أكل المال بالباطل وقتل النَّفس {عدواناً} وهو أن يعدوَ ما أُمر به {وظُلماً فسوف نصليه} أَيْ: نُدخله ناراً {وكان ذلك على الله يسيراً} أَيْ: هو قادر على ذلك، ولا يتعذَّر عليه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 25- ومن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات فله أن يتجاوزهن إلى ما يستطيع من المملوكات المؤمنات، والله أعلم بحقيقة إيمانكم وإخلاصكم، ولا تستنكفوا من نكاحهن، فأنتم وهن سواء فى الدين، فتزوجوهن بإذن أصحابهن وأدوا إليهن مهورهن التى تفرضونها لهن حسب المعهود بينكم فى حسن التعامل وتوفية الحق، واختاروهن عفيفات، فلا تختاروا زانية معلنة ولا خليلة، فإن أتين الزنا بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة. وإباحة نكاح المملوكات عند عدم القدرة جائز لمن خاف منكم المشقة المفضية إلى الزنا وصبركم عن نكاح المملوكات مع العفة خير لكم، والله كثير المغفرة، عظيم الرحمة. 26- يريد الله أن يوضح لكم أصلح السبل، ويدلكم على سنن الأنبياء والصالحين فى الحلال والحرام، ويتوب عليكم بالرجوع بكم إلى طريق طاعته، والله مُطَّلِع على شئونكم، مدبر فى أحكامه لما يصلح أمركم. 27- والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته، ويريد الذين يتَّبعون ملاذهم ورغباتهم الفاجرة من الكفار والعصاة أن تبعدوا عن طريق الحق بعداً شديداً. 28- يريد الله أن يُيَسِّر عليكم بتشريع ما فيه سهولة لكم، وتخفيف عليكم، وقد خلق الله الإنسان ضعيفاً أمام غرائزه وميوله، فيناسبه من التكاليف ما فيه يسر وسعة. وذلك هو ما يكلف الله عباده فضلاً وتيسيراً.
القطان
تفسير : الطول: الغنى والفضل من مال او قدرة على تحصيل الرغائب. المحصنات: الحرائر. الفتيات: الإماء. مسافحات: مستأجَرات للبغاء، وكان ذلك فاشيا في الجاهلية., الأخدان: واحدُها خِدْن، وهو الصاحب تتخذه المرأة سراً كما كان في الجاهلية. العنت: المشقة. ومن لم يستطع منكم نكاح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته المادية على ذلك ـ فَلَهُ ان يتزوج أَمَة من الإماء المؤمنات. والله أعلم بحقيقة إيمانكم فلا تستنكفوا من نكاحهن. فأنتم وهنّ سواء في الدين بعضكم من بعض. فإذا رغبتم في نكاحهن فتزوجوهن بإذن أصحابهن، وأدّوا لهن مهورهن التي تفرضونها لهن، حسب المعروف بينكم في توفية الحق ومهر المثل. واختاروهن عفيفات وزوجات لكم، لا مستأجَرات للبغاء جهراً، ولا متخذاتٍ العشّاق والاصحاب سراً. فإذا اقترفن الزنا بعد زواجهن فعقوبتهن نصف عقوبة الحرة. {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ...} وما اباحة نكاح الاماء عند العجز عن الحرائر لمن خشي الضرر على نفسه ـ إلا تسهيل من الله لكم ورفعٌ للحرج. هذا، وصبرُكم على نكاح المملوكات مع العفة خير لكم، والله كثير المغفرة عظيم الرحمة. قراءات: قرأ ابو بكر وحمزة "فاذا احصنّ" بفتح الهمزة والصاد، والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُحْصَنَاتِ} {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {أَيْمَانُكُم} {فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {بِإِيمَانِكُمْ} {وَآتُوهُنَّ} {مُحْصَنَاتٍ} {مُسَافِحَاتٍ} {مُتَّخِذَاتِ} {بِفَاحِشَةٍ} {ٱلْمُحْصَنَاتِ} (25) - وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ نَاحِيَةِ المَالِ، وَالقُدْرَةِ عَلى الإِنْفَاقِ أنْ يَتَزَوَّجَ الحَرَائِرَ العَفِيفَاتِ المُؤْمِناتِ (المُحْصَنَاتِ بِالحُرِّيَّةِ) فَإِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ الإِماء المُؤْمِنَاتِ، اللاتي يَمْلِكُهُنَّ المُؤْمِنُونَ، فَأنْتُم أيُّها المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فِي الإِيْمَانِ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَعدُّوا نِكَاحَ الإِمَاءِ، عِنْدَ الحَاجَةِ إليه، عَاراً. وَفِي هَذا إِشَارَةٌ إلى أنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَ شَأنَ الفَتَيَاتِ المُؤْمِنَاتِ، وَسَاوَى بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الحَرَائِرِ، وَهُوَ العَلِيمُ بِحَقِيقَةِ الإِيْمَانِ، وَدَرَجَةِ قُوَّتِهِ وَكَمَالِهِ (وَاللهُ أَعْلَمُ بِإيمانِكُمْ)، عَلى أنْ يَتِمَّ الزَّوَاجُ بِإِذْنِ سَيِّدِ الأمَةِ، لأنَّهُ وَلِيُّها، وَلاَ تُزَوَّجُ إلاَّ بِإِذْنِهِ، وَعَلى أنْ يَدْفَعَ الزَّوْجُ إليها مَهْراً بِالمَعْرُوفِ، عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَعَلَيهِ أنْ لاَ يُنْقِصَ مِنْهُ شَيْئاً، اسْتِهَانَةً بِهَا، لِكَوْنِهِا أمَةً مَمْلُوكَةً، عَلى أنْ يَحْصِنَهُنَّ الزَّوَاجُ عَنِ الزِّنَى فَلاَ يَتَعاطَيْنَهُ (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ)، وَعَنِ اتِّخَاذِ أَخْدَانٍ وَأَخِلاَّء (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ). فَإذا أُحْصِنَتِ الإِمَاءُ بِالزَّوَاجِ، ثُمَّ أتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ، كَأنْ مَارَسْنَ الزِّنى، أوِ اتَّخَذْنَ خَليلاً، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ الحَرَائِرِ مِنَ العُقُوبَةِ، (لأنَّ الأمةَ ضَعِيفةٌ عَنْ مُقَاوَمَةِ الإِغْرَاءِ) وَالأئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ لاَ رَجْمَ عَلَى مَمْلُوكٍ فِي الزِّنَى. وَقَدْ أبيحَ الزَّوَاجُ بالشُّرُوطِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الإِمَاءِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الوُقُوعَ في الزِّنَى (خَشِيَ العَنَتَ)، وَشَقَّ عَلَيهِ الصَّبْرُ. أمَّا إذا اسْتَطَاعَ الكَفَّ عَنِ التَّزَوُّجِ بالإِمَاءِ، وَالصَّبْرَ عَنِ الزِّنَى فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، لأنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ الأمَةَ وَجَاءَهُ أَوْلاَدٌ مِنْها كَانُوا أَرِقَّاءَ لِسَيِّدِهَا. وَاللهُ غَفُورٌ لِمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ الهَفَوَاتُ، كَاحْتِقَارِ الإِمَاءِ المُؤْمِنَاتِ، وَالطَّعْنِ فِيهِنَّ أثْنَاءَ الحَدِيثِ، وَعَدَمَ الصَّبْرِ عَلَى مُعَاشَرَتِهِنَّ بِالمَوَدَّةِ، وَهُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ إذْ بَيَّنَ لَهُمْ أَحْكَامَ شَرْعِهِ. الطَوْلُ - القُدْرَةُ عَلى تَحْصِيلِ الرَّغَائِبِ. الفَتَيَاتُ - يُقْصَدُ بِهِنَّ هُنا الإِمَاءُ. الأَخْدَانُ - الأصْحَابُ، وَيُرَادُ بِهِمْ هُنَا العُشَّاقُ الذِينَ يَزْنُونَ بِهِنّ سِراً. العَذَابِ - العُقُوبَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصى ولا يتأبى علي، وافرض أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي، ومثال ذلك: ابنا آدم، حين قدم كل منهما قرباناً لله فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال: {أية : لأَقْتُلَنَّكَ ..} تفسير : [المائدة: 27]. فماذا كان ردُّ الذي تلقى التهديد؟ قال: {أية : لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 28-30]. ما معنى: {أية : فَطَوَّعَتْ ..} تفسير : [المائدة: 30]؟ طوعت يعني: جعلته في استطاعته، وعندما نمعن النظر في {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ ..} تفسير : [المائدة: 30] نجد أن "الهاء" تشير إليه هو، وذلك يدل على أن الإنسان فيه ملكات متعددة؛ ملكة تقول: اقتله، وملكة أخرى تقول له: لا تقتله. ضميره يقول له: لا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء تقول له: اقتل، ويكون هو متردداً بين الأمرين. وقوله الحق: {أية : فَطَوَّعَتْ لَهُ ..} تفسير : [المائدة: 30] دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس الأمارة بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم، ويأتي هذا الندم على لسانه: {أية : يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} تفسير : [المائدة: 31]. أنت الذي قتلته، لكنك أصبحت من النادمين. لماذا؟ لأن ملكات الخير دائماً تُصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر. والإنسان قد يبدأ شريراً، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة، فهو ينزل من هذا الشر العالي ويخففه، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلاً ثم يصعده، فيقول في نفسه: فلان فعل فِيَّ كذا وأريد أن أصفعه صفعة، وبعد ذلك قد يرفع من شره فيقول: "أو أضربه ضربة". لكن إذا ما كان الإنسان خيِّراً، فيقول: "فلان كاد لي، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه" إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير. كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين قالوا: {أية : إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ * قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} تفسير : [يوسف: 8-10]. إنهم أسباط، وأولاد النبي يعقوب، فيقللون من الشر، يخففونه مباشرة قائلين: {أية : أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً ..} تفسير : [يوسف: 9] يعني يلقونه في أرض بعيدة، إذن فخففوا القتل في نفس واحد، كيف تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضاً؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا يأكله سبع أو يتوه، فقالوا: {أية : وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ ..} تفسير : [يوسف: 10]. إذن فقوله: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ ..} [النساء: 25] أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه، وهذا هو المقصود بالطول، "فطالته يده" يعني صار في استطاعته، وفلان تطول عليّ، أي تفضل عليّ بشيء، "وفلان تطاول عليّ" أي ما كان يصح أن يجترىء عليّ، وكلها من الطول، و "طولا": تعني قدرة تطول به الزواج بمن تحب أي أنت لا تملك مالا ولا تستطيع الطول، فهناك مرحلة أخرى، لا داعي للحرة لأن مهرها غالٍ غالباً؛ فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة، وليس لها عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر، فقال: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [النساء: 25]. والذي نلمحه في الآية, أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها؛ لأن مالكها لا يحتاج ذلك، إنه يستمتع بها ويتغشاها؛ لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير. إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ذلك بإذن مولاها؛ لأنها بالزواج تقتطع جزءاً من وقتها وخدمتها لمَنْ يملك رقبتها، فلا بد أن يُستَأذَن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزواج في بعض خدماته مما هو معلوم لأوليائهن، وأمر أيضاً سبحانه ألا نستهين بأنها مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها. بل يجب أن يُؤدَى لهؤلاء مهورهن بما يعرف، أي بالمتعارف عليه؛ لأن ذلك عوض البضع، فإذا كان الحق قد أمر بأن نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن، هنا بعض الإشكال لأَنَّ المملوكة لا تملك؛ لأن العبد وما ملكت يداه لسيده. نقول له: نعم، ولكن إذا قلت: العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكاً أولاً ثم يكون ما تملكه لسيدها، أما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم يتحقق لها مهر، فقولك: العبد وما ملكت يداه، أي أعطها فترة وفرصة لتكون مالكة بأن تُعطي الأجر تكريماً لها، أما كون ما لها لسيدها فهذا موضوع آخر. وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت طوْلاً لا تنكح الإماء؟ لا. وهل هذا يقلل من شأن الإماء؟ لا. لماذا؟ انظر للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب. الله يريد أن يصفي مسألة الرق، فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق. فالأولاد في الدين تتبع خير الأبوين، وفي الحرية والرق يتبع الأولاد الأم، فإذا ما تزوج إنسان أَمَةً مملوكة لغيره فأولادها الذين سيأتون يكونون عبيداً. وحين يتركها لسيدها ويتزوج غيرها من الحرائر، فمَنْ تلده من سيدها يكون حراً، إذن فسبحانه يريد أن يصفي الرق، هذه واحدة، الشيء الآخر أن الزواج: التقاء الذكر بالأنثى ليكونا نواة أسرة، فإذا ما كان الزوج والزوجة أكفاء. فالزوج لا يجد في نفسه تعالياً على الزوجة، والزوجة لا تجد في نفسها تعالياً على الزوج؛ لأن كل واحد منهما كفء للآخر، وهذه تضمن اتزان الحياة واتزان التعامل، لكن حين يتزوج واحد أمةً ليس لها أهل فقد يستضعفها وقد يستعلي عليها. وقد يذلها. وقد يعيرها، وحين يكون لها أولاد قد يقولون لهم: ليس لكم خال مثلاً. والمشرع يريد أن يبني حياة أسرية متزنة، ولذلك اشترط الكفاءة، وقال: {أية : وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ ..} تفسير : [النور: 26]. وبعض من الناس تفهم عندما ترى طيبة فلا بد أن يتزوجها رجل طيب، نقول لهم: إن هذا تشريع والتشريع تكليف وعرضة أن يطاع وعرضة أن يعصى، فسبحانه حين يشرع أن الطيبات يكن للطيبين والخبيثات للخبيثين، فإن طبقتم التشريع تكون المسائل مستقيمة، وهذا يحمل الرد على مَنْ يقولون: ما دام ربنا يقول: {أية : وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ ..} تفسير : [النور: 26] فكيف يتزوج فلان بفلانه وأحدهما طيب والآخر خبيث؟ ونقول: إن هذا الحكم ليس في قضية كونية حادثة، بل هو قضية تشريعية تقتضي منا أن نتبعه وأن نجعل الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات ليتحقق التوازن. فإن كان خبيثاً وقال لها: أنت كذا وكذا تقول له: أنت كذا وكذا. فلا يقول هذه كي لا تقول له مثلها، أما الإنسان الطيب فهو يلين جانبه مرة وهي طيبة وتلين جانبها مرة. {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [النساء: 25] كلمة {ٱلْمُحْصَنَاتِ ..} [النساء: 25] تعني هنا الحرائر؛ لأنها لو كانت متزوجة فلن تكون محل تزويج لآخر. {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ..} [النساء: 25] وكلمة "فتى" نطلقها في الحر على من له فتوة وشباب، ونطلق كلمة فتاة على أي أَمَة ولو كانت عجوزاً، وعلمنا رسول الله ألا نقول: هذا عبدي وهذه أمتي. وإنما نقول: "فتاي" و "فتاتي". {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ..} [النساء: 25] ويتساءل البعض: وهل يتزوج الإنسان ممن يملكها؟ نقول له: لا. إنها حلال له فهي مملوكة له ملك يمين ويستطيع أن يكون له منها ولد، إذن فتكون ما ملكت أيمان غيركم، لأن الله يخاطب المؤمنين على أنهم وحدة بنيانية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ". تفسير : ويقول الحق: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [الحجرات: 11]. ويقول في موضع آخر: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [النور: 61]. فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على مَنْ دخل عليهم؟ إن الحق يريد بالتشريع أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضاً: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ..} تفسير : [النساء: 29]. أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب أن تجعلنا متكاتفين في وحدة. {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ..} [النساء: 25]. وقد تقول: إن إيمان ملك اليمين ضعيف وتجعلها علة. يقول لك الحق: لا {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ..} [النساء: 25] ولعل أمة خير في الإيمان منك؛ لأن هذه مسألة دخائل قلوب، وأنت يكفيك أن تعلم الظاهر. والحق سبحانه وتعالى حين يعالج الأمر يعالجه معالجة رب يعلم واقع ما خلق ويعطي كل مطلوبات المخلوق، هو أولاً أوضح: أنتم إن كنتم لا تستطيعون طولاً أن تنكحوا المحصنات فانكحوا الإماء، وهذا من أجل مزيد من تصفية الرق. بعد ذلك يقول: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ..} [النساء: 25] فإن كنت ستتزوج يجب أن تجعل نصب عينيك أمراً هو: أن {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ ..} [النساء: 25]. أي أنكم جميعاً من آدم. وما دمت قد آمنت، فالإيمان سوَّى بينكما، فإذا ذهبت لتتزوج فلا بد أن تضع هذا نصب عينيك، إنه سبحانه يعالج واقعاً. ويقول بعد ذلك: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ..} [النساء: 25]. وهذا إشعار بأن مَنْ تحت يده فتاة بملك يمينه فعليه أن يعاملها معاملة الأهل ليعوّضها عما فقدته عند أهلها هناك، ولتشعر أنها في حضانة الإسلام مثلما كانت في حضانة أهلها وآبائها أو أكثر. إذن فالذي يملك لابد أن يجعل نفسه من الأهل، وبذلك يزيد الحق سبحانه وتعالى من أبواب تصفية الرق، وأوضح: فإن لم يُدخل واحد منكم مَنْ يملكه في هذه المصافي فسوف يبقيه رقيقاً، وإذن فعليه أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن كلفه ما لا يطيق فيدك بيده. وعندما يوجد معك إنسان تلبسه من لبسك وتطعمه من أكلك، وعندما يعمل عملاً يصعب عليه فأنت تساعده، فأي معاملة هذه؟ إنها معاملة أهل. انظر كم مسألة يعالجها الحق: يعالج طالب الزواج ويعالج المملوكة، ويعالج السادة، إنه تشريع ربّ الجميع. فلا يشرع لواحد على حساب آخر. وما دامت ملك يمين ولها سيّد فهذا السيد له مصالح لابد أن تستأذنه، فقد لا يستطيع أن يستغني عنها لأنها تخدمه، فقال: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ..} [النساء: 25]، لكن في المهور قال: {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} [النساء: 25] فالأمة تنكح بإذن من يملكها كي يعرف أن هناك من دخل شريكاً له في العملية ويأخذ البضع وهو الزوج، وحين يُستأذن السيد ويزوّجها فهو يعلم أنها لم تعد له، وبذلك لن يأخذها أحد من خلف ظهره، وهو بالاستئذان والتزويج يرتب نفسه على أن البضع قد أغلق بالنسبة له، وبقيت له ملكية الرقبة. أما ملك البضع فهو للزوج. {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ..} [النساء: 25] فإياكم أن تقولوا: هذه مملوكة يمين وأي شيء يرضيها ويكفيها، لا. فلها مهر بالمعروف أي بالمتعارف الذي يعطيها ميزان الكرامة في البيئة، {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ..} [النساء: 25] وقلنا: إن المحصنة هي العفيفة، {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ..} [النساء: 25] والمسافحَة؛ هي مَنْ تمارس وتزاول عملية الزنَى، ويسمونها: امرأة عامة، ومتخذات أخدان: أي يتخذن عشّاقاً وأخدانا. {فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} [النساء: 25] أي إذا تزوجت الإماء وجاءت الواحدة منهن بفاحشة فلها عقاب. أما إن لم تحصن فليس عليهن حاكم ويقوم سيدها بتعزيرها وتأديبها؛ لأن الأمة عادة مبتذلة، لكن عندما تتزوج تصير محصنة، فإن أتت بفاحشة نقول لها: أنت لك عقابك الخصوصي، لن نعاقبك عقاب الحرّة، لأن الحرة يصعب عليها الزنَى، لكن الأمة قد لا يصعب عليها أن يحدث منها ذلك، فليس لها أب ولا أخ ولا أسرة، فقال: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} [النساء: 25]، أي نصف ما على الحرائر من العذاب. لكن الخوارج أخذوا الكلمة في معنى من معانيها ليخدم قضية عندهم وقالوا: إن "المحصنات" هن المتزوجات، هم يريدون أن يأخذوها بمعنى المتزوجات كي يقولوا: ما دامت الأمة عليها نصف ما على المتزوجة، إذن فالمتزوجة ليس عليها رجم؛ لأن الرجم لا ينصف، والخوارج أخذوا هذه وقالوا: إن القرآن لا يوجد فيه رجم واكتفوا بجلد الزانية مائة جلدة. ونقول لهم: أنتم أخذتم المحصنة على معنى أنها المتزوجة، ونسيتم {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ..} [النساء: 25]، فالمحصنات هن الحرائر، فلماذا أخذتم المحصنات هناك بمعنى الحرائر والمحصنات هنا بمعنى المتزوجات؟! إن عليكم أن تأخذوها بمعنى الحرائر ولا حجة لكم في مثل هذا الباطل. وبذلك تسقط الحجة، فالدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ثم نبحث بحثاً آخر، نقول: يقول الحق: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ ..} [النساء: 25] لو أن الحكم على إطلاقه لما قال الحق: {مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} [النساء: 25]، فكأن الذي عليها فيه النصف هو العذاب، وما هو العذاب؟ العذاب هو إيلام مَنْ يتألم، والرجم ليس فيه عذاب لأنه عملية إنهاء حياة، والآية تبين المناصفة فيما يكون عذاباً، أما ما لا يكون عذاباً فهو لا ينصّف والحكم غير متعلق به. فالعذاب إنما يأتي لمَنْ يتألم، والألم فرع الحياة. والرجم مزيل للحياة، إذن فالرجم لا يعتبر من العذاب، والدليل على أن العذاب مقابل للموت أن الحق سبحانه وتعالى حينما حكى عن سيدنا سليمان وتفقده الطير قال: {أية : مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..} تفسير : [النمل: 20-21]. فالذبح وإزهاق الحياة مقابل للعذاب، فقوله: {نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ ..} فالمتكلم فيه الآن العذاب وليس الرجم، وليس إزهاق الحياة وبهذا يسقط الاستدلال. والذين يقولون: إن آيات القرآن لا تدل على رجم نقول لهم: ومَنْ الذي قال لكم إن القرآن جامع لكل أحكام منهج الله في الإسلام وأنه فصل كل شيء؟. القرآن لم يجيء كتاب منهج فقط، وإنما جاء معجزة وكتاب منهج للأصول، ثم ترك للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس ما نزل إليهم فضلاً على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنص القرآن عنده تفويض من الله أن يشرع، وتلك ميزة تميّز بها صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين فالله قد أعطاه الحق في أن يشرع، بدليل أنه سبحانه قال في صلب القرآن الذي يشتمل على أصول منهج الإسلام: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. إذن فللرسول عمل مع القرآن، وإلا فليقل لي مَنْ يدّعي أنّ في القرآن كل حكم من أحكام دين الله، من أين أخذ تفصيل حكم الصلوات الخمس؟ ومن أي آية أخذ أن الصبح ركعتان؟ وأخذ الظهر أربعاً وأخذ العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً، من أين أخذها؟! إذن لا يوجد شيء من ذلك، فما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن القرآن جاء كتاب معجزة وفيه منهج يتعلق بالأصول. وما دام المنهج الذي تعلق بأصول الأشياء قد أعطى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرع، إذن فتشريعه مأمور به ومأذون فيه من صلب القرآن. ولذلك إذا جاء لك حكم من الأحكام وقال لك المتعنت: هات لي هذا الحكم من القرآن، ونظرت في كتاب الله فلم تجد، فقل له: دليل الحكم في القرآن هو قول الله: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]، وأي حكم من الأحكام يأتي ولا تجد له سنداً من كتاب الله ويقال لك: ما سنده؟ قال: {وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} [الحشر: 7]. والمنهج أوامر ونواهٍ. إذن فالطاعة أن تمتثل أمراً وتجتنب نهياً، تلك هي الطاعة، كل منهج أو دين أمر ونهي، فامتثل الأمر واجتنب النهي. وأنت إذا تصفحت القرآن وجدت آيات الطاعة المطلوبة من المؤمن بمنهج الله والذي شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله تتمثل في الأمر والنهي. فإذا ما استقرأت القرآن وجدت - كما قلنا سابقاً - أن الحق سبحانه وتعالى يقول مرة في الطاعة: {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 32]. ولم يكرر الحق هنا أمر الطاعة، فالمطاع هو المكرر، فـ "أطيعوا" أمر واحد، نطيع مَنْ؟. الله والرسول، المطاع هنا هو الله والرسول، ومرة يكرر أمر الطاعة فيقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [المائدة: 92]. ومرة ثالثة يقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} تفسير : [النور: 56]. ومرة رابعة يقول: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 59]. وأدخل هنا أولي الأمر أيضاً، إذن فمرة يأمر بالطاعة ويكرر المطاع فقط، أي: يوحد أمر الطاعة، ويكرر المطاع {أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 32] فوحد أمر الطاعة وكررالمطاع، ومرة يكرر أمر الطاعة، ويكرر معها المطاع: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 92]، ومرة يقول: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُول ..} تفسير : [النور: 56] فإذا قال لك: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [آل عمران: 32] فالأمر قد توارد فيه حكم الله وحكم الرسول. إذن فتطيع فيه الله والرسول، وإذا كان الله أمر إجماليٌّ وللرسول أمر تفصيليٌّ كالصلاة والزكاة والحج، إذن فتطيع الله وتطيع الرسول. وإذا لم يكن لله أمر فيه بل جاء من باطن التفويض في قوله سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]، فهذا الأمر أطيع فيه الرسول، لأنه جاء في آية أخرى قوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ..} تفسير : [النساء: 80]، لماذا؟ لأن الرسول عمل بالتفويض الذي أعطاه الله له حسب قول الحق: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. وبقيت طاعة أولي الأمر التي جاءت في قوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 59] أي أطيعوا أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، فلم يفرد ولي الأمر بطاعة وإنما جعل طاعته من: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ..} تفسير : [النساء: 59]، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل قال: وأولي الأمر، أي من باطن طاعة الله والرسول، إنها دقة الأداء في القرآن. تأمل ما يقوله الحق سبحانه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ..} تفسير : [الحشر: 7]. لقد قلنا: إن الطاعة امتثال أمر واجتناب نهي، والموجود هنا "آتاكم" و "نهاكم"؛ فـ "آتى" هذه جاءت بدل وما أمركم والنهي موجود بلفظة "وما نهاكم عنه" الأمر هو "آتاكم"، ولماذا لم يقل: وما أمركم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟ ولماذا لم يختصر فيقول: وما آتاكم الرسول فخذوه؟! لأن الإتيان من الرسول إما أن يكون قولاً وإما أن يكون فعلاً، ولكن أيكون المنهيّ عنه فعلاً يفعله الرسول؟! لا يمكن. إذن فالنهي لا يتأتى إلا نهياً ومنعاً من الفعل، لكن الإيتاء يكون قولاً أو فعلاً؛ لأنه عندما يقول لك: لا تشرب الخمر، فماذا كان يفعل النبي كي نأخذه من الفعل؟ إن الرسول قطعاً لم يشرب الخمر. إذن فقول الرسول وفعله يتأتى في المأمور به، وأما في المنهي عنه فلا يتأتى إلا قولاً. بالله أمِنَ الممكن أن يأتي بهذا عقل بشري؟ لا يمكن، ولا يقولها إلا الله. ثم نبحث بحثاً آخر يا خوارج. إن الرسول إنما جاء ليبلغ عن الله - ومراد التبليغ أن يعلمنا بالحكم، لنؤدي مدلوله، فإذا جاء حكم قولاً بالنص، فالذي يشرحه لنا هو ما يفعله الرسول، وحين يفعله الرسول أيوجد مجال للكلام في هذا النص؟ لا يوجد، بل تكون المسألة منتهية. إذن فالفعل أقوى ألوان النص في الأوامر؛ لأن الأمر قد يأتي كلاماً نظرياً، وقد يتأول فيه البعض. لكن عندما يفعل الرسول يكون الحكم لازماً؛ لأن الذي فعل هو المشرع. أرجم رسول الله أم لم يرجم؟ قد فعل رسول الله ذلك، وفعله هو نص عمليّ. إنّ الفعل ليس نصاً قوليّاً يُتأول فيه. لقد رجم الرسول ماعزاً والغامدية ورجم اليهودي واليهودية وكانا قد أحصنا بالزواج والحرية، وفعل الرسول هو الأصل في الحكم، فدليل الخوارج إذن قد سقط به الاستدلال وبقي ما فعله المشرع وهو الرسول المفوض من الله في أن يشرع قولاً أو فعلاً أو تقريراً، أي يرى أحداً يفعل فعلاً فيقرّه عليه. ثم نبحثها بالعقل: إذا كنت تريد ألا يوجد في الزنَى حد إلا الجلد، أتسوي بين من لم يتزوج ومن تزوج؟ إن المتزوجة لها عرض ولها زوج ولها نسب ونسل. هل هذه مثل تلك التي لم تتزوج؟! إن هذا لا يتأتى أبداً بالعقل، إذن فحكم الرجم موجود من فعل الرسول، والدليل الذي استدل به الخوارج هو دليل تسرب إليه الاحتمال. والدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ ..} [النساء: 25] ومَنْ هو المقصود بـ "ذلك"؟ المقصود به إباحة نكاح الإماء لمَنْ لم يجد طوْلاً أن ينكح من الحرائر. وما هو "العنت"؟ "العنت" هو المشقة والجهد، وإرهاق الأعصاب، وتلف الأخلاق والقيم، لأن الإنسان إذا هاجت غرائزه إما أن يعف وإما أن ينفلت. فإن انفلت فقد تسرب الفساد إلى قيمه وإلى خلقه، وإن لم ينفلت والتزم، ماذا يحدث؟ سيقع بين أنياب المرض النفسي وتأتيه الأمراض العصبية. فأباح له الله أن يتزوج الأَمَةَ، إن لم يجد طوْلاً في الزواج من الحرائر. وبذلك يكون مفهوم الآية: إن الذي لا يخشى العنت فليس ضرورياً أن يتزوج الأَمَةَ. وليس هذا تزهيداً في الأَمَةِ بل فيه احترام لها، لأنها إن تزوجت ثم ولدت ممن تزوجته فسيصبح ولدها عبداً، والله يريد أن يصفي الرق والعبودية، فيوضح له: دعها لسيدها فإن أعجبته وَحَلَت في عينيه ووطئها وجاءت منه بولد فستكون هي والولد من الأحرار إنهما قد دخلا في دائرة الحرية. إذن فالحق يريد أن يصفي الرق، ثم قال: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ..} [النساء: 25] أي وصبركم عن نكاح الإماء. وأنتم في عفة وطهر عن مقارفة الإثم إن ذلك خير لكم من زواجهن، فنكاح الحرائر أفضل. ويذيل الحق الآية: بقوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النساء: 25] أي إنه (غفور) لما قد بدر وحصل منكم من ذنوب استغفرتم ربكم منها (رحيم) بكم فلا يعاجلكم بالعقوبة شفقة عليكم وحباً في رجوعكم إليه. ويقول الحق من بعد ذلك: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {مُّحْصِنِينَ} يعني: متناكحين {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [الآية: 25] يعني: غير زانين بكل زانية. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [الآية: 25] قال: يعني الأَخلاء. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} يقول: من لم يجد غنى أَن ينكح المحصنات، يعني: الحرائر فلينكح الأَمة المؤمنة. {وَأَن تَصْبِرُواْ} [الآية: 25] عن نكاح الإِماءِ (خيْرٌ لَّكُمْ). وهو حلال.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} معناهُ أَسْلَمْنَّ. تفسير : وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} يعني الزّنا. تفسير : وقوله تعالى: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} معناهُ وأَن تَصبِرُوا عَنْ نِكَاحِ الأَمةِ. تفسير : وقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} أي غِنَاءٌ وسِعَةً. تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ} معناهُ أَخدِنَةٌ واحدُها خِدنٌ. تفسير : وقوله تعالى: {آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} معناه مُهُورُهُنَّ.
الجيلاني
تفسير : {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} اقتداراً وغنى {أَن يَنكِحَ} به {ٱلْمُحْصَنَٰتِ} المتعففات الحرائر {ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم} أي: فعليكم أن تنكحوا {مِّن فَتَيَٰتِكُمُ} أي: إمائكم {ٱلْمُؤْمِنَٰتِ} المقرات بكلمتي الشهادة ظاهراً {وَٱللَّهُ} المطلع بضمائر عباده {أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ} وإيمانهن وكفرهن وكلكم في أنفسكم أمثال أكفاء؛ إذ {بَعْضُكُمْ} يا بني آدم قد حصل {مِّن بَعْضٍ} والتفاضل بينكم إنما هو في علم الله، وإن اضطررتم إلى نكاح الإماء {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أربابهن {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أي: أعطوهن أجور مهورهن المسماة لهن بإذن أهلهن {بِٱلْمَعْرُوفِ} إعطاء مستحسناً عقلاً وشرعاً بلا مطلٍ وتسويفٍ واضطرارٍ وتنقيصٍ حال كونهن {مُحْصَنَٰتٍ} عفائف {غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ} زانياتٍ مجاهراتٍ غير حاجزاتٍ {وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ} وأخلانٍ. {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} وأنكحن بعد وجود الشرائط المذكورة المستحسنة عند الله وعند المؤمنين {فَإِنْ أَتَيْنَ} بعدما أحصن {بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ} الحرائر {مِنَ ٱلْعَذَابِ} أي: الذي حد الله لهن في كتابه سوى الرجم؛ إذ لا يجري التنصيف فيه لذلك لم يشرع في حد الرقيق {ذَلِكَ} أي: نكاح الإماء إنما يرخص {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي: الوقوع في الزنا أيها المؤمنون المجتنبون عن المحرمات {وَأَن تَصْبِرُواْ} أيها الفاقدون المؤمنون لوجه المعاش وترتاضوا نفوسكم بتقليل الأغذية المستمنية المثيرة للقوة الشهوية الموقعة للمهالك، وتدفعوا أمارة إثارتكم بالقاطع العقلي والواضح الشرعي، وتترنوا على عفة العزومة، وتسكنوا نار الطبيعة بقطع النطر والاتقاء عن المخاطر فهو {خَيْرٌ لَّكُمْ} من نكاح الإماء بل من نكاح أكثر الحرائر أيضاً سيما في هذا الزمن {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائر عباده {غَفُورٌ} لذنوب من صبر ولم ينكح لقلة معاشهم {رَّحِيمٌ} [النساء: 25] له بحفظه عن الفرطات والعثرات في أمر المعاش. عصمنا الله من المهالك المتعلقة بالمعاش بفضله وطوله. إنما {يُرِيدُ ٱللَّهُ} بتعيين المحرمات وبتبيين المحللات {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أيها المؤمنون طريق الرشد والغي والهداية والضلالة {وَيَهْدِيَكُمْ} أي: يشرشدكم ويوصلكم {سُنَنَ ٱلَّذِينَ} مضوا {مِن قَبْلِكُمْ} من أرباب الولاء والمكاشفات بسر التوحيد {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} يرجعكم عن ميل المزخرفات الدنية الدنيوية؛ ليصولكم إلى المراتب العلية الأخروية {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده إلى توحيده {عَلِيمٌ} بمصالحهم الموصلة إليه {حَكِيمٌ} [النساء: 26] في إلقائها إليهم في ضمن العظة والعبر والقصص والتواريخ والرموز والإشارات ليرتاضوا بها نفوسهم حتى تستعد قلوبهم لنزول سلطان التوحيد المفني للغير والسوى مطلقاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عمن لم يستطع بقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ} [النساء: 25]، إشارة في الآية: إن الله تعالى كما أحب نزاهة فراش المؤمن عن دنس السفاح، قد أحب نزاهته عن خسة النفس عند القدرة على نكاح الحرائر، ثم رخص برحمته في نكاح الإماء عند عدم الاستطاعة، فقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ} [النساء: 25]، وشرط فيه الإيمان، ولم يجز أن يكون فراش المؤمن ملوثاً بتلوث الشرك، والأمة جميعاً ورخص عند الضرورة بانفرادهما توسعاً ورحمة، فيجوز نكاح الكتابية المشركة، ويجوز نكاح الأمة المؤمنة، وفيه إشارة أخرى وهي: إن الله تعالى أحب نزاهة قلب المؤمن عن دنس حب الدنيا، كما أحب نزاهة فراشه فقال: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً} [النساء: 25]؛ أي: قدرة أن ينكح المحصنات المؤمنات، أن يسخر عجوز الدنيا الصالحة بأسرها ويجعلها منكوحة له، ويحصنها بتصرف شرائع الإسلام والإيمان، بحيث لا يكون لها تصرف في قلبه بوجه ما، {فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم} [النساء: 25]؛ أي: فيتصرف في القدر الذي ملكت يمين قلبه من الدنيا، فلا يملك قلبه، {مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ} [النساء: 25]؛ أي: إذا كانت الدنيا له أمة مأمورة بخدمته وهي مؤمنة له بالخدمة، كما قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله: "حديث : يا دنيا: أخدمي من خدمني، واستخدمي من خدمك ". تفسير : {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ} [النساء: 25]، بمراتب إيمانكم وضعفكم في الإيمان {بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} [النساء: 25] في الضعف، فإنه خلق الإنسان ضعيفاً {فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} [النساء: 25]؛ أي: فليتصرف في الدنيا وزهراتها بإذن سيدها، {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ} [النساء: 25]؛ اي: أدوا حقوقها إلى الله تعالى بالشكر وصرفها في رضا الله تعالى، وإلى الخلق بالشفقة في الإنفاق عليهم، وصلة رحم الأخوة في الله من غير منته ورياءه، {مُحْصَنَٰتٍ} [النساء: 25] بغحصان الصدق والإخلاص، {غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ} [النساء: 25] بالتبذير والإسراف، {وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25]؛ يعني: إن يتخذوا الدنيا خدن النفس والهوى، ويحسبوها حب الأخدان، {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} [النساء: 25]؛ يعني: إذا أحصنت دنياكم بإحصان الصدق، {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ} [النساء: 25]، وأتت الدنيا وزهراتها بفاحشة وهي غلبات شهواتها على القلب، {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} [النساء: 25]؛ يعني: ببذل نصف ما ملكت يمينه من الدنيا في الله جناية وعزامة لما أظهر في الفاحشة، فإنه نصف ما على المحصنان في أول الآية، عبر عنها بمنكوحة ذي الطول المستطيع وهي السحرة، وقلنا هي عجوز الدنيا، وكما أن حد الحرة المحصنة في إتيان الفاحشة إهلاكها بالرحم، وحد الأَمة المحصنة نصف ما على المحصنات، فكذلك حد عجوز الدنيا إذا أحصنها ذو الطول من الرجال فإن أتت بفاحشة أهلكها بالكلية في الله كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه، وحد الأَمة المحصنة من الدنيا هلاك نصفها كما كان حال عمر رضي الله عنه، والذي يؤكد هذا التأويل حال سليمان عليه السلام {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ}تفسير : [ص: 31]، فلما شغلته عن الصلاة وأتت بفاحشة حب الخيل، {أية : فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}تفسير : [ص: 32]، رأى أن جدها بإهلاك كلها، فقال: {أية : رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ}تفسير : [ص: 33]، {ذَلِكَ} [النساء: 25]؛ يعني: التصرف في قدر من الدنيا، {لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ} [النساء: 25]؛ أي: لمن يخاف عن ضعف النفس وقلة صبرها على المجاهدة وترك الدنيا بالكلية، فتأبى نفسه عن قبول الأوامر والنواهي، وتظهر إمارتها بالسوء فتهلك، {وَأَن تَصْبِرُواْ} [النساء: 25]؛ يعني: عن التصرف في الدنيا بتركها، {خَيْرٌ لَّكُمْ} [النساء: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا طلاب الدنيا لتبروا بها"تفسير : ، تركها أبر وأبر، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النساء: 25]؛ يعني: لمن يتصرف في الدنيا بشرائطها التي مر ذكرها، يغفر ذلاته ويرحم عليه بالحفظ من آفتها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ثم قال تعالى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا } الآية. أي: ومن لم يستطع الطول الذي هو المهر لنكاح المحصنات أي: الحرائر المؤمنات وخاف على نفسه العَنَت أي: الزنا والمشقة الكثيرة، فيجوز له نكاح الإماء المملوكات المؤمنات. وهذا بحسب ما يظهر، وإلا فالله أعلم بالمؤمن الصادق من غيره، فأمور الدنيا مبنية على ظواهر الأمور، وأحكام الآخرة مبنية على ما في البواطن. { فَانْكِحُوهُنَّ } أي: المملوكات { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } أي: سيدهن واحدا أو متعددا. { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي: ولو كن إماء، فإنه كما يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة. ولكن لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن { مُحْصَنَاتٍ } أي: عفيفات عن الزنا { غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } أي: زانيات علانية. { وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } أي: أخلاء في السر. فالحاصل أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح أمة إلا بأربعة شروط ذكرها الله: الإيمان بهن والعفة ظاهرا وباطنا، وعدم استطاعة طول الحرة، وخوف العنت، فإذا تمت هذه الشروط جاز له نكاحهن. ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فيه من تعريض الأولاد للرق، ولما فيه من الدناءة والعيب. وهذا إذا أمكن الصبر، فإن لم يمكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك. ولهذا قال: { وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . وقوله: { فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي: تزوجن أو أسلمن أي: الإماء { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } أي: الحرائر { مِنَ الْعَذَابِ } . وذلك الذي يمكن تنصيفه وهو: الجَلد فيكون عليهن خمسون جَلدة. وأما الرجم فليس على الإماء رجم لأنه لا يتنصف، فعلى القول الأول إذا لم يتزوجن فليس عليهن حد، إنما عليهن تعزير يردعهن عن فعل الفاحشة. وعلى القول الثاني: إن الإماء غير المسلمات، إذا فعلن فاحشة أيضا عزرن. وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):