٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
58
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } تريقون المنيّ في أرحام النساء؟
ابن عبد السلام
تفسير : {تُمْنُونَ} منى يَمني وأمنى يُمْنِي واحد سمي بذلك لإمنائه وهي إراقته، أو لأنه مقدار لتصوير الخلقة كالمَنَا الذي يوزن به.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} الآية: وليس يوجد مفطورٌ، يخفى عليه أَنَّ المَنِيَّ الذي يخرُجُ منه ليس له فيه عمل ولا إرادة ولا قدرة، وقرأ الجمهور: «قَدَّرْنَا» وقرأ ابن كثير وحده: «قَدَرْنَا» بتخفيف الدال، فيحتمل أَنْ يكونَ المعنى فيهما: قضينا وأثبتنا، ويحتمل أَنْ يكون بمعنى: سَوَّيْنَا، قال الثعلبيُّ عنِ الضحاك: أي: سَوَّيْنَا بين أهل السماء وأهل الأرض. وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي: على تبديلكم إنْ أردناه، وأَنْ نُنْشِئَكُمْ بأوصاف لا يصلها علمُكُم، ولا يُحيطُ بها فكركم، قال الحسن: من كونهم قردةً وخنازيرَ؛ لأَنَّ الآية تنحو إلى الوعيد، و{ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ}: قال أكثر المفسرين: إشارة إلى خلق آدم، وقيل: المراد: نشأة الإنسان في طفولته، وهذه الآية نَصٌّ في استعمال القياس والحَضِّ عليه، وعبارة الثعلبي: ويقال: {ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} نطفة، ثم عَلَقَةٌ، ثم مُضْغَةٌ، ولم يكونوا شيئاً {فَلَوْلا} أي: فهلا تذكرون أَنِّي قادر على إعادتكم كما قَدَرْتُ على إبدائكم، وفيه دليل على صِحَّةِ القياس؛ لأَنَّهُ عَلَّمَهُمْ سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأُخْرَى، انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن حجر المرادي رضي الله عنه قال: كنت عند عليّ رضي الله عنه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية {أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} قال: بل أنت يا رب ثلاثاً ثم قرأ {أأنتم تزرعونه} قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ {أأنتم أنزلتموه من المزن} قال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ {أأنتم أنشأتم شجرتها} قال: بل أنت يا رب ثلاثاً. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} قال: تقدير أن جعل أهل الأرض وأهل السماء فيه سواء شريفهم وضعيفهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} قال: المتأخر والمعجل وأي في قوله: {وننشئكم فيما لا تعلمون} قال: في خلق شئنا وفي قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى} إذ لم تكونوا شيئاً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى} قال: خلق آدم عليه السلام. وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ألم تسمعوا الله يقول: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه أنه كره أن يقول: زرعت، ويقول: حرثت. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {أأنتم تزرعونه} قال: تنبتونه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فظلتم تفكهون} قال: تعجبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه {فظلتم تفكهون} قال: تندمون. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إنا لمغرمون} قال: ملقون للشر {بل نحن محرومون} قال: محدودون، وفي قوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} قال: السحاب. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {أأنتم أنزلتموه من المزن} قال: السحاب. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر رضي الله عنه حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا . تفسير : وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {نحن جعلناها تذكرة} قال: هذه لنا تذكرة للنار الكبرى {ومتاعاً للمقوين} قال: للمستمتعين الناس أجمعين وفي لفظ للحاضر والبادي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما {نحن جعلناها تذكرة} قال: تذكرة للنار الكبرى {ومتاعاً للمقوين} قال: للمسافرين. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {نحن جعلناها تذكرة} قال: تذكرة للنار الكبرى {ومتاعاً للمقوين} قال: للمسافرين، كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأحجبوا ناراً فاستدفؤوا بها، وانتفعوا بها. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {ومتاعاً للمقوين} قال: للمسافرين. وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تمنعوا عباد الله فضل الماء ولا كلأ ولا ناراً، فإن الله تعالى جعلها متاعاً للمقوين وقوة للمستضعفين، ولفظ ابن عساكر وقواماً للمستمتعين ".
ابو السعود
تفسير : {أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} أي تقذفونَ في الأرحامِ من النطفِ وقرىء بفتحِ التاءِ من مَنَى النطفةَ بمعنى أمنَاها {ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ} أي تقدرونَهُ وتصورونَهُ بشراً سوياً {أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ} له من غيرِ دخلِ شيءٍ فيه، وأم قيل: منقطعةٌ لأن ما بعدها جملةٌ فالمعنى بل أنحنُ الخالقونَ على أنَّ الاستفهامَ للتقريرِ وقيل: متصلة ومجىءُ الخالقونَ بعد نحن بطريقِ التأكيد لا بطريقِ الخبريةِ أصالةً {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} أي قسمنَاهُ عليكم ووقتنا موتَ كلِّ أحدٍ بوقتٍ معينٍ حسبما تقتضيهِ مشيئتنا المبنيةُ على الحكمِ البالغةِ وقرىء قدَرْنا مخففاً {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي إنا قادرونَ {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ} لا يغلبنا أحدٌ على أن نُذهبكم ونأتَي مكانَكم بأشباهِكم من الخلقِ {وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ} من الخلقِ والأطوارِ ولا تعهدون بمثلها قال الحسنُ رحمه الله أي نجعلكم قردةً وخنازيرَ وقيل: المَعْنى وننشئكم في البعثِ على غيرِ صوركم في الدُّنيا فيمن هذا شأنُه كيف يعجزُ عن إعادتِكم وقيلَ: المعنى وما يسبقنا أحدٌ فيهرب من الموت أو بغير وقته وعلى أن نبدل إلخ إما حالٌ من فاعل قدرنا أو علةٌ للتقديرِ وعلى بمعنى اللام وبـينهما اعتراضٌ. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} هي خلقُهم من نطفةٍ ثم من علقةٍ ثم من مضغةٍ وقيل: هي فطرةُ آدمَ عليه السلامُ من الترابِ {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} فهلا تتذكرون أنَّ من قدرَ عليها قدر على النشأةِ الأُخرى حتماً فإنه أقلُّ صنعاً لحصولِ الموادِّ وتخصيصِ الأجزاءِ وسبقِ المثالِ وفيه دليلٌ على صحةِ القياسِ وقرىء فَلْولاَ تذكُرُون من الثلاثيِّ وفي الخبرِ عجباً كلَّ العجبِ للمكذبِ بالنشأةِ الآخرةِ وهو يرى النشأةَ الأولى وعجباً للمصدق بالنشأة الآخرةِ وهو يسعى لدار الغرور. {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} أي تبذرونَ حبَّه وتعملونَ في أرضِه {ءَأنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} تنبتونَهُ وتردونه نباتاً يرفّ {أَمْ نَحْنُ ٱلزارِعُونَ} أي المنبتونَ لا أنتمُ والكلامُ في أم كما مر آنفاً {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً} هشيماً متكسراً متفتتاً بعد ما أنبتناهُ وصارَ بحيثُ طمعتم في حيازة غلالِه {فَظَلْتُمْ} بسبب ذلك {تَفَكَّهُونَ} تتعجبونَ من سوءِ حالِه إثر ما شاهدتُموه على أحسن ما يكون من الحالِ أو تندمونَ على ما تعبتُم فيه وأنفقتُم عليه أو على ما اقترفتُم لأجله من المعاصِي فتتحدثون فيه والتفكّه التنقلُ بصنوفِ الفاكهةِ وقد استعير للتنقلِ بالحديثِ وقُرِىءَ تفكَّنُون أن تتندمونَ وقُرِىءَ فظِلتم بالكسرِ وفظللِتُم على الأصل.
القشيري
تفسير : يقال: مَنىَ الرجلُ وأَمْنَى. والمعنى: هل إذا باشَرْتُم وأنزلتم وانعقد الولد.. أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ والخَلْقُ ها هنا: التصوير؛ أي: أأنتم تجمعون صُوَرَ المولود وتُرَكِّبون أعضاءَه... أم نحن؟ وهم كانوا يُقِرُّون بالنشأة الأولى فاحتجّ بهذا على جواز النشأة الأخرى عند البعث الذي كانوا ينكرونه. وهذه الآية أصلٌ في إثبات الصانع؛ فإن أصلَ خِلْقَةِ الإنسان من قطرتين: قطرة من صُلْبِ الأب وهو المني وقطرة من تربية الأم، وتجتمع القطرتان في الرَّحِم فيصير الولد. وينقسم الماءان المختلطان إلى هذه الأجزاء التي هي أجزاء الإنسان من العَظْم والعَصَبِ والعرِقِ والجِلْدِ والشَّعْر... ثم يركبها على هذه الصور في الأعضاء الظاهرة وفي الأجزاء الباطنة حيث يُشَكَّلُ كل عضوٍ بشكلٍ خاص، والعِظام بكيفية خاصة... إلى غير ذلك. وليس يخلو: إِمَّا أَنْ يكونَ الأبوَان يصنعانه - وذلك التقديرُ محالٌ لتقاصر عِلْمِها وقُدْرتهما عن ذلك وتمَنِّيهما الولَدَ ثم لا يكون، وكراهتهما الولدَ ثم يكون! والنُّطفة أو القَطْرةُ مُحَالٌ تقديرُ فِعْلها في نَفْسِها على هذه الصورة لكونها من الأموات بَعْدُ، ولا عِلْمَ لها ولا قدرة. أو مِنْ غيرِ صانعٍ.. وبالضرورة يُعْلَمُ أنه لا يجوز. فلم يَبْقَ إِلاَّ أن الصانعَ القديمَ المَلِكَ العليمَ هو الخالق.
اسماعيل حقي
تفسير : {افرأيتم ماتمنون} اى تقذفونه وتصبونه فى ارحام النساء من النطف الى تكون منها الولد فقوله {أفرأيتم} بمعنى اخبرونى وما تمنون مفعوله الاول والجملة الاستفهامية مفعوله الثانى يقال امنى الرجل يمنى لاغير ومنيت الشىء امنية اذا قضيته وسمى المنى منيا لان الخلق منه يقضى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أفرأيتم ما تُمْنُون} أي: تقذفونه في الأرحام من النُطف، {أأنتم تخلقونه} تُقدِّرونه وتُصورونه وتجعلونه بشراً سويّاً {أم نحن الخالقون} من غير علة ولا علاج"؟ قال الطيبي: وجه الاستدلال بهذه الآية على البعث أن يُقال: إنّ المَني إنما يحصل من فضلة الهضم، وهو كالطل المنبث في أطراف الأعضاء، وبهذا تشترك الأعضاء بالتذاذ الوقاع لحصول الانحلال عنها كلها، ثم إنّ الله سبحانه وتعالى يُسلط قوة الشهوة على البنية، حتى إنها تجمع تلك الأجزاء الطلّية، والحاصل أن تلك الأجزاء كانت مفْترقة جدّاً أولاً في أطراف العالم، ثم إنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، فتفرّقت في أطراف بدنه، ثم جمعها الله في أوعية المَني، فأخرجها ماءً دافقاً إلى قرار الرحم، فإذا كان قادراً على جمع هذه الأجزاء المتفرقة، وتكوين الحيوان منها، فإذا افترقت بالموت مرة أُخرى؛ لم يمتنع عليها جمعها وتكوينها مرة أخرى. هـ. وذَكَرَ عند قوله تعالى:{أية : يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَرَآئِبِ}تفسير : [الطارق: 7] أنَّ المني يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، ومعظمُهُ يتولد من الدماغ، وهو أعظم الأعضاء معنويةً فيه. انظر بقيته في الحاشية. {نحن قدَّرنا بينكم الموتَ} أي: قسمناه ووقّتنا موت كل أحد بوقت معين، حسبما تقتضيه قسمتنا، المبنية على الحِكَم البالغة. قال القشيري: فيكون في الوقت الذي نريده، منكم مَنْ يموت طفلاً، ومنكم مَن يموت شابّاً، وكهلاً وشيخاً، وبعللٍ مختلفة، وبأسباب متفاوتة، وأوقاتٍ مختلفة. هـ. {وما نحن بمسبوقين} بعاجزين {على أن نُبَدَّلَ أمثالَكم} بل نحن قادرون على ذلك، لا تسبقونني ولا تغلبونني على أن نُذهبكم، ونأتي مكانكم بأشباهكم من الخلق، والتبديل يكون بالذات أو بالصفات، {ونُنشِئَكم فيما لا تعلمون} ونخلقكم بعد التبديل في صورة لا تعهدونها. قال الحسن: نجعلكم قردةً وخنازير، يعني: إنَّا نقدر على الأمرين جميعاً، أي: خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم فكيف نعجز عن إعادتكم. و {أمثال} إمّا جمع "مِثْل" بالسكون - وهو التبديل بالذات، أو: "مَثَل" بالفتح، وهو التبديل في الصفات، أي: على أن نُبدّل ونُغيّر صفاتكم التي أنتم عليها، وننشِئَكم في صفات لا تعلمونها. {ولقد علمتم النشأةَ الأولى} أي: فطرة آدم عليه السلام: أو: خلقتهم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة... الخ، {فلولا تَذَكَّرُون} فهلاَّ تذكرون أنْ مَن قدر عليها قدر على النشأة الأخرى. ولمّا ذكّرهم بنعمة الإيجاد، ذكّرهم بنعمة الإمداد، فقال: {أفرأيتم ما تحرثون} أي: ما تبذرون حبه وتقلِبون الأرض عليه، {أأنتم تزرعونه} أن: تُنبتونه وتُخرجونه من الأرض نباتاً {أم نحن الزارعون} المُنبِتون له؟ وفي الحديث:"حديث : لا يقل أحدكم، زرعت، وليقل: حرثت"تفسير : . {لو نشاء لجعلناه حُطاماً} هشيماً منكسِراً قبل إدراكه، {فَظَلْتم} بسبب ذلك {تَفَكَّهُون} تتعجَّبُون من سوء حاله إثر ما شهدتموه على أحسن ما يكون، أو: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي أُصبتم لذلك من أجلها، و"تفكه" من أفعال الإزالة، كتخرّج، وتأثّم، أي: أزال الفُكَاهة، وهي المسرة، فتحصل الندامة، {إِنَّا لمُغْرَمُونَ} أي: قائلين: إنّا لملزمون غرامةَ ما أنفقنا فيها، أو: لمهلَكون لِهلاك قوتنا، من: الغرام، وهو الهلاك، {بل نحن محرومون} حُرمنا ما رزقنا بشؤم تفريطنا، فالمحروم هو الممنوع الرزق. قال ابن عباس: "هو المحارَف" الذي انحرف عنه رزقه. {أفرأيتم الماءَ الذي تشربون} أي: الماء العذب الصالح للشرب، {أأنتم أنزلتموه من المُزنِ} السحاب الأبيض، وهو أعذب ماءٍ، أو مطلق السحاب، واحدها "مزنة"، {أم نحن المنزلون} بقدرتنا، فأسكناه في الأرض، ثم أخرجناه عيوناً وأنهاراً؟ {لو نشاء جعلناه أُجَاجاً} أي: ملحاً، أو مُرّاً لا يُقْدَر على شربه، {فلولا} فهلاَّ {تشكرون} تحضيض على شكر الكل، وحذف اللام هنا مع إثباتها في الشرطية الأولى؛ لأنّ هذه اللام تُفيد معنى التأكيد، فأُدخلت في آية المطعوم دون المشروب؛ للدلالة على أن أمر المطعوم متقدم على أمر المشروب، وأنْ الوعيد بفقده أشد وأصعب، مِن قِبَل أنّ المشروب إنما يُحتاج إليه تبعاً للمطعوم، ولهذا قُدِّمت آية المطعوم على آية المشروب، وقيل غير ذلك في حكمة إدخالها. {أفرأيتم النارَ التي تُورون} أي: تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب كانت تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويُسمون الأعلى: الزند، والسفلى: الزندة، شبّهوهما بالفحل والطروقة. {أأنتم أنشأتم شجرتَهَا} التي بها الزناد، وهي المرْخ والعَفَار، {أم نحن المنشئون} الخالقون لها ابتداءً بقدرتنا؟ والتعبير عن خلقها بالنشأ، المنبئ عن بديع الصنع، المُعْرِب عن كمال القدرة والحكمة؛ لِما فيه من الغرابة الفارقة بينهما وبين سائر الأشجار، التي لا تخلو عن النار، حتى قيل: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعَفَار، كما أنّ التعبير عن نفخ الروح بالإنشاء في قوله:{أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً ءَاخَرَ}تفسير : [المؤمنون: 14] كذلك. ثم بيَّن منافعها، فقال: {نحن جعلناها تذكرةً} تذكيراً لنار جهنم، لينظروا إليها، ويذكروا ما وُعدوا به من نار جهنم، أو: تذكرة وأنموذجاً، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : نارُكم هذه التي يُوقدها بنو آدم هي جزءٌ من سبعين جزءاً من حَرِّ جهنم"تفسير : . وقيل: تبصرة في أمر البعث؛ فإنه ليس أبدع من إخراج النار من الشيء الرطب، {ومتاعاً للمُقْوين} منفعة للمقوين المسافرين الذي ينزلون القِواء، وهو القفر. وفي القاموس: القِيُّ: فقر الأرض، كالِقواء - بالكسر والمد: القفر. هـ. وتخصيصهم بذلك؛ لأنهم أحوج إليها؛ فإنّ المقيمين والنازلين بقرب منازلهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد، أو: للذين خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام، من قولهم: أَقْوت الدار: إذا خلت من ساكنها. والأول أحسن. بدأ أولاً بنعمة الإيجاد، ثم بإمداد الطعام، ثم بالشراب، وما يُعجن به من الطعام، ثم بما يطبخ به؛ فلا يؤكل الطعام إلاّ بعد هذه الثلاث، ولا يستغني عنه الجسد ما دام حيّاً في حكم العادة. ولمَّا ذكر دلائل توحيده وقدرته، أمر بتنزيهه عمَّا لا يليق بحاله؛ لأنّ العقل إذا أدرك الصانع سما إلى درك كنهه، فربما يقع في التشبيه أو التجسيم أو التعطيل، فقال: {فَسَبِّح باسم ربك} أي: فنزّه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، فأراد بالاسم المسمى، والباء صلة، أي: نزَّه ربك {العظيم} أو: نزّه ربك ملتبساً بذكر اسمه. والعظيم: صفة للرب، أو للاسم، لأن المراد به المسمى. والله تعالى أعلم. الإشارة: أفرأيتم أيها المشايخ ما تُمْنون من نُطف الإرادة في قلوب المريدين، أأنتم تخلقونه في قلوبهم حتى تنبت فيها بذرة الإرادة، وتهيج شجرة المحبة، فتُثمر بالمعرفة، أم نحن الخالقون؟ نحن قدّرنا بينكم الموت، فمنكم مَن يموت الموت الحسي أو المعنوي قبل الوصول، ومنكم مَن يموت بعد الوصول، والموت المعنوي: هو الرجوع عن السير، ولا يكون إلاَّ قبل الوصول، وما نحن بمسبوقين على أن نُبدل أمثالكم، ونُغيّر صفاتكم، فإنّ القلوب بيد الله، وننشئكم فيما لا تعلمون من الجهل والبُعد. ولقد علمتم النشأة الأولى، التي كنتم عليها حال الغفلة والبطالة قبل ملاقاة الرجال، أفلا تذكرون فتشكرون على نعمة اليقظة والمعرفة. أفرأيتم ما تحرثون من الأعمال والأحوال والمجاهدات والرياضات، أأنتم تزرعونه، أي: تُنبتونه حتى يُقبل منكم، وتجنون ثماره، أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لأبطلناه ورددناه فنجعله هباءً منثوراً، فظلتم تندمون على ما فات منكم من المشاق، حيث لم تجنوا ثمرتها، تقولون: إنّا لمغرمون، حيث افتقرنا ودفعنا أموالنا في حال الجذبة الأولى، بل نحن محرمون من ثمار مجاهدتنا وطاعتنا، أفرأيتم الماء الذي تشربون، وهو ماء الحياة الذي تحيا به القلوب، تشربونه بوسائط المشايخ، يزقّه الشيخُ لروح المريد، كما يزق الطيرُ أفراخه، وبذلك تحيا روحه، فتغيب عن عوالم حسها، أأنتم أنزلتموه من سحاب الهداية والعناية، أم نحن المنزِلون؟ لو نشاء جعلناه أُجاجاً فَتَمجه الروحُ بعد شربها، أو تمتنع من شربه، فالأول للداخلين إذا لم تسعفهم رياح المقادير، فتنكسر سفينة سيرهم بعد الركوب، والثاني للطالبين المحرومين من أرزاق المعرفة. فلولا تشكرون هذه النعم، حيث وفقكم لشرب الخمر، ودمتم حتى سكرتم وصحوتم، وحييت بها أرواحكم وأشباحكم. أفرأيتم النار نار الشهوة التي تُورون؛ تقدحونها في نفوسكم، أأنتم أنشأتم شجرتها، وهي النفس الطبيعية، أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة، أي: إيقاظاً توقظ صاحبها ليتلجئ إلى مولاه، وفي الحِكَم: "وحرَّك عليك النفس ليُديم إقبالك عليه": وجعلناها متاعاً للسائرين؛ إذ بجهادها يتحقق سيرهم، وبتصفيتها يتحقق كمالهم، وبفنائها يتحقق وصولهم، وكان شيخ شيخنا حين يشتكي له أحد له بنفسه، يقول: أما أنا فجزاها علي خيراً، ما ربحت إلاّ منها. وقال القشيري: {أفرأيتم النار...} الخ، يشير إلى نار المحبة المشتعلة الموقدة، بمقدح الطلب في حراقة قلب المحب الصادق في سلوكه وشجرتها هي العناية الإلهية، يدل على هذا قول العارف أبي الحسن المنصور - قدّس الله سره - حين سُئل عن حقيقة المحبة، فقال: هي العناية الإلهية السرميدة، لولاها ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فنحن جلعناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية، ليهدتوا بها إلى سلوك طريق الحق، ومتاعاً للمُوقين، أي غذاء أرواح المحبين، الطاوين أياماً وليالي من الطعام والشراب، كا رُوي عن سهل التستري: أنه كان يطوي ثلاثين يوماً، وعن أبي عقيل المغربي: أنه ما أكل ستين سنة وهو مجاور بمكة، وعن كثيرين من السالكين المرتاضين. هـ. وقوله تعالى: {فسبِّح باسم ربك العظيم} قال الورتجبي: أَمَرَه أن ينزهه لا بنفسه بل بربه، ثم قال: والاسم والمسمى واحد، أي: قدسني بي فإني أعظم من أن تُقدسني بنفسك، أو بشيء دوني، ألا ترى إشارة قوله: {العظيم} أي: عظم جلاله أن يبلغ إلى أن تمدحه الخليقة، وأن تصِفة البرية. هـ. ثم أقسم على حقيّة القرآن المنزَّل بهذه الأخبار الغيبية، من العبث وغيره، فقال: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذا يرجّح المعنى الأوّل لقوله: فَلْولاَ تُصَدِّقُون. إذ فيه تنبيه على أنّ جهلهم بالبعث لجهلهم بالخلق، ولو علموا بكيفيّة الإيجاد لعلموا بكيفيّة الإعادة، وذلك لأنّ القوم زعموا أنّ الفاعل ما يفعل بحركة ومباشرة، فكل مَن يباشر حركة أو يستعمل جسماً حتّى يتهيّأ لفيَضان شكل أو صورة من الواهب الحقيقي، فهم يسمّون ذلك المحرّك فاعلاً، ولهذا يظنّون الأب فاعلاً للابن، والمُمنيَ فاعلاً للمنيّ، والزارعَ فاعلاً للزَرع، والبَنّاءَ فاعلاً للبِناء، فهكذا تصوّروا فاعليّة الفاعل الأوّل جلَّ اسمه فوقعوا في الشرك، والله سبحانه نبّه على فساد ظنّهم، وبطلان عقيدتهم بأنّ المُمني ليس علّة للمني، ولا البناءعلّة للبِناء، ولا الزارع علة للزرع، بل حركة كلّ منهم علّة لحركة شيء آخر، وذلك الشيء يصير مادّة بتلك الحركة مستعدّة لأن يكسوها فاعلُ الكلِّ صورةً أو شكلاً. أمّا الأب: فهو علّة لحركة المني، وحركة المني إذا انتهت على الجهة المذكورة تأدّت لحصول المني في القرار، وأمّا تصويره حيواناً أو إنساناً، وبقاؤه حيوانا وإنساناً، فله علّة أخرى ومبدأ أعلى. وأمّا البنّاء، فحركته علّة لحركة اللَبِنَة، ثمّ سكونه بعدها وتركه الحركة علّة لانتهاء تلك الحركة، وانتهاؤها علّة الاجتماع، وأمّا تشكيل المجتمع من اللِبنات، وحفظه وإمساكه مدّة فله فاعل آخر، هو الذي بقوته يُمسك السمواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولاَ. وكذا حكم الزارع، فإنّ حركته علّة لحركة الحبّة ثمّ سكونه بعدها، أو ترك حركته، علّة لسكون الحبة في قرارها من الأرض، مثل سكون النطفة في قرار الرحم. فإذا ثبت أنّ فعل الفاعل الحقيقي هو إفاضة الوجود - لا التحريك والإعداد المورثان لإستعداد المواد كالنُطف والبذور لقبول صروة الحيوان والنبات من مبدأ جواد - تحقّق انّ الاعادة منه مثل الابتداء لا يتفقر فيها إلى سبق مادّة قابلة يستعملها التهيّأ لحصول صورة ثانية، بل إذا شاء أنشأها ثانية من غير مثال سابق. فقوله: أفَرَأيْتُمْ مَا تُمْنثونَ - معناه: افرأيتم ما تقذفونه بالحركة الجُماعيّة في أرحام النساء من النُطف؟ إنّكم مقدِّروه ومصوِّروه، أم نحن مقدِّروه ومصوِّره؟ والأوّل باطل فتعيّن الثاني. فإذا ثبت أنّه تعالى مقدِّر الحياة بلا مادّة، فهو مقدّر الموت بلا مادّة. وقرأ أبو السماك "تَمنُون" بفتح التاء. يقال: أمنى النطفة ومناها، قال سبحانه: {أية : مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ} تفسير : [النجم:46]. قال الرازي في الكبير: وجه الاستدلال بهذه الآية أنّ المني إنّما يحصل من فَضْلة الهضم الرابع، وهو كالطلّ المنبثّ في أطراف الأعضاء وبهذا تشترك كلّ الأعضاء، ويجب غسلها بالالتذاذ الواقع لحصول الارتحال عنها كلها، ثمّ إنّ الله يسلّط قوّة الشهوة على البِنْية حتّى يجمع تلك الأجزاء الطليّة، بل إنّها بحسب مادّتها الغذائيّة كانت متفرَقة في أطراف العالَم، ثمّ الله جمعها بقدرته في بدن الحيوان، ثمّ في أوعية المني، ثمّ أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم، فإذاً كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكوَّن منها هذا الشخص، فإذا افترقت بالموت مرّة أخرى فكيف يمتنع عليه جَمْعُها مرّة أخرى؟! هذا كلامه. وفيه ما لا يخفى من وجوه التكلّف، حيث اعتبر مقدّمات لا دلالة عليها ولا حاجة إليها، مع امكان المناقشة فيها وفي استلزامها الدعوى بعد تسليمها.
الجنابذي
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} جواب شرطٍ مقدّرٍ والتّقدير ان لم نكن نحن خلقنا فأخبرونى عمّا تمنون.
اطفيش
تفسير : {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} بضم التاء مبنياً للفاعل والاصل تمنيون بباء مضمومة بعد نون مكسورة أي ما تقذفونه من النطف في الارحام فالمفعول محذوف أي تمنونه وقرأ ابو السماك تمنون بفتح التاء من مني الثلاثي بمعنى امني ويحتملها من نطفة إذا تمنى.
اطفيش
تفسير : {أَفَرَايتُم} أتذكرتم فرأيتم {مَّا تُمْنُونَ} ما تقذفونه من المنى فى الأَرحام {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ} تصورونه بشرا وتنفخون فيه الروح، وقيل أنتم تخلقون نفس المنى من الدم، والجملة مفعول ثان معلق عنه بالاستفهام، وإِن جعلنا الرؤية بصرية فالجملة مستأنفة. {أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} المصورون للمنى بشرا أو خلقنا المنى وأم متصلة كما هو ظاهر وأجيز أن تكون منقطعة بمعنى بل الإِبطالية، وزعم بعض أنها بمعنى بل وهمزة التقرير وأنتم مبتدأ، فالجملة اسمية كالجملة المعطوفة بعدها عليه ولو جعلناه فاعلا لمحذوف، أى أتخلقونه فحذف غير الواو وجعل بدله ضمير منفصل لتخالفت الجملتان، فعلية واسمية، والأَصل التوافق وعدم الحذف ولا نسلم أنه إِذا أمكنت الفعلية بعد الهمزة لم يعدل عنها ويحسن للقارئ والمستمع أن يقولا عند قراءة: قل أفرأيتم.. الخ بل أنت يا رب. قال حجر المروى: بت عند على فسمعته يصلى كلما قرأ أفرأيتم الخ، قال ثلاثاً: أنت يا رب، وهذا فى النفل جائز وقيل: لا. والقولان أيضاً عند قومنا، وإِنما اختلف فيه لأَنه ليس من القرآن، ويباح آخر تحية التسليم سائر الأَذكار بالعربية، ولو من صلاة الفرض، ويجوز الجهر بها لأَنها ليست من التحيات، والتحيات تمت فى قوله عبده ورسوله ويجوز بلى بعد أليس الله الخ، فينبغى لنا أن ننوى بلى التى فى القرآن.
الالوسي
تفسير : أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف. وقرأ ابن عباس وأبو السمال {تمنون } بفتح التاء من مني النطقة بمعنى أمناها أي أزالها بدفع الطبيعة.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على {أية : نحن خلقناكم}تفسير : [الواقعة: 57]، أي خلقناكم الخلقَ الذي لم تَروه ولكنكم توقنون بأنا خلقناكم فتدبروا في خلق النسل لتعلموا أن إعادة الخلق تشبه ابتداء الخلق. وذكرت كائنات خمسة مختلفة الأحوال متحدة المآل إذ في كلها تكوين لموجود مما كان عدماً، وفي جميعها حصول وجود متدرّج إلى أن تتقوم بها الحياة وابتدىء بإيجاد النسل من ماء ميت، ولعله مادة الحياة بنسلكم في الأرحام من النطف تكويناً مسبوقاً بالعدم. والاستفهام للتقرير بتعيين خالق الجنين من النطفة إذ لا يسعهم إلا أن يقرّوا بأن الله خالق النسل من النطفة وذلك يستلزم قدرته على ما هو من نوع إعادة الخلق. وإنما ابتدىء الاستدلال بتقديم جملة {أأنتم تخلقونه} زيادة في إبطال شبهتهم إذ قاسوا الأحوال المغيبة على المشاهدة في قلوبهم لا نُعاد بعد أن كنا تراباً وعظاماً، وكان حقهم أن يقيسوا على تخلق الجنين من مبدأ ماء النطفة فيقولوا: لا تتخلق من النطفة الميتة أجسام حية كما قالوا: لا تصير العظام البالية ذواتاً حيّة، وإلا فإنهم لم يدّعوا قط أنهم خالقون، فكان قوله: {أأنتم تخلقونه} تمهيداً للاستدلال على أن الله هو خالق الأجنة بقدرته، وأن تلك القدرة لا تقصر عن الخلق الثاني عند البعث. وفعل الرؤية في «أرأيتم» من باب (ظن) لأنه ليس رؤية عين. وقال الرضيّ: هو في مثله منقول من رأيت، بمعنى أبصرت أو عرفتَ، كأنه قيل: أأبصرت حاله العجيبة أو أعرفتها، أخبرني عنها، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة لشيء اهــــ، أي لأن أصل فعل الرؤية من أفعال الجوارح لا من أفعال العقل. و{ما تمنون} مفعول أول لفعل {أفرأيتم}. وفي تعدية فعل «أرأيتم» إليه إجمال إذ مورد فعل العلم على حال من أحوال ما تمنون، ففعل «رأيتم» غير وارد على نفس {ما تمنون}. فكانت جملة {أأنتم تخلقونه} بياناً لجملة {أفرأيتم ما تمنون}، وأعيد حرف الاستفهام ليطابِق البيانُ مبيَّنَه. وبهذا الاستفهام صار فعل {أرأيتم} معلقاً عن العمل في مفعول ثان لوجود موجب التعليق وهو الاستفهام. قال الرضيّ: إذ صُدر المفعول الثاني بكلمة الاستفهام فالأوْلى أن لا يعلق فعل القلب عن المفعول الأول نحو: علمْت زيداً أي من هو». اهــــ. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في {أأنتم تخلقونه} لإِفادة التقويّ لأنهم لما نُزلوا منزلة من يزعم ذلك كما علمتَ صيغت جملة نفيه بصيغة دالة على زعمهم تمكن التصرف في تكوين النسل. وقد حصل من نفي الخلق عنهم وإثباته لله تعالى معنى قصر الخلق على الله تعالى. و{أم} متصلة معادلة الهمزة، وما بعدها معطوف لأن الغالب أن لا يذكر له خبر اكتفاء بدلالة خبر المعطوف عليه على الخبر المحذوف، وههنا أعيد الخبر في قوله: {أم نحن الخالقون} زيادة في تقرير إسناد الخلق إلى الله في المعنى وللإِيفاء بالفاصلة وامتداد نفس الوقف، ويجوز أن نجعل {أم} منقطعة بمعنى (بل) لأن الاستفهام ليس بحقيقي فليس من غرضه طلب تعيين الفاعل ويكون الكلام قد تم عند قوله: {تخلقونه}. والمعنى: أتظنون أنفسكم خالقين النسمَة مما تمنون.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا قريباً كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف، وذكرناه قبل هذا مراراً، وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة ما موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف، لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه، والعرب تقول: أمنى النطفة بصيغة الرباعي، يمنيها بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: {أية : مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ}تفسير : [النجم: 46] ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة. إلا أن القراءة بها شاذة. وممن قرأ تمنون بفتح مضارع في الثلاثي المجرد، أبو السمال وابن السميقع، وقوله تعالى: {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} استفهام تقرير، فإنهم لا بد أن يقولوا: أنتم الخالقون، فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحم، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى، وأنتم تعلمون أن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء، والضمير المنصوب في تخلقونه عائد إلى الموصول أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقاً، ثم مضغاً إلى آخر أطواره. وهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال قدرة الله على البعث وغيره، وعلى أنه المعبود وحده، ببيان أطوار خلق الإنسان، جاء موضحاً في آيات أخر، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفىً بالآيات القرآنية، وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ}تفسير : [الحج: 5] الآية. وذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضاً في الكلام على قوله تعالى: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ}تفسير : [الرحمن: 3-4] وفي غير ذلك من المواضع. وبينا الآيات الدالة على أطوار خلقه جملة وتفصيلاً في الحج. تنبيه. هذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإنسان من نطفة مني تمنى، يجب على كل إنسان النظر فيه، لأن الله جل وعلا وجه صفة الأمر بالنظر فيه إلى مني الإنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وذلك في قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ}تفسير : [الطارق: 5-6] الآية، وقد قدمنا شرحها في أول سورة النحل، وقرأ هذا الحرف نافع، {أَفَرَءَيْتُم} بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين. والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه إبدال الهمزة ألفاً وإشباعها لسكون الياء بعدها. وقرأه الكسائي: {أَفَرَءَيْتُم} بحذف الهمزة، وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة. وقوله تعالى: {ءَأَنتُمْ} قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية، والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عن نافع إبدال الثانية ألفاً مشبعاً مدها لسكون النون بعدها، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى بتحقيق الهمزتين، وقالون، وأبو عمرو وهشام بألف الإدخال بين الهمزتين والباقون بدونها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمْ} (58) - أَلاَ تَرَوْنَ يَا أَيُّهَا المُكَذِّبُونَ إِلَى المَنيِّ الذِي تَقْذِفُونَهُ فِي الأَرْحَامِ؟
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} معناه من المَنى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: أفرأيتم ابتداء خلقتكم من المني الذي تمنون، فهل أنتم خالقون ذلك المني وما ينشأ منه؟ أم الله تعالى الخالق الذي خلق فيكم من الشهوة وآلتها من الذكر والأنثى، وهدى كلا منهما لما هنالك، وحبب بين الزوجين، وجعل بينهما من المودة والرحمة ما هو سبب للتناسل. ولهذا أحالهم الله تعالى على الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، فقال: { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ } أن القادر على ابتداء خلقكم، قادر على إعادتكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):