٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
75
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الترتيب ووجهه هو أن الله تعالى لما أرسل رسوله بالهدى ودين الحق آتاه كل ما ينبغي له وطهره عن كل مالا ينبغي له فآتاه الحكمة وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها، والموعظة الحسنة وهي الأمور المفيدة المرققة للقلوب المنورة للصدور، والمجادلة التي هي على أحسن الطرق فأتى بها وعجز الكل عن معارضته بشيء ولم يؤمنوا والذي يتلى عليه، كل ذلك ولا يؤمن لا يبقى له غير أنه يقول: هذا البيان ليس لظهور المدعى بل لقوة ذهن المدعى وقوته على تركيب الأدلة وهو يعلم أنه يغلب بقوة جداله لا بظهور مقاله وربما يقول أحد المناظرين للآخر عند انقطاعه أنت تعلم أن الحق بيدي لكن تستضعفني ولا تنصفني وحينئذ لا يبقى للخصم جواب غير القسم بالأيمان التي لا مخارج عنها أنه غير مكابر وأنه منصف، وذلك لأنه لو أتى بدليل آخر لكان له أن يقول: وهذا الدليل أيضاً غلبتني فيه بقوتك وقدرتك، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما آتاه الله جل وعز ما ينبغي قالوا: إنه يريد التفضل علينا وهو يجادلنا فيما يعلم خلافه، فلم يبق له إلا أن يقسم فأنزل الله تعالى عليه أنواعاً من القسم بعد الدلائل، ولهذا كثرت الأيمان في أوائل التنزيل وفي السبع الأخير خاصة. المسألة الثانية: في تعلق الباء، نقول: إنه لما بين أنه خالق الخلق والرزق وله العظمة بالدليل القاطع ولم يؤمنوا قال: لم يبق إلا القسم فأقسم بالله إني لصادق. المسألة الثالثة: ما المعنى من قوله. {فَلاَ أُقْسِمُ } مع أنك تقول: إنه قسم؟ نقول: فيه وجوه منقولة ومعقولة غير مخالفة للنقل، أما المنقول فأحدها: أن (لا) زائدة مثلها في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ } تفسير : [الحديد: 29] معناه ليعلم ثانيها: أصلها لأقسم بلام التأكيد أشبعت فتحتها فصارت لا كما في الوقف ثالثها: لا، نافية وأصله على مقالتهم والقسم بعدها كأنه قال: لا، والله لا صحة لقول الكفار أقسم عليه، أما المعقول فهو أن كلمة لا هي نافية على معناها غير أن في الكلام مجازاً تركيبياً، وتقديره أن نقول: لا في النفي هنا كهي في قول القائل لا تسألني عما جرى علي، يشير إلى أن ما جرى عليه أعظم من أن يشرح فلا ينبغي أن يسأله فإن غرضه من السؤال لا يحصل ولا يكون غرضه من ذلك النهي إلا بيان عظمة الواقعة ويصير كأنه قال: جرى على أمر عظيم. ويدل عليه أن السامع يقول: له ماذا جرى عليك ولو فهم من حقيقة كلامه النهي عن السؤال لما قال: ماذا جرى عليك، فيصح منه أن يقول: أخطأت حيث منعتك عن السؤال، ثم سألتني وكيف لا، وكثيراً ما يقول ذلك القائل الذي قال: لا تسألني عند سكون صاحبه عن السؤال، أو لا تسألني، ولا تقول: ماذا جرى عليك ولا يكون للسامع أن يقول: إنك منعتني عن السؤال كل ذلك تقرر في أفهامهم أن المراد تعظيم الواقعة لا النهي، إذا علم هذا فنقول في القسم: مثل هذا موجود من أحد وجهين إما لكون الواقعة في غاية الظهور فيقول: لا أقسم بأنه على هذا الأمر لأنه أظهر من أن يشهر، وأكثر من أن ينكر، فيقول: لا أقسم ولا يريد به القسم ونفيه، وإنما يريد الإعلام بأن الواقعة ظاهرة، وإما لكون المقسم به فوق ما يقسم به، والمقسم صار يصدق نفسه فيقول لا أقسم يميناً بل ألف يمين، ولا أقسم برأس الأمير بل برأس السلطان ويقول: لا أقسم بكذا مريداً لكونه في غاية الجزم والثاني: يدل عليه أن هذه الصيغة لم ترد في القرآن والمقسم به هو الله تعالى أو صفة من صفاته، وإنما جاءت أمور مخلوقة والأول لا يرد عليه إشكال إن قلنا إن المقسم به في جميع المواضع رب الأشياء كما في قوله: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ } تفسير : [الصافات: 1] المراد منه رب الصافات ورب القيامة ورب الشمس إلى غير ذلك فإذاً قوله: {لاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } أي الأمر أظهر من أن يقسم عليه، وأن يتطرق الشك إليه. المسألة الرابعة: مواقع النجوم ما هي؟ فنقول: فيه وجوه الأول: المشارق والمغارب أو المغارب وحدها، فإن عندها سقوط النجوم الثاني: هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها الثالث: مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة الرابع: مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم، وأما مواقع نجوم القرآن، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها. المسألة الخامسة: هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة؟ قلنا: نعم فائدة جليلة، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل، وقد بيناه في الذاريات، وفي الطور، وفي النجم، وغيرها، فنقول: هي هنا أيضاً كذلك، وذلك من حيث إن الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المني وموته، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته واختياره، ثم لما ذكر دليلاً من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضاً قدرته واختياره، فقال: {أية : أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تفسير : [الواقعة: 63] {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء } تفسير : [الواقعة: 68] إلى غير ذلك، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاماً، وخلقه الماء فراتاً عذباً، وجعله أجاجاً، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئاً، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم، وقال: مواقع النجوم، فإنها أيضاً دليل الاختيار، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار، فقال: {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] وهذا كقوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 20، 21] {أية : وَفِي ٱلسَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } تفسير : [الذاريات: 22] حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا، ثم قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ } فإنه يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل، فيقال: ضربته قوياً، وفيه مسائل نحوية ومعنوية، أما النحوية: فالمسألة الأولى: هو أن يقال: جواب {لَّوْ تَعْلَمُونَ } ماذا، وربما يقول بعض من لا يعلم: إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع، لأن جواب الشرط لا يتقدم، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيداً إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس، جاز أن يقال: قائماً ضربت زيد، أو ضرباً شديداً ضربته، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني، إذا ثبت هذا فنقول: عمل حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة، فإذا قلت: من، وأن، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على عمله مع أن المعنى أمكن فرضه متقدماً ومتأخراً، وعمل الأفعال عمل معنوي، وعمل الحروف عمل مشبه بالمعنى، إذا ثبت هذا فنقول في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى } تفسير : [يوسف: 24] قال بعض الوعاظ متعلق بلولا، فلا يكون الهم وقع منه، وهو باطل لما ذكرنا، وهنا أدخل في البطلان، لأن المتقدم لا يصلح جزاء للمتأخر، فإن من قال: لو تعلمون إن زيداً لقائم، لم يأت بالعربية، إذا تبين هذا فالقول يحتمل وجهين أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية لم يقصد بذلك جواب، وإنما يراد نفي ما دخلت عليه لو، وكأنه قال: وإنه لقسم لا تعلمون، وتحقيقه أن لو تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره، فلا بد من انتفاء الأول، فإدخال لو على تعلمون أفادنا أن علمهم منتف، سواء علمنا الجواب أو لم نعلم، وهو كقولهم في الفعل المتعدي فلان يعطى ويمنع، حيث لا يقصد به مفعول، وإنما يراد إثبات القدرة، وعلى هذا إن قيل: فما فائدة العدول إلى غير الحقيقة، وترك قوله: إنه لقسم ولا تعلمون؟ فنقول: فائدته تأكيد النفي، لأن من قال: لو تعلمون كان ذلك دعوى منه، فإذا طولب وقيل: لم قلت إنا لا نعلم يقول: لو تعلمون لفعلتم كذا، فإذا قال في ابتداء الأمر: لا تعلمون كان مريداً للنفي، فكأنه قال: أقول: إنكم لا تعلمون قولاً من غير تعلق بدليل وسبب وثانيهما: أن يكون له جواب تقديره: لو تعلمون لعظمتموه لكنكم ما عظمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، ولا تعظيم فلا تعلمون. المسألة الثانية: إن قيل قوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ } هل له مفعول أم لا؟ قلنا: على الوجه الأول لا مفعول له، كما في قولهم: فلان يعطي ويمنع، وكأنه قال: لا علم لكم، ويحتمل أن يقال: لا علم لكم بعظم القسم، فيكون له مفعول، والأول أبلغ وأدخل في الحسن، لأنهم لا يعلمون شيئاً أصلاً لأنهم لو علموا لكان أولى الأشياء بالعلم هذه الأمور الظاهرة بالبراهين القاطعة، فهو كقوله: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ } تفسير : [البقرة: 18] وقوله: {أية : كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الأعراف: 179] وعلى الثاني أيضاً يحتمل وجهين أحدهما: لو كان لكم علم بالقسم لعظمتموه وثانيهما: لو كان لكم علم بعظمته لعظمتموه. المسألة الثالثة: كيف تعلق قوله تعالى: {لَّوْ تَعْلَمُونَ } بما قبله وما بعده؟ فنقول: هو كلام اعتراض في أثناء الكلام تقديره: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون لصدقتم، فإن قيل: فما فائدة الاعتراض؟ نقول: الاهتمام بقطع اعتراض المعترض، لأنه لما قال: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } أراد أن يصفه بالعظمة بقوله: عظيم والكفار كانوا يجهلون ذلك ويدعون العلم بأمور النجم، وكانوا يقولون: لو كان كذلك فما باله لا يحصل لنا علم وظن، فقال: لو تعلمون لحصل لكم القطع، وعلى ما ذكرنا الأمر أظهر من هذا، وذلك لأنا قلنا: إن قوله: {لاَ أُقْسِمُ } معناه الأمر واضح من أن يصدق بيمين، والكفار كانوا يقولون: أين الظهور ونحن نقطع بعدمه، فقال: لو تعلمون شيئاً لما كان كذلك، والأظهر منه أنا بينا أن كل ما جعله الله قسماً فهو في نفسه دليل على المطلوب وأخرجه مخرج القسم، فقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } معناه عند التحقيق، وإنه دليل وبرهان قوي لو تعلمون وجهه لاعترفتم بمدلوله، وهو التوحيد والقدرة على الحشر، وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه، وأما المعنوية: فالمسألة الأولى: ما المقسم عليه؟ نقول: فيه وجهان الأول: القرآن كانوا يجعلونه تارة شعراً وأخرى سحراً وغير ذلك وثانيهما: هو التوحيد والحشر وهو أظهر، وقوله: {لقرآن } ابتداء كلام وسنبين ذلك. المسألة الثانية: ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } فنقول: لما قال: {فَلاَ أُقْسِمُ } وكان معناه: لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به عليه. قال: لست تاركاً للقسم بهذا، لأنه ليس بقسم أو ليس بقسم عظيم، بل هو قسم عظيم ولا أقسم به، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر وعلمي بحقيقته. المسألة الثالثة: اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة، والعظم يقال: في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة. وأما في حق الله عز وجل فبالعظيم وذلك هو المناسب، لأن معناه هو الذي قرب قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى العظيم فيه ذلك، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة وملأ أماكن كثيرة من العظم، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة، وملأ صدوراً كثيرة.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} «لا» صلة في قول أكثر المفسرين، والمعنى فأقسم؛ بدليل قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ}. وقال الفراء: هي نفي، والمعنى ليس الأمر كما تقولون، ثم ٱستأنف «أُقْسِمُ». وقد يقول الرجل: لا والله ما كان كذا فلا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدّم. أي ليس الأمر كما ذكرت، بل هو كذا. وقيل: «لا» بمعنى أَلاَ للتنبيه كما قال:شعر : أَلاَ عِمْ صَبَاحاً أَيُّها الطَّلَلُ الْبَاليِ تفسير : ونبه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، وأنه ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة كما زعموا. وقرأ الحسن وحميد وعيسى بن عمر «فَلأُقْسِمُ» بغير ألف بعد اللام على التحقيق وهو فعل حالٍ ويقدر مبتدأ محذوف، التقدير: فلأنا أقسم بذلك. ولو أريد به الاستقبال للزمت النون، وقد جاء حذف النون مع الفعل الذي يراد به الاستقبال وهو شاذ. الثانية: قوله تعالى: {بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} مواقع النجوم مساقطها ومغاربها في قول قتادة وغيره. عطاء بن أبي رَبَاح: منازلها. الحسن: ٱنكدارها وٱنتثارها يوم القيامة. الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون إذا مُطِروا قالوا مُطِرنا بنَوْء كذا. الماوردي: ويكون قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} مستعملاً على حقيقته من نفي القسم. القشيري: هو قسم، ولله تعالى أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله تعالى وصفاته القديمة. قلت: يدل على هذا قراءة الحسن «فَلأُقْسِمُ» وما أقسم به سبحانه من مخلوقاته في غير موضع من كتابه. وقال ٱبن عباس: المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوماً، أنزله الله تعالى من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السَّفَرة الكاتبين، فنجّمه السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام عشرين سنة، فهو ينزله على الأحداث من أمته؛ حكاه الماوردي عن ٱبن عباس والسّدي. وقال أبو بكر الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي حدثنا حجّاج بن المِنهال حدثنا همّام عن الكلبي عن أبي صالح عن ٱبن عباس قال: نزل القرآن إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وفرق بعد ذلك خمس آيات خمس آيات وأقل وأكثر، فذلك قول الله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}. وحكى الفراء عن ٱبن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن. وقرأ حمزة والكِسائي «بِمَوْقِعِ» على التوحيد، وهي قراءة عبد الله بن مسعود والنَّخَعي والأعمش وٱبن مُحيصن ورُوَيس عن يعقوب. الباقون على الجمع؛ فمن أفرد فلأنه ٱسم جنس يؤدي الواحد فيه عن الجمع، ومن جمع فلاختلاف أنواعه. الثالثة: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} قيل: إن الهاء تعود على القرآن؛ أي إن القرآن لقسم عظيم، قاله ٱبن عباس وغيره. وقيل: ما أقسم الله به عظيم {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} ذكر المقسم عليه؛ أي أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن قرآن كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم محمود، جعله الله تعالى معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كريم على المؤمنين، لأنه كلام ربّهم، وشفاء صدورهم؛ كريم على أهل السماء؛ لأنه تنزيل ربّهم ووَحْيه. وقيل: {كَرِيمٌ} أي غير مخلوق. وقيل: {كَرِيمٌ} لما فيه من كريم الأخلاق ومعاني الأمور. وقيل: لأنه يُكِّرم حافظه، ويُعظّم قارئه. الرابعة: قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} مصون عند الله تعالى. وقيل: مكنون محفوظ عن الباطل. والكتاب هنا كتاب في السماء؛ قاله ٱبن عباس. وقال جابر بن زيد وٱبن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ. عِكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه. السّديّ: الزبور. مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. الخامسة: قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} ٱختلف في معنى {لاَّ يَمَسُّهُ} هل هو حقيقة في المسّ بالجارحة أو معنًى؟ وكذلك ٱختلف في «الْمُطَهَّروُنَ» من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جُبير: لا يمسّ ذلك الكتاب إلا المطهَّرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طُهِّروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم؛ فجبريل النازل به مُطهَّر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مُطهَّرون. الكلبيّ: هم السَّفَرة الكرام البرَرَة. وهذا كله قول واحد، وهو نحو ما ٱختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} أنها بمنزلة الآية التي في «عَبَسَ وَتَوَلَّى»: {أية : فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ.فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ.مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ.بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ} تفسير : [عبس:12-16] يريد أن المطهَّرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة «عبس». وقيل: معنى «لاَ يَمَسُّهُ» لا ينزل به «إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ» أي الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا يمسّ اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرّون. وقيل: إن إسرافيل هو الموكّل بذلك؛ حكاه القشيري. ٱبن العربي: وهذا باطل لأن الملائكة لا تناله في وقت ولا تصل إليه بحال، ولو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه مجال. وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة في الصحف فهو قول محتمل؛ وهو ٱختيار مالك. وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا؛ وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسخته: (من محمد النبيّ إلى شُرَحْبيل بن عبد كُلاَل والحرث بن عبد كُلاَل ونُعَيْم بن عبد كُلاَل قَيْل ذي رُعَين ومَعَافر وهَمْدان أما بعد) وكان في كتابه: ألا يمسّ القرآن إلا طاهر. وقال ٱبن عمر: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تمسّ القرآن إلا وأنت طاهر»تفسير : . وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} فقام وٱغتسل وأسلم. وقد مضى في أول سورة «طه». وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} من الأحداث والأنجاس. الكلبي: من الشرك. الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقيل: معنى {لاَّ يَمَسُّهُ} لا يقرؤه {إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} إلا الموحِّدون؛ قاله محمد بن فضيل وعبدة. قال عِكرمة: كان ابن عباس ينهى أن يُمكَّن أحد من اليهود والنصارى من قراءة القرآن. وقال الفراء: لا يجد طعمَه ونفعَه وبركته إلا المطهرون؛ أي المؤمنون بالقرآن. ٱبن العربي: وهو ٱختيار البخاريّ؛ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيَّا»تفسير : . وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهَّره الله من الشرك والنفاق. وقال أبو بكر الورّاق: لا يوفق للعمل به إلا السّعداء. وقيل: المعنى لا يمسّ ثوابه إلا المؤمنون. ورواه معاذ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. ثم قيل: ظاهر الآية خبر عن الشرع؛ أي لا يمسّه إلا المطهّرون شرعاً، فإن وجد خلاف ذلك فهو غير الشرع؛ وهذا ٱختيار القاضي أبي بكر بن العربي. وأبطل أن يكون لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر. وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». المهدويّ: يجوز أن يكون أمراً وتكون ضمة السين ضمة إعراب. ويجوز أن يكون نهياً وتكون ضمة السين ضمة بناء والفعل مجزوم. السادسة: وٱختلف العلماء في مسّ المصحف على غير وضوء؛ فالجمهور على المنع من مسّه لحديث عمرو بن حزم. وهو مذهب عليّ وٱبن مسعود وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وعطاء والزّهري والنَّخعيّ والحكم وحمّاد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة؛ فروي عنه أنه يمسّه المحدِث، وقد روي هذا عن جماعة من السَّلف منهم ٱبن عباس والشعبي وغيرهما. وروي عنه أنه يمسّ ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمّسه إلا طاهر. ٱبن العربي: وهذا إن سلَّمه مما يقوي الحجة عليه؛ لأن حريم الممنوع ممنوع. وفيما كتبه النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بِعلاَقة ولا على وِسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حَمْله بِعلاَقة أو مسّه بحائل. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن عليّ أنه لا بأس بحمله ومسّه للمسلم والكافر طاهراً أو محدِثاً، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله. وٱحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه. وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما المنع ٱعتباراً بالبالغ. والثاني الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأنّ تعلمه حال الصغر؛ ولأن الصبيّ وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدِثاً. السابعة: قوله تعالى: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي منزل؛ كقولهم: ضَرْبُ الأميرِ ونَسْج اليمنِ. وقيل: {تَنزِيلٌ} صفة لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}. وقيل: أي هو تنزيل.
ابن كثير
تفسير : قال جويبر عن الضحاك: إن الله تعالى لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه، وهذا القول ضعيف، والذي عليه الجمهور: أنه قسم من الله، يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته، ثم قال بعض المفسرين: (لا) ههنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، ورواه ابن جرير عن سعيد بن جبير، ويكون جوابه: { إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ} وقال آخرون: ليست (لا) زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسماً به على منفي؛ كقول عائشة رضي الله عنها: لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، وهكذا ههنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم، ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أوكهانة، بل هو قرآن كريم. وقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ} فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد ذلك، فقيل: أقسم. واختلفوا في معنى قوله: {بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} فقال حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني: نجوم القرآن؛ فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآن جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فهو قوله: { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} نجوم القرآن، وكذا قال عكرمة ومجاهد والسدي وأبو حزرة، وقال مجاهد أيضاً: مواقع النجوم في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن وقتادة، وهو اختيار ابن جرير، وعن قتادة: مواقعها: منازلها، وعن الحسن أيضاً: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة. وقال الضحاك: { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} يعني بذلك: الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقوله: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته، لعظمتم المقسم به عليه. { إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ} أي: إن هذا القرآن الذي نزل على محمد لكتاب عظيم { فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ} أي: معظم، في كتاب معظم محفوظ موقر. وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى: أخبرنا شريك عن حكيم، هو ابن جبير، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} قال: الكتاب الذي في السماء. وقال العوفي عن ابن عباس: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} يعني: الملائكة، وكذا قال أنس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نهيك والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنامعمر عن قتادة: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا، فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس، وقال: وهي في قراءة ابن مسعود: (ما يمسه إلا المطهرون)، وقال أبو العالية: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} ليس أنتم، أنتم أصحاب الذنوب، وقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى: أنه لا يمسه إلا المطهرون؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَـٰطِينُ وَمَا يَنبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } تفسير : [الشعراء: 210 ــــ 212] وهذا القول قول جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله، وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به. وقال آخرون: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} أي: من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناها الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن ههنا المصحف، كما روى مسلم عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو، واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في "مُوطئه" عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: أن لا يمس القرآن إلا طاهر. وروى أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ولا يمس القرآن إلا طاهر» تفسير : وهذه وجادة جيدة قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منهما نظر، والله أعلم. وقوله تعالى: { تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: هذا القرآن منزل من الله رب العالمين وليس هو كما يقولون: إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق الذي لا مرية فيه، وليس وراءه حق نافع. وقوله تعالى: { أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ}؟ قال العوفي عن ابن عباس: أي: مكذبون غير مصدقين، وكذا قال الضحاك وأبو حزرة والسدي، وقال مجاهد: {مُّدْهِنُونَ} أي: تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال بعضهم: معنى وتجعلون رزقكم: بمعنى: شكركم، أنكم تكذبون، أي: تكذبون بدل الشكر، وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرآها: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) كما سيأتي. وقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم بن عدي أن من لغة أزدشنوءة: ما رزق فلان، بمعنى: ما شكر فلان. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وتجعلون رزقكم، يقول: شكركم أنكم تكذبون، وتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا» تفسير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن مخول بن إبراهيم النهدي، وابن جرير عن محمد بن المثنى عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل به مرفوعاً، وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن حسين بن محمد، وهو المروزي، به، وقال: حسن غريب، وقد رواه سفيان الثوري عن عبد الأعلى، ولم يرفعه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما مطر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافراً، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. وقرأ ابن عباس: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال مالك في الموطأ: عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن زيد بن خالد الجهني: أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت في الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس، فقال: «حديث : هل تدرون ماذا قال ربكم؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، ومؤمن بالكوكب» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وأبو داود والنسائي، كلهم من حديث مالك به. وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعمرو بن سواد، حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث: أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أنزل الله من السماء من بركة، إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الغيث، فيقولون: بكوكب كذا وكذا» تفسير : انفرد به مسلم من هذا الوجه. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله ليصبح القوم بالنعمة، أو يمسيهم بها، فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا»تفسير : ، قال محمد، هو ابن إبراهيم: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يستسقي، فلما استسقى، التفت إلى العباس فقال: يا عباس يا عم رسول الله كم أبقى من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعاً، قال: فما مضت سابعة حتى مطروا، وهذا محمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء مؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده، وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله تعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} تفسير : [فاطر: 2]. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان عن إسماعيل بن أمية فيما أحسبه، أو غيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً، ومطروا، يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال: «حديث : كذبت، بل هو رزق الله» تفسير : ثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراري، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما مطر قوم من ليلة، إلا أصبح قوم بها كافرين ــــ ثم قال: ــــ { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا»تفسير : . وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعاً: «حديث : لو قحط الناس سبع سنين، ثم أمطروا، لقالوا: مطرنا بنوء المجدع»تفسير : . وقال مجاهد { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال: قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا: هو من عند الله، وهو رزقه، وهكذا قال الضحاك وغير واحد، وقال قتادة: أما الحسن، فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، فمعنى قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به، ولهذا قال قبله: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ } «لا» زائدة {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } بمساقطها لغروبها.
الشوكاني
تفسير : قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ } ذهب جمهور المفسرين إلى أن "لا" مزيدة للتوكيد، والمعنى: فأقسم، ويؤيد هذا قوله بعد: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } وقال جماعة من المفسرين: إنها للنفي، وإن المنفيّ بها محذوف، وهو كلام الكفار الجاحدين. قال الفراء: هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون. ثم استأنف، فقال: أقسم، وضعف هذا بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قال أبو حيان، وغيره. وقيل: إنها لام الابتداء، والأصل: فلا أقسم، فأشبعت الفتحة، فتولد منها ألف، كقول الشاعر:شعر : أعوذ بالله من العقراب. تفسير : وقد قرأ هكذا: (فلأقسم) بدون ألف الحسن، وحميد، وعيسى بن عمر، وعلى هذا القول، وهذه القراءة يقدّر مبتدأ محذوف، والتقدير: فلأنا أقسم بذلك. وقيل: إن لا هنا بمعنى ألا التي للتنبيه، وهو بعيد. وقيل: لا هنا على ظاهرها، وإنها لنفي القسم، أي: فلا أقسم على هذا؛ لأن الأمر أوضح من ذلك، وهذا مدفوع بقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } مع تعيين المقسم به، والمقسم عليه، ومعنى قوله: {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } مساقطها، وهي مغاربها كذا قال قتادة، وغيره. وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها. وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا. وقيل: المراد بمواقع النجوم: نزول القرآن نجوماً من اللوح المحفوظ، وبه قال السديّ، وغيره، وحكى الفراء عن ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن. قرأ الجمهور: {مواقع} على الجمع، وقرأ ابن مسعود، والنخعي، وحمزة، والكسائي، وابن محيصن وورش عن يعقوب "بموقع" على الإفراد. قال المبرد: موقع هاهنا مصدر، فهو يصلح للواحد والجمع. ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه، فقال: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } هذه الجملة معترضة بين المقسم به، والمقسم عليه، وقوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ } جملة معترضة بين جزأي الجملة المعترضة، فهو اعتراض في اعتراض. قال الفراء، والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير في {إنه} على القسم الذي يدل عليه أقسم، والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون. ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } أي: كرّمه الله وأعزّه، ورفع قدره على جميع الكتب، وكرّمه عن أن يكون سحراً أو كهانة أو كذباً، وقيل: إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي الأمور، وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قارئه. وحكى الواحدي عن أهل المعاني أن وصف القرآن بالكريم لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدّي إلى الحق في الدين. قال الأزهري: الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة. {فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ } أي: مستور مصون، وقيل: محفوظ عن الباطل، وهو اللوح المحفوظ قاله جماعة، وقيل: هو كتاب. وقال عكرمة: هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن، ومن ينزل عليه، وقال السديّ: هو الزبور. وقال مجاهد، وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون، أي: لا يمس الكتاب المكنون إلاّ المطهرون، وهم الملائكة وقيل: هم الملائكة والرسل من بني آدم، ومعنى {لاَّ يَمَسُّهُ }: المسّ الحقيقي، وقيل: معناه لا ينزل به إلاّ المطهرون، وقيل: معناه لا يقرؤه، وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } من الأحداث والأنجاس. كذا قال قتادة، وغيره: وقال الكلبي: المطهرون من الشرك. وقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا. وقال محمد بن الفضل وغيره: معنى {لاَّ يَمَسُّهُ }: لا يقرؤه إلاّ المطهرون، أي: إلاّ الموحدون. وقال الفراء: لا يجد نفعه وبركته إلاّ المطهرون، أي: المؤمنون. وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلاّ من طهره الله من الشرك والنفاق. وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مسّ المصحف، وبه قال عليّ، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، والنخعي، والحكم، وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك، والشافعي. وروي عن ابن عباس، والشعبي، وجماعة منهم أبو حنيفة، أنه يجوز للمحدث مسه، وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا للمنتقي، فليرجع إليه. قرأ الجمهور: {المطهرون} بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول. وقرأ سلمان الفارسي بكسر الهاء على أنه اسم فاعل، أي: المطهرون أنفسهم. وقرأ نافع، وابن عمر في رواية عنهما، عيسى بن عمر بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة، اسم مفعول من أطهر، وقرأ الحسن، وزيد بن عليّ، وعبد الله بن عوف بتشديد الطاء وكسر الهاء، وأصله المتطهرون {تَنزِيلٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قرأ الجمهور بالرفع، وقرىء بالنصب، فالرفع على أنه صفة أخرى لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف، والنصب على الحال. {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة، والمدهن والمداهن: المنافق. كذا قال الزجاج وغيره. وقال عطاء وغيره: هو الكذاب. وقال مقاتل بن سليمان، وقتادة: مدهنون: كافرون، كما في قوله: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }تفسير : [القلم: 9] وقال الضحاك: مدهنون. معرضون، وقال مجاهد: ممالئون للكفار على الكفر، وقال أبو كيسان: المدهن: الذي لا يعقل حق الله عليه، ويدفعه بالعلل. والأوّل أولى؛ لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه؛ كأنه يشبه الدهن في سهولته. قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه؛ ليخفي كفره، والإدهان والمداهنة: التكذيب، والكفر، والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر، وقال في الكشاف: مدهنون: أي: متهاونون به كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به انتهى. قال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين؛ لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة، وترك الجدّ: كما جعل التقريد: وهو نزع القراد عبارة عن ذلك، ويؤيد ما ذكره قول أبي قيس بن الأسلت:شعر : الَحزْمُ والقُوّة خُيرٌ مِنَ الـ ـإدهان والفهَّة والهَاعِ تفسير : {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } في الكلام مضاف محذوف، كما حكاه الواحدي عن المفسرين، أي: تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله، فتضعون التكذيب موضع الشكر. وقال الهيثم: إن أزدشنوءة يقولون: ما رزق فلان، أي: ما شكر؛ وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر. ووجه التعبير بالرزق عن الشكر أن الشكر يفيض زيادة الرزق، فيكون الشكر رزقاً تعبيراً بالسبب عن المسبب، ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله، وأنزل عليهم المطر: سقينا بنوء كذا، ومطرنا بنوء كذا. قال الأزهري: معنى الآية: وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرّزاق. وقرأ عليّ وابن عباس: (وتجعلون شكركم) وقرأ الجمهور {أنكم تكذبون} بالتشديد من التكذيب، وقرأ عليّ، وعاصم في رواية عنه بالتخفيف من الكذب {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ } أي: فهلا إذا بلغت الروح، أو النفس الحلقوم عند الموت، ولم يتقدّم لها ذكر؛ لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاءوا بمثل هذه العبارة، ومنه قول حاتم طي:شعر : أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر تفسير : {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم. قال الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه، والمعنى: أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه، ولا يستطيعون شيئًا ينفعه، أو يخفف عنه ما هو فيه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ } أي: بالعلم، والقدرة، والرؤية، وقيل: أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم {وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ } أي: لا تدركون ذلك؛ لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، أو لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا } يقال: دان السلطان رعيته: إذا ساسهم واستعبدهم. قال الفراء: دنته: ملكته، وأنشد للحطيئة:شعر : لقد دنت أمر بنيك حتى تركتهم أدق من الطحين تفسير : أي: ملكت، ويقال: دانه إذا أذله واستعبده، وقيل: معنى {مدينين}: محاسبين، وقيل: مجزيين، ومنه قول الشاعر:شعر : ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا تفسير : والمعنى الأوّل ألصق بمعنى الآية، أي: فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين ترجعونها، أي: النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرّها الذي كانت فيه {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } ولن ترجعوها، فبطل زعمكم إنكم غير مربوبين ولا مملوكين، والعامل في قوله: {إِذَا بَلَغَتِ } هو قوله: {تَرْجِعُونَهَا }، و"لولا" الثانية تأكيد للأولى قال الفراء: وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد. ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } أي: السابقين من الثلاثة الأصناف المتقدّم تفصيل أحوالهم {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّة وَنَعِيم} قرأ الجمهور {روح} بفتح الراء، ومعناه: الراحة من الدنيا، والاستراحة من أحوالها. وقال الحسن: الروح: الرحمة. وقال مجاهد: الروح: الفرح. وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري: (فروح) بضم الراء، ورويت هذه القراءة عن يعقوب، قيل: ومعنى هذه القراءة: الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم، والريحان: الرزق في الجنة، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل. قال مقاتل: هو الرزق بلغة حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي: رزقه، ومنه قول النمر بن تولب:شعر : سلام الإلٰه وريحانه ورحمته وسماء درر تفسير : وقال قتادة: إنه الجنة. وقال الضحاك: هو الرحمة. وقال الحسن: هو الريحان المعروف الذي يشمّ. قال قتادة، والربيع بن خيثم: هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث، وكذا قال أبو الجوزاء، وأبو العالية، ومعنى {وجنة نعيم} أنها ذات تنعم، وارتفاع روح، وما بعده على الابتداء، والخبر محذوف أي: فله روح. {وَأَمَّا إِن كَانَ } ذلك المتوفى {مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } وقد تقدّم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم، وما أعدّه الله لهم من الجزاء {فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } أي: لست ترى فيهم إلاّ ما تحبّ من السلامة، فلا تهتم بهم، فإنه يسلمون من عذاب الله، وقيل: المعنى: سلام لك منهم أي: أنت سالم من الاغتمام بهم، وقيل المعنى: إنهم يدعون لك، ويسلمون عليك، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم يحيـى بالسلام إكراماً، وقيل: هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض، وقيل المعنى: سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين. {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ ٱلضَّالّينَ } أي: المكذبين بالبعث الضالين عن الهدى، وهم أصحاب الشمال المتقدّم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم. {فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ } أي: فله نزل يعدّ لنزوله من حميم، وهو الماء الذي قد تناهت حرارته، وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } يقال: أصلاه النار وصلاه، أي: إذا جعله في النار، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أو إلى المكان. قال المبرد: وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع محذوف، والتقدير: مهما يكن من شيء فروح... إلخ، وقال الأخفش: إن الفاء في المواضع الثلاثة هي جواب أما، وجواب حرف الشرط. قرأ الجمهور: {وتصلية} بالرفع عطفاً على {فنزل}. وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجر عطفاً على {حميم} أي: فنزل من حميم، ومن تصلية جحيم {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة، أو إلى المذكور قريباً من أحوال المتفرّقين لهو حق اليقين، أي: محض اليقين وخالصه، وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء إلى نفسه. قال المبرد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين، هذا عند الكوفيين وجوّزوا ذلك؛ لاختلاف اللفظ؛ وأما البصريون، فيجعلون المضاف إليه محذوفاً، والتقدير: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، والفاء في: {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي: نزهه عما لا يليق بشأنه، والباء متعلقة بمحذوف، أي: فسبح ملتبساً باسم ربك للتبرك به، وقيل المعنى: فصلّ بذكر ربك، وقيل: الباء زائدة، والاسم بمعنى الذات. وقيل: هي للتعدية؛ لأن سبح يتعدّى بنفسه تارة، ويتعدّى بالحرف أخرى، والأوّل أولى. وقد أخرج النسائي، وابن جرير، ومحمد بن نصر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرّق في السنين، وفي لفظ: ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً، ثم قرأ: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، ومحمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عنه {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } قال: القرآن {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } قال: القرآن. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: نجوم القرآن حين ينزل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس أيضاً {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } قال: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلاّ الملائكة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن أنس {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } قال: الملائكة. وأخرج عبد الرّزاق، وابن المنذر عن علقمة قال: أتينا سلمان الفارسي، فخرج علينا من كنيف، فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا، وكذا، قال: إنما قال الله: {فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } وهو الذي في السماء لا يمسه إلاّ الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي داود، وابن المنذر، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: «حديث : لا تمس القرآن إلاّ على طهر»تفسير : . وأخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر. وأخرجه أبو داود في المراسيل من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يمس القرآن إلاّ طاهر»تفسير : وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمر، وعثمان بن أبي العاص، وفي أسانيدها نظر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان لا يمس المصحف إلاّ متوضئاً. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن عبد الرحمٰن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجة، فتوارى عنا، ثم خرج إلينا، فقلنا: لو توضأت، فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني، فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ }. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يمس القرآن إلاّ طاهر» تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده: "حديث : أن لا يمس القرآن إلاّ طاهر"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } قال: مكذبون. وأخرج مسلم، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر»تفسير : ، قالوا: هذه رحمة وضعها الله. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، وكذا، فنزلت هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } حتى بلغ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني، ومن حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب أحاديث. وأخرج أحمد، وابن منيع، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عن عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } قال: شكركم، تقولون:«حديث : مطرنا بنوء كذا، وكذا، وبنجم كذا وكذا»تفسير : . وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عائشة قالت: ما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن إلاّ آيات يسيرة. قوله {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } قال: «شكركم». وأخرج ابن مردويه عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: "وتجعلون شكركم". وأخرج أبو عبيد في فضائله، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وتجعلون شكركم) قال: يعني: الأنواء، وما مطر قوم إلاّ أصبح بعضهم كافراً كانوا، يقولون مطرنا بنوء كذا، وكذا، فأنزل الله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ }. وأخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمٰن السلمي عن عليّ أنه قرأ: (وتجعلون شكركم) وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله. {غَيْرَ مَدِينِينَ } قال: غير محاسبين. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الربيع بن خيثم {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } الآية قال: هذا له عند الموت {وَجَنَّة نَعِيم} تخبأ له الجنة إلى يوم يبعث {وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذّبِينَ ٱلضَّالّينَ * فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ } قال: هذا عند الموت {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } قال: تخبأ له الجحيم إلى يوم يبعث. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَرَوْحٌ } قال: رائحة {وَرَيْحَانٌ } قال: استراحة. وأخرج ابن جرير عنه قال: يعني بالريحان: المستريح من الدنيا {وَجَنَّة نَعِيم} يقول: مغفرة ورحمة. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: الريحان: الرزق. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه أيضاً في قوله {فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ } قال: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله تسلم عليه، وتخبره أنه من أصحاب اليمين. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ } قال: ما قصصنا عليك في هذه السورة. وأخرج عنه أيضاً {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } قال: فصلّ لربك. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَسَبّحْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلْعَظِيمِ } قال: «حديث : اجعلوها في ركوعكم»تفسير : ، فلما نزلت {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبّكَ ٱلأعْلَىٰ }تفسير : [الأعلى: 1] قال:«حديث : اجعلوها في سجودكم».
الماوردي
تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ الْنُّجُومِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه إنكار أن يقسم الله بشيء من مخلوقاته، قال الضحاك: إن الله لا يقسم بشىء من خلقه ولكنه استفتاح يفتتح به كلامه. الثاني: أنه يجوز أن يقسم الخالق بالمخلوقات تعظيماً من الخالق لما أقسم به من مخلوقاته. فعلى هذا في قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ} وجهان: أحدهما: أن "لا" صلة زائدة، ومعناه أقسم. الثاني: أن قوله: {فَلاَ} راجع إلى ما تقدم ذكره، ومعناه فلا تكذبوا ولا تجحدوا ما ذكرته من نعمة وأظهرته من حجة، ثم استأنف كلامه فقال: {أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ}. وفيها ستة أقاويل: أحدها: أنها مطالعها ومساقطها، قاله مجاهد. الثاني: إنتشارها يوم القيامة وإنكدارها، قاله الحسن. الثالث: أن مواقع النجوم السماء، قاله ابن جريج. الرابع: أن مواقع النجوم الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، قاله الضحاك، ويكون قوله: {فلا أقسم} مستعملاً على حقيقته في نفي القسم بها. الخامس: أنها نجوم القرآن أنزلها الله من اللوح المحفوظ من السماء العليا إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجمه السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فهو ينزله على الأحداث في أمته، قاله ابن عباس والسدي. السادس: أن مواقع النجوم هو محكم القرآن، حكاه الفراء عن ابن مسعود. {وَإِنَّهُ قَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} فيه قولان: أحدهما: أن القرآن قسم عظيم، قاله ابن عباس. الثاني: أن الشرك بآياته جرم عظيم، قاله ابن عباس، والضحاك. ويحتمل ثالثاً: أن ما أقسم الله به عظيم. {إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ} يعني أن هذا القرآن كريم، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كريم عند الله. الثاني: عظيم النفع للناس. الثالث: كريم بما فيه من كرائم الأخلاق ومعالي الأمور. ويحتمل أيضاً رابعاً: لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه. {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} وفيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه كتاب في السماء وهو اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس، وجابر بن زيد. الثاني: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن وذكر من ينزل عليه، قاله عكرمة. الثالث: أنه الزبور. الرابع: أنه المصحف الذي في أيدينا، قاله مجاهد، وقتادة. وفي {مَّكْنُونٍ} وجهان: أحدهما: مصون، وهو معنى قول مجاهد. الثاني: محفوظ عن الباطل، قاله يعقوب بن مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن معانيه مكنونة فيه. {لاَّ يَمَسَّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} تأويله يختلف بإختلاف الكتاب، فإن قيل: إنه كتاب في السماء ففي تأويله قولان: أحدهما: لا يمسه في السماء إلا الملائكة المطهرون، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. الثاني: لا ينزله إلا الرسل من الملائكة إلى الرسل من الأنبياء، قاله زيد بن أسلم. وإن قيل إنه المصحف الذي في أيدينا ففي تأويله ستة أقاويل: أحدها: لا يمسه بيده إلا المطهرون من الشرك، قاله الكلبي. الثاني: إلا المطهرون من الذنوب والخطايا قاله الربيع بن أنس. الثالث: إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، قاله قتادة. الرابع: لا يجد طعم نفعه إلا المطهرون أي المؤمنون بالقرآن، حكاه الفراء. الخامس: لا يمس ثوابه إلا المؤمنون، رواه معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم. السادس: لا يلتمسه إلا المؤمنون، قاله ابن بحر. {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ} يعني بهذا الحديث القرآن الذي لا يمسه إلا المطهرون. وفي قوله مدهنون أربعة تأويلات: أحدها: مكذبون، قاله ابن عباس. الثاني: معرضون، قاله الضحاك. الثالث: ممالئون الكفار على الكفر به، قاله مجاهد. الرابع: منافقون في التصديق به حكاه ابن عيسى، ومنه قول الشاعر: شعر : لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مداهنة العدو تفسير : {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُم إِنَّكُم تُكَذِّبُونَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الإستسقاء بالأنواء وهو قول العرب مطرنا بنوء كذا، قاله ابن عباس ورواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: الاكتساب بالسحر، قاله عكرمة. الثالث: هو أن يجعلوا شكر الله على ما رزقهم تكذيب رسله والكفر به، فيكون الرزق الشكر، وقد روي عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُم أَنَّكُم تُكَذِّبُونَ}. ويحتمل رابعاً: أنه ما يأخذه الأتباع من الرؤساء على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم والصد عنه.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في: "لا"، من قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} فقال بعض النحويين: هي زائدة والمعنى فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروف كقوله تعالى: {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : [الحديد: 29] وغير ذلك، وقال سعيد بن جبير وبعض النحويين: هي نافية، كأنه قال: {فلا} صحة لما يقوله الكفار، ثم ابتدأ {أقسم بمواقع النجوم}. وقال بعض المتأولين هي مؤكدة تعطي في القسم مبالغة ما، وهي كاستفتاح كلام مشبه في القسم ألا في شائع الكلام القسم وغيره، ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] شعر : "فلا وأبي أعدائها لا أخونها" تفسير : والمعنى: فوأبي اعدائها، ولهذا نظائر. وقرأ الحسن والثقفي: "فلأقسم" بغير ألف، قال أبو الفتح، التقدير: فلأنا أقسم. وقرأ الجمهور من القراء "بمواقع" على الجمع، وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود وأهل الكوفة وحمزة والكسائي: "بموقع" على الإفراد، وهو مراد به الجمع، ونظير هذا كثير، ومنه قوله تعالى: {أية : إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} تفسير : [لقمان: 19] جمع من حيث لكل حمار صوت مختص وأفرد من حيث الأصوات كلها نوع. واختلف الناس في: {النجوم} هنا، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم: هي نجوم القرآن التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه روي أن القرآن نزل من عند الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، وقيل إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على محمد نجوماً مقطعة في مدة من عشرين سنة. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله: {إنه لقرآن كريم}، وذلك أن ذكره لم يتقدم إلا على هذا التأويل، ومن لا يتأول بهذا التأويل يقول: إن الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم ذكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى: {أية : حتى توارت بالحجاب} تفسير : [ص: 32]، و {أية : كل من عليها فان} تفسير : [الرحمن: 26] وغير ذلك. وقال جمهور كثير من المفسرين: {النجوم} هنا: الكواكب المعروفة. واختلف في موقعها، فقال مجاهد وأبو عبيدة هي: مواقعها عند غروبها وطلوعها، وقال قتادة: مواقعها مواضعها من السماء، وقيل: مواقعها عند الانقضاض إثر العفاريت، وقال الحسن: مواقعها عند الانكدار يوم القيامة. وقوله تعالى: {وإنه لقسم} تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهمم به، وإنما الاعتراض قوله: {لو تعلمون} وقد قال قوم: إن قوله: {وإنه لقسم} اعتراض، وإن {لو تعلمون} اعتراض في اعتراض، والتحرير هو الذي ذكرناه. وقوله: {إنه لقرآن} هو الذي وقع القسم عليه، ووصفه بالكرم على معنى إثبات صفات المدح له ودفع صفات الحطيطة عنه. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {في كتاب مكنون} بعد اتفاقهم على أن المكنون: المصون، فقال ابن عباس ومجاهد: أراد الكتاب الذي في السماء. وقال عكرمة: أراد التوراة والإنجيل، كأنه قال: إنه لكتاب كريم، ذكر كرمه وشرفه {في كتاب مكنون}. قال القاضي أبو محمد: فمعنى الآية على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة، وهذا كقوله عز وجل: {أية : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله} تفسير : [التوبة: 36]. وقال بعض المتأولين: أراد مصاحف المسلمين، وكانت يوم نزلت الآية لم تكن، فهي على هذا إخبار بغيب، وكذلك هو في كتاب مصون إلى يوم القيامة، ويؤيد هذا لفظة المس، فإنها تشير إلى المصاحف أو هي استعارة في مس الملائكة. واختلف الناس في معنى قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} وفي حكمه فقال من قال: إن الكتاب المكنون هو الذي في السماء. {المطهرون} هنا الملائكة قال قتادة: فأما عندكم فيمسه المشرك المنجس والمنافق قال الطبري: {المطهرون}: الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له، وليس في الآية على هذا القول حكم مس المصحف لسائر بني آدم، ومن قال بأنها مصاحف المسلمين، قال إن قوله: {لا يمسه} إخبار مضمنه النهي، وضمة السين على هذا ضمة إعراب، وقال بعض هذه الفرقة: بل الكلام نهي، وضمة السين ضمة بناء، قال جميعهم: فلا يمس المصحف من جميع بني آدم إلا الطاهر من الكفر والجنابة والحدث الأصغر. قال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقته ولا على وسادة. وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "حديث : ولا يمس المصحف إلا الطاهر" تفسير : ،وقد رخص أبو حنيفة وقوم بأن يمسه الجنب والحائض على حائل غلاف ونحوه، ورخص بعض العلماء في مسه بالحدث الأصغر، وفي قراءته عن ظهر قلب، منهم ابن عباس وعامر الشعبي، ولا سيما للمعلم والصبيان، وقد رخص بعضهم للجنب في قراءته، وهذا الترخيص كله مبني على القول الذي ذكرناه من أن المطهرين هم الملائكة أو على مراعاة لفظ اللمس فقد قال سليمان: لا أمس المصحف ولكن أقرأ القرآن. وقرأ جمهور الناس: "المطَهّرون" بفتح الطاء والهاء المشددة. وقرأ نافع وابو عمرو بخلاف عنهما "المطْهَرون" بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة، وهي قراءة عيسى الثقفي. وقرأ سلمان الفارسي: "المطَهِّرون" بفتح الطاء خفيفة وكسر الهاء وشدها على معنى الذين يطهرون أنفسهم، ورويت عنه بشد الطاء والهاء. وقرأ الحسن وعبد الله بن عون وسلمان الفارسي بخلاف عنه: المطّهرون بشد الطاء بمعنى المتطهرون. قال القاضي أبو محمد: والقول بأن {لا يمسه} نهي قول فيه ضعف وذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: {تنزيل}: صفة أيضاً، فإذا جعلناه نهياً جاء معنى أجنبياً معترضاً بين الصفات، وذلك لا يحسن في رصف الكلام فتدبره. وفي حرف ابن مسعود: "ما يمسه" وهذا يقوي ما رجحته من الخبر الذي معناه: حقه وقدره أن لا يمسه إلا طاهر. وقوله عز وجل: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} مخاطبة للكفار، و {الحديث} المشار إليه هو القرآن المتضمن البعث، وإن الله تعالى خالق الكل وإن ابن آدم مصرف بقدره وقضائه وغير ذلك و: {مدهنون} معناه: يلاين بعضكم بعضاً ويتبعه في الكفر، مأخوذ من الدهن للينه وإملاسه. وقال أبو قيس بن الأسلت: الحزم والقوة خير من الإدهان والفهة والهاع وقال ابن عباس: هو المهاودة فيما لا يحل. والمداراة هي المهاودة فيما يحل، وقال ابن عباس: {مدهنون} مكذبون. وقوله عز وجل: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله للعباد هذا بنوء كذا وكذا وهذا بـ "عثانين" الأسد، وهذا بنوء الجوزاء وغير ذلك. والمعنى: وتجعلون شكر رزقكم، كما تقول لرجل: جعلت يا فلان إحساني إليك أن تشتمني المعنى: جعلت شكر إحساني. وحكى الهيثم بن عدي أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان؟ بمعنى ما شكره. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقرؤها: "وتجعلون شكركم إنكم تكذبون"، وكذلك قرأ ابن عباس، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن ابن عباس ضم التاء وفتح الكاف، وعلي رضي الله عنه: فتح التاء وسكن الكاف وخفف الذال، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [السريع] شعر : وكان شكر القوم عند المنى كي الصحيحات وفقء الأعين تفسير : وقد أخبر الله تعالى أنه أنزل من السماء ماء مباركاً فأنبت به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد فهذا معنى قوله: {إنكم تكذبون}، أي بهذا الخبر. وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه: "تَكْذبون" بفتح التاء وسكون الكاف وتخفيف الدال كقراءة علي بن أبي طالب. وكذبهم في مقالتهم بين، لأنهم يقولون هذا بنوء كذا وذلك كذب منهم وتخرص، وذكر الطبريحديث : أن النبي عليه السلام سمع رجلاً يقول: مطرنا ببعض عثانين الأسد، فقال له:" كذبت، بل هو رزق الله" . تفسير : قال القاضي أبو محمد: والنهي عنه المكروه هو أن يعتقد أن للطالع من النجوم تأثيراً في المطر، وأما مراعاة بعض الطوالع على مقتضى العادة، فقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: يا عباس، يا عم النبي عليه السلام كم بقي من نوء الثريا، فقال العباس: العلماء يقولون إنها تتعرض في الأفق بعد سقوطها سبعاً. قال ابن المسيب: فما مضت سبع حتى مطروا. وقوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} توقيف على موضع عجز يقتضي النظر فيه أن الله تعالى ملك كل شيء، والضمير في: {بلغت} لنفس الإنسان والمعنى يقتضيها وإن لم يتقدم لها ذكر. و: {الحلقوم} مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزاع المرء للموت. وقوله: {وأنتم} إشارة إلى جميع البشر، وهذا من الاقتضاب كقوله تعالى: {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29]. وقرأ عيسى بن عمر: "حينئِذ" بكسر النون. و: {تنظرون} معناه إلى المنازع في الموت. وقوله تعالى: {ونحن أقرب إليه منكم} يحتمل أن يريد ملائكته ورسله، ويحتمل أن يريد بقدرتنا وغلبتنا، فعلى الاحتمال الأول يجيء قوله: {ولكن لا تبصرون} من البصر بالعين، وعلى التأويل الثاني يجيء من البصر بالقلب. وقال عامر بن عبد قيس: ما نظلت إلى شيء إلا رأيت الله أقرب إليه مني، ثم عاد التوقيف والتقرير ثانية بلفظ التحضيض، والمدين: المملوك هذا أصح ما يقال في معنى اللفظة هنا، ومن عبر عنها بمجازي أو بمحاسب فذلك هنا قلق والمملوك يقلب كيف يشاء المالك، ومن هذا الملك قول الأخطل: [الطويل] شعر : ربت وربا في حجرها ابن مدينة تراه على مسحاته يتركّلُ تفسير : أراد ابن أمة مملوكة وهو عبد يخدم الكرم، وقد قيل في معنى هذا البيت: أراد أكاراً حضرياً لأن الأعراب في البادية لا يعرفون الفلاحة وعمل الكرم، فنسبه إلى المدينة لما كان من أهلها، فبمعنى الآية فلولا ترجعون النفس البالغة الحلقوم إن كنتم غير مملوكين مقهورين ودين الملك حكمه وسلطانه، وقد نحا إلى هذا المعنى الفراء، وذكره مستوعباً النقاش. وقوله: {ترجعونها} سدت مسد الأجوبة والبيانات التي يقتضيها التحضيضات، و {إذا} من قوله: {فلولا إذا} و {إن} المتكررة وحمل بعض القول بعضاً إيجازاً واقتضاباً.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلا أُقْسِمُ} نفي للقسم لأنه لا يقسم بشيء من خلقه ولكنه افتتاح يفتتح به كلامه قال الضحاك، أو للرب أن يقسم بخلقه تعظيماً منه لما أقسم به وليس ذلك للخلق فتكون لا صلة، أو نافية لما تقدم من تكذيبهم وجحدهم ثم استأنف القسم {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} مطالعها ومساقطها، أو انتشارها يوم القيامة، أو مواقعها في السماء، أو أنواؤها نفي للقسم بها، أو نجوم القرآن تنزل على الاحداث في الأمة "ع"، أو محكم القرآن.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} الآية: قال بعض النحاة: «لا» زائدة، والمعنى: فأقسم، وزيادتها في بعض المواضع معروفة، وقرأ الحسن وغيره: «فَلأُقْسِمُ» من غير ألف، وقال بعضهم: «لا» نافية كأَنَّهُ قال: فلا صِحَّةَ لما يقوله الكفار، ثم ابتدأ: أقسم بمواقع النجوم، والنجوم: هنا قال ابن عباس وغيره: هي نجوم القرآن؛ وذلك أَنَّهُ روي أَنَّ القرآن نزل في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، وقيل: إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم نُجُوماً مُقَطَّعَةً مدة من عشرين سنةً، قال * ع*: ويؤيده عودُ الضمير على القرآن في قوله: {إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ} وقال كثير من المفسرين: بلِ النجوم هنا هي الكواكب المعروفة، ثم اختلف هؤلاء في مواقعها، فقيل: غروبها وطلوعها، وقيل: مواقعها عند انقضاضها إثْرَ العفاريت. [وقوله:] {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ}: تأكيد. وقوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ}: اعتراض. وقوله: {إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ}: هو الذي وقع القسم عليه. وقوله: {فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ} الآية: المكنون: المصون؛ قال ابن عباس وغيره: أراد الكتابَ الذي في السماء، قال الثعلبيُّ: ويقال: هو اللوح المحفوظ. وقوله: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} يعني: الملائكة، وليس في الآية على هذا التأويل تَعَرُّضٌ لحكم مَسِّ المصحف لسائر بني آدم، وقال بعض المتأولين: أراد بالكتاب مصاحِفَ المسلمين، ولم تكن يومئذ، فهو إخبار بغيب مضمنه النهي، فلا يَمَسُّ المصحفَ من بني آدم إلاَّ الطاهرُ من الكفر والحَدَثِ؛ وفي كتاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حَزْمٍ: «حديث : لاَ يَمَسَّ القرآنَ إلاَّ طَاهِرٌ»تفسير : ، وبِهِ أخذ مالك، وقرأ سليمان: «إلاَّ المُطَهِّرُونَ» ـــ بكسر الهاء ـــ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ}. قرأ العامة: "فَلاَ" لام ألف. وفيه أوجه: أحدها: أنها حرف نفي، وأنَّ النفي بها محذوف، وهو كلام الكافر الجاحد، تقديره: فلا حجة لما يقول الكُفَّار، ثم ذكر ابتداء قسماً بما ذكر. وإليه ذهب كثير من المفسِّرين والنحويين. قال الفرَّاء: "هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف [القسم]، كما تقول: "لا والله ما كان كذا" ولا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي: ليس الأمر كما ذكر، بل هو كذا". وضعِّف هذا بأن فيه حذف اسم "لا" وخبرها. قال أبو حيَّان: "ولا يجوز ولا ينبغي، فإنَّ القائل بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ خبر القرآن وبحره عبد الله بن عباس. ويبعد أن يقوله إلا بتوقيفٍ". الثاني: أنَّها زائدة للتأكيد. والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: وإنه لقسم، ومثله في قوله تعالى: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} تفسير : [الحديد: 29]، والتقدير: ليعلم. وكقوله: [الطويل] شعر : 4706- فَلاَ وأبِي أعْدائِهَا لا أخُونُهَا تفسير : الثالث: أنها لام الابتداء، والأصل: فلأقسم، فأشبعت الفتحة، فتولّد منها ألف. كقوله: [الرجز] شعر : 4707- أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ تفسير : قاله أبو حيَّان. واستشهد بقراءة هشام: "أفئيدة". قال شهاب الدين: "وهذا ضعيف جدًّا". واستند أيضاً لقراءة الحسن وعيسى: "فلأقسم" بلام واحدة. وفي هذه القراءة تخريجان: أحدهما: أن "اللام" لام الابتداء، وبعدها مبتدأ محذوف، والفعل خبره، فلما حذف المبتدأ اتصلت "اللام" بخبره، وتقديره: "فلأنا أقسم" نحو: "لزيد منطلق". قاله الزمخشري وابن جني. والثاني: أنها لام القسم دخلت على الفعل الحالي، ويجوز أن يكون القسم جواباً للقسم، كقوله: {أية : وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ} تفسير : [التوبة: 107]، وهو جواب لقسم مقدر ويجوز أن يكون القسم كذلك وهذا هو قول الكوفيين، يجيزون أن يقسم على فعل الحال. والبصريون يأبونه، ويخرجون ما يوهم ذلك على إضمار مبتدأ، فيعود القسم على جملة اسمية. ومنع الزمخشري أن تكون لام القسم. قال: لأمرين: أحدهما: أن حقها أن تقرن بالنون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيحٌ. والثاني: أن "لأفعلن" في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال. يعني أن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال. وأمَّا قوله: "إنَّ حقَّها أن تقرن بها النون"، هذا مذهب البصريين أيضاً. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التَّعاقب بين اللام والنون، نحو: "والله لأضرب زيداً" كقوله: [الطويل] شعر : 4708- لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَليْكُم بُيُوتكُمْ ليَعْلَمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ تفسير : و "الله اضربن زيداً". كقوله: [الكامل] شعر : 4709- وقَتِيلِ مُرَّة أثأَرَنَّ... ........................ تفسير : وقد تقدم قريب من هذه الآية في قوله تعالى: {أية : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ} تفسير : [النساء: 65]، ولكن هناك ما لا يمكن القول به هنا، كما أن هنا ما لا يمكن القول به هناك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريب منه في "القيامة" في قراءة ابن كثير: {لأُقْسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ} [القيامة: 1]. قال القرطبي: وقيل: "لا" بمعنى "ألاَ" للتنبيه، كقوله: [الطويل] شعر : 4710- ألا عِمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي ....................... تفسير : ونبَّه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، فإنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة كما زعموا. وقرأ العامة: "بمواقع" جمعاً. والأخوان: "بموقع" مفرداً بمعنى الجمع؛ لأنه مصدر فوحَّد. ومواقعها: مساقطها ومغاربها. قاله قتادة وغيره. وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة. وقيل: المراد نجوم القرآن. قاله ابن عباس والسدي، ويؤيده: "وإنه لقسم" و "إنَّه لقُرآن كريم". وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها. وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت أهل الجاهلية، تقول إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا. وقال الماوردي: ويكون قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} مستعملاً على الحقيقة من نفي القسم. وقال القشيري: هو قسم، ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله - تعالى - وصفاته القديمة. قال القرطبي: "ويدلُّ على هذا قراءة الحسن: فلأقسم". قوله: "وإنه قسم - لو تعلمون - عظيم". الضمير عائد على القسم الذي تضمنه قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ}؛ لأن "أقسم" يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل فيقال: "ضربته قويًّا". فإن قيل: جواب "لو تعْلَمُونَ" ماذا؟. قال ابن الخطيب: ربما يقول بعض من لا يعلم بأن جوابه ما تقدم، وهو فاسد في جميع المواضع؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم؛ لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيداً إن قام. فالجواب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية بحيث لا يقصد لذلك جواب، وإنما يراد نفي ما دخلت "لو" فكأنه قال: وإنه لقسمٌ عظيم لو تعلمون. وتحقيقه: أن "لو" تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره، فلا بُدَّ فيه من انتفاء الأول، فإدخال "لو" على "تعلمون" أفاد أن علمهم منتفٍ، سواء علمنا الجزاء أم لم نعلم. وهذا كقولهم في الفعل المتعدِّي: فلان يعطي ويمنع، حيث لا يقصد منه مفعولاً، وإنما يراد إثبات القدرة. الثاني: أنَّ جوابه مقدر، تقديره: لو تعلمون لعظَّمتموه، لكنكم ما عظَّمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، ولا تعظيم فلا تعلمون. قوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}. هذا هو القسم عليه، وعلى هذا فيكون في هذا الكلام اعتراضان: أحدهما: الاعتراض بقوله: "وإنه لقسم" بين القسم والمقسم عليه. والثاني: الاعتراض بقوله: "لو تعلمون" بين الصفة والموصوف. ومنع ابن عطية أن يجعل قوله: "وإنه لقسمٌ" اعتراضاً. فقال: "وإنه لقسم" تأكيد للأمر، وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهكُّم به، وإنما الاعتراض قوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ}. قال شهاب الدين: "وكونه تأكيداً ومنبّهاً على تعظيم المقسم به لا ينافي الاعتراض، بل هذا معنى الاعتراض وفائدته". "والهاء" في "إنه لقرآن" تعود على القرآن، أي: إن القرآن لقسم عظيم. قاله ابن عبَّاس وغيره. وقيل: أي ما أقسم الله به عظيم {إنه لقرآن كريم} ذكر المقسم عليه، أي: أقسم بمواقع النجوم أن هذا القرآن قرآن ليس بسحرٍ ولا كهانة ولا بمفترى، بل هو قرآن كريم، محمود جعله الله معجزة نبيه، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنَّه كلام ربهم وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء والأرض؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه. وقيل: "كريم" أي: غير مخلوق. وقيل: "كريم" لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور. وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قدره. فصل في تحرير معنى الآية قال ابن الخطيب: "كريم" أي: لا يهون بكثرة التلاوة؛ لأن الكلام متى أعيد وكرر استهين به، والقرآن يكون إلى آخر الدهر، ولا يزداد إلاَّ عزاً. والقرآن إما كـ "الغُفْرَان"، والمراد به المفعول، وهو المقروء كقوله: [هَذَا خلقُ اللَّه] وإما اسم لما يقرأ كـ "القُرْبَان" لما يتقرب به، والحُلْوان لما يحلى به فم الكاهن، وعلى هذا يظهر فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزَّكاة: يعطي شيئاً أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو شيئاً دونه، ويعطي الجبران لأن الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى، فيقال له: هو كالقرآن بمعنى المقرُوء. فمعنى "كريم" أي: مقروء، قرىء: ويقرأ بالفتح، فإن معنى "كريم" أي: لا يهون بكثرة التلاوة، ويبقى أبد الدَّهر كالكلام الغضِّ، والحديث الطَّري. وهو هنا يقع في وصف القرآن بالحديث، مع أنه قديم يستمد من هذا مدداً، فهو قديم يسمعه السَّامعون كأنه كلام [الساعة]. فصل قوله: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}. مصون عند الله. وقيل: "مَكْنُون" محفوظ عن الباطل، والكتاب هنا: كتاب في السَّماء. قاله ابن عبَّاس. وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ. وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن. وقال السدي: الزَّبُور. وقال قتادة ومجاهد: هو المصحف الذي في أيدينا. فصل في تفسير معنى الآية قال ابن الخطيب: قوله تعالى: {فِي كِتَابٍ} يستدعي شيئاً مظروفاً للكتاب وفيه وجهان: أحدهما: أنه القرآن، أي: هو قرآن في كتاب، كقولك: "فلان رجلٌ كريم في نفسه" لا يشك السامع بأن المراد منه أن في الدَّار قاعد، وأنه لا يريد به أنه رجل إذا كان في الدَّار غير رجل إذا كان خارجاً، ولا يشك أيضاً أنه لا يريد أنه كريم وهو في البيت، فكذلك هاهنا معناه: أنه كريم في كتاب. فإذا قيل: "فلان رجل كريم في نفسه" يعلم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلاً مظروفاً، وأن القائل لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو قائم، وإنما أراد أن كرمه في نفسه، وكذا قوله: "قرآن كريم، في لوح" أي: أنه لم يكن كريماً عند الكُفَّار. الثاني: أن المظروف هو مجموع قوله تعالى: {لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} أي: هو كذا في كتاب كقوله تعالى {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ} تفسير : [المطففين: 19]، كتاب أي: في كتاب الله تعالى. والمعنى: أن في اللوح المحفوظ مكتوب: إنه قرآن كريم. فصل في معنى الكتاب قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف سمي الكتاب كتاباً، والكتاب "فِعَال" وهو إما مصدر كالحِساب والقِيام ونحوهما، أو لما يكتب كاللِّباس ونحوه، وكيفما كان، فالقرآن لا يكون في القِرْطَاس؛ لأنه بمعنى المصدر، ولا يكون في مكتوب، وإنما يكون مكتوباً في لوح، أو ورق، فالمكتوب لا يكون في الكتاب، وإنما يكون في القرطاس؟. وأجاب بأن اللوح لما لم يكن إلاَّ لأن يكتب فيه صح تسميته كتاباً. وقوله: {فِي كِتَابٍ} إما خبر بعد خبر، وإما صفة لـ "كريم"، وإما معمول لـ "كريم". والأصح أنَّ الكتاب المكنون هو اللوحُ المحفوظ، لقوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج: 21، 22]. قوله: {لاَّ يَمَسُّهُ}. في "لا" هذه وجهان: أحدهما: أنها نافية، فالضمة في "لا يمسُّه" ضمة إعراب. وعلى هذا القول ففي الجملة وجهان: أحدهما: أن محلها الجر صفة لـ "كتاب"، والمراد به: إما اللوح المحفوظ، و "المُطَهَّرون" حينئذ: الملائكة، أو المراد به المصاحف، والمراد بـ "المطهرين": المكلفون كلهم. والثاني: أن محلها الرفع صفة لـ "قرآن". والمراد بـ "المطهرين": الملائكة فقط، أي: لا يطلع عليه، أو لا يمسّ لوحه، لا بد من هذين التجوزين؛ لأن نسبة المسّ إلى المعاني حقيقة متعذّر. ويؤيد كون هذه نفياً قراءة عبد الله: "ما يمسّه" بـ "ما" النافية. الوجه الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فكّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه، كقوله تعالى: {أية : لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} تفسير : [آل عمران: 174] ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب. ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم. وفي الحديث: "حديث : إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليك إلاَّ أنَّنَا حرمٌ ". تفسير : وإن كان القياس يقتضي جواز فتحه تخفيفاً، وبهذا يظهر فساد من ردّ بأن هذا لو كان نهياً لكان يقال: "لا يمسّه" بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل "الهاء" في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه، فإنه لا يجيز غيره. وقد ضعف ابن عطيَّة كونها نهياً بأنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: "تَنْزِيل" صفة، فإذا جعلناه نهياً كان أجنبيًّا معترضاً بين الصِّفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن مسعود: "ما يمسه". انتهى. وليس فيما ذكره ما يقتضي تضعيف هذا القول؛ لأنا لا نسلّم أن "تنزيل" صفة، بل هو خبر مبتدأ محذوف، أي: "هو تنزيل" فلا يلزم ما ذكره من الاعتراض. ولئن سلّمنا أنه صفة فـ "لا يمسّه" صفة أيضاً، فإن اعترض علينا بأنه طلب فيجاب بأنه على إضمار القول، أي: نقول فيه: "لا يمسّه" كما قالوا ذلك في قوله: {أية : فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ} تفسير : [الأنفال: 25] على أن "لا تُصِيبن" نهي. وهو كقوله: [مشطور الرجز] شعر : 4711- جَاءُوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْت الذِّئْبَ قَط؟ تفسير : وقد تقدم تحقيقه في "الأنفال". وهذه الآية يتعلق بها خلاف العلماء في مس المُحْدث المصحف، وهو مبني على هذا. وقرأ العامة: "المُطَهَّرُونَ" بتخفيف الطَّاء، وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول. وعن سلمان الفارسي كذلك إلا أنه يكسر الهاء، اسم فاعل، أي: المطهرون أنفسهم، فحذف مفعوله. ونافع وأبو عمرو في رواية عنهما، وعيسى بسكون الطاء، وفتح الهاء خفيفة اسم مفعول من "أطْهَر زيد". والحسن وعبد الله بن عوف وسلمان أيضاً: "المطَّهِّرون" بتشديد الطَّاء والهاء المكسورة، وأصله: "المُتطهرون" فأدغم. وقد قرىء بهذا على الأصل أيضاً. فصل في تحرير المسّ المذكور في الآية اختلفوا في المسّ المذكور في الآية، هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلفوا في المطهرون مَنْ هم؟. فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمسّ ذلك إلاَّ المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وقال أبو العالية وابن زيد: هم الذين طهروا من الذنوب كالرّسل من الملائكة، والرسل من بني آدم. وقال الكلبي: هم السَّفرة، الكِرَام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو اختيار مالك. وقال الحسن: هم الملائكة الموصوفون في سورة "عبس" في قوله تعالى: {أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} تفسير : [عبس: 13 - 16]. وقيل: معنى "لا يمسّه" لا ينزل به إلا المطهرون، يعني: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلاَّ الملائكة المطهرون. ولو كان المراد طهر الحدث لقال: المتطهرون أو المطهرون بتشديد "الطاء". والصحيح أن المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا؛ لما روى مالك وغيره: أن في كتاب عمرو بن حزم: "لا يمسّ القرآنَ إلاَّ طاهرٌ". وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تمسَّ القُرآنَ إلاَّ وأنْتَ طاهرٌ ". تفسير : وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} فقام واغتسل، وأسلم. وعلى هذا قال قتادة وغيره: معناه: لا يمسه إلا المطهّرون من الأحداث والأنجاس. وقال الكلبي: من الشِّرْك. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقال محمد بن فضيل وعبدة: لا يقرؤه إلا المطهرون، أي: إلاَّ الموحدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءته. وقال الفراء: لا يجد نفعه وطعمه وبركته إلا المطهرون، أي: المؤمنون بالقرآن، وقال الحسين بن الفضل: معناه: لا يعرف تفسيره وتأويله إلاَّ من طهَّره الله من الشِّرْك والنفاق. وقال أبو بكر الورَّاقُ: لا يوفق للعمل به إلا السُّعداء. وروى معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المعنى: لا يمسّ ثوابه إلا المؤمنون. فصل في مس المصحف لغير المتوضىء اختلف العلماء في مسِّ المصحف على غير وضوء. فالجمهور على المَنْع من مسِّه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشَّافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة. فروي عنه أنه يمسّه المحدث، وهذا مروي عن ابن عباس والشعبي وغيرهما، وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه، وما ليس بمكتوب. وأمَّا [الكتاب] فلا يمسّه إلاَّ طاهر. قال ابن العربي: وهذا يقوي الحجة عليه؛ لأن جِرْمَ الممنوع ممنوع، وكتاب عمرو بن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلامة، ولا على وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسّه للمسلم والكافر طاهراً أو محدثاً، إلاَّ أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى "قيصر"، ولا حجة فيه لأنه موضع ضرورة. والمراد بالقرآن: المصحف، سمي قرآناً لقرب الجوار على الاتِّساع، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. أراد به المصحف. قوله: {تَنزِيلٌ}. قرأ العامة: بالرفع. وقرأ بعضهم: "تنزيلاً" بالنصب، على أنه حال من النكرة، وجاز ذلك لتخصصها بالصفة. وأن يكون مصدراً لعامل مقدر، أي: نزل تنزيلاً. وغلب التنزيل على القرآن. وقوله: "من ربّ" يجوز أن يتعلق به على الأول لا الثاني؛ لأن المؤكد لا يعمل، فيتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة له. وأما على قراءة "تَنزِيلٌ" بالرفع، فيجوز الوجهان. قال القرطبي: "تنزيل" أي: منزل، كقولهم: "ضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن". وقيل: "تنزيل" صفة لقوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو "تنزيل". قال ابن الخطيب: قوله "تنزيل" مصدر، والقرآن الذي في كتاب ليس بتنزيل، إنما هو منزل لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]، فنقول: ذكر المصدر، وإرادة المفعول كثير، كقوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 11] وأوثر المصدر؛ لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر. قوله: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} متعلق بالخبر، وجاز تقديمه على المبتدأ؛ لأن عامله يجوز فيه ذلك، والأصل: أفأنتم مدهنون بهذا الحديث، وهو القرآن. ومعنى "مُدْهِنُون" أي: متهاونون كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، ولا يتصلب فيه تهاوناً به، يقال: أدهن فلان، أي: لاين وهاود فيما لا يجمل عنه المدهن. قال أبو قيس بن الأسلت: [السريع] شعر : 4712- الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ من الْـ إدْهَانِ والفَهَّةِ والهَاعِ تفسير : وقال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجدّ، كما جعل التَّقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك. قال القرطبي: "وأدهن وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت". قال ابن عبَّاس: "مُدْهِنُون" أي: مكذبون. وهو قول عطاء وغيره. والمدهن: الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: "مدهنون" كافرون، نظيره: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم: 9]. وقال المؤرِّج: المدهن: المنافق الذي يلين جانبه ليُخفي كفره. والإدْهَان والمُداهنَة: التكذيب والكفر والنِّفاق. وقال الضحاك: "مُدْهنون" معرضون. وقال مجاهد: مُمَالِئُون الكُفَّار على الكفر به. وقال ابن كيسان: المدهن: الذي لا يعقل ما حق الله عليه، ويدفعه بالعللِ. وقال بعض اللغويين: "مُدْهنون": تاركُون للجزمِ في قبول القرآن. قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ}. فيه أوجه: أحدها: أنه على التهكم بهم، لأنهم وضعوا الشيء غير موضعه، كقولك: شتمني حيث أحسنت إليه، أي: عكس قضية الإحسان. ومنه: [الرجز] شعر : 4713- كَأنَّ شُكْر القَوْمِ عندَ المِنَنِ كيُّ الصَّحِيحاتِ، وفقْءُ الأعيُنِ تفسير : أي: شكر رزقكم تكذيبكم. الثاني: أن ثمَّ مضافين محذوفين، أي: بدل شكر رزقكم، ليصح المعنى. قاله ابن مالك. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ} تفسير : [النجم: 9] أكثر من هذا. الثالث: أنَّ الرزق هو الشكر في لغة "أزد شنوءة" يقولون: ما رزق فلان فلاناً، أي: ما شكره، فعلى هذا لا حذف ألبتة. ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وتلميذه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: "وتَجْعَلُونَ شُكْركُمْ" مكان رزقكم. قال القرطبي: "وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشُّكر لأنَّ شكر الرِّزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً لهذا المعنى". قوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}. قرأ العامة: "تُكذِّبُونَ" من التكذيب. وعلي - رضي الله عنه - وعاصم في رواية المفضل عنه: "تكْذبُونَ" مخففاً من الكذب. ومعنى الآية: أنكم مكذبون بالرِّزق، أي؛ تضعون الكذب مكان الشُّكر، كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} تفسير : [الأنفال: 35]، أي: لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصَّلاة. قال القرطبي: وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله - تعالى - ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروهاً تعبداً له وتذلُّلاً. وروى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {وتجعلون شكركم أنكم تكذبون} خفيفة. وعن ابن عباس أيضاً: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرْنَا بنوءِ كذا، رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي "صحيح مسلم" عن ابن عبَّاس قال: "حديث : مطر النَّاس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصْبَحَ من النَّاسِ شَاكِرٌ ومنهُمْ كَافرٌ". فقال بعضهم: هذه رحمة الله؛ وقال بعضهم: لقد صدق نَوْء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} حتى بلغ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ". تفسير : وعنه أيضاً: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرأيْتُمْ إن دعوْتُ اللَّهَ لكُم فسُقيْتُمْ لعلَّكمْ تقولون: هذا المطرُ بنَوْءِ كذا"، فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلّى ركعتين، ودعا ربه، فهاجتْ ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عصابةٌ من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فنزلت: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} ". تفسير : أي: شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون: سقينا بنوء كذا، كقولك: جعلت إحساني إليك إساءة منك إليّ، وجعلت إنعامي إليك أن اتَّخذتني عدُوًّا. قال الشَّافعي: لا أحب لأحدٍ أن يقول: مُطِرنَا بنوء كذا، وإن كان النَّوْءُ عندنا الوقت المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ أن يقول: مطرنا وقت كذا، كما تقول: مطرنا شهر كذا، ومن قال: مطرنا بنوءِ كذا، وهو يريد أن النَّوء أنزل الماء كما يقول بعض أهل الشِّرك فهو كافر، حلال دمه إن لم يَتُبْ. وقيل: معنى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أي: معاشكم وتكسبكم تكذيب محمد، كما يقال: فلان جعل قطع الطريق معاشه، فعلى هذا التَّكذيب عام، وعلى الأول التكذيب خاص والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، كما يقال للمأكول: رِزْق، وللمقدور: قُدْرة وللمخلوق: خَلْق.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ {فلا أقسم} ممدودة مرفوعة الألف {بمواقع النجوم} على الجماع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} على الجماع. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: نجوم السماء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: بمساقطها، قال: وقال الحسن رضي الله عنه: مواقع النجوم انكدارها وانتثارها يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: بمغايبها. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: بمنازل النجوم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: القرآن {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} قال: القرآن. وأخرج النسائي وابن جرير ومحمد بن نصر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين، وفي لفظ: ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً، ثم قرأ {فلا أقسم بمواقع النجوم} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {فلا أقسم بمواقع النجوم} بألف، قال: نجوم القرآن حين ينزل. وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري في كتاب المصاحف وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل القرآن إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم أنزل إلى الأرض نجوماً ثلاث آيات وخمس آيات وأقل وأكثر، فقال: {فلا أقسم بمواقع النجوم} . وأخرج الفريابي بسند صحيح عن المنهال بن عمرو رضي الله عنه قال: قرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: بمحكم القرآن، فكان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً. وأخرج ابن نصر وابن الضريس عن مجاهد رضي الله عنه {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: بمحكم القرآن. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {فلا أقسم بمواقع النجوم} قال: مستقر الكتاب أوله وآخره. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} قال: القرآن الكريم، والكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الملائكة عليهم السلام هم المطهرون من الذنوب. وأخرج آدم ابن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في المعرفة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} قال: القرآن في كتابه والمكنون الذي لا يمسه شيء من تراب ولا غبار {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الملائكة عليهم السلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه {في كتاب مكنون} قال: التوراة والإِنجيل {لا يمسه إلا المطهرون} قال: حملة التوراة والإِنجيل. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه: "ما يمسه إلا المطهرون". وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في المعرفة من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الكتاب المنزل في السماء لا يمسه إلا الملائكة. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أنس رضي الله عنه {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الملائكة عليهم السلام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {لا يمسه إلا المطهرون} قال: ذاكم عند رب العالمين {لا يمسه إلا المطهرون} من الملائكة فاما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس. وأخرج ابن مردويه بسند رواه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم {إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون} قال: عند الله في صحف مطهرة {لا يمسه إلا المطهرون} قال: المقربون. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علقمة رضي الله عنه قال: أتينا سلمان الفارسي رضي الله عنه فخرج علينا من كن له فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبدالله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا قال: إنما قال الله: {في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة عليهم السلام، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: {في كتاب مكنون} قال: في السماء {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الملائكة عليهم السلام. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} قال: الملائكة عليهم السلام ليس أنتم يا أصحاب الذنوب. وأخرج ابن المنذر عن النعيمي رضي الله عنه قال: قال مالك رضي الله عنه: أحسن ما سمعت في هذه الآية {لا يمسه إلا المطهرون} أنها بمنزلة الآية التي في عبس {أية : في صحف مكرمة} تفسير : [عبس: 13] إلى قوله: {أية : كرام بررة}تفسير : [عبس: 16]. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئاً. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي داود وابن المنذر عن عبدالله بن أبي بكر عن أبيه قال: "حديث : في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: لا تمس القرآن إلا على طهور ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجة فتوارى عنا، فخرج إلينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن، فقال: سلوني فإني لست أمسّه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا {لا يمسه إلا المطهرون} . وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يمس القرآن إلا طاهر ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده حديث : أن لا يمس القرآن إلا طاهر . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن حزم الأنصاري عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: حديث : لا يمس القرآن إلا طاهر . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} قال: مكذبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} قال: تريدون أن تمالئوا فيه وتركنوا إليهم. قوله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فنزلت هذه الآية {فلا أقسم بمواقع النجوم} حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . تفسير : وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" قال: يعني الأنواء وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرًا وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال:حديث : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر في حر شديد، فنزل الناس على غير ماء فعطشوا، فاستسقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: "فلعلّي لو فعلت فسقيتم قلتم هذا بنوء كذا وكذا"، قالوا: يا نبيّ الله ما هذا بحين أنواء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ ثم قام فصلى، فدعا الله تعالى، فهاجت ريح وثاب سحاب، فمطروا، حتى سال كل واد، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يغرف بقدحه ويقول: هذا نوء فلان، فنزل {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حزرة رضي الله عنه قال: نزلت الآية في رجل من الأنصار في غزوة تبوك، ونزلوا بالحجر فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحملوا من مائها شيئاً ثم ارتحل ثم نزل منزلاً آخر، وليس معهم ماء، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يصلي ركعتين، ثم دعا فأرسل سحابة فأمطرت عليهم حتى استقوا منها، فقال رجل من الأنصار لآخر من قومه يتهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا النبي صلى الله عليه وسلم فأمطر الله علينا السماء فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . وأخرج أحمد وابن منيع وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق وابن مردويه والضياء في المختارة عن عليّ رضي الله عنهحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا . تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما مطر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين، ثم قال: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا ". تفسير : وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا فنزلت هذه الآية {فلا أقسم بمواقع النجوم} حتى بلغ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} ". تفسير : وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: يعني الأنواء، وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافراً، وكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . وأخرج ابن مردويه قال: "حديث : ما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن إلا آيات يسيرة قوله: {وتجعلون رزقكم} قال: شكركم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عليّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ "وتجعلون شكركم". وأخرج ابن مردويه عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال: قرأ عليّ رضي الله عنه الواقعات في الفجر، فقال: "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون" فلما انصرف قال: إني قد عرفت أنه سيقول قائل: لم قرأها هكذا؟ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كذلك، كانوا إذا مطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله "وتجعلون شكركم أنكم إذ مطرتم تكذبون". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي عبد الرحمن رضي الله عنه قال: كان عليّ رضي الله عنه يقرأ "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} فقال: أما الحسن فقال: بئس ما أخذ القوم لأنفسهم لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب، قال: وذكر لنا أن الناس أمحلوا على عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا نبي الله: لو استسقيت لنا؟ فقال: عسى قوم إن سقوا أن يقولوا سقينا بنوء كذا وكذا، فاستسقى نبي الله، فمطروا، فقال رجل: إنه قد كان بقي من الأنواء كذا وكذا، فأنزل الله {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: قولهم: في الأنواء مطرنا بنوء كذا وكذا، فيقول: قولوا: هو من عند الله تعالى وهو رزقه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: الاستسقاء بالأنواء. وأخرج عبد بن حميد عن عوف عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: تجعلون حظكم منه أنكم تكذبون، قال عوف رضي الله عنه: وبلغني أن مشركي العرب كانوا إذا مطروا في الجاهلية قالوا مطرنا بنوء كذا وكذا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أمسك الله المطر عن الناس ثم أرسله لأصبحت طائفة كافرين، قالوا: هذا بنوء الذبح يعني الدبران ". تفسير : وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن زيد بن خالد الجهني قال: حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح زمن الحديبية في أثر سماء، فلما أقبل علينا فقال: "ألم تسمعوا ما قال ربكم في هذه الآية: ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين. فأما من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي، وكفر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك الذي آمن بالكوكب وكفر بي" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: "حديث : هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنه يقول: إن الذين يقولون نسقى بنجم كذا وكذا فقد كفر بالله وآمن بذلك النجم، والذين يقولون سقانا الله فقد آمن بالله وكفر بذلك النجم . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن محيريز أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: لو تعلمت علم النجوم فازددت إلى علمك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة وتكذيب بالقدر وإيمان بالنجوم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن رجاء بن حيوة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر وظلم الأئمة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن جابر السوائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أخاف على أمتي ثلاثاً استسقاء بالأنواء وحيف السلطان وتكذيباً بالقدر ". تفسير : وأخرج أحمد عن معاوية الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يكون الناس مجدبين، فينزل الله عليهم رزقاً من رزقه فيصبحون مشركين، قيل له: كيف ذاك يا رسول الله؟ قال: يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله ليصبح القوم بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح بها قوم كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا . تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: "وتجعلون شكركم" يقول: على ما أنزلت عليكم من الغيث والرحمة، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكان ذلك منهم كفراً بما أنعم الله عليهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافراً يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما "وتجعلون شكركم أنكم تكذبون". وأخرج ابن جرير عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} قال: كان ناس يمطرون فيقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم} الآيات. أخرج ابن ماجة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: متى تنقطع معرفة العبد من الناس قال: إذا عاين . تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: احضروا موتاكم وذكروهم فإنهم يرون ما لا ترون. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: احضروا موتاكم ولقنوهم لا إله إلا الله فإنهم يرون ويقال لهم. وأخرج سعيد بن منصور والمروزي عن عمر رضي الله عنه قال: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، واعقلوا ما تسمعون من المطيعين منكم، فإنه يجلي لهم أمور صادقة. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وأبو يعلى من طريق أبي يزيد الرقاشي عن تميم الداري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : يقول الله لملك الموت: انطلق إلى وليي فائتني به فإني قد جربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب، فائتني به لأريحه من هموم الدنيا وغمومها. فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من حنوط الجنة ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لوناً، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر، فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحتوشه الملائكة ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلل عنده ذلك بطرف الجنة مرة بأزواجها ومرة بكسوتها ومرة بثمارها، كما يعلل الصبيّ أهله إذا بكى، وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشاً، وتنزو الروح نزواً، ويقول ملك الموت: أخرجي أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود وطلح ممدود وماء مسكوب، وملك الموت أشد تلطفاً به من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب إلى ربه، كريم على الله فهو يلتمس بلطفه تلك الروح رضا الله عنه، فسلّ روحه كما تسل الشعرة من العجين، وإن روحه لتخرج والملائكة حوله يقولون: {سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] وذلك قوله: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم} [النحل: 32] قال: فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم، قال: روح من جهد الموت وروح يؤتى به عند خروج نفسه وجنة نعيم أمامه. فإذا قبض ملك الموت روحه يقول الروح للجسد: لقد كنت بي سريعاً إلى طاعة الله بطيئاً عن معصيته، فهنيئاً لك اليوم فقد نجوت وأنجيت، ويقول الجسد للروح: مثل ذلك، وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله عليها، كل باب من السماء كان يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، فإذا اقبضت الملائكة روحه أقامت الخمسمائة ملك عند جسده لا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة عليهم السلام قبلهم، وعلته بأكفان قبل أكفانهم وحنوط قبل حنوطهم، ويقوم من باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار، ويصيح إبليس عند ذلك صيحة يتصرع منها بعض أعظام جسده، ويقول لجنوده: الوليل لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان معصوماً. فإذا صعد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة كلهم يأتيه من ربه، فإذا انتهى ملك الموت إلى العرش خرت الروح ساجدة لربها، فيقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه {في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب} [الواقعة: 28] فإذا وضع في قبره جاءت الصلاة فكانت عن يمينه، وجاء الصيام فكان عن يساره، وجاء القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاء مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاء الصبر فكان ناحية القبر، ويبعث الله عتقاً من العذاب فيأتيه عن يمينه، فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائباً عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك.، فيأتيه من قبل رأسه فيقول له مثل ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحية فيلتمس هل يجد لها مساغاً إلا وجد ولي الله قد أحرزته الطاعة، فيخرج عنه العذاب عندما يرى، ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشره بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فلو عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا ذخر له عند الصراط وذخر له عند الميزان، ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة إلا بالمؤمنين، يقال لهما: منكر ونكير، وفي يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها الثقلان لم يقلوها. فيقولان له: اجلس فيستوي جالساً في قبره فتسقط أكفانه في حقويه. فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، والإِسلام ديني، ومحمد نبي، وهو خاتم النبيين. فيقولان له: صدقت، فيدفعان القبر فيوسعانه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره ومن قبل رأسه ومن قبل رجليه، ثم يقولان له: أنظر فوقك، فينظر، فإذا هو مفتوح إلى الجنة، فيقولان له: هذا منزلك يا وليّ الله، لما أطعت الله فوالذي نفس محمد بيده إنه لتصل إلى قلبه فرحة لا ترتد أبداً، فيقال له: أنظر تحتك فينظر تحته فإذا هو مفتوح إلى النار، فيقولان: يا ولي الله نجوت من هذا فوالذي نفسي بيده إنه لتصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً، ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله تعالى من قبره إلى الجنة وأما الكافر فيقول الله لملك الموت: ويفتح الله لملك الموت انطلق إلى عبدي فائتني به فإني قد بسطت له رزقي وسربلته نعمتي فأبى إلا معصيتي فأئتني به لأنتقم منه اليوم، فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له اثنتا عشرة عيناً ومعه سفود من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من النار تأجج فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب أصل كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق من عروقه، ثم يلويه ليّاً شديداً، فينزع روحه من أظفار قدميه، فيلقيها في عقبيه، فيسكر عدوّ الله عند ذلك سكرة وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط، ثم كذلك إلى حقويه، ثم كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حلقه، ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه، ثم يقول ملك الموت: أخرجي أيتها النفس اللعينة الملعونة إلى { سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} [الواقعة: 43] فإذا قبض ملك الموت روحه قالت الروح للجسد: جزاك الله عني شرّاً فقد كنت بي سريعاً إلى معصية الله بطيئاً بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت، ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله تعالى عليها، وتنطلق جنود إبليس إليه يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من بني آدم النار، فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فتدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى ويبعث الله إليه حيات دهماء تأخذ بأرنبته وإبهام قدميه، فتغوصه حتى تلتقي في وسطه، ويبعث الله إليه الملكين فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ فيقول: لا أدري فيقال له: لا دريت ولا تليت، فيضربانه ضربة يتطاير الشرار في قبره، ثم يعود، فيقولان له: انظر فوقك، فينظر، فإذا باب مفتوح إلى الجنة فيقولان له عدو الله لو كنت أطعت الله تعالى، هذا منزلك فوالذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه حسرة لا ترتد أبداً، ويفتح له باب إلى النار، فيقال: عدوّ الله هذا منزلك لما عصيت الله، ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه من قبره يوم القيامة إلى النار ".
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء: هو مواقع ما يظهر على سر النبى صلى الله عليه وسلم من أنوار الحق وزوائد التحقيق مما خص به من الدنو والقربى والزلف التى لم يؤمر بإظهارها والاخبار عنها.
القشيري
تفسير : قيل: هي مواقع نجوم السماء. ويقال: موقع نجوم القرآن على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم. {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}: والكَرَمُ نَفْيُ الدناءة - أي: أنه غير مخلوق ويقال: هو {لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}: لأنه يدل على مكارم الأخلاق. ويقال هو قرآن كريمٌ أنه من عند ربٍّ كريم على رسولٍ كريم، على لسانَ مَلَكٍ كريم. {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}: يقال: في اللوح المحفوظ. ويقال: في المصاحفَ. وهو محفوظ عن التبديل. {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} عن الأدناس والعيوب والمعاصي. ويقال: هو خَبَرٌ فيه معنى الأمر: أي لا ينبغي أَنْ يَمَسَّ المصحفَ إلا مَنْ كان مُتَطهِّراً من الشِّرْكِ وعن الأحداث. ويقال: لا يجد طَعْمَه وبَرَكَته إلاَّ مَنْ آمَنَ به. ويقال: لا يقربه إلاَّ الموَحِّدون، فأمَّا الكفَّار فيكرهون سماعَه فلا يقربونه. وقرئ المُطَهِّرون: أي الذين يُطَهِّرون نفوسَهم عن الذنوب والخُلُقِ الدَّنيّ. ويقال: لا يَمَسُّ خبره إلاَّ من طُهِّر يومَ القسمة عن الشقاوة. ويقال: لا يَفْهَم لطائفَة إلاَّ مَنْ طَهَّر سِرَّه عن الكون. ويقال: المطهِّرون سرائرَهم عن غيره. ويقال: إلا المُحْتَرِمون له القائمون بحقِّه. ويقال: مَنْ طُهِّرَ بماء السعادة ثم بماء الرحمة. {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي: مُنَزَّل من قِبَلهِ - سبحانه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} اقسم الله سبحانه بمواقع انوار نجوم صفاته اذا ظهرت منه فتعود الى معاذها من ذاته سبحات منه بدا واليه يعود فالنجوم صفاته ومواقعها ذاته لذلك قال {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} عظم لعظمة جلاله وعظم جلاله وايضا اقسم مواضع نجوم صفاته من ارواح الانبياء والمرسلين والاولياء والصديقين اذا تجلت لها وايضا قسم بقلوب العارفين انها مواقع نجوم خطابه وايضا اقسم بمواقع نجوم القرأن من اسرار حبيبه عليه الصلاة والسلام لان قلبه مسقط الوحى وبيت الخطاب وموضع كشف الاسرار ومرأت حقائق الانوار اقسم به لعظمته عند الله وفى هذا المعنى قال ابن عطا مواقع النجوم هو مواقع ما يظهر على سر النبى صلى الله عليه وسلم من انوار الحق وزوائد التحقيق مما خص به من الدنوا وقربه والزلف التى لم يومر باظهارها والاخيار عنها ولذلك قال تعالى {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} كلامه القديم اذا بدا فى قلبه لا يخلتط به هوى الانسانية ولا هو اجس النفسانية ولا القاء الشيطان فى لان قلبه كان محفوظا بحفظه الله ورعايته عن الخطرات المذمومة والاوهام والظنون وكلامه محفوظ لانه صفته القديمة المنزهة عن التغير والتبديل وصفة بانه كريم لانه وصف الكريم القديم المنبئ عن صفاته الكريمة وذاته الا نرى بانزله الى اكرم خلقه من تخلق بخلقه يكون كريما فى الدارين ومن فهم حقائقه يكون امام فى الثقلين قال بعضهم كريم لانه يدل على مكارم الاخلاق ومعانى الامور وشرائف الافعال وقيل كريم لنزوله من عند كريم بوساطة كريم الى اكرم الخلق طرا اجمعين.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلا أقسم} اى فاقسم ولامزيدة للتأكيد وتقوية الكلام كما فى قوله تعالى {أية : لئلا يعلم اهل الكتاب}تفسير : وما قيل ان المعنى فلا أقسم اذ الامر اوضح من أن يحتاج الى قسم خصوصا الى مثل هذا القسم العظيم فيأباه تعيين المقسم به وتفخيم شأن المقسم به {بمواقع النجوم} اى بمساقطها وهى مغاربها وتخصيصها بالقسم لما فى غروبها من زوال اثرها والدلالة على وجود مؤثر دآئم لا يتغير او لان ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين اليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان علهيم او بمنازلها ومجاريها فان له تعالى فى ذلك من الدليل على عظم قدرته وكمال حكمته مالا يحيط به البيان وقيل النجوم نجوم القرءآن ومواقعها اوقات نزولها واليه ذهب ابن عباس رضى الله عنهما وقيل النجوم الصحابة والعلماء الهادون بعدهم ومواقعهم القبور وقيل غير ذلك
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "فلا": صلة، كقوله:{أية : فَلاَ وَرَبِّكَ...}تفسير : [النساء: 65]. ومَن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي: فلأنا أُقسم، ولا يصح أن تكون للقسم؛ لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد. يقول الحق جلّ جلاله: {فلا أُقِسِمُ بمواقعِ النجومِ} بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخَوان "بموقع" على الإفراد، وتخصيصها بالقَسَم لِمَا في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو: لأنّ ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله: {وإنه لقَسَم لو تعلمون عظيمٌ} وهو اعتراض في اعتراض، لأنه اعتراض بين القسم والمقسَم عليه بقوله: {إِنه لقرآن كريمٌ} أي: حسن مرضيّ، أو نفّاع جمّ المنافع؛ لاشتماله على أصول العلوم المهمة في صلاح المعاش والمعاد، أو: كريم على الله تعالى، واعترض بين الموصوف وصفته بـ {لو تعلمون} وجواب "لو" متروك، أريد به نفي علمهم، أو: محذوف، ثقةً، والتقدير: وإنه لقسم لو تعلمون ذلك، لكن لا تعلمون كُنه ذلك، أو: لو تعلمون ذلك لعظمتموه، أو: لعملتم بموجبه، {في كتابٍ مكنون} مَصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه مَن سواهم، وهو اللوح المحفوظ. {لا يَمسُّه إِلاَّ المُطَهَّرون} أي: الملائكة المنزّهون عن الكدرات الجسمانية، وأوضار الذنوب. هذا إن جعلته صفة لكتاب مكنون، وهو اللوح، وإن جعلته صفة للقرآن؛ فالمعنى: لا ينبغي أن يمسّه إلاَّ مَن هو على الطهارة مِن الناس، والمراد: المكتوب منه. قال ابن جزي: فإن قلنا إنَّ الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهَّرون يُراد به الملائكة؛ لأنهم مُطهَّرون من الذنوب والعيوب، وإن قلنا أنَّ الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الناس؛ فيحتمل أن يريد بالمطهرين: المسلمين؛ لأنهم مُطَهرون من الكفر، أو يريد: المطهرين من الحدث الأكبر، وهو الجنابة والحيض، فالطهارة على هذا: الاغتسال. أو: المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا: الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله: {لا يمسُّه} خبراً أو نهياً، على أنه قد أنكر بعضهم أن يكون نهياً، وقال: لو كان نهياً لكان بفتح السين. والتحقيق: أن النهي يصح مع ضم السين؛ لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزوماً واتصل به ضمير المفرد المذكر ضُم عند التقاء الساكنين، اتباعاً لحركة الضمير، وإذا جعلته خبر؛ فيحتمل أن يُراد به مجرد الإخبار، أو: يكون خبراً بمعنى النهي، وإذا كان لمجرد الإخبار، فالمعنى: لا ينبغي أن يمسه إلاَّ المطهرون، أي: هذا حقه، وإن وقع خلاف ذلك. واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مَسّ المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يمسه كافر، واختلفوا فيما سواه على أقوال؛ فقال بعضهم: لا يجوز أن يمسه الجُنب ولا الحائض ولا المحدِث الحدثَ الأصغر، وهذا قول مالك وأصحابه، ومَنعوا أيضاً أن يحمله بعلاقة أو وسادة، وحجتهم: الآية، على أن يُراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وقد احتج مالك في الموطأ بالآية، ومن حجتهم أيضاً: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عَمرو بن حزم ألاَّ يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ. القول الثاني: أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدِث حدثاً أصغر، وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية، وحملوا "المطهرين" على أنهم المسلمون أو الملائكة. والقول الثالث: أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، وحمل صاحب هذا القول "المطهرين" على أن يُراد من الحدث: الأكبر، ورخَّص مالك في مسِّه على غير وضوء لمُعلِّم الصبيان؛ لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن، فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقاً، وأجازه الظاهرية مطلقاً، وأجاز مالك قراءة الآيات اليسيرة، أي: لتعوُّذ ونحوه. واختلفوا في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظاهر قلب، فعن مالك روايتان، وفرّق بعضهم بين الكثير واليسير. هـ. قلت: المشهور في الحائض والنفساء جواز القراءة مطلقاً. وقال الكواشي عن ابن عطاء: لا يفهم إشارات القراءة إلاَّ مَن طَهَّر سره من الأكوان. هـ. وفي آخر البخاري؛ "لا يمسه": لا يجد طعمه ونَفْعَه إلاَّ مَن آمن بالقرآن، ولا يحمله بحقه إلاَّ المؤمنُ لقوله:{أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ}تفسير : [الجمعة: 5]. هـ. {تنزيلٌ من رب العالمين}: صفة رابعة للقرآن، أي: نزل من رب العالمين، وُصف بالمصدر؛ لأنه نزل منجّماً من بين سائر الكتب، فكأنه في نفسه تنزيل، {أفبهذا الحديثِ} أي: القرآن {أنتم مُّدْهِنون} متهاونون به، كمَن يُدهن في بعض الأمر، أي: يلين جانبه، فلا يتصلّب فيه تهاوناً به. قال ابن عطية: قال ابن عباس: المداهنة هي المهاودة فيما لا يحل، والمداراة: المهادوة فيما يحل. هـ. {وتجعلون رزقَكم أنكم تُكذِّبون} أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب، أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وفي قراءة عليّ رضي الله عنه، وهي مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وتجعلون شكركم أنكم تكذِّبون" أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن التكذيب. وقيل: نزلت في الأنواء ونسبة الأمطار إليها، أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث أنكم تكذّبون كونَه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم، وتقولون: مُطرنا بنوء كذا، والمنهي إنما هو اعتقاد التأثير للنجوم، لا من بابا العلامة وقيل: مطلقاً، سدّاً للذريعة، وهو مقتضى كلام ابن رشد، وعزاه لسحنون. والمسألة خلافية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ذُكرت النجوم فأمْسِكوا"تفسير : ، ومنهم مَن فصّل في المسألة، فقال: يجوز إضافة الأفعال السيئة إليها لقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : تعوّذوا بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب"تفسير : وأشار إلى القمر. وأما الحسنة فالشكر يقتضي إضافتها إلى الله، وكذا الأدب. والله تعالى أعلم. الإشارة: مواقع النجوم هي أسرار العارفين؛ لأنه يغرق في بحارها كل ما سوى الله، وتغيب فيها نجوم العلم العقلي والنقلي، وأقمار التوحيد البرهاني؛ لأنه إذا أشرقت في قلوبهم شمس العرفان، لم يبقَ لنور النجوم والقمر أثر، وقد قلت في قصيدتي العينية: شعر : تبدّت لنا شمسُ النهارِ وأشرقتْ فلم يَبق ضوءُ النجمِ والشمسُ طالعُ تفسير : قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن الفاسي: كنتُ أعرف أربعة عشر علماً، فلما تعلمتُ علم الحقيقة شرطت ذلك كله. هـ. يعني: وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبقَ للروح التفات إلى شيء قط. "ماذا فقد من وجدك"؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يُعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري: كنتَ الصاحِبَ في زمن البطالة، يعني: قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيماً؛ لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علماً وتجلياً،"حديث : لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن". تفسير : فالقَسم عظيم، والمُقسَم به أعظم، والمُقسَم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، {لا يسمّه إلاّ المطهرون} قال الجنيد: لا يمسّه إلاّ العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. هـ. أي: لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلاّ القلوب المطهَرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين: {تنزيل من رب العالمين} على سيد المرسلين، ثم غرفت أسرارَه قلوبُ خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري: أي: أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. هـ. والعتاب لمَن يتهاون بعلم الإشارة ويُنكرها. ويتنكّب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. ثم أظهر عجزهم عند نزول قهرية الموت، فقال: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "لا" زائدة من قبيل قوله: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الحديد:29] وقيل: "لا" يزاد في القسم، فيقال: "لا والله" و "لا وعمرِك" وكقول امرئ القيس: شعر : لا وأبيكِ ابنةَ العامري لايدّعي القومُ انّي أفِرّ تفسير : وقيل: "لا" ردٌّ لما يقوله الكفّار في القرآن إنّه سحر مفترى أو كهانة، ثمّ استأنف الكلامَ وأقسم. وقيل: "لا" مثبتة، والمعنى: لا أقسم على هذه الأشياء فإنّ الأمر أظهر من أن يحتاج فيه إلى اليمين. ومَواقِع الْنُجُوم، قيل: هي مساقطها أو مغاربها، وجّهه في الكشّاف بأنّه لعلّ لله في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى الغروب أفعالاً مخصوصة عظيمة، أو للملائكة عبادات موصولة، أو لأنّه وقت قيام المتهجّدين والمبتهلين إليه. وفيه ما لا يخفى من الخدش: فإنّ سقوط النجم وغروبه لا يختصّ بآخر الليل، بل ما من وقت إلاّ ويكون فيه أفول نجم وغروب نوره في الأفق. وقيل: أراد بمواقعها منازلها ومساراتها، وله تعالى في ذلك من الدليل على عظمة القدرة والحكمة ما لا يحيط به الوصف، ولا يبعد أن يكون المراد بها النجوم أنفسها لأنّها مواقع قدرة الله ومنازل جوده وحكمته بأن تكون الإضافة بيانيّة. أو يراد بالنجوم نفوسها المنورة. وبالمواقع أجرامها التي هي مواقع تلك الأنوار - فتكون الإضافة لاميّة -. وفي الشواذّ قرأ الحسن والثقفي "فَلا أقسم" بمعنى: "فَلاَنَاً أقسِم" بلام ابتدائيّة دخلت على جملة مِن مُبتدأ وخبر، ثمّ حذف المبتدأ وهو "أنَا" وليس لامُه للقسم لعدم اقترانها بالنون المؤكّدة - كما هو دأبهم - ولأنّ فعل القسم يجب أن يكون للحال وجوابه للاستقبال. وقوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} جملة وقعت اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه وهو قوله {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الواقعة:77]. "ولو تَعلَمونَ" اعتراض بين موصوف وصفة، فهو اعتراض في اعتراض. وإنّما وصف هذا القسم بالعظمة المقسَم به، فإنّ الله سبحانه قد عظَّم أمر السماء وما فيها من الكواكب، فكم من سورةٍ يشتمل على تفخيمها في مواضع، وكم من قسم أقسَم به القرآن كقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ} تفسير : [البروج:1] {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ} تفسير : [الطارق:1] {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} تفسير : [الشمس:1 - 2] {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ}تفسير : [التكوير:15 - 16] {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ}تفسير : [النجم:1]. وذلك لشرفها ونوريّتها وملكوتها ودوام دورتها وطاعتها لله تعالى، وسرعة حركاتها الدوريّة والإراديّة في طلب الحقّ الأوّل وتلألؤ جماله وورود إشراقاته عليها لا لداعٍ حيواني من شهوة أو غضب أو التفات لها إلى ما دونها. فلها في كلّ إشراق أشواق، وفي كلّ شوق وجْد ورقص وخضوع، ولكلّ حركة وسجود وركوع لمعة أخرى وشروق نور آخر، فهكذا تدوم الإشراقات العقليّة بدوام الحركات الدوريّة، وتدوم الحركات الشوقيّة بدوام اللمعات الإلهيّة، وما من موضع في السماء إلاّ وفيه مَلَك ساجد وراكع من نفس أو عقل. ولعلوّ منزلتها وقربها من أفق الإلهيّة أقسم الله تعالى بها وأحال الأرزاق إليها، فقال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات:22] ومدح الناظرين في أمرها، وأثنى على المتفكّرين في خلقها القائلين: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} تفسير : [آل عمران:191]. حديث : وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نظر إلى السماء والكواكب وقرأ قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة:164]. - الآية -: "ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سِبْلته" تفسير : أي: قرأها وتجاوزها من غير أن يتأمّل فيها ويتدبّر في ملكوتها. وليس معنى المتفكّر أن يعرف أحد رزقة السماء وضوء الكواكب كالعوام والأنعام، أولاَ ترى أنّ الله تعالى قد ذمَّ المعرِضين عن التدبّر في آياتها فقال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [الأنبياء:32]. فعُلم أنّ معنى النظر إلى ملكوت السموات ليس بأن يمتدّ البصر إلى شكلها أو زرقتها وضوء الكواكب وحركتها من غير أن يتفطّن بمحرِكها ومحرِّك محرّكها - وهكذا - إلى أن ينتهي النظر إلى لمعات أنوار الربوبيّة، ومعاني الأسماء الإلهيّة، فيرتقي إلى عالَم الأسماء من عالَم السماء، بأن يعلم أنّ كلّ جرمٍ سماويّ له طبع ونفس وعقل وسام آلهي متّصل به الكلّ. فإن كان مجرّد ذلك هو المراد، فلِمَ مدح الله خليله إبراهيم (ع) خاصّة بقوله: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام:75]، بل كلّما يدركه بحاسّة البصر وساير الحواسّ فهو من الدنيا - وتشترك فيه البهائم مع الإنسان - والقرآن يعبّر عنه بالمُلك والشهادة، وما غاب عن ادراك الحواسّ فهو من الآخرة ويعبّر عنه بالغيب والملكوت. والله تعالى عالِم الغيب والشهادة فلا يُظْهر على غيبه أحداً إلاّ مَن ارتضى من رسول، وهو جبّار المُلك والملكوت فلا يستطيع أحد أن ينفذ فيهما إلاّ مَن اصطفى مِن نبي: {أية : يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ} تفسير : [الرحمن:33]. أي: بنورٍ قاهر. قال المسيح الممسوح بنور الله: لَن يلج ملكوت السماوات مَن لم يولد مرّتين - مرّة من رحم الموادّ ومرّة من مشيمة الحواسّ. واعلم أنّ ارتباط هذه الآية بما سبق، أنّه سبحانه لمّا ذكر موادّ خِلْقة الإنسان وأسباب غذائه الجسمانيّ الذي به قوام بنيته ونشأته الدنيويّة من العناصر الأربعة، وذكرها على الترتيب من الأسفل الأخسّ إلى الأعلى الأشرف حتّى بلغ إلى ذكر ما هو أشرفها وأقصاها - وهي النار -، فذكر حكمتها ومنفعتها وحاجة الخلْق إليها، فأراد ان يهدي الناس إلى معرفة السماء ومواقع النجوم، لأنّها منشأ أرواح بني آدم ومادّة ميلاد نفوسهم في نشأة المعاد وعند قيامهم عند الله لأنّ روح الإنسان إنّما تتغذّى بمعارف القرآن وتحيى بحياة العلم والعرفان. والقرآن بما فيه من العلوم الحقّة والمعارف الإلهيّة إنّما ثبت أوّلاً من القلم الأعلى في اللوح المحفوظ، وهما من السماوات العُلى، ثمّ نزل إلى هذه السماء الدنيا مُنَجمّاً، ولهذا فسَّر بعضهم مواقِع النجوم بأوقات نجوم القرآن - أي: أوقات نزولها - وانّما لم يقسم بتلك الأجسام العنصريّة مع ما فيها من عجايب القدرة، وأقسم بهذه المواضع لِعظم أمرها وشرف ملكوتها، فأيّ نسبة لجميع العنصريّات إلى السماء وما فيها من الكواكب وملكوتها ومن أدرك الكلّ وفاتَه عجايب ملكوت الله واعداد حكمة الله فيها فقد فاتَه الكلّ تحقيقاً، إذ هو الأمر كلّه، فالأرض والبحار والهواء وكلّ جسم سوى السماويّات بالإضافة إليها كقطرة في بحر عظيم.
الجنابذي
تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} لا زائدة او نافية ردّ لما قالوه فى القرآن من انّه سحر او شعر او اساطير الاوّلين، او نافية ونفى للقسم والمعنى لا اقسم فيما أدّعيه من انّه قرآنٌ كريمٌ بوضوحه وعدم احتياجه الى القسم، ومواقع النّجوم مغاربها، او مطالعها، او انتشارها يوم القيامة، او الانواء الّتى كانوا فى الجاهليّة يقولون: اُمطرنا بنوءٍ كذا وهو سقوط كوكبٍ وقت طلوع الفجر وطلوع آخر مقابله، او رجومها للشّياطين كما فى الخبر، فانّه روى عن الصّادق (ع) انّ مواقع النّجوم رجومها للشّياطين، وكان المشركون يقسمون بها فقال سبحانه: فلا اقسم بها، او المراد بمواقع النّجوم مواقع نزول القرآن فانّه نزل نجوماً.
اطفيش
تفسير : {فَلا أُقْسِمُ} لا زائدة للتوكيد أو لام ابتداء دخلت على المضارع واشبعت ويدل له قراءة الحسن فلا أقسم بلام فهمزة فقاف بلا مد وهي ايضا لام ابتداء دخلت على المضارع ويجوز في قراءته تقدير المبتدأ بعدها أي فلانا أقسم وكذلك يجوز على القراءة الاولى لكن لما حذف المبتدأ أشبع فتحة اللام أو لا نافية أي لا اقسم لوضوح الامر أو ناهية أي لا تكذبوا ما ذكر من النعم والآيات. أولا تقولوا ان القرآن سحر أو شعر أو كهانة ولتعظيم الامر كما يقال لا تسأل عما جرى وليس المراد النهي عن السؤال وقيل نافية على تقدير لا صحة لما يقول الكافر وليست لام جواب القسم لأنه لا يحسن والله اقسم ولان من تجريد المضارع المثبت المقرون بلام جواب القسم من نون التوكيد قبيح ضعيف ولان لأفعلن في جواب القسم للاستقبال وفعل القسم يجب ان يكون للحال ويأتي كلام في لا القسم. {بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} بمساقطها أجمع موضع اسم المكان الوقوع أو زمانه وخص المغارب لما في غروبها من زوال اثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره أو لان له تعالى افعلا مخصوصة عظيمة عند غروبها أو لان للملائكة عبادات موصوفة قيل: أو لأنه وقت قيام المتهجدين والمبتهلين اليه من عباده الصالحين ونزول الرحمة والرضوان عليهم فلذلك أقسم بمواقعها واستعظم ذلك بقوله.
الالوسي
تفسير : {فَلاَ أُقْسِمُ } مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى: { أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الحديد: 29] أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في قوله: شعر : أعوذ بالله من العقراب تفسير : واختاره أبو حيان ثم قال: وهو وإن كان قليلاً فقد جاء نظيره في قوله تعالى: { أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تفسير : [إبراهيم: 37] بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام. ويؤيد قراءة الحسن وعيسى فلأقسم. وهو مبني على ما ذهب إليه تبعاً لبعض النحويين من أن فعل الحال يجوز القسم عليه فيقال: والله تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر: شعر : ليعلم ربـي أن بيتي واسع تفسير : وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال وهو خلاف المراد، والذي اختاره ابن عصفور والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة فقيل: لأقسمن وحذفها ضعيف جداً، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن وعيسى على أن اللام لام الابتداء والمبتدأ محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير فلأنا أقسم، وقيل: نحوه في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من الإشباع، وتعقب بأن المبتدأ إذا دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه. وقال سعيد بن جبير وبعض النحاة: ـ لا ـ نفي ورد لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل: فلا صحة لما يقولون فيه ثم استؤنف فقيل: {أُقْسِمُ } الخ، وتعقبه أبو حيان بأنه ((لا يجوز لما فيه من حذف اسم ـ لا ـ وخبرها في غير جواب سؤال نحو ـ لا ـ في جواب هل من رجل في الدار))، وقيل: الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما بعدها في اللفظ الإتيان بالواو نحو ـ لا ـ وأطال الله تعالى بقاءك، وقال بعضهم إن ـ لا ـ كثيراً ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في قوله: شعر : (لا وأبيك) ابنة العامريّ لا يدّعي القوم إني أفرّ تفسير : وقال أبو مسلم وجمع: إن الكلام على ظاهره المتبادر منه، والمعنى لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم مّا فضلاً عن أن هذا القسم العظيم، فقول مفتي الديار الرومية انه يأباه تعيين المقسم به وتفخيمه ناشيء عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن. {بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها كما جاء في رواية عن قتادة والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب. وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا، أو لأن ذلك وقت قيام المتهجدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم. وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبـي هريرة مرفوعاً » حديث : ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له » تفسير : وعن الحسن أيضاً المراد مواقعها عند الانكدار يوم القيامة قيل: وموقع عليه مصدر ميمي أو اسم زمان ولعل وقوعها ذلك اليوم ليس دفعة واحدة والتخصيص لما في ذلك من ظهور عظمته عز وجل وتحقق ما ينكره الكفار من البعث، وعن أبـي جعفر وأبـي عبد الله على آبائهما وعليهما السلام المراد مواقعها عند الانقضاض إثر المسترقين السمع من الشياطين، وقد مرّ لك تحقيق أمر هذا الانقضاض فلا تغفل. وقيل: مواقع النجوم هي الأنواء التي يزعم الجاهلية / أنهم يمطرون بها، ولعله مأخوذ من بعض الآثار الواردة في سبب النزول وسنذكره إن شاء الله تعالى وليس نصاً في إرادة الأنواء بل يجوز عليه أن يراد المغارب مطلقاً. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة أنها منازلها ومجاريها على أن الوقوع النزول كما يقال: على الخبير سقطت وهو شائع والتخصيص لأن له تعالى في ذلك من الدليل على عظيم قدرته وكمال حكمته ما لا يحيط به نطاق البيان. وقال جماعة منهم ابن عباس: النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها. وأخرج النسائي وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في «الشعب» عنه أن قال: «أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق في السنين» وفي لفظ «ثم نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً ثم قرأ {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}» وأيد هذا القول بأن الضمير في قوله تعالى بعد: {أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ}تفسير : [الواقعة: 77] يعود حينئذٍ على ما يفهم من مواقع النجوم حتى يكاد يعدّ كالمذكور صريحاً ولا يحتاج إلى أن يقال يفسره السياق كما في سائر الأقوال، ووجه التخصيص أظهر من أن يخفى، ولعل الكلام عليه من باب: شعر : وثناياك إنها إغريض تفسير : وقرأ ابن عباس وأهل المدينة وحمزة والكسائي {بموقع} مفرداً مراداً به الجمع.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على جملة {أية : قل إن الأولين والأخرين لمجموعون}تفسير : [الواقعة: 49، 50] يُعرِب عن خطاب من الله تعالى موجه إلى المكذبين بالبعث القائلين: {أية : أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إنّا لمبعوثون}تفسير : [الواقعة: 47]، انتقل به إلى التنويه بالقرآن لأنهم لما كذبوا بالبعث وكان إثباتُ البعث من أهم ما جاء به القرآن وكان مما أغراهُم بتكذيب القرآن اشتمالُه على إثبات البعث الذي عَدُّوه محالاً، زيادة على تكذيبهم به في غير ذلك مما جاء به من إبطال شركهم وأكاذيبهم، فلما قامت الحجة على خطئهم في تكذيبهم، فقد تبين صدق ما أنبأهم به القرآن فثبت صدقه ولذلك تهيّأ المقام للتنويه بشأنه. والفاء لتفريع القَسم على ما سبق من أدلة وقوع البعث فإن قوله: {أية : قل إن الأولين والأخرين لمجموعون}تفسير : [الواقعة: 49، 50]، إخبار بيوم البعث وإنذار لهم به وهم قد أنكروه، ولأجل استحالته في نظرهم القاصر كذبوا القرآن وكذّبوا من جاء به، ففرع على تحقيق وقوع البعث والإِنذار به تحقيق أن القرآن منزه عن النقائص وأنه تنزيل من الله وأن الذي جاء به مبلغ عن الله. فتفريع القسم تفريع معنويُّ باعتبار المقسم عليه، وهو أيضاً تفريع ذِكري باعتبار إنشاء القسم إن قالوا لكم: أقسم بمواقع النجوم. وقد جاء تفريع القَسم على ما قبله بالفاء تفريعاً في مجرد الذكر في قول زهير:شعر : فأقسمت بالبيت الذي طَافَ حوله رجال بَنَوْه من قريش وجُرهم تفسير : عقب أبيات النسِيب من معلَّقته، وليس بين النسيب وبين ما تفرع عنه من القسم مناسبة وإنما أراد أن ما بعد الفاء هو المقصود من القصيد، وإنما قدم له النسيب تنشيطاً للسامع وبذلك يظهر البَون في النظم بين الآية وبين بيت زهير. و{لا أقسم} بمعنى: أقسم، و (لا) مزيدة للتوكيد، وأصلها نافية تدل على أن القائل لا يقدم على القسم بما أقسم به خشية سوء عاقبة الكذب في القسم. وبمعنى أنه غير محتاج إلى القسم لأن الأمر واضح الثبوت، ثم كثر هذا الاستعمال فصار مراداً تأكيد الخبر فساوى القسم بدليل قوله عقبه: {وإنه لقَسم لو تعلمون عظيم}، وهذا الوجه الثاني هو الأنسب بما وقع من مثله في القرآن. وعلى الوجهين فهو إدماج للتنويه بشأن ما لو كان مُقسِماً لأقسم به. وعلى الوجه الثاني يكون قوله: {وإنه لقسم} بمعنى: وإن المذكور لشيء عظيم يُقسم به المقسمون، فإطلاق قسم عليه من إطلاق المصدر وإرادة المفعول كالخلق بمعنى المخلوق. وعن سعيد بن جبير وبعض المفسرين: أنهم جعلوا (لا) حرفاً مستقلاً عن فعل {أقسم} واقعاً جواباً لكلام مقدر يدل عليه بعده من قوله: {إنه لقرآن كريم} ردّاً على أقوالهم في القرآن أنه شعر، أو سحر، أو أساطير الأولين، أو قول كاهن، وجعلوا قوله: {أقسم} استئنافاً. وعليه بمعنى الكلام مع فاء التفريع أنه تفرع على ما سَطع من أدلة إمكان البعث ما يبطل قولكم في القرآن فهو ليس كما تزعمون بل هو قرآن كريم الخ. و{مواقع النجوم} جمع موقع يجوز أن يكون مكان الوقوع، أي محالُّ وقوعها من ثوابت وسيارة. والوقوع يطلق على السقوط، أي الهوى، فمواقع النجوم مواضع غُروبها فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : والنجم إذا هوى}تفسير : [النجم: 1] والقسم بذلك مما شمله قوله تعالى: {أية : فلا أقسم برب المشارق والمغارب}تفسير : [المعارج: 40]. وجعل {مواقع النجوم} بهذا المعنى مقسماً به لأن تلك المساقط في حال سقوط النجوم عندها تذكِّر بالنظام البديع المجعول لسير الكواكب كلَّ ليلة لا يختل ولا يتخلف، وتذكِّر بعظمة الكواكب وبتداولها خِلفة بعد أخرى، وذلك أمر عظيم يحق القسم به الراجع إلى القسم بمُبدعه. ويطلق الوقوع على الحلول في المكان، يقال: وقعت الإِبل، إذا بركت، ووقعت الغنم في مرابضها، ومنه جاء اسم الواقعة للحادثة كما تقدم، فالمواقع: محالُّ وقوعها وخطوط سيرها فيكون قريباً من قوله: {أية : والسماء ذات البروج}تفسير : [البروج: 1]. والمواقع هي: أفلاك النجوم المضبوطة السير في أفق السماء، وكذلك بروجها ومنازلها. وذكر (مواقع النجوم) على كلا المعنيين تنويه بها وتعظيم لأمرها لدلالة أحوالها على دقائق حكمة الله تعالى في نظام سيرها وبدائع قدرته على تسخيرها. ويجوز أن يكون (مواقع) جمع موقع المصدر الميمي للوقوع. ومن المفسرين من تأول النجوم أنها جمع نجم وهو القِسط الشيء من مال وغيره كما يقال: نجومُ الديات والغرامات وجعلوا النجوم، أي الطوائف من الآيات التي تنزل من القرآن وهو عن ابن عباس وعكرمة فيؤول إلى القسم بالقرآن على حقيقته على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {أية : والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً}تفسير : [الزخرف: 2، 3]. وجملة {وإنه لقَسم لو تعلمون عظيم} معترضة بين القسم وجوابه. وضمير {إنه} عائد إلى القَسم المذكور في {لا أقسم بمواقع النجوم}، أو عائداً إلى مواقع النجوم بتأويله بالمذكور فيكون قسم بمعنى مقسم به كما علمت آنفاً. ويجوز أن يعود إلى المقسم عليه وهو ما تضمنه جواب القسم من قوله: {إنه لقرآن كريم}. وجملة {لو تعلمون} معترضة بين الموصوف وصفته وهي اعتراض في اعتراض. والعلْمُ الذي اقتضى شرطُ {لو} الامتناعية عدمَ حصوله لهم إن جعلت ضمير {إنه} عائداً على القسم هو العِلم التفصيلي بأحوال مواقع النجوم، فإن المشركين لا يخلون من علم إجمالي متفاوت بأن في تلك المواقع عبرة للناظرين، أو نُزّل ذلك العلم الإجمالي منزلة العدم لأنهم بكفرهم لم يجروا على موجَب ذلك العلم من توحيد الله فلو علِموا ما اشتملت عليه أحوال مواقع النجوم من متعلقات صفات الله تعالى لعلموا أنها مواقع قدسية لا يَحْلف بها إلا بارٌّ في يمينه ولكنهم بمعزل عن هذا العلم، فإن جلالة المقسم به مما يزع الحالف عن الكذب في يمينه. ودليل انتفاء علمهم بعظمته أنهم لم يدركوا دلالة ذلك على توحيد الله بالإِلهية فأثبوا له شركاء لم يخلقوا شيئاً من ذلك ولا ما يدانيه فتلك آية أنهم لم يدركوا ما في طي ذلك من دلائل حتى استوى عندهم خالق ما في تلك المواقع وغير خالقها. فأما إن جعلت ضمير {وإنه لقسم} عائداً إلى المقسم عليه فالمعنى: لو تعلمون ذلك لما احتجتم إلى القسم. وقرأ الجمهور {بمواقع} بصيغة الجمع بفتح الواو وبعدها ألف، وقرأه حمزة والكسائي وخلف {بموقع} سكون الواو دون ألف بعدها بصيغة المفرد على أنه مصدر ميمي، أي بوقوعها، أي غروبها، أو هو اسم لجهة غروبها كقوله: {أية : رب المشرق والمغرب}تفسير : [المزمل: 9]. ومفعول {تعلمون} محذوف دل عليه الكلام، أي لو تعلمون عظمته، أي دلائل عظمته، ولك أن تجعل فعل {تعلمون} منزّلاً منزلة اللازم، أي لو كان لكم علم لكنكم لا تتصفون بالعلم. وضمير {إنه لقرآن كريم} راجع إلى غير مذكور في الكلام لكونه معلوماً مستحضراً لهم. والقرآن: الكلام المقروء، أي المتلوّ المكرر، أي هو كلام متعظ به محل تدبر وتلاوة، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن} تفسير : في سورة يونس (61). والكريم: النفيس الرفيع في نوعه كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : إني ألقي إلي كتاب كريم} تفسير : في سورة النمل (29). وهذا تفضيل للقرآن على أفراد نوعه من الكُتب الإِلهية مثل التوراة والإنجيل والزبور ومجلة لقمان، وفضلُه عليها بأنه فاقها في استيفاء أغراض الدين وأحوال المعاش والمعاد وإثبات المعتقدات بدلائل التكوين. والإِبلاغ في دحض الباطل دحضاً لم يشتمل على مثله كتاب سابق، وخاصة الاعتقاد، وفي وضوح معانيه، وفي كثرة دلالته مع قلة ألفاظه، وفي فصاحته، وفي حسن آياته، وحسن مواقعها في السمع وذلك من آثار ما أراد الله به من عموم الهداية به، والصلاحية لكل أمة، ولكل زمان، فهذا وصف للقرآن بالرفعة على جميع الكتب حقاً لا يستطيع المخالف طعناً فيه. وبعد أن وصف القرآن بـ {كريم}، وصف وصفاً ثانياً بأنه {في كتاب مكنون} وذلك وصف كرامة لا محالة، فليس لفظ {كتاب} ولا وصف {مكنون} مراداً بهما الحقيقة إذ ليس في حمل ذلك على الحقيقة تكريم، فحرف (في) للظرفية المجازية. والكتاب المكنون: مستعار لموافقة ألفاظ القرآن ومعانيه ما في علم الله تعالى وإرادته وأمرِه الملك بتبليغه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتلك شؤون محجوبة عنّا فلذلك وصف الكتاب بالمكنون اشتقاقاً من الاكتنان وهو الاستتار، أي محجوب عن أنظار الناس فهو أمر مغيّب لا يعلم كنهه إلا الله. وحاصل ما يفيده معنى هذه الآية: أن القرآن الذي بلَغَهم وسمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم هو موافق لما أراد الله إعلام الناس به وما تعلقت قدرته بإيجاد نظمه المعجز، ليكمل له وصف أنه كلام الله تعالى وأنه لم يصنعه بشر. ونظير هذه الظرفية قوله تعالى: {أية : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} تفسير : في سورة الأنعام (59) إلى قوله: {أية : إلا في كتاب مبين} تفسير : في سورة الأنعام (59)، وقوله:{أية : وما يُعَمَّر من معمَّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب}تفسير : [فاطر: 11] أي إلا جارياً على وفق ما علمه الله وجَرى به قَدَره، فكذلك قوله هنا: {في كتاب مكنون}، فاستعير حرف الظرفية لمعنى مطابقةِ ما هو عند الله، تشبيهاً لتلك المطابقة باتحاد المظروف بالظرف. وقريب منه قوله تعالى: {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى صحُف إبراهيم وموسى}تفسير : [الأعلى: 18، 19] وهذا أولى من اعتبار المجاز في إسناد الوصف بالكون في كتاب مكنون إلى قرآن كريم على طريقة المجاز العقلي باعتبار أن حقيقة هذا المجاز وصف مماثل القرآن ومطابقه لأن المماثل ملابس لمماثله. واستعير الكتاب للأمر الثابت المحقق الذي لا يقبل التغيير، فالتأم من استعارة الظرفية لمعنى المطابقة، ومن استعارة الكتاب للثابت المحقق معنى موافقة معاني هذا القرآن لما عند الله من متعلّق علمه ومتعلّق إرادته وقدرته وموافقة ألفاظه لما أمر الله بخلقه من الكلام الدال على تلك المعاني على أبلغ وجه، وقريب من هذه الاستعارة قول بشر بن أبي حازم أو الطرمَّاح:شعر : وجدنا في كتاب بني تميم أحق الخيل بالركض المعار تفسير : وليس لبني تميم كتاب ولكنه أطلق الكتاب على ما تقرر من عوائدهم ومعرفتهم. وجملة {لا يمسه إلا المطهرون} صفة ثانية لــــ {كتاب}. و{المطهّرون}: الملائكة، والمراد الطهارة النفسانية وهي الزكاء. وهذا قول جمهور المفسرين وفي «الموطأ» قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية {لا يمسه إلا المطهرون} أنها بمنزلة هذه الآية التي في "عبس وتولى" (11 ـــ 16) قول الله تبارك وتعالى: {أية : كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صُحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} تفسير : اهــ. يريد أن {المطهرون} هم السفرة الكرام البررة وليسوا الناس الذين يتطهرون. ومعنى المسّ: الأخذ وفي الحديث: «مَس من طيبة»، أي أخذ. ويطلق المسّ على المخالطة والمطالعة قال يزيد بن الحكم الكلابي:شعر : مسِسْنا من الآباء شيئاً فكلُّنا إلى حسَب في قومه غير واضع تفسير : قال المرزوقي في شرح هذا البيت من «الحماسة»: «مسسنا» يجوز أن يكون بمعنى أصبنا واختبرنا لأن المس باليد يقصد به الاختبار. ويجوز أن يكون بمعنى طلبنا ا هــــ. فالمعنى: أن الكتاب لا يباشر نقل ما يحتوي عليه لتبليغه إلا الملائكة. والمقصود من هذا أن القرآن ليس كما يزعم المشركون قول كاهن فإنهم يزعمون أن الكاهن يتلقى من الجن والشياطين ما يسترِقونه من أخبار السماء بزعمهم، ولا هو قول شاعر إذ كانوا يزعمون أن لكل شاعر شيطاناً يملي عليه الشعر، ولا هو أساطير الأولين، لأنهم يعنون بها الحكايات المكذوبة التي يَتلهى بها أهلُ الأسمار، فقال الله: إن هذا القرآن مطابق لما عند الله الذي لا يشاهده إلا الملائكة المطهرون. وجملة {تنزيل من رب العالمين} مبينة لجملة {في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون} فهي تابعة لصفة القرآن، أي فبلوغه إليكم كان بتنزيل من الله، أي نزل به الملائكة. وفي معنى نظم هذه الآية قوله تعالى: {أية : وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون تنزيل من رب العالمين}تفسير : [الحاقة: 41 ـــ 43]. وإذ قد ثبتت هذه المرتبة الشريفة للقرآن كان حقيقاً بأن تعظم تلاوته وكتابته، ولذلك كان من المأمور به أن لا يمَس مكتوبَ القرآن إلا المتطهِّرُ تشبهاً بحال الملائكة في تناول القرآن بحيث يكون ممسك القرآن على حالة تطهر ديني وهو المعنى الذي تومىء إليه مشروعية الطهارة لمن يريد الصلاة نظير ما في الحديث «حديث : المصلي يناجي ربه»تفسير : . وقد دلت آثار على هذا أوضحها ما رواه مالك في «الموطأ» مرسلاً «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقيال ذي رعين وقعافر وهمذان وبعثها به مع عمرو بن حزم «حديث : أن لا يمس القرآن إلا طاهر»تفسير : . وروى الطبراني عن عبد الله بن عُمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر»، قال المناوي: وسنده صحيح وجعله السيوطي في مرتبة الحسن. وفي كتب السيرة أن عمر بن الخطاب قبل أن يُسلم دخل على اخته وهي امرأة سعيد بن زيد فوجدها تقرأ القرآن من صحيفة مكتوب فيها سورة طه فدعا بالصحيفة ليقرأها فقالت له: لا يمسه إلا المطهّرون فقام فاغتسل وقرأ السورة فأسلم، فهذه الآية ليست دليلاً لحكم مسّ القرآن بأيدي الناس ولكن ذكر الله إياها لا يخلو من إرادة أن يقاس الناسُ على الملائكة في أنهم لا يمسّون القرآن إلا إذا كانوا طاهرين كالملائكة، أي بقدر الإِمكان من طهارة الآدميين. فثبت بهذا أن الأمر بالتطهر لمن يمسك مكتوباً من القرآن قد تقرر بين المسلمين من صدر الإِسلام في مكة. وإنما اختلف الفقهاء في مقتضى هذا الأمر من وجوب أو ندب، فالجمهور رأوا وجوب أن يكون ممسك مكتوب القرآن على وضوء وهو قول علي وابن مسعود وسعد وسعيد وعطاء والزهري ومالك والشافعي، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقال فريق: إن هذا أمر ندب وهو قول ابن عباس والشعبي، وروي عن أبي حنيفة وهو قول أحمد وداود الظاهري. قال مالك في «الموطأ» «ولا يحمل أحد المصحف لا بعلاقته ولا على وسادة إلا وهو طاهر إكراماً للقرآن وتعظيماً له». وفي سماع ابن القاسم من كتاب الوضوء من «العتبية» في المسألة السادسة «سئل مالك عن اللوح فيه القرآن أيمس على غير وضوء؟ فقال: أما للصبيان الذين يتعلمون فلا رأى به بأساً، فقيل له: فالرجل يتعلم فيه؟ قال: أرجو أن يكون خفيفاً، فقيل لابن القاسم: فالمُعلِّمُ يشكِّل ألواح الصبيان وهو على غير وضوء، قال: أرى ذلك خفيفاً». قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: «لما يلحقه في ذلك من المشقة فيكون ذلك سبباً إلى المنع من تعلمه. وهذه هي العلة في تخفيف ذلك للصبيان. وأشار الباجي في «المنتقى» إلى أن إباحة مسّ القرآن للمتعلم والمعلم هي لأجل ضرورة التعلم. وقد اعتبروا هذا حكماً لما كتب فيه القرآن بقصد كونه مصحفاً أو جزءاً من مصحف أو لَوحاً للقرآن ولم يعتبروه لما يكتب من آي القرآن على وجه الاقتباس أو التضمين أو الاحتجاج ومن ذلك ما يكتب على الدنانير والدراهم وفي الخواتيم. والمراد بالطهارة عند القائلين بوجوبها الطهارة الصغرى، أي الوضوء، وقال ابن عباس والشعبي: يجوز مسّ القرآن بالطهارة الكبرى وإن لم تكن الصغرى. ومما يلتحق بهذه المسألة مسألة قراءة غير المتطهّر القرآن وليست مما شملته الآية ظاهراً ولكن لمّا كان النهي عن أن يمسّ المصحف غير متطهّر لعله أن المس ملابسة لمكتوب القرآن فقد يكون النهي عن تلاوة ألفاظ القرآن حاصلاً بمفهوم الموافقة المساوي أو الأحرى، إذ النطق ملابسة كملابسة إمساك المكتوب منه أو أشد وأحسب أن ذلك مثار اختلافهم في تلاوة القرآن لغير المتطهّر. وإجماع العلماء على أن غير المتوضىء يقرأ القرآن مع اختلافهم في مسّ المصحف لغير المتوضىء يشعر بأن مس المصحف في نظرهم أشدُّ ملابسة من النطق بآيات القرآن. قال مالك وأبو حنيفة والشافعي: لا يجوز للجنب قراءة القرآن ويجوز لغير المتوضىء. وقلت: شاع بين المسلمين من عهد الصحابة العمل بأن لا يتلو القرآن من كان جنباً ولم يُوثر عنهم إفتاء بذلك. وقال أحمد وداود: تجوز قراءة القرآن للجنب. ورخص مالك في قراءة اليسير منه كالآية والآيتين، ولم يشترط أحد من أهل العلم الوضوء على قارىء القرآن. واختلف في قراءته للحائض والنفساء. وعن مالك في ذلك روايتان، وأحسب أن رواية الجواز مراعى فيها أن انتقاض طهارتهما تطول مدته فكان ذلك سبباً في الترخيص.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الكلام عليه في أول سورة النجم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: فلا أقسم: أي فأقْسِمُ ولا صلة لتقوية الكلام وتأكيد القسم. بمواقع النجوم: أي بمساقطها لغروبها وبمنازلها أيضا ومطالعها كذلك. وإنه: أي القسم بها. لو تعلمون عظيم: أي لو كنتم من أهل العلم لعلمتم عظم القسم. إنه: أي المتلو عليكم لقرآن كريم وهو الذي كذب به المشركون. في كتاب مكنون: أي مصون وهو المصحف. لا يمسه إلا المطهرون: أي من الملائكة والأنبياء وكل طاهر غير محدث حدثا أكبر وأصغر تنزيل من رب العالمين: أي منزل من رب العالمين وهو الله جل جلاله. أفبهذا الحديث: أي القرآن. أنتم مدهنون: أي تلينون القول للمكذبين به ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر. وتجعلون رزقكم: أي شكر الله على رزقكم. أنكم تكذبون: أي تكذيبكم بسقيا الله وتقولون مطرنا بنوء كذا وكذا. معنى الآيات: قوله تعالى {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} أي أقسم بمواقع النجوم وهي مطالعها ومغربها وإنه أي قسمي هذا لقسم لو تعلمون أي لو كنتم من أهل العلم عظيم. لأن النجوم ومنازلها ومطالعها ومساقطها ومغاربها التي تغرب فيها أمور عظيمة في خلقها وتدبير الله فيها إنه لقسم بشيىء عظيم. والمقسم عليه هو قوله إنه أي المكذب به لقرآن كريم، لا كما قال المبطلون شعر وسحر وكذب واختلاق {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} أي مصون {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} سواء ما كان في اللوح المحفوظ أو في مصاحفنا فلا ينبغي أن يسمه إلاّ المطهرون من الأحداث الصغرى والكبرى {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي منزل منه سبحانه وتعالى ولذا وجب تقديسه وتعظيمه فلا يمسه إلاّ طاهر من الشرك والكفر وسائر الأحداث. وقوله تعالى {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} أي القرآن أنتم مدهنون تُلينون القول للمكذبين به ممالأة منكم لهم على التكذيب به والكفر وتجعلون رزقكم أي وتجعلون شكر الله تعالى على رزقه لكم أنكم تكذبون أي تكذيبكم بسقيا الله لكم بالأمطار وتقولون مطرنا ينوء كذا ونوء كذا. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته، وأن العبد لا يقسم إلا بربه تعالى. 2- تقرير الوحي الإِلهي وإثبات النبوة المحمدية، وأن القرآن الكريم منزل من عند الله تعالى. 3- وجوب صيانة القرآن الكريم، وحرمة مسه على غيره طهارة. 4- حرمة المداهنة في دين الله تعالى وهي أن يتنازل عن شيء من الدين ليحفظ شيئا من دنياه والمداراة جائزة وهي أن يتنازل عن شيء من دنياه ليحفظ شيئاً من دينه.
القطان
تفسير : فلا اقسم: هذا قسَم تستعمله العرب في كلامها، ولا للتأكيد. مواقع النجوم: مَداراتها ومراكزها. مكنون: مصون. المطهَّرون: المنزّهون عن الأدناس. مدهنون: متهاونون، مخادعون. الحُلقوم: مجرى الطعام. غير مدينين: غير محاسَبين. فروح: راحة الجسم. ريحان: راحة الروح. تصلية جحيم: ادخال النار. حق اليقين: هو بمعنى اليقين الحق، وهو اليقين المطابق للواقع. بعد ذِكر الأدلة على الألوهية والخلْق والبعث والجزاء جاء بذِكر الأدلة على النبوة وصدق القرآن الكريم. وقد أقسم الله تعالى على هذا بما يشاهدونه من مواقع النجوم، وإن هذا القسَم لعظيم حقا، لأن هذا الكون وما فيه شيء كبير لا نعلم عنه الا القليل القليل. ويقول الفلكيون: ان من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، ومنها ما لا يرى الا بالمكبّرات، وقد يكون اكبر من شمسنا بآلاف المرات ولكننا لبعده الشاسع لا نراه. وهي تسبح في هذا الفلك الواسع الذي لا نعلم عنه شيئا. والبحث في هذا واسع جدا، ولذلك فان هذا القسَم عظيم حقا. {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} هو قرآن جامع لكل المحامد، وفيه الخير والسعادة لبني الانسان اجمعين. {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} وهو مصون في اللوح المحفوظ، لا يمسّ هذا اللوح ولا يطلع عليه غير المقربين من الملائكة. لقد فسر بعضُهم هذه الآية بأنه لا يَمَسُّ القرآن من كان مُحْدِثا، واختلف العلماء في ذلك، فقال جمهور العلماء لا يجوز ان يمسّ احدٌ القرآن الا اذا كان متطهّرا، وقال عدد من العلماء بالجواز. {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ان هذا القرآن نزله الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين. وبعد ان ذكر مزاياه، وانه من لدن عليم خبير ذكر انه لا ينبغي التهاون في أوامره ونواهيه، ويجب التمسك به فقال: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ}. اتتهاونون بالقرآن وتُعرضون عنه، وتمالئون من يتكلّم فيه بما لا يليق به، وتكذّبون ما يقصه عليكم من شأن الآخرة، وما يقرره لكم من امور العقيدة! أتجعلون بدل الشكر على رِزقكم انكم تكذّبونه، فتضعون الكذب مكان الشكر! {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ}. فماذا انتم فاعلون إذا بلغت روحُ أحدكم الحلقوم في حال النزاع عند الموت، وانتم حوله تنظرون اليه، ونحن بالواقع أقربُ اليه وأعلمُ بحاله منكم، ولكن لا تدركون ذلك ولا تبصرون. {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فلو كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعثٌ ولا حسابٌ ولا جزاء، وأنكم غيرُ مدينين لا تحاسَبون ولا تجزون - هلاّ تُرجعون النفسَ التي بلغتِ الحلقومَ الى مكانها، وتردون الموت عمن يُحتضر امامكم!. ثم بين الله تعالى ان حال الناس بعد الوفاة ثلاثة اصناف فقال: 1- {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ.} فأما ان كان المتوفَّى من الذين عملوا صالحاً وكان من المقربين السابقين فمآلُه راحةٌ واطمئنان لنفسه، ورحمةٌ من الله ورزقٌ طيب في جنات النعيم. 2- وأما إن كان من أصحاب اليمين الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، فيقال له تحيةً وتكريما: سلامٌ لك من إخوانك اصحابِ اليمين. 3- واما ان كان من المكذِّبين الذين كذّبوا الرسول والقرآن الكريم، الضالِّين سواءَ السبيل- فله مكانٌ في جهنم يُسقَى من ماءٍ شديد الحرارة، ومآله دخول الجحيم. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ}. ان هذا الذي ذُكر في هذه السورة الكريمة لهو الحقُّ الصادق الثابت الذي لا شكَّ فيه فسبِّح أيها الرسول بذِكر اسم ربّك العظيم تنزيهاً له وشكرا على آلائه.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِمَوَاقِعِ} (75) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِمَغَارِبِ النُّجُومِ، عَلَى أَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا يَزْعُمُهُ المُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّ القُرْآنَ سِحْرٌ وَكَهَانَةٌ وَشِعْرٌ. لاَ أُقْسِمُ - أُقْسِمُ. مَوَاقِعِ النُّجُومِ - مَسَاقِطِهَا فِي الغَرْبِ أَوْ مَنَازِلِهَا.
الصابوني
تفسير : [1] حرمة مس المصحف التحليل اللفظي {بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ}: المواقع جمع موقع وهو المسقط الذي يسقط فيه الشيء، قال في "اللسان": والموقع والموقوعة: موضعُ الوقوع، ويقال: وقع الشيء موقعه، ومواقع الغيث: مساقطه. والمراد بمواقع النجوم: مواضعها ومنازلها من بروجها، فلكل نجم مدار يدور فيه، وموضع لا يتعدّاه {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [الأنبياء: 33]. {مَّكْنُونٍ}: المكنون: المستور قال تعالى: {أية : كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ} تفسير : [الواقعة: 23] والمراد أنه مصون مستور عن غير الملائكة المقربين لا يطّلع عليه من سواهم، أو مصون محفوظ عن التبديل والتغيير بحفظ الله تعالى له: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ. وقال مجاهد وقتادة: هو المصحف الذي في أيدينا. {ٱلْمُطَهَّرُونَ}: الملائكة الأطهار، أو المطهّرون من الأحداث، من الجنابة والبول والغائط وأشباهها مما يمنع من الصلاة، والمراد على الثاني أنه لا يمسّ القرآن إلا طاهر من الجنابة والحدث. {مُّدْهِنُونَ}: متهاونون مكذّبون، قال القرطبي: والمدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره ولهذا يقال للرجل المتهاون أو المتلاين في أمر الدين "مداهن" أي أنه يلين جانبه. قال في "اللسان": والمداهنة والإدهان: المصانعة واللين، وقيل: المداهنة إظهار خلاف ما يضمر. {بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ}: أي بلغت النفس أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر لدلالة الكلام عليه ولأن المعنى معروف، وأنشدوا في ذلك: شعر : أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً} تفسير : [الواقعة: 5]: أي محاسبين أو مجزيّين بأعمالكم، مأخوذ من دان بمعنى جازى ومنه الحديث الشريف: "حديث : اعمل ما شئت كما تدين تُدان"تفسير : أي كما تفعل تُجزى. وقال ابن قتيبة: غير مدينين أي غير مملوكين ولا مقهورين من قولهم: دنت له بالطاعة. وقال الفراء: دنته أي ملكته وأنشد للحطيئة: شعر : لقد دُيّنتِ أمرَ بنيكِ حتّى تركتهِم أدقّ من الطحين تفسير : {تَرْجِعُونَهَآ}: ترجعون الروح إلى الجسد، والمعنى: إن جحدتم الإلٰه الذي يحاسبكم ويجازيكم فهلاَّ تردّون هذه الروح إلى الجسد؟ فإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر بيد الله تعالى. وجه الارتباط بالآيات السابقة ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة الأدلة والبراهين على (الوحدانية) وعلى البعث والنشور، ثمّ أعقب ذلك بذكر الأدلة على (النبوّة) ومصدر الرسالة، وصِدقِ هذا القرآن الذي نزل على خاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان معجزة خالدة له على مدى الزمان. وقد بيَّن تعالى أنَّ هذا القرآن ليس - كما يزعم المشركون - من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وإنما هو تنزيل الحكيم العليم، وقد أقسم على ذلك بهذا القسم العظيم، وهذا هو وجه الارتباط بين الآيات السابقة وبين هذه الآيات الكريمة. المعنى الإجمالي يقول جلّ ثناؤه ما معناه: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ} لا أقسم بهذه الأفلاك، لا أقسم بمواضعها ومنازلها، بمداراتها التي تدور فيها، فإنّ الأمر أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى قسم، والقسم بها - لو علمتم - شيء عظيم، لما فيه من الدلائل الباهرة على قدرة خالقها جلّ وعلا، ومع ذلك أقسم بأنّ هذا القرآن كتاب كريم، ليس بسحر ولا كهانة، وليس بمفترى، بل هو تنزيل الحكيم العليم، في كتابٍ مصونٍ عند الله تعالى، محفوظٍ عن الباطل، محفوظ عن التبديل والتغيير. وهذا الكتاب العزيز لم تتنزّل به الشياطين، فالشياطين لا تمسّ هذا الكتاب المكنون في علم الله وحفظه، وإنما تنزّلت به الملائكة الأطهار، ولا ينبغي أن يمسّه إلاّ من كان مثلهم طاهراً، لأنه كلام ربّ العزّة جلّ وعلا، ومن تعظيم كلام الله ألاّ يمسّه إلا من كان طاهراً مطهّراً. أفبهذا القرآن - أيها الناس - تكذّبون وتكفرون؟ وتجعلون شكر النعم أنكم تنكرون فضل الله المنعم المتفضّل عليكم؟ فماذا أنتم فاعلون حين تبلغ الروح الحلقوم، وتقفون في مفرق الطريق المجهول؟ هل تملكون العودة إلى الدنيا أو دفع الموت عنكم؟ أو تستطيعون أن تردّوا إلى أحد روحه بعد أن تنفصل عن جسده؟ فلو كنتم غير محاسبين، أو كان الأمر كما تقولون: لا حساب ولا جزاء، ولا بعث ولا نشور، فأنتم حينئذٍ طلقاء غير مدينين ولا محاسبين، فدونكم إذن فلترجعوها - وقد بلغت الحلقوم - لتردّوها عما هي ذاهبة إليه من حساب وجزاء، وأنتم حولها تنظرون، وملائكتنا أقرب إليها منكم ولكن لا تبصرون، وهي ماضية إلى (الدينونة الكبرى) وأنتم ساكنون عاجزون، وهناك تلقون الجزاء الأوفى من أحكم الحاكمين. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: السرّ في القسم بمواقع النجوم هو الإشارة إلى عظيم قدرة الله، وكمال حكمته، وبديع صنعه، بما لا يحيط به نطاق البيان، فإنّ عظمة الصنعة تدل على عظمة الصانع فالسماء بما حوته من شموس وأقمار، أثر من آثار قدرة الله، التي تدل على وجود الخالق، المبدع، الحكيم، وهي آية على الوحدانية كما قال أبو العتاهية: شعر : وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ تدل على أنّه واحدُ تفسير : اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} جاءت هذه الجملة الاعتراضية (لو تعلمون) بين الصفة والموصوف، وفائدة هذا الاعتراض هي التهويل من شأن القسم، والتنبيه إلى عظمة الكون كما قال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. والمقسم عليه هو (القرآن العظيم) وأصل الكلام: (وإنه لقسم عظيم، إنه لقرآن كريم) فاعترض بين الصفة والموصوف لهذا السرّ الدقيق. اللطيفة الثالثة: فإن قيل: أين جواب (لَوْ) في الجملة الاعتراضية؟ نقول: لا جواب لها لأنه أريد به نفي علمهم وكأنه قال: وإنه لقسم ولكن لا تعلمون، أو إنه محذوف ثقة بظهوره أي لو تعلمون حق العلم لعظّمتموه، أو لعملتم بموجبه، والفعل المضارع (تعلمون) ليس له مفعول على حدّ قولهم: فلانٌ يعطي ويمنع، وهو أبلغ وأدخل في الحسن ممّا لو كان له مفعول فتدبره. اللطيفة الرابعة: قال الإمام الفخر: رحمه الله في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}: "القرآن مصدر أريد به المفعول وهو المقروء، كما في قوله تعالى {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 11] أي مخلوق الله، ووصفُه بالكريم فيه لطيفة، وهي أنَّ الكلام إذا قرئ كثيراً يهون في الأعين، والآذان، ولهذا ترى من قال شيئاً في مجلس الملوك، لا يذكره ثانياً، ولو قيل فيه يقال لقائله لم تكرّر هذا؟ اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} إطلاق الحديث على القرآن الكريم، كثيرٌ بمعنى كونه (اسماً) لا (وصفاً) فإنّ الحديث اسمٌ لما يُتحدث به، وهو وصفٌ يوصف به ما يتجدّد، فيقال: أمر حادث، ورسم حديث أي جديد، ويقال: أعجبني حديث فلان بمعنى كلامه، والقرآن قديم له لذة الكلام الجديد، فصحّ أن يسمّى (حديثاً). والإدْهان: تليين الكلام لاستمالة السامع، من غير اعتقاد صحة الكلام، كما يقول العدوّ لعدوّه: أنا أدعو لك، وأثني عليك، مداهنة منه وهو كاذب، فصار استعمال المدهن في المكذّب من هذا القبيل. قال الزجّاج: معناه: أفبهذا القرآن أنتم تكذبون؟. اللطيفة السادسة: المناسبة بين المقسم به وهو (النجوم)، وبين المقسم عليه وهو (القرآن) أنّ النجوم جعلها الله ليهتدي بها في ظلمات البرّ والبحر، وآيات القرآن يهتدي بها في ظلمات الجهل والغواية، وتلك ظلمات حسيّة، وهذه ظلمات معنوية، فالقسم هنا قد جمع فيه بين الهدايتين (الحسيّة) للنجوم، و(المعنوية) للقرآن فتدبّر هذا السرّ الدقيق. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} ظاهر الكلام النفي، ومعناه النهي كقوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} تفسير : [النور: 3] يراد منه النهي، وكقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} تفسير : [البقرة: 228] خبر بمعنى الأمر، والمراد بالآية أنهم المطهّرون من الأحداث. قال ابن كثير: قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} قال بعضهم: أي من الجنابة والحدث، قالوا: ولفظ الآية خبر، ومعناه الطلب، قالوا: والمراد بالقرآن هٰهنا المصحفُ، كما روى مسلم في "صحيحه" عن ابن عمر: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُسافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو" مخافة أن يناله العدوّ، واحتجوا بما رواه مالك في الموطأ أنّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "ألاّ يمسّ القرآن إلاّ طاهر". اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} هو على حذف مضاف أي وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم بالقرآن، أي تضعون الكفر مكان الشكر، فهو على حد قول القائل: شعر : "تحيةُ بينهم ضربٌ وجيع" تفسير : قال ابن عباس: في تفسير الآية: وتجعلون شكركم التكذيب. قال الألوسي: "إنّ في الكلام مضافاً مقدّراً أي شكر رزقكم، أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن لازمه وهو الشكر". وقال الثعلبي المعنى: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذِّبون. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (فَلاَ أُقْسِمُ) بمدّ (لا) على أنها نافية، وقرأ الحسن (فلأقسم) بغير ألفٍ بين اللام والهمزة فتكون اللام (لام القسم) وهذا مبني على رأي بعض النحاة الذين يجوّزون القسم على فعل الحال فيقال: والله لَيَخرجُ زيد، وعليه قول الشاعر: "ليَعلمُ ربيّ أنّ بيتي واسع". 2 - قرأ الجمهور (بِمَوَاقِعِ) على الجمع، وقرأ حمزة والكسائي (بموقع) على الإفراد لأنه اسم جنس. 3 - قرأ الجمهور (المُطَهّرون) اسم مفعول من (طهّر) مشدّداً، وقرأ نافع (المُطْهَرون) مخففاً من أطهر، وقرأ سلمان الفارسي (المُطَّهَّرون) بشدّ الطاء والهاء أصله (المتطهرون) فأدغمت التاء في الطاء. وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} لا زائدة والمعنى فأقسم، وهذا مذهب سعيد بن جبير، وقيل إنها (لام القسم) ومعناه فلأقسم وقد ردّه في "الكشاف". قال الزمخشري: "ولا يصح أن تكون اللام (لام القسم) لأمرين: أحدهما: أنّ حقها أن تقرن بها النون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيح. والثاني: أنّ لأفعلنّ في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال. 2 - قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} جملة (لا يمسّه) صفة لـ (قرآنٌ كريمٌ) وقيل: صفة لـ (كتابٍ مكنون) وعلى كلا القولين تكون (لا) نافية، وقيل إنها ناهية، بمعنى (لا يمسَسْهُ) مثل قوله عليه السلام: "حديث : المسلمُ أخو المسلم لا يظلِمُهُ..."تفسير : الحديث. قال ابن عطية: "والقول بأن (لا يمسَّه) نهي قول فيه ضعف، وذلك أنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك {تَنزِيلٌ} صفة، فإذا جعلناه نهياً جاء معناه أجنبياً معترضاً بين الصفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل في الآية قسم حقيقي؟ وما هي طريقة هذا القسم؟ اختلف المفسرون في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ} وكيف نجمع بين هذا اللفظ الذي صورته "نفي القسم" وبين قوله: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} الذي هو صريح في إثبات القسم؟ على عدة أقوال: أ - قال بعضهم: وهم الجمهور إنّ (لا) زائدة زيدت للتأكيد، مثلها في قوله تعالى: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم، وقول الشاعر: شعر : تذكَّرتُ ليلى فاعترتْني صَبَابةٌ وكاد نياطُ القلب لا يتقطَّع تفسير : أي كاد يتقطع. ب - وقال آخرون: إنّ (لا) هنا هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت الألف نظير الألف في قول الشاعر: "أعوذ بالله من العقراب" ويكون معنى الآية: "لأَقْسِمَ". وهذا الرأي ضعيف لأن النحاة يقولون: إذا كان الفعل مستقبلاً في حيّز القسم وجب اتصال نون التوكيد به وحذفها ضعيف جداً تقول مثلاً "لأفعلنّ" ومثله قوله تعالى: {أية : وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 57] ولا تقول: لأفعلُ. جـ - وقال آخرون: هي (للنفي) وهو نفي لمحذوف هو ما كان يقوله الكفار: إن القرآن سحر، أو شعر، أو كهانة، ويكون حاصل المعنى: لا صحة لما يقولون، أُقْسمُ بمواقع النجوم، ويكون الأمر فيه نفياً لكلام سابق، وابتداءً بكلام مستأنف. وهذا الرأي ضعيف أيضاً لأن النحاة يقولون: إنّ اسم (لا) وخبرها لا يصح حذفهما إلاّ إذا كانا في جواب سؤال، ثم إنه في مثل هذه الحالة يتعين العطف بالواو كما يقال: هل شفي فلانٌ من مرضه؟ فيقال: لا وشفاه الله... الخ. د - واختار الفخر الرازي رأياً آخر خلاصته: أنّ (لا) نافية باقية على معناها، وأنّ في الكلام "مجازاً تركيبياً" وخلاصة المعنى أن نقول: لا حاجة إلى القسم لأنّ الأمر أظهر وأوضح من أن يقسم عليه، وهذا الرأي جميل لأنه لا يراد به نفي القسم حقيقة بل الإشارة إلى أنه من الجلاء والوضوح بحيث لا يحتاج إلى قسم. الحكم الثاني: ما المراد بالكتاب المكنون في الآية الكريمة؟ اختلف المفسرون في المراد بالكتاب المكنون. فقيل: هو (اللوح المحفوظ) ومعنى أنه مكنون أي أنه مستور عن الأعين، لا يطّلع عليه إلا بعض الملائكة، كجبريل وميكائيل عليهما السلام. وقيل إن الكتاب: لا يراد به اللوح المحفوظ، وإنما يراد به القرآن الكريم "المصحف" فهذا القرآن العظيم كما أنه محفوظ في الصدور، كذلك هو مسجل في السطور كما قال تعالى: {أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} تفسير : [عبس: 13] وعلى هذا التفسير يكون معنى {مَّكْنُونٍ} أي أنه محفوظ من التبديل والتغيير، ويكون على حدّ قوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. الحكم الثالث: ما المراد من قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}؟ اختلف المفسرون في الضمير في هذه الآية الكريمة وهو قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ} هل هو راجع إلى القرآن العظيم؟ أم إلى الكتاب الذي هو على رأي بعضهم (اللوح المحفوظ) فإذا أعيد الضمير على القرآن الكريم يكون المراد من قوله تعالى: {لاَّ يَمَسُّهُ} أي لا يمسّ هذا القرآن إلاّ طاهر من الحدثين: الأصغر والأكبر. ويكون النفي على معنى أنه لا ينبغي أن يمسه كما في قوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً}تفسير : [النور: 3]. ويرى البعض أنّ (لا) ناهية وليست نافية، والضمة التي فيه للإتباع لا للإعراب، والذين قالوا إن المراد باللفظ هو اللوح المحفوظ فسروا المطهّرين بالملائكة واستدلوا بقوله تعالى: {أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ}تفسير : [عبس: 13-16] فقالوا هذه الآية تشبه تلك فالمراد بها إذاً الملائكة. الحكم الرابع: ما هو حكم مسّ المصحف الشريف؟ القرآن الكريم كتاب الله المقدس يجب تعظيمه واحترامه، ومن تعظيمه وإجلاله ألاّ يمسه إلاّ طاهر، ومسألة عدم جواز مسّ المصحف للمحدث أمر يكاد يجمع عليه الفقهاء، ومن أجازه من الفقهاء فإنما أجازه لضرورة (التعلم والتعليم) فالمحدث والجنب، والحائض، والنفساء، كلّ هؤلاء يحرم عليهم مس المصحف لعدم الطهارة. رأي ابن تيمية رحمه الله: استدل ابن تيمية على الحكم الشرعي من وجه لطيف فقال: إنّ الآية تدل على الحكم من باب "الإشارة" فإذا كان الله تبارك وتعالى يخبر أنَّ الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسّها إلا المطهّرون فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألاّ يمسّها إلا طاهر" انتهى. أقول: هذا هو الحق الذي ينبغي التعويل عليه، وهو ما اتفق عليه الفقهاء من حرمة مسّ المصحف الشريف بدون طهارة. تنبيه هام قلنا إن مسَّ المصحف لغير المتطهر حرام، وهذا الحكم لا اعتراض عليه، إنما الاختلاف بين الفقهاء هل هو مستنبط من الآية الكريمة؟ أم مأخوذ من دليل آخر؟ فيرى بعض الفقهاء أن الحكم الشرعي بحرمة مسّ القرآن مأخوذ من نفس هذه الآية الكريمة، لأنه (خبر) يقصد به (النهي) فكأنه تعالى يقول: "لا تمسّوه إلاّ إذا كنتم على طهارة". وقال آخرون الحكم ثبت من السنة لا من الآية الكريمة وقد ذكروا بعض الوجوه التي يُرجَّح بها هذا الرأي منها: أ- "إنّ الآيات هٰهنا مكية، ومعلوم أن القرآن في مكة كانت عنايته موجهة إلى أصول الدين لا إلى فروعه. ب- قالوا الآية خبر وتأويلكم لها يخرجها عن (الخبر) إلى (الإنشاء) الذي يراد به النهي، والأصلُ أن يحمل اللفظ على الحقيقة. جـ - قالوا إنّ لفظ "المطهّرون" يشير إلى ما قلنا وهو الذي تكون طهارته ذاتية وهم (الملائكة) وأما المتطهرون فهم الذين تكون طهارتهم بعملهم نظراً لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة: 222] فلو أراد الله سبحانه الإخبار عن وجوب الطهارة لقال: {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ}!!. والخلاصة: فإن السنة والآثار تنصّ على وجوب الطهارة لمسّ القرآن فقد ثبت فيما رواه ابن حبان وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاباً إلى أهل اليمن وجاء فيه: "حديث : وألاّ يمسّ القرآن إلا طاهرٌ ". تفسير : وبهذا قال الجمهور من الفقهاء منهم: (مالك وأبو حنيفة والشافعي) رحمهم الله وقد كان كثير من الصحابة يأمرون أولادهم بالوضوء لمس المصحف، وقصة عمر معروفة وفي هذا القدر كفاية وغُنيةٌ عن التطويل. الحكم الخامس: ما هي الحكمة من القسم؟ جرت العادة عند العرب أن يستعملوا القسم عند إرادة توكيد الكلام، والقرآنُ الكريم نزل بلغة العرب، وقد كانت آياته الكريمة تحوي أنواعاً من القسم وضروباً من التفنّن البديع في توكيد الكلام، وليس المراد من القسم إثبات الدعوى، فالدعاوى لها ما يثبتها من الأدلة القطعية التي ثبتت عن طريق الحجة والبرهان. ثمّ إنّ المخاطب أحد رجلين: إمَّا مؤمن بالقرآن، أو مكذب به، فالمؤمن لا يحتاج إلى قسم فهو مصدِّقٌ بما أخبر عنه الله تعالى بدون يمين، والمكذّب الذي لم تغنه الآيات والنّذُر لن يصدّق بمجرد القسم بعد أن لم يؤثر فيه الدليل، فثبت أنّ المراد بالقسم إنما هو توكيد الكلام ليس إلاّ ولفتُ النظر إلى أهمية الموضوع، وأهمية الأمر، فحين يقسم الله تعالى بشيء من الأشياء تتوجه النفس إلى سرّ هذا القسم بهذا المخلوق متسائلة ما سرّه؟ وما معناه؟ ولم أقسم به دون غيره؟ وحينئذٍ تبحث عن الحكمة والسرِّ في ذلك القسم!! الحكم السادس: ما هي أنواع القسم المذكورة في القرآن الكريم؟ ورد القسم في القرآن الكريم على أنواع عديدة، وضروب شتى، إمَّا من ناحية القسم نفسه، أو من ناحية المقسم عليه. 1 - فجاء القسم بالذات العلية مثل قوله تعالى: {أية : فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} تفسير : [الذاريات: 23] وقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 92]. 2 - وجاء القسم بأشياء من خلقه سبحانه مثل: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ} تفسير : [التين: 1] {أية : وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} تفسير : [الشمس: 1] {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ} تفسير : [الفجر: 1-2]. 3 - وجاء القسم بالقرآن الكريم مثل: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [صۤ: 1] أية : حـمۤ * وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [الزخرف: 1-2] {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} تفسير : [ قۤ: 1]. 4 - وجاء أيضاً على الشكل الذي معنا في الآيات الكريمة بلا النافية وفعل القسم مثل قوله تعالى: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} تفسير : [التكوير: 15-16] وقوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [القيامة: 1] وقوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ} تفسير : [البلد: 1] هذا من ناحية القسم. أما من ناحية المقسم عليه فإمّا أن يكون. 1 - أصول الإيمان كوحدانية الله سبحانه مثل قوله تعالى:{أية : وَٱلصَّافَّاتِ صَفَّا... إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ} تفسير : [الصافات: 1-4]. 2 - أو يكون المراد إثبات أن القرآن حق مثل الآية التي معنا {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ... إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ}. 3 - أو يكون المراد إثبات نبوته صلى الله عليه وسلم مثل قوله تعالى: {أية : يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [يسۤ: 1-3]. 4 - أو يكون المراد نفي صفة ذميمة أتهم بها المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم مثل قوله: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [القلم: 1-2]. الحكم السابع: هل يجوز القسم بغير الله سبحانه؟ أجمع العلماء على حرمة القسم بغير الله سبحانه، أو صفةٍ من صفاته تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر" تفسير : هذا بالنسبة للخلق، أما بالنسبة للخالق فله أن يقسم بما شاء من خلقه، لأن في القسم بالشيء تنبيهاً إلى عظمته وأهميته، والله سبحانه وتعالى قد أقسم بكثير من الآيات كما مر معنا تنبيهاً إلى شرفها وما حوت من إبداع وإتقان ليكون ذلك دليلاً على عظمة خالقها جل وعلا. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو فليذر ". تفسير : ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: القسم بالنجوم والأفلاك تنبيه على عظمة الخالق، المدبّر، الحكيم الذي أبدع هذا الكون. ثانياً: القرآن كلام الله ليس بشعر، ولا بسحر، ولا كهانة، بل تنزيل الحكيم العليم. ثالثاً: الكتاب العزيز لم تتنزّل به الشياطين، وإنما تنزّلت به الملائكة الأطهار، فلا ينبغي أن يمسّه إلا طاهر. رابعاً: القرآن مصون عن التبديل والتغيير، محفوظ عن الباطل، لأنّ الله تعالى قد تكفّل بحفظه. خامساً: ينبغي أن تقابل النعمة بالشكر والثناء لا بالجحود، والإنكار، والتكذيب. سادساً: لو كان الإنسان غير مجازى بعمله لاستطاع أن يدفع عن نفسه شبح الموت. سابعاً: لا بدّ من دار الجزاء وراء هذه الدنيا ليلقى فيها الإنسان نتيجة عمله. خاتمة البحث: حكمة التشريع القرآن الكريم كتاب الله المجيد، ودستوره إلى عباده، ووحيه المنزل على خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وهو آخر الكتب السماوية نزولاً، وأشرفها مكانة ومنزلة، أودع فيه منزلُهُ هداية البشرية، وسعادة الإنسانية، وجعله نوراً وضياء للعالمين. ومن حقّ هذا القرآن المجيد أن يُعظم، ومن واجب المسلمين أن يطبّقوه في حياتهم، وأن يحلّوه محل الصدارة من أنفسهم، تلاوة، وعملاً وتطبيقاً؛ ليسعدوا كما سعد آباؤهم من قبل. ومن تعظيم القرآن الكريم ألا يمسّه الإنسان إلاّ على طهارة، لأنه كلام الله، وكلام الله عظيم بعظمة الله، فلا يصح للمؤمن أن يتساهل في أمره، وأن يمسّه بدون وضوء، فقد كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لعمرو بن حزم "حديث : وألاّ يمسّ القرآن إلاّ طاهر"تفسير : وكفى بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر القرآن تعظيماً، وكفى ببيانه بياناً!! وإذا كان القرآن الكريم قد عظّم الله شأنه، فأنزله في أفضل الشهور (شهر رمضان) وفي أفضل الليالي (ليلة القدر) واختار الواسطة له الروح الأمين (جبريل) عليه السلام، وأخبر أنه {أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} تفسير : [عبس: 13-16] أفلا يكون من واجب المسلمين أن يعظّموا هذا الكتاب المبين غاية التعظيم، ويجلّوه غاية الإجلال؟! وإذا كان الملائكة الأطهار، والسفرة الأبرار هم الذين تشرفوا بمسّ هذه الصحف المطهّرة، فأولى بأهل الأرض ألا يمسّوه إلا على طهارة، تشبهاً بالملائكة الأطهار، وتفخيماً لشأن هذا الكتاب العظيم الذي حفظه الله وصانه من التحريف والتبديل وصدق الله: {أية : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} تفسير : [فصلت: 41-42].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} معناه أقسمُ بالقُرآنِ نَزلَ نُجوماً متفرقاً ثلاث آياتٍ أو أربع أو خمس آياتٍ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أقسم تعالى بالنجوم ومواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده. ثم عظم هذا المقسم به، فقال: { وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } وإنما كان القسم عظيما، لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها. وأما المقسم عليه، فهو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: كثير الخير، غزير العلم، فكل خير وعلم، فإنما يستفاد من كتاب الله ويستنبط منه. { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } أي: مستور عن أعين الخلق، وهذا الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ أي: إن هذا القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، معظم عند الله وعند ملائكته في الملأ الأعلى. ويحتمل أن المراد بالكتاب المكنون، هو الكتاب الذي بأيدي الملائكة الذين ينزلهم الله بوحيه وتنزيله وأن المراد بذلك أنه مستور عن الشياطين، لا قدرة لهم على تغييره، ولا الزيادة والنقص منه واستراقه. { لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ } أي: لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام، الذين طهرهم الله تعالى من الآفات، والذنوب والعيوب، وإذا كان لا يمسه إلا المطهرون، وأن أهل الخبث والشياطين، لا استطاعة لهم، ولا يدان إلى مسه، دلت الآية بتنبيهها على أنه لا يجوز أن يمس القرآن إلا طاهر، كما ورد بذلك الحديث، ولهذا قيل أن الآية خبر بمعنى النهي أي: لا يمس القرآن إلا طاهر. { تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: إن هذا القرآن الموصوف بتلك الصفات الجليلة هو تنزيل رب العالمين، الذي يربي عباده بنعمه الدينية والدنيوية، ومن أجل تربية ربى بها عباده، إنزاله هذا القرآن، الذي قد اشتمل على مصالح الدارين، ورحم الله به العباد رحمة لا يقدرون لها شكورا. ومما يجب عليهم أن يقوموا به ويعلنوه ويدعوا إليه ويصدعوا به، ولهذا قال: { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ } أي: أفبهذا الكتاب العظيم والذكر الحكيم أنتم تدهنون أي: تختفون وتدلسون خوفا من الخلق وعارهم وألسنتهم؟ هذا لا ينبغي ولا يليق، إنما يليق أن يداهن بالحديث الذي لا يثق صاحبه منه. وأما القرآن الكريم، فهو الحق الذي لا يغالب به مغالب إلا غلب، ولا يصول به صائل إلا كان العالي على غيره، وهو الذي لا يداهن به ولا يختفى، بل يصدع به ويعلن. وقوله: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } أي: تجعلون مقابلة منة الله عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة الله، فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم الله تعالى على إحسانه، إذ أنزله الله إليكم ليزيدكم من فضله، فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم وحلول النقم. { فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ } أي: فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم، وأنتم تنظرون المحتضر في هذه الحالة، والحال أنا نحن أقرب إليه منكم، بعلمنا وملائكتنا، ولكن لا تبصرون. { فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } أي: فهلا إذا كنتم تزعمون، أنكم غير مبعوثين ولا محاسبين ومجازين. ترجعون الروح إلى بدنها { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وأنتم تقرون أنكم عاجزون عن ردها إلى موضعها، فحينئذ إما أن تقروا بالحق الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم، وإما أن تعاندوا وتعلم حالكم وسوء مآلكم.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} [75] 585 - أخبرنا إسماعيل بن مسعودٍ، قال: حدَّثنا المُعتمرُ بن سُليمان، عن أبي/ عوانةَ، عن حُصينٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزل القُرآن جميعاً في ليلةِ القدرِ إلى السماءِ الدُّنيا، ثم فُصِّلَ، فنزل في السِّنين، وذلك قولهُ {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}.
همام الصنعاني
تفسير : 3147- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ}: [الآية: 75]، قال: بمنازل النجوم. 3148- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: هو القرآن كان ينزل نجوماً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):