Verse. 5052 (AR)

٥٦ - ٱلْوَاقِعَة

56 - Al-Waqi'a (AR)

نَحْنُ جَعَلْنٰہَا تَذْكِرَۃً وَّمَتَاعًا لِّلْمُقْوِيْنَ۝۷۳ۚ
Nahnu jaAAalnaha tathkiratan wamataAAan lilmuqweena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«نحن جعلناها تذكرة» لنار جهنم «ومتاعا» بُلْغَة «للمقوين» للمسافرين من أقوى القوم: أي صاروا بالقوى بالقصر والمد أي القفر وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء.

73

Tafseer

الرازي

تفسير : في قوله: {تَذْكِرَةٌ } وجهان أحدهما: تذكرة لنار القيامة فيجب على العاقل أن يخشى الله تعالى وعذابه إذا رأى النار الموقدة وثانيهما: تذكرة بصحة البعث، لأن من قدر على إيداع النار في الشجر الأخضر لا يعجز عن إيداع الحرارة الغريزية في بدن الميت وقد ذكرناه في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً } تفسير : [يس: 80] والمقوى: هو الذي أوقده فقواه وزاده وفيه لطيفة: وهو أنه تعالى قدم كونها تذكرة على كونها متاعاً ليعلم أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {نَحْنُ جَعَلْنَٰهَا تَذْكِرَةً } لنار جهنم {وَمَتَٰعاً } بُلْغَةً {لِّلْمُقْوِينَ } للمسافرين، من أقوى القوم: أي صاروا بالقوى بالقصر والمدّ: أي القفر وهو مفازة لا نبات فيها ولا ماء.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَذْكِرَةً} للنار الكبرى، أو تبصرة للناس من الظلام، {لِّلْمُقْوِينَ} المسافرين قال الفراء: إنما يقال لهم ذلك إذ نزلوا بالقِيِّ وهي القفر التي لا شيء فيها، أو المستمتعين من حاضر ومسافر، أو الجائعين في إصلاح طعامهم، أو الضعفاء المساكين من أقوت الدار إذا خلت وأقوى الرجل ذهب ماله، أو المقوي الكثير المال من القوة.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً} استئنافٌ مبـينٌ لمنافعِها أي جعلناها تذكيراً لنارِ جهنَم حيثُ علقنا بها أسبابَ المعاشِ لينظروا إليها ويذكروا ما أُعدوا به من نارِ جهنَم أو تذكرةً وأنموذجاً من نارِ جهنَم لما رُويَ عن النبـيِّ عليه الصلاةُ والسلامُ: « حديث : نارُكم هذه التي يوقِدها بنُو آدمَ جزءٌ من سبعين جُزءاً من حرِّ جهنَم » تفسير : وقيل: تبصرةً من أمرِ العبثِ فإنه ليسَ بأبدعَ من إخراجِ النار من الشيءِ الرطبِ {وَمَتَـٰعاً} ومنفعةً {لّلْمُقْوِينَ} للذين ينزلونَ القَواءَ وهي الفقرُ وتخصيصُهم بذلك لأنهم أحوجُ إليها فإن المقيمينَ أو النازلينَ بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداحِ بالزنادِ، وقد جُوز أن يرادَ بالمقوين الذين خلتْ بطونُهم ومزاودُهم من الطعامِ وهو بعيدٌ لعدم انحصارِ ما يهمهم ويسدُّ خللَهم فيما لا يؤكلُ إلا بالطبخِ وتأخيرُ هذه المنفعةِ للتنبـيهِ على أن الأهم هو النفعُ الأخروي. والفاءُ في قوله تعالى {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ} لترتيبِ ما بعدَها على عددٍ من بدائعِ صنعهِ تعالَى وروائعِ نعمِه الموجبةِ لتسبـيحهِ تعالى إما تنزيهاً له تعالى عما يقوله الجاحدون بوحدانيةِ الكافرون بنعمتِه مع عظمِها وكثرتِها أو تعجباً من أمرِهم في غمطِ تلك النعمِ الباهرةِ مع جلالةِ قدرِها وظهورِ أمرِها أو شكراً على تلك النعمِ السابقة أي فأحدِثْ التسبـيحَ بذكرِ اسمِه تعالى أو بذكرِه فإن إطلاقَ الإسم للشيءِ ذكرٌ له والعظيمُ صفةٌ للاسمِ أو الربِّ {فَلاَ أُقْسِمُ} أي فأقسمُ ولا مزيدةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى: { أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ} تفسير : [سورة الحديد، الآية 29] أو فَلأنا أقسمُ فحذف المبتدأ وأُشيع فتحةَ لام الابتداء، ويعضده قراءةُ من قرأَ فلأقسمُ أو فلا ردَّ لكلامٍ يخالفُ المقسمَ عليه، وأما ما قيلَ: من أنَّ المعنى فلا أقسمُ إذاً لأمرٍ أوضحَ من أنْ يحتاجَ إلى قسمٍ فيأباه تعيـينُ المقسَمِ به وتفخيمُ شأنِ القسمِ به {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} أي بمساقطِها وهي مغاربُها وتخصيصُها بالقسم لما في غروبها من زوالِ أثرِها والدلالةِ على وجودِ مؤثرٍ دائمٍ لا يتغيرُ أو لأن ذلكَ وقتُ قيامِ المتهجدينَ والمبتهلينَ إليه تعالى وأوانُ نزولِ الرحمةِ والرضوانِ عليهم أو بمنازلها ومجاريها فإنَّ له تعالَى في ذلك من الدليلِ على عظمِ قُدرتِه وكمالِ حكمتِه ما لا يحيطُ به البـيانُ وقيل: النجومُ نجومُ القرآنِ ومواقعُها أوقاتُ نزولِها وقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} اعتراضٌ في اعتراضٍ قُصدَ به المبالغةُ في تحقيق مضمونِ الجملةِ والقسيمةِ وتأكيدِه حيث اعترضَ بقوله وإنه لقسمٌ بـين القسمِ وجوابِه الذي هُو قولُه تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ} أي كثيرُ النفعِ لاشتمالِه على أصولِ العلومِ المهمةِ في صلاحِ المعاشِ والمعادِ أو حسنٌ مرضيٌّ أو كريمٌ عند الله تعالى وقوله تعالى لو تعلمونَ وُسّط بـينَ الموصوفِ وصفتِه، وجوابُ لو إما متروكٌ أريدَ به نفيُ علمِهم أو محذوفٌ ثقةٍ بظهورِه أي لعظمتموه أو لعملتُم بموجبهِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} [الآية: 73]. قال جعفر: موعظة للمتقين وآله للأولياء من العارفين فى حمله.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} جعل الله تعالى أياته بصنوفها مرأى انوار صفاته يتجلى منا الابصار العارفين ويقوى برويتها ارواح الموحدين ويستقيم بها عقول الصادقين وتفرغ من مواعظها قلوب الخاشعين فصاروا فى معابد العبودية متذللين فى مراقد انوار عظمته متواضعين قال جعفر موعظة للتائبين وأله للاقوياء من العارفين فى حمله.

اسماعيل حقي

تفسير : {نحن جعلناها تذكرة} استئناف مبين لمنافعها اى جعلنا نار الزناد تذكير النار جهنم من حيث عقلنا بها اسباب المعاش لينظروا اليها ويذكروا ما اوعدوا به من نار جهنم او تذكرة وموعظة وانموذجا من جهنم لما روى عن النبى عليه السلام "حديث : ناركم هذه التى يوقدها بنوا آدم جزء من سبعين جزأ من حر جهنم" تفسير : وقيل تبصره فى امر البعث فانه ليس ابدع من اخراج النار من الشىء الرطب وفى عين المعانى وهو حجة على منكرى عذاب القبر حيث تضمن النار مالا يحرق ظاهره {ومتاعا} ومنفعة وبلغة لان حمل النار يشق {للمقوين} للذين ينزلون القوآء بالفتح وهو القفر الخالى عن الماء والكلاء والعمارة وهم المسافرون وتخصيصهم بذلك لانهم احوج اليها ليهرب منها السباع ويسطلوا من البرد ويجففوا ثيابهم ويصلحوا طعامهم فان المقيمين او النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين الى الاقتداح بالزناد وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على ان الاهم هو النفع الاخروى يقال اقوى الرجل اذا نزل فى الارض القوآء كأصحر اذا دخل فى الصحراء وفى الحديث قال النبى عليه السلام لجبريل "حديث : مالى لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال ماضحك ميكائيل منذ خلقت النار"تفسير : وعن انس رضى الله عنه يرفعه ان أدنى اهل النار عذابا الذى يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه فى رأسه وفيه بيان شدة نار جهنم وانها ليست كنار الدنيا وقانا الله واياكم منها وفى الآية اشارة الى نار المحبة المشتعلة الموقودة بمقدح الطلب فى حراقة قلب المحب الصادق فى سلوك طريق الحق وشجرتها هى العناية الالهية السرمدية يدل هذا التأويل قول العارف أبى الحسين المنصور قدس سره حين سئل عن حقيقة المحبة هى العناية الالهية السرمدية لولاها ما كنت تدرى ماالكتاب ولا الايمان نحن جعلناها تذكرة لأرباب النفوس البشرية ليهتدوا بنورها الى سلوك طريق الحق {ومتاعا للمقوين} اى غذآء لأرواح المحبين الطاوين اياما وليالى عن الطعام والشراب كما حكى عن سهل التسترى رحمه الله انه كان يطوى ثلاثين يوما وعن أبى عقيل المغربى قدس سره انه ما اكل سنتين وهو مجاور بمكة وعن كثير من المرتاضين السالكين وانما رفع ادريس عليه السلام الى السماء الرابعة لمبالغته فى التجريد والترويح حتى ان الروحانية غلبت عليه فخلع بدنه وخالط الملائكة واتصل بروحانية الافلاك وترقى الى عالم القدس وقد اقامه ستة عشر عاما لم ينم ولم يطعم شيأ ولم يتزوج قط لزوال الشهوة بالكلية حتى صار عقلا مجردا من كثرة الرياضة ورفع الى اعلا الامكنة وهو المكان الذى يدور عليه رحى عالم الافلاك وهو فلك الشمس ثم نار المحبة اشد النيران قال الجنيد قدس سره قالت النار يارب لو لم اطعك هل كنت تعذبنى بشىء هو اشد منى قال نعم كنت اسلط عليك نارى الكبرى قالت هل نار اعظم منى قال نعم نار محبتى اسكنها قلوب اوليائى المؤمنين كما فى فتح القريب شعر : مهر جانان آتش است عشاق را مى بسوزد هستىء مشتاق را

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إنّ الله جعلها تذكرة ليتذكّر بها الإنسان كثيراً من دقائق صنع الله وعجايب حكمته. منها ما مرَّ، ومنها أنّها تدلّ على النار الأخرويّة الكبرى لِما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : نارُكم هذه التي يُوقد بني آدم جزء من سبعين جزء من حرِّ جهنَّم" تفسير : فإذا رآها الإنسان ذكَر جهنّم وأهوالها فاستعاذ بالله منها. ومنها: أنّها تدلّ على نار النفس التي هي شعلةٌ ملكوتيّة يتوقّد بها القلب بواسطة الروح البخاريّة التي هي كفتيلةٍ دخانيّة استعدّت للاشتعال {أية : وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} تفسير : [النور:35]، كمادّة فيها كيفية كبريتيّة، وتلك النفس هي التي سوّاها الله {أية : فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس:8]، فتذكّر قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس:8 - 10] فتأخذ في تزكية النفس وتطهيرها من الآفة والنقص. ومنها: أنّها جوهر نوارني سماوي، والنور حقيقة بسيطة تختلف مراتبه بالشدّة والضعف، وغاية كماله الأنوار العقليّة والنفسيّة، وهي كظلال وأضواء للنور الأحدي الإلهيّ، فيتذكّر بها عالَم الربوبيّة ويسافر منها إليه كما وقع لموسى على نبيّنا وآله وعليه السلام. ومنها: أنّها مادّة خلقة الشياطين وجنوده، فيتذكّر بها إبليس وكيده ويتعوّذ بالله منه بأن ينوّر نار نفسه بنور المعرفة، ويتّقي من استيلاء شرارة الغضب وحرارة الشهوة ودخان المعصية عليه، ويطفئ بنور إيمانه نار جهنّم، كما ورد في الحديث: "حديث : إنّها تقول للمؤمن: جُزْني يا مؤمن فإن نورُك أطفأ ناري"تفسير : . تأويلا لقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم: 71 - 72]. وقوله: {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} - أي جعلناها بُلْغة ومنفعة للمسافرين عن ابن عبّاس والضحّاك وقتادة: يعني الذين نزلوا الأرض القَواء - وهي القفر. وعن عكرمة ومجاهد: للمتمتِّعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين. فيكون المقوي عن الأضداد - الذي صار ذا قوّة من المال والنعمة، والذي ذهب ماله، ونزل بالقَواء من الأرض -. وفيه إشارة لطيفة وهي: أنّ الروح الإنساني المسافر إلى عالَم الغيب من عالَم الشهادة ما دام نزوله في البدن وهو مكان قفر مظلم لا يوجد فيه شيء من نعيم الآخرة بنتفع بحرارة نار الطبيعة التي في البدن لأنّها فاعلة فيه بتسخين البدن، فتصطلي بها قواه وتستضيء بها حواسّه وتفعل التغذية وتهضم الطعام وتطبخ الطبيخ من اللحوم والحبوب والتوابل وغيرها في قدر المعدة أوّلاً، ثمَّ في قدر الكبد ثانياً. وأمّا إذا ارتحل الروح عن البدن ووصل إلى موطنه، استغنى بأنوار المعارف الإلهيّة الفاعلة للحياة الأخرويّة الدائمة عن أنوار الحسِّ والحركة الناشئة عن طبيعة البدن، كما استغنى المقوي عن النار التي كان ينتفع بها في الأرض القِواء ليلاً - إذا رجع إلى منزله نهاراً - بأنوار الشمس. وأمّا أهل الجحيم، فهم بمنزلة الفقراء المحتاجين المضطّرين الذين اشتدت حاجتهم إلى النار، حيث كانوا لشدّة الفقر - سواء كانوا في المسكن أو في القفر -، فإنّهم إذا رجعوا إلى مواطنهم في الشتاء، سكنوا في الأتونات والمزابل والمواضع المظلمة، وذلك لبرودة قواهم الطبيعيّة بالهرم والموت وانطفاء أنوار حواسّهم، فليس لأحدهم نور، لا نورُ المعرفة ولا نور الحسّ ولا نار الطبيعة، لأنّهم باعوا حرارة الطبيعة وأنوار الحواسّ بثمن بخس من اللذّات الدنيويّة، ولم يصرفوها في اكتساب نور المعرفة حتّى يربحوا ويفوزوا فوزاً عظيما، فهم قد خسروا خسراناً مبينا كما قال سبحانه: {أية : فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [البقرة:16- 17].

الهواري

تفسير : {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} أي: للنار الكبرى. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ناركم هذه التي توقدون. إنها جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة. قالوا يا رسول الله إن كانت لكافية. قال: فإنها فضلتها تسعة وستين جزءاً. ولقد ضرب بها في الماء مرتين . تفسير : ذكروا عن سلمان الفارسي قال: النار سوداء مظلمة ما يضيء لهبها، ثم قرأ هذه الآية: (أية : وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ) تفسير : [الأنبياء:100]. ذكر الحسن قال: كان عمر بن الخطاب إذا هم أن يوقد النار [أوقد] ثم يدني أصبعه منها فيقول: يا ابن الخطاب، ألك على هذا صبر؟. ذكر بعضهم قال: فما ظنكم عباد الله بعبد قد جعلت في عنقه سلسلة محماة تحرق ما ظهر من جسده وما بطن؛ فلو أن حلقه من تلك السلسلة وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، فكيف بابن آدم، وهي عليه وحده. ثم يطمس وجهه على دبره، ويجمع ما بين ناصيته وقدمه، وقرن معه شيطانه، تنازعهم الأغلال في حميم، فبئس القرناء قرنوا معه. فويل لابن آدم حين هو مسود الوجه، بادىء العورة، ذليل الجسد، كاسف البال، آيس من كل خير، مستيقن من كل شر، تسحبه الملائكة بالسلاسل في نار تغلي على القطران، والقطران يغلي على جسده. قال تعالى: {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} أي: يستمتعون بها. والمقوون المسافرون في تفسير الحسن. وقال بعضهم: المقوي المسافر المرمل. والمرمل الذي قد ذهب زاده. وقال مجاهد: المقوون المستمتعون.

الالوسي

تفسير : {نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً } استئناف مبين لمنافعها أي جعلناها تذكيراً لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعاش لينظروا إليها ويذكروا بها ما أوعدوا به، أو جعلناها تذكرة وأنموذجاً من جهنم لما في «الصحيحين» وغيرهما عن أبـي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم » تفسير : وعلى الوجهين التذكرة من الذكر المقابل للنسيان ولم ينظر في الأول إلى أنها من جنس نار جهنم أولاً وفي الثاني نظر إلى ذلك. وقيل: تبصرة في أمر البعث لأن من أخرج النار من الشجر الأخضر المضاد لها قادر على إعادة ما تفرقت مواده، وقيل: تبصرة في الظلام يبصر بضوئها، وفيه أن التذكرة لا تكون بمعنى التبصرة المأخوذة من البصر وكون المراد تذكرة لنار جهنم هو المأثور عن الكثيرين، ومنهم ابن عباس ومجاهد وقتادة. {وَمَتَـٰعاً } ومنفعة {لّلْمُقْوِينَ } للذين ينزلون القواء وهي القفر من أقوى دخل القواء كأصحر دخل الصحراء. وتخصيص المقوين بذلك لأنهم أحوج إليها فإن المقيمين أو النازلين بقرب منهم ليسوا بمضطرين إلى الاقتداح بالزناد. وقيل: {لّلْمُقْوِينَ } أي المسافرين، ورواه جمع عن ابن عباس وعبد بن حميد عن الحسن، وهو وابن جرير وعبد الرزاق عن قتادة بزيادة كم من قوم قد سافروا ثم أرملوا فأججوا ناراً فاستدفئوا وانتفعوا بها، وكان إطلاق المقوين على المسافرين لأنهم كثيراً ما يسلكون القفراء والمفاوز، وقيل: {لّلْمُقْوِينَ } للفقراء يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد كأنه تصور من حال الحاصل في القفر الفقر، فقيل: أقوى فلان أي افتقر كقولهم أترب وأرمل، وقال ابن زيد: للجائعين لأنهم أقوت أي خلت بطونهم ومزاودهم من الطعام فهم يحتاجون إليها لطبخ ما يأكلون. وخصوا ـ على ما قيل ـ لأن غيرهم يتنعم بها لا يجعلها متاعاً، وتعقب بأنه بعيد لعدم انحصار ما يهمهم ويسدّ خلتهم فيما لا يؤكل إلا بالطبخ. وقال عكرمة ومجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين المسافرين والحاضرين يستضيئون بها ويصطلون من البرد وينتفعون بها في الطبخ والخبز، قال العلامة الطيبـي والطبرسي: وعلى هذا القول ـ المقوى ـ من الأضداد يقال للفقير: مقو لخلوه من المال، وللغني مقو لقوّته على ما يريد يقال: أقوى الرجل إذا صار إلى حال القوة والمعنى متاعاً للأغنياء والفقراء لأنه لا غنى لأحد عنها انتهى. وفيه بحث لا يخفى، ولعل الأقرب عليه أنه أريد بالاقواء الاحتياج والمستمتع بها محتاج إليها فتدبر. وتأخير هذه المنفعة للتنبيه على أن الأهم هو النفع الأخروي. وتقديم أمر الماء على أمر النار لأن الاحتياج إليه أشد وأكثر والانتفاع به أعم وأوفر، وقال بعضهم: قدم أمر خلق الإنسان من نطفة لأن النعمة في ذلك قبل النعمة في الثلاثة بعد، ثم ذكر بعده ما به قوام الإنسان من فائدة الحرث وهو الطعام الذي لا يستغنى عنه الجسد الحي وذلك الحب الذي يختبز فيحتاج بعد حصوله إلى حصول الماء ليعجن به فلذا ذكر بعده ثم إلى النار لتصيره خبزاً فلذا ذكرت بعد الماء وهو كما ترى. واستحسن بعضهم من القارىء أن يقول بعد كل جملة استفهامية من الجمل السابقة: بل أنت يا رب، فقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم والبيهقي في «سننه» عن حُجْر المَدَرِيّ / قال: بت عند عليّ كرم الله تعالى وجهه فسمعته وهو يصلي بالليل يقرأ فمر بهذه الآية { أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ } تفسير : [الواقعة: 58-59] فقال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ {أية : أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة: 64] فقال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ { أية : أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ } تفسير : [الواقعة: 69] فقال: بل أنت يا رب ثلاثاً، ثم قرأ { أية : أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ } تفسير : [الواقعة: 72] فقال: بل أنت يا رب ثلاثاً، وأنت تعلم أن في استحسان قول مثل ذلك في الصلاة اختلافاً بين العلماء.

ابن عاشور

تفسير : الجملة بدل اشتمال من جملة {أية : أم نحن المنشئون}تفسير : [الواقعة: 72]، أي أنَّ إنشاء النار كان لفوائد وحِكماً منها أن تكون تذكرة للناس يذكرون بها نار جهنم ويوازنون بين إحراقها وإحراق جهنم التي يعلمون أنها أشد من نارهم. والمتاع: ما يُتمتع، أي ينتفع به زماناً، وتقدم في قوله: {أية : قل متاع الدنيا قليل} تفسير : في سورة النساء (77). والمُقوِي: الداخل في القَواء (بفتح القاف والمد) وهي القفر، ويطلق المُقوي على الجائع لأن جوفه أقوت، أي خلقت من الطعام إذ كلا الفعلين مشتق من القَوى وهو الخلاء. وفراغ البطن: قواء وقوى. فإيثار هذا الوصف في هذه الآية ليجمع المعنيين فإن النار متاع للمسافرين يستضيئون بها في مناخهم ويصطلون بها في البَرد ويراها السائر ليلاً في القَفر فيهتدي إلى مكان النُّزَّل فيأوي إليهم، ومتاع للجائعين يطبخون بها طعامهم في الحضر والسفر، وهذا إدماج للامتنان في خلال الاستدلال. واختير هذان الوصفان لأن احتياج أصحابهما إلى النار أشد من احتياج غيرهما.

د. أسعد حومد

تفسير : {جَعَلْنَاهَا} {مَتَاعاً} (73) - إِنَّنَا نَحْنُ الذِينَ أَنْشَأْنَا الشَّجَرَةَ التِي تُوقَدُ بِهَا النَّارُ، لِنَجْعَلَ هَذِهِ النَّارَ تَبْصِرَةً لِلْعِبَادِ فِي أَمْرِ البَعْثِ وَالمَعَادِ، لأَِنَّ مَنْ أَخْرَجَ النَّارَ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ الأَجْسَادِ البَالِيَةِ. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: إِنَّنَا جَعَلْنَا النَّاسَ يَتَذَكَّرُونَ، بِحَرِّ نَارِ الدُّنْيَا، حَرَّ نَارِ جَهَنَّمَ فَيَحْسِبُونَ لِذَلِكَ حِسَاباً). وَنَحْنُ جَعَلْنَا النَّارَ مَنْفَعَةً لِلْمُسَافِرِينَ الذِينَ يَنْزِلُونَ المَفَاوِزَ وَالقَوَاءَ مِنَ الأَرْضِ، لِيَسْتَدْفِئُوا بِهَا، وَلِيَطْبُخُوا طَعَامَهُمْ عَلَيْهَا. المُقْوِينَ - المُسَافِرِينَ الذِينَ يَنْزِلُونَ بِالأَرْضِ القَوَاءِ. القَوَاءُ - القَفْرُ. تَذْكِرَةٌ - تَذْكِيرٌ بِنَارِ جَهَنَّمَ، أَوْ تَبْصِرَةً لِلْعِبَادِ. مَتَاعاً - مَنْفَعَةً لِلْمُسَافِرِينَ أَوِ المُحْتَاجِينَ إِلَيهَا.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} معناه الذين لا زادَ مَعهُم. ويقال للمسافرينَ والحَاضرينَ.