٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
68
Tafseer
الرازي
تفسير : خصه بالذكر لأنه ألطف وأنظف أو تذكيراً لهم بالإنعام عليهم، والمزن السحاب الثقيل بالماء لا بغيره من أنواع العذاب يدل على ثقله قلب اللفظ وعلى مدافعة الأمر وهو التزم في بعض اللغات السحاب الذي مس الأرض وقد تقدم تفسير الأجاج أنه الماء المر من شدة الملوحة، والظاهر أنه هو الحار من أجيج النار كالحطام من الحطيم، وقد ذكرناه في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } تفسير : [الفرقان: 53] ذكر في الماء الطيب صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية ملمسه وهي البرودة واللطافة، وفي الماء الآخر أيضاً صفتين إحداهما عائدة إلى طعمه والأخرى عائدة إلى كيفية لمسه وهي الحرارة، ثم قال تعالى: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } لم يقل عند ذكر الطعام الشكر وذلك لوجهين أحدهما: أنه لم يذكر في المأكول أكلهم، فلما لم يقل: تأكلون لم يقل: تشكرون وقال في الماء: {تَشْرَبُونَ } فقال: {تَشْكُرُونَ } والثاني: أن في المأكول قال: {أية : تَحْرُثُونَ } تفسير : [الواقعة: 63] فأثبت لهم سعياً فلم يقل: تشكرون وقال في الماء: {أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ } لا عمل لكم فيه أصلاً فهو محض النعمة فقال: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } وفيه وجه ثالث: وهو الأحسن أن يقال: النعمة لا تتم إلا عند الأكل والشرب ألا ترى أن في البراري التي لا يوجد فيها الماء لا يأكل الإنسان شيئاً مخافة العطش، فلما ذكر المأكول أولاً وأتمه بذكر المشروب ثانياً قال: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } على هذه النعمة التامة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم، لأن الشراب إنما يكون تبعاً للمطعوم، ولهذا جاء الطعام مقدماً في الآية قبلُ، ألا ترى أنك تسقي ضيفك بعد أن تطعمه. الزمخشري: ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء:شعر : إذا سُقِيَتْ ضُيوفُ الناسِ مَحْضاً سَقَوْا أضيافَهمْ شَبِماً زُلاَلاَ تفسير : وسُقِي بعضُ العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثَمِيلة. {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} أي السَّحاب، الواحدة مُزْنة؛ فقال الشاعر:شعر : فنحنُ كماءِ الْمُزْنِ ما في نِصَابِنَا كَهَامٌ ولا فينا يُعَدُّ بَخِيلُ تفسير : وهذا قول ٱبن عباس ومجاهد وغيرهما أن المُزْن السَّحاب. وعن ٱبن عباس أيضاً والثوري: المُزْن السّماء والسّحاب. وفي الصّحاح: أبو زيد: المُزْنة السّحابة البيضاء والجمع مُزْن، والمُزْنة المَطْرَة؛ قال:شعر : ألم تَرَ أن الله أَنْزَلَ مُزْنةً وعُفْرُ الظِّبَاءِ في الكِنَاسِ تَقَمَّعُ تفسير : {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} أي فإذا عرفتم بأني أنزلته فَلِمَ لا تشكروني بإخلاص العبادة لي؟ ولَمِ تنكرون قدرتي على الإعادة؟. {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي ملحاً شديد الملوحة؛ قاله ٱبن عباس. الحسن: مرًّا قُعَاعاً لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. {فَلَوْلاَ} أي فهلاّ تشكرون الذي صنع ذلك بكم. قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ} أي أخبروني عن النار التي تظهرونها بالقَدْح من الشجر الرَّطْب {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} يعني التي تكون منها الزِّناد وهي المَرْخُ والعَفَار؛ ومنه قولهم: في كلّ شجرٍ نار، وٱسْتَمْجدَ المَرْخُ والعَفَار؛ أي ٱستكثر منها، كأنهما أخذا من النار ما هو حَسْبهما. ويقال: لأنهما يُسِرعان الْوَرْيَ. يقال: أوْرَيت النار إذا قدحتها. وورَى الزَّنَدُ يَرِى إذا ٱنقدح منه النار. وفيه لغة أخرى: ووَرِي الزَّندُ يَرِى بالكسر فيهما. {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} أي المخترعون الخالقون؛ أي فإذا عرفتم قدرتي فٱشكروني ولا تنكروا قدرتي على البعث. قوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} يعني نار الدنيا موعظة للنار الكبرى؛ قاله قتادة. ومجاهد: تبصرة للناس من الظلام. وصح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : «إن ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم» فقالوا يا رسول الله: أن كانت لكافية؛ قال: «فإنها فضَلَت عليها بتسعة وستين جُزْءاً كلّهنّ مثل حَرِّها»تفسير : . {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} قال الضحاك: أي منفعة للمسافرين؛ سمّوا بذلك لنزولهم القَوَى وهو القفر. الفراء: إنما يقال للمسافرين: مُقْوين إذا نزلوا القِيّ وهي الأرض القفر التي لا شيء فيها. وكذلك القَوَى والقَوَاء بالمدّ والقصر، ومنزلٌ قَواء لا أنيس به؛ يقال: أَقْوت الدارُ وقَوِيت أيضاً أي خلت من سكانها؛ قال النابغة:شعر : يا دارَ مَيَّةَ بالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وطال عَليها سَالفُ الأَمَدِ تفسير : وقال عنترة:شعر : حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ أَقْوَى وَأَقْفَر بَعد أُمِّ الْهَيْثَمِ تفسير : ويقال: أَقْوَى أي قَوِي وقَوِي أصحابه، وَأَقوى إذا سافر أي نزل القَوَاء والقِيّ. وقال مجاهد: {لِّلْمُقْوِينَ } المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة، ويتذكر بها نار جهنم فيستجار بالله منها. وقال ٱبن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم. يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئاً، وبات فلان القَواء وبات القفرَ إذا بات جائعاً على غير طُعْم؛ قال الشاعر:شعر : وإنِّي لأختارُ القَوَى طَاوِيَ الحَشَى محَافَظَةً من أَنْ يقالَ لَئِيمُ تفسير : وقال الربيع والسدي: {الْمُقوِينَ} المنزلين الذين لا زناد معهم؛ يعني ناراً يوقدون فيختبزون بها؟ ورواه العوفي عن ٱبن عباس. وقال قُطْرب: المُقْوِي من الأضداد يكون بمعنى الفقير ويكون بمعنى الغني؛ يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله. المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. وحكى الثعلبي أن أكثر المفسرين على القول الأوّل. القشيري: وخص المسافر بالانتفاع بها لأن ٱنتفاعه بها أكثر من منفعة المقيم؛ لأن أهل البادية لا بد لهم من النار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السّباع، وفي كثير من حوائجهم. قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي فنزّه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد، والعجز عن البعث.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَرَءَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ }.
النسفي
تفسير : {أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ } أي الماء العذب الصالح للشرب {ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ } السحاب الأبيض وهو أعذب ماء {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } بقدرتنا {لَوْ نَشَاء جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجاً } ملحاً أو مراً لا يقدر على شربه {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } فهلا تشكرون. ودخلت اللام على جواب لو في قوله {لَجَعَلْنَاهُ حُطَـٰماً } ونزعت منه هنا، لأن «لو» لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشرط ولم تكن مخلصة الشرط كـ «إن» ولا عاملة مثلها وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علماً على ذلك، ولما شهر موقعه لم يبال بإسقاطه عن اللفظ لعلم كل أحد به وتساوي حالي حذفه وإثباته، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة مغنٍ عن ذكرها ثانية، ولأن هذه اللام تفيد معنى التأكيد لا محالة فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمطعوم، ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب. {أَفَرَءيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ } تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر ويسمون الأعلى الزند والأسفل الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة {ءأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } التي منها الزناد {أَم نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} الخالقون لها ابتداء { نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا } أي النار {تَذْكِرَةٌ } تذكيراً لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به {وَمَتَـٰعاً } ومنفعة {لّلْمُقْوِينَ } للمسافرين النازلين في القواء وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام من قولهم «أقوت الدار» إذا خلت من ساكنيها. بدأ بذكر خلق الإنسان فقال {أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } لأن النعمة فيه سابقة على جميع النعم، ثم بما فيه قوامه وهو الحب فقال {أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } ثم بما يعجن به ويشرب عليه وهو الماء، ثم بما يخبز به وهو النار، فحصول الطعام بمجموع الثلاثة ولا يستغني عنه الجسد ما دام حياً {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ } فنزه ربك عما لا يليق به أيها المستمع المستدل، أو أراد بالاسم الذكر أي فسبح بذكر ربك {ٱلْعَظِيمِ } صفة للمضاف أو للمضاف إليه. وقيل: قل سبحان ربي العظيم وجاء مرفوعاً أنه لما نزلت هذه الآية قال: اجعلوها في ركوعكم. {فَلاَ أُقْسِمُ } أي فأقسم و«لا» مزيدة مؤكدة مثلها قوله {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الحديد: 29] وقرىء {فلأقسم} ومعناه فلأَنا أقسم، اللام لام الابتداء دخلت على جملة من مبتدأ وخبر وهي «أنا أقسم»، ثم حذف المبتدأ. ولا يصح أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تكون اللام لام القسم لأن حقها أن تقرن بها النون المؤكدة { بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } بمساقطها ومغاربها {بموقع} حمزة وعلي، ولعل لله تعالى في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } وهو اعتراض في اعتراض لأنه اعترض به بين القسم والمقسم عليه وهو قوله {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } حسن مرضي أو نفاع جم المنافع أو كريم على الله، واعترض بـ {لَّوْ تَعْلَمُونَ } بين الموصوف وصفته {فِى كِتَـٰبِ } أي اللوح المحفوظ {مَّكْنُونٌ } مصون عن أن يأتيه الباطل أو من غير المقربين من الملائكة لا يطلع عليه من سواهم {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } من جميع الأدناس أدناس الذنوب وغيرها إن جعلت الجملة صفة لـ {كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ } وهو اللوح، وإن جعلتها صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسه إلا من هو على الطهارة من الناس والمراد مس المكتوب منه {تَنزِيلَ } صفة رابعة للقرآن أي منزل {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أو وصف بالمصدر لأنه نزل نجوماً من بين سائر كتب الله فكأنه في نفسه تنزيل ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه فقيل: جاء في التنزيل كذا ونطق به التنزيل، أو هو تنزيل على حذف المبتدأ. {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي القرآن {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون به كمن يدهن في بعض الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } أي تجعلون شكر رزقكم التكذيب أي وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة علي رضي الله عنه وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبتهم السقيا إليهم والرزق المطر أي وتجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه إلى النجوم. {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ } النفس أي الروح عند الموت {ٱلْحُلْقُومَ } ممر الطعام والشراب {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } الخطاب لمن حضر الميت تلك الساعة {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } إلى المحتضر {مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ } لا تعقلون ولا تعلمون {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } مربوبين من دان السلطان الرعية إذا ساسهم {تَرْجِعُونَهَا } تردون النفس وهي الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أنكم غير مربوبين مقهورين. {فَلَوْلا } في الآيتين للتحضيض يستدعي فعلاً وذا قوله {تَرْجِعُونَهَا } واكتفى بذكره مرة، وترتيب الآية فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، و{فَلَوْلا } الثانية مكررة للتأكيد ونحن أقرب إليه منكم يا أهل الميت بقدرتنا وعلمنا أو بملائكة الموت، والمعنى أنكم في جحودكم آيات الله في كل شيء، إن أنزل عليكم كتاباً معجزاً قلتم سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولاً صادقاً قلتم ساحر كذاب، وإن رزقكم مطراً يحييكم به قلتم صدق نوء كذا على مذهب يؤدي إلى الإهمال والتعطيل، فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثمة قابض وكنتم صادقين في تعطيلكم وكفركم بالمحيي المميت المبدىء المعيد؟. {فَأَمَّا إِن كَانَ } المتوفي{مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } من السابقين من الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة {فَرَوْحٌ } فله استراحة {وَرَيْحَانٌ } ورزق {وَجَنَّـٰتُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ * فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } أي فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي يسلمون عليك كقوله {أية : إِلاَّ قِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً } تفسير : {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ ٱلضَّالّينَ } هم الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة وهم الذين قيل لهم في هذه السورة {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّالُّونَ ٱلْمُكَذّبُونَ }تفسير : {فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } أي إدخال فيها. وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة، وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين {إِنَّ هَذَا } الذي أنزل في هذه السورة {لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } أي الحق الثابت من اليقين {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } رُوي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دخل على ابن مسعود رضي الله عنه في مرض موته فقال له: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي. فقال: ما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: أفلا تدعو الطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. فقال: ألا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: ندفعه إلى بناتك. قال: لا حاجة لهن فيه قد أمرتهن أن يقرأن سورة الواقعة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً»تفسير : وليس في هذه السور الثلاث ذكر الله: اقتربت، الرحمن، الواقعة، والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ}. لتحيوا به أنفسكم، وتسكنوا به عطشكم. {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ}. أي: السحاب، وهو اسم جنس، واحدهُ: مزنة. قال: [المتقارب] شعر : 4699- فَلاَ مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودقَهَا ولا أرْضَ أبْقَلَ إبْقالَهَا تفسير : وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أيضاً والثوري: المُزْن: السَّماء والسَّحاب. وقال أبو زيد: المُزنة: السحابة البيضاء، والجمع مزن. والمُزْنة: المطرة. قال: [الطويل] شعر : 4700- ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مُزْنَةً وعُفْرُ الظِّباءِ في الكناسِ تَقَمَّعُ تفسير : وقوله: {أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ}. أي: إذا عرفتم بأني أنزلته فلم لا تشكروني بإخلاص العبادة لي، ولم تنكروا قُدرتي على الإعادة؟. وقوله: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً}. وقد تقدم عدم دخول "اللام" في جواب "لو" هذه. وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم دخلت "اللام" في جواب "لو" في قوله: "لجعلناه حطاماً"، ونزعت منه هاهنا؟. قلت: إن "لو" لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعلق الجزاء بالشَّرط، ولم تكن مخلصة للشرط كـ "إن" و "لا" عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقاً من حيث إفادتها في مضمون جملتين أن الثَّاني امتنع لامتناع الأول افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علماً على هذا التعلق فزيدت هذه "اللام" لتكون علماً على ذلك، فإذا حذفت بعد ما صارت علماً مشهوراً مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفاً ومأنوساً به لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السَّامع. ألا ترى ما يحكى عن رؤبة، أنَّه كان يقول: خيرٍ، لمن قال له: كيف أصبحت؟ فحذف الجار لعلم كل أحد بمكانه، وتساوي حال إثباته وحذفه لشهرة أمره، وناهيك بقول أوس: [السريع] شعر : 4701- حَتَّى إذا الكَلاَّبُ قال لَهَا كاليَوْمِ مَطْلُوباً ولا طَلَبَا تفسير : وحذفه: "لَمْ أرَ" فإذاً حذفها اختصار لفظي، وهي ثابتة في المعنى، فاستوى الموضعان بلا فرق بينهما، على أن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة، مُغْنٍ عن ذكرها ثانياً، ويجوز أن يقال: إن هذه "اللام" مفيدة معنى التَّوكيد لا محالة، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أنّ أمر المطعوم مقدم على أمر المشروب، وأنَّ الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعاً للمَطْعُوم. ألا ترى أنك إنما تسقي ضيفك بعدما تطعمه، ولو عكست قعدت تحت قول أبي العلاء: [الوافر] شعر : 4702- إذا سُقِيَتْ ضُيُوفُ النَّاسِ مَحْضاً سَقَوْا أضْيافَهُمْ شَبَماً زلالا تفسير : وسقي بعض العرب فقال: أنا لا أشرب إلا على ثميلة ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب". انتهى. وقد تقدم جواب ابن الخطيب له عن ذلك. فصل في تفسير الآية قال ابن عبَّاس: "الأجاج": المالح الشديد الملوحة. وقال الحسن: مُرًّا لا تنتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما. "فلولا" أي: فهلا "تشكرون" الذي صنع ذلك بكم.
القشيري
تفسير : أأنتم أنزلتموه من السحاب... أم نحن نُنْزِلُهُ متى نشاء أَنَّى نشاء كما نشاء على من نشاء وعلى ما نشاء؟ ونحن الذين نجعله مختلفاً في الوقت وفي المقدار وفي الكيفية، في القِلَّة وفي الكثرة. ولو نشاء لجعلناه ملحاً.. أفلا تشكرون عظيمَ نعمةِ اللَّهِ - سبحانه - عليكم في تمكينكم من الانتفاع بهذه الأشياء التي خَلَقها لكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفرأيتم} خبر نماييد {الماء الذى تشربون} عذبا فراتا وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لان الشرب اهم المقاصد المنوطة به
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الماء المشروب؛ هو الماء العذب الصافي الصالح للشرب. والمُزن: السحاب. واحدهُ مزنَة. لمّا ذكر في الآية السابقة مادّة المطعوم وصورته، وفاعله الذي هو الخالق الرازق، وغايته التي هي انتفاع الإنسان به وقوام ونشأته الدنيوية مدة عمره منه، ليتهيّأ في تلك المدّة للعود إلى النشأة الآخرة والرجوع إلى غاية الأشياء، وأشير فيها إلى طريق الاستدلال على اثبات البعث، ذكر في هذه الآية مادّة المشروب وصورته، وكيفيّة نزوله، ومبدأ وجوده، وحكمة كونه وغايته. وطريق الاستدلال به على إثبات فاعل الكلّ وغايته، هو أنّ الماء جسم ثقيل بالطبع تجبره على النزول طبيعته، فإصعاده على خلاف مقتضى الطبع لا بدّ فيه من قوّة قاهرة من عالَم الأمر، هي فوق المادّة والطبيعة، تجبرهما على الصعود كما تجبرها على الاصعاد قوّة العزيز الحميد الذي له المُلك والملكوت، والخلُق والأمر، فإذا اصعدته تلك القوّة التي هي ملك نوراني من ملائكة الله أدّاه إلى يد ملك من ملائكة السحاب وهو خادمه حامل للماء الثقيل وممسك له في جوّ السماء إلى أن يأذن الله له في إرساله وتقطيعه قطرات كلّ قطرة بالقدر الذي قدّره الله على الشكل الذي شاء، وهو أفضل الأشياء وأشرفها، لكونه أبسطها وأوسعها وأدومها وأتمها، وفاعلها ومظهرها ودليلها. ثمّ ترى ملك السحاب يرشّ الماء بتسيير الرياح وينزل المطر مدراراً في مظان الحاجة إلى الأرض الجُرز، ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها قطرة، ولا تتصّل واحدة بأخرى ولا تزاحمها في الطريق بل تنزل كلّ منها في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه يمنة ويسرة، ولا يتقدّم المتأخّر منها ولا يتأخّر المتقدّم حتّى تصيب الأرض التي عيّنت لها ولكلّ حيوان فيها من طيرٍ ووَحشٍ وبَهيمةٍ ودودٍ مكتوب على تلك القطرة بخطّ إلهيّ لا يدرك بهذه العين الظاهرة: "إنّه رزق الدود الفلاني في الوقت الفلاني يصل إليه وقت حاجته وعطشه". هذا وغير ذلك من الحِكم التي أنشأها الله تعالى في الماء وانزاله من السحاب في وجوه مختلفة وعلى هيآت متعدّدة، مثل البَرد والثَلج والصقيع وغيرها، مع انعقاد البَرد الصلب من الماء اللطيف، وتناثُر الثلوج كالقُطن المندوف من تأثير محرّك قوي ندّاف مع انّه لا تشاهده العين لغاية لطافته وشفافيته ممّا لا تحصى عجايبه، كلّ ذلك فضل من الجبّار القاهر والخلاّق القادر ما لأحد من الخلايق فيه شرك ومدخل، بل ليس للمؤمنين من خلقه ولا الملائكة المسبّحين إلاّ الاستكانة والخضوع تحت جلاله، ولا للعميان الجاحدين إلاّ الجهل بكفيفيّة خلقه وأمره في شيء، ورجم الظنّ بذكر فاعله وعلّته. فيقول الجاهل المغرور القاصر النظر: إنّما ينزل الماء من السحاب لأنّه ثقيل بالطبع، وطبيعته سبب نزوله، ويظنّ أنّ هذا معرفة انكشفت له ويفرح به. ولو قيل له: ما معنى الطبع؟ وما الذي أجبر طبع الماء حتّى رقى إلى جانب السماء؟ حتّى لو احتالوا تخيّلوا وجهاً آخر وقالوا: إنّ الهواء انقلب بطبعه ماء في كرة الزمهرير لبُرودته العارضة لأنّه صعد الماء إلى هناك. قلنا له: أيّها الجاهِل بعلم ما فوق الطبيعة، والغافِل عمّن بيده الخلق والأمر فمَن الذي أجبَر طبيعة الهواء حتَى انقلب ماء والبرودة كيفيّة عرضيّة، والعرض لا يقلب صورة الجوهر؟ ثمّ مَن الذي أجبَر طبيعة الماء المصبوب في أسفل الأشجار حتّى رقى إلى أعلى الأغصان وهو ثقيل بطبعه، فإذا هوى إلى الأسفل كيف ارتفع ثانياً إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئاً فشيئاً، بحيث انتشر في جميع أطراف الأغصان والأوراق؟ فغذاء كل جزء من كلّ ورقة يجري إليه من تجاويف عروق شعريّة دقيقة غير مرئيّة يرى منها العِرق الكبير الذي هو أصل الورقة، ثمّ ينتشر من ذلك العِرق الكبير الممتدّ في الطول عروق صغار، فكان الكبير نهراً وما انشعب عنه جداول، ثمّ ينشعب من الجداول سواقي أصغر منها، ثمّ تنتشر منها خطوط عنكبوتيّة دقيقة تخرج عن ادراك البصر حتّى تنبسط في جميع عرض الورقة فيصل الماء في أجوافها إلى ساير أجزاء الورق ليغذيه وينميه ويبقي طراوته ونظارته، كذلك في ساير الأشجار والحيوانات. والغرض منها كلّها خِلقة الإنسان وإنّما كوّنت من فُضالته ساير الأكوان كما حقّقه أهل الكشف والبرهان. وإن كان زمام أمر الماء بيده، فكيف يتحرّك إلى فوق وهو مخالف طبعه؟! وإن كان زمامه بيد جاذب فما الذي سخّر ذلك الجاذب حتّى يجذبه إلى فوق وساير الجوانب؟ فإن كان ينتهي بالآخرة إلى خالق السماوات والأرض وجبّار الملك والملكوت فلِمَ لا يحال عليه في أوّل الأمر حتّى يخلص من هذا الشرك؟؟ فنهاية أمر الجاهل بدايةُ حال العاقل. فقوله: {ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ} - أي: تشربون أنتم وأشجاركم وزُروعكم، بل شُرب الأشجار والزروع لدي الاعتبار عند أولي الأبصار وهو شُرب الإنسان، فإنّ الماء يبدرق الطعام إلى ما يتغذى به النبات والحيوان ويسوقه من المواضع البعيدة إلى الإنسان بعد الاستحالات. وقوله: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} - أي: جعلناه ملحاً زعاقاً لا يُقدر على شربه كما كان أوّلاً في البحر، أو أبقيناه فيه على حاله من غير أن نصعده إلى فوق ثمّ نرسله إلى مواضع الأرض. {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} - أي: لا تعرفون قدر هذه النعمة العظيمة، فإنّ الشكر كساير المقامات له جزء علميّ - هو كالأصل -، وجزء عمليّ كالفرع فمَن عرف الأصول التي منها تحصل الأطعمة وتصير صالحة لأن يتغذّى بها الإنسان يعلم أنّ تلك الأسباب لأجل سياقه العباد إلى عالَم المعاد، فيعمل بالضرورة عمل أهل الآخرة، كما قال تعالى: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} تفسير : [عبس:24 - 25] - الآية -. فإنّك إذا نظرت إلى طعامك عرفت انّه قد حصل من الماء والتراب، وإذا نظرت إليهما عرفت انّهما بصرافتهما لا يغذيانك، فتحتاج إلى البذور والحبوب، فإذا وجدت حبّة أو حبّات فلو أكلتها لفنيت وبقيت جائعا فيما أحوجك إلى أن تنمو الحبّة في نفسها وتزيد وتتضاعف حتّى تبقى لحاجاتك، فخلق الله في حبّه الحنطة والشعير من القوى ما يغذى له كما خلق فيك، فإن النبات لا يفارقك في الاغتذاء والنماء، بل يفارقك في الحسّ والحركة الإراديّة، وكما أنّ كلّ شيء لا يغذيك فكذلك النبات لا يتغذّى بكلّ شيء، يل يحتاج إلى طعام مخصوص، بدليل أنّه لو تركته في البيت لم يزدد بمجّرد مصادفة الهواء، ولو تركتها في الماء لم تَنْمُ وكذلك لو تركتها في أرض لا ماء فيها، بل لا بدّ فيه من أرض فيها ماء يمتزج بها، ومن هواء يتخلخل فيهما، ومن حرارة تؤثر فيها، فيحتاج إلى العناصر الأربعة لتحصل منها مادّة غذائيّة. ثمّ الماء لا يتحرّك بنفسه، فالله سبحانه يحرّكه بأيدي الملائكة الموكّلة عليه - كما أشير إليه في قوله: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً} تفسير : [عبس:25] -. ثمّ الهواء لا يتحرّك بنفسه، ولو تركت الحبّة في أرض نديّة صلبة متراكمة لم تنبت - لفقد الهواء في جوفها - ولا بدّ من تركها في أرض رخوة متخلخلة يتخلخل إليها الهواء، فيحتاج إلى ريح تحرّك الهواء وتضربه بقهر وعنف على الأرض حتّى تنفذ فيها. وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}تفسير : [الحجر:22]. وإنّما لقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء والماء والأرض ثمّ يحتاج إلى حرارة الربيع والصيف وهي لا تحصل من الماء والأرض لأنّهما الباردان، ولا من الهواء، لقلّة حرارته الذاتيّة ولتبرده بمجاورتهما، ولا من كرة النار لبُعْدها، فانظر كيف سخَّر الله الشمس وكيف جعلها مع بُعدها عن الأرض مسخنة لها في وقت دون وقت عند الحاجة، وجعل القمر نائباً عنها في نضج الفواكه لما فيه من الترطيب، كما فيها من التسخين. وهذه إحدى فوائد الشمس والقمر، والحِكَم فيهما وفي السماويّات كثيرة لا تحصى، ثمّ إذا عرفت حاجة النبات إلى الشمس والقمر والكواكب علم أنّ وجودها لا يكون ولا يتمّ إلاّ بأفلاك هي مركوزة فيها، ولا تتمّ الأفلاك إلا بحركاتها، ولا تتمّ حركاتها الإراديّة الشوقيّة إلاّ بملائكة نفسانيّة تحركها بإرادات وأشواق إلى ما هي فوقها من غايات عقليّة، فلا يتمّ إلاّ بملائكة عقلية مفارقة عن الأجسام وأشواقها وأعراضها لتعاليها عن النظر إلى غير وجه الله، لأنّهم المعتكفون تحت قبّة الجبروت فهم أبداً في مشاهدة جماله، متحيّرون لا يرومون النظر إلى ما سواه، لأنّهم صائرون إليه {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [الشورى:53]. فمن عرف أنّ كلّ نعمة من نعم الله لا تتم إلاّ بأمثال هذه الأمور المرتّبة المذكورة بعضها المطوية أكثر منها لخفائها ودقّتها من الأسباب المؤدية إلى عظايم عوالم ملكه وملكوته وجبروته، ثمّ إلى مرتبة الإلهيّة وأسمائها، ثمّ إلى تحت قبابه الأحديّة وكبريائه العينيّة، فيعلم أنّ بدء الأشياء منه تعالى، فيأخذ في شكر نعمه، ويجعل كلّ شيء في مصرفه الذي صرفه الله إليه، فينكشف له انّ موادّ الأغذية كالماء والأرض والنار والهواء لفائدة الاغتذاء وحصول صورة الغذاء، وهي لحصول النشوء والنماء وهما لتمام خلقة الشخص وبقاء النوع ممّا لا يقبل شخصه قوّة البقاء، ثمّ تمام الخلقة إنّما يكون لحصول النفس الحسّاسة المتحرّكة وهي النفس المتخيّلة، وهي للناطقة العارفة بالحقّ وملكوته بالقوّة، وهي للقوّة العاقلة بالفعل الصائرة عقلا فعّالا يفيض منه المعقولات لأنّه قلم الحقّ الأوّل الذي ينشأ منه تصوير الحقايق على ألواح القلوب والنفوس، والقلم بيد القدرة مقبوضة مسخّرة متحرّكة بها ولأجلها، والقدرة تنتهي إلى القادر فمنه الابتداء وإليه الانتهاء. فإذا علم هذا بلغ إلى مقام التوكّل والرضاء. فإن بلغ إليهما وأحكمهما يصل إلى مقام الوحدة، فيصير عبداً مخلَصاً عن شوب الشرك بالكليّة إذ في الشكر ضَرْبٌ من الشرك الخفيّ لكونه لاستجلاب المزيد، وكذا في التوكّل فإنّه يستدعي متوكِّلا ومتوكَّلا عليه يتوكّل المتكلّف في حوالة أمره إلى الوكيل، والرضا وإن كان باب الله الأَعظم، ففيه أيضاً رائحة من الاشتراك فإنّ الراضي يستدعي وجوداً مقابلاً لوجود المرضيّ عنه، وله مجال تصرّف تركه بالاختيار، وهذه المرتبة أيضاً قاصرة عن درجة الواصلين إلى درجة التوحيد، فإن ارتقى من هذه الدرجات وصل إلى مقام الفناء المحض، ومحو الأثر بالكلّية، وهو منزل أهل الوحدة المطلقة فإنّ إلى الله المنتهى وإليه الرجعى.
الجنابذي
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} لا تقدرون ان تقولوا انزله البشر فانّا {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ}.
اطفيش
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمْ المَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ} العذب الصالح للشرب. {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ} السحاب واحدته مزنة مطلقا وقيل المزن السحاب الابيض وماؤه عذب وقال الحسن: المزن السماء. {أَمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ} وجملة الاستفهام مفعول ثان للروية ان جعلت علمية.
الالوسي
تفسير : عذباً فراتاً، وتخصيص هذا الوصف بالذكر مع كثرة منافعه لأن الشرب أهم المقاصد المنوطة به.
ابن عاشور
تفسير : هذا على طريقة قوله: {أية : أفرأيتم ما تحرثون}تفسير : [الواقعة: 63] الآية، تفريعاً واستفهاماً، وفعلَ رؤية. ومناسبةُ الانتقال أن الحرث إنما ينبت زرعه وشجره بالماء فانتقل من الاستدلال بتكوين النبات إلى الاستدلال بتكوين الماء الذي به حياة الزرع والشجر. ووصفُ {الماء} بــــ {الذي تشربون} إدماجٌ للمنة في الاستدلال، أي الماء العذب الذي تشربونه، فإن شرب الماء من أعظم النعم على الإنسان ليقابَل بقوله بعده: {أية : لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون}تفسير : [الواقعة: 70]. والمراد ماء المطر ولذلك قال: {أأنتم أنزلتموه من المزن}، والمراد: أنزلتموه على بلادكم وحروثكم. وماء المطر هو معظم شراب العرب المخاطبين حينئذٍ ولذلك يقال للعرب: بنو ماء السماء. والمزن: اسم جمع مُزنة وهي السحابة. ووجه الاستدلال إنشاء ما به الحياة بعد أن كان معدوماً بأن كوّنه الله في السحاب بحكمة تكوين الماء. فكما استُدل بإيجاد الحي من أجزاء ميتة في خلق الإنسان والنبات استُدل بإيجاد ما به الحياة عن عدم تقريباً لإِعادة الأجسام بحكمة دقيقة خفية، أي يجوز أن يمطر الله مطراً على ذوات الأجساد الإنسانية يكون سبباً في تخلقها أجساداً كاملة كما كانت أصولها، كما تتكوّن الشجرة من نواةِ أصلِها، وقد تم الاستدلال على البعث عند قوله: {أم نحن المنزلون}. وقوله: {أأنتم أنزلتموه من المزن} جعل استدلالاً منوطاً بإنزال الماء من المزن، على طريقة الكناية بإنزاله، عن تكوينه صالحاً للشراب، لأن إنزاله هو الذي يحصل منه الانتفاع به ولذلك وصف بقوله: {الذي تشربون}. وأعقب بقوله {أية : لو نشاء جعلناه أجاجاً}تفسير : [الواقعة: 70] فحصل بين الجملتين احتباك كأنه قيل: أأنتم خلقتموه عَذْباً صالحاً للشرب وأنزلتموه من المزن لو نشاء جعلناه أجاجاً ولأمسكناه في سحاباته أو أنزلناه على البحار أو الخلاء فلم تنتفعوا به.
الشنقيطي
تفسير : تضمنت هذه الآية الكريمة امتناناً عظيماً على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضاً آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه، والمعنى: أفرأيتم الماء الذين تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة ولو أعدمناه لهلكتم جميعاً في أقرب وقت: {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ}. والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا هو منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكراً لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}تفسير : [الحجر: 22] وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ}تفسير : [النحل: 10] وقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً}تفسير : [الفرقان: 48-49]. وقوله تعالى: {أية : وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً}تفسير : [المرسلات: 27] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي لو نشاء جعله أجاجاً لفعلنا، ولكن جعلناه عذباً فراتاً سائغاً شرابه، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى. لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب. جاء معناه في آيات أخر كقوله تعالى {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك: 30] وقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}تفسير : [المؤمنون: 18] لأن الذهاب بالماء وجعله غوراً لم يصل إليه وجعله أجاجاً، كل ذلك في المعنى سواء بجامع عدم تأتي شرب الماء، وهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ} يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله كله نازل من المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} وقوله تعالى {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 21] وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى {أية : فَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}تفسير : [الحجر: 22] وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى {أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}تفسير : [سبأ: 2] الآية وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} فلولا بمعنى هلا، وهي حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بحث وحض. واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه ومن الرب لعبده. فشكر العبد لربه، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا ما يرضي من خلقها، وهكذا في جميع الجوارح، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى هنا: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} وقوله تعالى {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}تفسير : [البقرة: 152] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومنه قوله تعالى {أية : وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 158] وقوله تعالى {أية : إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}تفسير : [فاطر: 34] إلى غير ذلك من الآيات. تنبيه لغوي اعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة وإلى المنعم أخرى، فإن عديت إلى النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر كقوله تعالى {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ}تفسير : [النحل: 19] الآية، وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام كقولك: نحمد الله ونشكر له، ولم تأت في القرآن معداة إلا باللام، كقوله {وَاشْكُرُواْ لِى وَلاَ تَكْفُرُونِ} وقوله {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}تفسير : [لقمان: 14] وقوله {أية : وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [البقرة: 172] وقوله {أية : فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [العنكبوت: 17] إلى غير ذلك من الآيات. وهذه هي اللغة الفصحى، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن، ومن ذلك قول أبي نخيلة: شعر : شكرتك إن الشكر حبل من اتقى وما كل من أوليته نعمة يقضى تفسير : وقول جميل بن معمر: شعر : خليلي عوجا اليوم حتى تسلما على عذبة الأنياب طيبة النشر فإنكما إن عجتما لي ساعة شكرتكما حتى أغيب في قبري تفسير : وهذه الآيات من سورة الواقعة قد دلت على أن اقتران جواب لو باللام، وعدم اقترانه بها كلاهما سائغ، لأنه تعالى قال {أية : لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً}تفسير : [الواقعة: 65] باللام ثم قال {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} بدونها.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَرَأَيْتُمُ} (68) - أَرَأَيْتُمْ هَذَا الماءَ الذِي تَشْرَبُونَهُ عَذْباً زُلاَلاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر تعالى نعمته على عباده بالطعام، ذكر نعمته عليهم بالشراب العذب الذي منه يشربون، وأنهم لولا أن الله يسره وسهله، لما كان لكم سبيل إليه، وأنه الذي أنزله من المزن، وهو السحاب والمطر، ينزله الله تعالى فيكون منه الأنهار الجارية على وجه الأرض وفي بطنها، ويكون منه الغدران المتدفقة، ومن نعمته أن جعله عذبا فراتا تسيغه النفوس، ولو شاء لجعله ملحا أجاجا مكروها للنفوس. لا ينتفع به { فَلَوْلا تَشْكُرُونَ } الله تعالى على ما أنعم به عليكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):