Verse. 519 (AR)

٤ - ٱلنِّسَاء

4 - An-Nisa (AR)

يُرِيْدُ اللہُ لِيُـبَيِّنَ لَكُمْ وَيَہْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوْبَ عَلَيْكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۲۶
Yureedu Allahu liyubayyina lakum wayahdiyakum sunana allatheena min qablikum wayatooba AAalaykum waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يريد الله ليبين لكم» شرائع دينكم ومصالح أمركم «ويهديكم سنن» طرائق «الذين من قبلكم» من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتَّبعوهم «وينوب عليكم» يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته «والله عليم» بكم «حكيم» فيما دبره لكم.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: {لِيُبَيّنَ لَكُمْ } فيه وجهان: الأول: قالوا: إنه قد تُقام اللامُ مقام «أن» في أردت وأمرت، فيقال: أردت أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك أن تقوم، وأمرتك لتقوم، قال تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } تفسير : [الصف: 8] يعني يريدون أن يطفؤا، وقال: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 71]. والوجه الثاني: أن نقول؛ إن في الآية إضمارا، والتقدير: يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم دينكم وشرعكم، وكذا القول في سائر الآيات التي ذكروها، فقوله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } يعني يريدون كيدهم وعنادهم ليطفؤا، وأمرنا بما أمرنا لنسلم. المسألة الثانية: قال بعض المفسرين: قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } معناهما شي واحد، والتكرير لأجل التأكيد،وهذا ضعيف، والحق أن المراد من قوله: {لِيُبَيّنَ لَكُمْ } هو أنه تعالى بين لنا هذه التكاليف، وميز فيها الحلال من الحرام والحَسَن من القبيح. ثم قال: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وفيه قولان: أحدهما: أن هذا دليل على أن كل ما بين تحريمه لنا وتحليله لنا من النساء في الآيات المتقدمة، فقد كان الحكم أيضا كذلك في جميع الشرائع والمِلَل، والثاني: أنه ليس المراد ذلك، بل المراد أنه تعالى يهديكم سُنَنَ الذين من قبلكم في بيان مالكم فيه من المصلحة كما بينه لهم، فان الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلا أنها متفقة في باب المصالح، وفيه قول ثالث: وهو أن المعنى: أنه يهديكم سنن الذين من قبلكم من أهل الحق لتجتنبوا الباطل وتتبعوا الحق. ثم قال تعالى: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } قال القاضي: معناه أنه تعالى كما أراد منا نفس الطاعة، فلا جرم بينها وأزال الشبهة عنها، كذلك وقع التقصير والتفريط منا، فيريد أن يتوب علينا، لأن المكلف قد يطيع فيستحق الثواب، وقد يعصي فيحتاج إلى التلافي بالتوبة. واعلم أن في الآية إشكالا: وهو أن الحق إما أن يكون ما يقول أهل السنة من أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، وإما أن يكون الحق ما تقوله المعتزلة من أن فعل العبد ليس مخلوقا لله تعالى، والآية مشكلة على كلا القولين. أما على القول الأول: فلأن على هذا القول كل ما يريده الله تعالى فانه يحصل، فاذا أراد أن يتوب علينا وجب أن يحصل التوبة لكلنا، ومعلوم أنه ليس كذلك، وأما على القول الثاني: فهو تعالى يريد منا أن نتوب باختيارنا وفعلنا، وقوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ظاهره مشعر بأنه تعالى هو الذي يخلق التوبة فينا ويحصل لنا هذه التوبة، فهذه الآية مشكلة على كلا القولين. والجواب أن نقول: إن قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } صريح في أنه تعالى هو الذي يفعل التوبة فينا. والعقل أيضا مؤكد له، لأن التوبة عبارة عن الندم في الماضي، والعزم على عدم العَوْد في المستقبل، والندم والعزم من باب الإرادات، والإرادة لا يمكن إرادتها، وإلا لزم التسلسل، فاذن الارادة يمتنع أن تكون فعل الانسان، فعلمنا أن هذا الندم وهذا العزم لا يحصلان إلا بتخليق الله تعالى، فصار هذا البرهان العقلي دالا على صحة ما أشعر به ظاهر القرآن،وهو أنه تعالى هو الذي يتوب علينا، فأما قوله: لو تاب علينا لحصلت هذه التوبة، فنقول: قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع الأمة، وقد تاب عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيات المذكورة في هذه الآيات، وحصلت هذه التوبة لهم،فزال الإشكالُ، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي عليم بأحوالكم، حكيم في كل ما يفعله بكم ويحكم عليكم.

القرطبي

تفسير : أي ليبيّن لكم أمرَ دينكم ومصالح أمرِكم، وما يحلّ لكم وما يحرمُ عليكم. وذلك يدل على امتناع خلوّ واقعة عن حكم الله تعالى؛ ومنه قوله تعالى: { أية : مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَابِ مِن شَيْءٍ } تفسير : [الأنعام: 38] على ما يأتي. وقال بعد هذا: { أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } تفسير : [النساء: 28] فجاء هذا «بأن» والأوّل باللام. فقال الفرّاء: العرب تعاقب بين لام كي وأن؛ فتأتي باللام التي على معنى «كي» في موضع «أن» في أردت وأمرت؛ فيقولون: أردت أن تفعل، وأردت لتفعل؛ لأنهما يطلبان المستقبل. ولا يجوز ظننت لتفعل؛ لأنك تقول ظننت أن قد قمت. وفي التنزيل { أية : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ } تفسير : . [الشورىٰ: 15] { أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } تفسير : . [الأنعام: 71] { أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } تفسير : . [الصف: 8] { أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 32]. قال الشاعر: شعر : أُريد لأنْسَى ذكرها فكأنما تُمَثّلُ لي لَيْلَى بكل سبيلِ تفسير : يريد أن أنسى. قال النحاس: وخطّأ الزجاج هذا القول وقال: لو كانت اللام بمعنى «أن» لدخلت عليها لامٌ أُخرى؛ كما تقول: جئت كي تكرمني، ثم تقول جئت لكي تكرمني. وأنشدنا: شعر : أردتُ لكيما يعلم الناس أنها سراويل قَيْسٍ والوُفُودُ شُهود تفسير : قال: والتقدير إرادته ليبين لكم. قال النحاس: وزاد الأمر على هذا حتى سماها بعض القرّاء لام أن؛ وقيل: المعنى يريد الله هذا من أجل أن يبيّن لكم. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي من أهل الحق. وقيل: معنى {وَيَهْدِيَكُمْ} يبيّن لكم طرق الذين من قبلكم من أهل الحق وأهل الباطل. وقال بعض أهل النظر: في هذا دليل على أن كل ما حَرّم الله قبل هذه الآية علينا فقد حُرّم على من كان قبلنا. قال النحاس: وهذا غلط؛ لأنه يكون المعنى ويبيّن لكم أمر من كان قبلكم ممن كان يجتنب ما نُهِي عنه، وقد يكون ويُبيّن لكم كما بَيّن لمن كان قبلكم من الأنبياء فلا يومَى به إلى هذا بعينه. ويقال: إن قوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ} ابتداء القصة، أي يرِيد الله أن يبيّن لكم كيفية طاعته. {وَيَهْدِيَكُمْ} يعرفكم {سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أنهم لما تركوا أمري كيف عاقبتهم، وأنتم إذا فعلتم ذلك لا أُعاقبكم ولكني أتوب عليكم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمن تاب {حَكِيمٌ} بقبول التوبة.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني: طرائقهم الحميدة، واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي: من الإثم والمحارم، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله. وقوله: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} أي: يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلاً عظيماً {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وكيع عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه: {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} أي: في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم عليه السلام لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليلة الإسراء حين مر عليه راجعاً من عند سدرة المنتهى، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك، فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعاً وأبصاراً وقلوباً، فرجع، فوضع عشراً، ثم رجع إلى موسى، فلم يزل كذلك حتى بقيت خمساً، الحديث.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ } شرائع دينكم ومصالح أمركم {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ } طرائق {مِن قَبْلِكُمْ } من الأنبياء في التحليل والتحريم فتتبعوهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بكم {حَكِيمٌ } فيما دبره لكم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم الزناة، وهو قول الضحاك. والثاني: أنهم اليهود والنصارى، وهو قول السدي. والثالث: كل متبع شهوة غير مباحة، وهو قول ابن زيد. قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} يخفف عنكم في نكاح الإماء، وخُلِقَ الإنسان ضعيفاً عن احتمال الصبر عن جماع النساء.

ابن عطية

تفسير : اختلف النحاة في اللام من قوله: {ليبين} فمذهب سيبويه رحمه الله: أن التقدير " لأن يبين" والمفعول مضمر، تقديره: يريد الله هذا، فإن كانت لام الجر أو لام كي فلا بد فيهما من تقدير " أن " لأنهما لا يدخلان إلا على الأسماء وقال الفراء والكوفيون: اللام نفسها بمنزلة "أن" وهو ضعيف، ونظير هذه اللام قول الشاعر: [الطويل] شعر : أريدُ لأنسى ذكرَها تفسير : وقال بعض النحاة: التقدير إرادتي لأنسى. {ويهديكم} بمعنى: يرشدكم، لا يتوجه غير ذلك، بقرينة السنن، والـ {سنن} : الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها. قال القاضي أبو محمد: ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات كشرعة من قبلنا، وليس ذلك كذلك، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين، إما في أنّا خوطبنا في كل قصة نهياً وأمراً، كما خوطبوا في أيضاً في قصصهم، وشرع لنا كما شرع لهم، فهدينا سننهم في ذلك، وإن اختلفت أحكامنا وأحكامهم، والأمر الثاني أن هدينا سننهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل من هذه الجهة، والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة، وتوبة الله على عبده هي رجوعه به عن المعاصي إلى الطاعات وتوفيقه له، وحسن {عليم} هنا بحسب ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح و {حكيم} أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان. وتكرار إرادة الله تعالى التوبة على عبادة تقوية للإخبار الأول، وليس المقصد في هذه الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات، فقدمت إرادة الله توطئة، مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، واختلف المتأولون في متبعي الشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة، وقال السدي: هم اليهود والنصارى، وقالت فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، وقال ابن زيد: ذلك على العموم في هؤلاء، وفي كل متبع شهوة، ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور " ميْلاً" بسكون الياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " مَيلاً" بفتح الياء. وقوله تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي لما علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد وطاوس، وقال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. قال القاضي أبو محمد: ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل، لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب و {الإنسان} رفع على ما لم يسم فاعله، و {ضعيفاً} حال، وقرأ ابن عباس ومجاهد "وخَلقَ الإنسان" على بناء الفعل للفاعل و {ضعيفاً} حال أيضاً على هذه القراءة, ويصح أن يكون {خلق} بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، فيكون قوله {ضعيفاً} مفعولاً ثانياً.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} اللام في قوله ليبين معناه أن يبين وقيل معناه يريد إنزال هذه الآيات من أجل أن يبين لكم دينكم ويوضح لكم شرعكم ومصالح أموركم وقيل يبين لكم ما يقربكم منه وقيل يبين أن الصبر على نكاح الإماء خير لكم {ويهديكم} أي ويرشدكم {سنن الذين من قبلكم} أي شرائع من قبلكم في تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على من قبلكم وقيل معناه يرشدكم إلى ما لكم فيه مصلحة كما بينه لمن كان قبلكم، وقيل معناه ويهديكم إلى الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام و{يتوب عليكم} يعني ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم ويرجع بكم عن المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل لما بين لنا أمر الشرائع والمصالح وأرشدنا إلى طاعته فربما وقع منا تقصير وتفريط فيما أمر به وبينه فلا جرم أنه تعالى قال ويتوب عليكم {والله عليم} يعني بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم {حكيم} يعني فيما دبر من أمورهم. {والله يريد أن يتوب عليكم} قال ابن عباس معناه يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى. وقيل معناه يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم التي يغفر لكم ما سلف من ذنوبكم وقيل معناه إن وقع منكم تقصير في دينه فيتوب عليكم ويغفر لكم {ويريد الذين يتبعون الشهوات} قيل هم اليهود والنصارى وقيل هم اليهود خاصة لأنهم يقولون إن نكاح بنت الأخت من الأب حلال. وقيل هم المجوس لأنهم يستحلون نكاح الأخوات وبنات الإخوة فلما حرمهن الله قالوا إنكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة والخالة والعمة عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت هذه الآية. وقيل هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم {أن تميلوا} يعني عن الحق وقصد السبيل بالمعصية {ميلاً عظيماً} يعني بإتيانكم ما حرم الله عليكم {يريد الله أن يخفف عنكم} يعني ليسهل عليكم أحكام الشرائع فهو عام في كل أحكام الشرع وجميع ما يسره لنا وسهله علينا إحساناً منه إلينا وتفضلاً ولطفاً علينا، ولم يثقل التكاليف علينا كما ثقلها على بني إسرائيل فهو كقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله تعالى: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78] وكما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"تفسير : . وقوله تعالى: {وخلق الإنسان ضعيفاً} يعني في قلة الصبر عن النساء فلا صبر له عنهن وقيل إنه لضعفه يستميله هواه فهو ضعيف العزم عن قهر الهوى وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} يعني بالحرام الذي لا يحل في الشرع كالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة ونحو ذلك. وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيهاً على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل لأن معظم المقصود من المال الأكل، وقيل يدخل فيه أكل ماله نفسه بالباطل ومال غيره أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي، وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه وقيل يدخل في أكل المال الباطل جميع العقود الفاسدة. وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} هذا الاستثناء منقطع لأن التجارة عن تراض ليست من جنس أكل المال بالباطل فكان إلا ها هنا بمعنى لكن يحل أكله بالتجارة عن تراض يعني بطيبة نفس كل واحد منكم. وقيل هو أن يخير كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع فيلزم وإلاّ فلهما الخيار ما لم يتفرقا لما روي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي لا يقتل بعضكم بعضاً وإنما قال أنفسكم لأنهم أهل دين واحد فهم كنفس واحدة وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع "حديث : ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" تفسير : وقيل إن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" تفسير : قوله يتردى التردي هو الوقوع من موضع عال إلى أسفل قوله يتوجأ يقال وجأته بالسكين إذا ضربته بها وهو يتوجأ أي يضرب بها نفسه (ق) عن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله تبارك وتعالى: بدرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة" تفسير : وفي رواية قال: "حديث : كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحزبها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة" تفسير : وقيل في معنى قتل الإنسان نفسه أن لا يفعل شيئاً يستحق به القتل مثل أن يقتل فيقتل به فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه، وقيل معناه ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل وقيل معناه ولا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملاً ربما أدى إلى قتلها {إن الله كان بكم رحيماً} يعني أنه تعالى من رحمته بكم نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة وقيل إنه تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون ذلك توبة لهم وكان بكم يا أمة محمد رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الشاقة الصعبة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ...} الآية: التقديرُ عندَ سيبَوَيْهِ: يريد اللَّهُ لأنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، ويَهْدِيَكُمْ، بمعنَىٰ: يُرْشِدَكُمْ، والسُّنَنُ: الطُّرُقُ، ووجوهُ الأمورِ، وأَنحاؤُها، والَّذِينَ مِنْ قبلنا: هم المؤمِنُونَ مِنْ كُلِّ شريعةٍ. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ...} الآية: مَقْصِدُ هذه الآيةِ الإخبارُ عن إرَادَة الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، فقُدِّمَتْ إرادةُ اللَّه تعالَىٰ تَوْطِئَةً مُظْهِرة لفسَادِ إرادة مُتَّبِعِي الشهواتِ، واختلف المتأوِّلون في تَعْيينِ مُتَّبِعِي الشَّهَوَات، فقال مجاهدٌ: هم الزناةُ، وقال السُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنصارَىٰ، وقالَتْ فرقة: هم اليهودُ خاصَّة؛ لأنَّهم أرادوا أنْ يتبعهم المُسْلِمُونَ في نِكَاحِ الأَخَوَاتِ مِنَ الأب، وقال ابنُ زَيْد: ذلك على العمومِ في هؤلاءِ، وفي كُلِّ متَّبعِ شهوةٍ؛ ورجَّحه الطبريُّ. وقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ...} الآية: أي: لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء، قاله مجاهدٌ وغَيْره، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ؛ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده، وجعله الدِّينَ يُسْراً، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنْسَان عامًّا؛ حَسْبَما هو في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب.

ابن عادل

تفسير : للنَّاس في مثل التركيب مذاهب، فمذهبُ البصريين أنَّ مفعول "يريدُ" محذوف تقديره يريد اللَّهُ تحريم ما حرَّم [عليكم] وتحليل ما حلَّل، وتشريعَ ما تقدَّم لأجلِ التَّبيين لكم، ونسبه بعضهم لسيبويه، فتملَّقُ الإرادة غير التّبيين وما عطف عليه، وَإِنَّما تأوَّلوهُ بذلك؛ لئلاَّ يلزم تعدّي الفعل إلى مفعوله المُتَأَخّر عنه باللاَّمِ، وهو ممتنع وإلى إضمار "إن" بعد اللام الزائدة. والمذهبُ الثَّانِي - ويُعْزَى أيضاً لبعض البصريّين -: أن يُقَدَّرَ الفعل الَّذي قبل اللام بمصدر في محلِّ رفع بالابتداء، والجارّ بعده خبره، فيقدر: يريدُ اللَّهُ ليبيِّن إرادة اللَّهَ تعالى للتّبيين وقوله: [شعر] [الطويل] شعر : 1789- أُرِيدُ لأنْسى ذِكْرَهَا [فَكَأَنَّمَا تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبيلِ] تفسير : أي: إرادتي، وقوله تعالى {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} تفسير : [الأنعام: 71] أي: أُمِرْنا بما أُمِرْنَا لنسلم، وفي هذا القول تأويل الفعل بمصدر، من غير حرف مصدر، وهو ضعيفٌ نحو: "تَسْمَعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه" قالوا: تقديره: أن تسمع فلما حذف "أن" رفعِ الفعل وهو من تأويل المصدر لأجل الحرف المُقدَّر [فكذلك هذا] فلام الجرِّ على الأوَّل في محلِّ نصب لتعلقها بـ "يُريدُ" وعلى الثَّاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً. الثالث: وهو مذهبُ الكوفيّين أنَّ اللامَ هي النَّاصبة بنفسها من غير إضمار "أنْ"، وما بعدها مفعول الإرادة، لأنَّها قد تُقَامُ اللامُ مقام "أنْ" في: أردت وأمرت، فيقال: أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك لتقُومَ، وأمرتُكَ أن تَقُومَ، قال تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8]، وقال في موضع آخر:[ {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : ] [التوبة: 32]. وقال: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 71] وفي موضع آخر: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ } تفسير : [غافر: 66] وقال: {أية : وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} تفسير : [الشورى: 15] أي: أنْ أعدل بينكم، ومنع البصريُّون ذلك؛ لأنَّ اللام ثبت بها الجرُّ في الأسماء، فلا يجوزُ أن ينصب بها فالنَّصب عندهم بإضمار "أنْ" كما تَقَدَّمَ. الرَّابِعُ، وإليه ذهب الزَّمخشريُّ، وأبُو البقاءِ: أنَّ اللامَ زائدةٌ، و "أنْ" مضمرة بعدها، والتَّبْيينُ مفعول [الإرادة. قال الزمخشري: {يُرِيدُ ٱللَّهُ} يريدُ اللَّهُ أن يُبيِّنَ، فزيدت اللامُ مؤكدة لإرادة التبيين، كَمَا] زيدت في "لا أبا لك" لتأكيد إضافة الأبِ وهذا خارج عن أقوال البَصْرِيِّيِنَ، والكوفيين، وفيه أن "أنْ" تضمر بعد اللام الزَّائدة، وهي لا تضمر فيما نصَّ النحويون بعد لام إلاَّ وتلك اللامُ للتعليل، أو للجُحُودِ. وقال بعضهم: اللامُ "لام" العاقبة كهي في قوله تعالى {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : ] [القصص: 8] ولم يذكر مفعل التبيين، بل حذفه للعلم به فقدَّره بعضهم: ليبيِّن لكم ما يقرّ ربّكم، ومنه قول بعضهم إنَّ الصبر عن نكاح الإماء خير. فالأوَّلُ قاله عطاء. والثَّاني قاله الكلبيُّ. وبعضهم: ما فصَّلَ من الشَّرائع، وبعضهم أمر دينكم، وهي متقاربة، ويجوز في الآية وجه آخر [حَسَنٌ]؛ وهو أن تكون المسألَةُ من باب الإعمال تنازع: "يبيِّن" و "يَهدي" في {سنن الذين من قبلكم}، لأنَّ كلاَّ منهما يطلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثَّاني، وحذف الضَّمير من الأوَّلِ تقديره: ليبينها لكم ويهديكم سُننَ الَّذين من قبلكم. والسُّنَّةُ: الطَّريقَةُ؛ لأنَّ المفسِّرين نقلوا أن كلَّ ما بَيَّن لنا تحريمه وتحليله من النِّساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك أيضاً في الأمم السَّالفةِ، أو أنه بين لَكُمْ المصالح؛ لأنَّ الشَّرَائِعَ، وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنَّها متَّفِقَةٌ في المصلحة. فصل قال بعضُ المفسَّرينَ {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ} معناهما واحد وقال آخرون هذا ضعيفٌ. والحقُّ أنَّ قوله: {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي: يميِّزَ الحلالَ من الحرامِ، والحسن من القبيح. وقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: أن الذي بيَّن تحريمه، وتحليله لنا في الآيات المتقدّمة وقد كان كذلك في شرائع [الإسْلام] من قبلنا، أو يكون المراد منه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [في] بيان ما لكم فيه من المصلحة [فإنَّ الشَّرائعَ، وإن اختلفت في نفسها إلاَّ أنَّهَا متفقة في المصالح]. قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} قال القاضي: معناه أنَّهُ تعالى كما أراد منّا نفس الطّاعة، فلا جَرَمَ بيَّنَها وأزال الشُّبْهَةَ عنها وإذا وقع التَّقصيرُ والتَّفريط منَّا؛ فيريد أن يتوبَ علينا؛ لأنَّ المكلف قد يطيع فيستحق الثَّوابَ، وقد يعصي فيحْتَاج إلى التلافي في التَّوبَةِ وفي التَّوْبَةِ وفي الآية إشكالٌ، وهو أنَّ الحَقَّ إمَّا أن يكون قول أهل السُّنَّةِ [من أنَّ فعل العبدِ] مخلوقٌ للَّهِ [وَإمَّا أن الحقَّ قولُ المعتزلة: من أنَّ فعلَ العبدِ ليسَ مخلوق اللَّهِ تعالى؛ والآيةُ مُشْكَلَةٌ على القَوْلَيْنِ] أمَّا على الأوَّلِ [فلأنّ] كلِّ مَا يريده الله تعالى [فَإنَّهُ] يحصلُ، فإذا أرَادَ أن يتُوبَ علينا وأحبَّ أن تحصل التَّوْبَةَ لكلنا، ومعلومٌ أنَّهُ ليس لذلك، وأمَّا على القول الثَّاني: فهو تعالى يريدُ مِنَّا أن نتُوبَ باختيارنا، وفعلنا وقوله {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [ظاهره] مشعر بأنَّهُ تعالى هو الَّذي يخلق التَّوْبَةَ فينا. فالجوابُ أن قوله {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} صريحٌ في أنَّهُ تعالى هو الذي يقبلُ التَّوْبَةَ فينا والعقل يؤكِّدُهُ؛ لأنَّ التَّوْبَةَ عبارةٌ عن النَّدمِ في الماضي، والعزم على التَّرْكِ في المستقبل، والنَّدم والعزم من باب الإرادَاتِ، والإرادةُ لا يمكن إرادتها وإلا لزم التَّسلسل؛ فإذن الإرادةُ يمتنعُ أن تكونَ فعل الإنسان فعلمنا أن هذا النَّدم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق اللَّهِ تعالى فَدَلَّ البرهانُ العقليُّ على صحَّةِ ما أشعر به القرآن، وهو أنَّهُ تعالى [هو] الذي يتوبُ علينا. وإن قالوا: لو تاب عليْنَا لحصلتْ هذه التَّوْبَةُ [لهم فزاد هذا الإشكالُ واللَّهُ أعلم]. فنقولُ: قوله تعالى: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} خطابٌ مع الأمَّةِ، وقد تابَ عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيَّات المذكورة في هذه الآيات وحصلت هذه التَّوْبَةِ لهم فَزَالَ الإشكالُ واللَّهُ أعلم. [ثم قال {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي:] [عليم] بمصالح عبادة حكيم في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبَّرَ من أمورهم.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود والأحكام، وختمها بصفة الرحمة بين ما أراد بها من موجبات الرحمة تذكيراً بالنعمة لتشكر، وتحذيراً من أن تنسى فتكفر فقال تعالى: {يريد الله} أي الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام {ليبين لكم} أي ليوقع لكم البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين {ويهديكم} أي يعرفكم {سنن} أي طرق {الذين} ولما كان المراد بعض الماضين قال: {من قبلكم} أي من أهل الكتاب: الأنبياء وأتباعهم {ويتوب عليكم} أي يرجع بكم عن كل ما لا يرضيه، لا سيما ما يجر إلى المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث، ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك، فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه التكاليف، بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول وأعون على الامتثال، وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ هدوا لسننهم، وما أحسن ختم ذلك بقوله: {والله} أي المحيط بأوصاف الكمال {عليم حكيم *} فلا يشرع لكم شيئاً إلا وهو في غاية الإحكام. فاعملوا به يوصلكم إلى دار السلام. بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى والحث عليها، وبيان الفرائض وأمر الزناة، وما يحل ويحرم من النساء، والتحري في الأموال، والإحسان إلى الناس، لا سيما الأيتام والوالدين، والإذعان للأحكام، وتحريم القتل، والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها، وكل ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في المواضع اللائقة به، لكن القرآن أحسن بياناً وأبلغ تبياناً وأبدع شأناً وألطف عبارة وأدق إشارة، وأعجب ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا النساء، ففي الصحيحين وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال: "مرضت فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاني وقد أغمي عليّ " وفي رواية البخاري في التفسير: "عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل، فدعا بماء فتوضأ فصب عليّ وضوءه فأفقت، فقلت: يا رسول الله! كيف أصنع في مالي؟" وفي رواية لمسلم: "إنما يرثني كلالة فلم يجبني بشيء "وفي رواية الترمذي: "وكانت لي تسع أخوات حتى نزلت آية الميراث" وفي رواية للبخاري: "فنزلت" وفي رواية للترمذي: "حتى نزلت (يوصيكم الله في أولادكم)" وفي رواية للترمذي: حتى نزلت آية الميراث {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} الآية، وقال: حديث صحيح. ولأبي داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "حديث : جاءت امرأة سعد بن ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيداً، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: يقضي الله عز وجل في ذلك، فنزلت آية الميراث "تفسير : وفي رواية أبي داود: ونزلت الآية في سورة النساء، {يوصيكم الله في أولادكم} وفي رواية الدارقطني: "حديث : فنزلت سورة النساء، وفيها {يوصيكم الله في أولادكم} إلى آخر الآية - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك" تفسير : وفي رواية للدارقطني: " حديث : إن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله! إن سعداً هلك وترك ابنتين وأخاه, فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن، فلم يجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ذلك، ثم جاءته فقالت: يا رسول الله! ابنتا سعد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادعي لي أخاه! فجاء فقال: ادفع إلى ابنتيه الثلثين، وإلى امرأته الثمن، ولك ما بقي" تفسير : وقال شيخنا حافظ عصره أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة: روى أبو الشيخ في تفسيره من طريق عبد الله بن الأجلح الكندي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ولا الأولاد الصغار حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت، وترك بنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقالت امرأته للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله تعالى {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} تفسير : [النساء: 7] فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال: لا تحركا من الميراث شيئاً" ورواه أبو الشيخ من وجه آخر فقال: قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره فقال: سويد وعرفطة، ووقع عنده أنهما أخوا أوس: ورواه مقاتل في تفسيره لفقال: إن أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين فذكر القصة "وذكر شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا بلا سند أن أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال ويقولون: لا يرث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحوزة، وحاز الغنيمة، فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ، فشكت إليه، فقال: ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله، فنزلت {أية : للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} تفسير : [النساء: 7] فبعث إليهما: لا تفرقا من مال أوس شيئاً، فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى نزلت {يوصيكم الله في أولادكم} الآية، فأعطى أم كجة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني العم" ورواه الطبري من طريق ابن جريج عن عكرمة على غير هذا السياق، ولفظه: " نزلت في أم كجة وابنة أم كجة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهما زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله! توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث، فقال عم ولدها: إن ولدها لا يركب فرساً ولا يحمل كلاًّ ولا ينكأ عدواً، فنزلت {أية : للرجال نصيب}تفسير : [النساء: 7]، وروي من طريق السدي، قال في قوله: {أية : يوصيكم الله في أولادكم}تفسير : [النساء: 11] "كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، ولا يورثون إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة يقال لها أم كجة، وترك خمس أخوات، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {أية : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك}تفسير : [النساء: 11] ثم قال في أم كجة {أية : ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد}تفسير : [النساء: 12]". فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة بأن سبب نزول آيات الميراث النساء، ويمكن أن يكون المجموع سبباً - والله أعلم؛ وذلك كما أن سبب إنزال الفرائض في التوراة كان النساء أيضاً، وذلك أنه جل أمره وعز اسمه وتعالى جده لما أمات من نكص عن أمره من بني إسرائيل ومن آلافهم في التيه وأخرج أبناءهم منه؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام بقسمة أرض الكنعانيين بين بنيهم بعد معرفة عددهم على منهاج ذكره، ولم يذكر البنات، وكان فيهم بنات لا أب لهن فسألن ميراث أبيهن، فأنزل الله حكمهن؛ قال في السفر الرابع من التوراة ما نصه: ولما كان بعد الموت الفاشي قال الرب لموسى ولليعازر بن هارون الحبر: احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن عشرين سنة إلى فوق، كل من خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما الجماعة في عربات مؤاب التي عند أردن أريحا، وأخبراهم بقول الرب، ثم أحصياهم، فكان عددهم ستمائة ألف وسبعمائة وثلاثين رجلاً غير اللاويين سبط موسى فإنهم كانوا لحفظ قبة الزمان وخدمتها، وكانوا ثلاث قبائل: أحدهم فغث فولد له عمران، وكان اسم امرأة عمران حنة ابنة لوى، ولدت له بأرض مصر هارون وموسى ومريم، وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفاً، كل ذكر منهم ابن شهر فما فوق، ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا بني إسرائيل في برية سيناء، لأن الرب قال لهم: يقتلون في هذه المفازة، ولا يبقى منهم رجل ما خلا كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون، ودنا بنات صلفحد من قبيلة منشى بن يوسف وقلن: أبونا توفي في البرية ولم يخلف ابناً، أعطنا ميراثنا، فرفع موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى: الحق قلن أعطهن ميراثاً مع أعمامهن ليتبين ميراث أبيهن, وقلن لبني إسرائيل: أي رجل مات ولم يخلف ابناً يعطى ميراثه ابنته, وإن لم يكن له ابنة يعطى ميراثه إخوته, ومن لم يكن له إخوة يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته من أهل عشيرته، وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى؛ وقال في السفر الثالث منها ما نصه سنة الخطايا التي إذا ارتكبها إنسان عوقب بالموت: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل، وقل لهم: أنا الله ربكم! لا تعملوا مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها، ولا تعملوا مثل أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم ولكن اعملوا بأحكامي، واحفظوا وصاياي، وسيروا بها، أنا الله ربكم! احفظوا شرائعي وأحكامي. لأن الذي يعمل بها يعيش، أنا الرب وليس إله غيري! ولا يجسرن الرجل منكم أنيكشف عورة قرابته، أنا الرب وليس إله غيري! ولا تكشفن عورة أبيك ولا عورة أمك، لأنها أمك، ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها، لان عورتها عورة ابنك، ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك، أو أختك من أمك لا من أبيك، لا تكشف عورتها، لأن فضيحتها فضيحتك، ولا تكشف عورة بنت امرأة أبيك التي ولدت من أبيك، لأنها أختك، ولا تكشف عورة عمتك, لإنها أخت أبيك, ولا تكشف عورة خالتك, لأنها أخت أمك, ولا تكشف عورة امرأة عمك ولا تدن من امرأته، لأنها امرأة عمك، ولا تكشف عورة كنتك، لأنها امرأة ابنك، ولا تكشف عورة امرأة أخيك، لأن فضيحتها فضيحة أخيك، ولا تكشف عورة امرأة وبنتها، أي لا تتزوج بهما، ولا تكشف عورة بنت الابن ولا بنت البنت، لأن فضيحتهما فضيحتك، ولا تكشف عورتهما، هن قرابتك وارتكابهن إثم، ولا تتزوج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها، ولا تكشف عورتهما جميعاً في حياة امرأتك، والمرأة إذا حاضت وطمثت لا تدن لتكشف عورتها، ولا تسفح بامرأة صاحبك ولا تنجس، ولا تنجس اسم إلهك، أنا الله ربكم! لا تضاجعن الذكر، ولا ترتكب من الذكر ما ترتكب من المرأة، لأنه فعل نجس، ولا بهيمة، ولا تلق زرعك فيها فتنجس بها، والمرأة أيضاً لا تقوم بين يدي بهيمة تطأها، لأنه فعل نجس، لا تنجسوا منها بشيء، فبهذه كلها تنجست الشعوب التي أهلكتها من بين أيديكم, وتنجست أرضهم بفعلهم, وعاقبتها بإثمها, وتعطلت الأرض من سكانها لحال خطاياهم؛ احفظوا عهودي وأحكامي, ولا ترتكبوا شيئاً من هذه الخطايا لأن أهل البلاد التي ترثونها فعلوا هذه الأفاعيل كلها وتنجست الأرض بهم، ولا تنجسوا الأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من الشعوب التي كانوا يها قبلكم، لأن كل من يفعل هذه الخطايا يهلك؛ احفظوا شرائعي ولا ترتكبوا شيئاً من سير الخطايا التي فعلها من كان قبلكم، ولا تنجسوا بها، أنا الله ربكم!. ثم كلم الرب موسى وقال له: كلم جميع بني إسرائيل وقل لهم: تقدسوا، لأني قدوس، أنا الله ربكم! يهاب كل امرىء منكم والديه ويكرمهما، واحفظوا وصاياي، لأني أنا الله ربكم! لا تقبلوا إلى الشيطان ولا تتخذوا آلهة مسبوكة، أنا الله ربكم, وقال في السفر الثاني: ولا تصدقن الخبر الكاذب، لا توالِ الخبيث لتكون له شاهد زور، ولا تتبعن هوى الكبير فتنسى، ولا تشايعن الكبراء الذين يحيفون في القضاء فتحيف معهم، ولا تعن المسكين على الظلم، لا تحيفن في فضاء المسكين وتباعد عن القول الكاذب. وقال في السفر الخامس: ودعا موسى بجميع بني إسرائيل وقال لهم: اسمعوا يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أتلوا عليكم لتعلموها وتحفظوها وتعملوا بها، وتعلمون أن الله ربنا عاهدنا عهداً بأرض حوريب، ولم يعاهد الله آباءنا بهذا العهد، بل إنما عاهدنا، نحن الذين ها هنا أحياناً سالمين، وجهاً قبل وجه كلمنا الرب في النار عن الجبل، فأنا كنت قائماً بين يدي الرب وبينكم لأظهر لكم ذلك الزمان أقول الله ربكم، حيث فرقتم من النار ولم تصعدوا إلى الجبل، وقال الرب: أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر وخلصتكم من العبودية! لا يكون لكم إله غيري، ولا تتخذوا أصناماً ولا أشباهاً، ولا تقسم باسم ربك كذباً، لأن الربّ لا يزكي من يحلف باسمه كذباً، احفظوا يوم السبت وطهروه - إلى أن قال؛ لا تعملوا فيه عملاً ليستريح عبيدكم وإماؤكم معكم، واذكروا أنكم كنتم عبيداً بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم من هناك بيد منيعة وذراع عظيمة، لذلك أمركم ربكم أن تحفظوا يوم السبت، فيكرم كل امرىء منكم والديه كما أمركم الله ربكم لتطول أعماركم، وينعم عليكم في الأرض التي يعطيكم، لا تقتلوا، لا تزنوا، لا تسرقوا، لا يشتهين الرجل منكم امرأة صاحبه - إلى أن قال: ولا شيئاً مما لصاحبك - هذه الآيات التي أمر بها الرب بني إسرائيل، وكلمهم بها في الجبل من النار بالسحاب والضباب بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد، وهي التي كتبها على لوحي الحجارة ودفعها إلى موسى النبي - فما سمعتم صوتاً من الظلمة ورأيتم ناراً تشتعل في الجبل تقدم إليّ رؤساؤكم، وقالوا: قد أرانا الله ربنا مجده وكرامته وعظمته، اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا، إن عدنا نسمع صوت الله ربنا متنا، تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب صوت كلامكم حين كلمتموني وقال لي الرب: قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك، نعم ما تكلموا به ويا ليت تكون لهم قلوب هكذا، فتكون تسمع وتطيع وتتقوى، ويفزعون من قولي، ويحفظون جميع وصاياي، كلها احفظوا، واعملوا بما أمركم الله ربكم ولا تحيدوا يمنة ولا يسرة، بل سيروا في كل الطريق الذي أمركم ربكم لتعيشوا، وينعم عليكم، وتطول مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن والوصايا والأحكام التي أمرني الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ربكم أنتم وبنوكم كل أيام حياتكم فتطول أعماركم، اسمعوا يا بني إسرائيل! الله ربنا واحد، أحبوا الله ربكم في كل قلوبكم، ولتكن هذه الآيات التي أمركم في قلوبكم أبداً، وعلموها بنيكم، وتكلموا بها إذا حضرتم في منازلكم، وإذا سافرتم، وإذا رقدتم، وإذا قمتم، وشدوها علامة على أيديكم، ويكون ميسماً بين أعينكم، واكتبوها على قوائم بيوتكم وعلى أبوابكم، ولا تنسوا الله ربكم، وإياه فاعبدوا وباسمه فأقسموا، ولا تتبعوا الآلهة الأخرى التي تعبدها الشعوب التي حولكم، لأن الله ربكم الحالّ فيكم هو إله غيور فاتقوه، لا يشتد غضبه عليكم، ويهلككم عن حديد الأرض، ولا تجربوا الله ربكم كما جربتموه بالبلايا، ولكن احفظوا وصية الله ربكم وشهادته وسنته التي أمركم بها، فاعملوا الحسنات، وأنصفوا واعدلوا لينعم عليكم، وتدخلوا وترثوا الأرض المخصبة التي أقسم الله لآبائكم، ويكسر جميع أعدائكم ويهزمهم قدامكم كما قال الرب، فإذا سألكم بنوكم غداً وقالوا: ما الشهادة والسنة والحكومة التي أمركم الله بها؟ قولوا لبنيكم: إنا كنا عبيداً لفرعون بأرض مصر، وأخرجنا الرب من أرض مصر بيد منيعة، وأنزل بأهل مصر بلاء شديداً، وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل بيته تجاهنا، وأخرجنا الرب من هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا، وأمرنا الرب أن نعمل هذه السنن كلها، وأن نتقي الله ربنا لينعم كل أيامنا، ويحيينا بالخير والنعم، ويكون ربنا بنا براً إذا حفظنا هذه الوصية كلها، وعلمناها أمام الله ربنا كما أمرنا. وقال في السفر الخامس: ولا تكف يدك عن العطاء والصدقة على أخيك المسكين، ولكن يصدق بعضكم على بعض، ويعطي بعضكم بعضاً، ولا يضيق قلبك، ولا تحزن إذا صدقت على أخيك، لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على أخيك يبارك الله لك في جميع أعمالك، وفي كل ما تمد يدك إليه، من أجل أن الأرض لا تعدم المساكين، فلذلك آمرك - والعزم إليك - أن تمد يدك إلى أخيك المسكين، وتصدق على الفقير في الأرض. وقال فيه: أنصفوا بين إخوتكم وأحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء، واسمعوا من الصغير كما تسمعون من الكبير، ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله، لأن القضاء لله. وقال فيه: صيروا لكم قضاة وكتاباً في جميع قراكم، وتقضون للشعب قضاء العدل والبر، ولا تحيفن في القضاء، ولا تحابوا ولا ترتشوا، لأن الرشوة تعمي أعين الحكام في القضاء، ولكن أقضي بالحق لتعيشوا وتبقوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ذكره تعالى في هذه السورة مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى: {أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} تفسير : [البقرة: 83] وغيرها من الآيات، وفي آل عمران أيضاً، وأما حد الزاني وأمر القتل والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في المائدة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي الدنيا في التوبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال‏:‏ ثماني آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أوّلهن ‏ {‏يريد الله ليبيِّن لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم‏} ‏ والثانية ‏ {‏والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيما‏ً} ‏ والثالثة ‏ {‏يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا‏ً}‏ والرابعة ‏{أية : أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 31‏]‏ والخامسة ‏{أية : ‏إن الله لا يظلم مثقال ذرة‏.‏‏.‏‏.} ‏تفسير : [‏النساء: 40‏]‏ الآية‏.‏ والسادسة ‏{أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 110‏]‏ الآية‏.‏ والسابعة ‏{أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏تفسير : [‏النساء: 48‏]‏ الآية‏.‏ والثامنة ‏{أية : ‏والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله‏}‏ تفسير : للذين عملوا من الذنوب ‏{أية : غفوراً رحيماً‏}‏ ‏تفسير : [‏النساء: 152‏]‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ‏{‏يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم‏} ‏ من تحريم الأمهات والبنات، كذلك كان سنة الذين من قبلكم وفي قوله ‏ {‏أن تميلوا ميلاً عظيماً‏} ‏ قال‏:‏ الميل العظيم، أن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال من الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ‏ {‏ويريد الذين يتبعون الشهوات‏}‏ قال‏:‏ هم اليهود والنصارى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏ويريد الذين يتبعون الشهوات‏} ‏ قال‏:‏ الزنا ‏{‏أن تميلوا ميلاً عظيماً‏} ‏ قال‏:‏ يريدون أن تكونوا مثلهم، تزنون، كما يزنون‏.‏ وأخرج ابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس ‏ {‏ويريد الذين يتبعون الشهوات‏} ‏ قال‏:‏ الزنا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏يريد الله أن يخفف عنكم‏} ‏ يقول‏:‏ في نكاح الأمة، وفي كل شيء فيه يسر‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ‏ {‏وخلق الإِنسان ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ في أمر النساء، ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في النساء‏.‏ قال وكيع‏:‏ يذهب عقله عندهن‏.‏ وأخرج الخرائطي في اعتلال القلوب عن طاوس في قوله ‏ {‏وخلق الإِنسان ضعيفا‏ً} ‏ قال‏:‏ إذا نظر إلى النساء لم يصبر‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ‏ {‏يريد الله أن يخفِّف عنكم‏}‏ قال‏:‏ رخص لكم في نكاح الإماء حين تضطرون إليهن ‏ {‏وخلق الإنسان ضعيفا‏ً}‏ قال‏:‏ لو لم يرخص له فيها لم يكن إلا الأمر الأول، إذا لم يجد حرة‏.‏

ابو السعود

تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من الأحكام وبـيانِ كونِها جاريةً على مناهج المهتدين من الأنبـياء والصالحين، قيل: أصلُ النظمِ الكريمِ يُريد الله أن يبـين لكم فزيدت اللامُ لتأكيد معنى الاستقبالِ اللازمِ للإرادة، ومفعولُ يبـين محذوفٌ ثقةً بشهادة السباقِ والسياقِ، أي يريد الله أن يبـين لكم ما هو خفيٌ عنكم من مصالحكم وفضائلِ أعمالِكم أو ما تعبَّدَكم به من الحلال والحرامِ، وقيل: مفعولُ يريد محذوفٌ تقديرُه يريد الله تشريعَ ما شرَع من التحريم والتحليلِ لأجل التبـيـينِ لكم، وهذا مذهبُ البصريـين ويُعزىٰ إلى سيبويهِ، وقيل: إن اللامَ بنفسها ناصبةٌ للفعل من غير إضمارِ أن وهي وما بعدها مفعولٌ للفعل المتقدمِ فإن اللامَ قد تقام مَقامَ أن في فعل الإرادةِ والأمرِ فيقال: أردت لأذهبَ وأن أذهبَ وأمرتك لتقومَ وأن تقوم، قال تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف، الآية 8] وفي موضع: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ } تفسير : [التوبة، الآية 32] وقال تعالى: {أية : وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ }تفسير : [الأنعام، الآية 71] وفي موضع: {أية : وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ }تفسير : [غافر، الآية 66] وفي آخر: {أية : وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} تفسير : [الشورى، الآية 15] أي أن أعدل بـينكم وهذا مذهبُ الكوفيـين، ومنعه البصريون وقالوا: إن وظيفةَ اللامِ هي الجرُّ والنصبُ فيما قالوا بإضمار أن أي أُمِرنا بما أمرنا لنُسلم ويريدون ما يريدون ليطفئوا، وقيل: يؤوّل الفعلُ الذي قبل اللامِ بمصدر مرفوعِ بالابتداء ويُجعل ما بعده خبراً له، كما في: «تَسْمَعُ بالمُعَيْديّ خيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ» أي أن تسمَعَ به، ويُعزى هذا الرأيُ إلى بعض البصْريـين {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من الأنبـياء والصالحين لتقتدوا بهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} إذا أنبتم إليه تعالى عما يقع منكم من التقصير والتفريطِ في مراعاة ما كُلّفتموه من الشرائع فإن المكلفَ قلما يخلو من تقصير يستدعي تلافِيَه بالتوبة، ويغفرُ لكم ذنوبَكم أو يُرشدُكم إلى ما يردعكم عن المعاصي ويحثُكم على التوبة أو إلى ما يكون كفارةً لسيئاتكم وليس الخطابُ لجميع المكلفين حتى يتخلفَ مرادُه تعالى عن إرادته فيمن لم يتُبْ منهم بل لطائفة معينةٍ حصَلت لهم هذه التوبةُ {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلم بالأشياء التي من جملتها ما شرَع لكم من الأحكام {حَكِيمٌ} مُراعٍ في جميع أفعالِه الحكمةَ والمصلحةَ.

السلمي

تفسير : قوله عز وجل: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [الآية: 26]. فتبينوا ولا تكونوا عُميًا عمَّا بيَّن لكم. وقال بعضهم رحمه الله: لا يتبين بيان الله عز وجل إلا المكاشفون من حقائق الحق. وقال بعضهم رحمه الله: يريد الله ليبين لكم أنه ليس إليكم من أموركم شىء. قوله عز وجل: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}. قيل: سنن الأنبياء والصديقين، وسننهم من التفويض والتسليم والرضا بالمقدور ساء أم سَرَّ.

القشيري

تفسير : لما عرَّف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمَّته أخبار مَنْ مضى من الأمم، وما عملوا، وما عاملهم به انتظروا ما الذي يفعل بهم؛ فإن فيهم أيضاً من ارتكب ما لا يجوز، فقالوا: ليت شِعْرنا بأيِّ نوع يعاملنا... أبا لخسف أو بالمسخ أو بالعذاب أو بماذا؟ فقال تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} نعرِّفكم ما الذي عملنا بهم. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أمَّا أنتم فأتوب عليكم، أمّا من تقدَّم فلقد دمّرتُ عليهم. ويقال: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}: أي يكاشفكم بأسراره فيظهر لكم ما خفي على غيركم. ويقال يريد الله ليبيِّن لكم انفرادَه - سبحانه - بالإيجاد والإبداع، وأنه ليس لأحد شيء. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} طريقة الأنبياء والأولياء وهو التفويض والرضاء، والاستسلام للحكم والقضاء. وقيل: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يتقَبَّلُ توبتكم بعدما خلقَ توبتكم، ثم يُثِيبُكُم على ما خلق لكم من توبتكم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ} اى ان يصرح لكم ما اشكل على قلوبكم من علوم الغيبة احكان الالهامية وحقائق الشرعية ليقتدى بكم المريد ومن يستفيد منكم الصادقون قيل اى انه ليس اليكم من اماركم شئ وقال الاستاد يكاشفكم باسراره ليظهر لكم اخفى على غيركم قوله تعالى {لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} يعنى طرق معارف الانبياء وكواشف الاصفياء وسبل مقاماتهم وحالاتهم ورياضتهم وقيل سنن الانبياء والصديقين وسننهم والتفويض والتسليم والرضا بالقدو رساء ام سر قوله تعالى {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ارادته قديمة وزلتنا محدثة ومراده تعالى من ذنبنا رجوعه الينا بنعت استقباله علينا وهذا من كماله محبة عباده فى الازل قال النصر ابادى أراد لك التوبة فتاب عليك ولوارادته لنفسك لعلك كنت حرم قوله تعالى {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} اى من يخفف عنكم من ثقل اوازر المعصية اذا باشرتم امره بمراده واذا استقبل العبد الى الله سحانه فى قبلو امره ثقلت عليه النفس فاذا صبر فى العبودية رفع الله اثقال النفس عنه حتى صار مخففا فى عبادته قال تعالى {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : ثم ان لطاعته وامره وقوله ثقل الربوبية بقوله انا سنلقى عليك قولا ثقيلا فيرفع الله عن عارفه فى مقام المشاهدة ثقل الربوبية والعبودية وتسهل امرهما عليه ويحمل عنه له قال تعالى {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} تفسير : وقال طه ما انزلنا عليك القرأن لنشقى وتصديق ذلك قوله خلق الانسان ضعيفا قيل يريد الله ان يخفف عنكم اثقال العبودية لعلمه بضعفكم وجهلكم وقيل يريد الله ان يخفف عنكم ما جهلتموه يجهلكم من عظيم الامانة يقال يخفف عنكم اتعاب الطلب بروح الرضوان ويقال يخفف عنكم كلفة الامانة بحملها ويقال يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يفتح بقلوبكم من انوار المشاهدات قوله تعالى {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} اى عن حمل وارادات الغيب وسطوات المشاهدة وكشوف الصفة وضعفه هيجانه ويهمانه وزعفاته وشهقاته ودورانه وسير انه قيل ضعيف العقل الا من ايد بنور اليقين فقوته باليقين لا بنفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يريد الله ليبين لكم} اللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للارادة ومفعول يبين محذوف اى يريد الله ان يبين لكم ماهو خفى عنكم من مصالحكم وافاضل اعمالكم او ما تعبدكم به من الحلال والحرام {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} اى يدلكم على مناهج من تقدمكم من الانبياء والصالحين لتقتدوا بهم {ويتوب عليكم} يرجع بكم عن معصيته الى طاعته بالتوفيق للتوبة مما كنتم عليه من الخلاف وليس الخطاب لجميع المكلفين حتى يتخلف مراده عن ارادته فيمن لم يتب منهم بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة {والله عليم} بكم {حكيم} فيما يريده لكم.

الطوسي

تفسير : الاعراب: اللام في قوله: {ليبين لكم} للنحويين فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الكسائي، والفراء، والكوفيون: إن معناها (أن)، وإنما لا يجوز ذلك في أردت وأمرت لأنها تطلب الاستقبال، لا يجوز أردت أن قمت، ولا أمرت أن قمت فلما كانت (أن) في سائر الافعال تطلب الاستقبال، استوثقوا له باللام، وربما جمعوا بين اللام وكي لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: شعر : أردت لكيما لا ترى لي عثرة ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل تفسير : وقال الفراء: ربما جاء مع غير الارادة والأمر، أنشدني بن الجراح: شعر : أحاول إعنا اتي بما قال أم رجا ليضحك مني أو ليضحك صاحبه تفسير : ومعناه: رجا أن يضحك، ومثله: {أية : وأمرنا لنسلم}تفسير : وفي موضع آخر: {أية : أمرت أن أكون أول من أسلم} تفسير : وربما جمعوا بين اللام وكي وأن، قال الشاعر: شعر : أردت لكيما أن تطير بقربتي فتتركها شناً ببيداء بلقع تفسير : ولا يجوز في الظن أن تقع اللام بمعنى أن، لأن الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وظننت أن تقوم، ولا يجوز: ظننت لتقوم بمعنى: ظننت أن تقوم. الثاني - قال الزجاج لا يجوز أن تقع اللام بمعنى أن، واستشهد بقول الشاعر: شعر : أردت لكيما يعلم الناس إنها سراويل سعد والوفود شهود تفسير : فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا تدخل أن على كي، قال: الرماني: ولقائل أن يقول: إن هذه لام الاضافة مردودة إلى أصلها، فلا يجب وقوع أن موقعها، ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام دخلت في هذا على تقدير المصدر، أي: ارادة للبيان لكم، نحو قوله: {أية : إن كنتم للرؤيا تعبرون} {أية : ردف لكم بعض الذي تستعجلون} تفسير : ومعناه: إن كنتم تعبرون الرؤيا، قال كثير: شعر : أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل تفسير : أي: إرادتي لهذا. الثالث - ضعف هذين الوجهين بعض النحويين، بأن جعل اللام بمعنى (أن) لم تقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد بمعنى ضربت زيداً، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم، نحو لزيد ضربت وللرؤيا تعبرون، لأن عمل الفعل في التقديم يضعف، كعمل المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا في المتصرف، فأما "ردف لكم" فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك يريد ما يريد لكم، وكذلك قوله: {أية : وأمرنا لنسلم } تفسير : أي أمرنا بما أمرنا لنسلم، فهي تجري بهذا على أصولها، وقياس بابها. وقال قوم معناه: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، كما قال: {أية : وأمرت لأعدل بينكم }تفسير : معناه: وأمرت بهذا من أجل ذلك، وإنما لم يجز أن يراد الماضي لأمرين: أحدهما - أن الارادة لاستدعاء الفعل، ومحال أن يستدعي ما قد فعل، كما أنه محال أن يؤمر بما قد وقع، لأنه لا يحسن أن يقول: إفعل أمس، أو أريد أمس. والثاني - أن بالارادة يقع الفعل على وجه دون وجه، من حسن أو قبح، أو طاعة أو معصية، وذلك محال فيما مضى. المعنى: وقوله: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} قيل فيه قولان: أحدهما - {يهديكم سنن الذين من قبلكم} من أهل الحق، لتكونوا على الاقتداء بهم في اتباعه لما لكم فيه من المصلحة. الثاني - {سنن الذين من قبلكم} من أهل الحق، وغيرهم، لتكونوا على بصيرة فيما تفعلون أو تجتنبون من طرائقهم، وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأن الله تعالى بين أنه يريد أن يتوب على العباد، وهم يزعمون أنه يريد منهم الاصرار على المعاصي. وقال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على أن ما ذكر في الآيتين من تحريم النكاح أو تحليله، قد كان على من قبلنا من الأمم، لقوله تعالى: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} أي في الحلال والحرام. قال الرماني: لا يدل ذلك على اتفاق الشريعة، وإن كنا على طريقتهم في الحلال والحرام، كما لا يدل عليه وإن كنا على طريقتهم في الاسلام، وهذا هو الأقوى.

الجنابذي

تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} ما هو صلاحكم في معاشكم ومعادكم بتلك الاحكام من تحريم المحرّمات وتحليل المحلّلات وتسنين الاستمتاع بالنّساء والتّرخيص فى المكروهات من نكاح الاماء وقت مساس الحاجة والتّعفّف عنهنّ مهما امكن {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} من الانبياء لتقتدوا بهم {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} بخروجكم عن مشتهى انفسكم ودخولكم تحت امره بامتثال اوامره ونواهيه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} فيعلم ما هو اصلح بحالكم {حَكِيمٌ} فلا يأمركم بما ليس فيه صلاحكم.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} يعني يريد الله أن يبيِّن لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وفاضل أعمالكم {و} أن {يهديكم} مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم، ليقتدوا بهم {ويتوب عليكم} يرشدكم إلى الطاعات إن قمتم بها كانت كفران لسيئاتكم فيتوب عليكم ويكفر لكم، قوله تعالى: {ويريد} الفجرة {الذين يتّبعُون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً} وهو الميل عن القصد والحق فلا ميل أعظم منه لموافقتهم ومساعدتهم، وقيل: هم اليهود، وقيل: المجوس كانوا يحلُّون نكاح الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرمهنَّ الله قالوا: فإنكم تحلُّون بنت العمَّة والخالة والعمَّة عليكم حرام فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلت يقول: يريدون أن تكونوا مثلهم، قوله تعالى: {يريد الله أن يخفِّف عنكم} يعني بنكاح الأَمة وغيره من الرخص {وخلق الإِنسان ضعيفاً} لا يصبر عن الشهوات ولا على مشاق الطاعات، وعن سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء نعوذ بالله منه، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ثمان آيات في سورة النساء هي لهذه الأمَّة خير مما طلعت عليه الشمس وغربت" تفسير : {يريد الله ليبين لكم} {والله يريد أن يتوب عليكم} {يريد الله أن يخفف عنكم} {أية : أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه}تفسير : [النساء: 31] {أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به}تفسير : [النساء: 48] {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة}تفسير : [النساء: 40] {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه}تفسير : [النساء: 110] {أية : ما يفعل الله بعذابكم} تفسير : [النساء: 147] الآية.

الهواري

تفسير : قوله: {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي حلاله وحرامه {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي شرائع الذين من قبلكم من المؤمنين فيما حرّم من الأمهات والبنات والأخوات.... إلى آخر الآية. قوله: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يتجاوز عما كان من نكاحكم إياهن قبل التحريم {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بخلقه حكيم في أمره. قوله: {وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَّتُوبَ عَلَيْكُمْ}. وهي مثل الأولى. قال: {وَيُرِيدُ الذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} وهم اليهود في استحلالهم نكاح الأخوات {أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} أي أن تخطئوا خطأً عظيماً. وقال مجاهد: {الشَّهَوَاتِ}: الزنا، وقوله: {أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً}: أن تزنوا. ذكروا عن مجاهد أنه قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مد من خمر، ولا من أتى ذات محرم، ولا مهاجر رجع إلى أعرابيته .

اطفيش

تفسير : {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}: مفعول يريد محذوف، واللام للتعليل، أى يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم، وقيل: مفعوله مصدر "يبين" واللام صلة للتأكيد، أى: يريد الله التبيين لكم، ومفعول يبين محذوف أى: ليبين لكم مصالحكم، ودينكم، أو ما يقربكم، أو أن الصبر عنهن خير. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: شرائع من قبلكم، أو إبراهيم عليه السلام، ومن تبعه فى تحريم الأمهات والبنات، والمنع من تزوج الأمة إلا إن كانت مؤمنة مع عدم الطول، ومع خوف العنت، وقيل: ليس كل ذلك عند من قبلنا، ولكن المعنى: يبين لكم مثل سنن من قبلكم لأن الشرائع ولو اختلفت لكن كلف بكل، والعقاب على الترك والثواب على الوفاء، واتفقوا أن أولاد آدم أبيح لهم أخواتهم.. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ}: يرجع بكم عن المعاصى التى كنتم عليها لم يبحها لكم ولم تعذروا فيها فى الجاهلية كالزنى إلى طاعته أو يغفر لكم ذنوبكم، أو يحثكم على التوبة أو يرشدكم إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ}: بمصالح عباده ديناً ودنيا. {حَكِيمٌ}: فيما دبر لكم.

اطفيش

تفسير : {يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّن لَكُمْ} اللام تأكيد، والنصب بأن، أى يريد الله التبيين لكم، أو يريد الله تحليل ما حلل، وتحريم ما حرم، وتشريع ما شرع، لأجل أن يبين هذا الحق ومصالحكم، ويميز بين الحق والباطل، والحسن والقبيح فاللام للتعليل، وفيها تخلص من تعدى الفعل إلى مفعولة المتأخر عنه بالحرف، وهو ممتنع أو ضعيف، وقيل بجوازه فى مقام التأكيد، وحمل بعض الآية عليه، والعامة تقول أَعطيت لزيد درهما، والكوفيون يقيمون اللام مقام أن فى فعل الإرادة {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} شرائعهم، وأن من قبلكم مثلكم فى هذه الأنكحة إلا ما شذ، أو شبه هذه الأحكام بتكاليف من قبلنا فى الصلاح الدنيوى والأخروى ولو تخالفت {وَيَتُوبَ عَليْكُمْ} يغفر الذنب، على أن الكلام كل، لأَن إرادته لا تتخلف، وليسوا كلهم مغفوراً لهم، أو يرشدكم إلى ما تتركون به المعاصى، وتتوبون به عما صدر منها، أو إلى مايكون كفارة لذنوبكم على أن الكلام كلية {وَاللهُ عَلِيمٌ} بكل شىء {حَكِيمٌ} يضع كل شىء فى موضعه.

الالوسي

تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} استئناف مقرر لما سبق من الأحكام، ومثل هذا التركيب وقع في كلام العرب قديماً وخرجه النحاة ـ كما قال الشهاب ـ على مذاهب فقيل: مفعول (يريد) محذوف أي تحليل ما أحل وتحريم ما حرم ونحوه، واللام للتعليل أو العاقبة أي ذلك لأجل التبيين، ونسب هذا إلى سيبويه وجمهور البصريين، فتعلق الإرادة غير التبيين وإنما فعلوه لئلا يتعدى الفعل إلى مفعوله المتأخر عنه باللام وهو ممتنع أو ضعيف. وقيل: إنه إذا قصد التأكيد جاز من غير ضعف، وقد قصد هنا تأكيد الاستقبال اللازم للإرادة ولكن باعتبار التعلق وإلا فإرادة الله تعالى قديمة، وسمى صاحب «اللباب» هذه اللام لام التكملة وجعلها مقابلة للام التعدية. وذهب بعض البصريين إلى أن الفعل مؤل بالمصدر من غير سابك كما قيل به في ـ تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ـ على أنه مبتدأ والجار والمجرور خبره أي إرادتي كائنة للتبيين وفيه تكلف، وذهب الكوفيون إلى أن اللام هي الناصبة للفعل من غير إضمار وإن وهي وما بعدها مفعول للفعل المقدم لأن اللام قد تقام مقام إن في فعل الإرادة والأمر، والبصريون يمنعون ذلك ويقولون: إن وظيفة اللام الجر والنصب بأن مضمرة بعدها، ومفعول ـ يبين ـ على بعض الأوجه محذوف أي: ليبين لكم ما هو خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم، أو ما تعبدكم به أو نحو ذلك، وجوز أن يكون قوله تعالى: {لِيُبَيّنَ} وقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ} تنازعا في قوله سبحانه: {سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي مناهج من تقدمكم من الأنبياء والصالحين لتقتفوا أثرهم وتتبعوا سيرهم، وليس المراد أن الحكم كان كذلك في الأمم السالفة كما قيل به، بل المراد كون ما ذكر من نوع طرائق المتقدمين الراشدين وجنسها في بيان المصالح. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} عطف على ما قبله وحيث كانت التوبة ترك الذنب مع الندم والعزم على عدم العود وهو مما يستحيل إسناده إلى الله تعالى ارتكبوا تأويل ذلك في هذا المقام بأحد أمور: فقيل إن التوبة هنا بمعنى المغفرة مجازاً لتسببها عنها، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يمنع عن المعاصي على سبيل الاستعارة التبعية لأن التوبة تمنع عنها كما أن إرشاده تعالى كذلك، أو مجاز عن حثه تعالى عليها لأنه سبب لها عكس الأول، أو بمعنى الإرشاد إلى ما يكفرها على التشبيه أيضاً، وإلى جميع ذلك أشار ناصر الدين البيضاوي. وقرر العلامة الطيبـي أن هذا من وضع المسبب موضع السبب وذلك لعطف {وَيَتُوبَ} على {وَيَهْدِيَكُمْ} / الخ على سبيل البيان كأنه قيل: ليبين لكم ويهديكم ويرشدكم إلى الطاعات، فوضع موضعه {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} وما يرد على بعض الوجوه من لزوم تخلف المراد عن الإرادة وهي علة تامة يدفعه كون الخطاب ليس عاماً لجميع المكلفين بل لطائفة معينة حصلت لهم هذه التوبة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم ما شرع لكم من الأحكام وما سلكه المهتدون من الأمم قبلكم وما ينفع عباده المؤمنين وما يضرهم {حَكِيمٌ} مراع في جميع أفعاله الحكمة والمصلحة فيبين لمن يشاء ويهدي من يشاء ويتوب على من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ابن عاشور

تفسير : تذييل يقصد منه استئناس المؤمنين واستنزال نفوسهم إلى امتثال الأحكام المتقدّمة من أوّل السورة إلى هنا، فإنّها أحكام جمّة وأوامر ونواه تفضي إلى خلع عوائدَ ألفوها، وصرفِهم عن شهوات استباحوها، كما أشار إليه قوله بعد هذا {أية : ويريد الذين يتبعون الشهوات}تفسير : [النساء: 27]، أي الاسترسال على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأعقب ذلك ببيان أنّ في ذلك بيانا وهُدى. حتّى لا تكون شريعة هذه الأمّة دون شرائع الأمم التي قبلها، بل تفوقُها في انتظام أحوالها، فكان هذا كالاعتذار على ما ذكر من المحرّمات. فقوله: {يريد الله ليبين لكم} تعليل لتفصيل الأحكام في مواقع الشبهات كي لا يضلّوا كما ضلّ من قبلهم، ففيه أنّ هذه الشريعة أهدى ممّا قبلها. وقوله: {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} بَيان لقصدِ إلحاق هذه الأمّة بمزايا الأمم التي قبلها. والإرادة: القصد والعزم على العمل، وتطلق على الصفة الإلهيّة التي تخصّص الممكن ببعض ما يجوز عليه. والامتنانُ بما شرعه الله للمسلمين من توضيح الأحكام قد حصلت إرادته فيما مضى، وإنّا عُبّر بصيغة المضارع هنا للدلالة على تجدّد البيان واستمراره، فإنّ هذه التشريعات دائمة مستمرّة تكون بيانا للمخاطبين ولمن جاء بعدهم، وللدلالة على أنّ الله يُبقي بعدها بياناً متعاقباً. وقوله: {يريد الله ليبين لكم} انتصب فعل (يبيّنَ) بأنْ المصدرية محذوفة، والمصدر المنسبك مفعول (يريد)، أي يريد الله البيانَ لكم والهُدى والتوبةَ، فكانَ أصل الاستعمال ذكر (أنْ) المصدرية، ولذلك فاللام هنا لتوكيد معنى الفعل الذي قبلها، وقد شاعت زيادة هذه اللاّم بعد مادّة الإرادة وبعد مادّة الأمر معاقِبة لأن المصدرية. تقول، أريد أن تفعل وأريد لِتَفْعَل، وقال تعالى: {أية : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم}تفسير : [التوبة: 32] وقال: {أية : يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم}تفسير : [الصف: 8] وقال: {أية : وأمرت أن أسلم لرب العالمين}تفسير : [غافر: 66] وقال: {أية : وأمرت لأعدل بينكم}تفسير : [الشورى: 15] فإذا جاؤوا باللاّم أشبهت لام التعليل فقدّروا (أنْ) بعد اللام المؤكّدة كما قد روها بعد لاَم كي لأنّها أشبهتها في الصورة، ولذلك قال الفرّاء: اللام نائبة عن أن المصدرية. وإلى هذه الطريقة مال صاحب «الكشاف». وقال سيبويه: هي لام التعليل أي لام كي، وأنّ ما بعدها علّة، ومفعولَ الفعل الذي قبلها محذوف يقدّر بالقرينة، أي يريد الله التحليل والتحريم ليبيّن. ومنهم من قرّر قول سيبويه بأنّ المفعول المحذوف دلّ عليه التعليل المذكور فيقدّر: يريد الله البيانَ ليبيّن، فيكون الكلام مبالغة بجعل العلّة نفس المعلّل. وقال الخليل، وسيبويه في رواية عنه: اللاّم ظَرف مستقرّ هو خبر عن الفعل السابق، وذلك الفعلُ مقدّر بالمصدر دون سابك على حدّ «تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه» أي إرادة الله كائنة للبيان، ولعلّ الكلام عندهم محمول على المبالغة كأنّ إرادة الله انحصرت في ذلك. وقالت طائفة قليلة: هذه اللاّم للتقوية على خلاف الأصل، لأنّ لام التقوية إنّما يجاء بها إذا ضعف العامل بالفرعية أو بالتأخّر. وأحسن الوجوه قول سيبويه، بدليل دخول اللام على كَي في قول قيس بن سعد بن عَبادة الخزرجي.شعر : أردتُ لكيمَا يَعْلَمَ الناسُ أنّها سَراويلُ قَيس والوفود شهود تفسير : وعن النحّاس أنّ بعض القرّاء سمّى هذه اللاّم لام (أنْ). ومعنى {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} الهداية إلى أصول ما صلح به حال الأمم التي سبقتنا، من كليات الشرائع، ومقاصدها. قال الفخر: «فإن الشرائع والتكاليف وإن كانت مختلفة في نفسها، إلاّ أنّها متّفقة في باب المصالح». قلت: فهو كقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}الآية. وقوله: {ويتوب عليكم} أي يتقبّل توبتكم، إذْ آمنتم ونبذتم ما كان عليه أهل الشرك من نكاح أزواج الآباء، ونكاح أمّهات نسائكم، ونكاح الربائب، والجمع بين الأختين. ومعنى: {ويتوب عليكم} يقبل توبتكم الكاملة باتّباع الإسلام، فلا تنقضوا ذلك بارتكاب الحرام. وليس معنى {ويتوب عليكم} يوفّقكم للتوبة، فيشكل بأنّ مراد الله لا يتخلّف، إذ ليس التوفيق للتوبة بمطّرد في جميع الناس. فالآية تحريض على التوبة بطريق الكناية لأنّ الوعد بقبولها يستلزم التحريض عليها مثل ما في الحديث: «حديث : فيقول هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له» تفسير : هذا هو الوجه في تفسيرها، وللفخر وغيره هنا تكلّفات لا داعي إليها. وقوله: {والله عليم حكيم} مناسب للبيان والهداية والترغيب في التوبة بطريق الوعد بقبولها، فإنّ كلّ ذلك أثر العلم والحكمة في إرشاد الأمّة وتقريبها إلى الرشد.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يريد الله ليبين لكم: يريد الله أن يبيّن لكم بما حرم عليكم وأحل لكم ما يكملكم ويسعدكم في دنياكم وأخراكم. سنن الذين من قبلكم: طرائق الذين من قبلكم من الأنبياء والصالحين لتنهجوا نهجهم فتطهروا وتكملوا وتفلحوا مثلهم. ويتوب عليكم: يرجع بكم عما كنتم عليه من ضلال الجاهلية إلى هداية الإِسلام. الذين يتبعون الشهوات: من اليهود والنصارى والمجوس والزناة. أن تميلوا ميلاً عظيماً: تحيدوا عن طريق الطهر والصفاء إلى طريق الخبث والكدر بارتكاب المحرمات من المناكح وغيرها فتبتعدوا عن الرشد بعداً عظيماً. وخلق الإِنسان ضعيفاً: لا يصبر عن النساء، فلذا رخّص تعالى لهم في الزواج من الفتيات المؤمنات. معنى الآيات: لما حرم تعالى ما حرم من المناكح وأباح ما أباح منها علل لذلك بقوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ} أي بما شرع ليبيّن ما هو نافع لكم مما هو ضار بكم فتأخذوا النافع وتتركوا الضار، كما يريد أن يهديكم طرائق الصالحين من قبلكم من أنبياء ومؤمنين صالحين لتسلكوها فتكلموا وتسعدوا في الحياتين، كما يريد بما بين لكم أن {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي يرجع بكم من ضلال الجاهلية إلى هداية الإِسلام فتعيشوا على الطهر والصلاح، وهو تعالى عليم بما ينفعكم ويضركم حكيم في تدبيره لكم فاشكروه بلزوم طاعته، والبعد عن معصيته. هذا ما تضمنته الآية الأولى [26] أما الآية الثانية [27] فقد تضمنت الإِخبار بأن الله تعالى يريد بما بيّنه من الحلال والحرام في المناكح وغيرها أن يرجع بالمؤمنين من حياة الخبث والفساد التي كانوا يعيشونها قبل الإِسلام إلى حياة الطهر والصلاح في ظل تشريع عادل رحيم. وأنَّ الذين يتَّبعون الشهوات من الزناة واليهود والنصارى وسائر المنحرفين عن سنن الهدى فإنهم يريدون من المؤمنين أن ينحرفوا مثلهم فينغمسوا في الملاذ والشهوات البهيمية حتى يصبحوا مثلهم لا فضل لهم عليهم، وحينئذ لا حق لهم في قيادتهم أو هدايتهم. هذا معنى الآية الثانية أما الثالثة [28] فقد أخبر تعالى أنه بإباحته للمؤمنين العاجزين عن نكاح الحرائر نكاح الفتيات المؤمنات يريد بذلك التخفيف والتيسير عن المؤمنين رحمة بهم وشفقة عليهم لما يعلم تعالى من ضعف الإِنسان وعدم صبره عن النساء بما غرز فيه من غريزة الميل إلى أنثاه لحفظ النوع ولحكم عالية وقال تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- منّة الله تعالى علينا في تعليله الأحكام لنا لتطمئن نفوسنا ويأتي العمل بانشراح صدر وطيب خاطر. 2- منة الله تعالى على المؤمنين بهدايتهم إلى طرق الصالحين وسبيل المفلحين ممن كانوا قبلهم. 3- منتة تعالى في تطهير المؤمنين من الأخباث وضلال الجاهليات. 4- الكشف عن نفسية الإِنسان، إذ الزناة يرغبون في كون الناس كلهم زناه والمنحرفون يودون أن ينحرف الناس مثلهم، وهكذا كل منغمس في خبث أو شر أو فساد يود أن يكون كل الناس مثله، كما أن الطاهر الصالح يود أن يطهر ويصلح كل الناس. 5- ضعف الإِنسان أمام غرائزه لا سيما غريزة الجنس.

القطان

تفسير : بعد ان ذكر الشارع احكام النكاح جاء هنا يبين عللها وأحكامها كما هو دأب القرآن الكريم، ليكون في ذلك طمأنينة للقلوب، وسكون للنفوس. والمعنى إن الله،ـ بما شرعه لكم من الأحكام، يريد ان يبين لكم ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وان يهديكم مناهج من تقدَّمكم من الأنبياء، كما يريد لكم إن تتوبوا عن جميع أعمالكم السابقة في الجاهلية، فيرجع بكم الى طريق طاعته. والله مطلع على شئونكم، مدبِّر في أحكامه لما يصلح أموركم. انه يريد ان يتوب عليكم فيطهركم ويزكّي نفوسكم، أما الذين يتبعون الشهوات من الكفار والفجرة فإنهم يريدون لكم ان تبعدوا عن طريق الحق وتُمعنوا في ذلك. لقد خلق الله الانسان ضعيفا أمام غرائزه وميوله، ولذلك فإنه بتيسيره عليه في الأحكام إنما يود ان يخفف عنه ويرفع عنه الحرج. هذا هو الشرع الاسلامي الشريف.

د. أسعد حومد

تفسير : (26) - إنَّ اللهَ يُرِيدُ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أيُّها المُؤْمِنُونَ، مَا أُحِلَّ لَكُمْ، وَمَا حُرِّمَ عَلَيْكُم، وَأَنْ يَهْدِيكُمْ إلَى سُنَنِ مَنْ كَانُوا قَبْلَكُمْ، وَطَرائِقِهِمِ الحَمِيدَةِ، وَإلى اتِّبَاعِ شَرَائِعِهِ التِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا، وَيُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم مِمَّا ارْتَكَبْتُمْ مِنَ الإِثْمِ وَالمَحَارِمِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. السُّنَنَ - وَاحِدَتُها سُنَّةٌ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ وَالنَّهْجُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ماذا يبين لنا؟ إنه - سبحانه - يبين القوانين الحاكمة لانتظام الحياة. وقلنا إنه لا يمكن أن يوجد تجريم إلا بنص ولا توجد عقوبة إلا بتجريم. فقبلما يعاقبك على أمر فهو يقول لك: هذه جريمة ويُنص عليها، إنه لا يأتي ليقول لك: فعلت الشيء الفلاني وهذه عقوبته؛ لأنك قد تقول له: فعلت هذا الفعل من قبل ولم أعرف أنه جريمة وعليه عقوبة. إذن فلا يمكن أن تعاقب إلا إذا أجرمت، ولا يمكن أن تجرم إلا بنص، فيريد الله أن يبصركم ببيان ما تصلح به حركة حياتكم، والله آمن عليكم من أنفسكم، لأنه هو سبحانه الذي خلق وهو يعلم مَنْ خلق. إن سبحانه - وحده - الذي يقنن ما يصلح مخلوقه، أما أن يخلق هو وأنت تقنن فهذا اعتداء؛ لأنه سبحانه يقنن لما يعلم - ولله المثل الأعلى - وقلنا سابقاً: إن المهندس الذي يصنع التليفزيون هو الذي يضع له قانون الصيانة ؛ لأنه هو الذي صمم الآلة، وهو الجدير بأن يضع لها قانون صيانتها، فيعلمنا: المفتاح هذا لكذا، وهذا للصورة وهذا للصوت. إن الذي خلق الإنسان هو الذي يضع قانون صيانته المتمثل في "افعل ولا تفعل"، وترك سبحانه أموراً لم يرد فيها افعل ولا تفعل، وهي متروكة على الإباحة، تفعله أو لا تفعله، إنه سبحانه: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..} [النساء: 26]، والسنة هي الناموس الحاكم لحركة الحياة. والحق يقول: {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 62]. والرسل سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفنا الذين أطاعوا رسلهم ماذا حدث لهم، والذين كذبوا رسلهم ماذا حدث لهم. لقد قال الحق في شأنهم: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 40]. فالله يريد أن يبين لنا سنن مَنْ قبلنا، أي الطرائق التي حُكموا بها، وماذا حدث لأهل الحق وماذا حدث لأهل الباطل. إذن فهو ليس تقنيناً أصم، بل هو تقنين مسبوق بوقائع تؤكده وتوثقه، {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 26] وهو سبحانه يبين ويوضح ويتوب، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ ..} [النساء: 26] لأنه خالق، {حَكِيمٌ} [النساء: 26] يضع الأمر في موضعه والنهي في موضعه. فالحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، وسبحانه يضعه عن علم، فالعلم يقتضي اتساع المعلومات، والحكمة هي وضع كل معلوم في موقعه. وبعد ذلك يقول سبحانه: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} مفعول يريد محذوف وتقديره يريد الله هذا أي تحليل ما أحلّ وتحريم ما حرم وتشريع ما تقدم ذكره. وقيل: يريد في معنى المصدر من غير سابك تقديره إرادة الله ليبين لكم وهذان القولان عن البصريين. وقال الكوفيون: مفعول يريد هو ليبين، واللام زائدة، والمعنى يريد الله التبيين لكم واللام ناصبة بنفسها. وقال الزمخشري: أصله يريد الله أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإِرادة التبيين كما زيدت في لا أباً لك لتأكيد إضافة الأب. والمعنى يريد الله أن يبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم وأفاضل أعمالكم. "انتهى كلامه". وهو خارج عن أقوال البصريين والكوفيين أما كونه خارجاً عن أقوال البصريين فلأنه جعل اللام مؤكدة مقوية لتعدي يريد والمفعول متأخر وأضمر أن بعد هذه اللام واما كونه خارجاً عن قول الكوفيين فإِنهم يجعلون النصب باللام لإِبان وهو جعل النصب بأنْ مضمرة بعد اللام ومفعول يبني محذوف تقديره شرائع دينكم ومصالح أموركم، ويجوز عندي أن يكون من باب الأعمال فيكون مفعول ليبين ضميراً محذوفاً يفسره مفعول ويهديكم، نحو: ضربت وأهنت زيداً التقدير ليبينها لكم ويهديكم. {سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي ليبين لكم سنن الذين من قبلكم وهي مناهج الأنبياء والصالحين. قال ابن عطية: وتكرار إرادة الله للتوبة على عباده تقوية للأخبار الأوَل وليس المقصد في الآية الا الاخبار عن إرادة الذين يتبعون الشهوات فقدمت إرادة الله توطئة مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات. "انتهى". فاختار مذهب الكوفيين في أن جعلوا قوله ليبين في معنى أن يبين فيكون مفعولاً ليريد وعطف عليه ويتوب فهو مفعول مثله، ولذلك قال: وتكرار إرادة الله للتوبة على عباده.. إلى آخر كلامه. وكان قد حكى قول الكوفيين وقال: هذا ضعيف، فرجع آخر إلى ما ضعفه. وكان قد قدم إنّ مذهب سيبويه إن مفعول يريد محذوف والتقدير يريد الله هذا التبيين والشهوة هو ما يغلب على النفس محبته وهواه ولما كانت التكاليف الشرعية فيها قمع للنفس وردها عن مشتهياتها كان اتباع شهواتها سبباً لكل مذمة وعبر عن الكافر والفاسق بمتبع الشهوات كما قال تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}تفسير : [الأعراف: 169، مريم: 59] الآية، واتباع الشهوة في كل حال مزموم لأن ذلك ائتمار لها من حيث ما دعت الشهوة إليه أما إذا كان الاتباع من حيث العقل أو الشرع فذلك اتباع لهما لا للشهوة ومتبعوا الشهوات هنا هم الزنا، قاله مجاهد. و{أَن تَمِيلُواْ} عن الحق أو إلى الشهوات. {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} ان لا يصبر عن الشهوات وعلى مشاق الطاعة. {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ} الآية تقدم تفسير نظيرها ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما بين كيفية التصرف في النفوس بالنكاح بين كيفية التصرف في الأموال الموصلة إلى النكاح وإلى ملك اليمين وأن المهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما ملكت بالباطل والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة. {إِلاَّ أَن تَكُونَ} استثناء منقطع إذا لم تندرج التجارة تحت أكل الأموال بالباطل. وقرىء تجارة بالنصب على خبر تكون وبالرفع على أن تكون تامة. {عَن تَرَاضٍ} أي من البائع والمشتري والظاهر أنه إذا حصل التراضي جاز بيع التافه اليسير بالنفيس الكثير. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} ظاهره النهي عن قتل الانسان نفسه ويجوز أن يكون المعنى على النهي عن قتل بعضنا بعضاً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مراده لعباده بقوله تعالى: {يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أنعم على هذه الأمة بإرادة أشياء بهم: أولها: التبيين بقوله تعالى: {{يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} [النساء: 26]؛ وهو أن يبين لهم الصراط المستقيم إلى الله. وثانيها: الهداية بقوله تعالى: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [النساء: 26]؛ يعني: من الأنبياء والأولياء، وهو أن يهديهم إلى صراط المستقيم بالعيان بعد البيان، وثالثها: التوبة عليهم بقوله تعالى: {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: 26]، {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} [النساء: 27]، {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 28]؛ وهي أن يرجع بهم إلى حضرته على صراط الله تعالى، وهي أن يوصلكم إلى حضرته بالمعونة ويخفف عنكم المؤنة، وهذا مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته لوجهين: أحدهما: إن الله تعالى أخبر عن ذهاب إبراهيم عليه السلام إلى حضرته باجتهاده، وهو المؤنة، وقال تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} تفسير : [الأعراف: 143]، وأخبر تعالى عن آل نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا}تفسير : [الإسراء: 1] الذي هو المعونة فخفف عنهم المؤنة. وأخبر عن حال هذه الأمة بقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 53]، وهذا أيضاً بالمعونة وهي جذبات العناية، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين"تفسير : ، وقوله: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 27-28]، هو أيضاً جذبة العناية، فافهم جيداً. والوجه الثاني: إن النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصن بالوصال إلى مقام {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ}تفسير : [النجم: 9] {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 13]، وبقوله: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم: 11]، وانقطع سائر الأنبياء - عليهم السلام - في السماوات السبع. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة الإسراء قال: "حديث : رأيت آدم في سماء الدنيا، إلى أن قال: رأيت إبراهيم في السماء السابعة"تفسير : ، فعبر عنهم جميعاً إلى كمال القرب والوصول، وأما الأمة فقال تعالى في حقهم: "حديث : من تقرب إليَّ شبراً، تقربت إليه ذراعاً"تفسير : ، وقال تعالى: "حديث : لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً"تفسير : ، وهذا هو حقيقة الوصول والوصال، ولكن الفرق بين النبي والولي في ذلك: إن النبي مستقل بنفسه في السير إلى الله، ويكون خطه من كمل مقام بحسب استعداده الكامل، والولي لا يمكنه السير إلى الله إلا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تسليكه في سبيل {أية : أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي}تفسير : [يوسف: 108]، ويكون خطه من المقامات بحسب استعداده، فافهم جيداً. ثم في قوله تعالى: {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 28]، على عقيب هذه البشارات والإشارات، إشارات أنه لو لم يكن جذبات العناية الأزلية في حق الإنسان لما وصل سير خشيته إلى سرادقات جلال صمديته، ولو قدر لواحد قوة سير الثقلين إلى الأبد، وهذا أحد معاني قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين"تفسير : ، وإن المجذوب يصل بقوة جذبة من جذبات الحق إلى مقام لا يصل إليه الثقلان بسعيهم؛ لأن الإنسان خلق ضعيفاً وغيره أضعف منه، فغن ضعف الإنسان إنما هو بالنسبة إلى قوة جلال الله وكماله، وإنه أقوى من السماوات والأرض والجبال وأهاليها في حمل الأمانة المعروضة عليهن كلهن، {أية : فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} تفسير : [الأحزاب: 72]، فافهم جيداً. ثانيها: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}تفسير : [المعارج: 19] ضعيفاً لا يصير على الله لحظة فيما يكون على الفطرة الإنسانية، {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}تفسير : [الروم: 30]، فإنه {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، وقال شاعرهم: شعر : إذا لعب الرجال بكل شيء رأيت الحب يلعب بالرجال تفسير : والصبر في سائر الأشياء محمود، وقال لبعضهم: شعر : الصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يحمد تفسير : وكان يستحي سلطان وقته محب الدين شرف بن يزيد البغدادي - قدس الله روحه - يقول يوماً في أثناء مجلسه: إن أبا الحسن الخرقاني - رحمه الله - كان يقول: لو لم ألق نفساً لن أبق، ثم قال: لا يعظم عليكم هذا المقام، فإني رجعت لله بكثير من أصحابي عن هذا المقام. ثم اعلم أن الإنسان ممدوح بهذا الضعف؛ يعني: أن لا يصبر لضعفه عن الله تعالى فإنه مخصوص عن العالمين بشرف هذا الضعف، فإن من عداه يصبرون عن الله تعالى؛ لعدم اضطرارهم في المحبة، والإنسان مخصوص بالمحبة بدليل {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة: 54]. وثالثها: إن الإنسان مع اختصاصه بقوة حمل الأمانة وانجذابه العناية خلق ضعفاً عند سطوات تجلي الصفات ومن صفات الله تعالى، ألم تر كيف كان حال موسى عليه السلام {أية : فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143]. ورابعها: إن الصبر عن الله وإن كان شديداً، فالصبر مع الله أشد وأشد؛ لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ونقصان هذا الضعف فيه بكمال قوة سطوة تجلي ربه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يغان على قلبه؛ لضعف خلقته، فكان عند استغراق الشهود وغلبات الأحوال يقول: "حديث : كلميني يا حميراء"تفسير : ، أو كان النبي يقول: "حديث : لا معك قرار ولا منك فرار المستعان منك بك إليك ". تفسير : واعلم أن الضعف مخصوص بالإنسان وهو سبب كماله وسعادته، وسبب نقصانه وشقاوته، يتغير من ضعفه من حال إلى حال ومن صفة إلى أخرى، فيكون ساعة بصفة بهيمية يأكل ويشرب ويجامع، ويكون ساعة أخرى بصفة ملك يسبح بحمد ربه ويقدس له، ويفعل ما يؤمر ولا يعصي فيما نهاه عنه، وهذه التغيرات من نتائج ضعفه، وليس هذا الاستعداد لغيره، حتى الملك لا يقدر أن يتصف بصفات البهيمية، والبهيمية لا تقدر أن تتصف بصفات الملك؛ لعدم ضعف الإنسانية، وإنما خص الإنسان بهذا الضعف لاستكماله بالتخلق بأخلاق الله واتصافه بصفات الله تعالى، كما جاء في الحديث الرباني: "حديث : أنا ملك حي لا يموت أبداً، عبدي أطعني أجعلك حياً ملكاً لا تموت أبداً"تفسير : ، فعند هذا الكمال يكون خير البرية، وعند اتصافه بصفات البهيمية يصير شر البرية، فافهم جيداً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بمنته العظيمة ومنحته الجسيمة، وحسن تربيته لعباده المؤمنين وسهولة دينه فقال: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام، { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: الذين أنعم الله عليهم من النبيين وأتباعهم، في سيرهم الحميدة، وأفعالهم السديدة، وشمائلهم الكاملة، وتوفيقهم التام. فلذلك نفذ ما أراده، ووضح لكم وبين بيانا كما بين لمن قبلكم، وهداكم هداية عظيمة في العلم والعمل. { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي: يلطف لكم في أحوالكم وما شرعه لكم حتى تمكنوا من الوقوف على ما حده الله، والاكتفاء بما أحله فتقل ذنوبكم بسبب ما يسر الله عليكم فهذا من توبته على عباده. ومن توبته عليهم أنهم إذا أذنبوا فتح لهم أبواب الرحمة وأوزع قلوبهم الإنابة إليه، والتذلل بين يديه ثم يتوب عليهم بقبول ما وفقهم له. فله الحمد والشكر على ذلك. وقوله: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي: كامل الحكمة، فمن علمه أن علمكم ما لم تكونوا تعلمون، ومنها هذه الأشياء والحدود. ومن حكمته أنه يتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة. وقوله: { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } أي: توبة تلم شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتقرب بعيدكم. { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ } أي: يميلون معها حيث مالت ويقدمونها على ما فيه رضا محبوبهم، ويعبدون أهواءهم، من أصناف الكفرة والعاصين، المقدمين لأهوائهم على طاعة ربهم، فهؤلاء يريدون { أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا } أي: [أن] تنحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوكم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى مَنْ الشقاوةُ كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أوْلى الداعيين، وتخيّروا أحسن الطريقتين. { يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } أي: بسهولة ما أمركم به و [ما] نهاكم عنه، ثم مع حصول المشقة في بعض الشرائع أباح لكم ما تقتضيه حاجتكم، كالميتة والدم ونحوهما للمضطر، وكتزوج الأمة للحر بتلك الشروط السابقة. وذلك لرحمته التامة وإحسانه الشامل، وعلمه وحكمته بضعف الإنسان من جميع الوجوه، ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته.