٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: (هذا) إشارة إلى ماذا؟ فنقول: المشهور أنه إشارة إلى القرآن وإطلاق الحديث في القرآن على الكلام القديم كثير بمعنى كونه اسماً لا وصفاً فإن الحديث اسم لما يتحدث به، ووصف يوصف به ما يتجدد، فيقال: أمر حادث ورسم حديث أي جديد، ويقال: أعجبني حديث فلان وكلامه وقد بينا أن القرآن قديم له لذة الكلام الجديد، والحديث الذي لم يسمع الوجه الثاني: أنه إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ ءَابَاؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } تفسير : [الواقعة: 47، 48] وذلك لأن الكلام مستقل منتظم فإنه تعالى رد عليهم ذلك بقوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ } تفسير : [الواقعة: 49] وذكر الدليل عليهم بقوله: {أية : نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الواقعة: 57] وبقوله: {أية : أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } تفسير : [الواقعة: 58] {أية : أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تفسير : [الواقعة: 63] وأقسم بعد إقامة الدلائل بقوله: {أية : فَلاَ أُقْسِمُ } تفسير : [الواقعة: 75] وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله: {أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ } تفسير : [الواقعة: 77] ثم عاد إلى كلامهم، وقال: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } الذي تتحدثون به {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } لأصحابكم تعلمون خلافه وتقولونه، أم أنتم به جازمون، وعلى الإصرار عازمون، وسنبين وجهه بتفسير المدهن، وفيه وجهان أحدهما: أن المدهن المراد به المكذب قال الزجاج: معناه أفبالقرآن أنتم تكذبون، والتحقيق فيه أن الإدهان تليين الكلام لاستمالة السامع من غير اعتقاد صحة الكلام من المتكلم كما أن العدو إذا عجز عن عدوه يقول له أنا داع لك ومثن عليك مداهنة وهو كاذب، فصار استعمال المدهن في المكذب استعمالاً ثانياً وهذا إذا قلنا: إن الحديث هو القرآن والوجه الثاني: المدهن هو الذي يلين في الكلام ويوافق باللسان وهو مصر على الخلاف فقال: {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } فمنهم من يقول: إن النبي كاذب، وإن الحشر محال وذلك لما هم عليه من حب الرياسة، وتخافون أنكم إن صدقتم ومنعتم ضعفاءكم عن الكفر يفوت عليكم من كسبكم ما تربحونه بسببهم فتجعلون رزقكم أنكم تكذبون الرسل، والأول عليه أكثر المفسرين، لكن الثاني مطابق لصريح اللفظ فإن الحديث بكلامهم أولى وهو عبارة عن قولهم: {أية : أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الواقعة: 47] والمدهن يبقى على حقيقته فإنهم ما كانوا مدهنين بالقرآن، وقول الزجاج: مكذبون جاء بعده صريحاً. وأما قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } ففيه وجوه الأول: تجعلون شكر النعم أنكم تقولون مطرنا بنوء كذا، وهذا عليه أكثر المفسرين، الثاني: تجعلون معاشكم وكسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه، والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، يقال للمأكول رزق، كما يقال للمقدور قدرة، والمخلوق خلق، وعلى هذا فالتكذيب مصدر قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم، وأما قوله: {تُكَذّبُونَ } فعلى الأول المراد تكذيبهم بما قال الله تعالى: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] وغير ذلك، وعلى الثاني المراد جميع ما صدر منهم من التكذيب، وهو أقرب إلى اللفظ.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} يعني القرآن {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} أي مكذبون؛ قاله ٱبن عباس وعطاء وغيرهما. والمُدْهِن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبِّه بالدُّهن في سهوله ظاهره. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مُدْهِنون كافرون؛ نظيره: {أية : وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} تفسير : [القلم:9]. وقال المؤرِّج: المدهِن المنافق أو الكافر الذي يُليِن جانبه ليُخْفِي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللِّين، وأن يُسِرَّ خلاف ما يظهر؛ وقال أبو قيس بن الأَسْلَت:شعر : الحَزْمُ والْقُوَّةُ خيرٌ مِنَ الإدهان والفَهَّةِ والهَاعِ تفسير : وأدهن وداهن واحد. وقال قوم: داهنت بمعنى واريت وأدهنت بمعنى غَشَشْتَ. وقال الضحاك: «مُدْهِنُونَ» معرضون. مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر به. ٱبن كيسان: المدهن الذي لا يعقل ما حقّ اللَّهِ عليه ويدفعه بالعلل. وقال بعض اللغويين: مدهنون تاركون للجزم في قبول القرآن. قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال ٱبن عباس: تجعلون شكركم التكذيب. وذكر الهيثم بن عديّ: أن من لغة أزد شنوءة ما رِزق فلان؟ أي ما شكره. وإنما صلح أن يوضع ٱسم الرزق مكان شكره؛ لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه فيكون الشكر رزقاً على هذا المعنى. فقيل: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} أي شكر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقاً لكم {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} بالرزق أي تضعون الكذب مكان الشكر؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً} تفسير : [الأنفال:35] أي لم يكونوا يُصلُّون ولكنهم كانوا يصفِّرون ويُصفِّقون مكان الصلاة. ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكن أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قِبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكرٍ إن كان نعمة، أو صبرٍ إن كان مكروهاً تعبّداً له وتذلُّلاً. وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» حقيقة. وعن ٱبن عباس أيضاً: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرنا بنَوْء كذا؛ رواه عليّ بن أبي طالب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم حديث : عن ٱبن عباس قال: مُطِر الناسُ على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافرٌ» قالوا هذه رحمة الله وقال بعضهم لقد صَدَق نَوْءُ كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ} ـ حتى بلَغ ـ {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}تفسير : . وعنه أيضاً: حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج في سفر فعطشوا فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«أرأيتم إن دعوت الله لكم فسُقِيتم لعلكم تقولون هذا المطر بِنَوْء كذا» فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأَنواء. فصلّى ركعتين ودعا ربه فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمُطِروا؛ فمرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه عصابة من أصحابه برجل يغترف بقدح له وهو يقول سُقِينا بِنَوْء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله فنزلت: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تفسير : أي شكركم لله على رزقه إياكم {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} بالنعمة وتقولون سُقِينا بنَوْء كذا؛ كقولك: جعلَت إحساني إليك إساة منك إليّ، وجعلَت إنعامي لديك أن ٱتخذتني عدوًّا. وفي الموطأ حديث : عن زيد بن خالد الجُهَنيّ أنه قال: صلىّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحُدَيْبِية على إثرِ سماء كانت من الليل، فلما ٱنصرف أَقْبَلَ على الناس وقال:«أتدرون ماذا قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكوكب فأما من قال مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مُطِرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك مؤمن بالكوكب كافر بي»تفسير : . قال الشافعي رحمه الله: لا أحبّ أحداً أن يقول مُطِرنا بنَوْء كذا وكذا، وإن كان النَّوْء عندنا الوقت المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يمطر ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ أن يقول: مُطِرنا وقت كذا كما تقول مُطِرنا شهر كذا، ومن قال: مُطِرنا بنَوْء كذا، وهو يريد أن النَّوْء أنزل الماء، كما عنى بعض أهل الشرك من الجاهلية بقوله فهو كافر، حلال دمه إن لم يتب. وقال أبو عمر بن عبد البر: وأما قوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن الله سبحانه: «حديث : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر» تفسير : فمعناه عندي على وجهين: أما أحدهما فإن المعتقِد بأن النَّوْء هو الموجب لنزول الماء، وهو المنشىء للسحاب دون الله عز وجل فذلك كافر كفراً صريحاً يجب ٱستتابته عليه وقتله إن أبى لنبذه الإسلام ورده القرآن. والوجه الآخر أن يعتقد أن النَّوْء يُنزِل الله به الماءَ، وأنه سبب الماء على ما قدّره الله وسبق في علمه؛ وهذا وإن كان وجهاً مباحاً، فإن فيه أيضاً كفراً بنعمة الله عز وجل، وجهلاً بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء، مرة بنَوْء كذا، ومرة بَنْوء كذا، وكثيراً ما ينوء النَّوْء فلا ينزل معه شيء من الماء، وذلك من الله تعالى لا من النَّوْء. وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مُطِر: مطِرنا بنَوْء الفتح؛ ثم يتلو: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} تفسير : [فاطر:2] قال أبو عمر: وهذا عندي نحو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مُطِرنا بفضل الله ورحمته»تفسير : . ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين ٱستسقى به: يا عمّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نَوْء الثريا؟ فقال العباس: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعاً بعد سقوطها. فما مضت سابعة حتى مطروا؛ فقال عمر: الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته. وكأنّ عمر رحمه الله قد علم أن نَوْء الثُّرَيا وقت يُرْجى فيه المطر ويؤمَّل فسأله عنه أخَرج أم بقيت منه بقية؟. وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً في بعض أسفاره يقول: مُطرنا ببعض عَثَانين الأسد؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت بل هو سُقْيا الله عز وجل» تفسير : قال سفيان: عَثَانين الأسد الذراع والجبهة. وقراءة العامة {تُكَذِّبُونَ} من التكذيب. وقرأ المفضّل عن عاصم ويحيـى بن وَثّاب «تَكْذِبُونَ» بفتح التاء مخففاً. ومعناه ما قدمناه من قول من قال: مطِرنا بنَوْء كذا. وثبت من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنِّياحة والأَنْواء» تفسير : ولفظ مسلم في هذا: «حديث : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهنّ الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة»تفسير : . قوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} أي فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الْحُلْقوم. ولم يتقدم لها ذكر؛ لأن المعنى معروف؛ قال حاتم:شعر : أَمَاوِيّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عنِ الفتى إذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضاقَ بِها الصَّدْرُ تفسير : وفي حديث: «حديث : إنّ مَلَك الموت له أعوان يقطعون العروق ويجمعون الروح شيئاً فشيئاً حتى ينتهي بها إلى الحُلْقوم فيتوفاها مَلَك الموت»تفسير : . {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} أمري وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى الميّت لا تقدرون له على شيء. وقال ٱبن عباس: يريد من حضر من أهل الميت ينتظرون متى تخرج نفسه. ثم قيل: هو ردٌّ عليهم في قولهم لإخوانهم {أية : لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} تفسير : [آل عمران:156] أي فهل ردّوا رُوح الواحد منهم إذا بلغت الحلقوم. وقيل: المعنى فهلاّ إذا بلغت نفس أحدكم الحلقوم عند النزع وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده، مع حرصكم على ٱمتداد عمره، وحبكم لبقائه. وهذا ردّ لقولهم: {أية : نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية:24]. وقيل: هو خطاب لمن هو في النزع؛ أي إن لم يك ما بك من الله فهّلا حفظت على نفسك الروح. {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} أي بالقدرة والعلم والرؤية. قال عامر بن عبد القيس: ما نظرت إلى شيء إلا رأيت الله تعالى أقرب إليّ منه. وقيل: أراد ورسلنا الذين يتولَّون قبضه {أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ} {وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} أي لا ترونهم. قوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أي فهلاّ إن كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا لَمَدِينُونَ} تفسير : [الصافات:53] أي مجزيون محاسبون. وقد تقدم. وقيل: غير مملوكين ولا مقهورين. قال الفراء وغيره: دِنْتُه ملكته؛ وأنشد للحطيئة:شعر : لقد دُيِّنْتِ أَمْرَ بَنِيكِ حَتَّى تَرَكْتِهمُ أَدَقَّ مِن الطَّحِينِ تفسير : يعني مُلِّكْتِ. ودانه أي أذله وٱستعبده؛ يقال: دنته فدان. وقد مضى في «الفاتحة» القول في هذا عند قوله تعالى: {يَوْمِ ٱلدِّينِ}. {تَرْجِعُونَهَآ} ترجعون الروح إلى الجسد. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ولن ترجعوها فبطل زعمكم أنكم غير مملوكين ولا محاسبين. و {تَرْجِعُونَهَآ} جواب لقوله تعالى: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} ولقوله: {فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} أجيبا بجواب واحد؛ قاله الفراء. وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة:38] أجيبا بجواب واحد وهما شرطان. وقيل: حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: فلولا وهلاَّ إِن كنتم غير مَدِينِين تَرجِعونها؛ تردُّون نَفْس هذا الميّت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَبِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ } القرآن {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون مكذبون؟
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ} القرآن {مُّدْهِنُونَ} مكذبون "ع"، أو معرضون، أو ممالئون الكفار على الكفر به، أو منافقون في تصديقه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ}: يعني القرآن المتضمن البعثَ، و{مُّدْهِنُونَ} معناه: يلاينُ بعضُكم بعضاً، ويتبعه في الكفر؛ مأخوذ من الدُّهْنِ للينه واملاسِّه، وقال ابن عباس: المُدَاهَنَةُ: هي المهاودة فيما لا يَحِلُّ، والمُدَارَاةُ: هي المهاودة فيما يَحِلُّ، ونقل الثعلبيُّ أَنَّ أدهن وداهن بمعنى واحد، وأصله من الدُّهْنِ، انتهى. وقوله سبحانه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}: أجمع المفسرون على أَنَّ الآيةَ توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللَّه تعالى رزقاً للعباد: هذا بِنَوْءِ كذا، والمعنى: وتجعلون شُكْرَ رزقكم، وحكى الهيثم بن عدي أَنَّ من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان بمعنى ما شكر، وكان عليٌّ يقرأ: «وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» وكذلك قرأ ابن عباس، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخبر اللَّه سبحانه فقال: {أية : وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً مُّبَـٰرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ * وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِّزْقاً لِّلْعِبَادِ }تفسير : [ق:9، 10، 11] فهذا معنى قوله: {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي: بهذا الخبر، قال * ع *: والمنهيُّ عنه هو أَنْ يعتقد أَنَّ للنجوم تأثيراً في المطر. وقوله سبحانه: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ} يعني: بلغت نفسُ الإنسان، والحُلْقُومُ: مجرى الطعام، وهذه الحال هي نزع المرء للموت. وقوله: {وَأَنتُمْ} إشارة إلى جميع البشر حينئذ، أي: وقتَ النزع {تَنظُرُونَ}: إليه، وقال الثعلبيُّ: {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} إلى أمري وسلطاني، يعني: تصريفه سبحانه في الميت، انتهى، والأَوَّلُ عندي أحسن، وعَزَاهُ الثعلبيُّ لابن عباس.
القشيري
تفسير : أبهذا القرآن أنتم تُنافِقون، وبه تُكَذِّبون. {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ}: كانوا إذا أُمْطِروا يقولون أُمْطِرْنا بِنَوْءٍ كذا. يقول: أتجعلون بَدَلَ إنعامِ اللَّهِ عليكم بالمطر الكفرانَ به، وتتوهمون أن المطرَ - الذي هو نعمةٌ من الله - من الأنواء والكواكب؟!. ويقال: أتجعلون حظَّكم ونصيبَكم من القرآنِ التكذيبَ؟.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفبهذا الحديث} الذى ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لاعظامه واجلاله وهو القرءآن الكريم وسماه حديثا لان فيه حوادث الامور كما فى كشف الاسرار وهو متعلق بقوله {مدهنون} وجاز تقديمه على المبتدأ لان عامله يجوز فيه ذلك والاصل أفأنتم مدهنون بهذا الحديث {أنتم} يااهل مكة {مدهنون} الادهان فى الاصل مثل التدهين لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد والمعنى متهاونون به ومستحقرون كمن يدهن فى الامر اى يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به وفى تاج المصادر الادهان مداهنت كردن وغسل كردن. قال فى الاحياء الفرق بين المداهنة والمداراة بالغرض الباعث على الاغضاء فان أغضيت السلامة دينك ولما ترى فيه من اصلاح اخيك بالاغضاء فانت مدار وان أغضيت لحظ نفسك واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن قال ابو الدردآء رضى الله عنه انا لنبش فى وجوه اقوام وان قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المدارة وهو منع شر من يخاف شره
الطوسي
تفسير : إثنا عشرة آية شامي، واحدى عشرة فيما عداه، عد الشاميون {وروح وريحان} ولم يعده الباقون. قرأ يعقوب {فروح وريحان} بضم الراء. الباقون بفتحها، وهما لغتان. وقال الزجاج: الروح بفتح الراء معناه الراحة وبالضم معناه حياة دائمة لا موت معها. يقول الله تعالى مخاطباً للمكلفين على وجه التقريع لهم والتوبيخ بصورة الاستفهام {أفبهذا الحديث} الذي حدثناكم به وأخبرناكم به من حوادث الامور {أنتم مدهنون} قال ابن عباس: معنى مدهنون مكذبون. وقال مجاهد: معناه تريدون أن تمالؤهم فيه وتركنوا اليهم لأنه جريان معهم فى باطلهم. وقيل: معناه منافقون فى التصديق بهذا الحديث وسماه الله تعالى حديثاً كما قال {أية : الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً} تفسير : ومعناه معنى الحدوث شيئاً بعد شيء ونقيض (حديث) قديم، والمدهن الذي يجري فى الباطل على خلاف الظاهر، كالدهن فى سهولة ذلك عليه والاسراع فيه، أدهن يدهن إدهاناً وداهنه مداهنة مثل نافقه منافقة، وكل مدهن بصواب الحديث مذموم. وقوله {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} معناه وتجعلون حظكم من الخير الذي هو كالرزق لكم إنكم تكذبون ويجوز شكر رزقكم، وقال ابن عباس: معناه وتجعلون شكركم، وروي انه كان يقرأ كذلك. وقيل: حظكم من القرآن - الذي رزقكم الله - التكذيب به - فى قول الحسن - وقيل: إنهم كانوا إذا أمطرو وأخصبوا، قالوا مطرنا بنؤ كذا، فأنزل الله تعالى الآية تكذيباً لهم. وكذلك قرأ المفضل عن عاصم {تكذبون} بفتح التاء خفيفاً. وقوله {فلولا إذا بلغت الحلقوم} قال الحسن: معناه هلا إذا بلغت هذه النفس التي زعمتم أن الله لا يبعثها الحلقوم {وأنتم حينئذ تنظرون} أي تنظرون ما ينزل بكم من امر الله قال الزجاج: قوله تعالى {وأنتم حينئذ} خطاب لأهل الميت، وتقديره إذا بلغت الحلقوم وانتم معاشر اهله ترونه على تلك الصورة. ويحتمل ان يكون المراد وأنتم حينئذ تبصرون على ضرب من المجاز. وقوله {ونحن أقرب إليه منكم} معناه إن الله تعالى يراه من غير مسافة بينه وبينه، فلا شيء اقرب اليه منه، واقرب من كل من يراه بمسافة بينه وبينه {ولكن لا تبصرون} معناه ولكن لا تعلمون ذلك لجهلكم بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز. ويحتمل أن يكون المراد ولكن لا تبصرون الله، لأن الرؤية مستحيلة عليه. وقيل معناه: ولكن لا تبصرون الملائكة التي تتولى قبض روحه. وقوله {فلولا إن كنتم غير مدينين} معناه هلا إن كنتم غير مجزيين بثواب الله او عقابه على ما تدعونه من إنكار البعث والنشور {ترجعونها} أي تردون هذه النفس إلى موضعها {إن كنتم صادقين} فى قولكم وإدعائكم. وحكى الطبري عن بعض النحويين ان الكلام خرج متوجهاً إلى قوم أنكروا البعث، وقالوا نحن نقدر على الامتناع من الموت، فقيل لهم: هلا رددتم النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم صادقين فيما تدعونه. وقال الفراء: جواب (لولا) {ترجعونها} وهو جواب {فلولا إن كنتم غير مدينين} اجيبا بجواب واحد، قال ومثله {أية : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } تفسير : يعني إن الجواب والخبر فى هذا على قياس واحد، وإنما جاز ان يجاب معنيان بجواب واحد، لان كل واحد منهما يوجب ذلك المعنى، والمعنى فلولا إذا بلغت الحلقوم على ادعائهم انه لا يصح ان يكون القادر على إخراجها قادراً على ردها يلزم ان يكون القادر على ردها غيره، وكذلك يلزم من قولهم إنه لا يصح ان يقدر على ردها للجزاء ان يكون القادر غيره منهم ومن اشبهاههم. والرجع جعل الشيء على الصفة التي كان عليها قبل، وهو إنقلابه إلى الحال الأولى، ولو انقلب إلى غيرها لم يكن راجعاً. ووجه إلزامهم على إنكار الجزاء ورجوع النفس إلى الدنيا ان إنكار ان يكون القادر على النشأة الأولى قادراً على النشأة الثانية كادعاء ان القادر على الثانية انما هو من لم يقدر على الأولى، لأن إنكار الاول يقتضي ايجاب الثاني كانكار ان يكون زيد المتحرك حركت نفسه فى اقتضاء ان غيره حركه. ومعنى {غير مدينين} غير مجزيين. وقيل: معناه غير مملوكين، والدين الجزاء. ومنه قولهم: كما تدين تدان أي تجزي تجزى والدين العمل الذي يستحق به الجزاء من قوله {أية : إن الدين عند الله الإسلام} تفسير : ومنه دين اليهود غير دين النصارى، وفلان يتدين أي يعمل ما يطلب به الجزاء من الله تعالى، والعبد مدين، لانه تحت جزاء مولاه، وإنما يجوز الانقلاب من صفة الى صفة على ان يكون على احدهما بجعل جاعل ومن استحق صفة النفس لا لمعنى ولا بالفاعل لا يجوز ان ينقلب عنها الى غيرها. وقوله {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} اخبار من الله تعالى بما يستحقه المكلفون لمن كان منهم سابقاً الى الخيرات والى افعال الطاعات فله روح وريحان، وهو الهوى الذي يلذ النفس ويزيل عنها الهم. وقيل: الروح الراحة والريحان: الرزق - فى قول مجاهد وسعيد بن جبير - وقال الحسن وقتادة: هو الريحان المشموم، وكل نبات طيب الريح، فهو ريحان، وقيل الروح الفرح. وقيل: الروح النسيم الذي تستريح اليه النفس. واصل ريحان روحان، لأنه من الواو إلا انه خفف، وأهمل التثقيل للزيادة التي لحقته من الالف والنون - ذكره الزجاج - وقوله {وجنة نعيم} أي ولهذا المقرب مع الروح والريحان {جنة نعيم} أي بستان ينعم فيها ويلتذ بأنواع الثمار والفواكه فيها. وقوله {وأما إن كان من أصحاب اليمين} وقد فسرنا معناه {فسلام لك من أصحاب اليمين} دخلت كاف الخطاب كما يدخل فى ناهيك به شرفاً، وحسبك به كرماً أي لا تطلب زيادة جلالة على جلالة، وكذلك سلام لك منهم أي لا تطلب زيادة على سلامهم جلالة وعظم منزلة. وقال قتادة: معناه فسلام لك ايها الانسان الذي من اصحاب اليمين من عذاب الله وسلمت عليك ملائكة الله. وقال الفراء: وسلام لك إنك من اصحاب اليمين فحذفت إنك. وقيل معناه سلمت مما تكره لانك من اصحاب اليمين. وقال الزجاج: معناه وسلام لك إنك ترى فيهم ما تحب من السلامة، وذكر اصحاب اليمين فى اول السورة بأنهم {في سدر مخضود} وذكرهم فى أخرها بأنهم يبشرون بالسلامة من كل ما يكرهون. وقيل: إنما كان التبرك باليمين، لان العمل يتيسر بها، واما الشمال فيتعسر العمل بها من نحو الكتابة والتجارة والاعمال الدقيقة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أفأنتم بهذا الحديث الذي جاء من الغيب إلى الشهادة متهاونون. وتقديم الظرف على عامله للاهتمام به والإعتناء بأمره للمبالغة في أنّ المداهنة - أي لين الجانب وعدم التصلّب في مثله -، ممّا يستغرب ويتعجّب منه، بخلاف غيره من الأحاديث التي تنشأ أوّلاً من عالَم المحسوس إلى السمع، ثمّ ترتقي إلى الباطن، فإنّ أكثر الناس متخيّلهم يتبع محسوسهم، وكذا معقولهم يتبع متخيّلهم، ولذا قيل: "مَن فقد حسّا فقد فقَدَ عِلماً" وذلك لعكوف أكثر النفوس في عالم المحسوس، وليس كذلك نفوس الأنبياء، فهم كما مر يرون ويسمعون في باطنهم أوّلاً من عالَم الغيب، ثمّ يتكلّمون بما شاهدوه. والرزق ما يتغذّى ويتقوّى به العبد سواء كان حراماً أو حلالاً، محسوساً أو غير محسوس. وما قيل: "إنّ الحرام ليس من الرزق"، معناه: إنّه لا يحصل به البقاء على السعادة الأخرويّة. فكما أنّ الملائكة غذاؤهم التسبيح والتقديس، وأهل السعادة من الناس غذاؤهم العلم وزادُهُم التقوى، فكذلك الشياطين وأهل الشقاوة، غذاؤهم تكذيب الحقّ والإبعاد عنه، وترويج الباطل وإبطال الحقايق بالشبهات والتمويهات، لأنّهم بهذه الأفاعيل المزخرفة يتظاهرون ويتطاولون على الناس، ويترسّخ في باطنهم نار الجحيم، ويشتدّ بزيادة الفظاظة والغلظة عذابهم الأليم. كما قال تعالى: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} تفسير : [البقرة:10]. وفي الكشّاف: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} على حذف المضاف، أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب. أي: وضعتم التكذيب موضع الشكر. وقيل: نزلت في الأنوار ونسبة المنافقين السقيا إليها، والرزق: المطر. وعن ابن عبّاس: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره (ص) فدعا، فسقوا فسمع رجلاً يقول: مطرنا بنوء كذا. فنزلت الآية. أي: وتجعلون شكر ما رزقكم الله من الغيث، إنّكم تكذبون بكونه من الله، حيث تنسبونه إلى النجوم. وعن الحسن: معناه: وتجعلون حظكم من القرآن الذي رزقَكم التكذيب به. وقرئ: تكْذبون. لأنّهم كذبوا في قولهم القرآن سحر وشعر وافتراء، أو قولهم: المطر من الأنواء. وكذا في تكذيبهم لما هو حق، فإنّ كلّ مكذّب بالحق كاذب.
الجنابذي
تفسير : {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ} اى القرآن الّذى هو بهذا الوصف او قرآن ولاية علىّ (ع) او حديث انّه كريم لا يمسّه الاّ المطّهرون او حديث انحصار الخلق والزّرع وانزال الماء وانشاء شجرة النّار فى الله تعالى {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} دهن نافق، وداهن وادهن اظهر خلاف ما فى قلبه.
الالوسي
تفسير : {أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ } أي أتعرضون فبهذا الحديث الذي ذكرت نعوته الجليلة الموجبة لإعظامه وإجلاله والإيمان بما تضمنه وأرشد إليه وهو القرآن الكريم {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به، وأصل الادهان كما قيل: جعل الأديم ونحوه مدهوناً بشيء من الدهن ولما كان ذلك مليناً ليناً محسوساً يراد به اللين المعنوي على أنه تجوز به عن مطلق اللين أو استعير له، ولذا سميت المداراة مداهنة وهذا مجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عرفية، ولذا تجوز به هنا عن التهاون أيضاً لأن المتهاون بالأمر / لا يتصلب فيه، وعن ابن عباس والزجاج {مُّدْهِنُونَ } أي مكذبون، وتفسيره بذلك لأن التكذيب من فروع التهاون. وعن مجاهد أي منافقون في التصديق به تقولون للمؤمنين آمنا به وإذا خلوتم إلى إخوانكم قلتم إنا معكم والخطاب عليه للمنافقين وما قدمناه أولى، والخطاب عليه للكفار كما يقتضيه السياق. وجوز أن يراد بهذا الحديث ما تحدثوا به من قبل في قوله سبحانه: { أية : وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ ءابَاؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ } تفسير : [الواقعة: 47-48] فالكلام عود إلى ذلك بعد رده كأنه قيل: أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به في إنكار البعث أنتم مدهنون أصحابكم أي تعلمون خلافه وتقولونه مداهنة أم أنتم به جازمون وعلى الإصرار عليه عازمون، ولا يخفى بعده، وفيه مخالفة لسبب النزول وستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : الفاء تفريع على ما سِيق لأجله الكلام الذي قبلها في غرضه من التنويه بشأن القرآن، وهو الذي بِحذو الفاء، أو من إثبات البعث والجزاء وهو الذي حواه معظم السورة، وكان التنويهُ بالقرآن من مسبَّبَاته. وأطبق المفسرون عدا الفخر على أن اسم الإشارة وبيانه بقوله: {أفبهذا الحديث} مشير إلى القرآن لمناسبة الانتقال من التنويه بشأنه إلى الإِنكار على المكذبين به. فالتفريع على قوله: {أية : إنه لقرآن كريم}تفسير : [الواقعة: 77] الآية. والمراد بــــ {الحديث} إخبار الله تعالى بالقرآن وإرادة القرآن من مثل قوله: {أفبهذا الحديث} واردة في القرآن، أي في قوله في سورة القلم (44) {أية : فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} تفسير : وقوله في سورة النجم (59) {أية : أفمن هذا الحديث تعجبون}.تفسير : ويكون العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة بقوله: {أفبهذا الحديث} دون أن يقول: أفَبِهِ أنتم مُدْهنون، إخراجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر لتحصل باسم الإشارة زيادة التنويه بالقرآن. وأما الفخر فجعل الإِشارة من قوله: {أفبهذا الحديث} إشارة إلى ما تحدثوا به من قبل في قوله تعالى: {أية : وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون}تفسير : [الواقعة: 47، 48]، فإن الله رد عليهم ذلك بقوله: {أية : قل إن الأولين والآخرين}تفسير : [الواقعة: 49] الآية. وبين أن ذلك كله إخبار من الله بقوله: {أية : إنه لقرآن كريم}تفسير : [الواقعة: 77] ثم عاد إلى كلامهم فقال: أفبهذا الحديث الذي تتحدثون به أنتم مدهنون لأصحابكم اهــــ، أي على معنى قوله تعالى: {أية : وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودّةً بينكم في الحياة الدنيا}تفسير : [العنكبوت: 25]. وإنه لكلام جيّد ولو جَعل المراد من (هذا الحديث) جميع ما تقدم من أول السورة أصلاً وتفريعاً، أي من هذا الكلام الذي قرع أسماعكم، لكان أجود. وإطلاق الحديث على خبر البعث أوضح لأن الحديث يراد به الخبر الذي صار حديثاً للقوم. والتعريف في {الحديث} على كلا التفسيرين تعريف العهد. والمُدهِن: الذي يُظهر خلاف ما يبطن، يقال: أدهن، ويقال: دَاهنَ، وفسر أيضاً بالتهاون وعدم الأخذ بالحزم، وفسر بالتكذيب. والاستفهام على كل التفاسير مستعمل في التوبيخ، أي كلامكم لا ينبغي إلا أن يكون مداهنة كما يقال لأحد قال كلاماً باطلاً: أتهزأ، أي قد نهض برهان صدق القرآن بحيث لا يكذب به مكذب إلا وهو لا يعتقد أنه كذب لأن حصول العلم بما قام عليه البرهان لا يستطيع صاحبُه دفعه عن نفسه، فليس إصراركم على التكذيب بعد ذلك إلا مداهنة لقومكم تخشون إن صدّقتم بهذا الحديث أن تزول رئاستكم فيكون في معنى قوله تعالى: {أية : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون}تفسير : [الأنعام: 33]. وعلى تفسير {مدهنون} بمعنى الإِلانة، فالمعنى: لا تتراخوا في هذا الحديث وتدبروه وخذوا بالفور في اتباعه. وإن فسر {مدهنون} بمعنى: تكذبون، فالمعنى واضح. وتقديم المجرور للاهتمام، وصوغ الجملة الاسمية في {أنتم مدهنون} لأن المقرّر عليه إدْهان ثابت مستمرّ.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 81- أتعرضون فبهذا القرآن العظيم وبقدره أنتم متهاونون. 82- وتجعلون بدل شكر رزقكم أنكم تكذبونه. 83، 84، 85- فهلا إذا بلغت روح أحدكم عند الموت مجرى النفس، وأنتم حين بلوغ الروح الحلقوم حول المحتَضِر تنظرون إليه، ونحن أقرب إلى المحتَضَر وأعلم بحاله منكم، ولكن لا تدركون ذلك ولا تحسونه. 86، 87- فهلا - إن كنتم غير خاضعين لربوبيتنا - تردون روح المحتضر إليه إن كنتم صادقين فى أنكم ذوو قوة لا تقهر. 88، 89- فأما إن كان المحتضر من السابقين المقربين فمآله راحة ورحمة ورزق طيب وجنة ذات نعيم. 90، 91- وأما إن كان من أصحاب اليمين فيقال له تحية وتكريماً: سلام لك من إخوانك أصحاب اليمين. 92، 93، 94- وأما إن كان من أصحاب الشمال المكذبين الضالين، فله نزل وقرى أعد له من ماء حار تناهت حرارته، وإحراق بنار شديدة الاتقاد. 95- إن هذا الذى ذكر فى هذه السورة الكريمة لهو عين اليقين الثابت الذى لا يداخله شك. 96- فدم على التسبيح بذكر اسم ربك العظيم، تنزيهاً له وشكراً على آلائه.
د. أسعد حومد
تفسير : (81) - أَفَبِهَذَا القُرْآنِ أَنْتُمْ تُكَذِّبُونَ، وَتَتَهَاوَنُونَ فِي أَمْرِهِ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تمَالِئُوهُمْ فِي شَأْنِهِ؟. مُدْهِنُونَ - مُكَذِّبُونَ - مُمَالِئُونَ أَوْ مُتَهَاوِنُونَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} أي مُداهِنون بما لزِمهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):