Verse. 5044 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

لَوْ نَشَاۗءُ لَجَعَلْنٰہُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّہُوْنَ۝۶۵
Law nashao lajaAAalnahu hutaman fathaltum tafakkahoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لو نشاء لجعلناه حطاما» نباتا يابسا لا حب فيه «فظلتم» أصله ظللتم بكسر اللام حذفت تخفيفا أي أقمتم نهارا «تفكهون» حذفت منه إحدى التاءين في الأصل تعجبون من ذلك وتقولون.

65

Tafseer

الرازي

تفسير : وهو تدريج في الإثبات، وبيانه هو أنه لما قال: {أية : أأنتم تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزرِعُونَ } تفسير : [الواقعة: 64] لم يبعد من معاند أن يقول: نحن نحرث وهو بنفسه يصير زرعاً، لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا، فقال تعالى: ولو سلم لكم هذا الباطل هذا الباطل، فما تقولون في سلامته عن الآفات التي تصيبه، فيفسد قبل اشتداد الحب وقبل انعقاده، أو قبل اشتداد الحب وقبل ظهور الحب فيه، فهل تحفظونه منها أو تدفعونها عنه، أو هذا الزرع بنفسه يدفع عن نفسه تلك الآفات، كما تقولون: إنه بنفسه ينبت، ولا يشك أحد أن دفع الآفات بإذن الله تعالى، وحفظه عنها بفضل الله، وعلى هذا أعاده ليذكر أموراً مرتبة بعضها على بعض فيكون الأمر الأول: للمهتدين والثاني: للظالمين والثالث: للمعاندين الضالين فيذكر الأمر الذي لا شك فيه في آخر الأمر إقامة للحجة على الضال المعاند. وفيه سؤال وهو أنه تعالى ههنا قال: {لَجَعَلْنَاهُ } بلام الجواب وقال في الماء: {أية : جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } تفسير : [الواقعة: 70] من غير لام فما الفرق بينهما؟ نقول: ذكر الزمخشري عنه جوابين أحدهما: قوله تعالى: {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً } كان قريب الذكر فاستغنى بذكر اللام فيه عن ذكرها ثانياً، وهذا ضعيف لأن وقوله تعالى: {أية : لَّوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ } تفسير : [يس: 66] مع قوله: {أية : لَّوْ نَشَاء لَمَسَخْنَـٰهُمْ } تفسير : [يس: 67] أقرب من قوله: {لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً } و {أية : جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } تفسير : [الواقعة: 70] اللهم إلا أن نقول: هناك أحدهما قريب من الآخر ذكراً لا معنى لأن الطمس لا يلزمه المسخ ولا بالعكس والمأكول معه المشروب في الدهر، فالأمران تقاربا لفظاً ومعنى والجواب الثاني: أن اللام يفيد نوع تأكيد فذكر اللام في المأكول ليعلم أن أمر المأكول أهم من أمر المشروب وأن نعمته أعظم وما ذكرنا أيضاً وارد عليه لأن أمر الطمس أهون من أمر المسخ وأدخل فيهما اللام، وههنا جواب آخر يبين بتقديم بحث عن فائدة اللام في جواب لو، فنقول: حرف الشرط إذا دخل على الجملة يخرجها عن كونها جملة في المعنى فاحتاجوا إلى علامة تدل على المعنى، فأتوا بالجزم في المستقبل لأن الشرط يقتضي جزاء، وفيه تطويل فالجزم الذي هو سكون أليق بالموضع وبينه وبين المعنى أيضاً مناسبة لكن كلمة لو مختصة بالدخول على الماضي معنى فإنها إذا دخلت على المستقبل جعلته ماضياً، والتحقيق فيه أن الجملة الشرطية لا تخرج عن أقسام فإنها إذا ذكرت لا بد من أن يكون الشرط معلوم الوقوع لأن الشرط إن كان معلوم الوقوع فالجزاء لازم الوقوع فجعل الكلام جملة شرطية عدول عن جملة إسنادية إلى جملة تعليقية وهو تطويل من غير فائدة فقول القائل: آتيك إن طلعت الشمس تطويل والأولى أن يقول: آتيك جزماً من غير شرط فإذا علم هذا فحال الشرط لا يخلو من أن يكون معلوم العدم أو مشكوكاً فيه فالشرط إذا وقع على قسمين فلا بد لهما من لفظين وهما إن ولو، واختصت إن بالشكوك، ولو بمعلوم لأمر بيناه في موضع آخر لكن ما علم عدم يكون الآخر فقد أثبت منه فهو ماض أو في حكمه لأن العلم بالأمور يكون بعد وقوعها وما يشك فيه فهو مستقبل أو في معناه لأننا نشك في الأمور المستقبلة أنها تكون أولا تكون والماضي خرج عن التردد، وإذا ثبت هذا، فنقول: لما دخل لو على الماضي وما اختلف آخر بالعامل لم يتبين فيه إعراب، وإن لما دخل على المستقبل بان فيه الإعراب، ثم إن الجزاء على حسب الشرط وكان الجزاء في باب لو ماضياً فلم يتبين فيه الحال ولا سكون، فيضاف له حرف يدل على خروجه عن كونه جملة ودخوله في كونه جزء جملة، إذا ثبت هذا فنقول: عندما يكون الجزاء ظاهراً يستغني عن الحرف الصارف، لكن كون الماء المذكور في الآية، وهو الماء المشروب المنزل من المزن أجاجاً ليس أمراً واقعاً يظن أنه خبر مستقل، ويقويه أنه تعالى يقول: {جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } على طريقة الإخبار والحرث والزرع كثيراً ما وقع كونه حطاماً فلو قال: جعلناه حطاماً، كان يتوهم منه الإخبار فقال هناك: {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ } ليخرجه عما هو صالح له في الواقع، وهو الحطامية وقال الماء المنزل المشروب من المزن جعلناه أجاجاً لأنه لا يتوهم ذلك فاستغنى عن اللام، وفيه لطيفة: أخرى نحوية، وهي أن في القرآن إسقاط اللام عن جزاء لو حيث كانت لو داخلة على مستقبل لفظاً، وأما إذا كان ما دخل عليه لو ماضياً، وكان الجزاء موجباً فلا كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لآَتَيْنَا } تفسير : [السجدة: 13] و {أية : لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } تفسير : [إبراهيم: 21] وذلك لأن لو إذا دخلت على فعل مستقل كما في قوله: {لَّوْ نَشَاء } فقد أخرجت عن حيزها لفظاً، لأن لو للماضي فإذا خرج الشرط عن حيزه جاز في الجزاء الإخراج عن حيزه لفظاً وإسقاط اللام عنه، لأن إن كان حيزها المستقبل وتدخل على المستقبل، فإذا جعل ما دخل إن عليه ماضياً كقولك: إن جئتني، جاز في الخبر الإخراج عن حيزه وترك الجزم فنقول: أكرمك بالرفع، وأكرمك بالجزم، كما تقول في: {لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ } وفي: {أية : لَوْ نَشَاء جَعَلْنَـٰهُ } تفسير : [الواقعة: 70] وما ذكرناه من الجواب في قوله: {أية : أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ } تفسير : [يس: 47] إذا نظرت إليه تجده مستقيماً، وحيث لم يقل: لو شاء الله أطعمه، علم أن الآخر جزاء ولم يبق فيه توهم، لأنه إما أن يكون عند المتكلم، وذلك غير جائز لأن المتكلم عالم بحقيقة كلامه، وإما أن يكون عندهم وذلك غير جائز ههنا، لأن قولهم: لو شاء الله أطعمه رد على المؤمنين في زعمهم يعني أنتم تقولون: إن الله لو شاء فعل فلا نطعم من لو شاء الله أطعمه على زعمكم، فلما كان أطعمه جزاءاً معلوماً عند السامع والمتكلم استغنى عن اللام، والحطام كالفتات والجذاذ وهو من الحطم كما أن الفتات والجذاذ من الفت والجذ والفعال في أكثر الأمر يدل على مكروه أو منكر، أما في المعاني: فكالسبات والفواق والزكام والدوار والصداع لأمراض وآفات في الناس والنبات. وأما في الأعيان: فكالجذاذ والحطام والفتات وكذا إذا لحقته الهاء كالبرادة والسحالة، وفيه زيادة بيان وهو أن ضم الفاء من الكلمة يدل على ما ذكرنا في الأفعال فإنا نقول: فعل لما لم يسم فاعله وكان السبب أن أوائل الكلم لما لم يكن فيه التخفيف المطلق وهو السكون لم يثبت التثقيل المطلق وهو الضم، فإذا ثبت فهو لعارض، فإن علم كما ذكرنا فلا كلام وإن لم يعلم كما في برد وقفل فالأمر خفي يطول ذكره والوضع يدل عليه في الثلاثي. وقوله تعالى: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } وفيه وجهان: أما على الوجه الأول: كأنما هو كلام مقدر عنهم كأنه يقول: وحينئذ يحق أن تقولوا: إنا لمعذبون دائمون في العذاب. وأما على الوجه الثاني: فيقولون: إنا لمعذبون ومحرمون عن إعادة الزرع مرة أخرى، يقولون: إنا لمعذبون بالجوع بهلاك الزرع ومحرومون عن دفعه بغير الزرع لفوات الماء والوجه الثالث: في الغرم إنا لمكرهون بالغرامة من غرم الرجل وأصل الغرم والغرام لزوم المكروه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَٰماً } نباتاً يابساً لا حبّ فيه {فَظَلْتُمْ } أصله: ظللتم بكسر اللام حذفت تخفيفاً: أي أقمتم نهاراً {تَفَكَّهُونَ } حذفت منه إحدى التاءين في الأصل: تعجبون من ذلك وتقولون:

ابن عبد السلام

تفسير : {تَفَكَّهُونَ} تحزنون، أو تلاومون، أو تعجبون "ع"، أو تندمون بلغة عكل وتميم.

اسماعيل حقي

تفسير : {لو نشاء} لو للمضى وان دخل على المضارع ولذا لايجزمه فهو شرط غير جازم اى لو أردنا {لجعلناه} اى الزرع بمعنى المزروع {حطاما} الحطم كسر الشىء مثل الهشم ونحوه ثم استعمل لكل كسر متناه والمعنى هشيما اى يابسا متكسرا متفتتا بعدما انبتناه وصار بحيث طمعتم فى حيازة غلاله وجمعها {فظلتم} اى فصرتم بسبب ذلك {تفكهون} تتعجبون من سوء حاله اثر ماشاهدتموه على أحسن مايكون من الحال او تندمون على فعلتم فيه من الاجتهاد وانفقتم عليه او تندمون على ماأصبتم لاجله من المعاصى فتتحدثون فيه والتفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث وقرىء تفكنون بالننون والتفكن التعجب والتفكر والتندم ومنه الحديث مثل العالم كمثل الحمة يأتيها البعدآء ويتركها القرباء فبيناهم اذغار ماؤها فانتفع بها قوم يتفكنون اى يتندمون والحمة العين الحارة من الحميم وهو الماء الحار يستشفى به الاعلاء والمرضى

الجنابذي

تفسير : {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} هشيماً يليق للنّار {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} فكّههم بملح الكلام اظرفهم بها فالمعنى تتحدّثون بالاحاديث المليحة على سبيل التّهكّم او ظلتم تتحدّثون وتنقلون بينكم الاحاديث والاسمار فى ذلك.

اطفيش

تفسير : {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} نباتاً يابساً متفتتا لا حب فيه كالتبن بحيث لا ينتفع به في مطعم ولا غيره وابطل بذلك قول من يقول انه يكون زرعاً بنفسه لا بفعلنا ولا بفعل غيرنا فهل يدفع عنه نفسه أون تدفعون عنه الآفات. {فَظَلْتُمْ} أصله ظللتم بلام مكسورة حذفت تخفيفا وقد قرىء به وقرىء فظلتم بكسر الظاء نقلا من اللام المحذوف وكان المحذوف اللام الاول لانها تدغم وقيل الثانية لأن الثقل حصل عندها. {تَفَكَّهُونَ} تعجبون بما نزل فيه وقال الحسن: تندمون على تعبكم فيه وانفاقكم عليه وقيل: على المعاصي التي أوجبت ذلك وقيل: تتلاومون وقيل: تحرثون وقيل: تتلهفون على ما فاتكم والاول لابن عباس وقال ابن زيد: تتفجعون وقيل: تطرحون الفاكهة عن أنفسكم والأصل تتفكهون حذفت احدى التائين وقرىء يتفكنون وفي الحديث مثل العالم كمثل الحمة وهي عين ماء تستشفى بها المرضى يأتيها البعداء ويتركها القرباء فبينما هم كذلك إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكنون أي يتندمون.

اطفيش

تفسير : {لَوْ نَشَاءُ} جعله حطيما أو لو نشاء أن لا تنتفعوا بثماره {لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} محطوما أى مكسوراً مفتوناً لتيبيسه بعد إِنباته وبعد ما طمعتم فى غلته أو قبل طمعكم أو جعله تبنا لا ثمار فيه، فهو من شأَنه أن يحطم ولا يحترم. {فَظَلْتُمْ} بسبب ذلك {تَفَكَّهُونَ} تتفكهون تطلبون الفاكهة من غير ذلك الحرث أو تتعجبون من سوء الحال التى شاهدتم بعد حسن ما شاهدتم، كما روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أو تزيلون الفكاهة عن أنفسكم وهى المسرة، كتحوب وتحرج أزال الحوب والحرج، والتفسير بالندم على تعبهم فيه والإِنفاق فيه أو على العصيان فى شأْنه الموجب لتلفه أو بالحزن أو بالتلهف على الفوت أو على التلاوم، تفسير بالمعنى واللازم لا باللغة والتفكه أيضاً التنقل بالكلام فهم يتصرفون فى الكلام على إِفساده ندماً.

الالوسي

تفسير : {لَّوْ نَشَاء لَّجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰماً } هشيماً متكسراً متفتتاً لشدة يبسه بعدما أنبتناه وصار بحيث طمعتم في حيازة غلاله {فَظَلْتُمْ } بسبب ذلك {تَفَكَّهُونَ } تتعجبون من سوء حاله إثر ما شاهدتموه على أحسن ما يكون من الحال على ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقال الحسن: تندمون أي على ما تعبتم فيه وأنفقتم عليه من غير حصول نفع، أو على ما اقترفتم لأجله من المعاصي، وقال عكرمة: تلاومون على ما فعلتم. وأصل التفكه التنقل بصنوف الفاكهة واستعير للتنقل بالحديث وهو هنا ما يكون بعد هلاك الزرع وقد كنى به في الآية عن التعجب، أو الندم أو التلاوم على اختلاف التفاسير، وفي «البحر» ((كل ذلك تفسير باللازم، ومعنى {تَفَكَّهُونَ } تطرحون الفكاهة عن أنفسكم وهي المسرة، ورجل فكه منبسط النفس غير مكترث بشيء، وتفكه من أخوات تحرج وتحوب)) أي إن التفعل فيه للسلب. وقرأ أبو حيوة وأبو بكر في رواية العتكي عنه {فظلتم } بكسر الظاء كما قالوا: مست بالكسر ومست بالفتح، وحكاها الثوري عن ابن مسعود وجاءت عن الأعمش، وقرأ عبد الله والجحدري ـ فظللتم ـ بلامين أولاهما مكسورة، وقرأ الجحدري أيضاً كذلك مع فتح اللام والمشهور ظللت بالكسر، وقرأ أبو حزام (تفكنون) بالنون بدل الهاء، قال ابن خالويه: تفكه بالهاء تعجب، وتفكن بالنون تندم.

ابن عاشور

تفسير : جملة {لو نشاء لجعلناه حطاماً}، موقعها كموقع جملة: {أية : نحن قدّرنا بينكم الموت}تفسير : [الواقعة: 60] في أنها استدلال بإفنائه ما أوجده على انفراده بالتصرف إيجاداً وإعداماً، تكملة لدليل إمكان البعث. واللام في قوله: {لجعلناه} مفيدة للتأكيد. ويكثر اقتران جواب (لو) بهذه اللام إذا كان ماضياً مثبتاً كما يكثر تجرده عنها كما سيجيء في الآية الموالية لهذه. والحُطام: الشيء الذي حَطمه حاطم، أي كَسره ودقّه فهو بمعنى المحطوم، كما تدل عليه زنة فُعال مثل الفُتات والجُذاد والدُقاق، وكذلك المقترن منه بهاء التأنيث كالقُصاصة والقُلاَمة والكُناسة والقُمامة. والمعنى: لو نشاء لجعلنا ما ينبت بعد خروجه من الأرض حُطاماً بأن نسلط عليه ما يحطمه من بَرَد أو ريح أو حشرات قبل أن تنتفعوا به، فالمراد جعله حطاماً قبل الانتفاع به. وأما أن يُؤول إلى الكَون حطاماً فذلك معلوم فلا يكون مشروطاً بحرف (لو) الامتناعية. وقوله: {فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون} تفريع على جملة {لجعلناه حطاماً} أي يتفرع على جعله حطاماً أن تصيروا تقولون: إنا لمغرمون بل نحن محرومون، ففعل (ظَلّتُم) هنا بمعنى: صرتم، وعلى هذا حَمَله جميع المفسرين. وأعضل وَقْع فعل {تفكهون}، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: تفكهون تعجبون، وعن عكرمة: تتلاومون، وعن الحسن وقتادة: تندمون، وقال ابن كيسان: تحزنون، وقال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو ــــ أي فعل {تفكهون} ـــ من الأضداد تقول العرب: تفكهت، أي تنعمت، وتفكهتُ، أي حزِنتُ اهــــ. ذلك أن فعل {تفكهون} من مادة فَكِه والمشهور أن هذه المادة تدل على المسرة والفرح ولكن السياق سياق ضد المسرة، وبيانه بقوله: {إنا لمغرمون بل نحن محرومون} يؤيد ذلك، فالفُكاهة: المسرة والانبساط، وادعى الكسائي أنها من أسماء الأضداد واعتمده في «القاموس» إذ قال: وتفكه، أكل الفاكهة وتجنب عن الفاكهة ضده. قال ابن عطية: وهذا كله ـــ أي ما روي عن ابن عباس وغيره في تفسير {فظلتم تفكهون} ــــ لا يخص اللفظة (أي هو تفسير بحاصل المعنى دون معاني الألفاظ) والذي يخص اللفظة هو تطرحون الفاكهة (كذا ولعل صوابه الفكاهة) عن أنفسكم وهي المسرة والجذل، ورجل فَكِه، إذا كان منبسط النفس غير مكترث بشيء اهــــ. يعني أن صيغة التفعُّل فيه مطاوعة فعَّل الذي تضعيفه للإزالة مثل قَشَّر العود وقَرَّد البعير وأثبت صاحب «القاموس» هذا القول ونسبه إلى ابن عطية. وجعلوا جملة {إنا لمغرمون} تندماً وتحسراً، أي تعلمون أن حطم زرعِكُم حرمانٌ من الله جزاء لكفركم، ومعنى {مغرمون} من الغرام وهو الهلاك كما في قوله تعالى: {أية : إن عَذابها كان غراماً}تفسير : [الفرقان: 65]. وهذا شبيه بما في سورة القلم من قوله تعالى: {أية : فلما رأوها قالوا إنا لضالّون} تفسير : [القلم: 26] إلى قوله: {أية : إنا كنا طاغين}تفسير : [القلم: 31]. فتحصل أن معنى الآية يجوز أن يكون جارياً على ظاهر مادة فعل {تفكهون} ويكون ذلك تهكماً بهم حملاً لهم على معتاد أخلاقهم من الهزْل بآيات الله، وقرينة التهكم ما بعده من قوله عنهم {إنا لمغرمون بل نحن محرومون. ويجوز أن يكون محمل الآية على جعل {تفكهون} بمعنى تندمون وتحزنون، ولذلك كان لفعل {تفكهون} هنا وقع يعوضه غيره. وجملة {إنا لمغرمون} مقول قول محذوف هو حال من ضمير {تفكهون}. وقرأ الجمهور {إنا لمغرمون} بهمزة واحدة وهي همزة (إنّ)، وقرأه أبو بكر عن عاصم {أإنا} بهمزيتن همزة استفهام وهمزة (إنِ).

د. أسعد حومد

تفسير : {لَجَعَلْنَاهُ} {حُطَاماً} (65) - بَلْ نَحْنُ الذِينَ أَنْبَتْنَاهُ بِلُطْفِنَا، وَأَلْقَيْنَاهُ إِلَيْكُمْ رَحْمَةً مِنَّا بِكُمْ، وَلَو شِئْنَا لأَيْبَسْنَاهُ قَبْلَ اسْتِوَائِهِ وَاسْتِحْضَارِهِ (لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً)، فَصِرْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ فِي المَقَالَةِ، وَتَنُوِّعُونَ كَلاَمَكُمْ فِيمَا جَرَى عَلَيْكُمْ، وَتَتَعَجَّبُونَ مِنْ سُوءِ حَالِهِ وَمَصِيرِهِ. تَفَكَّهُونَ - تَتَعَجَّبُونَ مِنْ سُوءِ حَالِهِ وَمَصِيرِهِ - أَوْ تُنَوِّعُونَ المَقَالَةَ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} معناه رُفاتٌ. وقوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} معناه تَتَعجبون. ويقال تَتَلاومون. ويقال: تندمون وهي لغة لعُكلٍ وتميم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} [الواقعة: 65]؛ يعني: لو نشأ لجعلنا بذور أعمالكم حطمة ليعذوا بها {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 65]؛ أي: تتعجبون مما ينبت من بذوركم لا حب فيه، وهذا يكون من شؤم الغفلة عن الإخلاص في النيَّة وقت العمل، فاحذروا أيها السالكون من الأذكار المصحوبة بالغفلة والأعمال الغير الخالصة؛ لئلا تكون أعمالكم وأذكاركم حطمتكم في دار الجزاء - نعوذ بالله من تلك الحالة - بل نحن محرومون من كسبنا وزرعنا. {أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} [الواقعة: 68-69]؛ يعني: أفرأيتم ماء الوارد العرفاني الذي تشربون؟ أيتها القوى الذاكرة {ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} [الواقعة: 69] الخفي {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} [الواقعة: 69-70]؛ يعني: جعلنا ماء الوارد نكرانياً، {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} [الواقعة: 70] نعمتنا وتؤمنون بقدرتنا بأنَّا قادرون على بعثكم في النشأة الأخرى، كما كنا قادرين على خلقكم في النشأة الأولى. {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} [الواقعة: 71] في نداء الذكر وحجر القلب من نار العشق، {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} [الواقعة: 72]؛ يعني: شجرة نار العشق، {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا} [الواقعة: 72-73]؛ يعني: شجرة نار العشق، {تَذْكِرَةً} [الواقعة: 73] لنار الحق، {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73]؛ يعني: استعداداً للمسافرين الذين دخلوا دار القربة؛ ليتاجروا برأس مالهم ويربحوا أضعاف ما في أيديهم، لكن يأخذ صاحب المال منهم ماله، فيبقى لهم ما اكتسبوا برأس مالهم وتنعموا بمكاسبهم إذا رجعوا إلى مواطنهم الأصلية، فمن خسر برأس ماله فقط أورى من زند ذكره الدنيوي نار الشهوة؛ التي هي تذكرة للنار الكبرى، التي هي الموقدة في صدور أهل الهوى، وإذا رجع إلى وطنه يأخذ صاحب المال رأس ماله ويبقى معه مكتسباته، وتكون مكتسباته حطمة تتصرف فيها النار الموقدة المطَّلعة على الأفئدة، ويحرق الحطمة ويشتعل النار الكبرى من إحراق الحطمة، وتعذب صاحبها في دار الجزاء أبد الآباد بالنار الموقدة، وحطمته المجتمعة في دار الكسب نعوذ بالله منه. {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الواقعة: 74]؛ يعني: نزه مجاري ذكر الحق الباطل باسم ربك العظيم؛ وهو الله الحق، ثم سبح ذاته عن الشريك والنظير المعين، وتيقن أنه الفاعل المختار يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ونحن المستعملون المضطرون المخزون الفقراء، {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} [الواقعة: 75]؛ يعني: أقسم باللطائف الحقوقية المطهرة عن الأباطيل، هي مواقع نجوم الواردات القدسية الخفية من السماء، الجبروتية اللاهوتية، {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقع: 76]؛ لأنه يعظم اللطائف التي هي مظاهر ذاته وصفاته بالقسم، وفي العظيم سر عظيم يتعلق بمطلع القرآن.