٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
57
Tafseer
الرازي
تفسير : دليلاً على كذبهم وصدق الرسل في الحشر لأن قوله: {ءَأنتُمْ تَخْلُقُونَهُ } إلزام على الإقرار بأن الخالق في الابتداء هو الله تعالى، ولما كان قادراً على الخلق أولاً كان قادراً على الخلق ثانياً، ولا مجال للنظر في ذاته وصفاته تعالى وتقدس، وإن لم يعترفوا به، بل يشكون ويقولن: الخلق الأول من مني بحسب الطبيعة، فنقول: المنى من الأمور الممكنة ولا وجود للممكن بذاته بل بالغير على ما عرف، فيكون المنى من القادر القاهر، وكذلك خلق الطبيعة وغيرها من الحادثات أيضاً، فقال لهم: هل تشكون في أن الله خلقكم أولاً أم لا؟ فإن قالوا: لا نشك في أنه خالقاً، فيقال: فهل تصدقون أيضاً بخلقكم ثانياً؟ فإن من خلقكم أولاً من لا شيء لا يعجز أن يخلقكم ثانياً من أجزاء هي عنده معلومة، وإن كنتم تشكون وتقولون: الخلق لا يكون إلا من مني وبعد الموت لا والده ولا مني، فيقال لهم: هذا المني أنتم تخلقونه أم الله، فإن كنتم تعترفون بالله وبقدرته وإرادته وعمله، فذلك يلزمكم القول بجواز الحشر وصحته، و(لولا) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث والأصل فيه: لم لا، فإذا قلت: لم لا أكلت ولم ما أكلت، جاز الاستفهامان، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له، كما تقول: لم فعلت؟ موبخاً، يكون معناه فعلت أمراً لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرف الاستفهام عن الحكم، فقالوا: هلا فعلت؟ كما يقولون في موضع: لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده، أتفعل هذا وأنت عاقل؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل: لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة، ومعناه أن علته غير معلومة وغير ظاهرة، فلا يجوز ظهور وجوده، وقوله: أفعلت، سؤال عن حقيقته، ومعناه أنه في جنسه غير ممكن، والسائل عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلوماً وسأل عن العلة كما يقول القائل: زيد جاء فلم جاء، والسائل عن الوجود لم يسلمه، وقول القائل: لم فعلت وأنت تعلم ما فيه دون قوله: أفعلت وأنت تعلم ما فيه، لأن في الأول جعله كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه، وفي الثاني جعله مخطئاً في أول الأمر، وإذا علم ما بين لم فعلت، وأفعلت، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل، وأما (لولا) فنقول: هي كلمة شرط في الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفي النظر والتواني، فيقول: لولا تصدقون، بدل قوله: لم لا، وهلا، لأنه أدل على نفي ما دخلت عليه وهو عدم التصديق وفيه لطيفة: وهي أن لولا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } تفسير : [التوبة: 122] فما وجه اختصاص المستقبل ههنا بالذكر وهلا قال: فلولا صدقتم؟ نقول: هذا كلام معهم في الدنيا والإسلام فيها مقبول ويجب ما قبله فقال: لم لا تصدقون في ساعتكم، والدلائل واضحة مستمر والفائدة حاصلة، فأما في قوله: {فَلَوْلاَ نَفَرَ } لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال: لو سافرتم لحصل لكم الفائدة في الحال وقد فات ذلك، فإن كنتم لا تسافرون في الحال تفوتكم الفائدة أيضاً في الاستقبال، ثم قال تعالى: {أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } من تقرير قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } وذلك لأنه تعالى لما قال: {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } قال الطبيعيون: نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة وقبل كل واحد نطفة واحد فقال تعالى رداً عليهم: هل رأيتم هذا المني وأنه جسم ضعيف متشابه الصورة لا بد له من مكون، فأنتم خلقتم النطفة أم غيركم خلقها، ولا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعاً للتسلسل الباطل وإلى ربنا المنتهى، ولا يرتاب فيه أحد من أول ما خلق الله النطفة وصورها وأحياها ونورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد صمد قادر على الأشياء، فإنه يعيدكم كما أنشأكم في الابتداء، والاستفهام يفيد زيادة تقرير وقد علمت ذلك مراراً.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} أي فهلاّ تصدّقون بالبعث؟ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم فهلاّ تصدّقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا؟ قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} أي ما تصبّونه من المَنِيّ في أرحام النساء. {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} أي تصوّرون منه الإنسان {أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} المقدّرون المصوّرون. وهذا ٱحتجاج عليهم وبيان للآية الأولى؛ أي إذا أقررتم بأنّا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث. وقرأ أبو السَّمّال ومحمد بن السَّمَيْقَع وأشهب العقيلي: «تَمْنُونَ» بفتح التاء وهما لغتان أمْنَى ومَنى؛ وأمْذَى ومَذَى، يُمنِي ويَمنِي ويُمِذي ويَمِذَي. الماوردي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي؛ فيكون أمْنى إذا أَنزل عن جماع، ومَنَى إذا أنزل عن الاحتلام. وفي تسمية المنيّ مَنِيًّا وجهان: أحدهما لإمنائه وهو إراقته. الثاني لتقديره، ومنه المنَا الذي يوزن به لأنه مقدار لذلك، كذلك المنيّ مقدار صحيح لتصوير الخلقة. قوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} ٱحتجاج أيضاً، أي الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخلق، وإذا قدر على الخلق قدر على البعث. وقرأ مجاهد وحُميد وٱبن مُحَيْصن وٱبن كَثِير «قَدرْنَا» بتخفيف الدال. الباقون بالتشديد، قال الضحاك: أي سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: قضينا. وقيل: كتبنا، والمعنى متقارب؛ فلا أحد يبقى غيره عز وجل. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} أي إن أردنا أن نبدل أمثالكم لم يسبقنا أحد؛ أي لم يغلبنا. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} معناه بمغلوبين. وقال الطبريّ: المعنى نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم؛ أي لا يتقدّم متأخر ولا يتأخر متقدّم. {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من الصور والهيئات. قال الحسن: أي نجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم. وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمَّل المؤمنُ ببياض وجهه، ويُقبَّح الكافرُ بسواد وجهه. سعيد بن جُبير: قوله تعالى: {فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني في حواصل طير سود تكون بَبَرهُوت كأنها الخطاطيف، وبَرَهُوت وادٍ في اليمن. وقال مجاهد: {فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} في أي خلق شئنا. وقيل: المعنى ننشئكم في عالم لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} أي إذ خُلِقتم من نُطْفة ثم من عَلَقة ثم من مُضْغة ولم تكونوا شيئاً؛ عن مجاهد وغيره. قتادة والضحاك: يعني خلق آدم عليه السلام. {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} أي فهلاّ تذكرون. وفي الخبر: عجباً كلّ العجب للمكذّب بالنشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجباً للمصدّق بالنشأة الآخرة وهو لا يسعى لدار القرار. وقراءة العامة {ٱلنَّشْأَةَ} بالقصر. وقرأ مجاهد والحسن وٱبن كثير وأبو عمرو: «النَّشَاءَةَ» بالمد؛ وقد مضى في «العنكبوت» بيانه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مقرراً للمعاد، وراداً على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد من الذين قالوا: {أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}؟ وقولهم ذلك صدر منهم على وجه التكذيب والاستبعاد. فقال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ} أي: نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، أفليس الذي قدر على البداءة بقادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى؟ ولهذا قال: {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} أي: فهلا تصدقون بالبعث ثم قال مستدلاً عليهم بقوله: { أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَءَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ }؟ أي: أنتم تقرونه في الأرحام، وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} أي: صرفناه بينكم، وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: وما نحن بعاجزين {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ} أي: نغير خلقكم يوم القيامة. {وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: من الصفات والأحوال. ثم قال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: قد علمتم أن الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، فخلقكم، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة، وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى، وهي الإعادة بطريق الأولى والأحرى؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27] وقال تعالى: {أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 67] {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 77 ــــ 79] وقال تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِىٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : ؟ [القيامة: 36 ــــ 40].
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَٰكُمْ } أوجدناكم من عدم {فَلَوْلا } هلا {تُصَدِّقُونَ } بالبعث، إذ القادر على الإِنشاء قادر على الإِعادة.
الشوكاني
تفسير : قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ } التفت سبحانه إلى خطاب الكفرة تبكيتاً لهم، وإلزاماً للحجة، أي: فهلا تصدّقون بالبعث، أو بالخلق. قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئًا، وأنتم تعلمون ذلك، فهلا تصدّقون بالبعث؟ {أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } أي: ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، ومعنى {أَفَرَءيْتُم}: أخبروني، ومفعولها الأوّل {ما تمنون}، والثاني الجملة الاستفهامية، وهي {ءأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } أي: تقدّرونه وتصوّرونه بشراً سوياً أم نحن المقدرون المصوّرون له، و"أم" هي المتصلة، وقيل: هي المنقطعة، والأوّل أولى. قرأ الجمهور (تمنون) بضم الفوقية من أمنى يمني. وقرأ ابن عباس، وأبو السماك، ومحمد بن السميفع، والأشهب العقيلي بفتحها من منى يمني، وهما لغتان، وقيل: معناهما مختلف، يقال: أمنى إذا أنزل عن جماع، ومنى إذا أنزل عن احتلام، وسمي المنيّ منياً؛ لأنه يمني، أي: يراق. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } قرأ الجمهور {قدّرنا} بالتشديد، وقرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن، وابن كثير بالتخفيف، وهما لغتان، يقال: قدرت الشيء وقدّرته، أي: قسمناه عليكم، ووقتناه لكل فرد من أفرادكم، وقيل: قضينا، وقيل: كتبنا، والمعنى متقارب. قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيراً، ومنكم من يموت صغيراً. وقال الضحاك: معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بمغلوبين، بل قادرين. {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } أي: نأتي بخلق مثلكم. قال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا. قال ابن جرير: المعنى نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدّل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم، أي: لا يتقدّم متأخر، ولا يتأخر متقدّم {وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الصور والهيئات. قال الحسن أي: نجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بأقوام قبلكم، وقيل المعنى: ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا. وقال سعيد بن المسيب: {فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني: في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال مجاهد: {فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني: في أيّ خلق شئنا، ومن كان قادراً على هذا فهو قادر على البعث {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأولَىٰ } وهي ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئًا. وقال قتادة، والضحاك: يعني: خلق آدم من تراب {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } أي: فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخيرة، وتقيسونها على النشأة الأولى. قرأ الجمهور {النشأة} بالقصر، وقرأ مجاهد، والحسن، وابن كثير، وأبو عمرو بالمد، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت. {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } أي: أخبروني ما تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيه البذر {ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ } أي: تنبتونه وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السنبل والحبّ {أَمْ نَحْنُ ٱلزرِعُونَ } أي: المنبتون له الجاعلون له زرعاً لا أنتم. قال المبرد: يقال زرعه الله أي: أنماه، فإذا أقررتم بهذا، فكيف تنكرون البعث {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً } أي: لو نشاء لجعلنا ما تحرثون حطاماً، أي: متحطماً متكسراً، والحطام: الهشم الذي لا ينتفع به، ولا يحصل منه حبّ، ولا شيء مما يطلب من الحرث {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } أي: صرتم تعجبون. قال الفرّاء: تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم. قال في الصحاح: وتفكه: تعجب، ويقال: تندّم. قال الحسن، وقتادة، وغيرهما: معنى الآية: تعجبون من ذهابها، وتندمون مما حلّ بكم. وقال عكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله. وقال أبو عمرو، والكسائي: هو التلهف على ما فات. قرأ الجمهور {فظلتم} بفتح الظاء مع لام واحدة. وقرأ أبو حيوة، وأبو بكر في رواية عنه بكسر الظاء. وقرأ ابن عباس، والجحدري {فظللتم} بلامين: أولاهما مكسورة على الأصل، وروي عن الجحدري فتحها، وهي لغة. وقرأ الجمهور (تفكهون) وقرأ أبو حزام العكلي (تفكنون) بالنون مكان الهاء أي: تندمون. قال ابن خالويه: تفكه: تعجب، وتفكن: تندم. وفي الصحاح التفكن: التندم {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ أبو بكر، والمفضل، وزرّ بن حبيش بهمزتين على الاستفهام، والجملة بتقدير القول أي: تقولون إنا لمغرمون، أي: ملزمون غرماً بما هلك من زرعنا، والمغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض، قاله الضحاك، وابن كيسان. وقيل المعنى: إنا لمعذبون، قاله قتادة، وغيره. وقال مجاهد، وعكرمة: لمولع بنا، ومنه قول النمر بن تولب:شعر : سَلاَ عن تَذكَّره تكتما وكان رَهيناً بها مُغْرَمَاً تفسير : يقال: أغرم فلان بفلان، أي: أولع. وقال مقاتل: مهلكون. قال النحاس: مأخوذ من الغرام، وهو الهلاك، ومنه قول الشاعر:شعر : ويوم النسِّارِ ويومُ الجبار كان عليكم عذاباً مقيماً تفسير : والظاهر من السياق المعنى الأول، أي: إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه، ومصيره حطاماً، ثم أضربوا عن قولهم هذا، وانتقلوا فقالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } أي: حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا، والمحروم: الممنوع من الرزق الذي لا حظ له فيه، وهو المحارف. {أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ }، فتسكنون به ما يلحقكم من العطش، وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ. واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه؛ لأنه أعظم فوائده، وأجلّ منافعه {ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ } أي: السحاب. قال في الصحاح: قال أبو زيد: المزنة:السحابة البيضاء، والجمع مزن، والمزنة: المطر. قال الشاعر:شعر : ألَمْ تَر أنَّ الله أنْزَلَ مُزْنَة وعُفُرُ الظِّبَاءِ في الكِنَاس تَقَمَّعُ تفسير : ومما يدل على أنه السحاب قول الشاعر:شعر : فنحنُ كماءِ المزْنِ مافي نصابنا كَهَام ولا فينا يُعدّ بَخيلُ تفسير : وقول الآخر:شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } له بقدرتنا دون غيرنا، فإذا عرفتم ذلك، فكيف لا تقرّون بالتوحيد، وتصدّقون بالبعث. ثم بيّن لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال: {لَوْ نَشَاء جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } الأجاج: الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن: هو الماء المرّ الذي لا ينتفعون به في شرب، ولا زرع، ولا غيرهما {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } أي: فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماءً عذباً تشربون منه وتنتفعون به {أَفَرَءيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ } أي: أخبروني عنها، ومعنى {تورون}: تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال: أوريت النار إذا قدحتها {ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } التي يكون منها الزنود، وهي المرخ والعفار، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ } لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء: الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة، وعجيب القدرة. {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً } أي: جعلنا هذه النار التي في الدنيا تذكرة لنار جهنم الكبرى. قال مجاهد، وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن {وَمَتَـٰعاً لّلْمُقْوِينَ } أي: منفعة للذين ينزلون بالقواء، وهي الأرض القفر كالمسافرين، وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة، يقال: أرض قواء بالمد والقصر، أي: مقفرة، ومنه قول النابغة:شعر : يا دار مية بالعلياء فالسند أقوت وطال عليها سالف الأمد تفسير : وقال عنترة: شعر : حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم تفسير : وقول الآخر:شعر : ألم تسأل الربع القواء فينطق وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق تفسير : ويقال: أقوى إذا سافر، أي: نزل القوى. وقال مجاهد: المقوين: المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ، والخبز، والاصطلاء، والاستضاءة، وتذكر نار جهنم. وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم، يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي: ما أكلت شيئًا، وبات فلان القوى، أي: بات جائعاً، ومنه قول الشاعر:شعر : وإني لأختار القوى طاوي الحشا محافظة من أن يقال لئيم تفسير : وقال قطرب: القوى من الأضداد يكون بمعنى الفقر، ويكون بمعنى الغنى؛ يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى: إذا قويت دوابه وكثر ماله. وحكى الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الأوّل، وهو الظاهر {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } الفاء لترتيب ما بعدها من ذكر الله سبحانه، وتنزيهه على ما قبلها مما عدّده من النعم التي أنعم بها على عباده، وجحود المشركين لها، وتكذيبهم بها. وقد أخرج البزار، وابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في الشعب، وضعفه عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يقولنّ أحدكم زرعت، ولكن يقول حرثت»تفسير : . قال أبو هريرة: ألم تسمعوا الله يقول: {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ. ءأَنتُمْ * تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزرِعُونَ }. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {تَفَكَّهُونَ } قال: تعجبون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس. قال: {ٱلْمُزْنِ }. السحاب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً } قال: تذكرة للنار الكبرى {وَمَتَـٰعاً لّلْمُقْوِينَ } قال: للمسافرين.
الماوردي
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: نحن خلقنا رزقكم أفلا تصدقون أن هذا طعامكم. الثاني: نحن خلقناكم فلولا تصدقون أننا بالجزاء: بالثواب والعقاب اردناكم. {أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ}يعني نطفة المني، قال الفراء، يقال أمنى يمني ومنى يمني بمعنى واحد. ويحتمل عندي أن يختلف معناهما فيكون أمنى إذا أنزل عن جماع، ومني إذا عن احتلام. وفي تسمية المني منياً وجهان: أحدهما: لإمنائه وهو إراقته. الثاني: لتقديره ومنه المناء الذي يوزن به فإنه مقدار لذلك فكذلك المني مقدار صحيح لتصوير الخلقة. {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أي نحن خلقنا من المني المهين بشراً سوياً، فيكون ذلك خارجاً مخرج الإمتنان. الثاني: أننا خلقنا مما شاهدتموه من المني بشراً فنحن على خلق ما غاب من إعادتكم أقدر، فيكون ذلك خارجاً مخرج البرهان، لأنهم على الوجه الأول معترفون، وعلى الوجه الثاني منكرون. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قضينا عليكم بالموت. الثاني: كتبنا عليكم الموت. الثالث: سوينا بينكم الموت. فإذا قيل بالوجه الأول بمعنى قضى ففيه وجهان: أحدهما قضى بالفناء ثم الجزاء. الثاني: ليخلف الأبناء الآباء. وإذا قيل بالوجه الثاني أنه بمعنى كتبنا ففيه وجهان: أحدهما: كتبنا مقداره فلا يزيد ولا ينقص، قاله ابن عيسى. الثاني: كتبنا وقته فلا يتقدم عليه ولا يتأخر، قاله مجاهد. وإذا قيل بالوجه الثالث أنه بمعنى سوينا ففيه وجهان: أحدهما: سوينا بين المطيع والعاصي. الثاني: سوينا بين أهل السماء وأهل الأرض، قاله الضحاك. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} فيه وجهان: أحدهما: وما نحن بمسبوقين على ما قدرنا بينكم الموت حتى لا تموتوا. الثاني: وما نحن بمسبوقين على أن تزيدوا في مقداره وتؤخروه عن وقته. والوجه الثاني: أنه ابتداء كلام يتصل به ما بعده من قوله تعالى: {عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئِكُم فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فعلىهذا في تأويله وجهان: أحدهما: لما لم نسبق إلى خلق غيركم كذلك لا نعجز عن تغيير أحوالكم بعد موتكم. الثاني: كما لم نعجز عن خلق غيركم كذلك لا نعجز عن تغيير أحوالكم بعد موتكم كما لم نعجز عن تغييرها في حياتكم. فعلى هذا التأويل يكون في الكلام مضمر محذوف، وعلى التأويل الأول يكون جميعه مظهراً.
الخازن
تفسير : {نحن خلقناكم} يعني ولم تكونوا شيئاً وأنتم تعلمون ذلك {فلولا} أي فهلا {تصدقون} يعني بالبعث بعد الموت. قوله عز وجل: {أفرأيتم ما تمنون} يعني ما تصبون في الأرحام من النطف {أأنتم تخلقونه} أي أنتم تخلقون ما تمنون بشراً {أم نحن الخالقون} أي إنه خلق النطفة وصورها وأحياها فلم لا تصدقون بأنه واحد قادر على أن يعيدكم كما أنشأكم احتج عليهم في البعث بالقدرة على ابتداء الخلق، {نحن قدرنا بينكم الموت} يعني الآجال فمنكم من يبلغ الكبر والهرم ومنكم من يموت صبياً وشاباً وغير ذلك من الآجال القريبة والبعيدة وقيل معناه إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء شريفهم ووضيعهم فعلى هذا القول يكون معنى قدرنا قضينا، {وما نحن بمسبوقين} يعني لا يفوتني شيء أريده ولا يمتنع مني أحد وقيل معناه وما نحن بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم وهو قوله تعالى: {على أن نبدل أمثالكم} أي نأتي بخلق مثلكم بدلاً منكم في أسرع حين {وننشئكم} أي نخلقكم {فيما لا تعلمون} أي من الصور والمعنى نغير حليتكم إلى ما هو أسمح منها من أي خلق شئنا وقيل نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم أي إن أردنا أن نفعل ذلك بكم ما فاتنا، وقال سعيد بن المسيب فيما لا تعلمون في حواصل طيور سود كأنها الخطاطيف تكون ببرهوت وهو واد باليمن وهذه الأقوال كلها تدل على المسخ وعلى أنه لو شاء أن يبدلهم بأمثالهم من بني آدم قدر ولو شاء أن يمسخهم في غير صورهم قدر، وقال بعض أهل المعاني هذا يدل على النشأة الثانية يكونها الله تعالى في وقت لا يعلمه العباد ولا يعلمون كيفيته كما علموا الإنشاء الأول من جهة التناسل ويكون التقدير على هذا وما نحن بمسبوقين على أن ننشئكم في وقت لا تعلمونه يعني وقت البعث والقيامة، وفيه فائدة وهو التحريض على العمل الصالح لأن التبديل والإنشاء هو الموت والبعث وإذا كان ذلك واقعاً في الأزمان ولا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة {ولقد علمتم النشأة الأولى} أي الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئاً وفيه تقرير للنشاة الثانية يوم القيامة {فلولا تذكرون} أي بأني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم أول مرة. قوله تعالى: {أفرأيتم ما تحرثون} لما ذكر الله تعالى ابتداء الخلق وما فيه من دلائل الوحدانية ذكر بعده الرزق لأن به البقاء وذكر أموراً ثلاثة المأكول والمشروب وما به إصلاح المأكول والمشروب ورتبه ترتيباً حسناً فذكر المأكول أولاً لأنه هو الغذاء وأتبعه المشروب لأن به الاستمراء ثم النار التي بها الإصلاح وذكر من أنواع المأكول الحب لأنه هو الأصل ومن المشروب الماء لأنه أيضاً هو الأصل وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية، فقوله أفرأيتم ما تحرثون أي ما تثيرون من الأرض وتلقون فيه البذر {أأنتم تزرعونه} أي تنبتونه وتنشئونه حتى يشتد ويقوم على سوقه {أم نحن الزارعون} معناه أأنتم فعلتم ذلك أم الله ولا شك في أن إيجاد احب في السنبل ليس بفعل أحد غير الله تعالى وإن كان إلقاء البذر من فعل الناس، {لو نشاء لجعلناه} يعني ما تحرثونه وتلقون فيه من البذر، {حطاماً} أي تبناً لا قمح فيه وقيل هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا غيره وقيل هو جواب لمعاند يقول نحن نحرثه وهو بنفسه يصير زرعاً لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا فرد الله عليّ هذا المعاند بقوله لو نشاء لجعلناه حطاماً فهل تقدرون أنتم على حفظه أو هو يدفع عن نفسه بنفسه تلك الآفات التي تصيبه ولا يشك أحد في أن دفع الآفات ليس إلا بإذن الله وحفظه، {فظلتم تفكهون} أي تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم وقيل تندمون على نفقاتكم وقيل تندمون على ما سلف منكم من المعاصي التي أوجبت تلك العقوبة وقيل تتلاومون وقيل تحزنون وقيل هو تلهف على ما فات.
ابن عادل
تفسير : قوله: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ}. تحضيض، أي: فهلا تصدقون بالبعث؛ لأن الإعادة كالابتداء. وقيل: المعنى نحن خلقنا رزقكم، فهلا تصدقون أن هذا طعامكم إن لم تؤمنوا، أو متعلق التصديق محذوف، تقديره: فلولا تصدقون بخلقنا. قوله: "أفرأيتُم". [هي] بمعنى: "أخبروني" ومفعولها الأول "ما تمنون". والثاني الجملة الاستفهامية. وقد تقدم تقريره. والمعنى: ما تصبُّونه من المنِيّ في أرْحَام النِّساء. وقرأ العامَّة: "تُمْنُونَ" بضم التَّاء، من "أمْنى يمني". وابن عبَّاس وأبو السِّمال: بفتحها من "مَنَى يَمْنِي". قال الزمخشري: يقال: أمْنى النُّطفة ومناها، قال الله تعالى: {أية : مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تفسير : [النجم: 46]. فظاهر هذا أنه استشهاد للثلاثي، وليس فيه دليل له، إذ يقال من الرباعي أيضاً: تمني، كقولك: "أنت تكرم" وهو من "أكرم". وقال القرطبي: ويحتمل أن يختلف معناهما عندي، فيكون "أمْنَى" إذا أنزل عند جماع، و "مَنَى" إذا أنزل عند احتلام، وفي تسمية المنيِّ منيًّا وجهان: أحدهما: لإمنائه، وهو إراقته. الثاني: لتقديره، وهو المَنّ الذي يوزن به؛ لأنه مقدار لذلك، فكذلك المَنِيّ مقدار صحيح لتصوير الخِلْقَة. قوله: {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ}. يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه فاعل فعل مقدر، أي: "أتَخْلُقُونهُ" فلما حذف الفعل لدلالة ما بعده عليه انفصل الضَّمير، وهذا من باب الاشتغال. والثاني: أن "أنْتُم" مبتدأ، والجملة بعده خبر. والأول أرجح لأجل أداةِ الاستفهام. وقوله: "أمْ" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أنها منقطعة؛ لأنَّ ما بعدها جملة، وهي إنما تعطف المفردات. والثاني: أنها متَّصلة. وأجابوا عن وُقوع الجملة بعدها بأن مجيء الخبر بعد "نحن" أتي به على سبيل التَّوكيد؛ إذ لو قال: "أمْ نَحْنُ" لاكتفي به دون الخبر، ونظير ذلك جواب من قال: "مَنْ في الدَّار"؟ زيد في الدار، "أو زيد فيها"، ولو اقتصر على "زيد" لكان كافياً. ويؤيد كونها متصلة أن الكلام يقتضي تأويله، أي: الأمرين واقع، وإذا صلح كانت متصلة، إذ الجملة بتأويل المفرد. ومفعول "الخَالِقُون" محذوف لفهم المعنى أي: "الخالقوه". فصل في تحرير معنى الآية والمعنى: أنتم تصورون منه الإنسان {أم نحن الخالقون} المقدّرون المصورون، وهذا احتجاج عليهم، وبيان للآية الأولى، أي: إذا أقررتم بأنا خالقوه لا غير، فاعترفوا بالبعث. قال مقاتل: نحن خلقناكم ولم تكونوا شيئاً، وأنتم تعلمون ذلك، فهلاَّ تصدقون بالبعث. قوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا}. قرأ ابن كثير: "قَدَرْنَا" بتخفيف الدال. والباقون: بتشديدها. وهما لغتان بمعنى واحد في التقدير الذي هو القضاء، وهذا أيضاً احتجاج، أي: الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخَلْق وإذا قدر على الخَلْق قدر على البعث. قال الضحاك: معناه أي: سوَّينا بين أهل السماء وأهل الأرض. وقيل: قضينا. وقيل: كتبنا. قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهَرَم، ومنكم من يموت صبيًّا وشابًّا. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: مغلوبين عاجزين. قوله: {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ}. يجوز أن يتعلق {بِمَسْبُوقِينَ}، وهو الظَّاهر، أي: لم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم، أي: يعجزنا، يقال: سبقه إلى كذا، أي: أعجزه عنه، وغلبه عليه. الثاني: أنه متعلق بقوله: "قَدَّرْنا" أي: قدرنا بينكم الموت، {على أن نُبدِّل} أي: تموت طائفة، وتخلفها طائفة أخرى. قال معناه الطبري. وعلى هذا يكون قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} معترضاً، وهو اعتراض حسن. ويجوز في "أمْثَالكُمْ" وجهان: أحدهما: أنه جمع "مِثْل" - بكسر الميم وسكون الثاء - أي: نحن قادرون على أن نعدمكم، ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} تفسير : [النساء: 133]. والثاني: أنه جمع "مَثَل" - بفتحتين - وهو الصفة، أي: نغير صفاتكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، و "ننشئكم" في صفات غيرها. وتقدم قراءتا النَّشأة في "العنكبوت". فصل في تفسير معنى الآية قال الطبري: معنى الآية: نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، {وما نحن بمسبوقين} في آجالكم، أي: لا يتقدم متأخر، ولا يتأخّر متقدم، {وننشئكم فيما لا تعلمون} من الصُّور والهيئاتِ. قال الحسن: أي: نجعلكم قِردةً وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم. وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمّل المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه. وقال سعيد بن المسيب: قوله: {فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني في حواصل طير سُودٍ تكون ببرهوت كأنها الخَطَاطِيْف، و "برهوت": وادٍ في "اليمن". وقال مجاهد: {فيما لا تعلمون} أي: في أي خلق شئنا. وقيل: ننشئكم في عالم فيما لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون. قال ها هنا: {قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ}. وقال في سورة "الملك": {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك: 2] بلفظ الخلق؛ لأن المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين، وهاهنا ذكر حياتهم ومماتهم. قوله: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ}. أي: إذ خلقتم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا شيئاً. قاله مجاهد وغيره. وهذا تقرير للنشأة الثَّانية. وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم عليه الصلاة والسلام. {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}. أي: فهلا تذكرون. قرأ طلحة: "تَذْكُرون" بسكون "الذال"، وضم "الكاف". وفي الخبر: "حديث : عَجَباً كُل العَجبِ للمُكذِّبِ بالنَّشأة الآخرةِ، وهُو يَرَى النَّشْأة الأولى، وعَجَباً للمُصدِّقِ بالنَّشأةِ الآخرةِ، وهُوَ يَسْعَى لدارِ الغرُورِ ".
القشيري
تفسير : نحن خلقناكم: يا أهلَ مكة - فهلاَّ آمَنْتُم لتتخلصوا؟ توبَّخون وتُعَاتَبون.. واليومَ تَعْتَذِرون! ولكن لا ينفعكم ذلك ولا يُسْمَعُ منكم شيء. وإن أشدّ العقوبات عليهم يومئذٍ أنهم لا يتفرَّغون من آلامِ نفوسِهم وأوجاعِ أعضائهم إلى التَحسُّر على ما فاتهم في حقِّ الله. ويقال: أشدُّ البلاء - اليوم - على قلوب هذه الطائفة خوفُهم من أَنْ يَشْغَلَهم - غداً - بمقاساة آلامهم عن التحسُّر على ما تكدَّرَ عليهم من المشارب في هذا الطريق. وهذه محنة لا شيءَ أعظمُ على الأصحاب منها. وإنَّ أصحابَ القلوبِ - اليومَ - يبتهلون إليه ويقولون: إنْ حَرَمْتَنا مشاهدَ الأُنْس فلا تَشْغَلْنا بلذَّاتٍ تشغلنا عن التحسُّر على ما فاتنا، ولا بآلامٍ تشغلنا عن التأسُّف على ما عَدِمْنا منك.
اسماعيل حقي
تفسير : {نحن خلقناكم فلولا تصدقون} اى فهلا تصدقون أيها الكفرة بالخلق فان مالا يحققه العمل ولايساعده بل ينبىء عن خلافه ليس من التصديق فى شىء او بالبعث فان من قدر على الابدآء قدر على الاعادة، اعلم ان الله تعالى اذا اخبر عن نفسه بلفظ الجميع يشير به الى ذاته وصفاته واسمائه كما قال {أية : انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون}تفسير : وكما قال {أية : انا انزلناه}تفسير : واذا اخبر عن نفسه بلفظ المفرد يشير الى ذاته المطلقة كما قال {أية : انى انا الله رب العالمين}تفسير : هذا اذا كان القائل المخبر هو الله تعالى واما اذا كان العبد فينبغى أن يقول أنت يارب لا أنتم لايهامه الشرك المنافى لتوحيد القائل ولذا يقال أشهد أن لا اله الا الله ليدل على شهادته بخصوصه فتعين توحيده ويظهر تصديقه
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "لُولا" كَهَلاّ، كلمة تحضيض، أي: نحن أوجدناكم أوّلاً من غير مثال وحركة وإرادة زايدة وداعٍ فهلاّ تصدّقون به، ولولا تعلمون كيفيّة الإيجاد حتّى تعلموا منها كيفيّة الإعادة، فإنّ من قدر على خلقكم في هذه النشأة الدنيويّة من غير مثال، أقدر على انشائكم في نشأة أخرى من غير مثال {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} تفسير : [الأعراف:29]. والمنكرون للبعث، وإن كانوا بزعمهم مصدّقين بالخلق والإيجاد، لكن لا يعلمون تحقيقه على وجهه، ولا كيفيّة ارتباط الموجودات به بوجه حتّى يعلموا النشأة الثانية الباقية، وإلاّ لم يشكوا فيها فكأنّهم مكذِّبون بالخَلْق. ويحتمل أن يكون التحضيض على البحث، أي: لمّا علمتم بالخلق فهلاّ تُصدّقون بامكان البعث، لأنّ من خلَق أوّلاً لا يمتنع عليه أن يخلق ثانياً، كما في قوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الواقعة:62].
الجنابذي
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} لا غيرنا {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} بمخلوقيّتكم حتّى تصدّقوا بخالقكم، او لولا تصدّقون ببعثكم بعد اقراركم بخلقكم ابتداءً، والبعث اهون فى انظاركم من الخلق ابتداءً.
الهواري
تفسير : قال تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ} أي: فهلا {تُصَدِّقُونَ} أي: بالبعث، يقوله للمشركين. قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} يعني النطفة كقوله عز وجل: (أية : نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى) تفسير : [القيامة:37] وكقوله: (أية : مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) تفسير : [النجم:46] قال تعالى: {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} على الاستفهام، أي: لستم بالذي تخلقونه، ولكن نحن الخالقون. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} أي: لكل عبد وقت لا يعدو وقته، وقال: مجاهد: المتأخر منهم والمُسْتَعجِل. قال: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: بمغلوبين {عَلَى أَنْ نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} أي: آدميين خيراً منكم. يقوله للمشركين. {وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي في صورة القردة والخنازير، في تفسير الحسن. وقال مجاهد: في أي: خلق شاء. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى} أي: خلق آدم وذريته بعده، وقال مجاهد: يعني إذ لم تكونوا شيئاً. قال تعالى: {فَلَوْلاَ} أي: فهلا {تَذَكَّرُونَ} أي: فتؤمنوا بالبعث.
اطفيش
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} وقد علمتم {فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ} بالبعث فإن من قدر على الابداء قادر على الاعادة أو بالخلق فإنهم ولو صدقوا به لكن انكرهم البعث تكذيب له فخصصهم بلولا على التصديق متيقنين محققين للصدق بالاعمال الدالة عليه وللخلق.
اطفيش
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} خطاب للكفرة وخلقنا السماوات والأرض وكل شئ {فَلَوْلاَ} تحضيض {تُصَدِّقُونَ} بالبعث، فإِنا قادرون عليه كما قدرنا على خلق الأَشياء وكيف تقولون أئنا لمبعوثون، ويدل على أن التصديق تصديق البعث أن الكلام فى البعث، إِذ قالوا: إِنا لمبعوثون ويدل له أيضاً ذكره بعد ذلك أنه خلق المنى، وقوله {أية : ولقد علمتم النشأَة الأُولى} تفسير : [الواقعة: 62] وقوله: {أية : أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} تفسير : [الواقعة: 64]، أى يبعثكم كما خلقكم من منى وأنشأَكم النشأَة الأُولى وأنبت الحرث، وقيل: فلولا تصدقون بأَنى خلقتكم وخلقت كل شئ، وخلقت السماوات والأَرض، وجعل إِقرارهم بخلقه السموات والأَرض وبخلقه إِياهم فى البطون، كلا إِقرار، إِذ لم يتبعوا ذلك بالتوحيد وسائر الشريعة، وفيه أنه لم يذكر فى الآية خلق السماوات والأَرض، الذى أقروا به، بل ذكر خلقهم وهم لم ينكروه واستلحاق خلق السموات والأَرض فى الآية تكلف.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ } تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة بطريق الإلزام والتبكيت، والفاء لترتيب التحضيض على ما قبلها أي فهلا تصدقون بالخلق بقرينة {نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } ولما لم يحقق تصديقهم المشعر به قوله تعالى: { أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] عملهم حيث لم يقترن بالطاعة والأعمال الصالحة بل اقترن بما ينبىء عن خلافه من الشرك والعصيان نزل منزلة العدم والإنكار فحضوا على التصديق بذلك، وقيل: المراد فهلا تصدقون بالبعث لتقدمه وتقدم إنكاره في قولهم: { أية : أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الواقعة: 47] فيكون الكلام إشارة إلى الاستدلال بالإبداء على الإعادة فإن من قدر عليه قدر عليها حتماً، والأول هو الوجه كما يظهر مما بعد إن شاء الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : أعقب إبطال نفيهم البعث بالاستدلال على إمكانه وتقريب كيفية الإعادة التي أحالوها فاستدل على إمكان إعادة الخلق بأن الله خلقهم أول مرة فلا يبعد أن يعيد خلقهم، قال تعالى: {أية : كما بدأنا أول خلق نعيده}تفسير : [الأنبياء: 104] لأنهم لم يكونوا ينكرون ذلك، وليس المقصود إثبات أن الله خلقهم. وهذا الكلام يجوز أن يكون من تمام ما أمر بأن يقوله لهم، ويجوز أن يكون استئنافاً مستقلاً. والخطاب على كلا الوجهين موجّه للسامعين فليس في ضمير {خلقناكم} التفات. وتقدم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوّي الحكم ردّاً على إحالتهم أن يكون الله قادراً على إعادة خلقهم بعد فناء معظم أجسادهم حين يكونون تراباً وعظاماً، فهذا تذكير لهم بما ذهلوا عنه بأن الله هو خلقهم أول مرة وهو الذي يعيد خلقهم ثاني مرة، فإنهم وإن كانوا يعلمون أن الله خلقهم لمّا لم يجروا على موجَب ذلك العلم بإحالتهم إعادة الخلق نُزلوا منزلة من يشك في أن الله خلقهم، فالمقصود بتقوّي الحكم الإِفضاء إلى ما سيفرع عنه من قوله: {أية : أفرأيتم ما تمنون} تفسير : [الواقعة: 58] إلى قوله: {أية : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم}تفسير : [الواقعة: 60 ـــ 61]. ونظير هذه الآية في نسج نظمها والترتيب عليها قوله تعالى: {أية : نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً} تفسير : في سورة الإنسان (28). وموقعها استدلال وعلة لمضمون جملة أية : إن الأولين والأخرين لمجموعون}تفسير : [الواقعة: 49، 50] ولذلك لم تعطف. وفُرع على هذا التذكير تحضيضهم على التصديق، أي بالخلق الثاني وهو البعث فإن ذلك هو الذي لم يصدقوا به.
الشنقيطي
تفسير : لما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين، وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال: نحن خلقناكم هذا الخلق الأول فلولا تصدقون. أي فهل لا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني، لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى. وهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني، جاء موضحاً في آيات كثيرة جداً كقوله تعالى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27]، وقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104]، وقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] وقوله تعالى: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [يس: 79]، وقوله تعالى: {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الإسراء: 51]، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد ذكرناها بإيضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة والنحل والحج والجاثية، وغير ذلك من المواضع وأحلنا عليها كثيراً. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَلَوْلاَ تُصَدِقُونَ} لولا حرف تحضيض، ومعناه الطلب بحث وشدة، فالآية تدل على شدة حث الله للكفار وحضه لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: نحن خلقناكم: أي أوجدناكم من العدم. فلولا تصدقون: أي فهلا تصدقون بالبعث إذ القادر على الإِنشاء قادر على الإِعادة بعد الفناء والبلى. أفرأيتم ما تمنون: أي الذي تصبونه من المنى بالجماع في أرحام نسائكم. أأنتم تخلقونه: أي بشراً أم نحن الخالقون له بشراً. نحن قدرنا بينكم الموت: أي قضينا به عليكم وكتبناه عليكم وجعلنا لكل واحد أجلاً معيناً لا يتعداه ولا يتأخر منه بحال من الأحوال. وما نحن بمسبوقين: أي بعاجزين. على أن نبدل أمثالكم: أي ما أنتم عليه من الخلق والصور. وننشئكم فيما لا تعلمون: أي ونوجدكم في صور لا تعلمونها وهذا تهديد لهم بمسخهم وتحويلهم إلى أبشع حيوان وأقبحه. ولقد علمتم النشأة الأولى: أي ولقد علمتم خلقنا لكم كيف تم وكيف كان. أفلا تذكرون: فتعلمون أن الذي خلقكم أول مرة قادر على إعادة خلقكم مرة أخرى بعد موتكم وفنائكم. أفرأيتم ما تحرثون: أي من إثارة الأرض بالمحراث وإلقاء البذر فيها. أأنتم تزرعونه: أي تنبتونه. أم نحن الزارعون: أي نحن المنبتون له يقال زَرَعَه الله أي أنبته. لو نشاء لجعلناه حطاما: أي لو نشاء لجعلنا الزرع حطاماً يابساً بعد أن أصبح سنبلاً وقارب أن يفرك فتحرمون منه. فظلتم تفكهون: أي تتعجبون في مجالسكم من الجائحة التي أصابت زرعكم. إنا لمغرمون: أي قائلين إنا لمغرمون أي ما أنفقناه على حرثه ورعايته معذبون به. بل نحن محرومون: أي لسنا بمعذبين به وإنما نحن محرومون من زرعنا وما بذلناه فيه ليس لنا من حظ ولا جد أي غير محظوظين ولا مجدودين. أفرأيتم الماء الذي تشربون: أي أخبرونا عن الماء الذي تشربونه وحياتكم متوقفة عليه. أأنتم أنزلتموه من المزن: أي من السحاب في السماء إلى الأرض. أم نحن المنزلون: أي له إلى الأرض. لو نشاء لجعلناه أجاجا: أي ملحاً مراً لا يمكن شربه. فلولا تشكرون: أي فهلا تشكرون أي الله بالإِيمان والطاعة. أفرأيتم النار التي تورون: أي أخبرونا عن النار التي تخرجون من الشجر. أأنتم أنشأتم شجرتها: أي خلقتم شجرتها كالمرخ والعفار والكلخ. أم نحن المنشئون: أي نحن المنشئون لتلك الأشجار. نحن جعلناها تذكرة: أي جعلنا تلك النار تذكرة أي تذكر بنار جهنم. ومتاعاً للمقوين: أي بُلغةً للمسافرين يتبلغون بها في سفرهم. فسبح باسم ربك العظيم: أي نزه اسم ربك عما لا يليق به كذكره بغير احترام ولا تعظيم او الاسم صلة والتقدير نزه ربك عن الشريك ومن ذلك قولك سبحان ربي العظيم. معنى الآيات: السياق هنا في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها المشركون وذلك بذكر الأدلة العقلية الموجبة للعلم واليقين في المعلوم المطلوب تحصيله قال تعالى {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} وأنتم معترفون بذلك إذ لمّا نسألكم من خلقكم تقولون الله. إذاً {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} أي فهلا تصدقون بالبعث والحياة الثانية إذ القادر على الخلق الأول قادر على الإعادة. وهذه أدلة قدرتنا تأملوها أولاً {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} أي أخبرونا عما تمنون أي تصبونه في أرحام نسائكم بالجماع {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} ولداً {أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} والجواب نحن الخالقون إذاً القادر على خلقكم بواسطة هذا الإِمناء والتكوين في الأرحام قادر على خلقكم بطريق آخر وثانيا {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} وقضينا به عليكم فلا يستطيع أحد منكم أن يمنعنا من إماتته وفي الوقت المحدد له. بحيث لو طلب التقديم أو التأخير لما قدر على ذلك أليس القادر على خلقكم وإماتتكم قادر على بعثكم بلى وثالثاً {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} بحيث نخلقكم في صور وأشكال غير ما أنتم عليه فنخلقكم خلقاً ذميما وقبيحاً كالقردة والخنازير، وما نحن بعاجزين عن ذلك فهل نعجز إذاً عن بعثكم بعد موتكم أحياء لنحاسبكم ونجزيكم {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} كيف تمت لكم بما لا تنكرونه. إذاً {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} فتعلمون أن الذي خلقكم أول مرة قادر على خلقكم ثانية مع العلم أن الإِعادة ليست بأصعب من الإِنشاء من عدم لا من وجود. ورابعاً {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} من إثارة الأرض وإلقاء البذر فيها أخبرونا أأنتم تنبتون الزرع {أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} له أي المنبتون والجواب معروف وهو أننا نحن الزارعون لا أنتم. إذاً فالقادر على إنبات الزرع قادر على إنباتكم في قبوركم على نحو إنبات الزرع وعجب الذنب هو النواة التي تنبتون منها وخامسا هو أن ذلك الزرع الذي أنبتناه لو نشاء لجعلناه بعد نضرته وقرب حصاده حطاما يابساً لا تنتفعون منه بشيء فظلتم تفكهون متعجبين من حرمانكم من زرعكم تقولون {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي ما أنفقناه على حرثه ورعايته معذبون به ثم تضربون عن قولكم ذلك إلى قول آخر وهو قولكم {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} ما لنا من حظ ولا جد فيه أي لسنا محظوظين ولا مجدودين. إن إنبات الزرع ثم حرمانكم منه بعد طمعكم في الانتفاع به مظهر من مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وتدبيره وكلها دالة على قدرته على بعثكم لمحاسبتكم ومجازاتكم على عملكم في هذه الحياة الدنيا. وسادسا الماء الذي تشربون وحياتكم متوقفة عليه أخبروني {ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ} من السحاب {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} والجواب نحن المنزلون لا أنتم هذا أولاً وثانياً لو نشاء لجعلنا الماء ملحاً مرّاً لا تنتفعون منه بشيء وإنا لقادرون فهلا تشكرون هذا الإِحسان منا إليكم بالإِيمان بنا والطاعة لنا. وسابعا النار التي تورون وتشعلونها أخبروني {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} والجواب نحن لا أنتم فالذي يوجد النار في الشجر قادر على أن يبعثكم أحياء من قبوركم ليحاسبكم على سلوككم ويجازيكم به. وقوله تعالى {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا} أي النار {تَذْكِرَةً} لكم تذكركم بنار الآخرة فالذي أوجد هذه النار قادر على إيجاد نار أخرى لو كنتم تذكرون وجعلناها أيضاً متاعاً أي بلغة للمقوين المسافرين يتبلغون بها في سفرهم حتى يعودوا إلى ديارهم. فالقادر على الخلق والإِيجاد والتدبير لمصالح عباده قادر على إيجاد حياة أخرى يجزي فيها المحسنين اليوم والمسيئين إذ الحكمة تقتضي هذا وتأمر به. وقوله تعالى {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} بعد إقامة الحجة على منكري البعث بالادلة العقلية أمر تعالى رسوله أن يسبح ربه أي ينزهه عن اللعب والعبث اللازم لخلق الحياة الدنيا على هذا النظام الدقيق ثم إفنائها ولا شيء وراء ذلك. إذ البعث والحياة الآخرة هي الغاية من هذه الحياة الدنيا فالناس يعملون ليحاسبوا ويجزوا فلا بد من حياة أكمل وأتم من هذه الحياة يتم فيها الجزاء وقد بينها تعالى وفصلها في كتبه وعلى ألسنة رسله، وضرب لها الأمثال فلا ينكرها إلا سفيه هالك. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- إقامة الأدلة والبراهين العديدة على صحة البعث وإمكانه عقلا. 3- بيان منن الله تعالى على عباده في طعامهم وشرابهم. 4- وجوب شكر الله تعالى على إفضاله وإنعامه. 5- في النار التي توقدها عبرة، وعظة للمتقين. 6- وجوب تسبيح الله وتنزيهه عما لا يليق بجلاله وكماله من العبث والشريك.
القطان
تفسير : تُمنون: تقذِفون المني في الارحام. قدَّرنا: وقَّتنا موت كل احد بوقت. نبدّل أمثالكم: نميتكم، ونأتي بقوم آخرين أشباهكم. النشْأة الأولى: الخلقة الأولى. فلولا تذكّرون: فهلا تتذكرون. حطاما: هشيماً متكسرا. تفكّهون: تتعجبون. مغرمون: معذبون مهلكون. المُزن: السحاب واحدته مزنة. أُجاجاً: مالحاً لا يصلح للشرب. فلولا تشكرون: فهلاّ تشكرون. تورون: توقِدون. تذكرة: تذكيرا موعظة. متاعا: منفعة. للمقْوين: للفقراء الذين ينزلون بالقفر، أقوى الرجلُ: افتقر، ونزل بالقفر، ونفد طعامه. ويقال للمسافرين والمستمتعين: المقوون أيضا. بعد ان بين الله تعالى لنا الأزواج الثلاثة، ومآل كل منهم ذكَرَ هنا الأدلّةَ على الألوهية من خلْقٍ ورزق للخلق، وأقام الدليلَ على البعث والجزاء، وأثبتَ النبوةَ، فقال: نحنُ خَلقناكم من عَدَمٍ، فهلاّ تصدّقون وتقرّون بقدرتنا على إعادتكم ثانية يوم القيامة!؟. أفرأيتم هذا المَنِيَّ الذي تقذِفونه في الأرحام، أأنتم تخلُقونه وتجعلونه بَشَراً بهذه الصورة {أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}!؟. نحن قضَيْنا بينكم بالموت، وجعلْنا لِموتكم وقتاً معيّناً، وما نحنُ بمسبوقين ولا عاجزين عن ان نُذْهِبكم ونأتيَ بأشباهكم من الخلق، {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} في الأطوار والأحوال. ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} لقد علمتم أن الله أنشأكم النشأةَ الأولى من العَدَم، فهلاّ تتذكّرون انّ مَن قَدَرَ على خلْقكم من البداية لهو أقدَر على ان يأتيَ النشأةَ الأخرى لكم! أفرأيتم ما تبذُرونه من الحَبّ في الأرض، أأنتم تُنبتونه أم نحنُ نفعل ذلك! ان في قُدرَتنا لو نشاء لصيَّرنا هذا النباتَ هشيماً يابساً متكسرا. {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} فظللتم تتعجّبون من سوءِ ما أصابه وما نزل بكم، وتقولون إنا لمعذَّبون، لا بل نحنُ محرومون من الخيرِ والرِزق لِنحسِ طالعنا وسوءِ حظنا. أفرأيتم الماءَ العذبَ الذي تشربونه والذي هو أصلُ الحياة، أأنتم أنزلتموه من السحاب ام نحن المنزلون له رحمةً بكم؟ وهذا من اكبر الادلة على قدرة الاله وعظمته، فقد حاول الانسان استمطار السّحُب صناعياً إلا ان هذه المحاولاتِ لا تزال مجردَ تجاربَ، وعلى نطاق ضيق جدا، مع وجوب توافر بعض الظروف الملائمة طبيعيا. إننا لو نشاءُ لجعلْنا هذا الماءَ العذبَ مالحاً لا يمكن شربه، فهلاّ تشكرون الله على هذه النعمة وعلى ان جعله عذباً سائغا!؟. أفرأيتم النارَ التي توقدونها، أأنتم أنبتُّم شجرتها وأودَعتم فيها النار، أم نحن المنشئون لها؟ والنارُ نعمة كالماء، وعندما عرف الانسانُ كيف يستعمل النارَ كان ذلك في حياته خطوةً كبيرة الى التقدم، وبدْء الحضارة الانسانية. نحن جعلنا هذه النار تذكرةً وتبصِرة لكم تذكّركم بالبعث لتعلموا أن من أخرجَ من الشجر الأخضر ناراً قادرٌ على إعادة الحياة مرة أخرى. ولقد جعلنا في النار منفعةً لمن ينزلون في المفاوز والصحارى من المسافرين، ولمن يحتاج إليها في كل مكان.. فاذكروا ذلك واعتبروا منه. فسبّح باسم ربك العظيم أيها الرسول على هذه النعم الجليلة التي لا تُعد ولا تحصى. قراءات: قرأ ابن كثير: نحن قدَرنا بينكم الموت، بفتح الدال من غير تشديد. والباقون: قدرنا بالتشديد. وقرأ ابو بكر: أإنا لمغرمون على الاستفهام. والباقون: إنا لمغرمون على الخبر.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاكُمْ} (57) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ وَبِعَوْدَةِ الأَجْسَادِ التِي أَصْبَحَتْ رَمِيماً إِلَى الحَيَاةِ مَرَّةً أُخْرَى، فَيَقُولُ لَهُمْ: نَحْنُ الذِينَ ابْتَدَأْنَا خَلْقَكُمْ وَأَنْشَأْنَاكُمْ مِنَ العَدَمِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئاً، أَفَلَيْسَ القَادِرُ عَلَى الخَلْقِ ابْتِدَاءً بِقَادِرٍ عَلَى الإِعَادَةِ، فَكَيْفَ لاَ تُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ؟
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأشقياء المجرمين وأحوالهم في نار جهنم، ذكر هنا الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته في بديع خلقه وصنعه، لتقوم الحجة على المنكر المكذب بوجود الله، وختم السورة الكريمة بالتنويه بذكر أهل السعادة، وأهل الشقاوة، والسابقين إِلى الخيرات، ليكون ذلك كالتفصيل لما ورد في أول السورة من الإِجمال، والإِشادة بذكر مآثر المقربين في البدء والمآل. اللغَة: {تَفَكَّهُونَ} تفكَّه بالشيء تمتَّع به، ورجلٌ فَكه منبسط النفس غير مكترث بشيء {ٱلْمُزْنِ} السحاب جمع مُزْنة قال الشاعر: شعر : ونحن كماء المُزن ما في نصابنا كَهَامٌ ولا فينا يُعدُّ بخيل تفسير : {تُورُونَ} أورى النار من الزناد قدحها {لِّلْمُقْوِينَ} المسافرين يقال أقوى الرجل إِذا دخل القواء وهو القفر، والقوى الجوع قال الشاعر: شعر : وإِني لأختار القوى طاوي الحشا محافظةً من أن يُقال لئيم تفسير : {مُّدْهِنُونَ} المدهن: الذي ظاهره خلاف باطنة، كأنه شُبّه بالدهن في سهولة ظاهره ومنه المداهنة {مَدِينِينَ} مجزيين ومحاسبين من الدين بمعنى الجزاء {فَرَوْحٌ} الرَّوح بفتح الراء الاستراحة {رَيْحَانٌ} الريحان: كل مشموم طيب الريح من النبات. التفسِير: {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} أي نحن خلقناكم أيها الناسُ من العدم، فهلاَّ تصدقون بالبعث؟ فإِن من قدر على البدء قادرٌ على الإِعادة {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} أي أخبروني عمَّا تصبُّونه من المنيّ في أرحام النساء {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}؟ أي هل أنتم تخلقون هذا المنيَّ بشراً سوياً، أم نحن بقدرتنا خلقناه وصوَّرناه؟! قال القرطبي: وهذا احتجاج على المشركين وبيانٌ للآية الأولى والمعنى إِذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} أي نحن قضينا وحكمنا عليكم بالموت وساوينا بينكم فيه قال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض، سواء في الشريف والوضيع، والأمير والصعلوك {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي وما نحن بعاجزين {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} أي على أن نهلككم ونستبدل قوماً غيركم يكونون أطوع لله منكم كقوله تعالى {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم: 19] {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي ولسنا بعاجزين أيضاً أن نعيدكم يوم القيامة في خلقةٍ لا تعلمونها ولا تصل إِليها عقولكم، والغرضُ أن الله قادر على أن يهلكهم وأن يعيدهم وأن يبعثهم يوم القيامة، ففي الآية تهديد واحتجاج على البعث {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} أي ولقد عرفتم أن الله أنشأكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، فخلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} أي فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إِعادتكم كما قدر على خلقكم أول مرة؟ {أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم: 67]؟! {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} هذه حجة أخرى على وحدانية الله وقدرته أي أخبروني عن البذر الذي تلقونه في الطين {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}؟ أي أأنتم تنبتونه وتنشئونه حتى يكون فيه السنبل والحبُّ أم نحن الفاعلون لذلك؟ فإِذا أقررتم أن الله هو الذي يخرج الحبَّ وينبت الزرع، فكيف تنكرون إِخراجه الأموات من الأرض؟ {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي لو أردنا لجعلنا هذا الزرع هشيماً متكسراً لا ينتفع به في طعام ولا غيره قال القرطبي: والحُطام الهشيم الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبههم بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم ليشكروه الثاني: ليعتبروا في أنفسهم فكما أنه تعالى يجعل الزرع حُطاماً إِذا شاء، كذلك يهلكهم إِذا شاء ليتعظوا فينزجروا {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي فظللتم وبقيتم تتفجعون وتحزنون على الزرع مما حلَّ به وتقولون {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي إنا لمحمَّلون الغرم في إِنفاقنا حيث ذهب زرعنا وغرمنا الحبَّ الذي بذرناه {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي بل نحن محرومون الرزق، غرمنا قيمة البذر، وحُرمنا خروج الزرع {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} أي أخبروني عن الماء الذي تشربونه عذباً فراتاً لتدفعوا عنكم شدة العطش {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} أي هل أنتم الذين أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون له بقدرتنا؟ قال الخازن: ذكَّرهم تعالى نعمته عليهم بإِنزال المطر الذي لا يقدر عليه إِلا اللهُ عز وجل {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي لو شئنا لجعلناه ماءً مالحاً شديد الملوحة لا يصلح لشرب ولا لزرع قال ابن عباس: {أُجَاجاً} شديد الملوحة وقال الحسن: مُرّاً زُعافاً لا يمكن شربه {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} أي فهلاّ تشكرون ربكم على نعمه الجليلة عليكم؟! وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إِذا شرب الماء قال "حديث : الحمد لله الذي سقانا عذباً فُراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أُجاجاً بذنوبنا"تفسير : {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} أي أخبروني عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} أي هل أنتم الذين خلقتم شجرها أم نحن الخالقون المخترعون؟ قال ابن كثير: وللعرب شجرتان: إِحداهما المرخُ، والأُخرى العُفار، إِذا أُخذ منهما غصنان أخضران، فحُك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار، وقيل: أراد جميع الشجر الذي توقد منه النار، لما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من شجرة ولا عود إِلا وفيه النار سوى العُناب {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} أي جعلنا نار الدنيا تذكيراً للنار الكبرى "نار جهنم" إِذا رآها الرائي ذكر بها نار جهنم، فيخشى اللهَ ويخاف عقابه وفي الحديث "حديث : ناركم هذه التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، فقالوا يا رسول الله: إِنْ كانت لكافية!! فقال: والذي نفسي بيده لقد فضّلت عليها بتسعة وتسعين جزءاً، كلهن مثل حرها"تفسير : {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} أي ومنفعةً للمسافرين قال ابن عباس: {المقوين} المسافرين، وقال مجاهد: للحاضر والمسافر، المستمتعين بالنار من الناس أجمعين قال الخازن: والمقوي النازلُ في الأرض القواء - وهي الأرض الخالية البعيدة عن العمران - والمعنى أنه ينتفع بها أهل البوادي والسُفَّار، فإِن منفعتهم أكثر من المقيم، فإِنهم يوقدون النار بالليل لتهرب السباع ويهتدي بها الضال إِلى غير ذلك من المنافع وهو قولِ أكثر المفسرين.. ولما ذكر دلائل القدرة والوحدانية في الإِنسان، والنبات، والماء، والنار، أمر رسوله بتسبيح الله الواحد القهار فقال {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فنزِّه يا محمد ربك عما أضافه إِليه المشركون من صفات العجز والنقص وقل: سبحان من خلق هذه الأشياء بقدرته، وسخَّرها لنا بحكمته، سبحانه ما أعظم شأنه، وأكبر سلطانه!! عدَّد سبحانه وتعالى نعمه على عباده، فبدأ بذكر خلق الإٍنسان فقال {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} ثم بما به قوامه ومعيشته وهو الزرع فقال {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} ثم بما به حياته وبقاؤُه وهو الماء فقال {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} ثم بما يصنع به طعامه، ويصلح به اللحوم والخضار وهو النار فقال {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} فيا له من إله كريم، ومنعمٍ عظيم!! ثم شرع بالقسم على جلال القرآن ورفعته، وعلو شأنه ومنزلته، وأنه تنزيل العزيز الحكيم فقال {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} اللام لتأكيد الكلام وتقويته، وزيادة "لا" كثير في كلام العرب ومشهور قال الشاعر: شعر : تذكرتُ ليلى فاعترتني صبابةٌ وكادَ نياطُ القلب لا يتقطَّع تفسير : اي كاد يتقطع قال القرطبي: "لا" صلة في قول أكثر المفسرين والمعنى "فأقسم" بدليل قوله بعده {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ} أي فأقسم بمنازل النجوم وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} أي وإِن هذا القسم العظيم جليل، لو عرفتم عظمته لآمنتم وانتفعتم به، لما في المقسم به من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته تعالى أن لا يترك عباده سُدى {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} هذا هو المقسم عليه، والمعنى أقسم بمواقع النجوم إِن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحرٍ ولا كهانة وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم مجيد، جعله الله معجزة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو كثير المنافع والخيرات والبركات {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} أي في كتاب مصونٍ عند الله تعالى، محفوظ عن الباطل وعن التبديل والتغيير قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ، وقال مجاهد: هو المصحف الذي بأيدينا {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} أي لا يمس ذلك الكتاب المكنون إِلا المطهرون، وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك والذنوب والأحداث، أو لا يمسُّه إِلا من كان متوضئاً طاهراً قال القرطبي المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر لقول ابن عمر "لا تمسَّ القرآن إلا وأنت طاهر" ولكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم "حديث : وألاَّ يمسَّ القرآن إِلا طاهر"تفسير : {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي منزَّل من عند الله جل وعلا.. ثم لمَّا عظم أمر القرآن ومجَّد شأنه وبخ الكفار فقال {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} أي أفبهذا القرآن يا معشر الكفار تكذبون وتكفرون؟ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي وتجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون برازقكم، وهو المنعم المتفضل عليكم؟ {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} أي فهلاَّ إِذا بلغت الروح الحلقوم عند معالجة سكرات الموت {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} أي وأنتم في ذلك الوقت تنظرون إِلى المحتضر وما يكابده من شدائد وأهوال {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} أي ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميت منكم ولكنْ لا تعلمون ذلك، ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقبض روحه قال ابن كثير: ومعنى الآية ملائكتنا أقرب إِليه منكم ولكن لا ترونهم كما قال تعالى {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}تفسير : [الأنعام: 61] {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أي فهلاَّ إِن كنتم غير مجزيين بأعمالكم كما تزعمون {تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي تردون نفس هذا الميت إِلى جسده بعد ما بلغت الحلقوم قال ابن عباس: {غَيْرَ مَدِينِينَ} أي غير محاسبين ولا مجزيين قال الخازن: أجاب عن قوله {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} وعن قوله {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} بجوابٍ واحد وهو قوله {تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ومعنى الآية: إِن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب، ولا إِله يجازي، فهلاّ تردون نفس من يعزُّ عليكم إِذا بلغت الحلقوم؟ وإِذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إِلى غيركم وهو الله تعالى فآمنوا به .. ثم ذكر تعالى طبقات الناس عند الموت وعند البعث، وبيَّن درجاتهم في الآخرة فقال {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} أي فأما إِن كان هذا الميت من المحسنين السابقين بالدرجات العلا، فله عند ربه استراحة ورزق حسن وجنة واسعة يتنعم فيها قال القرطبي: والمراد بالمقربين السابقون المذكورون في أول السورة {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي وأما إِن كان المحتضر من السعداء أهل الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي فسلامٌ لك يا محمد منهم، لأنهم في راحةٍ وسعادة ونعيم {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ} أي وأما إِن كان المحتضر من المنكرين للبعث، الضالين عن الهدى والحق {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي فضيافتهم التي يُكرمون بها أول قدومهم، الحميمُ الذي يصهر البطون لشدة حرارته قال في التسهيل: النُزل أول شيءٍ يُقدم للضيف {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} أي ولهم إِصلاءٌ بنار جهنم وإِذاقة لهم من حرها {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} أي إِن هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من جزاء السابقين، والسعداء، والأشقياء لهو الحقُّ الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو عين اليقين الذي لا يمكن إِنكاره {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فنزِّه ربك عن النقص والسوء، وعمَّا يصفه به الظالمون، لما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} قال صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- جناس الاشتقاق {أية : إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ}تفسير : [الواقعة: 1] والجناس الناقص في قوله {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. 2- الطباق بين {ٱلْمَيْمَنَةِ .. و ٱلْمَشْأَمَةِ} وبين {ٱلأَوَّلِينَ.. وَٱلآخِرِينَ} وبين {خَافِضَةٌ .. رَّافِعَةٌ} وفي إِسناد الخفض والرفع إِلى القيامة مجاز عقلي، لأن الخافض والرافع على الحقيقة هو الله وحده، يرفع أولياءه ويخفض أعداءه، ونسب إِلى القيامة مجازاً كقولهم "نهاره صائم". 3- التشبيه المرسل المجمل {أية : حُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ}تفسير : [الواقعة: 22ـ23] أي كأمثال اللؤلؤ في بياضه وصفائه، حذف منه وجه الشبه فهو مرسل مجمل. 4- التفخيم والتعظيم {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 27] كرره بطريق الاستفهام تفخيماً. 5- التفنن بذكر أصحاب الميمنة ثم بذكر أصحاب اليمين، وكذلك بذكر المشئمة وذكر أصحاب الشمال {أية : فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ}تفسير : [الواقعة: 8] {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الواقعة: 27]. 6- تأكيد المدح بما يشبه الذم {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً}تفسير : [الواقعة: 25-26] لأن السلام ليس من جنس اللغو والتأثيم، فهو مدح لهم بإِفشاء السلام، وهذا كقول القائل "لا ذنب لي إِلا محبتُك". 7- التهكم والاستهزاء {أية : هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الواقعة: 56] أي هذا العذاب أول ضيافتهم يوم القيامة ففيه سخرية وتهكم بهم لأن النزل هو أول ما يقدم للضيف من الكرامة. 8- الالتفات من الخطاب إِلى الغيبة {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ}تفسير : [الواقعة: 51] - ثم قال بعد ذلك ملتفتاً عن خطابهم {أية : هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الواقعة: 56] وذلك للتحقير من شأنهم، والأصل هذا نزلكم. 9- الجملة الاعتراضية وفائدتها لفت الأنظار إِلى أهمية القسم {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} جاءت الجملة الاعتراضية {لَّوْ تَعْلَمُونَ} بين الصفة والموصوف للتهويل من شأن القسم. 10- توافق الفواصل في الحرف الأخير مما يزيد في رونق الكلام وجماله مثل {أية : فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ}تفسير : [الواقعة: 28-30] ومثل {أية : فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ * فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ}تفسير : [الواقعة: 54-55] ويسمى هذا بالسجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية. لطيفَة: المناسبة بين المقسم به وهو النجوم وبين المقسم عليه وهو القرآن {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} أن النجوم جعلها الله ليهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يُهتدى بها في ظلمات الجهل والضلالة، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، فالقسم هنا جاء جامعاً بين الهدايتين: الحسية للنجوم، والمعنوية للقرآن، فهذا وجه المناسبة والله أعلم.
الأندلسي
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} حض على التصديق أشار إلى النشأة الأولى وهي خلقهم ثم قال: {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} بالإِعادة وتقرون بها كما أقررتم بالنشأة الأولى. {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} هو من المنى الذي يخرج من الإِنسان إذ ليس له في خلقه عمل ولا إرادة ولا قدرة ومفعول أرأيتم هو ما يليه والثاني جملة الاستفهام بعده وأم معادلة للهمزة وكان ما جاء من الخبر بعد نحن جيء به على سبيل التوكيد إذ لو قال أم نحن لوقع الاكتفاء به دون ذكر الخبر ونظير ذلك الجواب من قال من في الدار زيد في الدار أو زيد فيها ولو اقتصر في الجواب على زيد لا أكتفي به. {نَحْنُ قَدَّرْنَا} أي قضيتنا وأثبتنا أو ربتنا في التقدم والتأخر فليس موت العالم دفعة واحدة بل بترتيب لا يتعدى. {بِمَسْبُوقِينَ} يقال سبقته على الشىء أعجزته عنه وغلبته عليه. {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من الصفات أي نحن قادرون على أن نعدمكم وننشىء أمثالكم وعلى تغيير أوصافكم مما لا يحيط به فكركم ولقد علمتم أنه هو الذي أنشأكم أولاً إنساناً وأنه خلق آدم عليه السلام من طين ولا ينكرها أحد من ولده. {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} حض على التذكر المؤدّي إلى الإِيمان والإِقرار بالنشأة الآخرة. {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} ما تذرونه وتبذرونه في الأَرض. {ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي زرعا يتم وينبت حتى ينتفع به والحطام اليابس المفتت الذي لم يكن له حب ينتفع به. {فَظَلْتُمْ} أصله فظلتم حذفت عين الكلمة. {تَفَكَّهُونَ} قال ابن عباس: معناه تعجبون. {لَمُغْرَمُونَ} أي معذبون من الغرام الذي هو أشد العذاب. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي محدودون لا حظ لنا في الخير. {ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} هذا الوصف يغني عن وصفه بالعذب ألا ترى مقابله هو الاجاج ودخلت اللام في لجعلناه حطاماً. وسقطت في جعلناه أجاجا وكلاهما فصيح والظاهر أن قوله: {شَجَرَتَهَآ} المراد منه الشجر الذي يقدح منه النار كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً}تفسير : [يس: 80] الآية. {تَذْكِرَةً} أي لنار جهنم. {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} أي النازلين الأرض القوا وهي القفر وقدّم من فوائد النار ما هو أهم وآكد من تذكيرها بنار جهنم ثم اتبعه بفائدتها في الدنيا وهي الأربعة التي ذكرها الله تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من المطعوم والمشروب والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من شىء إلى شىء وإحداث شىء من شىء ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه تعالى عما يقول الكافرون ووصف تعالى نفسه بالعظم إذ من هذه أفعاله تدل على عظمته وكبريائه وانفراده بالخلق والإِنشاء. {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} قرأ الجمهور فلا أقسم فقيل لا زائدة مؤكدة مثلها في قوله لئلا يعلم أهل الكتاب والمعنى فأقسم وقيل المنفي محذوف أي فلا صحة لما يقول الكفار ثم ابتدأ أقسم بمواقع النجوم قال ابن عباس هي نجوم القرآن التي أنزلت على الرسول عليه السلام ويؤيد هذا القول انه لقرآن فعاد الضمير على ما يفهم من قوله: {بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} أي نجوم القرآن وفي إقسامه تعالى بمواقع النجوم سر في تعظيم ذلك لا نعلمه نحن وقد أعظمه تعالى فقال: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} والجملة المقسم عليها قوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} وفصل بين القسم وجوابه فالظاهر أنه اعتراض بينهما وفيه اعتراض بين الصفة والموصوف بقوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ} وكريم وصف مدح ينفي عنه ما لا يليق والظاهر أن قوله: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} صفة لقرآن كريم فالمطهرون هم الملائكة وقيل لا يمسه صفة لكتاب مكنون فإِن كان الكتاب الذي هو في السماء فالمطهرون هم الملائكة أيضاً أي لا يطلع عليه من سواهم والإِشارة في. {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} للقرآن. و{أَنتُمْ} خطاب للكفار. {مُّدْهِنُونَ} قال ابن عباس مهاودون فيما لا يحل. {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أي شكر ما رزقكم أي شكر ما رزقكم الله تعالى من إنزال القرآن عليكم تكذيبكم به أي تضعون مكان الشكر التكذيب. {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} ترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين وفلولا الثانية مكررة للتوكيد والضمير في ترجعونها للنفس. {فَأَمَّآ إِن كَانَ} أي المتوفى. {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} وهم السابقون. {فَرَوْحٌ} وهو الراحة والرحمة والريحان الرزق. {فَسَلاَمٌ لَّكَ} يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك. {فَنُزُلٌ} النزل ما يعد للضيف والفاء في المواضع الثلاثة جواب لا ما وأغنى عن جواب الشرط الذي هو ان وإذا اجتمع شرطان فالجواب للأول ويغني عن جواب الثاني ولما انقضى الإِخبار بتقسيم أحوالهم وما آل إليه كل قسم منهم أكد ذلك بقوله: {إِنَّ هَـٰذَا} أي أن هذا الخبر المذكور في هذه السورة. {لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} فقيل هو من إضافة المترادفين على سبيل المبالغة كما تقول هذا يقين اليقين وصواب الصواب بمعنى أنه نهاية في ذلك فهما بمعنى واحد أضيف على سبيل المبالغة ولما تقدم ذكر الأقسام الثلاثة مسهباً الكلام فيهم أمره تعالى بتنزيهه عما لا يليق به من الصفات ولما أعاد التقسيم موجزاً الكلام فيه أمره أيضاً بتنزيهه والإِقبال على عبادة ربه والإِعراض عن أقوال الكفرة المنكرين للبعث والحساب والجزاء ويظهر أن سبح يتعدى بنفسه تارة كقوله: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1] وتسبحوه وتارة بحرف الجر كقوله: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} والعظيم يجوز أن يكون صفة لربك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} [الواقعة: 57] بالبعث بعد الخلق، فانظروا إلى مبدأ خلقكم لتعلموا أنَّا خلقناكم بالوسائط، ولا تحسبوا أن الوسائط مختارة بنفسها؛ لئلا تشركوا بالخالق؟ {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} [الواقعة: 58-59]؛ يعني: في عالم الأنفس، {أَفَرَأَيْتُمْ} [الواقعة: 58] أيها السالكون إلا مَني الإرادة، أنتم تخلقونه أم نحن خلقناه في ظهر القوة الفاعلة؟ ونحن صببناه في رحم القوة القابلة. {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} [الواقعة: 60]؛ يعني: موت الجهل في بداية الأمر؛ ليكسب القوة الفاعلة العلوية من القوى القابلة السفلية استعداداً؛ فإما كاملاً لتستعمله في التزود لدار المعاد، ويجعل له مطية ليركبها يوم الرجوع إلى رب الأرباب، وبعبارة أخرى؛ يعني: نحن قدرنا الموت اللطيفة الحاصلة مَني الارادة بأنها تبلغ مبلغ الرجال، أو تموت صبية، {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ} [الواقعة: 60-61]؛ يعني: ما نحن بمغلوبين عاجزين عن إفناء مركباتكم وإهلاك مفرداتكم وإبدال قوى أمثال قواكم المتحللة الفانية الهالكة {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الواقعة: 61] من تبديل قواكم، وصفاتكم الحاصلة من تلك القوى، كما يشاهد الرجل أنه يتورط في أمر الدنيا تورطاً عظيماً، بحيث لا يذكر الله تعالى طرفة عين مشتغلاً بهواه مقبلاً على شهواته مربياً قوى سبعية وبهيمية، فيبدل الله قواه وصفاته بحيث لا يفتر عن ذكر الله ساعة، ولا يشتغل بالدنيا ولو يضربونه ضرباً شديداً، ويترك هواه ويقبل على مولاه ويعرض عن شهواته، ويستمر في مجاهداته ورياضاته، أليس هذه نشأة معينة وتبديلاً مبنياً ظاهراً؟ فمالكم أيها العمي لا تؤمنون بخالقكم، ومنشئكم وباعثكم من قبول أقوالكم؟ {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} [الواقعة: 62] التي هي من مَني النطفة المودعة في ظهر القوة الفاعلة، المصبوب في قبورهم رحم القوة القابلة، {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} [الواقعة: 62] إني قادر على بعثكم من قبور قوالبكم، وأنشئكم النشأة الثانية بصب نطفة العناية؛ وهي ماء الحياة في ظهر قوة الولاية في رحم الإرادة، وإبدال قوتكم الفاسدة بالقوة الصالحة، وتغيير صفاتكم القبيحة بصفاتكم الحسنة. {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63] من بذور الأعمال في أرض البشرية، {ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64]؛ أي: أنتم تنبتون، أم نحن المربون؟.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):