٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
77
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: الضمير في قوله تعالى: {إِنَّهُ } عائد إلى ماذا؟ فنقول: فيه وجهان أحدهما: إلى معلوم وهو الكلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكان معروفاً عند الكل، وكان الكفار يقولون: إنه شعر وإنه سحر، فقال تعالى رداً عليهم: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } عائد إلى مذكور وهو جميع ما سبق في سورة الواقعة من التوحيد، والحشر، والدلائل المذكورة عليهما، والقسم الذي قال فيه: {أية : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ } تفسير : [الواقعة: 76] وذلك لأنهم قالوا: هذا كله كلام محمد ومخترع من عنده، فقال: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ }. المسألة الثانية: القرآن مصدر أو اسم غير مصدر؟ فنقول: فيه وجهان أحدهما: مصدر أريد به المفعول وهو المقروء ومثله في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] وهذا كما يقال في الجسم العظيم: أنظر إلى قدرة الله تعالى أي مقدوره وهو كما في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِى } تفسير : [لقمان: 11] ثانيهما: اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب به، والحلوان لما يحلى به فم المكاري أو الكاهن وعلى هذا سنبين فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزكاة: يعطى شيئاً أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو يعطى شيئاً دونه، ويعطى الجبران أيضاً، حيث قال: الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى، فيقال له هو كالقرآن بمعنى المقروء، ويجوز أن يقال: لما أخذ جابر أو مجبور أو يقال: هو اسم لما يجبر به كالقربان. المسألة الثالثة: إذا كان هذا الكلام للرد على المشركين فهم ما كانوا ينكرون كونه مقروءاً فما الفائدة في قوله: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ }؟ نقول فيه وجهان أحدهما: أنه إخبار عن الكل وهو قوله: قرآن كريم فهم كانوا ينكرون كونه قرآناً كريماً وهم ما كانوا يقرون به وثانيهما: وهو أحسن من الأول، أنهم قالوا: هو مخترع من عنده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه مسموع سمعته وتلوته عليكم فما كان القرآن عندهم مقروءاً، وما كانوا يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفرق بين القراءة والإنشاء، فلما قال: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } أثبت كونه مقروءاً على النبي صلى الله عليه وسلم ليقرأ ويتلى فقال تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } سماه قرآناً لكثرة ما قرىء، ويقرأ إلى الأبد بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة. المسألة الرابعة: قوله: {كَرِيمٌ } فيه لطيفة؟ وهي أن الكلام إذا قرىء كثيراً يهون في الأعين والآذان، ولهذا ترى من قال: شيئاً في مجلس الملوك لا يذكره ثانياً، ولو قيل فيه: يقال لقائله لم تكرر هذا، ثم إنه تعالى لما قال: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } أي مقروء قرىء ويقرأ، قال: {كَرِيمٌ } أي لا يهون بكثرة التلاوة ويبقى أبد الدهر كالكلام الغض والحديث الطري، ومن هنا يقع أن وصف القرآن بالحديث مع أنه قديم يستمد من هذا مدداً فهو قديم يسمعه السامعون كأنه كلام الساعة، وما قرع سمع الجماعة لأن الملائكة الذين علموه قبل النبي بألوف من السنين إذا سمعوه من أحدنا يتلذذون به التذاذ السامع بكلام جديد لم يذكر له من قبل، والكريم اسم جامع لصفات المدح، قيل: الكريم هو الذي كان طاهر الأصل ظاهر الفضل، حتى إن من أصله غير زكي لا يقال له كريم مطلقاً، بل يقال له: كريم في نفسه، ومن يكون زكي الأصل غير زكي النفس لا يقال له: كريم إلا مع تقييد، فيقال: هو كريم الأصل لكنه خسيس في نفسه، ثم إن السخي المجرد هو الذي يكثر عطاؤه للناس، أو يسهل عطاؤه ويسمى كريماً، وإن لم يكن له فضل آخر لا على الحقيقة ولكن ذلك لسبب، وهو أن الناس يحبون من يعطيهم، ويفرحون بمن يعطى أكثر مما يفرحون بغيره، فإذا رأوا زاهداً أو عالماً لا يسمونه كريماً، ويؤيد هذا أنهم إذا رأوا واحداً لا يطلب منهم شيئاً يسمونه كريم النفس لمجرد تركه الاستعطاء لما أن الأخذ منهم صعب عليهم وهذا كله في العادة الرديئة، وأما في الأصل فيقال: الكريم هو الذي استجمع فيه ما ينبغي من طهارة الأصل وظهور الفضل، ويدل على هذا أن السخي في معاملته ينبغي أن لا يوجد منه ما يقال بسببه إنه لئيم، فالقرآن أيضاً كريم بمعنى طاهر الأصل ظاهر الفضل لفظه فصيح، ومعناه صحيح لكن القرآن أيضاً كريم على مفهوم العوام فإن كل من طلب منه شيئاً أعطاه، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه، والحكيم يستمد به ويحتج به، والأديب يستفيد منه ويتقوى به، والله تعالى وصف القرآن بكونه كريماً، وبكونه عزيزاً، وبكونه حكيماً، فلكونه كريماً كل من أقبل عليه نال منه ما يريده فإن كثيراً من الناس لا يفهم من العلوم شيئاً وإذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه، وقلما يرى شخص يحفظ كتاباً يقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة بكلمة، ولا يبدل حرفًا بحرف وجميع القراء يقرأون القرآن من غير توقف ولا تبديل، ولكونه عزيزاً أن كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شيء، بخلاف سائر الكتب، فإن من قرأ كتاباً وحفظه ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحاً، والقرآن من تركه لا يبقى معه منه شيء لعزته ولا يثبت عند من لا يلزمه بالحفظ، ولكونه حكيماً من اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم. وقوله تعالى: {فِى كِتَـٰبٍ } جعله شيئاً مظروفاً بكتاب فما ذلك؟ نقول فيه وجهان أحدهما: المظروف: القرآن، أي هو قرآن في كتاب، كما يقال: فلان رجل كريم في بيته، لا يشك السامع أن مراد القائل: أنه في الدار قاعد ولا يريد به أنه كريم إذا كان في الدار، وغير كريم إذا كان خارجاً ولا يشك أيضاً أنه لا يريد به أنه كريم في بيته، بل المراد أنه رجل كريم وهو في البيت، فكذلك ههنا أن القرآن كريم وهو في كتاب، أو المظروف كريم على معنى أنه كريم في كتاب، كما يقال: فلان رجل كريم في نفسه، فيفهم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلاً مظروفاً فإن القائل: لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو نائم، وإنما أراد به أنه كريم كرمه في نفسه، فكذلك قرآن كريم فالقرآن كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريماً عند الكفار ثانيهما: المظروف هو مجموع قوله تعالى: (لقرآن كريم) أي هو كذا في كتاب كما يقال: {أية : وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ } تفسير : [المطففين: 19] في كتاب الله تعالى، والمراد حينئذ أنه في اللوح المحفوظ نعته مكتوب: {إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } والكل صحيح، والأول أبلغ في التعظيم بالمقروء السماوي. المسألة الخامسة: ما المراد من الكتاب؟ نقول فيه وجوه الأول: وهو الأصح أنه اللوح المحفوظ ويدل عليه قوله تعالى: {أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ * فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 20، 21] الثاني: الكتاب هو المصحف الثالث: كتاب من الكتب المنزلة فهو قرآن في التوراة والإنجيل وغيرهما فإن قيل كيف سمي الكتاب كتاباً والكتاب فعال، وهو إذا كان للواحد فهو إما مصدر كالحساب والقيام وغيرهما، أو اسم لما يكتب كاللباس واللثام وغيرهما، فكيفما كان فالقرآن لا يكون في كتاب بمعنى المصدر، ولا يكون في مكتوب، وإنما يكون مكتوباً في لوح أو ورق، فالمكتوب لا يكون في الكتاب، إنما يكون في القرطاس، نقول: ما ذكرت من الموازين يدل على أن الكتاب ليس المكتوب ولا هو المكتوب فيه أو المكتوب عليه، فإن اللثام ما يلثم به، والصوان ما يصان فيه الثوب، لكن اللوح لما لم يكن إلا الذي يكتب فيه صح تسميته كتاباً. المسألة السادسة: المكتوب هو المستور قال الله تعالى: {أية : كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ } تفسير : [الواقعة: 23]، قال: {أية : بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } تفسير : [الصافات: 49] فإن كان المراد من الكتاب اللوح فهو ليس بمستور وإنما الشيء فيه منشور، وإن كان المراد هو المصحف فعدم كونه مكتوباً مستوراً، فكيف الجواب عنه؟ فنقول: المكنون المحفوظ إذا كان غير عزيز يحفظ بالعين، وهو ظاهر للناس فإذا كان شريفاً عزيزاً لا يكتفي بالصون والحفظ بالعين بل يستر عن العيون، ثم كلما تزداد عزته يزداد ستره فتارة يكون مخزوناً ثم يجعل مدفوناً، فالستر صار كاللازم للصون البالغ فقال: {مَّكْنُون } أي محفوظ غاية الحفظ، فذكر اللام وأراد الملزوم وهو باب من الكلام الفصيح تقول مثلاً: فلان كبريت أحمر، أي قليل الوجود والجواب الثاني: إن اللوح المحفوظ مستور عن العين لا يطلع عليه إلا ملائكة مخصوصون، ولا ينظر إليه إلا قوم مطهرون، وأما القرآن فهو مكتوب مستور أبد الدهر عن أعين المبدلين، مصون عن أيدي المحرفين، فإن قيل: فما فائدة كونه {فِى كِتَـٰبٍ } وكل مقروء في كتاب؟ نقول: هو لتأكيد الرد على الكفار لأنهم كانوا يقولون: إنه مخترع من عنده مفترى، فلما قال: مقروء عليه اندفع كلامهم، ثم إنهم قالوا: إن كان مقروءاً عليه فهو كلام الجن فقال: {فِى كِتَـٰبٍ } أي لم ينزل به عليه الملك إلا بعدما أخذه من كتاب فهو ليس بكلام الملائكة فضلاً أن يكون كلام الجن، وأما إذا قلنا: إذا كان كريماً فهو في كتاب، ففائدته ظاهرة، وأما فائدة كونه في كتاب مكنون فيكون رداً على من قال: إنه أساطير الأولين في كتب ظاهرة، أي فلم لا يطالعها الكفار، ولم لا يطلعون عليه لا بل هو {فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ }، فإذا بين فيما ذكرنا أن وصفه بكونه قرآناً صار رداً على من قال: يذكره من عنده، وقوله: {فِى كِتَـٰبٍ } رد على من قال: يتلوه عليه الجن حيث اعترف بكونه مقروءاً ونازع في شيء آخر، وقوله: {مَّكْنُون } رد على من قال: إنه مقروء في كتاب لكنه من أساطير الأولين. المسألة السابعة: {لاَّ يَمَسُّهُ } الضمير عائد إلى الكتاب على الصحيح، ويحتمل أن يقال: هو عائد إلى ما عاد إليه المضمر من قوله: {إِنَّهُ } ومعناه: لا يمس القرآن إلا المطهرون، والصيغة إخبار، لكن الخلاف في أنه هل هو بمعنى النهي، كما أن قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُطَلَّقَـٰتُ يَتَرَبَّصْنَ } تفسير : [البقرة: 228] إخبار بمعنى الأمر، فمن قال: المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، وهو الأصح على ما بينا، قال: هو إخبار معنى كما هو إخبار لفظاً، إذا قلنا: إن المضمر في {يَمَسُّهُ } للكتاب، ومن قال: المراد المصحف اختلف في قوله، وفيه وجه ضعيف نقله ابن عطية أنه نهي لفظاً ومعنى وجلبت إليه ضمة الهاء لا للإعراب ولا وجه له. المسألة الثامنة: إذا كان الأصح أن المراد من الكتاب اللوح المحفوظ، فالصحيح أن الضمير في {لاَّ يَمَسُّهُ } للكتاب، فكيف يصح قول الشافعي رحمة الله تعالى عليه: لا يجوز مس المصحف للمحدث، نقول: الظاهر أنه ما أخذه من صريح الآية ولعله أخذه من السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم: «حديث : لا يمس القرآن من هو على غير طهر» تفسير : أو أخذه من الآية على طريق الاستنباط، وقال: إن المس يطهر صفة من الصفات الدالة على التعظيم والمس بغير طهور نوع إهانة في المعنى، وذلك لأن الأضداد ينبغي أن تقابل بالأضداد، فالمس بالمطهر في مقابلة المس على غير طهر، وترك المس خروج عن كل واحدة منهما فكذلك الإكرام في مقابلة الإهانة وهناك شيء لا إكرام ولا إهانة فنقول: إن من لا يمس المصحف لا يكون مكرماً ولا مهيناً وبترك المس خرج عن الضدين ففي المس عن الطهر التعظيم، وفي المس على الحدث الإهانة فلا تجوز وهو معنى دقيق يليق بالشافعي رحمه الله ومن يقرب منه في الدرجة. ثم إن ههنا لطيفة فقهية لاحت لهذا الضعيف في حال تفكره في تفسير هذه الآية فأراد تقييدها هنا فإنها من فضل الله فيجب علي إكرامها بالتقييد بالكتاب، وهي أن الشافعي رحمه الله منع المحدث والجنب من مس المصحف وجعلهما غير مطهرين ثم منع الجنب عن قراءة القرآن ولم يمنع المحدث وهو استنباط منه من كلام الله تعالى، وذلك لأن الله تعالى منعه عن المسجد بصريح قوله: {أية : وَلاَ جُنُباً } تفسير : [النساء: 43] فدل ذلك على أنه ليس أهلاً للذكر لأنه لو كان أهلاً للذكر لما منعه من دخول المسجد لأنه تعالى أذن لأهل الذكر في الدخول بقوله تعالى: {أية : فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } تفسير : [النور: 36] الآية، والمأذون في الذكر في المسجد مأذون في دخول المسجد ضرورة فلو كان الجنب أهلاً للذكر لما كان ممنوعاً عن دخول المسجد والمكث فيه وأنه ممنوع عنهما وعن أحدهما، وأما المحدث فعلم أنه غير ممنوع عن دخول المسجد فإن من الصحابة من كان يدخل المسجد وجوز النبي صلى الله عليه وسلم نوم القوم في المسجد وليس النوم حدثاً إذ النوم الخاص يلزمه الحكم بالحدث على اختلاف بين الأئمة ومالم يكن ممنوعاً من دخول المسجد لم يثبت كونه غير أهل للذكر فجاز له القراءة، فإن قيل: وكان ينبغي أن لا يجوز للجنب أن يسبح ويستغفر لأنه ذكر، نقول: القرآن هو الذكر المطلق قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وقال الله تعالى: {أية : وَٱلْقُرْءانِ ذِى الذكر } تفسير : [ص: 1] وقوله: {يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } مع أنا نعلم أن المسجد يسمى مسجداً، ومسجد القوم محل السجود، والمراد منه الصلاة والذكر الواجب في الصلاة هو القرآن، فالقرآن مفهوم من قوله: {يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ }، ومن حيث المعقول هو أن غير القرآن ربما يذكر مريداً به معناه فيكون كلاماً غير ذكراً، فإن من قال: أستغفر الله أخبر عن نفسه بأمر، ومن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كذلك أخبر عن أمر كائن بخلاف من قال: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] فإنه ليس بمتكلم به بل هو قائل له غير آمر لغيره بالقول، فالقرآن هو الذكر الذي لا يكون إلا على قصد الذكر لا على قصد الكلام فهو المطلق وغيره قد يكون ذكراً، وقد لا يكون، فإن قيل: فإذا قال: {أية : ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } تفسير : [الحجر: 46] وأراد الإخبار ينبغي أن لا يكون قرآناً وذكراً، نقول: هو في نفسه قرآن، ومن ذكره على قصد الإخبار، وأراد الأمر والإذن في الدخول يخرج عن كونه قارئاً للقرآن، وإن كان لا يخرج عن كونه قرآناً، ولهذا نقول نحن ببطلان صلاته ولو كان قارئاً لما بطلت، وهذا جواب فيه لطف ينبغي أن يتنبه له المطالع لهذا الكتاب، وذلك من حيث إني فرقت بين أن يقال ليس قول القائل: {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } على قصد الإذن قرآناً، وبين قوله: ليس القائل {ٱدْخُلُوهَا بِسَلامٍ } على غير قصد بقارىء للقرآن، وأما الجواب من حيث المعقول فهو أن العبادة على منافاة الشهوة، والشهوة إما شهوة البطن، وإما شهوة الفرج في أكثر الأمر، فإن أحداً لا يخلو عنهما، وإن لم يشته شيئاً آخر من المأكول والمشروب والمنكوح، لكن شهوة البطن قد لا تبقى شهوة بل تصير حاجة عند الجوع وضرورة عند الخوف، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } تفسير : [الواقعة: 21] أي لا يكون لحاجة ولا ضرورة بل لمجرد الشهوة وقد بيناه في هذه السورة، وأما شهوة الفرج فلا تخرج عن كونها شهوة وإن خرجت تكون في محل الحاجة لا الضرورة، فلا يعلم أن شهوة الفرج ليست شهوة محضة، والعبادة فيها منضمة للشهوة، فلم تخرج شهوة الفرج عن كونها عبادة بدنية قط بل حكم الشارع ببطلان الحج به، وبطلان الصوم والصلاة، وأما قضاء شهوة البطن فلما لم يكن شهوة مجردة بطل به الصلاة والصوم دون الحج، وربما لم تبطل به الصلاة أيضاً، إذا ثبت هذا فنقول: خروج الخارج دليل قضاء الشهوة البطنية، وخروج المني دليل قضاء الشهوة الفرجية، فواجب بهما تطهير النفس، لكن الظاهر والباطن متحاذيان، فأمر الله تعالى بتطهير الظاهر عند الحدث والإنزال لموافقه الباطن، والإنسان إذا كان له بصيرة وينظر في تطهير باطنه عند الاغتسال للجنابة، فإنه يجد خفة ورغبة في الصلاة والذكر وهنا تتمة لهذه اللطيفة وهي أن قائلاً لو قال: لو صح قولك للزم أن يجب الوضوء بالأكل كما يجب بالحدث لأن الأكل قضاء الشهوة، وهذا كما أن الاغتسال لما وجب بالإنزال، لكونه دليل قضاء الشهوة، وكذا بالإيلاج لكونه قضاء بالإيلاج، فكذلك الإحداث والأكل فنقول: ههنا سر مكنون وهو ما بيناه أن الأكل قد يكون لحاجة وضرورة فنقول: الأكل لا يعلم كونه للشهوة إلا بعلامة، فإذا أحدث علم أنه أكل ولا يعلم كونه للشهوة وأما الإيلاج فلا يكون للحاجة ولا يكون للضرورة فهو شهوة كيفما كان، فناط الشارع إيجاب التطهير بدليلين أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما الماء من الماء» تفسير : فإن الإنزال كالإحداث، وكما أن الحدث هو الخارج وهو أصل في إيجاب الوضوء، كذلك ينبغي أن يكون الإنزال الذي هو الخروج هو الأصل في إيجاب الغسل فإن عنده يتبين قضاء الحاجة والشهوة فإن الإنسان بعد الإنزال لا يشتهي الجماع في الظاهر وثانيهما: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: الوضوء من أكل ما مسته النار فإن ذلك دليل قضاء الشهوة كما أن خروج الحدث دليله، وذلك لأن المضطر لا يصبر إلى أن يستوي الطعام بالنار بل يأكل كيفما كان، فأكل الشيء بعد الطبخ دليل على أنه قاض به الشهوة لا دافع به الضرورة، ونعود إلى الجواب عن السؤال ونقول: إذا تبين هذا فالشافعي رضي الله عنه قضى بأن شهوة الفرج شهوة محضة، فلا تجامع العبادة الجنابة، فلا ينبغي أن يقرأ الجنب القرآن، والمحدث يجوز له أن يقرأ لأن الحدث ليس يكون عن شهوة محضة. المسألة التاسعة: قوله: {إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } هم الملائكة طهرهم الله في أول أمرهم وأبقاهم كذلك طول عمرهم ولو كان المراد نفي الحدث لقال: لا يمسه إلا المطهرون أو المطهرون، بتشديد الطاء والهاء، والقراءة المشهورة الصحيحة {ٱلْمُطَهَّرُونَ } من التطهير لا من الإطهار، وعلى هذا يتأيد ما ذكرنا من وجه آخر، وذلك من حيث إن بعضهم كان يقول: هو من السماء ينزل به الجن ويلقيه عليه كما كانوا يقولون في حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون: النبي صلى الله عليه وسلم كاهن، فقال: لا يمسه الجن وإنما يمسه المطهرون الذين طهروا عن الخبث، ولا يكونون محلاً للإفساد والسفك، فلا يفسدون ولا يسفكون، وغيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه، فيكون هذا رداً على القائلين: بكونه مفترياً، وبكونه شاعراً، وبكونه مجنوناً بمس الجن، وبكونه كاهناً، وكل ذلك قولهم والكل رد عليهم بما ذكر الله تعالى ههنا من أوصاف كتاب الله العزيز. المسألة العاشرة: قوله: {تَنزِيلٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } مصدر، والقرآن الذي في كتاب ليس تنزيلاً إنما هو منزل كما قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلاْمِينُ } تفسير : [الشعراء: 193] نقول: ذكر المصدر وإرادة المفعول كثير كما قلنا في قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 11] فإن قيل: ما فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز في هذا الموضع؟ فنقول: التنزيل والمنزل كلاهما مفعولان ولهما تعلق بالفاعل، لكن تعلق الفاعل بالمصدر أكثر، وتعلق المفعول عبارة عن الوصف القائم به، فنقول: هذا في الكلام، فإن كلام الله أيضاً وصف قائم بالله عندنا، وإنما نقول: من حيث الصيغة واللفظ ولك أن تنظر في مثال آخر ليتيسر لك الأمر من غير غلط وخطأ في الاعتقاد، فنقول: في القدرة والمقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ من تعلق المقدور، فإن القدرة في القادر والمقدور ليس فيه، فإذا قال: هذا قدرة الله تعالى كان له من العظمة مالا يكون في قوله: هذا مقدور الله، لأن عظمة الشيء بعظمة الله، فإذا جعلت الشيء قائماً بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم، وإذا ذكرته بلفظ يقال مثله فيما لا يقوم بالله وهو المفعول به كان دونه، فقال: {تَنزِيلَ } ولم يقل: منزل، ثم إن ههنا: بلاغة أخرى وهي أن المفعول قد يذكر ويراد به المصدر على ضد ما ذكرنا، كما في قوله: {أية : مُدْخَلَ صِدْقٍ } تفسير : [الإسراء: 80] أي دخول صدق أو إدخال صدق وقال تعالى: {أية : كُلَّ مُمَزَّقٍ } تفسير : [سبأ: 7] أي تمزيق، فالممزق بمعنى التمزيق، كالمنزل بمعنى التنزيل، وعلى العكس سواء، وهذه البلاغة هي أن الفعل لا يرى، والمفعول به يصير مرئياً، والمرئي أقوى في العلم، فيقال: مزقهم تمزيقاً وهو فعل معلوم لكل أحد علماً بيناً يبلغ درجة الرؤية ويصير التمزق هنا كما صار الممزق ثابتاً مرئياً، والكلام يختلف بمواضع الكلام، ويستخرج الموفق بتوفيق الله، وقوله: {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أيضاً لتعظيم القرآن، لأن الكلام يعظم بعظمة المتكلم، ولهذا يقال لرسول الملك هذا كلام الملك أو كلامك وهذا كلام الملك الأعظم أو كلام الملك الذي دونه، إذا كان الرسول رسول ملوك، فيعظم الكلام بقدر عظمة المتكلم، فإذا قال: {مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تبين منه عظمة لا عظمة مثلها وقد بينا تفسير العالم وما فيه من اللطائف، وقوله: {تَنزِيلَ } رد على طائفة أخرى، وهم الذين يقولون: إنه في كتاب و لا يمسه إلا المطهرون وهم الملائكة، لكن الملك يأخذ ويعلم الناس من عنده ولا يكون من الله تعالى، وذلك أن طائفة من الروافض يقولون: إن جبرائيل أنزل على علي، فنزل على محمد، فقال تعالى: هو من الله ليس باختيار الملك أيضاً، وعند هذا تبين الحق فعاد إلى توبيخ الكفار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّهُ } أي المتلوّ عليكم { لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَرِيمٌ} عند الله تعالى، أو عظيم النفع للناس، أو لما فيه من كرائم الأخلاق ومعالي الأمور.
البقاعي
تفسير : ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل، أجابه بقوله مؤكداً لما لهم من ظاهر الإنكار: {إنه} أي القرآن الذي أفهمته النجوم بعموم أفهامها {لقرآن} أي جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع جليلة {كريم *} ظهرت فيه أفانين إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه الدنيا وجل من أمور الدارين بما ذكر في هذه السورة وما تقدمها من إصلاح المعاش والمعاد، فهو بالغ الكرم منزه عن كل شائبة نقص ولؤم ودناءة، من كرمه كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس وبلسان العرب الذين اتفق الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى وجه أعجز العرب. ولما ذكر المعنى، ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم فقال: {في كتب} أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات {مكنون *} أي هو في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في اللوح المحفوظ، وفي الأرض في الصدور المشرفة، وفي السطور في المصاحف المكرمة المطهرة، محفوظاً مع ذلك من التغيير والتبديل. ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء خدامه قال: {لا يمسه} أي الكتاب الذي هو مكتوب الذي هو مكتوب فيه أعم من أن يكون في السماء أو في الأرض أو القرآن أو المكتوب منه فضلاً عن أن يتصرف فيه {إلا المطهرون *} أي الطاهرون الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس الملائكة الكرام، ولم يكن السفير به إلاّ هم ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر عباده، ولم يعرف معناه إلا لأشرف حفاظه وأطهرهم قلوباً، ومن عموم ما يتحمله اللفظ من المعنى بكونه كلام العالم لكل شيء فهو لا يحمل لفظاً إلا وهو مراد له أنه يحرم منه على من لم يكن له في غاية الطهارة بالبعد عن الحدثين الأكبر والأصغر، فهو على هذا نفي بمعنى النهي وهو أبلغ، قال البغوي: وهو قول أكثر أهل العلم، وروي بإسناد من طريق أبي مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمرو بن حزم رضي الله عنه (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) والمراد به المصحف للجوار كما في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. ومما يحتمله أيضاً التعبير باللمس أنه لا يقرأه بلسانه إلا طاهر، فإن أريد الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل. ولما ذكر الذي منه صيانته، أتبعه شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في غاية العظمة مسمياً له باسم المصدر للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب أحواله، ولذلك غلب عليه هذا الأسم: {تنزيل} أي وصوله إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب للأفهام والتأني والترقية من حال إلى حال وحكم بواسطة الرسل من الملائكة. ولما كان هذا في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال: {من رب العالمين *} من الخالق العالم بتربيتهم. ولما أفصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما يقتضي أن يكون بمجرده مثبتاً لما لا تدركه العقول من كماله وكافياً في الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما تحكم العقول وتقضي بفساد ما سواه، فكيف إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله في نفسه، عجب منهم في جعله سبباً لإنكار البعث الذي إذا ذكر الإنسان أحوال نفسه كفاه ذلك في الجزم به فقال منكراً تعجباً: {أفبهذا} ولما كان الإنسان مغرماً بما يجدد له من النعم ولو هان فكيف إذا كان أعلى النعم قال: {الحديث} أي الذي تقدمت أوصافه العالية وهو متجدد إليكم إنزاله وقتاً بعد وقت {أنتم} أي وأنتم العرب الفصحاء والمفوهون البلغاء {مدهنون *} أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما تبطنون أنه كذاب وأنتم تعلمون صدقه بحسن معانيه، وعجزكم عن مماثلته في نظومه ومبانيه، وتقولون: لو شئنا لقلنا مثل هذا: وجميع أفعالكم تخالف هذا فإنكم تصبرون لوقع السيوف ومعانقة الحتوف، ولا تأتون بشيء يعارضه يبادئ شيئاً منه أو يناقضه أو تلاينون أيها المؤمنون من يكذب به ويطعن في علاه أو يتوصل ولو على وجه خفي إلى نقض شيء من عراه، تهاوناً به ولا يتصلبون في تصرفه تعظيماً لأمره حتى يكونوا أصلب من الحديد، قال في القاموس: دهن: نافق، والمداهنة: إظهار خلاف ما تبطن كالإدهان والغش، وقال البغوي رحمه الله: هو الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر، وقال الرازي: والفرق بين المداراة والمداهنة يرجع إلى القصد، فما قصد به غرض سوى الله فهو المداهنة، وما قصد به أمر يتعلق بالدين فهو المداراة، وقال ابن برجان: الإدهان والمداهنة: الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز - انتهى. فهو على هذا إنكار على من سمع أحداً يتكلم في القرآن بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة، وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وابن الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه الآية، فإنهم تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلاً ورأساً ويحله عروة عروة، فهم أضر الناس على هذا الدين، ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم ويعتذر لهم أو يحسن الظن بهم مخالف لإجماع الأمة أنجس حالاً منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه. ولما كان هذا القرآن متكفلاً بسعادة الدارين، قال تعالى: {وتجعلون رزقكم} أي حظكم ونصيبكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله {أنكم تكذبون *} أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال، وتجددون ذلك في كل وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو أهل للتصديق به وتصفونه بالأوصاف المتناقضة، ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا الله تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به: هذا بنوء كذا، معتقدين تأثير ذلك النوء، وإنما هو بالله تعالى، فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر على الرزق التكذيب، وقال ابن برجان: وتجعلون رزقي إياكم من قرآن عظيم أنزلته، وكلام عظيم نزلته، ونور إيمان بينته، وضياء يقين جليته، وما أنزلته من السماء من بركات قدرتها ومن رياح أرسلتها، وسحب ألفتها، تجعلون مكان الشكر على ذلك التكذيب. ولما أنكر عليهم هذا الإنكار، وعجب منهم هذا التعجيب في أن ينسبوا لغيره فعلاً أو يكذبوا له خبراً، سبب عن ذلك تحقيقاً لأنه لا فاعل سواه قوله: {فلولا} وهي أداة تفهم طلباً بزجر وتوبيخ وتقريع بمعنى هل لا ولم لا {إذا بلغت} أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار، أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة {الحلقوم *} وهو مجرى الطعام في الحلق، والحلق مساغ الطعام والشراب معروف، فكان الحلقوم أدنى الحلق إلى جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام، {وأنتم} أي والحال أنكم أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له {حينئذٍ} أي حين إذ بلغت الروح ذلك الموضع. ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال: {تنظرون *} أي ولكم وصف التحديق إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر، ولم يقل: تبصرون، لئلا يظن أن لهم إدراكاً بالبصر لشيء من البواطن من حقيقة الروح وغيرها نحوها {ونحن} أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة {أقرب إليه} أي المحتضر حقيقة بعلمنا وقدرتنا التامة وملائكتنا {منكم} على شدة قربكم منه {ولكن لا تبصرون *} أي مع تحديقكم إليه لا يتأثر عن ذلك التحديق غايته، وهو الإبصار لقربنا منه، ولا ملائكتنا الموكلين بقبض روحه، لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا، فلا يتجدد لكم شيء من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ما هو فيه، فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابها.
السلمي
تفسير : قال: يدل على مكارم الأخلاق ومعالى الأمور وشريف الأفعال. وقيل: قرآن كريم بنزوله من كريم بواسطة كريم إلى أكرم الخلق أجمعين.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وقرئ: "المتطهّرون"، و "المُطَّهرون" بالإدغام و "المطّهرون" من أطهره بمعنى طهره، والمطهرون بصيغة الفاعل بمعنى أنّهم يُطَهرون أنفسهم أو غيرهم بالتعليم والاستغفار لهم، إذ القرآن الكريم عند الله، لكونه كلام الله، يتكلّم به خواصّ ملائكته وصفوة أنبيائه في الدنيا، وخواصّ عباده المؤمنين في الآخرة، لدلالة قوله وَلا يُكلِّمهم الله عليه بالمفهوم، ولأنّه رفيع المرتبة مصون عن النسخ ومحفوظ عن التغيير والتبديل لكونه علما بحقايق الأشياء التي لا تتبدّل بتغيير الملل والمذاهب، فهو عند الله شريف المنزلة. وقيل: إنّه كريم بمعنى أنّه كثير المنفعة، وهو أيضاً حقُّ لأنّه عامّ المنافع كثير الخيرات والبركات، ينال الأجر العظيم بتلاوته تاليه، ويفوز بالثواب الجسيم العامل بما فيه، ولكونه نوراً يهتدى به في ظلمات الأرض كما قال: {أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [الشورى:52] والنور كثير البركة لكونه حِكْمة، والحكمة مفتاح كلّ سعادة لقوله: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة:269]. وقيل: إنّه كريم، بمعنى إنّه حسن مرضيّ في جنسه، لأنّه معجزة للنبي الكريم المشتمل على كلّ دقيق وجليل من العلوم، وعلى المواعظ والأحكام، والإخبار عن المغيّبات. في كِتَاب مَكْنُونٍ - أي: مستور ما فيه عن الخلْق، لكونه من عالم الغيب، والخلق من عالَم الشهادة، بل مصون من أعين غير المقرّبين من الملائكة لا يطّلع عليه من سواهم، وسوى مَن وصل إلى مقامهم من الأنبياء المصطفَين، وذلك الكتاب هو اللوح المحفوظ عن المحو والتغير والنسخ، لأنّه جوهر مجرّد عال عن عالَم الأجرام التي يتطرّق إليها الكون والفساد وعن عالَم الألواح القدريّة التي يعتريها المحو والإثبات، وأرواحها التي يجري فيها النقل والتغيير والتبديل والنسخ، فهو بجوهره عالم عقليّ محلّ للقضاء الإلهيّ، ولوح كلّي مكتوب فيه جميع ما قضى الله بقلم الحقّ الأعلى كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم). "حديث : إنّ الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلْق: إنّ رحمتي سبقت غضبي ". تفسير : فهو مكتوب عنده فوق العرش بقلم القدرة الإلهيّة - وهو المسمّى بـ "أمّ الكتاب" لقوله: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ}تفسير : [الزخرف:4] لأنّ جميع العلوم الحقّة الموسومة باللَّدُنيّة - التي لا تعلم إلاّ بتوفيق الله - ثابتة فيه فائضة منه بإفاضة الله على قلب من يشاء من عباده، كما قال: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}تفسير : [العلق:3 - 5] {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء:113]. فكما أنّ عالَم اللوح القضائي - وهو مجموع الجواهر العقليّة والأرواح المفارقة بالكليّة التي هي مفاتيح الغيب لقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام:59] - محلّ القضاء الإلهي، وهي أيضاً خزائن ما في علم الله، فالعالَم النفسانيّ بجرمه السماويّ محلّ القدرة لقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر:21]. فمحلّ حصول المعلومات الكلّية هو عالَم النفوس الناطقة وإنّما ترتسم صورَها في الألواح القدريّة على سبيل التنزّل، إذ الصور الكليّة العقليّة في عالَم القضاء في غاية الصفاء لا تتراءى ولا تتمثّل في معلوميّتها لِما تحتها لشدّة نوريّتها وجمالها، كمرآة مضيئة ترد البصر عن ادرك ما فيها من الصور بشعاعها، فتنتسخ تلك الصور منه في لوح النفس الناطقة الكليّة التي هي قلب العالَم، كما ينتسخ بالقلم في اللوح صوراً معلومة مضبوطة بعللها وأسبابها على وجه كلّي. وهذا مثل ما يظهر في قلوبنا عند استحضارنا المعلومات الكليّة كالصور النوعيّة في باب حدود التصوّرات، وككبرَيات القياس في باب براهين التصديقات عند الطلب للأمر الجزئيّ المنبعث عنه الإرادة للفعل والعزْم عليه، وذلك الأوّل كالعلم الإجمالي الذي لنا، وهو عقل بالفعل تنشأ منه الصور الكليّة عند الاستحضار، ثمّ ينتفش من عالَم النفوس الناطقة الكليّة في النفوس الحيوانيّة السماويّة والحسّاسة المنطبعة في أجرامها نقوش جزئيّة متشخّصة بأشكال وأوضاع معيّنة، مقارنة لاوقات مقدّرة من لواحق المادّة على ما يظهر في الخارج. وهذا كما ينتقش في قوّتنا الخياليّة كالصوَر الشخصيّة، وكصغيرات القياس - ليحصل بانضمامها إلى كبرياتها نتيجة جزئيّة ينبعث منه رأي جزئيّ يحصل عنه قصد جازم إلى فعل معيّن فيجب عنه حصوله في الخارج. وذلك العالم هو لوح القدر، وخيال العالم، وكتاب المحو والإثبات، لأن جزئيّات العلوم متبدّلة فيه وكلّياتها مضبوطة فيما فوقه، لقوله تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد:39]. وهذا الكتاب أيضاً يسمّى بالدفتين الزمردتين، وبالسماء الدنيا التي نزل إليها القرآن الكريم أوّلاً من اللوح المحفوظ وغيب الغيوب، ثمّ ظهر في عالَم الشهادة، فقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} إشارة إلى المرتبة الجمعيّة الإلهية الموسومة بـ "القلم الأعلى" و "العقل الأوّل" أعني العقل الإجمالي الذي هو فعّال صور المعقولات في العقول والنفوس. وقوله: فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ - هو اللوح العقلي المحفوظ عن التجدّد والتغيّر وفيه علم الفرقان. وإنّما وصف القرآن بالكريم - دون الفرقان - لأنّه العقل البسيط الذي تنشأ منه الصُور العقليّة التفصيليّة، وتتأخّر منه العلوم الاستحضاريّة تأخُّر المعلوم عن العلة والمركّب عن البسيط، وإنّما هو العقل الفعّال ومجده بالعقل القرآني لا بالعقول الفرقانيّة.
اطفيش
تفسير : {إِنَّهُ لَقرْآنٌ كَرِيمٌ} أي أن المتلو عليكم معز وكرمه عزته على الله أو حسنه في جنسه أو كثرة نفعه لاشتماله على أصول العلوم المهمة في اصلاح المعاش والمعاد وقيل: الكرم أسم جامع لما يحمد والقرآن جامع لذلك فالفقيه يستدل به ويأخذ منه والحكيم يستمد منه ويحتج به والاديب يستفيد منه ويتقوى به فكل عالم يطلب أصل علمه منه وقيل: كرمه أنه يحفظه الكبير والصغير والذكي والبليد بخلاف غيره من الكتب وقيل: كرمه عزته وأنه بكثرة التلاوة وكثرة الرد لا يمل ولا يثقل على الالسنة ثقل كراهة بل غض طري والكلام اذا كرر يسأمه السامعون. {فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} مصون عند الله بأيدي الملائكة المقربين عما يدنسه وعن التدنيس والكتاب واللوح المحفوظ وقيل المصحف وكنه حفظة من التبديل والتحريف والاول اصح.
الالوسي
تفسير : وهو تعظيم للقسم مقرر مؤكد له، وقوله عز وجل: {لَّوْ تَعْلَمُونَ } معترض بين الصفة والموصوف وهو تأكيد لذلك التعظيم. وجواب {لَوْ } إما متروك أريد به نفي علمهم أو محذوف ثقة بظهوره أي لعظمتموه أو لعملتم بموجبه، ووجه كون ذلك القسم عظيماً قد أشير إليه فيما مر، أو هو ظاهر بناءاً على أن المراد { أية : بِمَوٰقِعِ ٱلنُّجُومِ } تفسير : [الواقعة: 75] ما روي عن ابن عباس والجماعة، ومعنى كون القرآن كريماً أنه حسن مرضي في جنسه من الكتب أو نفاع جم المنافع، وكيف لا وقد اشتمل على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش، والمعاد، والكرم على هذا مستعار ـ كما قال الطيبـي ـ من الكرم المعروف. وقيل: الكرم أعم من كثرة البذل والإحسان والاتصاف بما يحمد من الأوصاف ككثرة النفع فإنه وصف محمود فكونه كرماً حقيقة، وجوز أن يراد كريم على الله تعالى قيل: وهو يرجع لما تقدم، وفيه تقدير من غير حاجة وأياً مّا كان فمحط الفائدة الوصف المذكور قيل: إن مرجع الضمير هو القرآن لا من حيث عنوان كونه قرآناً فبمجرد الإخبار عنه بأنه قرآن تحصل الفائدة أي إنه لمقروء على النبي صلى الله عليه وسلم لا أنه أنشأه كما زعمه الكفار.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَقُرْآنٌ} (77) - أَقْسَمَ تَعَالَى بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ عَلَى أَنَّ القُرْآن الذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسْولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم هُوَ قُرْآنٌ كَرِيمٌ جَمُّ المَنَافِعِ، عَظِيمُ الفَوَائِدِ، لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ حِكْمٍ وَعِبَرٍ وَخَيْرٍ لِلْعِبَادِ. كَرِيمٌ - كَثِيرُ المَنْفَعَةِ أَوْ رَفِيعُ القَدْرِ.
الجيلاني
تفسير : و{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ} موضح مبين لطريق الإيمان والعرفان {كَرِيمٌ} [الواقعة: 77] كثير الخير والنفع لحامليه، وممتثلي ما فيه من الأمور والنواهي، مصون مثبت {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: 78] محفوظ مستور عن نظر المحجوبين، ألا وهو حضرة العلم المحيط الإلهي، ولوح قضائه. لذلك {لاَّ يَمَسُّهُ} ولا يتصف بمقتضاه {إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] عن أوساخ التقليدات والتخمينات، وأكدار الأوهام والخيالات العائقة عن الوصول إلى صفاء مشرب التوحيد، المسقط لعموم الإضافات. وكيف يمسه غير أهل الكشف والطهارة الحقيقية؟ مع أنه {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80] الذي هو في ذاته مقدس عن شوائب النقص وسماته ملطقاً {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} العظيم الشأن، المنبئ عن محض الحكمة والإيقان {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} [الواقعة: 81] متهاونون متساهلون أيها المسرفون المفرطون؟. {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} حظكم ونصيبكم من هدايته وإرشاده {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] جهلاً وعناداً، أتسرفون وتفرطون في الاجتراء على الله وتكذيب كلامه ورسوله المرسل من عنده أيها المفسدون المفرطون؟! {فَلَوْلاَ} تتذكرون، وهلا تتعظون به، أما تخافون وقت {إِذَا بَلَغَتِ} النفس {ٱلْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83] أي: لكل منكم بأمر الله. {وَ} الحال أنه {أَنتُمْ} أيها الحاضرون حول المحتضر {حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 84] له، ولا تعلمون لحاله، ولا تفهمون ما جرى عليه من سكرات الموت وأفزاعه وأهواله. {وَنَحْنُ} حينئذ {أَقْرَبُ إِلَيْهِ} إي: إلى المحتضر {مِنكُمْ} وأعلم بحاله وشغله، لا قرب الحلول فيه، ولا الاتحاد معه، بل قرب ذي الظل إلى الظل، وذي الصورة إلى الصورة المنعكس والمرآة {وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85] وتدركون قريباً لا إليه ولا إليكم، أيها المحجوبون المحرومون، ولا تدركون أيضاً ما يجري عليه من الأهوال. {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} [الواقعة: 86] أي: مضطرين مملوكين مجبورين {تَرْجِعُونَهَآ} أي: فهلا ترجعون النفس المخرجة البالغة إلى الحلقوم إلى محلها ولا تمنعونها عن الخروج {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الواقعة: 87] في دعوى الاستيلاء والاستقلال وعدم المبالاة بالصانع القديم الحكيم العليم، فهلا تدفعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم؟! {فَأَمَّآ} بعد خروج الروح من البدن {إِن كَانَ} المتوفى {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة: 88] السابقين من الفرق المشار إليها في أول السورة. {فَرَوْحٌ} أي: موته له راحة ورحمة، وإيصال له إلى عالم اللاهوت، وإزاحة زحمة عنه، عارضة عليه، متعلقة إياه من كسوة الناسوت {وَرَيْحَانٌ} يشمه من فوائح الرحمن {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} [الواقعة: 89] دائم التنعيم والترفه في المقام المحمود والحوض المورود في جوار الخلاَّق الودود. {وَأَمَّآ إِن كَانَ} المتوفى {مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} [الواقعة: 90] أي: من الأبرار الموصوفين باليمن والكرامة الموروثة له من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية. {فَسَلاَمٌ لَّكَ} يا ذا اليمن والكرامة {مِنْ} قبل {أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} [الواقعة: 91] أمثالك، ترحيباً لك وتكريماً. {وَأَمَّآ إِن كَانَ} المتوفى من أصحاب الشما والشآمة الأزلية والشقاق الجبلية {مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ} بيوم الدين {ٱلضَّآلِّينَ} [الواقعة: 92] المنحرفين عن منهج الاستقامة، الموصلة إلى دار المقامة والكرامة. {فَنُزُلٌ} فله نزل {مِّنْ حَمِيمٍ} [الواقعة: 93] بدل ما لا يتعطش في النشأة الأولى إلى زلال برد اليقين، ولا يشرب رشحة وجرعة من رحيق المعرفة والتوحيد. {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [الواقعة: 94] أي: إدخال نار عظيمة، بدل ما يتلذذ بالشهوات وبالميل إلى المحرمات والمكروهات، وبالجملة: {إِنَّ هَـٰذَا} الذي ذكر في حق هؤلاء الفرق الثلاث {لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} [الواقعة: 95] بالنسبة إلى أرباب الكشف والشهود، المطلعين بمراتب الوجود باليقين العلمي والعيني والحقي. {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} [الواقعة: 96] أي: نزه يا أكمل أرباب الشهود والحضور ذات ربك عن شوب الريب والتخمين، بذكر اسمه العظيم، المستجمع لعموم أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فإنك على الحق اليقين في مطلق أسمائه وصفاته. جعلنا الله ممن اتصف بحق اليقين، وخلص! عن أمارات الريب والتخمين، بمنه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها السالك القاصد لانكشاف مراتب الوجود بطريق الكشف والشهود والاطلاع على ما فيها من الكفر والجحود والانحراف عن الطريق المعهود الذي نزل بتبيينه الكتب والرسل أن تتأمل في عموم أوقاتك وحالاتك في هذه السورة العظيمة الشأن، وتعرض على نفسك دائماً أحوال الفرق الثلاث المذكورة فيها، وتذكرها عليك، حتى يظهر لك أنك مع من أنت من هؤلاء الفرق؟. من السابقين المقربين المقبولين؟. أم من أصحاب اليمين الموفقين المحسنين؟. أم من المكذبين الضالين المعذبين؟. وبالجملة: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}تفسير : [الحجر: 99].
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]؛ يعني: كلام رب كريم؛ وهي صفة ذاتية له فانظر فيه وافتكر، وبشر وجودك بأنه صار مظهر الصفات الذاتية، {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: 78]؛ أي: محفوظ مصون عند الله أن يمسه محدث؛ لأنه صفة قديمة، {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79]؛ يعني: لا يمس ذلك الكتاب إلا الذين طهرهم الله عن قاذورات الحدث، وصيرهم ربانيين إلهين، {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الواقعة: 80]؛ يعني: ينزل من عند رب العالمين نزول الفعل الصادر عن الصفة الفاعلية لظهر الأثر لا من قبيل نزول الشيء من الأعلى إلى الأسفل، تعالت حضرة الملك المتعال من أن ينزل منها شيء أو يصعد إليها شيء، كنزول الجسمانيات وصعودها، وكشف هذا السر يتعلق بحد القرآن. {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} [الواقعة: 81]؛ يعني: بهذا الذي ذكرناه أيها القوى القالبية والنفسية الكاذبة المكذبة تكذبون {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82]؛ يعني: تجعلون شكر رزقكم وحظكم من الوارد التكذيب. {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} [الواقعة: 83]؛ يعني: الحياة التي هي رأس مالكم، {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 84] إليها مشاهدون ما ينزع عنكم، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} [الواقعة: 85]، وهذا سر عظيم كشفه الله في ظاهر القرآن، أعرضوا عنه ما زين عليه كل يوم مراراً كثيرة، فلولا غيرتي على هذه الحكمة المدرجة في هذه الآية، وخوفي من أن يسبك قلوب الغفلة لبسطت هذا السر؛ لأنه من بطن القرآن، وأذكره - إن شاء الله - في قدسية أخرى، بحيث يكون تمام القدسية مشحوناً ببيانها {وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]؛ أي: لا تشاهدون إلا قريبة وتظنون بالله القريب الظنون الكاذبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):