٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
62
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعاً لحصول المواد وتخصيص الاجزاء وسبق المثال، وفيه دليل على صحة القياس. {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تبذرون حبه . {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ } تنبتونه. {أَمْ نَحْنُ ٱلزرِعُونَ } المنبتون. {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً } هشيماً. {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه، أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه،والفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث، وقرىء «فَظَلْتُمْ» بالكسر و« فظللتم» على الأصل. { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام، وقرأ أبو بكر «أئنا لمغرمون» على الاستفهام. {بَلْ نَحْنُ } قوم. {مَحْرُومُونَ } حرمنا رزقنا، أو محدودون لا مجدودون. {أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ } أي العذب الصالح للشرب. {ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ } من السحاب واحده مزنة، وقيل {ٱلْمُزْنِ } السحاب الأبيض وماؤه أعذب. {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } بقدرتنا والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام. {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } ملحاً أو من الأجيج فإنه يحرق الفم، وحذف اللام الفاصلة بين جواب ما يتمحض للشرط وما يتضمن معناه لعلم السامع بمكانها، أو الاكتفاء بسبق ذكرها أو يختص ما يقصد لذاته ويكون أهم وفقده أصعب بمزيد التأكيد. {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } أمثال هذه النعم الضرورية. {أَفَرَءيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ } تقدحون. {ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ } يعني الشجرة التي منها الزناد. {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا } جعلنا نار الزناد. {تَذْكِرَةً } تبصرة في أمر البعث كما مر في سورة «يس»، أو في الظلام أو تذكيراً وأنموذجاً لنار جهنم. {وَمَتَـٰعاً } ومنفعة. {لّلْمُقْوِينَ } الذين ينزلون القواء وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام، من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها. {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته، أو للتعجب من أمرهم في غمط نعمه، أو للشكر على ما عدها من النعم. {فَلاَ أُقْسِمُ } إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم، أو فأقسم و «لا» مزيدة للتأكيد كما في {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ }تفسير : [الحديد: 29] أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام الابتداء، ويدل عليه قراءة {فَلاَ أُقْسِمُ } أو {فَلا } رد لكلام يخالف المقسم عليه. {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } بمساقطها، وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها ومجاريها. وقيل النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها، وقرأ حمزة والكسائي بموقع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ } بسكون الشين {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } فيه إدغام التاء الثانية في الأصل في الذال.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية، عطف عليه قوله مؤكداً تنبيهاً على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم منكرون لهذا العلم: {ولقد علمتم} أي أيها العرب {النشأة الأولى} الترابية لأبيه آدم عليه الصلاة والسلام: أو اللحمية لأمكم حواء عليها السلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا تراباً إلى ما كنتم عليه أولاً من الصورة؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله: {فلولا} أي فهلا ولم لا {تذكرون *} أي تذكراً عظيماً تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما - مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه غيب، وكذا بعض ما قيس به أن من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة، بل هي أهون في مجاري عاداتكم. ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات أعظم من علمهم بجميع ما مضى، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء بالجماع وإلقاء النطفة، ولذلك سميت المرأة حرثاً، وصل بما مضى مسبباً عنه قوله منكراً عليهم: {أفرأيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم {ما تحرثون *} أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر فيه. ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه، وكان القادر عليه قادراً على كل شيء، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته، كرر الإنكار عليهم فقال: {ءأنتم تزرعونه} أي تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه وتحفظونه إلى أن يصير مالاً {أم نحن} خاصة، وأكد لما مضى بذكر الخبر المعلوم من السياق فقال: {الزارعون *} أي المنبتون له والحافظون، فالآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريباً سواء. ولما كان الجواب قطعاً: أنت الفاعل لذلك وحدك؟ قال موضحاً لأنه ما زرعه غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما يفسده، ومن إذا أراد إفساده لم يقدر أحد على منعه {لو نشاء} أي لو عاملناكم بصفة العظمة، وأكد لأن فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية الاستبعاد لأن يهلك زرعهم كما زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم، فإنه الأصل في إقامة البدن والمشروب تبع له فقال: {لجعلناه} أي بتلك العظمة {حطاماً} أي مكسراً مفتتاً لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو حر مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به {فظلتم} أي فأمتم بسبب ذلك نهاراً في وقت الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم {تفكهون *} قال في القاموس: فكههم بملح الكلام: أطرفهم بها وفكه - كفرح فكهاً فهو فكه وفاكه: طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكم ومنه تعجب كتفكه، والتفاكه: التمازح، وتفكه: تندم: والأفكوكة: الأعجوبة، وقال ابن برجان: الفكه هو المتردد في القول الذاهب فيه كل مذهب - انتهى. فأقمتم دائماً تندمون على العاقكم أو معاصيكم التي سببت ذلك التلف أو تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل غيره كما تفعلون عند الأشياء السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة والملاءمة، ولهذا عبر عما المراد به الإقامة مع الدوام بـ{ظل} الذي معناه أقام نهاراً إشارة إلى ترك الأشغال التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من أكثر ما يهمه من الكلام لهذا النازل الأعظم، وحذف إحدى لامي ظل وتاء التفعل من تفكه إشارة إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال بقائهم الضعيف، وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط، إشارة إلى خلع القلب واختراق الجوف والقهر العظيم، فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل بوجه ولا على تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية إلى آماله ممن يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع، ورمبا كان ذلك إشارة إلى أنه عادته سبحانه قرب الفرج من شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكناً من الشكر لا عذر له في تركه، ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة عن قرب تيأسون أول ما يصدمكم البلاء، فتقبلون على كثرة الشكاية، ولا ينفعكم كثرة التجارب لإدرار النعم أبداً. ولما ذكر تفكههم، وكان التفكه يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى التنعم، قال الكسائي: هو من الأضداد، تقول العرب: تفكهت أي تنعمت، وتفكهت، أي حزنت، بين المراد بقوله حكاية لتفكههم: {إنا} وأكد إعلاماً بشدة بأسهم فقال {لمغرمون *} أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا، أو مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به، وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه، وهي منبهة على أنهم لشدة اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم، وعليه يدل إضرابهم: {بل نحن} أي خاصة {محرمون *} أي حرمنا غيرنا وهو من لا يرد قضاؤه، فلا حظ لنا في الاكتساب، فلو كان الزراع ممن له حظ لأفلح زرعه، قال في القاموس: الغرام: الولوع والشر الدائم والهلاك والعذاب، والغرامة ما يلزم أداؤه، وحرمه: منعه، والمحروم، الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال والمحارف - أي بفتح الراء - وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب، وقال الأصبهاني في تفسيره: والمحروم ضد المرزوق، أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو المحظوظ. ولما وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه، وقدمهم بشدة إليه، وكان ربما ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سبباً في الجملة، أتبعه التوقيف على قدرته على التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلاً، فقال مسبباً عما أفادهم هذا التنبيه مذكراً بنعمة الشرب الذي يحوج إليه الغذاء: {أفرءيتم} أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه مما مضى في المطعم وغيره، أفرأيتم {الماء} ولما كان منه ما لا يشرب، وكانت النعمة في المشروب أعظم، قال واصفاً له بما أغنى عن وصفه بالعذوبة، وبين موضع النعمة التي لا محيد عنها فقال: {الذي تشربون *} ولما كان عنصره في جهة العلو، قال منكراً عليهم مقرراً لهم: {أءنتم أنزلتموه} ولما كان الإنزال قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس، وكان السحاب من عادته المرور مع الريح لا يكاد يثبت، عبر بقوله تحقيقاً لجهة العلو وتوقيفاً على موضع النعمة في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به: {من المزن} أي السحاب المملوء الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي، وقال الأصبهاني، وقيل: السحاب الأبيض خاصة، وهو أعذب ماء {أم نحن} أي خاصة، وأكد بذكر الخبر وهو لا يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال: {المنزلون *} أي له، رحمة لكم وإحساناً إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر والجبروت وعدم المبالاة بشيء، والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين السابقتين سواء.
السلمي
تفسير : قال القاسم: ألم تعلموا أنَّا خلقناكم من تراب ثم من مضغة ثم من علقة ثم من ماء مهين أفلا تتعظون من هذه المواعظ وتبصرون إلى عجائب الصنع فيكم وتستحون من هذه الدعاوى والأمانى والإضافات وتلزمون الأدب فإن من تعدى دوره هتك ستره.
القشيري
تفسير : أي: أنتم أقررتم بالنشأة الأولى.. فهلاَّ تذكرَّون لتعلموا جَوَازَ الإعادة؛ إذ هي في معناها.
البقلي
تفسير : اى لقد ظهر انوار صفاتى فى مباشرة امرى فى اطوار فطرتكم الاولية ما رايتم تلك المشاهدات باسبالى ستور الغيره على عينكم وكيف ينفع العلم بصورة الافعال اذا لم يدرك لطائف اصطناعه ولم ير حقايق انواره هذا أدم بديع فطرته وخليفته ملكه ظهر التى منه ببديع الأيات وحقائق انوار الصفات خلقه من تراب ثم خلق ذريته من نطفه فباشر سر الحقيقة النطفة كما باشر التراب يا ليت لذريته لو عرفوا منشأه ومبدأه كما عرف أدم نفسه لكانوا عارفين بربهم بحقيقة العرفان لا برسم الادلة والبرهان قال القاسم لم تعلموا انا خلقناكم من تراب ثم من مضغة ثم من علقة من ماء مهين افلا تتعظون بهذه المواعظ وتبصرون الى عجايب الصنع فيكم وتستحبون من هذه الدعاوى والامانى والاضافات وتلزمون الادب فان من تعدى طوره هتك ستره.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد علمتم النشاة} اى الخلقة {الاولى} هى خلقتهم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وقيل هى فطرة آدم من التراب {فلولا تذكرون} فهلا تتذكرون ان من قدر عليها قدر على النشأ الاخرى حتما فانها اقل صنعا لحصول المواد وتخصص الاجزآء وسبق المثال شعر : آنكه مارا زخلوت تابود مى كشد تابجلوه كاه وجود بار ديكركه از سموم هلاك روى بوشيم زير برده خاك هم نواند بامر كن فيكون كارد از كوشه لحد بيرون تفسير : وفى الخبر عجبا كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الاولى وعجبا للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور وفى الآية دليل على صحة القياس حيث جهلهم فى ترك قياس النشأة الاخرى على الاولى وترك القياس اذا كان جهلا كان القياس علما وكل ما كان من قبيل العلم فهو صحيح (وفى المثنوى) شعر : مجتهد هركه كه باشد نص شناس اندر آن صورت نينديشد قياس جون نيايد نص اندر صورتى از قياس آنجا نمايد عبرتى اين قياسات وتحرى روزا بر نابشت مر قبله راكردست حبر ليك باخورشيد وكعبه بيش رو اين قياس واين تحرى مجو تفسير : ومنه يعلم بطلان قياس ابليس فانه قياس على خلاف الامر عنده وروده (كما قال فى المثنوى) شعر : اول آنكس كين قياسكها نمود بيش انوار خدا ابليس بود كفت نار ازخاك بى شك بهترست من زنار واوز خاك اكدرست بس قياس فرع براصلش كنيم او ز ظلمت مازنور روشنيم كفت حق نى بلكه لا انساب شد زهد وتقوى فضل را محراب شد تفسير : وفيه اشارة الى انا اذا قدرنا على انشاء النشأة الاولى البشرية الطبيعية الدنيوية مع عدم مادة من المواد الصفاتية فمن استعجز قدرة الله فقد كفر ألا ترى الى محرومى البداية مرزوقى النهاية مثل ابراهيم بن آدهم وفضيل بن عياض ومالك بن دينار وغيرهم قدس الله اسرارهم فان الله تعالى أنشأهم نشأة اخرى ولو بعد حين
الطوسي
تفسير : قرأ ابو بكر {أإنا لمغرمون} على الاستفهام. الباقون على الخبر. يقول الله تعالى مخاطبا للكفار الذين أنكروا النشأة الثانية، ومنبهاً لهم على قدرته عليها، فقال {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} وتفكرون وتعتبرون بأن من قدر عليها قدر على النشأة الثانية. والنشأة المرة من الانشاء، كالضربة من الضرب، والانشاء إيجاد الشيء من غير سبب يولده، ومثله الاختراع والابتداع. ثم نبههم على طريق غيره فقال {أفرأيتم ما تحرثون} من الزرع {أأنتم تزرعونه} أي أأنتم تنبتونه وتجعلونه رزقاً {أم نحن الزارعون} فان من قدر على إنبات الزرع من الحبة الحقيرة وجعلها حبوباً كثيرة قدر على إعادة الخلق إلى ما كانوا عليه. وقوله {لو نشاء لجعلناه} يعني ذات الزرع {حطاماً} أي هشيماً لا ينتفع به فى مطعم ولا غذاء لفعلنا. وقوله {فظلتم تفكهون} معناه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة - فى رواية عنه - تعجبون. وقال الحسن وقتادة - فى رواية - فظلتم تندمون أي لو جعلناه حطاماً لظلتم تندمون. والمعنى إنكم كنتم تتروحون إلى التندم، كما تتروح الفكه إلى الحديث بما يزيل الهم، وأصله التفكه تناول ضروب الفاكهة للأكل. وقوله {إنا لمغرمون} المغرم الذي ذهب ما له بغير عوض عنه. وأصله ذهاب المال بغير عوض، فمنه الغريم لذهاب ما له بالاحتباس على المدين من غير عوض منه فى الاحتباس، والغارم الذي عليه الدين الذي يطالبه به الغريم. ومنه قوله {أية : إن عذابها كان غراماً} تفسير : أي ملحاً دائماً كالحاح الغريم. وقال الحسن: هو من الغرم. وقال قتادة معنى {لمغرمون} لمعذبون، قال الاعشى: شعر : إن يعاقب يكن غراماً وإن يعـ ـط جزيلا فانه لا يبالي تفسير : أي يكن عقابه عذاباً ملحاً كالحاح الغريم. وقال الراجز: شعر : يوم النسار ويوم الجفار كانا عذابا وكانا غراماً تفسير : أي ملحاً كالحاح الغريم، وحذف يقولون إنا لمغرمون، لدلالة الحكاية. وقال: معنى لمغرمون محدودون عن الخط. وقال قتادة محارفون. وقال مجاهد - فى رواية أخرى - إنا لمولع بنا. وفى رواية غيره عنه معناه إنا لملقون فى الشر. ومن قرأ {أإنا لمغرمون} على الاستفهام حمل على أنهم يقرعون ويقولون منكرين. أإنا لمغرمون؟! ومن قرأ على الخبر حمله على أنهم مخبرون بذلك عن انفسهم. ثم يستدركون فيقولون لا {بل نحن محرومون} مبخوسون بحظوظنا محارفون بهلاك زرعنا. ثم قال لهم منبهاً على دلالة اخرى فقال {أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} والمعنى إنه تعالى امتن عليهم بما انعم عليهم من انزال الماء العذب {من المزن} يعني السحاب ليشربوه وينتفعوا به، فقال لهم {أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون} له عليكم نعمة منا عليكم ورحمة بكم. ثم قال {لو نشاء جعلناه أجاجاً} قال الفراء: الأجاج المر الشديد المرارة من الماء. وقال قوم: الاجاج الذي اشتدت ملوحته {فلولا تشكرون} أي فهلا تشكرون على هذه النعمة التي لا يقدر عليها غير الله، وعلمتم بذلك ان من قدر على ذلك قدر على النشأة الاخرى فانها لا تتعذر عليه كما لا يتعذر عليه هذه النعم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : إعلم أنّ من علم وتفطّن بصنعة الباري ومسلك عنايته وحكمته في وجود النشأة الأولى للإنسان، ومذهب طبيعته وقوى نفسه في التدرّج في الأحوال، والترقّي من صورة إلى صورة عند الاستكمال - حيث ابتدىء أوّلاً من تراب ثمّ من نطفة، ثمّ من ماء مهين، ثمّ كان علقة جامدة في قرار مكين، ثمّ كان مضغة مخلّقة، ثمّ كان جنينا مصوّراً تامّا، ثمّ كان طفلاً متحرّكا حسّاسا، ثمّ كان صبيّا ذكيّا فهيماً، ثمّ شابّاً متصرفّاً قويّاً نشيطاً، ثم كان كهلاً مجرّبا، ثمّ كان شيخاً كاملاً إمّا في الحكمة والمعرفة فيكون حكيما أو وليّا من أولياء الله، ثمّ بعد الموت يكون مَلَكا سماويّا أو من الملائكة المقرّبين، أو في المكر والجربزة فيكون محتالاً مكّاراً عدوّا للدين من أعداء الله، ثمّ يكون بعد الموت شيطاناً مريداً لعنه الله، محشوراً في حزب الشياطين وأصحاب النار، وإمّا في طلب اللذّات الحسيّة من الشهوة والغضب، فيكون إمّا ظالماً محشوراً بعد الموت في صورة السباع والحيّات، أو فاجراً محشوراً في صورة البهائم والحشرات، فيعلم يقينا أنّ للانسان نشأة أخرى فوق هذه النشأة الأولى، بل الدنيا والآخرة واقعتان تحت جنس المضاف بحسب المفهوم، فتعقّل كلّ منهما وتذكّره يستلزم تعقّل الأخرى وتذكّرها. فإنّ الدنيا عبارة عن حالتك القريبة قبل الموت، والآخرة عن حالتك البعيدة بعد هذه الحياة، فكلّ منها مقيسة إلى الأخرى ومضافة إليها. وكما أنّ للإنسان أطواراً متفاوتة في الدنيا - بعضها فوق بعض -، كذلك له مواطن وأطوار متفاوتة في الآخرة، بعضها صوريّة وبعضها معنويّة، يسافر في مواطن الآخرة، وتتوارد عليه الأمثال، وتتعاقب له الأحوال، مثل: العَرْض والحساب والميزان والكتاب والصراط والأعراف والجنّة والنار. ويحتمل أن يكون المراد: إنّك يا إنسان، لمَا علّمتك نشأتك الدنيوية، وحالتك الدنيّة الأولى التي قد وقعت لك فيها الانتقالات من رتبة إلى رتبة فوقها، فكنت أوّلاً جماداً، ثمّ نباتا، ثمّ حيوانا، ثمّ بشراً سويّا سميعا بصيرا متفكّراً، ولم تنتقل من رتبة من هذه المراتب إلاّ وقد خلعت عنك صورة خسيسة وأعراض ناقصة، وألبست ما هو أجود منها وأشرف، فكذلك ينبغي لك ويجب عليك أن لا تتوانى عن استعمال القوّة العاقلة التي هي آخر ما حصل لك في هذه النشأة، في تذكّر أمور الآخرة، وأنّ الغايات كانت بازاء البدايات، ومعرفة من منه الابتداء وإليه الرجوع للكلّ. فلا ترقى درجة العلوم والمعارف، إلاّ وتخلع عن نفسك أخلاقاً وعادات وأعمالاً كنت معتاداً عليها منذ الصّبا من غير بصيرة ولا رويّة، حتّى يمكن أن تفارق هذه الصورة البشريّة، وتلبس لباس الأخيار وتتصوّر بصور الملائكة ويمكنك الصعود إلى المنازل العالية، والترقّي إلى المراتب الجنانيّة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقا. وقرئ: النشأة والنشاءة. وفي الكشّاف: إنّ في هذه الآية دليلاً على صحّة القياس، حيث جهّلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى. ولا يخفى أنّ هذا ليس من باب القياس، فإنّه من باب ملاحظة النهايات من البدايات، والاستدلال من ذوي الغايات على غايتها تؤول إليها، فكما أنّ النشأة النباتيّة غاية النشأة الجماديّة، والحيوانيّة غاية النباتيّة، والحياة العقليّة غاية الحياة الحسيّة وكمالها، فكذلك النشأة الأخرى غاية النشأة الأولى. فمَن نظر إلى ترتيب الأمور، وتفاوت الموجودات في مراتب الشرف والخسّة، والكمال والنقص، ووجد أنّ لكل ناقص خسيس توّجها غريزيّا إلى ما هو أقرب منه إلى الشرف والكمال، ثم نظر إلى حال الإنسان فوجد أنّ له انتقالات من صورة إلى صورة فوقها، واستحالات من صفة إلى صفة يعلم علما يقينيّا أنّ له نشأة ثانية باقية يقع له فيها الرجوع إلى موجد الكلّ وغاية الجميع. وهذا استلال برهاني ومسلك شريف جدّا، فإنّ الله تعالى قد ذكره ونبَّه عليه في مواضع كثيرة تعليما لعباده: منها ما قال في سورة الحج: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ}تفسير : [الحج:5] - إلى قوله - {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ} تفسير : [الحج:5] ثم قال: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الحج:6 - 7]. وقال في سورة المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون:15 - 16]. وقال في سورة لا أقسم: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} تفسير : [القيامة:37 - 38]. وقال في سورة الطارق {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} تفسير : [الطارق:5] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ} تفسير : [الطارق:8]. فهذا المسلك في معرفة المعاد، ليس قياساً فقهيّا كما توهّم، إذ القياس الفقهيّ من أضعف الأدلة وممّا لا يفيد إلاّ ظنّا ضعيفا. ثمّ القياس على تقدير صحّته إنّما يصحّ في العمليّات، إذ الغرض فيها مجرّد العمل - دون الاعتقاد - فكفى فيه الترجيح بالاجتهاد، وأمّا العقايد الحقة الدينيّة - سيّما معرفة المبدأ والمعاد - فيجب على كلّ مكلّف تحصيل اليقين فيها ولا يكفي الظنّ. وقد ذمّ الله تعالى أهل الظنّ والتخمين في قوله: {أية : وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [يونس:36].
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} اى النّشأة الدّنيا وتبديلنا للنّبات بنباتٍ آخر وانشاء النّبات فى نشأة الحيوان والانسان وتبديل الحيوان وانشائه فى عالم الدّنيا وتبديلنا للنّبات بنباتٍ آخر وانشاء النّبات فى نشأة الحيوان والانسان وتبديل الحيوان وانشائه فى عالم حيوانٍ آخر او انسانٍ، وتبديل النّطفة من صورةٍ الى صورةٍ ومن مقامٍ الى مقامٍ ومن حالٍ الى حالٍ وكلّما طرأ عليها من الاحوال والصّور كان اعلى واشرف من سابقه، وانّ الدّنيا ليست الا كالرّحم للجنين، وانّ نقل الجنين من الرّحم الى الدّنيا ليس الاّ النّقل من السّجن الى فسحة وسيعة {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} نقلكم من الدّنيا الى الآخرة ولولا تذكّرون؟! انّ هذا النّقل ايضاً ليس الاّ النّقل من السّجن الى فسحة عظيمةٍ وسيعةٍ فلولا تذكّرون؟! انّه كما يكون نقل الجنين الى الدّنيا استكمالاً له بكثيرٍ من الكمالات الّتى لا يمكن تحصيلها له فى الرّحم كذلك يكون نقل جنين الدّنيا من رحم الدّنيا الى الآخرة استكمالاً بكثير من الكمالات الّتى لا يمكن تحصيلها له فى الدّنيا، ولولا تذكّرون؟! انّ عالم الآخرة نسبته الى الدّنيا مثل نسبة الدّنيا الى الرّحم بل فوق ذلك، ولقد علمتم النّشأة الاولى وكونكم فى الدّنيا واتّصالكم بالآخرة فى النّوم الّذى هو اخو الموت وشهودكم لعالم المثال كلّ يومٍ مرّة او مرّتين، واطلاقكم من قبوركم الّتى يتعسّر عليكم طىّ الزّمان والمكان معها وطيّكم للزّمان وشهود ما يأتى وطيّكم للمكان وشهود الوقائع الواقعة فى الامكنة البعيدة فلولا تذكّرون؟! انّ الموت ان لم يكن اشدّ من النّوم فى ذلك لم يكن انقص منه فتشتاقوا الى هذا الاطلاق، وطىّ الزّمان والمكان وشهود ما يأتى وشهود ما لم يكن فى مكانك وبلدتك، عن السّجّاد (ع) العجب كلّ العجب لمن انكر النّشأة الاخرى وهو يرى النّشأة الاولى.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ} أي الانشاءة فهو اسم مصدر بمعنى الخلق أو مصدر الثلاثي على لغة تعدية {الأُولَى} وهو الايجاد الاول الذي أقروا به ففي ذلك اثبات للنشآت الاخرى فإن من قدر على الخلق اولا يقدر عليه ثانيا واثبات لصحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس الاخرى على الاولى والمراد بالاولى خلق آدم وغيره وقيل خلق آدم وقرىء بفتح الشين. {فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ} حضهم على التذكر ليؤمنوا بالبعث فإن من تذكر الاولى انتبه والاصل تتذكرون أبدل التاء الثانية ذالا وادغمها في الذال.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى} من نطفة ثم علقة ثم مضغة الخ وقيل: نميت طائفة ونخلق أُخرى، وقيل فطرة آدم عليه السلام من التراب ولا ينكرها أحد فيما قيل. {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} إِن من قدر على ذلك قادر على إِحياء الموتى أبدلت التاء ذالا وأدغمت فى الذال والآية دليل لإِثبات القياس وكذلك أمثالها فى القرآن ولا سيما مع ذكر التذكر، كما هنا إِذا قدر على الصعب فأَولى أن يقدر على السهل، وهذا البادى الرأى وأما عند الله، فالأَشياء عند الله تعالى سواء، ومن قال إِن بعض الأَشياء أسهل من بعض على الله عز وجل فقد أشرك لأَنه نسبه إِلى العجز {أَفَرَأَيْتُم} أتذكرتم فرأيتم {مَّا تَحْرُثُونَ} ما تلقون فى الأَرض من البذور {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ} تنبتونه وتنمونه وتثمرونه {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} قال أبو هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا يقولن أحدكم زرعت ولكن ليقل حرثت"تفسير : ، ثم قال أبو هريرة ألم تعلموا أن الله تعالى يقول أفرأيتم ما تحرثون الآية. رواه الطبرى وغيره ويستحب للزارع أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقرأ الآية ويقول الله تعالى الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صل على سيدنا محمد وارزقنا ثمره وجنبنا ضرره واجعلنا لأَنعمك من الشاكرين. قاله الطبرى بلفظه وقد ظفرت بنسخة من تفسيره بخط اليد المشرقى، وفيه دليل على أن النهى فى الحديث عن أن يسمى غير الله زارعاً ليس تحريما لمن عرف المراد الشرعى وقد استعمل هذا الدعاء لدفع آفات الزرع كلها وإِنتاجه فانتفع به، ولا يقال لما فى القرآن والحديث جربته أو جربه أحد أو هو ذلك، ذكر الله عز وجل المأكول أولا لأَنه الغداء وأتبعه المشروب لأَن به الاستمرار والانهضام وبه يدخل العروق، كما قيل إِن الماء مركب للطعام ثم ذكر النار لأَن بها إِصلاح الطعام وذكر من الطعام الحب لأَنه الأَصل العام وهو قبل التمر ومن المشروب الماء لأَنه الأَصل ولا يغنى عنه سائر المشروب والماء تبع للطعام وذكر النار لأَن بها إصلاح أكثر الأَغذية.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأَولَىٰ } من خلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة؛ وقال قتادة: هي فطرة آدم عليه السلام من التراب ولا ينكرها أحد من ولده {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } فهلا تتذكرون أن من قدر عليها فهو على النشأة الأخرى أقدر وأقدر فإنها أقل صنعاً لحصول المواد وتخصيص الأجزاء وسبق المثال. وهذا ـ على ما قالوا ـ دليل على صحة القياس لكن قيل: لا يدل إلا على قياس الأولى لأنه الذي في الآية. وفي الخبر ( حديث : عجباً كل العجب للمكذب بالنشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى، وعجباً للمصدق بالنشأة الآخرة وهو يسعى لدار الغرور ) تفسير : . وقرأ طلحة (تذكرون) بالتخفيف وضم الكاف.
ابن عاشور
تفسير : أعقب دليل إمكان البعث المستند للتنبيه على صلاحية القدرة الإِلهية لذلك ولسد منافذ الشبهة بدليل من قياس التمثيل، وهو تشبيه النشأة الثانية بالنشأة الأولى المعلومة عندهم بالضرورة، فنبهوا ليقيسوا عليها النشأة الثانية في أنها إنشاء من أثر قدرة الله وعلمه، وفي أنهم لا يحيطون علماً بدقائق حصولها. فالعلم المنفي في قوله: {أية : فيما لا تعلمون}تفسير : [الواقعة: 61]، هو العلم التفصيلي، والعلم المثبت في قوله: {ولقد علمتم النشأة الأولى} هو العلم الإجمالي، والإجمالي كافٍ في الدلالة على التفصيلي إذ لا أثر للتفصيل في الاعتقاد. وفي المقابلة بين قوله: {أية : في ما لا تعلمون}تفسير : [الواقعة: 61] بقوله: {ولقد علمتم} محسّن الطباق. ولما كان علمهم بالنشأة الأولى كافياً لهم في إبطال إحالتهم النشأة الثانية رتب عليه من التوبيخ ما لم يرتب مثله على قوله: {أية : وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون}تفسير : [الواقعة: 60، 61] فقال: {فلولا تذكرون}، أي هلا تذكرتم بذلك فأمسكتم عن الجحد، وهذا تجهيل لهم في تركهم قياس الأشباه على أشباهها، ومثله قوله آنفاً: {أية : نحن خلقناكم فلولا تُصَدِّقون}تفسير : [الواقعة: 57]. وجيء بالمضارع في قوله: {تذكرون} للتنبيه على أن باب التذكر مفتوح فإن فاتهم التذكر فيما مضى فليتداركوه الآن. وقرأ الجمهور {النشأة} بسكون الشين تليها همزة مفتوحة مصدر نشأ على وزن المرة وهي مرة للجنس. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده بفتح الشين بعدها ألف تليها همزة، وهو مصدر على وزن الفَعَالة على غير قياس، وقد تقدم في سورة العنكبوت.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 62- ولقد أيقنتم أن الله أنشأكم النشأة الأولى، فهلا تتذكرون أن مَن قدر عليها فهو على النشأة الأخرى أقدر؟ 63، 64- أفرأيتم ما تبذرونه من الحب فى الأرض؟ أأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون له وحدنا؟. 65، 66، 67- لو نشاء لصيَّرنا هذا النبات هشيماً متكسراً قبل أن يبلغ نضجه فلا تزالون تتعجبون من سوء ما أصابه قائلين: إنا لملزمون الغرم بعد جهدنا فيه. بل نحن سيئو الحظ، محرومون من الرزق. 68، 69- أفرأيتم الماء العذب الذى تشربون منه، أأنتم أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون له رحمة بكم؟ 70- لو نشاء صيَّرناه مالحاً لا يساغ، فهلا تشكرون الله أن جعله عذباً سائغاً؟. 71، 72- أفرأيتم النار التى توقدون؟ أأنتم أنبتم شجرتها وأودعتم فيها النار أم نحن المنشئون لها كذلك؟. 73- نحن جعلنا هذه النار تذكيراً لنار جهنم عند رؤيتها، ومنفعة للنازلين بالقفر ينتفعون بها فى طهو طعامهم وتدفئتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (62) - وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللهَ أَنْشَأَكُمْ مِنْ عَدَم بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُونُوا شَيئاً، فَخَلَقَكُمْ وَجَعَلَ لَكُم السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ، فَهَلاَّ تَتَذَكَّرُونَ، وَتَعْرِفُونَ أَنَّ الذِي قَدَرَ عَلَى إِنْشَاءِ النَّشْأَةِ الأُولَى قَادِرٌ عَلَى النَّشْأَةِ الأُخْرَى، وَهِيَ البَعْثُ وَالإِعَادَةُ، وَالإِعَادَةُ أَسْهَلُ مِنَ الابْتِدَاءِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):