٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
60
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل. المسألة الأولى: في الترتيب فيه وجهان أحدهما: أنه تقرير لما سبق وهو كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] فقال: {أية : نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الواقعة: 57] ثم قال: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ } فمن قدر على الإحياء والإماتة وهما ضدان ثبت كونه مختاراً فيمكن الإحياء ثانياً منه بعد الإماتة بخلاف ما لو كان الإحياء منه ولم يكن له قدرة على الإماتة فيظن به أنه موجب لا مختار، والموجب لا يقدر على كل شيء ممكن فقال: نحن خلقناكم وقدرنا الموت بينكم فانظروا فيه واعلموا أنا قادرون أن ننشئكم، ثانيهما: أنه جواب عن قول مبطل يقول: إن لم تكن الحياة والموت بأمور طبيعية في الأجسام من حرارات ورطوبات إذا توفرت بقيت حية، وإذا نقصت وفنيت ماتت لم يقع الموت وكيف يليق بالحكيم أن يخلق شيئاً يتقن خلقه ويحسن صورته ثم يفسده ويعدمه ثم يعيده وينشئه، فقال تعالى: نحن قدرنا الموت، ولا يرد قولكم: لماذا أعدم ولماذا أنشأ، ولماذا هدم، لأن كمال القدرة يقتضي ذلك وإنما يقبح من الصائغ والباني صياغة شيء وبناؤه وكسره وإفناؤه لأنه يحتاج إلى صرف زمان إليه وتحمل مشقة وما مثله إلا مثل إنسان ينظر إلى شيء فيقطع نظره عنه طرفة عين، ثم يعاوده ولا يقال له: لم قطعت النظر ولم نظرت إليه، ولله المثل الأعلى من هذا، لأن هنا لا بد من حركة وزمان ولو توارد على الإنسان أمثاله لتعب لكن في المرة الواحدة لا يثبت التعب والله تعالى منزه عن التعب ولا افتقار لفعله إلى زمان ولا زمان لفعله ولا إلى حركة بجرم، وفيه وجه آخر ألطف منها، وهو أن قوله تعالى: {أية : أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } تفسير : [الواقعة: 58] معناه أفرأيتم ذلك ميتاً لا حياة فيه وهو مني، ولو تفكرتم فيه لعلمتم أنه كان قبل ذلك حياً متصلاً بحي وكان أجزاء مدركة متألمة متلذذة ثم إذا أمنيتموه لا تستريبون في كونه ميتاً كالجمادات، ثم إن الله تعالى يخلقه آدمياً ويجعله بشراً سوياً فالنطفة كانت قبل الانفصال حية، ثم صارت ميتة ثم أحياها الله تعالى مرة أخرى فاعلموا أنما إذا خلقناكم أولاً ثم قدرنا بينكم الموت ثانياً ثم ننشئكم مرة أخرى فلا تستبعدوا ذلك كما في النطف. المسألة الثانية: ما الفرق بين هذا الموضع وبين أول سورة تبارك حيث قال هناك: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] بتقديم ذكر الموت؟ نقول: الكلام هنا على الترتيب الأصلي كما قال تعالى في مواضع منها قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12] ثم قال بعد ذلك: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ } تفسير : [المؤمنون: 15] وأما في سورة الملك فنذكر إن شاء الله تعالى فائدتها ومرجعها إلى ما ذكرنا أنه قال: خلق الموت في النطف بعد كونها حية عند الاتصال ثم خلق الحياة فيها بعد الموت وهو دليل الحشر، وقيل: المراد من الموت هنا الموت الذي بعد الحياة، والمراد هناك الذي قبل الحياة. المسألة الثالثة: قال ههنا: {نَحْنُ قَدَّرْنَا } وقال في سورة الملك: {خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } فذكر الموت والحياة بلفظ الخلق، وههنا قال: {خَلَقْنَـٰكُمْ } وقال: {قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ } فنقول: كان المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين مطلقاً لا في الناس على الخصوص، وهنا لما قال: {أية : خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الواقعة: 57] خصصهم بالذكر فصار كأنه قال: خلقنا حياتكم، فلو قال: نحن قدرنا موتكم، كان ينبغي أنه يوجد موتهم في الحال ولم يكن كذلك، ولهذا قال: {قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ } وأما هناك فالموت والحياة كانا مخلوقين في محلين ولم يكن ذلك بالنسبة إلى بعض مخصوص. المسألة الرابعة: هل في قوله تعالى: {بَيْنَكُمْ } بدلاً عن غيره من الألفاظ فائدة؟ نقول: نعم فائدة جليلة، وهي تبين بالنظر إلى الألفاظ التي تقوم مقامها فنقول: قدرنا لكم الموت، وقدرنا فيكم الموت، فقوله: قدرنا فيكم يفيد معنى الخلق لأن تقدير الشيء في الشيء يستدعي كونه ظرفاً له إما ظرف حصول فيه أو ظرف حلول فيه كما يقال: البياض في الجسم والكحل في العين، فلو قال: قدرنا فيكم الموت لكان مخلوقاً فينا وليس كذلك، وإن قلنا: قدرنا لكم الموت كان ذلك ينبىء عن تأخره عن الناس فإن القائل إذا قال: هذا معد لك كان معناه أنه اليوم لغيرك وغداً لك، كما قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 140]. المسألة الخامسة: قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } المشهور أن المراد منه: وما نحن بمغلوبين عاجزين عن خلق أمثالكم وإعادتكم بعد تفرق أوصالكم، يقال: فاته الشيء إذا غلبه ولم يقدر عليه ومثله سبقه وعلى هذا نعيد ما ذكرناه من الترتيب، ونقول: إذا كان قوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ } لبيان أنه خلق الحياة وقدر الموت، وهما ضدان وخالق الضدين يكون قادراً مختاراً فقال: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } عاجزين عن الشيء بخلاف الموجب الذي لا يمكنه من إيقاع كل واحد من الضدين فيسبقه ويفوته، فإن النار لا يمكنها التبريد لأن طبيعتها موجبة للتسخين، وأما إن قلنا بأنه ذكره رداً عليهم حيث قالوا: لو لم يكن الموت من فناء الرطوبات الأصلية وانطفاء الحرارة الغريزية وكان بخلق حكيم مختار ما كان يجوز وقوعه لأن الحكيم كيف يبني ويهدم ويوجد ويعدم فقال: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي عاجزين بوجه من الوجوه التي يستبعدونها من البناء والصائغ فإنه يفتقر في الإيجاد إلى زمان ومكان وتمكين من المفعول وإمكان ويلحقه تعب من تحريك وإسكان والله تعالى يخلق بكن فيكون، فهو فوق ما ذكرنا من المثل من قطع النظر وإعادته في أسرع حين حيث لا يصح من القائل أن يقول: لم قطعت النظر في ذلك الزمان اللطيف الذي لا يدرك ولا يحس بل ربما يكون مدعى القدرة التامة على الشيء في الزمان اليسير بالحركة السريعة يأتي بشيء ثم يبطله ثم يأتي بمثله ثم يبطله يدلك عليه فعل أصحاب خفة اليد، حيث يوهم أنه يفعل شيئاً ثم يبطله، ثم يأتي بمثله إراءة من نفسه القدرة، وعلى هذا فنقول قوله في سورة تبارك: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ } تفسير : [الملك: 2] معناه أمات وأحيا لتعلموا أنه فاعل مختار، فتعبدونه وتعتقدون الثواب والعقاب فيحسن عملكم ولو اعتقدتموه موجباً لما عملتم شيئاً على هذا التفسير المشهور، والظاهر أن المراد من قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } حقيقته وهي أنا ما سبقنا وهو يحتمل شيئين أحدهما: أن يكون معناه أنه هو الأول لم يكن قبله شيء وثانيهما: في خلق الناس وتقدير الموت فيهم ما سبق وهو على طريقة منع آخر وفيه فائدتان أما إذا قلنا: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } معناه ما سبقنا شيء فهو إشارة إلى أنكم من أي وجه تسلكون طريق النظر تنتهون إلى الله وتقفون عنده ولا تجاوزونه، فإنكم إن كنتم تقولون: قبل النطفة أب وقبل الأب نطفة فالعقل يحكم بانتهاء النطف والآباء إلى خالق غير مخلوق، وأنا ذلك فإني لست بمسبوق وليس هناك خالق ولا سابق غيري، وهذا يكون على طريقة التدرج والنزول من مقام إلى مقام، والعاقل الذي هداه الله تعالى الهداية القوية يعرف أولاً والذي دونه يعرف بعد ذلك برتبة، والمعاند لا بد من أن يعرف إن عاد إلى عقله بعد المراتب، ويقول: لا بد للكل من إله، وهو ليس بمسبوق فيما فعله، فمعناه أنه فعل ما فعل، ولم يكن لمفعوله مثال، وأما إن قلنا: إنه ليس بمسبوق، وأي حاجة في إعادته له بمثال هو أهون فيكون كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } تفسير : [الروم: 27] ويؤيده قوله تعالى: {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لا تَعْلَمُونَ } فإن قيل: هذا لا يصح، لأن مثل هذا ورد في سؤال سائل، والمراد ما ذكرنا كأنه قال: وإنا لقادرون على أن نبدل أمثالكم وما نحن بمسبوقين، أي لسنا بعاجزين مغلوبين فهذا دليلنا، وذلك لأن قوله تعالى: {إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ } أفاد فائدة انتفاء العجز عنه، فلا بد من أن يكون لقوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } فائدة ظاهرة، ثم قال تعالى: {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } في الوجه المشهور، قوله تعالى: {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ } يتعلق بقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي على التبديل، ومعناه وما نحن عاجزين عن التبديل. والتحقيق في هذا الوجه أن من سبقه الشيء كأنه غلبه فعجز عنه، وكلمة على في هذا الوجه مأخوذة من استعمال لفظ المسابقة فإنه يكون على شيء، فإن من سبق غيره على أمر فهو الغالب، وعلى الوجه الآخر يتعلق بقوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا } وتقديره: نحن قدرنا بينكم على وجه التبديل لا على وجه قطع النسل من أول الأمر، كما يقول القائل: خرج فلان على أن يرجع عاجلاً، أي على هذا الوجه خرج، وتعلق كلمة على هذا الوجه أظهر، فإن قيل: على ما ذهب إليه المفسرون لا إشكال في تبديل أمثالكم، أي أشكالكم وأوصافكم، ويكون الأمثال جمع مثل، ويكون معناه وما نحن بعاجزين على أن نمسخكم، ونجعلكم في صورة قردة وخنازير، فيكون كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَــٰنَتِهِمْ } تفسير : [يس: 67] وعلى ما قلت في تفسير المسبوقين، وجعلت المتعلق لقوله: {عَلَىٰ أَن نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } هو قوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا } فيكون قوله: {نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } معناه على أن نبدل أمثالهم لا على عملهم، نقول: هذا إيراد وارد على المفسرين بأسرهم إذا فسروا الأمثال بجمع المثل، وهو الظاهر كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَـٰلَكُم } تفسير : [محمد: 38] وقوله: {أية : وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَـٰلَهُمْ تَبْدِيلاً } تفسير : [الإنسان: 28] فإن قوله: {إِذَا } دليل الوقوع، وتغير أوصافهم بالمسخ ليس أمراً يقع والجواب أن يقال: الأمثال إما أن يكون جمع مثل، وإما جمع مثل، فإن كان جمع مثل فنقول معناه قدرنا بينكم الموت على هذا الوجه، وهو أن نغير أوصافكم فتكونوا أطفالاً، ثم شباناً، ثم كهولاً، ثم شيوخاً، ثم يدرككم الأجل، وما قدرنا بينكم الموت على أن نهلككم دفعة واحدة إلا إذا جاء وقت ذلك فتهلكون بنفخة واحدة وإن قلنا: هو جمع مثل فنقول معنى: {نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } نجعل أمثالكم بدلاً وبدله بمعنى جعله بدلاً، ولم يحسن أن يقال: بدلناكم على هذا الوجه، لأنه يفيد أنا جعلنا بدلاً فلا يدل على وقوع الفناه عليهم، غاية ما في الباب أن قول القائل: جعلت كذا بدلاً لا تتم فائدته إلا إذا قال: جعلته بدلاً عن كذا لكنه تعالى لما قال: {نُّبَدّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ } فالمثل يدل على المثل، فكأنه قال: جعلنا أمثالكم بدلاً لكم، ومعناه على ما ذكرنا أنه لم نقدر الموت على أن نفني الخلق دفعة بل قدرناه على أن نجعل مثلهم بدلهم مدة طويلة ثم نهلكهم جميعاً ثم ننشئهم، وقوله تعالى: {فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } على الوجه المشهور في التفسير أنه فيما لا تعلمون من الأوصاف والأخلاق، والظاهر أن المراد: {فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأوصاف والزمان، فإن أحداً لا يدري أنه متى يموت ومتى ينشأ أو كأنهم قالوا: ومتى الساعة والإنشاء؟ فقال: لا علم لكم بهما، هذا إذا قلنا: إن المراد ما ذكر فيه على الوجه المشهور وفيه لطيفة: وهي أن قوله: {فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } تقرير لقوله: {أية : أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } تفسير : [الواقعة: 59] وكأنه قال: كيف يمكن أن تقولوا هذا وأنتم تنشأون في بطون أمهاتكم على أوصاف لا تعلمون وكيف يكون خالق الشيء غير عالم به؟ وهو كقوله تعالى: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ } تفسير : [النجم: 32] وعلى ما ذكرنا فيه فائدة وهي التحريض على العمل الصالح، لأن التبديل والإنشاء وهو الموت والحشر إذا كان واقعاً في زمان لا يعلمه أحد فينبغي أن لا يتكل الإنسان على طول المدة ولا يغفل عن إعداد العدة، وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأولَىٰ } تقريراً لإمكان النشأة الثانية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {نَحْنُ قَدَّرْنَا } بالتشديد والتخفيف {بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بعاجزين.
ابن عبد السلام
تفسير : {قَدَّرْنَا} قضينا به للفناء والجزاء، أو ليخلف الأبناء الآباء، أو كتبنا مقداره فلا يزيد ولا ينقص، أو وقته فلا يتقدم ولا يتأخر، أو سوينا فيه بين المطيع والعاصي، أو بين أهل السماء والأرض، {بِمَسْبُوقِينَ} على تقديرنا موتكم حتى لا تموتوا، أو على أن تزيدوا في قدره، أو تؤخروا في وقته، أو {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} على تبديل أمثالكم معناه لما لم نسبق إلى خلق غيركم لم نعجز عن إعادتكم، أو لما لم نعجز عن تغير أحوالكم بعد خلقكم لم نعجز عن تغييرها بعد موتكم.
القشيري
تفسير : يكون الموتُ في الوقت الذي يريده؛ منكم مَنْ يموت طفلاً ومنكم من يموت شابَّاً، ومنكم من يموت كهلاً، وبِعللٍ مختلفة وبأسبابٍ متفاوتةٍ وفي أوقاتٍ مختلفة. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} في تقديرنا فيفوتنا شيءٌ ولَسْنا بعاجزين عن أن نَخْلُقَ أمثالَكم، ولا بعاجزين عن تبديلَ صُوَركم التي تعلمون؛ إِن أردنا مَسْخَكُم وتبديلَ صُوَركم فلا يمنعنا عن ذلك أحدٌ. ويقال: وننشئكم فيما لا تعلمون من حكم السعادة والشقاوة.
اسماعيل حقي
تفسير : {نحن قدرنا بينكم الموت} اى قسمناه عليكم ووقتنا موت كل احد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة فمنهم من يموت صغيرا ومنهم من يموت كبيرا، يقول الفقير قيل لى فى بعض الاسحار اصبر ولا يكون الا ماقدر الله تعالى فمرضت بعد ايام ابنتى امة الله حتى ماتت جعلها الله فرطا وذخرا وشافعة ومشفعة وقد ثبت ان ابراهيم عليه السلام تعلق باسمعيل فابتلى بذبحه وكذا يعقوب عليه السلام تعلق بيوسف فابتلى بالفراق فهذه كلها مقادير يجب الرضى بها {وما نحن بمسبوقين} اى انا قادرون
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لمّا نبَّه على أنّ فاعل صورة الإنسان ومقدِّر وجوده هو الله سبحانه، بحسب جهات فاعليّة ترجع إليه من علمه وإرادته وحكمته - لا بحسب جهات قابليّة ترجع إلى القابل من مادّته ووضعه وحركته -، لأنّ تلك الجهات هي منشأ الفعليّة، والوجوب لحصول أصل الوجود، وهذه الجهات منشأ القوّة والإمكان لتعيّنه، ولاختصاصه بزمان ومكان، وتعدّد وانقسام، فاشار إلى أنّه المعيد كما أنّه المنشئ، فإنّ إيجاد الخلق إفادة أصل الوجود لهم، والإعادة إفادة أصل الوجود وثمرته وغايته. فالمجيء إلى الدنيا من الجنّة هو النزول من الكمال إلى النقص، والخروج من الفطرة الأصليّة، ولا محالة صدور الخلق من الحقّ لم يكن إلاّ على هذا الطريق. والذهاب من الدنيا إلى الآخرة هو التوجّه من النقص إلى الكمال، والرجوع من الحالة الغربية إلى الفطرة الأصليّة، ولا محالة رجوع الخلق إلى الحقّ ليس إلاّ على هذا الطريق {أية : ٱللَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [الروم:11]. لكن السعداء يتوجّهون إليه تعالى بنفوس راضية، وقلوب سليمة عن العلايق الظلمانيّة والعوائق الرديّة، وأمّا الأشقياء فيرجعون إليه بنفوس مظلمة كدِرة، كثيرة التعلّق بالدنيا ومؤذياتها، وقلوب مسودَّة منكوسة متعلّقة إلى الأسفل. و "التقدير": ترتيب الأمر على مقدار. قوله: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} يحتمل أن يراد منه: نحن خلقنا الأبدان الأخرويّة عند الموت بهيآت متفاوتة مختلفة وقسمناها بين أرواحكم مناسبة لأعمالكم وأخلاقكم، فإنّ الموت قد يطلق على حال الإنسان بعد هذه الحياة الدنيويّة. وعن مقاتل: المراد من قدَّرنا الموت: قسّمناه عليكم قسمة الرزق، على اختلاف وتفاوت كما تقتضيه مشيّتنا، فاختلفت أعماركم بين قصير وطويل. وعن الضحّاك: معناه سوَّينا فيه بين المطيع والعاصي وبين اهل السماء والأرض. وقوله: وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقينَ - أي: لا يسبقنا أحد منكم عليه، ولا يُعجزنا عنه، تقول: سبقته على شيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه. وقيل: إنّه من تمام ما قبله، فمعناه: لا يغلبنا أحد منكم على ما قدَّرناه من الموت بأن يدفعه. وقيل: إنّه متّصل بما بعده - وهو قوله: عزَّ اسمه: {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. إعلم أنّ الروح الإنساني أوجده الله دائماً مدبراً للصورة الطبيعيّة، سواء كان في الدنيا، أو في الجنّة أو في النار، أو في غيرها، فأوّل صورة لبسها بعد الصورة التي أخذ عليها الميثاق، هي صورة دنيوية حشرة بها في رابع شهر من حين تكوّن صورة جسده في الرحم إلى ساعة موته وله فيها انتقلات متّصلة تتوارد عليها الأمثال على نعت الاتّصال، حتّى يظنّ أكثر الناس أنّ بدنه بعينه واحد شخصيّ من ابتداء العمر إلى انتهائه، وليس كذلك، بل له في كلّ حين حشر من صورة إلى أخرى مشابهة، ولتشابه الصور يلتبس ذلك عليهم، كقوله تعالى: {أية : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق:15] ويحتمل أن يكون اللبس من اللباس، وفي هذا تشبيه حسَن كما في تفسيره بالاشتباه والالتباس. ثمّ إذا مات حُشر إلى صورة أخرى من حين موته إلى وقت سؤاله، فإذا جاء وقت سؤاله، حُشر من تلك الصورة إلى صورة جسده الموصوف بالموت، فيجد نفسه الإنسان الميّت المقبور بعينه فيحيا به، ويؤخذ بأسماع الناس وأبصارهم عن حياته إلاّ من خصّه الله بالكشف عن ذلك من نبيّ أو وليّ من الثقلين. ثمّ يحشر بعد السؤال إلى صورة أخرى في البرزخ، بل تلك الصورة عين البرزخ يمسك فيها إلى نفخة البعث لقوله تعالى: {أية : وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون:100] فيبعث عن تلك الصورة ويحشر إلى الصورة التي كان فارقها في الدنيا إن كان بقي عليه سؤال وحساب، وإن لم يكن من أهل ذلك الصنف، حشر في الصورة التي يدخلها بها الجنّة، والمسؤول إذا فرغ من سؤاله، حُشر إلى صورة يدخل بها الجنّة أو النار - وأهل النار كلّهم مسؤولون محاسَبون -. فإذا استقرّ أهل الجنّة فيها، ثمَّ دُعوا إلى الرؤية ونودوا إلى الكثيب حُشروا في صورة لا تصلح إلاَّ للرؤية، فإذا عادوا حشروا إلى صورة يدخلون فيها إلى سوق الجنّة، فإذا دخلوا سوق الجنّة ورأوا ما فيه من الصور فأيّة صورة رأوها واستحسنوها انتقلوا إليها، وحُشروا فيها، فلا يزالون في الجنّة دائماً يحشرون من صورة إلى صورة إلى ما لا نهاية له، لأنّ قدرة الله واسعة. - فاعلم هذا فإنّه من لباب المعرفة الإلهيّة - وقوله: {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، إشارة إلى حشر الأرواح إلى عالم المفارقات المحضة، المقابل لحشر الأمثال والأجسام إلى عالَم الصور الجانيّة او الجهنميّة، ذلك للمقربين، وهذه لأصحاب الشمال. ويحتمل أن يكون المراد منه: وَنُنشِئكم فيما لا تعلمون من الهيئات المختلفة على حسب أعمالكم ونيّاتكم فإنّ المؤمن يُخلق على أحسن هيئة وأجمل صورة، والمنافق على أقبح صورة وأوحَش شكل، وربما يُحشر بعض الناس على صورة حيوان لم يُعهد مثله في قبح المنظر وكآبة الصورة، بواسطة تركيب الأخلاق السيئّة في نفسه، التي يوجد لكلّ منها قبح صورة متفرّقة وقد اجتمعت في ذاته، مثل من اجتمعت في ذاته شهوة الحمار، ودناءة الخنزير، وتكبّر الأسد، وحرص النمل، وحقد الجمل، وحسد الغراب، وجبن الصلصل وغير ذلك، فيتركّب هيئة صورة جسده من هيئات صور هذه الحيوانات. وفي الحديث: يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها القِردة والخنازير.
الجنابذي
تفسير : {نَحْنُ قَدَّرْنَا} قرئ بالتّخفيف والتّشديد {بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} لا غيرنا {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} بمغلوبين.
اطفيش
تفسير : {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ} قضينا به بينكم أو جعلناه على قدر متخالف، بعض يموت صغيراً، وبعض متوسطاً، وبعض كبيراً، وبعض بقتل وبعض بمرض وبعض بغير ذلك، وفى أماكن وأوقات بحسب الحكمة فى ذلك كله، وقيل الخطاب لبنى آدم والملائكة، أى خالفنا بينكم وبينهم، هم يموتون يوم القيامة، وأنتم تموتون فى الدنيا، بعض بعد بعض، أو قدرنا بمعنى قضيناه، أى قضينا بين الملائكة وبين بنى آدم، ولكن تفسير الخطاب بما يشمل الملائكة لا يظهر. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} مغلوبين {عَلَى أَن نُبَدِّلَ أمْثَالَكُمْ} نذهب صفاتكم، والمثل بمعنى الصفة، وأرادوا نذهبكم بمرة واحدة ونأْتى بأَشباهكم من الخلق، والسبق مستعار للغلبة استعارة تصريحية إِذ شبه فعل أحد ما لم يرد غيره فعله بالسبق إِلى مكان، لجامع المخالفة أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، إِذ لزمت الغلبة على شئ من السبق إِليه، وقيل السبق بمعنى الغلبة حقيقة إِذا كان بعلى كما هنا {وَنُنشِئَكُمْ فِي ما لاَ تَعْلَمُونَ} من صور الخلق، وقال بعض ننشئكم فى حواصل طير سود كأَنها الخطاطيف تكون فى برهوت، وهو واد فى اليمن وقيل فى وقت لا يعلمونه ولا يعلمون كيفية الإِنشاء، كما علموا الإِنشاء الأَول من جهة التناسل وفى ذلك تحريض على الإِيمان والعمل قبل ذلك الوقت، وقدر بعضهم من صور الخلق والأَطوار التى لا تعهدونها، وقدر الحسن فيما لا تعلمونه واقعاً فيكم من الرد قردة وخنازير، واختار هذا لكون الآية تهديداً، وقيل ننشئكم فى البعث على غير صوركم فى الدنيا، وقيل لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يبدل وقته، والمراد تمثيل حال من سلم من الموت أو تبدل وقت موته، مثال من طلبه طالب ولم يدركه وقوله على أن نبدل حال من المستتر فى مسبوقين أى قادرين أو عازمين على تبديل أمثالكم وقيل متعلق بقدرنا وعلة له.
الالوسي
تفسير : {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ } قسمناه عليكم ووقتنا موت كل أحد بوقت معين حسبما تقتضيه مشيئتنا المبنية على الحكم البالغة. وقرأ ابن كثير {قَدَرْنَا} بالتخفيف {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } أي لايغلبنا أحد.
ابن عاشور
تفسير : {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْت}. استدلال بإماتة الأحياء على أنها مقدورة لله تعالى ضرورة أنهم موقنون بها ومشاهدونها ووادُّون دفعها أو تأخيرها، فإن الذي قدر على خلق الموت بعد الحياة قادر على الإِحياء بعد الموت إذ القدرة على حصول شيء تقتضي القدرة على ضده فلا جرم أن القادر على خلق حيّ مما ليس فيه حياة وعلى إماتته بعد الحياة قدير على التصرف في حالتي إحيائه وإماتته، وما الإحياء بعد الإِماتة إلا حالة من تينك الحقيقتين، فوضح دليل إمكان البعث، وهذا مثل قوله تعالى: {أية : وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإِنسان لكفور}تفسير : [الحج: 66]. هذا أصل المفاد من قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} ثم هو مع ذلك تنبيه على أن الموت جعله الله طوراً من أطوار الإنسان لحكمة الانتقال به إلى الحياة الأبدية بعد إعداده لها بما تهيئُه له أسباب الكمال المؤهلة لتلك الحياة لتتم المناسبة بين ذلك العالم وبين عامريه. وقد مضى الكلام على ذلك عند تفسير قوله تعالى: {أية : أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون} تفسير : في سورة المؤمنين (115). فهذا وجه التعبير بـ {قدرنا بينكم الموت} دون: نحن نميتكم، أي أن الموت مجعول على تقدير معلوم مراد، مع ما في مادة {قدرنا} من التذكير بالعلم والقدرة والإرادة لتتوجه أنظار العقول إلى ما في طيّ ذلك من دقائق وهي كثيرة، وخاصة في تقدير موت الإنسان الذي هو سبيل إلى الحياة الكاملة إنْ أخذ لها أسبابها. وفي كلمة {بينكم} معنى آخر، وهو أن الموت يأتي على آحادهم تداولاً وتناوباً، فلا يفلت واحد منهم ولا يتعين لحلوله صنف ولا عُمُرٌ فآذن ظرف (بين) بأن الموت كالشيء الموضوع للتوزيع لا يدري أحد متى يصيبه قسطه منه، فالناس كمن دعوا إلى قسمة مال أو ثمر أو نعم لا يدري أحد متى ينادى عليه ليأخذ قسمه، أو متى يطير إليه قِطُّه ولكنه يوقن بأنه نائله لا محاله. وبهذا كان في قوله: {بينكم الموت} استعارة مكنية إذ شبه الموت بمقسوم ورمز إلى المشبه به بكلمة {بينكم} الشائع استعمالها في القسمة، قال تعالى: {أية : أن الماء قسمة بينهم}تفسير : [القمر: 28]. وفي هذه الاستعارة كناية عن كون الموت فائدة ومصلحة للناس إما في الدنيا لئلا تضيق بهم الأرض والأرزاق وإما في الآخرة فللجزاء الوفاق. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي لإِفادة تقوّي الحكم وتحقيقه، والتحقيق راجع إلى ما اشتمل عليه التركيب من فعل {قدرنا} وظرف {بينكم} في دلالتهما على ما في خلق الموت من الحكمة التي أشرنا إليها. وقرأ الجمهور {قدّرنا} بتشديد الدال. وقرأه ابن كثير بالتخفيف وهما بمعنى واحد، فالتشديد مصدره التقدير، والتخفيف مصدره القَدر. {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لا تَعْلَمُونَ}. هذا نتيجة لما سبق من الاستدلال على أن الله قادر على الإِحياء بعد الموت فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع ويترك عطفه فعدل عن الأمرين، وعطف بالواو عطف الجمل فيكون جملة مستقلة مقصوداً لذاته لأن مضمونه يفيد النتيجة، ويفيد تعليماً اعتقادياً، فيحصل الإعلام به تصريحاً وتعريضاً، فالصريح منه التذكير بتمام قدرة الله تعالى وأنه لا يغلبه غالب ولا تضيق قدرته عن شيء، وأنه يبدلهم خلقاً آخر في البعث مماثلاً لخلقهم في الدنيا، ويفيد تعريضاً بالتهديد باستئصالهم وتعويضهم بأمة أخرى كقوله تعالى: {أية : إن يشأ يذهبكم ويأتتِ بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز}تفسير : [إبراهيم: 19، 20] ولو جيء بالفاء لضاقت دلالة الكلام عن المعنيين الآخرين. والسبق: مجاز من الغلبة والتعجيز لأن السبق يستلزم ان السابق غالب للمسبوق، فالمعنى: وما نحن بمغلوبين، قال الفقعسي مُرّةُ بن عداء:شعر : كأنّك لم تُسبق من الدهر مَرة إذا أنتَ أدركتَ الذي كنت تطلُب تفسير : ويتعلق {على أن نبدل أمثالكم} بـــ {مسبوقين} لأنه يقال: غلبه على كذا، إذا حال بينه وبين نواله، وأصله: غلبه على كذا، أي تمكن من كذا دونه قال تعالى: {أية : والله غالب على أمره}تفسير : [يوسف: 21]. ويكون الوقف على قوله: {أمثالكم}. ويجوز أن يكون {على أن نبدل أمثالكم} في موضع الحال من ضمير {قدرنا} [الواقعة: 60]، أي قدرنا الموت على أن نحييكم فيما بعدُ إدماجاً لإِبطال قولهم: {أية : أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون}تفسير : [الواقعة: 47] فتكون (على) بمعنى (مع) وتكون حالاً مقدرة، وهذا كقول الواعظ: «على شرط النقض رُفع البنيان، وعلى شرط الخروج دخلتْ الأرواح للأبدان» ويكون متعلق (مسبوقين) محذوفاً دالاً عليه المقام، أي ما نحن بمغلوبين فيما قدّرناه من خلقكم وإماتتكم، ويجعل الوقف على (مسبوقين). ويفيد قوله: {نحن قدرنا بينكم الموت} الخ وراء ذلك عبرة بحال الموت بعد الحياة فإن في تقلب ذيْنك الحالين عبرة وتدبراً في عظيم قدرة الله وتصرفه فيكون من هذه الجهة وزانُه وزان قوله الآتي: {أية : لو نشاء لجعلناه حطاماً}تفسير : [الواقعة: 65] وقوله: {أية : لو نشاء جعلناه أجاجاً}تفسير : [الواقعة: 70] وقوله: {أية : نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين}تفسير : [الواقعة: 73]. ومعنى: {أن نبدل أمثالكم}: نبدل بكم أمثالكم، أي نجعل أمثالكم بدلاً. وفعل (بدّل) ينصب مفعولاً واحداً ويتعدى إلى ما هو في معنى المفعول الثاني بحرف الباء، وهو الغالب أو بــــ (مِن) البدلية فإن مفعول (بدّل) صالح لأن يكون مُبدَلاً ومبدَلا منه، وقد تقدم في سورة البقرة (61) قوله تعالى: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى}،تفسير : وفي سورة النساء (2) عند قوله: {أية : ولا تَتَبَدّلوا الخبيث بالطّيب}، تفسير : فالتقدير هنا: على أن نبدّل منكم أمثالكم، فحذف، متعلق {نبدل} وأبقي المفعول لأن المجرور أولى بالحذف. والأمثال: جمع مِثْل بكسر الميم وسكون المثلثة وهو النظير، أي نخلق ذوات مماثلة لذواتكم التي كانت في الدنيا ونودع فيها أرواحكم. وهذا يؤذن بأن الإِعادة عن عدم لا عن تفريق. وقد تردد في تعيين ذلك علماء السنة والكلام. ويجوز أن يفيد معنى التهديد بالاستئصال، أي لو شئنا استئصالكم لما أعجزتمونا فيكون إدماجاً للتهديد في أثناء الاستدلال ويكون من باب قوله تعالى: {أية : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد}تفسير : [إبراهيم: 19]. {وننشئكم} عطف على {نبدل}، أي ما نحن بمغلوبين على إنشائكم. وهذا العطف يحتمل أن يكون عطف مغاير بالذات فيكون إنشاؤهم شيئاً آخر غير تبديل أمثالهم، أي نحن قادرون على الأمرين جميعاً، فتبديل أمثالهم خلق أجساد أخرى تودع فيها الأرواح، وأما إنشاؤهم فهو نفخ الأرواح في الأجساد الميتة الكاملة وفي الأجساد البالية بعد إعادتها بجمع متفرقها أو بإنشاء أمثالها من ذواتها مثل: عَجب الذنب، وهذا إبطال لاستبعادهم البعث بعد استقرار صور شبهتهم الباعثة على إنكار البعث. ويحتمل أن يكون عطف مغاير بالوصف بأن يراد من قوله: {وننشئكم في ما لا تعلمون} الإِشارة إلى كيفية التبديل إشارة على وجه الإِبهام. وعطف بالواو دون الفاء لأنه بمفرده تصوير لقدرة الله تعالى وحكمته بعدما أفاده قوله: {أن نبدل أمثالكم} من إثبات أن الله قادر على البعث. و{ما} من قوله: {في ما لا تعلمون} صادقة على الكيفية، أو الهيئة التي يتكيّف بها الإنشاء، أي في كيفية لا تعلمونها إذ لم تحيطوا علماً بخفايا الخلقة. وهذا الإجمال جامع لجميع الصور التي يفرضها الإمكان في بعث الأجساد لإيداع الأرواح. والظرفية المستفادة من {في} ظرفية مجازية معناها قوة الملابسة الشبيهة بإحاطة الظرف بالمظروف كقوله: {أية : فعدلك في أي صورة ما شاء ركّبك}تفسير : [الانفطار: 7، 8]. ومعنى {لا تعلمون}: أنهم لا يعلمون تفاصيل تلك الأحوال.
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير {قَدَّرْنَا} بتشديد الدال، وقرأه ابن كثير بتخفيفها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، ويكون كل ذلك صحيحاً، وكله يشهد له قرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه الآية الكريمة. وإيضاح ذلك أن قوله {قَدَّرْنَا} وجهين من التفسير وفيما تتعلق به {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ} وجهان أيضاً، فقال بعض العلماء: وهو اختيار ابن جرير أن قوله {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} أي قدرنا لموتكم آجالاً مختلفة وأعماراً متفاوتة فمنكم من يموت صغيراً ومنكم من يموت شاباً، ومنكم من يموت شيخاً. وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى {أية : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ}تفسير : [الحج: 5] وقوله تعالى {أية : ثُمَّ لِتَكُـونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّـكُمْ تَعْقِلُونَ}تفسير : [غافر: 67] وقوله تعالى {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ}تفسير : [فاطر: 11] وقوله تعالى:{أية : وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ}تفسير : [المنافقون: 11] وقوله {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} أي ما نحن بمغلوبين، العرب تقول: سبقه على كذا أي غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه أي وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم فلا يقدر أحد أن يقدم أجلاً أخرناه ولا يؤخر أجلاً قدمناه. وهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}تفسير : [الاعراف: 34] وقوله تعالى{أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ}تفسير : [نوح: 4] الآية، وقوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}تفسير : [آل عمران: 145] إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول، فقوله تعالى: {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} ليس متعلقاً بمسبوقين بل بقوله تعالى: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} والمعنى: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم، أي نبدل من الذين ماتوا أمثالاً لهم نوجدهم. وعلى هذا، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ}تفسير : [الأنعام: 133] إلى غير ذلك من الآيات. وهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة قدرنا بالتشديد مناسبة لهذا الوجه، وكذلك لفظة بينكم. الوجه الثاني: أن قدرنا بمعنى قضينا وكتبنا أي كتبنا الموت وقدرناه على جميع الخلق، وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، وقوله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [آل عمران: 185]، وقوله تعالى: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفرقان: 58]، وعلى هذا القول فقوله: {عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ}: متعلق بمسبوقين أي ما نحن مغلوبين والمعنى وما نحن بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا فنحن قادرون على إهلاككم، ولا يوجد أحد يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلاً منكم. وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً}تفسير : [النساء: 133] وقوله تعالى: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ}تفسير : [الأنعام: 133]، وقوله تعالى:{أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}تفسير : [إبراهيم: 19-20] وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم}تفسير : [محمد: 38] وقد قدمنا هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} الآية، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، فيه للعلماء أقوال متقاربة. قال بعضهم: ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأن ننشئكم قردة وخنازير، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم. وقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات، فنغير صفاتكم ونجمل المؤمنين ببياض الوجوه، ونقبح الكافرين بسواد الوجوه وزرقة العيون. إلى غير ذلك من الأقوال.
د. أسعد حومد
تفسير : (60) - ثُمَّ يُقَرِّرُ لَهُم اللهُ تَعَالَى: أَنَّهُ هُوَ الذِي قَسَمَ المَوْتَ بَيْنَهُمْ، وَوَقَّتَ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِيقَاتٍ مُعَيَّنٍ، لاَ يَتَقَدَّمُ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ يَتَأَخَّرُ، وَاللهُ لاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. بِمَسْبُوقِينَ - بِعَاجِزِينَ أَوْ بِمَغْلُوبِينَ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ} [الآية: 60]. يعني: المتأَخر منكم والمستعجل. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: 61]. قال: في أَي خلق شاءَ. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} [الآية: 62]. يعني: إِذ لم تكونوا شيئاً. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} [الآية: 66]. قال: يقول: إِنا ملقون للشر {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [الآية: 67]. أَي محدودون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):