Verse. 5042 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

اَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُوْنَ۝۶۳ۭ
Afaraaytum ma tahruthoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفرأيتم ما تحرثون» تثيرون في الأرض وتلقون البذر فيها.

63

Tafseer

الرازي

تفسير : ذكر بعد دليل الخلق دليل الرزق فقوله: {أَفَرَأيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } إشارة إلى دليل الخلق وبه الابتداء، وقوله: {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } إشارة إلى دليل الرزق وبه البقاء، وذكر أموراً ثلاثة المأكول، والمشروب، وما به إصلاح المأكول، ورتبه ترتيباً فذكر المأكول أولاً لأنه هو الغذاء، ثم المشروب لأن به الاستمراء، ثم النار للتي بها الإصلاح وذكر من كل نوع ما هو الأصل، فذكر من المأكول الحب فإنه هو الأصل، ومن المشروب الماء لأنه هو الأصل، وذكر من المصلحات النار لأن بها إصلاح أكثر الأغذية وأعمها، ودخل في كل واحد منها ما هو دونه، هذا هو الترتيب، وأما التفسير فنقول: الفرق بين الحرث والزرع هو أن الحرث أوائل الزرع ومقدماته من كراب الأرض، وإلقاء البذر، وسقي المبذور، والزرع هو آخر الحرث من خروج النبات واستغلاظه واستوائه على الساق، فقوله: {أَفَرَأيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } أي ما تبتدئون منه من الأعمال أأنتم تبلغونها المقصود أم الله؟ ولا يشك أحد في أن إيجاد الحب في السنبلة ليس بفعل الناس، وليس بفعلهم إن كان سوى إلقاء البذر والسقي، فإن قيل: هذا يدل على أن الله هو الزارع، فكيف قال تعالى: {أية : يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } تفسير : [الفتح: 29] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الزرع للزارع» تفسير : قلنا قد ثبت من التفسير أن الحرث متصل بالزرع، فالحرث أوائل الزرع، والزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر، لكن قوله: {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } بدلاً عن قوله: يعجب الحراث، يدل على أن الحارث إذا كان هو المبتدي، فربما يتعجب بما يترتب على فعله من خروج النبات والزارع لما كان هو المنتهي، ولا يعجبه إلا شيء عظيم، فقال: {يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ } الذين تعودوا أخذ الحراث، فما ظنك بإعجابه الحراث، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الزرع للزارع» تفسير : فيه فائدة، لأنه لو قال: للحارث فمن ابتدأ بعمل الزرع وأتى بكراب الأرض وتسويتها يصير حارثاً، وذلك قبل إلقاء البذرة لزرع لمن أتى بالأمر المتأخر وهو إلقاء البذر، أي من له البذر على مذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى عليه وهذا أظهر، لأنه بمجرد الإلقاء في الأرض يجعل الزرع للملقى سواء كان مالكاً أو غاصباً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} هذه حجة أخرى؛ أي أخبروني عما تحرثون من أرضكم فتطرحون فيها البَذر، أنتم تنبتونه وتحصّلونه زرعاً فيكون فيه السُّنْبل والحبّ أم نحن نفعل ذلك؟ وإنما منكم البذر وشّق الأرض، فإذا أقررتم بأن إخراج السُّنْبل من الحبّ ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟! وأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى؛ لأن الحرث فعلهم ويجري على ٱختيارهم، والزرع من فعل الله تعالى وينبت على ٱختياره لا على ٱختيارهم. وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يقولنّ أحدكم زرعتُ وليقلْ حرثتُ فإن الزارع هو الله» تفسير : قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}. والمستحب لكل من يُلقي البذر في الأرض أن يقرأ بعد الاستعاذة {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} الآية، ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صلّ على محمد، وٱرزقنا ثمره، وجنّبنا ضرره، وٱجعلنا لأنعمك من الشاكرين، ولآلائك من الذاكرين، وبارك لنا فيه يا ربّ العالمين. ويقال: إن هذا القول أمان لذلك الزرع من جميع الآفات: الدود والجراد وغير ذلك؛ سمعناه من ثقة وجُرِّب فوُجِد كذلك. ومعنى {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي تجعلونه زرعاً. وقد يقال: فلان زرّاع كما يقال حراث؛ أي يفعل ما يؤول إلى أن يكون زرعاً يعجب الزرّاع. وقد يطلق لفظ الزرع على بذر الأرض وتكريبها تجوُّزاً. قلت: فهو نهى إرشاد وأدب لا نهي حظر وإيجاب؛ ومنه قوله عليه السلام: «حديث : لا يقولنَّ أحدكم عبدي وأمتي وليقل غلامي وجاريتي وفَتاي وفَتاتي» تفسير : وقد مضى في «يوسف» القول فيه. وقد بالغ بعض العلماء فقال: لا يقل حرثت فأصبت، بل يقل: أعانني الله فحرثت، وأعطاني بفضله ما أصبت. قال الماوردي: وتتضمن هذه الآية أمرين؛ أحدهما ـ الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني ـ البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وٱنتقاله إلى ٱستواء حاله من العَفَن والتتريب حتى صار زرعاً أخضر، ثم جعله قويًّا مشتدًّا أضعاف ما كان عليه؛ فهو بإعادة من أمات أخفّ عليه وأقدر؛ وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفِطر السليمة. ثم قال {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي متكسراً يعني الزرع. والحُطام الهشيم الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء؛ فنبه بذلك أيضاً على أمرين: أحدهما ـ ما أولاهم به من النِّعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه. الثاني ـ ليعتبروا بذلك في أنفسهم؛ كما أنه يجعل الزرع حطاماً إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا. {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي تعجبون بذهابها وتندمون مما حل بكم؛ قاله الحسن وقتادة وغيرهم. وفي الصحاح: وتفكّه أي تعجّب، ويقال: تندّم، قال الله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي تندمون. وتفكهت بالشيء تمتعت به. وقال يمان: تندمون على نفقاتكم؛ دليله: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا} تفسير : [الكهف:42]. وقال عِكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت عقوبتكم حتى نالتكم في زرعكم. ٱبن كَيْسان: تحزنون؛ والمعنى متقارب. وفيه لغتان: تفَكَّهون وتَفَكَّنُون: قال الفراء: والنون لغة عُكْل. وفي الصحاح: التفكّن التندّم على ما فات. وقيل: التفكّه التكلم فيما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح فُكَاهة بالضم؛ فأما الفَكاهة بالفتح فمصدر فكِه الرجلُ بالكسر فهو فَكِهٌ إذا كان طيِّب النفس مَزَّاحاً. وقراءة العامة «فَظَلْتُمْ» بفتح الظاء. وقرأ عبد الله «فَظِلْتمْ» بكسر الظاء ورواها هارون عن حسين عن أبي بكر. فمن فتح فعلى الأصل، والأصل ظَلَلتُمْ فحذف اللام الأولى تخفيفاً، ومن كسر نقل كسرة اللام الأولى إلى الظاء ثم حذفها. {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} وقرأ أبو بكر والمفضَّل «أَئِنَّا» بهمزتين على الاستفهام، ورواه عاصم عن زِرّ بن حُبَيش. الباقون بهمزة واحدة على الخبر؛ أي يقولون {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي معذبون؛ عن ٱبن عباس وقَتَادة قالا: والغرام العذاب؛ ومنه قول ٱبن المحلِّم:شعر : وثقت بأن الحفظ منّي سجيّةٌ وأن فؤادي مُتْبَلٌ بك مغرمُ تفسير : وقال مجاهد وعِكرمة: لمولع بنا؛ ومنه قول النَّمِر بن تَوْلَب:شعر : سَلاَ عن تَذكُّره تُكْتَمَا وكان رَهيناً بها مُغْرَمَا تفسير : يقال: أغرم فلان بفلانة، أي أولع بها ومنه الغرام وهو الشر اللازم. وقال مجاهد أيضاً: لملقون شرًّا. وقال مقاتل بن حيان: مهلكون. النحاس: «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ» مأخوذ من الغَرَام وهو الهلاك؛ كما قال:شعر : يومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا رِ كَانَا عَذَاباً وكانَا غَرَامَا تفسير : الضحاك وابن كيسان: هو من الغُرْم، والمُغْرَم الذي ذهب ماله بغير عوض؛ أي غِرمنا الحَبّ الذي بذرناه. وقال مُرَّة الهَمْداني: محاسبون. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي حرمنا ما طلبنا من الريع. والمحروم الممنوع من الرزق. والمحروم ضد المرزوق وهو المحارِف في قول قتادة. وعن أنس: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مرّ بأرض الأنصار فقال:«ما يمنعكم من الحرث» قالوا: الجدوبة؛ فقال: «لا تفعلوا فإن الله تعالى يقول أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» تفسير : ثم تلا {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}. قلت: وفي هذا الخبر والحديث الذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزارع في أسماء الله سبحانه، وأباه الجمهور من العلماء، وقد ذكرنا ذلك في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ}؟ وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها {أَءَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ}؟ أي: تنبتونه في الأرض {أَمْ نَحْنُ ٱلزَٰرِعُونَ} أي: بل نحن الذين نقره قراره، وننبته في الأرض. قال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تقولن: زرعت، ولكن قل: حرثت» تفسير : قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَءَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَٰرِعُونَ }؟ ورواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم عن مسلم الجرمي به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن عطاء عن أبي عبد الرحمن: لا تقولوا: زرعنا، ولكن قولوا: حرثنا. وروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ: { أَءَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَٰرِعُونَ} وأمثالها، يقول: بل أنت يا رب. وقوله تعالى: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً} أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم رحمة بكم، بل ولو نشاء لجعلناه حطاماً، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} ثم فسر ذلك بقوله: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } أي: لو جعلناه حطاماً، لظللتم تفكهون في المقالة؛ تنوعون كلامكم، فتقولون تارة إنا لمغرمون، أي: لملقون، وقال مجاهد وعكرمة: إنا لموقع بنا. وقال قتادة: معذبون، وتارة يقولون: بل نحن محرومون. وقال مجاهد أيضاً: إنا لمغرمون: ملقون للشر، أي: بل نحن محارفون، قاله قتادة، أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح، وقال مجاهد: بل نحن محرومون، أي: مجدودون، يعني: لا حظ لنا، وقال ابن عباس ومجاهد: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}: تعجبون. وقال مجاهد أيضاً: فظلتم تفكهون: تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم، وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم، وهذا اختيار ابن جرير. وقال عكرمة: فظلتم تفكهون: تلاومون، وقال الحسن وقتادة والسدي: فظلتم تفكهون: تندمون، ومعناه: إما على ما أنفقتم، أو على ما أسلفتم من الذنوب، قال الكسائي: تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت بمعنى: تنعمت، وتفكهت بمعنى: حزنت. ثم قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ أَءَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} يعني: السحاب، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} يقول: بل نحن المنزلون {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً} أي: زعافاً مراً لا يصلح لشرب ولا زرع {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذباً زلالاً {أية : لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَـٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [النحل: 10 ــــ 11]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فضيل بن مرزوق عن جابر عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا شرب الماء قال: «حديث : الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا» تفسير : ثم قال: { أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ} أي: تقدحون من الزناد، وتستخرجونها من أصلها { أَءَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها. وللعرب شجرتان إحداهما المرخ، والأخرى العفار، إذا أخذ منهما غصنان أخضران، فحك أحدهما بالآخر، تناثر من بينهما شرر النار. وقوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً} قال مجاهد وقتادة: أي: تذكر النار الكبرى، قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا قوم ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» تفسير : قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: «حديث : إنها قد ضربت بالماء ضربتين ــــ أو مرتين ــــ حتى يستنفع بها بنو آدم، ويدنوا منها» تفسير : وهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده فقال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك، ما جعل الله فيها منفعة لأحد» تفسير : وقال الإمام مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» تفسير : فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: «حديث : إنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً» تفسير : رواه البخاري من حديث مالك، ومسلم من حديث أبي الزناد. ورواه مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به، وفي لفظ «حديث : والذي نفسي بيده لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها» تفسير : وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا معن بن عيسى القزار عن مالك عن عمه أبي سهل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سواداً من ناركم هذه بسبعين ضعفاً» تفسير : قال الضياء المقدسي: وقد رواه أبو مصعب عن مالك، ولم يرفعه، وهو عندي على شرط الصحيح. وقوله تعالى: {وَمَتَـٰعاً لِّلْمُقْوِينَ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والنضر بن عربي: يعني بالمقوين: المسافرين، واختاره ابن جرير وقال: ومنه قولهم: أقوت الدار، إذا رحل أهلها، وقال غيره: القي والقواء: القفر الخالي البعيد من العمران. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقوي ههنا: الجائع، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ومتاعاً للمقوين: للحاضر والمسافر، لكل طعام لا يصلحه إلا النار، وكذا روى سفيان عن جابر الجعفي عن مجاهد، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قوله: للمقوين، يعني: المستمتعين من الناس أجمعين، وكذا ذكر عن عكرمة، وهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير الجميع محتاجون إليها للطبخ والاصطلاء والإضاءة وغير ذلك من المنافع، ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى وأوقد ناره فأطبخ بها، واصطلى بها، واشتوى، واستأنس بها، وانتفع بها سائر الانتفاعات، لهذا أفرد المسافرين، وإن كان ذلك عاماً في حق الناس كلهم. وقد يستدل له بما رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعي الشامي عن رجل من المهاجرين من قرن: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المسلمون شركاء في ثلاثة: النار والكلأ والماء» تفسير : وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ثلاث لا يمنعن: الماء والكلأ والنار» تفسير : وله من حديث ابن عباس مرفوعاً مثل هذا وزيادة: وثمنه حرام، ولكن في إسناده عبد الله بن خراش بن حوشب، وهو ضعيف، والله أعلم. وقوله تعالى: { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء الزلال العذب البارد، ولو شاء لجعله ملحاً أجاجاً كالبحار المغرقة، وخلق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزجراً لهم في المعاد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تثيرون في الأرض وتلقون البذر فيها.

الماوردي

تفسير : {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَحْرُثُونَ} الآية. فأضاف الحرث إليهم والزرع إليه تعالى لأن الحرث فعلهم ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله وينبت على إختياره لا على إختيارهم، وكذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُم زَرَعْتُ وَلَكِن لِيَقُلْ حَرَثْتُ ". تفسير : وتتضمن هذه الآية أمرين: أحدهما: الإمتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني: البرهان الموجب للإعتبار بأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذوره وإنتقاله إلى إستواء حاله، [من العفن إلى الترتيب] حتى صار زرعاً أخضر، ثم جعله قوياً مشتداً أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من مات أحق وعليه أقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السليمة. ثم قول تعالى {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} يعني الزرع، والحطام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به، فنبه بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه. الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم، كما أنه يجعل الرزع حطاماً إذا شاء كذلك يهلكهم إذا شاء ليتعظوا فينزجروا. {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} بعد مصير الزرع حطاماً، وفيه أربعة أوجه: أحدها: تندمون، وهو قول الحسن وقتادة، ويقال إنها لغة عكل وتميم. الثاني: تحزنون، قاله ابن كيسان. الثالث: تلاومون، قاله عكرمة. الرابع: تعجبون، قاله ابن عباس. وإذا نالكم هذا في هلاك زرعكم كان ما ينالكم في هلاك أنفسكم أعظم. {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لمعذبون، قاله قتادة، ومنه قول ابن المحلم: شعر : وثقت بأن الحفظ مني سجية وأن فؤادي مبتلى بك مغرم تفسير : الثاني: مولع بنا، قاله عكرمة، ومنه قول النمر بن تولب: شعر : سلا عن تذكره تكتما وكان رهيناً بها مغرماً تفسير : أي مولع. الثالث: محرومون من الحظ، قاله مجاهد، ومنه قول الشاعر: شعر : يوم النسار ويوم الجفا ركانا عذاباً وكانا غراماً تفسير : {أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} أي تستخرجون بزنادكم من شجر أو حديد أو حجر، ومنه قول الشاعر: شعر : فإن النــار بالزنديـن تـورى وإن الشــر يقـدمـه الـكلام تفسير : {ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} أي أخذتم أصلها. {أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} يعني المحدثون. {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} فيه وجهان: أحدهما: تذكرة لنار [الآخرة] الكبرى، قاله قتادة. الثاني: تبصرة للناس من الظلام، قاله مجاهد. {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوينَ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: منفعة للمسافرين قاله الضحاك، قال الفراء: إنما يقال للمسافرين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. الثاني: المستمتعين من حاضر ومسافر، قاله مجاهد. الثالث: للجائعين في إصلاح طعامهم، قاله ابن زيد. الرابع: الضعفاء والمساكين، مأخوذ من قولهم قد أقوت الدار إذا خلت من أهلها، حكاه ابن عيسى. والعرب تقول قد أقوى الرجل إذا ذهب ماله، قال النابغة: شعر : يقوى بها الركب حتى ما يكون لهم إلا الزناد وقدح القوم مقتبس تفسير : الخامس: أن المقوي الكثير المال، مأخوذ من القوة فيستمتع بها الغني والفقير.

ابن عطية

تفسير : وقف تعالى الكفار على أمر الزرع الذي هو قوام العيش، وبين لكل مفطور أن الحراث الذي يثير الأرض ويفرق الحب ليس يفعل في نبات الزرع شيء، وقد يسمى الإنسان زارعاً، ومنه قوله عز وجل: {أية : يعجب الزراع} تفسير : [الفتح: 29] لكن معنى هذه الآية: {أأنتم تزرعونه} زرعاً يتم {أم نحن}. وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا تقولن زرعت، ولكن قل حرثت" تفسير : ،ثم تلا أبو هريرة هذه الآية. والحطام: اليابس المتفتت من النبات الصائر إلى ذهاب، وبه شبه حطام الدنيا. وقيل المعنى: نبتاً لا قمح فيه و: {تفكهون} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة معناه: تعجبون، وقال عكرمة: تلامون. وقال الحسن معناه: تندمون وقال ابن زيد: تتفجهون، وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظ، هو: تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي المسرة والجدل، ورجل فكه إذا كان منبسط النفس غير مكترث بالشيء، وتفكه من أخوات تحرج وتحوب. وقرأ الجمهور: "فظَلتم" بفتح الظاء، وروى سفيان الثوري في قراءة عبد الله كسر الظاء. قال أبو حاتم: طرحت عليها حركة اللام المجزومة، وذلك رديء في القياس، وهي قراءة أبو حيوة. وروى أحمد بن موسى: "فظلَلتم" بلامين، الأولى مفتوحة عن الجحدري، ورويت عن ابن مسعود، بكسر اللام الأولى. وقوله: {إنا لمغرمون} قبله حذف تقديره: يقولون. وقرأ الأعمش وعاصم الجحدري: "أإنا لمغرمون" بهمزتين على الاستفهام، والمعنى يحتمل أن يكون إنا لمعذبون من الغرام وهو أشد العذاب ومنه قوله تعالى: {أية : إن عذابها كان غراماً} تفسير : [الفرقان: 65] ومنه قول الأعشى: [الخفيف] شعر : إن يعذّب يكنْ غراماً وإنْ يُعْــ ــطِ جزيلاً فإنه لا يبالي تفسير : ويحتمل أن يكون: إنا لمحملون الغرم أي غرمنا في النفقة وذهب زرعنا، تقول: غرم الرجل وأغرمته فهو مغرم. وقد تقدم تفسير المحروم وأنه المحدود والمحارب. و: {المزن} السحاب بلا خلاف، ومنه قول الشاعر "السموأل بن عاديا اليهودي]: [الطويل] شعر : ونحن كماء المزن ما في نصابنا كهام ولا فينا يعد بخيل تفسير : والأجاج: أشد المياه ملوحة، وهو ماء البحر الأخضر. و: {تورون} معناه: تقتدحون من الأزند، تقول أوريت النار من الزناد. وروى الزناد نفسه، والزناد قد يكون من حجرين ومن حجر وحديدة ومن شجر، لا سيما في بلاد العرب، ولا سيما في الشجر الرخو كالمرخ والعفار والكلح وما أشبهه، ولعادة العرب في أزنادهم من شجر، قال تعالى: {أأنتم أنشأتم شجرتها} وقال بعض أهل النظر: أراد بالشجرة نفس النار، وكأنه يقول نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول فيه تكلف. وقرأ الجمهور: "آنتم" بالمد، وروي عن أبي عمرو وعيسى: "أنتم" بغير مد، وضعفها أبو حاتم. و: {تذكرة} معناه: تذكر نار جهنم، قاله مجاهد وقتادة. والمتاع: ما ينتفع به. والمقوي في هذه الآية: الكائن في الأرض القواء وهي الفيافي، وعبر الناس في تفسير {المقوين} بأشياء ضعيفة، كقول ابن زيد للجائعين ونحوه. ولا يقوى منها ما ذكرناه، ومن قال معناه: للمسافرين، فهو نحو ما قلناه، وهي عبارة ابن عباس رضي الله عنه تقول: أصبح الرجل، دخل في الصباح. وأصحر دخل في الصحراء، وأقوى دخل في الأرض القواء، ومنه أقوت الدار، وأقوى الطلل: أي صار قواء، ومنه قول النابغة: [البسيط] شعر : أقوتْ وطال عليها سالفُ الأبدِ تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم تفسير : والفقير والغني إذا أقوى سواء في الحاجة إلى النار، ولا شيء يغني غناءها في الصرد، ومن قال: إن أقوى من الأضداد من حيث يقال: أقوى الرجل إذا قويت دابته فقد أخطأ وذلك فعل آخر كأترب إذا أترب، ثم أمر نبيه بتنزيه ربه تعالى وتبرئة أسمائه العلى عما يقوله الكفرة الذين حجوا في هذه الآيات.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَفَرَأَيْتُم} وما بعده تقدم نظيره، وهذه حجة أخرى، أي: أخبروني عما تحرثون من أرضكم، فتطرحون فيها البَذْر، أأنتُم تُنشئُونه، وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السُّنبل والحب، أم نحن نفعل ذلك وإنما منكم البِذْر وشقُّ الأرض؟ فإذا أقررتم بأن إخراج السُّنبلة من الحبَّة ليس إليكم، فكيف تنكرون إخراج الأموات من الأرض وإعادتهم؟. وأضاف الحَرْث إليهم، والزَّرع إليه تعالى؛ لأنَّ الحرث فعلهم، ويجري على اختيارهم، والزرع من فعل الله - تعالى - وينبت على اختياره لا على اختيارهم. وكذلك ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لا يَقُولنَّ أحدُكمْ: زَرعتُ، وليقُلْ حرثتُ، فإنَّ الزَّارعَ هُوَ اللَّهُ ". تفسير : قال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله تعالى: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}. قال القرطبي: "والمستحبّ لكل من زرع أن يقرأ بعد الاستعاذة: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} الآية، ثم تقول: بل الله هو الزارع، والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد، وارزقنا ثمره، وجَنِّبْنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشَّاكرين، ويقال: إنَّ هذا القول أمان لذلك الزَّرع من جميع الآفات: الدُّود والجراد وغير ذلك، سمعناه من ثقة وجرَّبناه فوجدناه كذلك". فإن قيل: إذا كان الزَّارع هو الله، فكيف قال تعالى: {أية : يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ} تفسير : [الفتح: 29]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الزَّرْعُ للزُّراع "؟. تفسير : فالجواب: أن الحرث أوائل الزَّرع، والزرع أواخر الحرث، فيجوز إطلاق أحدهما على الآخر لاتِّصاله به. ومعنى: "أأنْتُمْ تزرَعُونَهُ"، تجعلونه، وقد يقال: فلان زَرَّاع كما يقال: حرَّاث أي: يفعل ما يؤول إلى أن يصير زَرْعاً، وقد يطلق لفظ الزَّرْع على بَذْر الأرض وتكريبها تجوزاً. قال القرطبي: "وهذا نهي إرشاد وأدب، لا حظر وإيجاب". ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا يَقُولنَّ أحدُكم: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: غُلامِي وجَاريَتِي وفَتَايَ وفَتَاتِي ". تفسير : قوله: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}. أتى هنا بجواب "لو" مقروناً بـ "اللام"، وهو الأكثر؛ لأنه مثبت، وحذف في قوله: {أية : جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} تفسير : [الواقعة: 70]؛ لأن المنّة بالمأكول أعظم منها بالمشروب. قاله الزمخشري. وهذا منقوض بقوله: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا} تفسير : [يس: 66] و{أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ} تفسير : [يس: 67]، وذلك أن أمر الطَّمس أهون من أمر المسخ، وأدخل فيهما "اللام". وأجاب الزمخشري بجواب آخر فقال: {ولو نشاء لجعلناه حطاماً} كان أقرب الذكر، فاستغنى باللام فيه عن ذكرها ثانياً. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأن قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} تفسير : [يس: 66] مع قوله: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ} تفسير : [يس: 67] أقرب من قوله: {لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}، و{أية : جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} تفسير : [الواقعة: 70] اللَّهُم إلاَّ أن تقول هناك: أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى؛ لأن الطَّمْس لا يلزمه المَسْخ ولا بالعكس، وأما المأكول يكون معه المشرُوب في الدهر فالأمران متقاربان لفظاً ومعنى. فصل في الكلام على هذه الآية قال الماوردي: هذه الآية تتضمن أمرين: أحدهما: الامتنان عليهم بأن أنبت زرعهم حتى عاشوا به ليشكروه على نعمته عليهم. الثاني: البرهان الموجب للاعتبار؛ لأنه لما أنبت زرعهم بعد تلاشي بذره، وانتقاله إلى استواء حاله من العفنِ والتَّتريب حتى صار زرعاً أخضر، ثم قوي مشتدًّا أضعاف ما كان عليه، فهو بإعادة من أمات أحق عليه وأقدر، وفي هذا البرهان مقنع لذوي الفطر السَّليمة، ثم قال: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي: متكسِّراً، يعني: الزَّرع والحُطَام الهشيم الهالك الذي لا ينتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبَّه بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم إذ لم يجعله حطاماً ليشكروه. الثاني: ليعتبروا بذلك في أنفسهم كما أنه يجعل الزَّرع حُطاماً إذا شاء، وكذلك يهلكهم إذا شاء ليتَّعظوا فينزجروا. قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}. قرأ العامة: بفتح الظَّاء، بلام واحدة وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في "طه". وأبو حيوة وأبو بكر في رواية: بكسر الظاء. وعبد الله الجحدري: "فظَلِلتُمْ" على الأصل بلامين، أولاهما مكسورة. وروي عن الجحدري: فتحها، وهي لغة أيضاً. والعامة: "تَفَكَّهُونَ" بالهاء. ومعناه: تَنْدَمُون، وحقيقته: تلقون الفكاهة من أنفسكم، (ولا تلقى) الفكاهة إلاَّ من الحزن، فهو من باب "تحَرَّج وتأثّم وتحوب". وقيل: "تفكّهون". تتعجبون بذهابها ما نزل بكم في زرعكم. قاله عطاء والكلبي ومقاتل. وقيل: تتندمون مما حلّ بكم. قاله الحسن وقتادة وغيرهما. وقيل: تلاومُون. وقيل: تتفجَّعون، وهذا تفسير باللازم. وقرأ أبو حزام العكلي: "تَفَكَّنُونَ" بالنون، أي: تندَّمون. قال ابن خالويه: "تَفَكَّه" تعجَّب، و "تَفَكَّن" تندَّم. وفي الحديث: "حديث : مثلُ العالم كمثل الحمَّة، يأتيها البُعدَاءُ ويترُكُهَا القُربَاءُ، فَبَيْنَا هُم إذ غَارَ ماؤهَا فانتفع به قومٌ، وبَقِي قومٌ يتفكَّنُون"تفسير : ، أي: يتندَّمُون. قال الفرَّاء: والنون، لغة عكل. وفي الصحاح: "التَّفَكُّن" التندُّم على ما فات. وقيل: التفكُّه: التكلُّم فيما لا يعنيك. ومنه قيل للمزاح: فُكاهة بالضَّم. فأما الفَكَاهة - بالفتح - فمصدر "فَكِهَ الرَّجل" بالكسر، فهو فَكِهٌ إذا كان طيّب النفس مزَّاحاً. قوله: "إنا لمغرمون". قرأ أبو بكر: "أئِنَّا" بالاستفهام، وهو على أصله في تحقيق الهمزتين، وعدم إدخال ألف بينهما. والباقون: بهمزة واحدة على الخبر. وقيل: هذه الجملة قول مقدر على كلتا القراءتين، وذلك في محل نصب على الحال، تقديره: فظلتم تفكهون قائلين، أو تقولون: إنا لمغرمون؛ أي: لمُلزمُون غرامة ما أنفقنا، أو مُهلكُونَ لهلاك رزقنا من الغرام وهو الهلاك. قاله الزمخشري. ومن مجيء الغرام بمعنى الهلاك قوله: [الخفيف] شعر : 4697- إنْ يُعَذِّبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْـ ـطِ جَزيلاً فإنَّهُ لا يُبَالِي تفسير : قال ابن عبَّاس وقتادة: الغرام: العذاب. ومنه قول ابن المُحلَّم: [الطويل] شعر : 4698- وثِقْتُ بأنَّ الحِلْمَ منِّي سَجيَّةٌ وأنَّ فُؤادِي مُبْتَلٌ بك مُغْرمُ تفسير : وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. يقال: أغرم فلان بفلانة أي أولع بها، ومنه الغرام، وهو الشر اللازم. وقال مجاهد أيضاً: لملقون شرًّا. وقال النحاس: "لمُغْرمُون" مأخوذون من الغرام، وهو الهلاك. وقال الضحاك وابن كيسان: هو من الغرم. و "المُغْرَم": الذي ذهب ماله بغير عوضٍ، أي: غرمنا الحبَّ الذي بذرناه. وقال مرة الهمداني: مُحَاسَبُون. قوله: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}. أي: حرمنا ما طلبنا من الريع، والمحروم المحدود الممنوع من الرِّزق، والمحروم ضد المرزوق. قاله قتادة. وعن أنس "حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بأرض الأنصار، فقال: "ما يمنَعُكمُ الحَرْث"؟ قالوا: الجُدوبة، فقال: "لا تَفْعَلُوا، فإنَّ الله - تعالى - يقولُ: أنَا الزَّارعُ، إن شِئْتُ زرعْتُ بالماءِ، وإن شِئْتُ زرعْتُ بالرِّيحِ، وإن شِئْتُ زرعتْ بالبَذْرِ"، ثم تلا: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} ". تفسير : قال القرطبي: "وفي هذا الحديث والذي قبله ما يصحح قول من أدخل الزَّارع في أسماء الله - تعالى -" وأباه جمهور العلماء.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}. أي: إذا ألقيتم الحَبَّ في الأرض.. أأنتم تُنْبِتُونه أم نحن المُنبِتون؟ وكذلك وُجوهُ الحكمةِ في إنبات الزَّرْع، وانقسام الحَبَّةِ الواحدةِ على الشجرة النابتةِِ منها في قِشْرِها ولحائها وجِذْعِها وأغصانها وأوراقها وثمارها - كل هذا: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}. لو نشاء لجعلناه حطاماً يابساً بعد خُضْرَته، فصِرْهُم تتعجبون وتندمون على تعبكم فيه، وإنفاقكم عليه، ثم تقولون: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ}. أي: لَمُلْزَمون غرامةَ ما أنفقنا في الزَّرع، وقد صار ذلك غُرْماً علينا - فالمغرم مَنْ ذَهَبَ إنفاقُه بغير عِوَضٍ. {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} بل نحن محرومون بعد أن ضاع مِنَّا الرزق.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفرأيتم} اخبرونى وبالفارسية اخبار كنيد {ماتحرثون} اى تبذرونه من الحب وتعملون فى ارضه بالسقى ونحوه والحرثة القاء البذر فى الارض وتهيئتها للزرع

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قد نبَّه الله سبحانه في هذه السورة على ثبوت المعاد وحقيَّة حشر الأجساد بوجوهٍ مختلفة، بعضها لدفع شُبه الجاحِدين المنكرين والضالّين المكذّبين، وبعضها لزيادة تنوير قلوب أهْل الدين: منها قوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} تفسير : [الواقعة:58] - الآية -، وقد مرَّ وجه الاستدلال به. ومنها: إنّ الحبّة المزروعة جوهر جامد أرضيّ، غاية فعل الإنسان فيه أن يدفنه في التراب ويسقيه الماء، وغاية في التراب فيه أن يفسده ويعفنه ويجعله تراباً مثله ورماداً - كما يفعل بأجساد الحيوانات -، وكذا فعل الماء في الأشياء، فإنّ فعل طبيعة الحبّة المزروعة في مادّتها التثقيل والتسكين، لا الاصعاد إلى جانب السماء، ثمّ الإثمار والإيلاد بعد حصول النشوء والنماء، فلولا أنّ الله أفادها بمحكمته قوّة أخرى باطنيّة، وكلمة فعّالة ملكوتيّة يفعل بها ما يغذّيها أوّلاً، ثمّ ينميها ثانياً، ثمّ يولّدها ثالثاً بما يقع منه الانتفاع بجنود وأعوان، وخدم منتشرة فيها يستخدمها ثلاثة رؤساء: - الغاذية والنامية والمولّدة -، لكانت إمّا رماداً، أو هشيما تذروه الرياح، أو حطاماً لا ينتفع به حيوان في مطعم ولا في ملبس، أو تِبناً لا نفع فيه ولا غذاء منه، فثبت تحقّق عند العارف المحقّق، أنّ الله قد أودع في موادّ الكاينات قبول فنون من الصور والكمالات والقوى والكيفيّات، وأودع بعنايته وحكمته في صورها توجّها طبيعيّا إلى ما هو أشرف وأقرب إلى أفق النور وعالَم الرحمة والسرور، ثمّ أفاض عليها رحمة بعد رحمة، وهداية بعد هداية، حتّى أوصلها إلى غايات درجاتها، ونهايات حركاتها، وهكذا إلى أن تنتهي حركاتها وانتقالاتها إلى الحيوانيّة ثمّ إلى الإنسانيّة، وكلّما حصل فيها كمال أتمّ وصورة أقوى، كان عشقها وشوقها إلى ما هو كمال وغاية لها أكثر وأشد. فإذاً، ثبت وتحقّق، أنّه لا يجوز أن تقف حركة الوجود عند الإنسان وتسكن لديه ولا تتجاوزه إلى ما هو خير حقيقي، لنقصانه ما دام في الدنيا عن تمام الارتقاء إلى عالَم الدوام والبقاء. فقوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} أي: تبذرون حبوبه في الأرض، وقوله: {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي: تنبتونه وتغذونه وتنمونه، وتجعلونه في أطوار الخلقة، وتبلّغونه إلى أن يبلغ الغاية ويصل النهاية. وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حديث : لا يقولنّ أحدكم زرَعت، وليقل حَرَثْت . تفسير : وسبب نهيه عن ذلك، الاشتباه الواقع للناس بين المُعِدّ والموجِد كما مرّ. وقوله: {فَظَلْتُمْ} - وقرئ فَظَللْتُم، على الأصل، {تَفَكَّهُونَ}: أي تتعجبون ممّا نزل بكم في زرعكم حيث جعل حطاماً وصار هشيماً لا ينتفع به. وعن الحسن وقتادة وعكرمة: تندمون على تعبكم فيه وانفاقكم عليه، وأصله من التفكُّه في الحديث، وهو التلهّي به. فكأنّهم يترّوحون إلى الندم كما يترّوح الفِكه إلى الحديث بما يزيل الهمّ. وقرئ: يتفكّنون. وفي الكشّاف: منه الحديث: مثَل العالِم كمثَل الحمّة يأتيها البعداء ويتركها القرناء، فبيناهم إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون. أي: يتندّمون. وقوله: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ}: وقرئ: لأنّا - أي لملزمون غرامة ما انفقنا فيه، أو مهلكون - لهلاك رزقنا - من الغرام وهو الهلاك. وقوله: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} - أي: قوم مبخسون ممنوعون من الرزق، عادِموا الخطّ والبخت، ولو كنّا قوماً مجدودين غير محارفين لما جرى علينا ذلك.

الجنابذي

تفسير : {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} اى ءانتم تنبتونه وتبلّغونه الى مقام بلوغ الحبّ والحصاد ام نحن فاعلون ذلك؟ لستم تقولون انّ الانبات والتّبليغ الى الحصاد فعل البشر فانّه {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}.

الهواري

تفسير : قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} أي: تنبتونه، يقوله على الاستفهام {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} أي: لستم الذين تزرعونه ولكن نحن الزارعون المنبتون. قال: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ} يعني الزرع {حُطَاماً} وهو كقوله عز وجل: (أية : ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) تفسير : [الحديد:20]، وكقوله: (أية : هَشِيماً تَذَرُوهُ الرِّيَاحُ) تفسير : [الكهف:45] {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} تفسير الحسن: تَنَدَّمَون، أي: على ما أنفقتم في الزرع. وقال مجاهد: أي: فَظَلْتُم تعجبون [المعنى تعجبون لهلاكه بعد خضرته {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي: غرمنا في الزرع {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أي: حرمن الزرع. قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ} تفسير ابن عباس: المزن السحاب. وهو قول مجاهد. وتفسير الحسن: السماء. قال تعالى: {أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} على الاستفهام، أي: لستم أنتم أنزلتموه من المزن، ولكن نحن المنزلون. {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي: مرّاً { فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} أي: فهلا تؤمنون. يقوله للمشركين. قال تعالى: {أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} أي: توقدون {ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} أي: التي تخرج منها {أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ} أي الخالقون، يعني أم نحن المنبتون.

اطفيش

تفسير : {أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} ما تبذرون حبه {أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} تنبتونه {أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} المنبتون المقيمون اياه على ساق أو باسطوه وليس منكم إلا القاء البذر كما يلقون النطفة ويخلقها الله كيف شاء ذكر الرزق بعد ذكر ابتداء الخلق لأنه آلة البقاء وذكر منه الحب لانه أصل المأكول ثم ذكر المشروب ولم يذكر إلا الماء لأنه أصل المشروب ولا غنى عنه وذكر النار بعد ذلك لأن بها صلاح كثير من الاغذية وكون أأنتم فاعلا لمحذوف دل عليه تزرعونه أولى عندهم من كونه مبتدأ لان همزة الاستفهام بالفعل اليق وفي الحديث لا يقولون أحدكم زرعت ولكن يقولن حرثت ثم تلا الراوي وهو ابو هريرة.

الالوسي

تفسير : ما تبذرون حبه وتعملون في أرضه.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى دليل آخر على إمكان البعث وصلاحية قدرة الله له بضرب آخر من ضروب الإِنشاء بعد العدم. فالفاء لتفريع ما بعدها على جملة: {أية : نحن خلقناكم فلولا تصدقون}تفسير : [الواقعة: 57] كما فرع عليه قوله: {أية : أفرأيتم ما تُمنون}تفسير : [الواقعة: 58] ليكون الغرض من هذه الجمل متحداً وهو الاستدلال على إمكان البعث، فقصد تكرير الاستدلال وتعداده بإعادة جملة {أفرأيتم} وإن كان مفعول فعل الرؤية مختلفاً وسيجيء نظيره في قوله بعده {أية : أفرأيتم الماء الذي تشربون}تفسير : [الواقعة: 68] وقوله: {أية : أفرأيتم النار التي تُورُون}تفسير : [الواقعة: 71]. وإن شئت جعلت الفاء لتفريع مجرد استدلال على استدلال لا لتفريع معنى معطوفها على معنى المعطوف عليه، على أنه لما آل الاستدلال السابق إلى عموم صلاحية القدرة الإِلهية جاز أيضاً أن تكون هذه الجملة مراداً بها تمثيل بنوع عجيب من أنواع تعلقات القدرة بالإيجاد دون إرادة الاستدلال على خصوص البعث فيصح جعل الفاء تفريعاً على جملة {أفرأيتم ما تمنون} من حيث إنها اقتضت سعة القدرة الإِلهية. ومناسبة الانتقال من الاستدلال بخلق النسل إلى الاستدلال بنبات الزرع هي التشابه البيّن بين تكوين الإنسان وتكوين النبات، قال تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : [نوح: 17]. والقول في {أفرأيتم ما تحرثون} نظير قوله: {أية : أفرأيتم ما تُمْنُون}تفسير : [الواقعة: 58]. و{ما تحرثون} موصول وصلة والعائد محذوف. والحرث: شق الأرض ليزرع فيها أو يغرس. وظاهر قوله: {ما تحرثون} أنه الأرض إلا أن هذا لا يلائم ضمير {تزرعونه} فتعين تأويل {ما تحرثون} بأن يقدر: ما تحرثون له، أي لأجله على طريقة الحذف والإيصال، والذي يحرثون لأجله هو النبات، وقد دل على هذا ضمير النصب في {أأنتم تزرعونه} لأنه استفهام في معنى النفي والذي ينفَى هو ما ينبت من الحب لا بذره. فإن فعل (زرع) يطلق بمعنى: أنبت، قال الراغب: الزرع: الإِنبات، لقوله تعالى: {أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} فنفى عنهم الزرع ونسبه إلى نفسه اهــــ واقتصر عليه، ويطلق فعل (زرع) بمعنى: بذر الحب في الأرض لقول صاحب «لسان العرب»: زرعَ الحب: بذره، أي ومنه سمي الحب الذي يبذر في الأرض زريعة لكن لا ينبغي حمل الآية على هذا الإطلاق. فالمعنى: أفرأيتم الذي تحرثون الأرض لأجله، وهو النبات ما أنتم تنبتونه بل نحن ننبته. وجملة {أأنتم تزرعونه} الخ بيان لجملة {أفرأيتم ما تحرثون} كما تقدم في {أية : أأنتم تخلقونه}تفسير : [الواقعة: 59] والاستفهام في {أأنتم تزرعونه} إنكاري كالذي في قوله: {أأنتم تخلقونه}. والقول في موقع {أم} من قوله: {أم نحن الزارعون} كالقول في موقع نظيرتها من قوله: {أية : أم نحن الخالقون}تفسير : [الواقعة: 59] أي أن (أم) منقطعة للإضراب. وكذلك القول في تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: {أأنتم تزرعونه} مثل ما في قوله: {أية : أأنتم تخلقونه}تفسير : [الواقعة: 59]. وكذلك القول في نفي الزرع عنهم وإثباته لله تعالى يفيد معنى قصر الزَّرع، أي الإِنبات على الله تعالى، أي دونهم، وهو قصر مبالغة لعدم الاعتداد بزرع الناس. ويؤخذ من الآية إيماء لتمثيل خلق الأجسام خلقاً ثانياً مع الانتساب بين الأجسام البالية والأجسام المجددة منها بنبات الزرع من الحبة التي هي منتسبة إلى سنبلة زرع أخذت هي منها فتأتي هي بسنبلة مثلها.

الشنقيطي

تفسير : تضمنت هذه الآية الكريمة برهاناً قاطعاً ثانياً على البثع وامتناناً عظيماً على الخلق بخلق أرزاقهم لهم، فقوله تعالى: {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تَحُرثُونَ}، يعني أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها أي تحريكها وتسويتها أأنتم تزرعونه، أي تجعلونه زرعاً، ثم تمنونه إلى أن يصير مدركاً صالحاً للأكل أم نحن الزارعون له، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم، وكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [فصلت: 39] وقوله تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الروم: 50]، وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 75]. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها مراراً. تنيبه اعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ما يصدق عليه مسمى الإنسان بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان، لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [عبس: 24-32]. والمعنى: انظر أيها الإنسان الضعيف إلى طعامك كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سبباً لإنباته هل يقدر أحد غير الله على خلق الماء؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود. ثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقى به الأرض من غير هدم ولا غرق؟ ثم هب أن الماء نزل في الأرض من هو الذي يقدر على شق الأرض عن مسار الزرع؟ ثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدرعلى إخراج السنبل منه؟ ثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحاً للأكل؟ {أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنعام: 99]، والمعنى: انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفاً لا يصلح للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعاً مدركاً صالحاً للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الإنعام، ولذا قال: {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، فاللازم أن يتأمل الإنسان وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ} أي عن النبات شقاً إلى آخر ما بيناه، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} يعني لو نشاء تحطيم ذلك الزرع لجعلناه حطاماً، أي فتاتاً وهشيماً، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء الشرط، وتقديره كما ذكرنا، وقوله، {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ}. قال بعض العلماء: المعنى فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم. وقال بعض العلماء: تفكهون بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإنفاق عليه كقوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا}تفسير : [الكهف: 42]. وقال بعض العلماء: تندمون على معصية الله التي كانت سبباً لتحطيم زرعكم، والأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَفَرَأَيْتُم} (63) - وَهَذَا الحَرْثُ الذِي تَقُومُونَ بِهِ مِنْ شَقِّ التُّرْبَةِ وَإِثَارَتِهَا وَوَضْعِ البِذَارِ فِي الأَرْضِ..

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ} معناه تَنبتونَهُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا امتنان منه على عباده، يدعوهم به إلى توحيده وعبادته والإنابة إليه، حيث أنعم عليهم بما يسره لهم من الحرث للزروع والثمار، فتخرج من ذلك من الأقوات والأرزاق والفواكه، ما هو من ضروراتهم وحاجاتهم ومصالحهم، التي لا يقدرون أن يحصوها، فضلا عن شكرها، وأداء حقها، فقررهم بمنته، فقال: { أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } أي: أأنتم أخرجتموه نباتا من الأرض؟ أم أنتم الذين نميتموه؟ أم أنتم الذين أخرجتم سنبله وثمره حتى صار حبا حصيدا وثمرا نضيجا؟ أم الله الذي انفرد بذلك وحده، وأنعم به عليكم؟ وأنتم غاية ما تفعلون أن تحرثوا الأرض وتشقوها وتلقوا فيها البذر، ثم بعد ذلك لا علم عندكم بما يكون بعد ذلك، ولا قدرة لكم على أكثر من ذلك ومع ذلك، فنبههم على أن ذلك الحرث معرض للأخطار لولا حفظ الله وإبقاؤه لكم بلغة ومتاعا إلى حين. فقال: { لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ } أي: الزرع المحروث وما فيه من الثمار { حُطَامًا } أي: فتاتا متحطما، لا نفع فيه ولا رزق، { فَظَلْتُمْ } أي: فصرتم بسبب جعله حطاما، بعد أن تعبتم فيه وأنفقتم النفقات الكثيرة { تَفَكَّهُونَ } أي: تندمون وتحسرون على ما أصابكم، ويزول بذلك فرحكم وسروركم وتفكهكم، فتقولون: { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } أي: إنا قد نقصنا وأصابتنا مصيبة اجتاحتنا. ثم تعرفون بعد ذلك من أين أتيتم، وبأي سبب دهيتم، فتقولون: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } فاحمدوا الله تعالى حيث زرعه الله لكم، ثم أبقاه وكمله لكم، ولم يرسل عليه من الآفات ما به تحرمون نفعه وخيره.