٥٦ - ٱلْوَاقِعَة
56 - Al-Waqi'a (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا وجه تعلقه معنى، وأماتعلقه لفظاً فنقول: لما قال: {أية : فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا } تفسير : [الواقعة: 86، 87] وكان فيها أن رجوع الحياة والنفس إلى البدن ليس تحت قدرتهم ولا رجوع لهم بعد الموت إلى الدنيا صار كأنه قال: أنتم بعد الموت دائمون في دار الإقامة ومجزيون، فالمجزى إن كان من المقربين فله الروح والريحان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: في معنى الروح وفيه وجوه الأول: هو الرحمة قال تعالى: {أية : وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 87] أي من رحمة الله الثاني: الراحة الثالث: الفرح، وأصل الروح السعة، ومنه الروح لسعة ما بين الرجلين دون الفحج، وقرىء، {فَرَوْحٌ } بضم الراء بمعنى الرحمة. المسألة الثانية: في الكلام إضمار تقديره: فله روح أفصحت الفاء عنه لكونه فاء الجزاء لربط الجملة بالشرط فعلم كونها جزاء، وكذلك إذا كان أمراً أو نهياً أو ماضياً، لأن الجزاء إذا كان مستقبلاً يعلم كونه جزاء بالجزم الظاهر في السمع والخط، وهذه الأشياء التي ذكرت لا تحتمل الجزم، أما غير الأمر والنهي فظاهر، وأما الأمر والنهي فلأن الجزم فيهما ليس لكونهما جزاءين فلا علامة للجزاء فيه، فاختاروا الفاء فإنها لترتيب أمر على أمر، والجزاء مرتب على الشرط. المسألة الثالثة: في الريحان، وقد تقدم تفسيره في قوله تعالى: {أية : ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ } تفسير : [الرحمٰن: 12] ولكن ههنا فيه كلام، فمنهم من قال: المراد ههنا ما هو المراد ثمة، إما الورق وإما الزهر وإما النبات المعروف، وعلى هذا فقد قيل: إن أرواح أهل الجنة لا تخرج من الدنيا إلا ويؤتى إليهم بريحان من الجنة يشمونه، وقيل: إن المراد ههنا غير ذلك وهو الخلود، وقيل: هو رضاء الله تعالى عنهم فإذا قلنا: الروح هو الرحمة فالآية كقوله تعالى: {أية : يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ وَجَنَّـٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } تفسير : [التوبة: 21] وأما: {جَنَّةُ نَعِيمٍ } فقد تقدم القول فيها عند تفسير السابقين في قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ } تفسير : [الواقعة: 11، 12] وذكرنا فائدة التعريف هناك وفائدة التنكير ههنا. المسألة الرابعة: ذكر في حق المقربين أموراً ثلاثة ههنا وفي قوله تعالى: {أية : يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم } تفسير : [التوبة: 21] وذلك لأنهم أتوا بأمور ثلاثة وهي: عقيدة حقة وكلمة طيبة وأعمال حسنة، فالقلب واللسان والجوارح كلها كانت مرتبة برحمة الله على عقيدته، وكل من له عقيدة حقة يرحمه الله ويرزقه الله دائماً وعلى الكلمة الطيبة وهي كلمة الشهادة، وكل من قال: لا إله إلا الله فله رزق كريم والجنة له على أعماله الصالحة، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 111] وقال: {أية : وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات: 40، 41] فإن قيل: فعلى هذا من أتى بالعقيدة الحقة، ولم يأت بالكلمة الطيبة ينبغي أن يكون من أهل الرحمة ولا يرحم الله إلا من قال: لا إله إلا الله، نقول: من كانت عقيدته حقة،لا بد وأن يأتي بالقول الطيب فإن لم يسمع لا يحكم به، لأن العقيدة لا اطلاع لنا عليها فالقول دليل لنا، وأما الله تعالى فهو عالم الأسرار، ولهذا ورد في الأخبار أن من الناس من يدفن في مقابر الكفار ويحشر مع المؤمنين، ومنهم من يدفن في مقابر المسلمين ويحشر مع الكفار لا يقال: إن من لا يعمل الأعمال الصالحة لا تكون له الجنة على ما ذكرت، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن عقيدته الحقة وكلمته الطيبة لا يتركانه بلا عمل، فهذا أمر غير واقع وفرض غير جائز وثانيهما: أنا نقول من حيث الجزاء، وأما من قال: لا إله إلا الله فيدخل الجنة، وإن لم يعمل عملاً لا على وجه الجزاء بل بمحض فضل الله من غير جزاء، وإن كان الجزاء أيضاً من الفضل لكن من الفضل ما يكون كالصدقة المبتدأة، ومن الفضل مالا كما يعطي الملك الكريم آخر والمهدي إليه غيرملك لا يستحق هديته ولا رزقه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} ذكر طبقات الخلق عند الموت وعند البعث، وبيّن درجاتهم فقال: {فَأَمَّآ إِن كَانَ} هذا المتوفَّى {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} وهم السابقون. {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ} وقراءة العامة «فَرَوْحٌ» بفتح الراء ومعناه عند ٱبن عباس وغيره: فراحة من الدنيا. وقال الحسن: الرَّوْح الرحمة. الضحاك: الرَّوْح الاستراحة. القُتَبِيّ: المعنى له في القبر طيب نسيم. وقال أبو العباس بن عطاء: الرّوح النظر إلى وجه الله، والريحان الاستماع لكلامه ووحيه، {وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ} هو ألا يُحجب فيها عن الله عز وجل. وقرأ الحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجَحْدريّ ورُوَيس وزيد عن يعقوب «فَرُوحٌ» بضم الراء، ورويت عن ابن عباس. قال الحسن: الرُّوح الرحمة؛ لأنها كالحياة للمرحوم. وقالت عائشة رضي الله عنها: قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم «فَرُوحٌ» بضم الراء ومعناه فبقاء له وحياة في الجنة وهذا هو الرحمة. «وَرَيْحَانٌ» قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي رزق. قال مقاتل: هو الرزق بلغة حمير؛ يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه؛ قال النَّمِر بن تَوْلَب:شعر : سَلاَمُ الإلٰهِ ورَيْحَانُ ورحمتُه وسَمَاءٌ دِرَرْ تفسير : وقال قتادة: إنه الجنة. الضحاك: الرحمة. وقيل هو الريحان المعروف الذي يشم. قاله الحسن وقتادة أيضاً. الربيع بن خَيْثم: هذا عند الموت والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث. أبو الجوزاء: هذا عند قبض روحه يتلقَّى بضَبَائر الرَّيْحَان. أبو العالية: لا يفارق أحد رُوحه من المقرّبين في الدنيا حتى يؤتى بغصنين من ريحان فيشمهما ثم يقبض روحه فيهما، وأصل ريحان وٱشتقاقه تقدم في أوّل سورة «الرحمن» فتأمله. وقد سرد الثعلبي في الرَّوْحِ والريَّحْان أقوالاً كثيرةً سوى ما ذكرنا من أرادها وجدها هناك. قوله تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي «إِنْ كَانَ» هذا المتوفَّى {مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} أي لست ترى منهم إلا ما تحبّ من السلامة فلا تهتم لهم، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى سلام لك منهم؛ أي أنت سالم من الاغتمام لهم. والمعنى واحد. وقيل: أي إن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلّي الله عليك ويسلم. وقيل: المعنى إنهم يسلمون عليك يا محمد. وقيل: معناه سلمت أيها العبد مما تكره فإنك من أصحاب اليمين؛ فحذف إنك. وقيل: إنه يُحيَّا بالسلام إكراماً؛ فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل: أحدها عند قبض روحه في الدنيا يسلّم عليه مَلَك الموت؛ قاله الضحاك. وقال ٱبن مسعود: إذا جاء مَلَك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام. وقد مضى هذا في سورة «النحل» عند قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ طَيِّبِينَ} تفسير : [النحل:32]. الثاني عند مساءلته في القبر يسلّم عليه منكر ونكير. الثالث عند بعثه في القيامة تسلّم عليه الملائكة قبل وصوله إليها. قلت: وقد يحتمل أن تسلّم عليه في المواطن الثلاثة ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام. والله أعلم. وجواب «إِنّ» عند المبرِّد محذوف التقدير مهما يكن من شيء {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} إن كان من أصحاب اليمين {فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} فحذف جواب الشرط لدلالة ما تقدّم عليه، كما حذف الجواب في نحو قولك أنت ظالم إن فعلت؛ لدلالة ما تقدّم عليه. ومذهب الأخفش أن الفاء جواب «أَمَّا» و «إِنْ»، ومعنى ذلك أن الفاء جواب «أَمَّا» وقد سدّت مسدّ جواب «إِنْ» على التقدير المتقدّم، والفاء جواب لهما على هذا الحد. ومعنى «أَمَّا» عند الزجاج: الخروج من شيء إلى شيء؛ أي دع ما كنا فيه وخذ في غيره. قوله تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ} بالبعث {ٱلضَّآلِّينَ } عن الهدى وطريق الحقّ {فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي فلهم رزق من حميم، كما قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ} وكما قال: {أية : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} تفسير : [الصافات:67] {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} إدخال في النار. وقيل: إقامة في الجحيم ومقاساة لأنواع عذابها؛ يقال: أصلاه النار وصلاه؛ أي جعله يصلاها والمصدر ههنا أضيف إلى المفعول؛ كما يقال: لفلان إعطاء مالٍ أي يُعطَى المال. وقرىء: «وَتَصْلِيَةِ» بكسر التاء أي ونزلٌ من تصلية جحيم. ثم أدغم أبو عمرو التاء في الجيم وهو بعيد. {إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} أي هذا الذي قصصناه محض اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحقّ إلى اليقين وهما واحد لاختلاف لفظهما. قال المبرِّد: هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين؛ فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين. وعند البصريين حقّ الأمر اليقين أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد. وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتاً للحقّ فأضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز؛ كقوله: {أية : وَلَدَارُ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [يوسف:109] وقال قتادة في هذه الآية: إن الله ليس بتاركٍ أحداً من الناس حتى يَقِفه على اليقين من هذا القرآن، فأمَّا المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين. {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} أي نَزِّه الله تعالى عن السوء. والباء زائدة أي سبّح ٱسم ربك، والاسمُ المسمَّى. وقيل: {فَسَبِّحْ} أي فصلّ بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر ٱسم ربك العظيم وسبّحه. وعن عقبة بن عامر قال:حديث : لما نزلت {فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«ٱجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت {سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} [الأعلى:1] قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:«ٱجعلوها في سجودكم» تفسير : خرجه أبو داود. والله أعلم.
ابن كثير
تفسير : هذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، الجاهلين بأمر الله، ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّآ إِن كَانَ} أي: المحتضر {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات، { فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـٰتُ نَعِيمٍ} أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت؛ كما تقدم في حديث البراء: أن ملائكة الرحمة تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان، ورب غير غضبان. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {فَرَوْحٌ} يقول: راحة، وريحان، يقول: مستراحة، وكذا قال مجاهد: إن الروح: الاستراحة، وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح: الفرح، وعن مجاهد: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}: جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح: فرحمة، وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: وريحان: ورزق، وكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقرباً، حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور والرزق الحسن، {وَجَنَّـٰتُ نَعِيمٍ} وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيقبض روحه فيه. وقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم من أهل الجنة هو أم من أهل النار، وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ} تفسير : [إبراهيم: 27] ولو كتبت ههنا لكان حسناً، ومن جملتها حديث تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى فلان، فائتني به؛ فإنه قد جربته بالسراء والضراء، فوجدته حيث أحب، ائتني فلأريحه ــــ قال ــــ فينطلق إليه ملك الموت، ومعه خمسمئة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان، أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرون لوناً، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك» تفسير : وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: {فَرُوحٌ وَرَيحَانٌ} برفع الراء، وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه، وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون، فقرؤوا: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} بفتح الراء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل: أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانىء: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنتزاور إذا متنا، ويرى بعضنا بعضاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يكون النسم طيراً يعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة، دخلت كل نفس في جسدها»تفسير : . هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن، ومعنى يعلق: يأكل، ويشهد له بالصحة أيضاً ما رواه الإمام أحمد عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي عن الإمام مالك بن أنس عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه»تفسير : . وهذا إسناد عظيم، ومتن قويم. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في رياض الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش» تفسير : الحديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخاً أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع جنازة، فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه» تفسير : قال: فأكب القوم يبكون، فقال: «حديث : ما يبكيكم؟» تفسير : فقالوا: إنا نكره الموت، قال: «حديث : ليس ذاك، ولكنه إذا احتضر، { فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّـتُ نَعِيمٍ } فإذا بشر بذلك، أحب لقاء الله عز وجل، والله عز وجل للقائه أحب، { وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } فإذا بشر بذلك، كره لقاء الله، والله تعالى للقائه أكره»تفسير : ، هكذا رواه الإمام أحمد، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها شاهد لمعناه. وقوله تعالى: { وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ} أي: وأما إذا كان المحتضر من أصحاب اليمين، { فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ} أي: تبشرهم الملائكة بذلك، تقول لأحدهم: سلام لك، أي: لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين، وقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلمت عليه ملائكة الله، كما قال عكرمة: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن، ويكون ذلك كقول الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } تفسير : [فصلت: 30 ــــ 32] وقال البخاري: {فَسَلَـٰمٌ لَّكَ} أي: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألغيت (أن) وبقي معناها؛ كما تقول: أنت مصدق، مسافر عن قليل، إذا كان قد قال: إني مسافر عن قليل، وقد يكون كالدعاء له، كقولك: سقياً لك من الرجال، إن رفعت السلام، فهو من الدعاء، وقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية، ومال إليه، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق، الضالين عن الهدى، {فَنُزُلٌ} أي: فضيافة {مِّنْ حَمِيمٍ} وهو المذاب الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته. ثم قال تعالى: { إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ} أي: إن هذا الخبر لهو حق اليقين، الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه، { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي، حدثني إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} قال: «حديث : اجعلوها في ركوعكم» تفسير : ولما نزلت: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اجعلوها في سجودكم» تفسير : وكذا رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب به، وقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» تفسير : هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضاً من حديث حماد بن سلمة، من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم به، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير، وقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن أشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» تفسير : ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله، آخر تفسير سورة الواقعة، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَمَّآ إِن كَانَ } الميت {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ }.
الماوردي
تفسير : {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فيهم وجهان: أحدهما: أنهم أهل الجنة، قاله يعقوب بن مجاهد. الثاني: أنهم السابقون، قاله أبو العالية. {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} في الرَّوْح ثمانية تأويلات: أحدها: الراحة، قاله ابن عباس. الثاني: أنه الفرح، قاله ابن جبير. الثالث: أنه الرحمة، قاله قتادة. الرابع: أنه الرخاء، قاله مجاهد. الخامس: أنه الرَوح من الغم والراحة من العمل، لأنه ليس في الجنة غم ولا عمل، قاله محمد بن كعب. السادس: أنه المغفرة، قاله الضحاك. السابع: التسليم، حكاه ابن كامل. الثامن: ما روى عبد الله بن شقيق عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ {فَرُوُحٌ} بضم الراء، وفي تأويله وجهان: أحدهما: بقاء روحه بعد موت جسده. الثاني: ما قاله الفراء أن تأويله حياة لا موت بعدها في الجنة. وأما الريحان ففيه ستة تأويلات: أحدها: أنه الإستراحة عند الموت، قاله ابن عباس. الثاني: الرحمة، قاله الضحاك. الثالث: أنه الرزق، قاله ابن جبير. الرابع: أنه الخير، قاله قتادة. الخامس: أنه الريحان المشموم يُتَلَقَّى به العبد عند الموت، رواه عبد الوهاب. السادس: هو أن تخرج روحه ريحانة، قال الحسن. واختلف في محل الرَوْح على خمسة أقوال. أحدها: عند الموت. الثاني: قبره ما بين موته وبعثه. الثالث: الجنة زيادة على الثواب والجزاء، لأنه قرنه بذكر الجنة فاقتضى أن يكون فيها. الرابع: أن الروح في القبر، والريحان في الجنة. الخامس: أن الروح لقلوبهم، والريحان لنفوسهم، والجنة لأبدانهم. {وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه سلامته من الخوف وتبشيره بالسلامة. الثاني: أنه يحيا بالسلام إكراماً، فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل: أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت، قاله الضحاك. الثاني: عند مساءلته في القبر، يسلم عليه منكر ونكير. الثالث: عند بعثه في القيامة تسلم عليه الملائكة قبل وصوله إليها.
ابن عطية
تفسير : ذكر الله تعالى في هذه الآية حال الأزواج الثلاثة المذكورين في أول السورة وحال كل امرئ منهم، فأما المرء من السابقين المقربين فيلقى عند موته روحاً وريحاناً، والروح: الرحمة والسعة والفرح، ومنه {أية : روح الله} تفسير : [يوسف: 87] والريحان وهو دليل النعيم، وقال مجاهد، الريحان: الرزق. وقال أبو العالية وقتادة والحسن، الريحان: هذا الشجر المعروف في الدنيا يلقى المقربين ريحاناً من الجنة. وقرأ الحسن وابن عباس وجماعة كثيرة "فرُوح" بضم الراء. وقال الحسن ومعناه: روحه يخرج في ريحانه وقال الضحاك، الريحان: الاستراحة. قال القاضي أبو محمد: الريحان، ما تنبسط إليه النفوس. وقال الخليل: هو طرف كل بقلة طيبة فيها أوائل النور، وقدحديث : قال عليه السلام في الحسن والحسين:"هما ريحانتاي من الدنيا" تفسير : ،وقال النمر بن تولب: [المتقارب] شعر : سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر تفسير : وقالت عائشة رضي الله عنها: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: "فرُوح" بضم الراء. وقوله تعالى: {فسلام لك من أصحاب اليمين} عبارة تقتضي جملة مدح وصفة تخلص وحصول في عال من المراتب ليس في أمرهم إلا السلام والنجاة من العذاب، وهذا كما تقول في مدح رجل: أما فلان فناهيك به، أو فحسبك أمره، فهذا يقتضي جملة غير مفصلة من مدحه، وقد اضطربت عبارات المتأولين في قوله تعالى: {فسلام لك} فقال قوم: المعنى: فيقال له مسلم لك إنك من أصحاب اليمين، وقال الطبري المعنى: {فسلام لك} أنت {من أصحاب اليمين}، وقيل المعنى {فسلام لك} يا محمد، أي لا ترى فيهم إلا المسالمة من العذاب، فهذه الكاف في ذلك إما أن تكون للنبي عليه السلام وهو الأظهر، ثم لكل معشر فيها من أمته وإما أن تكون لمن يخاطب من أصحاب اليمين، وغير هذا مما قيل تكلف. و "المكذبون الضالون": هم الكفار أصحاب الشمال والمشأمة، و "النزل": أول شيء يقدم للضيف، والتصلية: أن يباشر بهم النار وحيث تراكمها، ولما كمل تقسيم أحوالهم وانقضى الخبر بذلك، أكد تعالى الاخبار بأن قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مخاطبة تدخل معه أمته فيها، إن هذا الذي أخبرنا به {لهو حق اليقين}. وإضافة الحق إلى {اليقين} عبارة فيها مبالغة، لأنهما بمعنى واحد، فذهب بعض الناس إلى أنه من باب دار الآخرة ومسجد الجامع، وذهبت فرقة من الحذاق إلى أنه كما تقول في أمر تؤكده: هذا يقين اليقين أو صواب الصواب، بمعنى أنه نهاية الصواب، وهذا أحسن ما قيل فيه، وذلك لأن دار الآخرة وما أشبهها يحتمل أن تقدر شيئاً أضفت الدار إليه وصفته بالآخرة ثم حذفت واقمت الصفة مقامه، كأنك قلت: دار الرجعة أو النشأة أو الخلقة، وهنا لا يتجه هذا، وإنما هي عبارة مبالغة وتأكيد معناه أن هذا الخبر هو نفس اليقين وحقيقته. وقوله تعالى: {فسبح باسم ربك العظيم} عبارة تقتضي الأمر بالإعراض عن أقوال الكفار وسائر أمور الدنيا المختصة بها وبالإقبال على أمور الآخرة وعبادة الله تعالى والدعاء إليه. وروى عقبة بن عامر أنهحديث : لما نزل {فسبح باسم ربك العظيم} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم،" فلما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكمتفسير : . ويحتمل أن يكون المعنى: سبح لله بذكر أسمائه العلى، والاسم هنا بمعنى الجنس، أي بأسماء ربك. و: {العظيم} صفة للرب وقد يحتمل أن يكون الاسم هنا واحداً مقصوداً، ويكون {العظيم} صفة له، فكأنه أمره أن يسبحه باسمه الأعظم وإن كان لم ينص عليه، ويؤيد هذا ويشير إليه أيصال سورة الحديد أولها ففيه التسبيح وجملة من أسماء الله تعالى، وقد قال ابن عباس: اسم الله الأعظم موجود في ست آيات من أول سورة الحديد، فتأمل هذا فإنه من دقيق النظر، ولله تعالى في كتابه العزيز غوامض لا تكاد الأذهان تدركها. كمل تفسير سورة الواقعة والحمد لله رب العالمين.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْمُقَرَّبِينَ} أهل الجنة، أو السابقون.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} الآية، ذكر سبحانه في هذه الآيةِ حال الأزواج الثلاثةَ المذكورين في أَولِ السورة، وحال كُلِّ امرىءٍ منهم، فَأَمَّا المرءُ من السابقين المقربين، فَيَلْقَى عند موته رَوْحاً وريحاناً، والرَّوْحَ: الرحمة والسعة والفرح؛ ومنه: {أية : وَلاَ تَايْـئَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ }تفسير : [يوسف:87] والريحان: الطيب، وهو دليل النعيم، وقال مجاهد: الريحان: الرزق، وقال الضَّحَّاكُ: الريحان الاستراحة، قال * ع *: الريحان ما تنبسط إليه النفوس، ونقل الثعلبيُّ عن أبي العالية قال: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يُؤْتَى بغصنٍ من ريحان الجنة فَيَشُمُّهُ، ثم يُقْبَضُ روحه فيه، ونحوه عن الحسن، انتهى. فإنْ أردت يا أخي اللحوق بالمقربين؛ والكون في زمرة السابقين، فاطرح عنك دنياك؛ وأقبلْ على ذكر مولاك، واجعل الآن الموت نصب عينيك، قال الغزاليُّ: وإنَّما علامةُ التوفيق أَنْ يكون الموت نصبَ عينيك، لا تغفل عنه ساعة، فليكنِ الموتُ على بالك يا مسكين؛ فإنَّ السير حاثٌّ بك، وأنت غافل عن نفسك، ولعلك قد قاربت المنزلَ، وقطعت المسافة فلا يكن اهتمامُك إلاَّ بمبادرة العمل، اغتناماً لكل نَفَسٍ أمهلتَ فيه، انتهى من «الإحياء»، قال ابن المبارك في «رقائقه»: أخبرنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: ما مِنْ مَيِّتٍ يموت، إلاَّ عرض عليه أهل مجلسه: إنْ كان من أهل الذِّكْرِ فمن أهل الذكر، وإِنْ كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو، انتهى.
التستري
تفسير : {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ}[88] يعني الأنبياء والشهداء والصالحين بعضهم أفضل درجة من بعض، منازلهم في القرب على مقدار قرب قلوبهم من المعرفة بالله تعالى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الآية: 88، 89]. سمعت السلامى يقول: الروح لقلوبهم والريحان لنفوسهم والجنة لأبدانهم. وقال بعضهم: روح فى الدنيا وراحة فى القبر وجنة نعيم فى الآخرة. وقال بعضهم: ترويح الأرواح فى المشاهدة واستراحة النفوس إلى آداب الأوامر وجنة نعيم مستقر يستقرون فيه عند المجاورة. وقال ذو النون: مقامات المقربين عشرة سلامة الصدر واعتقاد الرضا والتوكل على الله والرفق بعباده والرحمة للضعفاء وإصلاح ذات البين والفرح بصلاح الأمة والغنم بفسادها واعتقاد حسن الظن بالله. وقال بعضهم: الذين قربهم فى الأزل الروح لهم عند الموت والريحان فى الجنة عند اللقاء وهو استرواح الأسرار إلى المشاهدة والتنعم فى الجنة بالمجاورة. وقال ابن عطاء: الروح النظر إلى وجه الحنان والريحان الاستماع لكلامه وجنة النعيم هو أن لا يحجب العبد فيها عن مولاه إذا تصدر نازلة وللمقربين ذلك فى الدنيا روحهم المشاهدة وريحانهم سرور الخدمة وجنة نعيم الستر وبالذكر. وقال بعضهم: الروح النظر والريحان السماع.
القشيري
تفسير : المقَرَّبون هم الذين قرَّبهم اللَّهُ بفضله، فلهم {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ}. ويقال: الرَّوْح الاستراحة، والريحانُ الرزقُ. وقيل: الرَّوح في القبر، والريحانُ: في الجنة. ويقال: لا يخرج مؤمِنٌ في الدنيا حتى يُؤْتَى بريحانٍ من رياحين الجنة فيشمه قبل خروج روحه، فالرَّوْح راحةٌ عند الموت، والريحان في الآخرة. وقيل: كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم "الرُّوح" بضم الراء أي لهم فيها حياة دائمة. ويقال: الرَّوْحُ لقلوبهم، والرياح لنفوسهم، والجنَّةُ لأبدانهم. ويقال: رَوْحٌ في الدنيا، وريحانٌ في الجنة، وجنَّةُ نعيمٍ في الآخرة. ويقال: رَوْحٌ وريحان مُعَجَّلان، وجنة نعيم مؤجلة. ويقال: رَوْحٌ للعابدين، وريحان للعارفين، وجَنَّةُ نعيم لعوام المؤمنين. ويقال: رَوْحٌ نسيم القرب، وريحان كما البسط، وجنة نعيمٍ في محل المناجاة. ويقال: رَوْح رؤية الله، وريحانُ سماع كلامه بلا واسطة، وجنة نعيم أن يدوم هذا ولا ينقطع.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} اى فاما ان كان من العارفين بالله المقربين بقرب الله اياه قلبه روح الوصال وريحان الجمال وجنة الجلال روحه روح الانس ولقلبه ريحان القدس ولنفسه جنة الفردوس قال السلامى الروح لقلوبهم والريحان لنفوسهم والجنة لا بد انهم قال ابن عطا الروح النظر الى وجه الجبار والريحان الاستماع لكلامه وجنة نعيم هوان لا يحتجب العبد فيها عن ولاه اذا قصد زيارته وللمقربين ذلك فى دار الدنيا روحهم المشاهدة وريحانهم سرور الخدمة وجنة نعيم السرور بالذكر وقال الاستاذ روح للعابدين وريحان للعارفين وجنة نعيم لعوام المؤمنين.
اسماعيل حقي
تفسير : {فاما ان كان من المقربين} هو قرب درجاتهم من العرش لا من الله من حيث الجهة حسبما قال به الحشوية وهو شروع فى بيان حال المتوفى بعد الممات اثر بيان حاله عند الوفاة اى فاما ان كان المتوفى من المقربين وهم اجل الازواج الثلاثة
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قد مرّ في أوائل هذه السورة أنّ الناس بالقياس إلى العاقبة وسلوك الطريق الآخرة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: السابقين، وأصحاب الجنّة، وأصحاب النار، والأخيار والأبرار، والأشرار المشار إليهم في قوله: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [فاطر:32] وأشير إلى أحوال كلّ واحد من الثلاثة، فإعادة ذكرهم هاهنا لأنّ المنظور إليه بيان أحوال أرواحهم المفارقة الموت إن كان الكلام في روح المحتضر، لأنّ الغرض هاهنا بيان أوصاف أخرى لهم. أي: فأما إن كان روح المتوفّى من أهل الكشف واليقين والسابقين المقرّبين الذين هم أهل التوحيد والعلماء بالله وآياته وهم الأخيار الأحرار المرتفعون عن عالم السير والسلوك لوصولهم إلى المقصود الحقيقي، بل هم مقصد السالكين {أية : وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}تفسير : [الكهف:28] وهم الذين قيل في وصفهم: "ان حضروا لم يعرفوا وان غابوا لم يقصدوا" فحالهم بعينه حال الملائكة المقرّبين. {فَرَوْح} - أي: فلروحه روح الاطمينان وراحة السكون عند الله وبرد اليقين، ولقلبه ريحان من رزق معلوم تفوح منه رائحة اليقين التي بها قوّة القلوب، ولنفسه جنّة نعيم يسرح فيها ويرتع في رياضها قضاء لشهواتها الحيوانيّة، فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، وهي المشتهيات التي كانت ممنوعة من قشورها بأمر رائض الشرع مدة الرياضة في اصطبل الدنيا ومآب الدوابّ وموطن الحيوانات الهالكة. {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَان}تفسير : [العنكبوت:64]، فهي موطن الحيوانات الباقية. وقرأ يعقوب: فرُوح - بالضمّ - وهي قراءة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وابن عبّاس والحسن، ومعناه فله البلوغ إلى مقام الروح العلويّ من مقام الطبع والنفس، أو له الاتّصال بالروح الأعظم والقلم الأعلى. وقال الحسن: الرُوح - بالضمّ - الرحمة الإلهيّة، لأنّها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء. والريحان: الرزق. أي فهذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق والنعيم. وقيل: والريحان كلّ نباهة وشرف. وقيل: الريحان: المشموم من رياحين الجنّة يؤتى به عند الموت فيشمّه. وقيل: رَوح في القبر وريحان في البعث، وجنّة نعيم عند دخوله دار القرار.
الجنابذي
تفسير : {فَأَمَّآ إِن كَانَ} المتوفّى {مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ} اى السّابقين {فَرَوْحٌ} قرئ بضمّ الرّاء اى فله روحٌ او فمنه روحٌ فانّ السّابق مالكٌ للكلّ، او فهو روحٌ فانّ الكلّ له ومنه وهو قوامه، والرّوح بالضّمّ ما به حياة الانفس ويؤنّث، والقرآن والوحى وجبرئيل وملك اعظم من جبرائيل وميكائيل، اوامر النّبوّة وحكم الله، وبالفتح الرّاحة والرّحمة ونسيم الرّيح {وَرَيْحَانٌ} الرّيحان نبت معروفٌ، او كلّ نبت طيّب الرّائحة والرّزق {وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} كأنّه تعالى اشار بالرّوح والرّيحان الى المراتب العالية من الجنان، وبجنّة النّعيم الى المراتب الدّانية، او المراد بجنّة النّعيم معنًى يشمل جميع مراتب الجنّات على تعميم النّعيم للنّعيم الصّورىّ والمعنوىّ، او المعنى فروحٌ وريحانٌ فى البرازخ وجنّة نعيم فى الآخرة كما فى الخبر.
الحبري
تفسير : مستدركات المؤلف على تفسيره ـ قالَ الصدوقُ محمَّد بن عليّ بن الحُسَيْن ابن بابوَيْه: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ عليّ بن شُعَيْب الجَوهريّ (رَضِيَ الله عنه) قالَ: حَدَّثَنَا عيسى بن مُحَمَّد العلويّ، قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْن بن الحَكَم الحِبَريّ، بالكُوفة، قالَ: حَدَّثَنَا الحَسَن بن الحُسَيْن العُرَنيّ، عن عَمْرو بن جميع، عن عَمْرو بن أَبي المِقْدام، قالَ: قالَ الصادقُ جَعْفرُ بنُ محمَّد [عليه السلامُ]: نَزَلَتْ هاتانِ الآيتانِ في أَهْل وَلايتنا وأَهْل عَداوتنا: {فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} يَعْني في قَبْره. {وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} يَعْني في الآخِرة.
اطفيش
تفسير : {فَأَمَّا إِن كَانَ} المتوفى واما يليها اداة شرط وبعضهم يقدر المبتدأ أي المتوفي ان كان {مِنَ المُقَرَّبِينَ} أي السابقين في الازواج الثلاثة المذكورة في أول السورة. {فَرَوْحٌ} أي فله روح أي استراحة وقرأ الحسن بضم الراء وفسره بالرحمة لأنها كالحياة للمرحوم وقيل البقاء وهو خالد مع الرزق والنعيم وفسر المضموم والمفتوح بعضهم بالرحمة وبعض بالراحة وبعض بالسعة وعن الحسن انه فسر المضموم بالحياة في الجنة والتحقيق ان الجواب لأن وأن وما بعدها جواب لإِما وحذفت أحدى الفائين وذلك كما يتصل بمعمول جواب أما بينها وبين جوابها وقيل الجواب لا ما وجواب ان مقدر وقيل لهما وقيل لا جواب لأن استغناء بجواب أما وقال ابن هشام الجواب لاما لسبقها وجواب أن مقدر لتأخرها ولو حذف جواب أما لحصل احجاف لحذف شرطها، قلت لا احجاف لأن شرطها لم يحذف حذفا بل اقيمت مقام الشرط واداته وقد ذكر جار الله حذف جواب أما في بعض المواضع والاولى ما قدمت وانما حذفت الفاء لئلا تجتمع فاءان والظاهر أن المحذوفة فاء جواب ان لحصول التكرار بها. {وَرَيْحَانٌ} رزق حسن قاله مجاهد وقال الضحاك الاستراحة وقيل ما تنبسط إليه النفوس وقيل الطيب وقيل الريحان الذي يشم قال أبو العالية: لا يخرج أحد من المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة وروي بجوزة فيشم ذلك فيموت قال مجاهد: ما من ميت يموت إلا عرض عليه أهل مجلسه إن كان من أهل الذكر فمن أهل الذكر أو من أهل اللهو فمن أهل اللهو. {وَجَنَة نَعِيمٍ} ذات تنعم وعن ابن بكر الوراق الريحان دار القرار وهذه جنة النعيم والروح النجاة من النار.
الالوسي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } إلى آخره شروع في بيان حال المتوفى بعد الممات إثر بيان حاله عند الوفاة وضمير {كَانَ } للمتوفى المفهوم مما مر أي فأما إن كان المتوفى الذي بين حاله من السابقين من الأزواج الثلاثة عبر عنهم بأجل أوصافهم.
ابن عاشور
تفسير : لما اقتضى الكلام بحذافره أن الإِنسان صاحب الروح صائر إلى الجزاء فرع عليه إجمال أحوال الجزاء في مراتب الناس إجمالاً لما سبق تفصيله بقوله: {أية : وكنتم أزواجاً ثلاثة} تفسير : [الواقعة: 7] إلى قوله: {أية : لا بَارِدٍ ولا كريم}تفسير : [الواقعة: 44] ليكون هذا فذلكة للسورة وردّاً لعجزها على صدرها. فضمير {إن كان} عائد إلى ما عاد إليه ضمير {إليه} من قوله: {أية : ونحن أقرب إليه منكم}تفسير : [الواقعة: 85]. والمقربون هم السابقون الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: {أية : والسابقون السابقون أولئك المقربون}تفسير : [الواقعة: 85] وأصحاب اليمين قد تقدم والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم. وقد ذكر لكل صنف من هؤلاء جزاء لم يُذكر له فيما تقدم ليضم إلى ما أعدّ له فيما تقدم على طريقة القرآن في توزيع القصة. والرَّوْح: بفتح الراء في قراءة الجمهور، وهو الراحة، أي فرَوْح له، أي هو في راحة ونعيم، وتقدم في قوله: {أية : ولا تيأسوا من روح الله} تفسير : في سورة يوسف (87). وقرأه رويس عن يعقوب بضم الراء. ورويت هذه القراءة عن عائشة عن النبي عند أبي داود والترمذي والنسائي، أي أن رسول الله روي عنه الوجهان، فالمشهور روي متواتراً، والآخر روي متواتراً وبالآحاد، وكلاهما مراد. ومعنى الآية على قراءة ضم الراء: أن روحه معها الريحان وهو الطيب وجنة النعيم. وقد ورد في حديث آخر: أن رُوح المؤمن تخرج طيبة. وقيل: أطلق الرُّوح بضم الراء على الرحمة لأن من كان في رحمة الله فهو الحيّ حقاً، فهو ذو روح، أما من كان في العذاب فحياته أقل من الموت، قال تعالى: {أية : لا يموت فيها ولا يحيى}تفسير : [الأعلى: 13]، أي لأنه يتمنى الموت فلا يجده. والريحان: شجر لورقة وقضبانه رائحة ذكية شديد الخضرة كانت الأمم تزين به مجالس الشراب. قال الحريري «وطوراً يستبزل الدنان، ومرة يستنثق الريحان» وكانت ملوك العرب تتخذهُ، قال النابغة:شعر : يُحَيَّوْن بالريحان يوم السباسب تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: {أية : والحبّ ذو العصف والريحان} تفسير : في سورة الرحمٰن (12)، فتخصيصه بالذكر قبل ذكر الجنة التي تحتوي عليه إيماء إلى كرامتهم عند الله، مثل قوله:{أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}تفسير : [الرعد: 23، 24]. وجملة {فروح وريحان} جواب (أما) التي هي بمعنى: مهما يكن شيء. وفُصل بين (ما) المتضمنة معنى اسم شرط وبين فعل شرط وبين الجواب بشرط آخر هو {إن كان من المقربين} لأن الاستعمال جرى على لزوم الفصل بين (أمّا) وجوابها بفاصل كراهية اتصال فاء الجواب بأداة الشرط لما التزموا حذف فعل الشرط فأقاموا مقامه فاصلاً كيفَ كان. وجواب (إن) الشرطية محذوف أغنى عنه جواب (أمَّا). وكذلك قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين}. والسلام: اسم للسلامة من المكروه، ويطلق على التحية، واللام في قوله: {لك} للاختصاص. والكلام إجمال للتنويه بهم وعلوّ مرتبتهم وخلاصهم من المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب. واختلف المفسرون في قوله: {فسلام لك من أصحاب اليمين} فقيل: كاف الخطاب موجهة لغير معين، أي لكل من يسمع هذا الخبر. والمعنى: أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها. وهذا كما يقال: ناهيك به، وحسبك به، و (من) ابتدائية، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه، وأصله: فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها. وقيل: الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وتقرير المعنى كما تقدم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسرّ بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله وهم ممن شملهم لفظ {أصحاب اليمين}. وقيل: الكلام على تقدير القول، أي فيقال له: سلام لك، أي تقول له الملائكة. و{من أصحاب اليمين} خبر مبتدأ محذوف، أي أنت من أصحاب اليمين، و{من} على هذا تبعيضية، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى: {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}تفسير : [الرعد: 23، 24]. وقيل: الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات. ومقتضى الظاهر أن يقال: فسلام له، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى: {أية : وتحيتهم فيها سلام}تفسير : [يونس: 10] أي يبادرونه بالسلام، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم، و{من} على هذا ابتدائية. فهذه محامل لهذه الآية يستخلص من مجموعها معنى الرفعة والكرامة. والمكذبون الضالون: هم أصحاب الشمال في القسم السابق إلى أزواج ثلاثة. وقدم هنا وصف التكذيب على وصف الضلال عكس ما تقدم في قوله: {أية : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون}تفسير : [الواقعة: 51]، لمراعاة سبب ما نالهم من العذاب وهو التكذيب، لأن الكلام هنا على عذاب قد حان حينه وفات وقت الحذر منه فبُيّن سبب عذابهم وذكروا بالذي أوقعهم في سببه ليحصل لهم ألم التندم. والنزل: ما يُقدم للضيف من القرى، وإطلاقه هنا تهكم، كما تقدم قريباً في هذه السورة كقوله تعالى: {أية : هذا نُزلهم يوم الدين}تفسير : [الواقعة: 56]. والتصلية: مصدر صلاَّه المشدّد، إذا أحرقه وشواه، يقال: صلى اللحم تصلية، إذا شواه، وهو هنا من الكلام الموجه لإِيهامه أنه يُصلّى له الشواء في نزله على طريقة التهكم، أي يحرّق بها. والجحيم: يطلق على النار المؤججة، ويطلق عَلَماً على جهنّم دار العذاب الآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : (88) - فَإِذَا كَانَ المُحْتَضرُ مِنَ المُقَرَّبِينَ الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وَفَعَلُوا الطَّاعَاتِ، وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللهُ تَعَالَى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : ذكر الله تعالى أحوال الطوائف الثلاث: المقربين، وأصحاب اليمين، والمكذبين الضالين، في أول السورة في دار القرار. ثم ذكر أحوالهم في آخرها عند الاحتضار والموت، فقال: { فَأَمَّا إِنْ كَانَ } الميت { مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } وهم الذين أدوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات. { فـ } لهم { رَوْحٌ } أي: راحة وطمأنينة، وسرور وبهجة، ونعيم القلب والروح، { وَرَيْحَانٌ } وهو اسم جامع لكل لذة بدنية، من أنواع المآكل والمشارب وغيرهما، وقيل: الريحان هو الطيب المعروف، فيكون تعبيرا بنوع الشيء عن جنسه العام. { وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } جامعة للأمرين كليهما، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيبشر المقربون عند الاحتضار بهذه البشارة، التي تكاد تطير منها الأرواح من الفرح والسرور. كما قال تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أن لا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ }. تفسير : وقد أول قوله تبارك تعالى: {أية : لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } تفسير : أن هذه البشارة المذكورة، هي البشرى في الحياة الدنيا. [وقوله:] { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } وهم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، و [إن] حصل منهم التقصير في بعض الحقوق التي لا تخل بتوحيدهم وإيمانهم، { فـ } يقال لأحدهم: { سَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } أي: سلام حاصل لك من إخوانك أصحاب اليمين أي: يسلمون عليه ويحيونه عند وصوله إليهم ولقائهم له، أو يقال له: سلام لك من الآفات والبليات والعذاب، لأنك من أصحاب اليمين، الذين سلموا من الذنوب الموبقات. { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ } أي: الذين كذبوا بالحق وضلوا عن الهدى. { فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } أي: ضيافتهم يوم قدومهم على ربهم تصلية الجحيم التي تحيط بهم، وتصل إلى أفئدتهم، وإذا استغاثوا من شدة العطش والظمأ {أية : يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا }. تفسير : { إِنَّ هَذَا } الذي ذكره الله تعالى، من جزاء العباد بأعمالهم، خيرها وشرها، وتفاصيل ذلك { لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } أي: الذي لا شك فيه ولا مرية، بل هو الحق الثابت الذي لا بد من وقوعه، وقد أشهد الله عباده الأدلة القواطع على ذلك، حتى صار عند أولي الألباب كأنهم ذائقون له مشاهدون له فحمدوا الله تعالى على ما خصهم به من هذه النعمة العظيمة، والمنحة الجسيمة. ولهذا قال تعالى: { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } فسبحان ربنا العظيم، وتعالى وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا. والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. [تم تفسير سورة الواقعة].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):