٤ - ٱلنِّسَاء
4 - An-Nisa (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسألتان: المسألة الأولى: قيل: المجوس كانوا يحلون الأخوات وبنات الاخوة والأخوات، فلما حرمهن الله تعالى قالوا: إنكم تحلون بنت الخالةِ والعمةِ، والخالةُ والعمةُ عليكم حرامٌ، فانكحوا أيضا بنات الأخ والأخت، فنزلت هذه الآية. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: قوله: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } يدل على أنه تعالى يريد التوبة من الكل، والطاعة من الكل. قال أصحابنا: هذا محالٌ لأنه تعالى علم من الفاسق أنه لا يتوب وعلمه بأنه لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنع الزوال، ومع وجوب أحد الضدين كانت إرادة الضد الآخر إرادة لما علم كونه محالا، وذلك محال، وأيضاً إذا كان هو تعالى يريد التوبة من الكل ويريد الشيطان أن تميلوا ميلا عظيما، ثم يحصل مراد الشيطان لا مراد الرحمن، فحينئذ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتم من نفاذ الرحمن في ملك نفسه، وذلك محال، فثبت أن قوله: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } خطاب مع قوم معينين حصلت هذه التوبة لهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} ابتداء وخبر. و «أنْ» في موضع نصب بـ «يُرِيدُ» وكذلك {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}؛ فـ {أَن يُخَفِّفَ} في موضع نصب بـ {يُرِيدُ} والمعنى: يريد توبتكم، أي يقبلها فيتجاوز عن ذنوبكم ويريد التخفيف عنكم. قيل: هذا في جميع أحكام الشرع، وهو الصحيح. وقيل: المراد بالتخفيف نكاحُ الأَمة، أي لَمّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خفّفْنا عنكم بإباحة الإماء؛ قاله مجاهد وابن زيد وطاوس. قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. وٱختلِف في تعيين المتَّبِعين للشهوات؛ فقال مجاهد: هم الزناة. السّدِّي: هم اليهود والنصارى. وقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. والميل: العدول عن طريق الاستواء؛ فمن كان عليها أحب أن يكون أمثاله عليها حتى لا تلحقه مَعرَّة. قوله تعالى: {وَخَلَقَ ٱلإِنسَانَ ضَعِيفاً} نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشدّ الضعف فٱحتاج إلى التخفيف. وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} أي وخلق الله الإنسان ضعيفاً، أي لا يصبر عن النساء. قال ٱبن المسيِّب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أَعشُو بِالأُخرى وصاحبي أعمى أصَمّ ـ يعني ذكره ـ وإني أخاف من فتنة النساء. ونحوه عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال عُبادة: ألا تروني لا أقوم إلا رِفْداً ولا آكل إلا ما لُوِّق لي ـ قال يحيى: يعني لُيِّن وسُخِّن ـ وقد مات صاحبي منذ زمان ـ قال يحيى: يعني ذَكَره ـ وما يَسرّني أني خلوت بٱمرأة لا تحل لي، وأنّ لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحرّكه عليّ، إنه لا سمع له ولا بصر!.
المحلي و السيوطي
تفسير : { وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } كرّره ليبني عليه {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ } اليهود والنصارى أو المجوس أو الزناة {أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً } تعدلوا عن الحق بارتكاب ما حرّم عليكم فتكونوا مثلهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} الزناة، أو اليهود والنصارى أو كل متبع شهوة غير مباحة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} زعم بعضهم أنَّ [في] قوله {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} تكريراً لقوله {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} المعطوف على التّبيين. قال عطيَّةُ: وتكرار إرادة اللَّه تعالى التَّوبة على عباده تقوية للإخبار الأوَّل وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشَّهوات فقدمت إرادة اللَّه تَوْطِئة مُظْهِرَةً لفسادِ إرادة مُبتغي الشَّهَوَاتِ، وهذا الذي قاله إنَّمَا يتمشّى على أنَّ المجرور باللامِ في قوله {لِيُبَيِّنَ} مفعول به للإرادة لا على كونه علّةً، وقد تقدَّمَ أنَّ ذلك قول الكوفيِّين، وهو ضعيفٌ، وقد ضعَّفه هو أيضاً، إذا تقرر هذا فنقول: لا تكرار في الآية؛ لأن تعلّق الإرادة بالتَّوبة في الأوَّلِ على جهة العِلِّيَّة، وفي الثَّاني على جهة المفعوليَّة، فقد اختلف المتعلقان. وقوله {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ} بالرَّفع عطفاً على {وَٱللَّهُ يُرِيدُ} عطف جملة على جملة اسميّة، ولا يجوز أن ينصب لفساد المعنى؛ إذ يصير التَّقدير: واللَّهُ يريدُ أن يتوب، ويريد أن يريد الذين، واختار الرَّاغِبُ: أنَّ الواو للحال تنبيهاً على أنَّهُ يريدُ التَّوْبَةَ عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا فخالف بَيْنَ الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الثَّانية؛ ليبيّن أنَّ الثَّاني ليس على العطف، وقد رُدَّ عليه بأنَّ إرادة اللَّهِ التَّوْبَةَ ليست مقيّدة بإرادة غيره الميل، و [بأن] الواو باشرت المضارعَ المثبت، وأتى بالجملة الأولى اسميّة دلالة على الثَّبوت، وبالثَّانية فعلية دلالة على الحدوث. فصل في تحليل المجوس لما حرم الله تعالى قيل: إنَّ المجوسَ كانوا يحلُّون الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرمهنَّ اللَّهُ تعالى قالوا إنَّك تحلُّون بنت الخالة والعمَّةِ، والخالةُ والعمةُ حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ والأخت فنزلتْ هذه الآية. وقال السُّدِّيُّ: المرادُ بالَّذِينَ يتبعون الشَّهوات هم اليهودُ والنَّصَارى. وقال مجاهدٌ هم الزُّناةُ يريدون أن يميلوا عن الحقِّ فيزنون كما يزنون. وقيل: هم جميع أهل الباطل. فصل قالت المعتزلة قوله {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} يدلّ على أنه تعالى يريد التوبة من الكلِّ والطَّاعة من الكُلِّ. وقال أهل السُّنَّةِ، هذا محال؛ لأنَّهُ تعالى علم من الفاسق أنَّهُ لا يتوب، وعلمه بأنَّهُ لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنعٌ الزَّوال مع وجود أحدِ الضِّدَّين، وكانت إرادة ضدّ الآخر إرادة لما علم كونه محالاً، وذلك محالٌ، وأيضاً فإنَّهُ إذَا كان يريدُ التَّوْبَةَ من الكُلِّ، ويريد الشَّيْطَانُ أن تميلوا ميلاً عظيماً، ثم يحصلُ مراد الشَّيطان لا مراد الرحمن، فحينئذٍ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتمُّ من نفاذ الرحمنِ في ملك نَفْسِهِ، وذلك مُحالٌ؛ فثبت أن قوله {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} خطاب مع قوم معنيين حصلت هذه التَّوبة لهم.
البقاعي
تفسير : ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه وحكمته عطف على ذلك قوله: {والله} بلطف منه وعظم سلطانه {يريد} إي بإنزاله هذا الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول الكريم {أن يتوب عليكم} أي يرجع لكم بالبيان الشافي عما كنتم عليه من طرق الضلال لما كنتم فيه من العمى بالجهل، وزادهم في ذلك رغبة بقوله: {ويريد الذين يتبعون} أي على سبيل المبالغة والاستمرار {الشهوات} أي من أهل الكتابين وغيرهم كشاش بن قيس وغيره من الأعداء {أن تميلوا} أي عن سبيل الرشاد {ميلاً عظيماً *} أي إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال، فقد أبلغ سبحانه في الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا تلحقه شائبة نقص، ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى حضيض طباع البهائم. ولما كان الميل متعباً لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته التوبة الرفق بهم فقال: {يريد الله} أي وهو الذي له الجلال والجمال وجميع العظمة والكمال {أن يخفف عنكم} أي يفعل في هذا البيان وهذه الأحكام فعل من يريد ذلك، فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم الحاملة على الميل، ويرخص لكم في بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم، ودل على علة ذلك بالواو العاطفة؛ لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل {وخلق الإنسان} أي الذي أنتم بعضه {ضعيفاً *} مبناه الحاجة، فهو لا يصبر عن النكاح ولا غيره من الشهوات، ولا يقوى على فعل شيء إلا بتأييد منه سبحانه. ولما كان غالب ما مضى مبنياً على الأموال تارة بالإرث، وتارة بالجعل في النكاح، حلالاً أو حراماً؛ قال تعالى - إنتاجاً مما مضى بعد أن بين الحق من الباطل وبين ضعف هذا النوع كله، فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من الإرث بالضعف، وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها حفظاً للأنساب، ذاكراً كيفية التصرف في الأموال، تطهيراً للإنسان، مخاطباً لأدنى الأسنان في الإيمان، ترفيعاً لغيرهم عن مثل هذا الشأن: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام. ولما كان الأكل أعظم المقاصد بالمال، وكان العرب يرون التهافت على الأكل أعظم العار وإن كان حلالاً؛ كنى به التناول فقال: {لا تأكلوا} أي تتناولو {أموالكم} أي الأموال التي جعلها الله قياماً للناس {بينكم بالباطل} أي من التسبب فيها بأخذ نصيب النساء والصغار من الإرث، وبعضل بعض النساء وغير ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره. ولما نهى عن الأكل بالباطل، استدرك ما ليس كذلك فقال: {إلا أن تكون} أي المعاملة المدارة المتداولة بينكم {تجارة} هذا في قراءة الكوفيين بالنصب، وعلى قراءة غيرهم: إلا أن توجد تجارة كائنة {عن تراض منكم} أي غير منهي عنه من الشارع، ولعل الإتيان بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى على المنقطع - للإشارة إلى أن تصرفات الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها اسم الباطل ولو لم يكن إلا معنياً بها تزهيداً فيها وصدّاً عن الاستكثار منها، وترغيباً فيما يدوم نفعه ببقائه، وهكذا كل استثناء منقطع في القرآن، من تأمله حق التأمل وجد للعدول عن الحرف الموضوع له - "وهو لكن" - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - والله الموفق. ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل، نهى عن إتلاف النفس، لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها وتسبيبها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل، فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف والتواصل فقال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي حقيقة بأن يباشر الإنسان قتل نفسه، أو مجازاً بأن يقتل بعضكم بعضاً، فإن الأنفس واحدة، وذلك أيضاً يؤدي إلى قتل نفس القاتل، فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل عن حظها فكأنما مثلها، ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال: {إن الله} أي مع ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة {كان بكم} أي خاصة حيث خفف عليكم ما شدده على من كان قبلكم {رحيماً *} أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال؛ ثم قال ترهيباً من مواقعة الضلال: {ومن يفعل ذلك} أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم الإبعاد عن حضرات الإله {عدواناً وظلماً} أي بغير حق، وعطفه للوصف بالواو يدل على تناهي كل منهما، هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان من المبالغة، فكان المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم الذي لا شائبة فيه للحق {فسوف نصليه ناراً} أي ندخله إياها بوعيد لا خلف فيه وإن طال إمهاله {وكان ذلك} أي الأمر العظيم الذي توعد به {على الله} أي الذي له الجلال والجمال {يسيراً *} أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئاً، ولا يمنع منه مانع. ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيراً، وكان قد تقدم جملة من الكبائر، أتبعه ما للمنتهي تبشيراً جواباً لمن كأنه قال: هذا للفاعل فما للمجتنب؟ فقال على وجه عام: {إن تجتنبوا} أي تجهدوا أنفسكم بالقصد الصالح في أن تتركوا تركاً عظيماً وتباعدوا {كبائر ما تنهون عنه} أي من أكل المال والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى البزار - قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله - يعني ابن مسعود - أنه سئل عن الكبائر فقال: ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال الأصبهاني: وكل ذنب عظم الشرع الوعيد عليه بالعذاب وشدده، أو عظم ضرره في الخمس الضرورية: حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال، فهو كبيرة، وما عداه صغيرة {نكفر عنكم سيئاتكم} أي التي هي دون الكبائر كلها، فإن ارتكبتم شيئاً من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج، أو فرطتم في شيء منها فمنَّ الله عليكم بأن أتاكم بالمرض؛ كفر ذلك المأتي به الصغائر، ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات، لعدم إتيانه على تلك الكبيرة {وندخلكم مدخلاً كريماً *} أي يجمع الشرف والعمل والجود وكل معنى حسن، ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته، ولم يدخله هذا المدخل، ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما؛ وقال الإمام أحمد: المسلمون كلهم في الجنة - لهذه الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " تفسير : فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر، فأي ذنب على المسلمين! ذكره عنه الأصبهاني، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه. ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال الجوارح، ليصير الظاهر طاهراً عن المعاصي الوخيمة؛ نهى عن التمني الذي هو مقدمة الأكل، ليكون نهياً عن الأكل بطريق الأولى، فإن التمني قد يكون حسداً، وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية: وهو حرام والرضى بالحرام، والتمني على هذا الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل، فإن من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء فقال: {ولا تتمنوا} أي تتابعوا أنفسكم في ذلك {ما فضل الله} أي الذي له العظمة كلها، فلا ينقصه شيء {به} اي من المال وغيره {بعضكم على بعض} أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية، أو بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن، والسخاء الذي هو وسط بين الإسراف والبخل، وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة، أو الفضائل البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة، أو الفضائل الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء، وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان، والرئاسة التامة ونفاذ القول، وكونه محبوباً للناس حسن الذكر فيهم؛ فهذه مجامع السعادات, وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها، وبعضها كسبية، ومتى تأمل العاقل في ذلك وجده محض عطاء من الله، فمن شاهد غيره أرفع منه في شيء من هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان: إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك السعادة له، والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبها, وهذا هو الحسد المذموم، لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة، فإن اعتقد أنه أحق منه فقد فتح على نفسه باب الكفر، واستجلب ظلمات البدعة، ومحا نور الإيمان، فإن الله فعال لما يريد، لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه، وكما أن الحسد سبب الفساد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا؛ فعلى كل أحد أن يرضى بما قسم له علماً بأن ذلك مصلحة، ولو كان غير ذلك فسد، فإن ذلك كله قسمة من الله صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم. وأما تمني المثل فإن كان دينياً كان حسناً، كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا حسد إلا في اثنتين "تفسير : وإن كان دنيوياً فمن الناس من جوز ذلك، ومنهم من قال - وهم المحققون: لا يجوز ذلك، لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام الرازي. ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق والإجمال في الطلب، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"تفسير : وكما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه "حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان"تفسير : فقال مشيراً إلى أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل: {للرجال نصيب} أي قد فرغ من تقديره فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص، وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب والعمل، كما أشار إليه الحديث فقال: {مما اكتسبوا} أي كلفوا أنفسهم وأتعبوها في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن الميراث والسعي في المكاسب والأرباح " حديث : جعل رزقي تحت ظل رمحي " "حديث : لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً "تفسير : {وللنساء نصيب مما اكتسبن} أي وكذلك فالتمني حينئذ غير نافع، فالاشتغال به مجرد عناء. ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره، لا بالكسب الذي جعله سبباً، فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه، فكان التقدير: فاكتسبوا ولا تعجزوا فتطلبوا بالتمني؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل شيء - عليه إشارة إلى تحريك السبب مع الإجمال في الطلب فقال: {وسئلوا الله} أي الذي له جميع صفات الكمال. ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال: {من فضله} أي من خزائنه التي لا تنفد ولا يقضيها شيء، وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين، لأنه ربما كان سبب الفساد، بل يكون الطلب لما هو له صلاح، وأحسن الدعاء المأثور، وأحسنه {أية : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} تفسير : [البقرة: 201] ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الملك الأعظم الذي بيده مقاليد كل شيء {كان بكل شيء عليماً *} أي فكان على كل شيء قديراً، فإن كمال العلم يستلزم شمول القدرة - كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة طه، والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما يصلحكم فاسألوه بعلمه وقدرته ما ينفعكم، فإنه يعلم ما يصلح كل عبد وما يفسده. وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال: {ولكل} أي من القبيلتين صغاراً كانوا أو كباراً {جعلنا} بعظمتنا التي لا تضاهى {موالي} أي حكمنا بأنهم هم الأولياء، أي الأنصار، والأقرباء لأجل الإرث، هم الذين يلون المال ويرثونه، سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث، أو عصبة عامة وهم المسلمون. ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال: {مما} أي من أجل ما {ترك} أي خلفه {الوالدان} أي لكم، ثم أتبع ذلك ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال: {والأقربون} أي إليكم، ثم عطف على ذلك قوله: {والذين} أي وما ترك الذين {عقدت أيمانكم} أي مما تركه من تدلون إليه بنسب أو سبب بالحلف أو الولاء أو الصهر، وذكر اليمين لأن العهد يكون مع المصافحة بها، ثم سبب عن ذلك قوله: {فآتوهم} أي الموالي وإن كانوا صغاراً أو إناثاً على ما بينت لكم في آية المواريث السابقة، واتركوا كل ما خالف ذلك فقد نسخ بها {نصيبهم} أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافراً غير منقوص، ولا تظنوا أن غيرهم أولى منهم أو مساوٍ لهم، ثم رهب من المخالفة، وأكد الأمر وعداً ووعيداً بقوله: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {كان على كل شيء شهيداً *} أي فهو يعلم الولي من غيره والخائن من غيره وإن اجتهد في الإخفاء، لأنه لا يخفى عليه شيء، لأنه لا يغيب شيء ولا يغيب عنه شيء، فالمعنى: إنا لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن يحمي الذمار ويذب عن الحوزة، وأنتم كنتم غير منزليه حق منازله لغيبتكم عن حقائق الأمور وغيبتها عنكم، فإنا لم نخرج شيئاً منه لغير الموالي - أي الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة، فالحاصل أنه لمن يحمي بالفعل، أو بالقوة القريبة منه، أو البعيدة الآئلة إلى القرب، وأما التفضيل في الأنصباء فأمر استأثرنا بعلم مستحقيه، وفي البخاري في التفسير عن ابن عباس: "موالي: ورثة والذين عاقدت أيمانكم كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت {ولكل جعلنا موالي} نسخت، ثم قال: {والذي عقدت أيمانكم} من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له".
ابو السعود
تفسير : {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} جملةٌ مبتدأةٌ مَسوقةٌ لبـيان كمالِ منفعةِ ما أراده الله تعالى وكمالِ مضرّةِ ما يريد الفَجَرةُ لا لبـيان إرادتِه تعالى لتوبته عليهم حتى يكونَ من باب التكريرِ للتقرير، ولذلك غُيّر الأسلوبُ إلى الجملة الاسميةِ دلالةً على دوام الإرادةِ ولم يُفعلْ ذلك في قوله تعالى: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ} للإشارة إلى الحدوثِ وللإيماء إلى كمالِ المباينةِ بـين مضموني الجملتين كما مر في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 257] الآية، والمراد بمتّبعي الشهواتِ الفَجَرةُ فإن اتّباعَها الائتمارُ بها، وأما المتعاطي لما سوّغه الشرعُ من المشتهَيات دون غيرِه فهو متّبعٌ له لا لها، وقيل: هم اليهودُ والنصارى، وقيل: هم المجوسُ حيث كانوا يُحِلون الأخواتِ من الأب وبناتِ الأخِ وبناتِ الأختِ فلما حرَّمهن الله تعالى قالوا: فإنكم تُحِلون بنتَ الخالةِ مع أن العمةَ والخالةَ عليكم حرامٌ فانكِحوا بناتِ الأخِ والأختِ فنزلت {أَن تَمِيلُواْ} عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهواتِ واستحلالِ المحرماتِ وتكونوا زناةً مثلَهم، وقرىء بالياء التحتانية والضميرُ للذين يتبعون الشهواتِ {مَيْلاً عَظِيماً} أي بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئةً على نُدرة بلا استحلالٍ. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} بما مر من الرُخَص فيما في عهدتكم من مشاقّ التكاليفِ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب {وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً} عاجزاً عن مخالفة هواه غيرَ قادرٍ على مقابلة دواعيه وقواه حيث لا يصبِرُ عن اتباع الشهواتِ ولا يستخدم قواه في مشاقِّ الطاعاتِ. وعن الحسن أن المرادَ ضَعفُ الخِلْقةِ، ولا يساعده المقام، فإن الجملةَ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من التخفيف بالرُخصة في نكاح الإماءِ، وليس لضعف البُنيةِ مدخلٌ في ذلك، وإنما الذي يتعلق به التخفيفُ في العبادات الشاقةِ. وقيل: المراد به ضعفُه في أمر النساءِ خاصة حيث لا يصبِرُ عنهن، وعن سعيد بن المسيِّب: ما أيِسَ الشيطانُ من بني آدمَ قطُّ إلا أتاهم من قبل النساءِ فقد أتى عليَّ ثمانون سنةً وذهبت إحدى عينيَّ وأنا أعشو بالأخرى وإن أخوفَ ما أخاف على نفسي فتنةُ النساءِ. وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما وخَلَق الإنسانَ على البناء للفاعل والضميرُ لله عز وجل، وعنه رضي الله عنه: ثماني آياتٍ في سورة النساء هنّ خيرٌ لهذه الأمةِ مما طلعت عليه الشمسُ وغربت {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء، الآية 26] {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء، الآية 27] {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ} [النساء، الآية 28] {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ}تفسير : [النساء، الآية 31] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} تفسير : [النساء، الآية 48] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا }تفسير : [النساء، الآية 40] {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}تفسير : [النساء، الآية 110] {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ} تفسير : [النساء، الآية 147]. {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ} شروعٌ في بـيان بعضِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأموال والأنفسِ إثرَ بـيانِ الحرماتِ المتعلقةِ بالأبضاع، وتصديرُ الخطابِ بالنداء والتنبـيهِ لإظهار كمالِ العنايةِ بمضمونه والمرادُ بالباطل ما يخالف الشرعَ كالغصب والسرقةِ والخيانةِ والقِمارِ وعقودِ الربا وغيرُ ذلك مما لا يُبِحْه الشرعُ، أي لا يأكلْ بعضُكم أموالَ بعض بغير طريقٍ شرعي {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ} استثناءٌ منقطِعٌ، وعن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لتجارةً أي إلا أن تكون التجارةُ تجارةً صادرةً عن تراض كما في قوله: [الطويل] شعر : [بني أسدٍ هل تعلمون بلاءَنَا] إذا كان يوماً ذا كواكِبَ أشْنَعَا تفسير : أي إذا كان اليومُ يوماً الخ، أو إلا أن تكون الأموالُ أموالَ تجارة، وقرىء تجارةٌ بالرفع على أنّ كان تامةٌ أي ولكن اقصِدوا كونَ تجارةً عن تراض أي وقوعَها، أو ولكن وجودَ تجارةً عن تراض غيرِ منهيَ عنه، وتخصيصُها بالذكر من بـين سائرِ أسبابِ المُلكِ لكونها معظَمَها وأغلبَها وقوعاً وأوفقَها لذوي المروءاتِ، والمرادُ بالتراضي مراضاةُ المتبايعَيْن فيما تعاقدا عليه في حال المبايعةِ وقتَ الإيجابِ والقبولِ عندنا، وعند الشافعيِّ رحمه الله حالةَ الافتراقِ عن مجلس العقد. {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} أي مَنْ كان من جنسكم من المؤمنين فإن كلَّهم كنفس واحدةٍ، وعن الحسن: لا تقتُلوا إخوانَكم، والتعبـيرُ عنهم بالأنفس للمبالغة في الزجر عن قتلهم بتصويره بصورة ما لا يكاد يفعلُه عاقلٌ، أو لا تُهلِكوا أنفسَكم بتعريضها للعقاب باقتراف ما يُفضي إليه فإنه القتلُ الحقيقيُّ كما يُشعِرُ به إيرادُه عَقيبَ النهي عن أكل الحرامِ فيكونُ مقرَّراً للنهي السابقِ، وقيل: لا تقتلوا أنفسَكم بالبخْع كما يفعله بعضُ الجهلةِ، أو بارتكاب ما يؤدي إلى القتل من الجنايات، وقيل: بإلقائها في التهلُكة، وأُيِّد بما رُوي عن عمْرو بنِ العاص أنه تأوله بالتيمم لخوف البردِ فلم يُنْكر عليه النبـي عليه الصلاة والسلام، وقرىء ولا تُقتِّلوا بالتشديد للتكثير، وقد جُمع في التوصية بـين حفظِ النفسِ وحفظِ المالِ لما أنه شقيقُها من حيث إنه سببٌ لقِوامها وتحصيلِ كمالاتِها واستيفاءِ فضائلِها، وتقديمُ النهي عن التعرض له لكثرة وقوعِه {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تعليل للنهي بطريق الاستئنافِ أي مبالغاً في الرحمة والرأفةِ، ولذلك نهاكم عما نهاكم عنه، فإن في ذلك رحمةً عظيمةً لكم بالزجر عن المعاصي وللذين هم في معرِض التعرُّض لهم بحفظ أموالِهم وأنفسِهم، وقيل: معناه إنه كان بكم يا أمةَ محمدٍ رحيماً حيث أمرَ بني إسرائيلَ بقتلهم أنفسَهم ليكون توبةً لهم وتمحيصاً لخطاياهم ولم يكلِّفْكم تلك التكاليفَ الشاقةَ.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [الآية: 27]. قال النصرآباذى رحمه الله: ما تبت حتى أراد الله بك التوبة، ولولا إرادته لك التوبة كنت عن التوبة بمعزل. وقال أيضًا: أراد لك التوبة فتاب عليك ولو أردتها لنفسك لعلك كنت تحرم.
القشيري
تفسير : عزل بهذا الحديث حديث الأولين والآخرين. ومن أراد اللهُ توبتَه فلا يُشمِتُ به عدوَّا، ولا يناله في الدارين سوء. {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ}: إرادتهم منكوسة، وهي عند إرادة الحق - سبحانه - ضائعة مردودة. {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ}: يعني ثقل الأوزار بمواترة الأوراد إلى قلوبكم، ويقال يريد الله أن يخفف عنكم مقاساة المجاهدات بما يلج لقلوبكم من أنوار المشاهدات. ويقال يريد الله أن يخفف عنكم أتعاب الخدمة بحلاوة الطاعات. ويقال يخفف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم. ويقال يخفف عنكم أتعاب الطلب بروح الوصول. {وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}: وصف بهذا فقرهم وضُرّهم، و (....) بها عذرهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {والله يريد أن يتوب عليكم} بيان لكمال منفعة ما أراده الله تعالى وكمال مضرة ما يريد الفجرة بخلاف الاول فانه بيان ارادته تعالى لتوبته عليهم فلا تكرار {ويريد الذين يتبعون الشهوات} يعنى الفجرة فان اتباع الشهوات الائتمار لها واما المتعاطى لما سوغه الشرع من المشتهيات دون غيره فهو متبع له لا لها. وقيل المجوس حيث كانوا يحلون الاخوات من الاب وبنات الاخ وبنات الاخت فلما حرمهن الله تعالى قالوا فانكم تحلون بنت الخالة وبنت العمة مع ان العمة والخالة عليكم حرام فانكحوا بنات الاخ والاخت فنزلت {ان تميلوا} عن القصد والحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات وتكونوا زناة مثلهم {ميلا عظيما} اى بالنسبة الى ميل من اقترف خطيئة على ندرة بلا استحلال.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه يريد من المواجهين بها، أن يتوب عليهم، بمعنى أن يقبل توبتهم، عما سلف من آثامهم، ويتجاوز عما كان منهم في الجاهلية، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والأبناء، وغير ذلك مما كانوا يستحلونه، وهو حرام عليهم. إن قيل: لم كرر قوله: {والله يريد أن يتوب عليكم}؟ مع ما تقدم من قوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه لما قال في الأول، وتقديره: يريد الله ليتوب عليكم أنى في الثاني بـ (أن) ليزول الايهام أنه يريد ليتوب، ولا يريد أن يتوب علينا. والآخر - أن يبين أن ارادته منا خلاف إرادة أصحاب الأهواء لنا، لنكون على بصيرة من أمرنا، وجاء الثاني على التقابل، بأن الله يريد شيئاً ويريدون خلافه. والمعني: بقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} قيل فيه أربعة أقوال: الأول - قال ابن زيد: كل مبطل، لأنه يتبع شهوة نفسه في باطله. الثاني - قال مجاهد: يعني به: الزناة. الثالث - قال السدي: هم اليهود والنصارى. الرابع - اليهود خاصة، لأنهم يحلون نكاح الأخت من الأب، والأول أقوى، لأنه أعم فائدة، وأوفق لظاهر اللفظ. وقوله: {أن تميلوا ميلاً عظيماً} معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب، والفوز بالسلامة من العقاب، وأما الميل عن الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب. فان قيل: ما معنى إرادتهم الميل بهم؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم، وقد يكون لتمام الأنس بهم في المعصية، فبين الله أن إرادته لهم خلاف ارادتهم منهم، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يجوز اتباع داعي الشهوة في شيء البته، لأنه لا خلاف أن اتباع الشهوة فيما أباحه الله تعالى جائز، وإنما المحظور من ذلك ما يدعو إلى ما حرمه، لكن لا يطلق [على] صاحبه بانه متبع للشهوة، لأن إطلاقه يفيد اتباع الشهوة فيما حرم عليه.
الجنابذي
تفسير : {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} كرّره تأكيداً وتصويراً للمقابلة ترغيباً في اتّباع اوامره واجتناب مخالفتها {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ} كمن يمنع عن الاستمتاع بالنّساء {أَن تَمِيلُواْ} عن الطّريق المؤدّى الى نجاتكم {مَيْلاً عَظِيماً} فهو حقيق بالاتّباع وهم احقّاء بالاجتناب.
اطفيش
تفسير : {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}:أى يحب أن يتوب عليكم، وإرادته تعالى مجاز فى معنى الحب، حقيقة فيما قضاه، ولا يتخلف، وحبه يتخلف فإن الله أحب الطاعة وأبغض المعصية، وعصاه من عصاه، ولم يطعه، فالله جل وعلا أحب أن يتوب على الناس، أى أن يقبل توبتهم بأن يأتوا بما تقبل به، فمنهم من أتى بما تقبل به، فتاب عليه أى قبلها، ومنهم من لم يأت به فلم يقبلها أو يحب أن يخرجكم من الظلمات إلى النور فأخرج من أخرج، وترك من ترك، اختياراً منه ومنهم، وهو عالم بهم بلا أول ويريد أن يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم وغفران ذنوبكم، وقد دلكم. والإرادة فى هذا الوجه على حقيقتها لا تتخلف لأن الله جل وعلا قد هدى كل مكلف أى يبين وله وكرر التوبة للتأكيد وليقابل به قوله تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً}: عن الحق، أى يريد الكفار خلاف ما قضى الله، أو خلاف ما أحب الله، ومعنى {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات}: كل من اتبع ما لم يبحه ما أحب الله من المشركين فإن المشركين اليهود والنصارى وغيرهم، يحبون أن يميل المؤمنون عن دين الله عتقاداً، وقولا، وفعلا، فلذلك الميل العظيم. وقيل: المراد اليهود والنصارى وبه قال السدى، وقالت فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أباحوا نكاح بنت الأخت من الأب، وقيل: المراد المجوس، لأنهم أباحوا نكاح الأخوات وبنات الإخوة مطلقاً، ولما حرمهن الله قالوا إنكم تحلون بنت الخالة، وبنت الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ وبنات الأخت، فنزلت هذه الآية وقال مجاهد: هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم. وقال ابن زيد والطبرى: الآية فى كل من اتبع شهوته، وأراد أن يكون غيره مثله سواء كان مشركاً أو موحداً، والمراد بالشهوات: ما حرم الله، ودخل فيها فعلك ما تكره موافقة لمن دعاوك إلى فعله، لأنك اشتهيت وفاقه ففعلت وأما الحلال فمن اشتهاه وفعله فتابع الشرع حقيقة، إلا إن خالطه عارض صرفه، وقرىء {يَميِلُوا} بالتحتية، أى الذين يتبعون الشهوات.
اطفيش
تفسير : {وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} تأكيد ومقابلة لقوله {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ} من الفجرة، والفسقة، والمجوس، واليهود، والنصارى، كما قيل إنهم أحلوا الأخوات من الأَب، وبنات الأَخ وبنات الأُخت كالمجوس لأنهن لم يجتمعن رحم واحد، وقياساً على بنات العم والخال، وزعم اليهود أن الأخت من الأب حلال فى التوراة، وأما المسلمون فإنما يتبعون الشرع، وإن وافق هواهم فمقصودهم أولا وبالذات موافقته، وأما هواؤهم فيه فثانياً وبالعرض {أَن يَمِيلُوا} عن الشرع {مَيْلاً عَظِيماً} بأن يكون الميل استحلالا للحرام لا تشهيا نادراً فقط، فإنه دون ذلك ولا سيما مع اعتراف بالخطأ، أما اليهود والمجوس فلتتبعوا دينهم، وأما الفجرة فليتفرق اللوم عنهم.
الالوسي
تفسير : {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} جعله بعضهم تكراراً لما تقدم للتأكيد والمبالغة وهو ظاهر إذا كان المراد من التوبة هناك وهنا شيئاً واحداً، وأما إذا فسر {يَتُوبَ} أولاً: بقبول التوبة والإرشاد مثلاً، وثانياً: بأن يفعلوا ما يستوجبون به القبول فلا يكون تكراراً، وأيضاً إنما يتمشى ذلك على كون {أية : لِيُبَيّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26] مفعولاً وإلا فلا تكرار أيضاً لأن تعلق الإرادة بالتوبة في الأول: على جهة العلية، وفي الثاني: على جهة المفعولية وبذلك يحصل الاختلاف لا محالة {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوٰتِ} يعني الفسقة لأنهم يدورون مع شهوات أنفسهم من غير تحاش عنها فكأنهم بانهماكهم فيها أمرتهم الشهوات باتباعها فامتثلوا أمرها واتبعوها فهو استعارة تمثيلية، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له لا لها. وروي هذا عن ابن زيد، وأخرج مجاهد عن ابن عباس أنهم الزناة، وأخرج ابن جرير عن السدي أنهم اليهود والنصارى، وقيل: إنهم اليهود خاصة حيث زعموا أن الأخت من الأب حلال في التوراة، وقيل: إنهم المجوس حيث كانوا يحلون الأخوات لأب لأنهم لم يجمعهم رحم، وبنات الأخ والأخت قياساً على بنات العمة والخالة بجامع أن أمهما لا تحل، فكانوا يريدون أن يضلوا المؤمنين بما ذكر، ويقولون: لم جوزتم تلك ولم تجوزوا هذه؟! فنزلت، وغوير بين الجملتين ليفرق بين إرادة الله تعالى وإرادة الزائغين {أَن تَمِيلُواْ} عن الحق بموافقتهم فتكونوا مثلهم، وعن مجاهد أن تزنوا كما يزنون. وقرىء بالياء التحتانية فالضمير حينئذ ـ للذين يتبعون الشهوات ـ {مَيْلاً عَظِيماً} بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندرة، واعترف بأنها خطيئة ولم يستحل.
ابن عاشور
تفسير : كرّر قوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} ليرتّب عليه قوله: ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً فليس بتأكيد لفظي، وهذا كما يعاد اللفظ في الجزاء والصفة ونحوها، كقول الأحوص في الحماسة.شعر : فَإذا تَزُول تَزُولُ عن متخمّط تُخشَى بَوَادِرُه على الأقْران تفسير : وقوله تعالى: {أية : ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا}تفسير : [القصص: 63] والمقصد من التعرُّض لإرادة الذين يتّبعون الشهوات تنبيهُ المسلمين إلى دخائل أعدائهم، ليعلموا الفرق بين مراد الله من الخلق. ومراد أعوان الشياطين، وهم الذين يتّبعون الشهوات. ولذلك قُدّم المسند إليه على الخَبر الفِعْلي في قوله: {والله يريد أن يتوب عليكم} ليدلّ على التخصيص الإضافي. أي الله وحده هو الذي يريد أن يتوب عليكم، أي يحرّضكم على التوبة والإقلاع عن المعاصي، وأمّا الذين يتّبعون الشهوات فيريدون انصرافكم عن الحقّ، وميلكم عنه إلى المعاصي. وإطلاقُ الإرادة على رغبة أصحاب الشهوات في ميْل المسلمين عن الحقّ لمشاكلة {أية : يريد الله ليبين لكم}تفسير : [النساء: 26]. والمقصود: ويحبّ الذين يتّبعون الشهوات أن تميلوا. ولمّا كانت رغبتهم في ميل المسلمين عن الحقّ رغبة لا تخلو عن سعيهم لحصول ذلك، أشبهت رغبتُهم إرادة المريد للفعل، ونظيره قوله تعالى ــــ بعد هذه الآية ــــ {أية : يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل}تفسير : [النساء: 44]. وحذف متعلّق {تميلوا} لظهوره من قرينة المقام، وأراد بالذين يتّبعون الشهوات الذين تغلبهم شهواتهم على مخالفة ما شرعه الله لهم: من الذين لا دين لهم، وهم الذين لا ينظرون في عواقب الذنوب ومفاسدها وعقوبتها، ولكنّهم يرضون شَهَواتهم الداعية إليها. وفي ذكر هذه الصلة هنا تشنيع لحالهم، ففي الموصول إيماء إلى تعليل الخبر. والمراد بهم المشركون: أرادوا أن يتّبعهم المسلمون في نكاح أزواج الآباء، واليهودُ أرادوا أن يتّبعوهم في نكاح الأخوات من الأب ونكاح العمّات والجمع بين الأختين. والميلُ العظيم هو البعد عن أحكام الشرع والطعن فيها. فكان المشركون يحبّبون للمسلمين الزنى ويعرضون عليهم البغايا. وكان المجوس يطعنون في تحريم ابنةِ الأخ وابنة الأخت ويقولون: لماذا أحلّ دينكم ابنة العمّة وابنة الخالة. وكان اليهود يقولون: لا تحرم الأخت التي للأب ولا تحرم العمّة ولا الخالة ولا العّم ولا الخال. وعبّر عن جميع ذلك بالشهوات لأنّ مجيء الإسلام قد بيّن انتهاء إباحة ما أبيح في الشرائع الأخرى، بله ما كان حراماً في الشرائع كلّها وتساهل فيه أهل الشرك.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّهَوَاتِ} (27) - وَاللهُ يُرِيدُ بِمَا شَرَعَهُ لَكُمْ مِنَ الأحْكَامِ أنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ مَا فِيهِ مَصَالِحُكُمْ وَمَنَافِعُكُمْ، وَأَنْ تَهْتَدُوا وَتَعْمَلُوا صَالِحاً، وَتَتَّبِعُوا شَرْعَهُ لِيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَيُرِيدُ أَتْبَاعُ الشَّيْطَانِ الضَّالُونَ أنْ تَمِيلوا عَنِ الحَقِّ إلى البَاطِلِ مَيْلاً عَظِيماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : سبحانه قال في الآية السابقة: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ..} تفسير : [النساء: 26]، وبعد ذلك يقول: {أية : وَيَهْدِيَكُمْ ..} تفسير : [النساء: 26]، وبعد ذلك: {أية : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 26]، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 27]، فلماذا جاء أولاً بـ {أية : وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} تفسير : [النساء: 26] وجاء هنا ثانياً بـ {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 27]؟ نقول: التوبة لابد أن تكون مشروعة أولاً من الله، وإلا فهل لك أن تتوب إلى الله من الذنب لو لم يشرع الله لك التوبة؟ أتصحُّ هذه التوبة؟ إنه سبحانه إذن يشرع التوبة أولاً، وبعد ذلك أنت تتوب على ضوء ما شرع، ويقبل هو التوبة، وبذلك نكون أمام ثلاث مراحل: أولاً مشروعية التوبة من الله رحمة منه بنا، ثم توبة العبد، وبعد ذلك قبول الله التوبة ممن تاب رحمة منه - سبحانه - إذن فتوبة العبد بين توبتين من الرب: توبة تشريع، وتوبة قبول. {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 27]، ما دام سبحانه قد شرع التوبة أيشرعها ولا يقبلها؟! لا، فما دام قد شرع وعلمني أن أتوب فمعنى ذلك أنه فتح لي باب التوبة، وَفَتْحُ باب التوبة من رحمة العليم الحكيم بخلقه؛ لأن الحق حينما خلق الإنسان زوده دون سائر الأجناس بطاقة من الاختيارات الفاعلة، أي أن الإنسان يستطيع أن يفعل هذه أو يفعل تلك، وجعل أجهزته تصلح للأمر وللنهي، فالعين صالحة أن ترى آية في كون الله تعتبر بها، والعين - أيضاً - صالحة أن تمتد إلى المحارم. واللسان صالح أن تسب به، وصالح أن تذكر الله به قائلاً: لا إله إلا الله وسائر أنواع الذكر. واليد عضلاته صالحة أن ترفعها وتضرب بها، وصالحة لأن تقيل وترفع بها عاثراً واقعاً في الطريق. هذا هو معنى الاختيار في القول وفي الفعل وفي الجوارح، فالاختيار طاقة مطلقة توجهها إرادة المختار، وإذا نظرت إلى اليد تجد أنك إذا أردت أن ترفعها، فإنك لا تعرف شيئاً عن العضلات التي تستعملها كي ترفع اليد. فالذي يرفع يده ماذا يفعل؟ وما العضلات التي تخدم هذا الرفع؟ وأنت ترى ذلك مثلاً في الإنسان الميكانيكي أو تراه في رافعة الأثقال - الونش - التي ترفع الأشياء، انظر كم عملية لتفعل ذلك؟ أنت لا تعلم شيئاً عن هذه المسألة في نفسك، لكنك بمجرد أن تريد تحريك يدك فأنت تحركها وتطيعك. وعندما يريد المهندس أن يحرك الإنسان الآلي فهو يوجهه بحسابات معينة ليفعل كذا وكذا، أما الإنسان فيحرك اليد أو القدم أو العين بمجرد الإرادة. والحق حين يسلب قدرة الإنسان - والعياذ بالله - يصيبه بالشلل، إنه يريد فلا تنفعل له اليد أو غيرها ولا يعلم ما الذي تعطل إلى أن يذهب إلى الأطباء ليبحثوا في الجهاز العصبي، ويعرفوا لماذا لم تنفذ أعصابه الأوامر، إنها عملية طويلة. إذن فالإنسان - عندما يريد الحركة - يوَجِّه الطاعة المخلوقة لله فقط، فليس له فعل في الحقيقة، فأنا إنْ أثابني الله وجازاني على طاعة فذلك لأنيّ وجهت الآلة الصالحة للفعل إلى عمل الخير، وعندما تسمع أنه لا أحد بيده أن يفعل شيئاً فهذا صحيح؛ لأن أحداً لا يعرف كيف يفعل أي شيء، إنه فقط يريد، فإن وجهت الطاقة للفعل فهذا عملك أنت. فمعنى الاختيار - إذن - أن تكون صالحاً للفعل ومقابل الفعل وهو الانتهاء والترك. وعندما يبين الحق سبحانه وتعالى لك وينزل لك المنهج الذي يقول لك: وجه طاقتك لهذه ولا توجهها لهذه، معنى ذلك أن طاقتك صالحة للاثنين. إذن فأنت مخلوق على صلاحية أن تفعل وألا تفعل، وما تركه المنهج دون أن يقول لك فيه "افعل" ولا "تفعل" فإن فعلته على أي وجه لا يفسد به الكون ولا تفسد به حركة حياتك فهذا هو المباح لك. وحينما شرع الحق سبحانه التوبة أوضح: أنه إذا انفعل مريد لعمل شيء فوجه طاقته لعمل شيء مخالف، قد تكون شهوته أو شِرّته قد غلبت عليه، فتوجه في ساعة ضعف إلى عمل شرّ؛ لذلك شرعت التوبة لماذا؟ لأننا لو أخرجنا هذا الإنسان من حظيرة المطيعين بمجرد فعل أول عمل شرّ لصارت كل انفعالاته من بعد ذلك شروراً، وهذا هو الذي نسميه "فاقداً"، فيشرع الحق: إن فعلت ذنباً فلا تيأس، فنحن سنسامحك ونتوب عليك. فساعة شرع الله التوبة رحم المجتمع من شراسة أول عاصٍ، فلو لم تأت هذه التوبة لكثرت المعاصي بعد أول معصية. ومقابل قول الحق: {وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ..} [النساء: 27] وتنبيهه أن الذنوب التي فعلتها قبل ذلك يطهرك منها بالتوبة، مقابل ذلك الذين يتبعون الشهوات ويريدون منك أن تأتي بذنوب جديدة؛ لذلك يقول الحق سبحانه: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ ..} [النساء: 27] والميل هو مطلق عمل الذنوب. إنّك بذلك تميل عن الحق؛ لأن الميل هو انحراف عن جادة مرسومة لحكيم، والجادة هي الطريق المستقيم. هذه الجادة مَنْ الذي صنعها؟ إنه الحكيم، فإذا مال الإنسان مرّة فربنا يعدله على الجادة مرّة ثانية، ويقول له: "أنا تبت عليك"، إنه - سبحانه - يعمل ذلك كي يحمي العالم من شرّه، لكن الذين يتبعون الشهوات لا يحبون لكم فقط أن تميلوا لمرّة واحدة، بل يريدون لكم ميلاً موصوفاً بأنه ميل عظيم. لماذا؟، لأن الإنسان بطبيعته - كما قلنا سابقاً - إن كان يكذب فإنه يحترم الصادق، وإن كان خائناً فهو يحترم الأمين، بدليل أنه إن كان خائناً وعنده شيء يخاف عليه فهو يختار واحداً أميناً ليضع هذا الشيء عنده. إذن فالأمانة والصدق والوفاء وكل هذه القيم أمور معترف بها بالفطرة، فساعة يوجد إنسان لم يقو على حمل نفسه على جادة القيم، ووجد هذا الإنسانُ واحداً آخر قدر على أن يحمل نفسه على جادة القيم فهو يصاب بالضيق الشديد، وما الذي يشفيه ويريحه؟ إنه لا يقدر أن يصوِّب عمله وسلوكه ويقوّم من اعوجاج نفسه؛ لذلك يحاول أن يجعل صاحب السلوك القويم منحرفاً مثله، وإن كانت الصداقة تربط بين اثنين وانحراف أحدهما فالمنحرف يستخذي أمام نفسه بانحرافه، ويحاول أن يشد صديقه إلى الانحراف كي لا يكون مكسور العين أمامه. وهو لا يريده منحرفاً مثله فقط بل يريده أشد انحرافاً؛ ليكون هو متميزاً عليه. إذن فالقيم معترف بها أيضاً حتى لدى المنحرفين، واذكروا جيداً أننا نقرأ في سورة يوسف هذا القول الحكيم: {أية : وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]. هم في السجن مع يوسف، لكن لكلٍ سبب في أنَّهم سجنوه، فسبب هؤلاء الذين سألوا يوسف هو أنهم أجرموا، لكن سبب وجود يوسف في السجن أنه بريء والبريء كل فكره في الله، أما الذين انحرفوا ودخلوا معه السجن عندما ينظرون إليه يجدونه على حالة حسنة، بدليل أن أمراً جذبهم وهمّهم في ذاتهم بأن رأوا رؤيا، فذهبوا لمَنْ يعرفون أنه إنسان طيب برغم وجوده معهم في السجن، فقد أعجبوا به بدليل أنهم قالوا له: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]. ومن يقول: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36] لابد أن تكون عنده قدرة على تمييز القيم، ثم قاسوا فعل يوسف عليها فوجدوها حسنة، وإلا فكيف يُعرف؟. إذن فالقيم معروفة عندهم، فلما جاء أمر يهمهم في ذاتهم ذهبوا إلى يوسف. ومثال ذلك: هناك لص لا يمل من السرقة ولا يكف عنها، وبعد ذلك جاء له أمر يستدعيه للسفر إلى مكان غير مأمون، فاللص في هذه الحالة يبحث عن إنسان أمين ليقضي الليل عنده ولا يذهب للص مثله. إذن فالقيم هي القيم، وعندما قال أصحاب يوسف في السجن: {أية : إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 36]، استغل سيدنا يوسف هذه المسألة ووجدهم واثقين فيه فلم يقل لهم عن حكايتهم ابتداء ويؤول لهم الرؤيا، بل استغل حاجتهم إليه وعرض عليهم الإيمان قال: {أية : يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [يوسف: 39]. لقد نقلهم من حكايتهما لحكايته، فما داما يريدان استغلال إحسانه فلماذا لا يستغل حاجتهما له ويعظهما ويبشرهما بدين الله؟ وكأنه يقول لهما: أنتما جئتما إليّ لأنكما تقولان إنني من المحسنين. وأنتما لم تريا كل ما عندي بل إن الله أعطاني الكثير من فيضه وفضله، ويقول الحق على لسان يوسف: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ..}تفسير : [يوسف: 37]. أي أن يوسف الصديق عنده الكثير من العلم، ويقر لهما بفضل الله عليه: فليس هذا العلم من عندي: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي ..} تفسير : [يوسف: 37]. وبعد ذلك يدعوهما لعبادة الواحد كي يستنجدا به بدلاً من الآلهة المتعددة التي يتخذانها معبوداً لهما وهي لا تضر ولا تنفع. {أية : أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [يوسف: 39]. إذن فالقيم واحدة، والله يريد أن يتوب عليكم، ولكن الذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلاً عظيماً، حتى لا تكونوا مميزين عليهم تميزاً يحقّرهم أمام أنفسهم، فهم يريدون أن تكونوا في الانحراف أكثر منهم، لأنهم يريدون أن يكونوا متميزين في الخير أيضاً ويقولون لأنفسهم: "إن كنا شريرين فهناك أناس شرٌّ منا". ثم يقول الحق سبحانه: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ} يعني: الزناة {أَن تَمِيلُواْ} [الآية: 27]. يقول: أَن تزنوا. أنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} [الآية: 28]. يعني في نكاح الإِماءِ، وفي كل شيء رخص فيه. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، [عن مجاهد]: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} [الآية: 31]. قال: الكبائر الموجبات.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ} معناهُ الزِّنا.
الجيلاني
تفسير : ثم كرر سبحانه ذكر التوبة والرجوع عن المزخرفات الباطلة المانعة من الوصول إلى دار السرور حثاً للمؤمنين إليها؛ ليفوزوا بمرتبة التوحيد بقوله: {وَٱللَّهُ} المرشد لكم إلى توحيده الذاتي {يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أي: يفوقكم على التوبة التي هي الرجوع عما سوى الحق مطلقاً، ومتى انفتح عليكم باب التوبة انفتح باب الطلب المستلزم للترقي والتقرب نحو المطلوب، إلى أن يتولد من الشوق المزعج إلى المحبة المفنية لغير المحبوب مطلقاً، بل نفس المحبة بل نفس المحبوب أيضاً، كما حكي عن مجنون العامري أنه وله يوماً من الأيام واستغرق في بحر المحبة إلى أن اضمحلت عن بصره غشاوة التعيينات مطلقاً، بل ارتفع حجب الاثنينية رأساً، وفي تلك الحالة السريعة الزوال تمثل ليلى قائمة على رأسها فصاحت عليه صيحة: عمن اشتغلت يا مجنون؟ فقال: طاب وقته وعنى على حالٍ فإن حبك شغلني عنك وعني. ثم قال سبحانه: {وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ} يضلونكم عن طريق التوحيد المسقط لجميع الرسوم والعادات بوضع طرقٍ غير طريق الشرع مبتدعاً أو منسوباً إلى مبتدع، وعينوا فيه اللباس والكسوة المعنية، ومع ذلك {يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ} ويبيحون المحرمات، ويرتكبون المنهيات إرادة {أَن تَمِيلُواْ} وتنحرفوا عن جادة التوحيد بأمثال هذه الخرافات والهذيانات {مَيْلاً عَظِيماً} [النساء: 27] وانحرافاً بليغاً لا يستقيم لهم أصلاً. {يُرِيدُ ٱللَّهُ} المدبر لأحوالكم {أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} أيها المؤمنون أثقالكم التي هي سبب احتياجاكم وإمكانكم {وَ} الحال أنه قد {خُلِقَ ٱلإِنسَانُ} في مبدأ الفطرة {ضَعِيفاً} [النساء: 28] لا يحتمل تحمل أثقال الإمكان مثل الحيوانات الأخر. خفض عنا بفضلك ثقل الأوزار، واصرف عنا شر الأشرار بمقتضى جودك وارزقنا عيشة الأبرار. ثم نبه سبحانه على المؤمنين بما يتعلق بأمور معاشهم مع بني نوعهم؛ ليهذبوا به ظاهرهم، فقال منادياً لهم ليهتموا باستماعها وامتثالها: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسله وكتبه عليكم أن {لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ} أي: بعضكم مال بعض بلا رخصةٍ شرعية بل {بِٱلْبَٰطِلِ} ظلماً وزوراً سواء كانت سرقةً أو غصباً، أو حيلةً منسوبة إلى الشرع افتراءً أو رباً أو تلبيساً وتشيخاً كما يفعله المتشيخة، ويأخذون بسببها حطاماً كثيرة من ضعفاء المؤمنين، واعلموا أيها المؤمنون أن مال المؤمن على المؤمن في غير العقود المتبرعة حرام {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً} معاملة ومعاوضة حاصلة {عَن تَرَاضٍ} مراضاة {مِّنْكُمْ} منبعثة عن اطمئنان نفوسكم عليها بلا اضطرار وغرر. {وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} ولا تلقوها بأيديكم في المهالك التي جرت بين أرباب المعاملات من الربا والخداع والتغرير والتلبيس وغير ذلك من أنواع الحيل؛ حتى لا تنحطوا عن مرتبتكم الأصلية ومنزلتكم الحقيقية التي هي مرتبة العدالة؛ إذ لا خسران أعظم من الحرمان منها - أدركنا بلطفك يا خفي الألطاف - {إِنَّ ٱللَّهَ} المنبه عليكم بأمثال هذه التدبيرات الصادرة عن محض الحكمة والمصلحة {كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] مشفقاً عليكم، مريداً إيصالكم إلى ما خلقكم لأجله وأوجدكم لحصوله. {وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ} أي: ما يحذر عنه من المهالك ويمقت نفسه بالعرض عليها لا عن جهل ساذج بل عن جهل مركب اعتقدها حقاً {عُدْوَاناً} مجاوزاً مائلاً عن الحق إصراراً {وَظُلْماً} خروجاً وميلاً عن طريق الشرع الموضح سبيل التوحيد {فَسَوْفَ} ننتقم عنه يوم الجزاء {نُصْلِيهِ} ندخله {نَاراً} حرماناً دائماً عن ساحة عز الحضور وطرداً سرمدياً عن فضاء السرور، بك نعتصم يا ذا القوة المتين {وَ} لا تغفلوا أيها المنهمكون للاقتحام في المهالك المتعلقة لأمر المعاش عن انتقام الله القادر القدير الغيور إياكم، ولا تعتقدوا عسره بالنسبة إليه؛ إذ {كَانَ ذٰلِكَ} الانتقام عن تلك الآثام {عَلَى ٱللَّهِ} الميسر لكل عسير {يَسِيراً} [النساء: 30] وإن استعسرتم في نفوسكم؛ إذ لا راد لإرادته ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):