Verse. 5076 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

سَبَّحَ لِلہِ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۱
Sabbaha lillahi ma fee alssamawati waalardi wahuwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سبَّح لله ما في السماوات والأرض» أي نزهه كل شيء فاللام مزيدة وجيء بما دون من تغليبا للأكثر «وهو العزيز» في ملكه «الحكيم» في صنعه.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: التسبيح تبعيد الله تعالى من السوء، وكذا التقديس من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. واعلم أن التسبيح عن السوء يدخل فيه تبعيد الذات عن السوء، وتبعيد الصفات وتبعيد الأفعال، وتبعيد الأسماء وتبعيد الأحكام، أما في الذات: فأن لا تكون محلاً للإمكان، فإن السوء هو العدم وإمكانه، ثم نفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية، ونفي الضد والند وحصول الوحدة المطلقة. وأما في الصفات: فأن يكون منزهاً عن الجهل بأن يكون محيطاً بكل المعلومات، ويكون قادراً على كل المقدورات، وتكون صفاته منزهة عن التغيرات. وأما في الأفعال: فأن تكون فاعليته موقوفة على مادة ومثال، لأن كل مادة ومثال فهو فعله، لما بينا أن كل ما عداه فهو ممكن، وكل ممكن فهو فعله، فلو افتقرت فاعليته إلى مادة ومثال، لزم التسلسل، وغير موقوفة على زمان ومكان، لأن كل زمان فهو مركب من أجزاء منقضية، فيكون ممكناً، كل مكان فهو يعد ممكن مركب من أفراد الأحياز، فيكون كل واحد منهما ممكناً ومحدثاً، فلو افتقرت فاعليته إلى زمان وإلى مكان، لافتقرت فاعلية الزمان والمكان إلى زمان ومكان، فيلزم التسلسل، وغير موقوفة على جلب منفعة، ولا دفع مضرة، وإلا لكان مستكملاً بغيره ناقصاً في ذاته، وذلك محال. وأما في الأسماء: فكما قال: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 18]. وأما في الأحكام: فهو أن كل ما شرعه فهو مصلحة وإحسان وخير، وأن كونه فضلاً وخيراً ليس على سبيل الوجوب عليه، بل على سبيل الإحسان، وبالجملة يجب أن يعلم من هذا الباب أن حكمه وتكليفه لازم لكل أحد، وأنه ليس لأحد عليه حكم ولا تكليف ولا يجب لأحد عليه شيء أصلاً، فهذا هو ضبط معاقد التسبيح. المسألة الثانية: جاء في بعض الفواتح {سَبِّحِ } على لفظ الماضي، وفي بعضها على لفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن كون هذه الأشياء مسبحة غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي، وتكون مسبحة أبداً في المستقبل، وذلك لأن كونها مسبحة صفة لازمة لماهياتها، فيستحيل انفكاك تلك الماهيات عن ذلك التسبيح، وإنما قلنا: إن هذه المسبحية صفة لازمة لماهياتها، لأن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن فهو مفتقر إلى الواجب، وكون الواجب واجباً يقتضي تنزيهه عن كل سوء في الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء على ما بيناه، فظهر أن هذه المسبحية كانت حاصلة في الماضي، وتكون حاصلة في المستقبل، والله أعلم. المسألة الثالثة: هذا الفعل تارة عدي باللام كما في هذه السورة، وأخرى بنفسه كما في قوله: {أية : وَتُسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تفسير : [الفتح: 9] وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى سبحته أي بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وإما أن يراد يسبح لله أحدث التسبيح لأجل الله وخالصاً لوجهه. المسألة الرابعة: زعم الزجاج أن المراد بهذا التسبيح، التسبيح الذي هو القول، واحتج عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: {أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 44] فلو كان المراد من التسبيح، هو دلالة آثار الصنع على الصانع لكانوا يفقهونه الثاني: أنه تعالى قال: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُود ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ } تفسير : [الأنبياء: 79] فلو كان تسبيحاً عبارة عن دلالة الصنع على الصانع لما كان في ذلك تخصيص لداود عليه السلام. واعلم أن هذا الكلام ضعيف (لحجتين): أما الأولى: فلأن دلالة هذه الأجسام على تنزيه ذات الله وصفاته وأفعاله من أدق الوجوه، ولذلك فإن العقلاء اختلفوا فيها، فقوله: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ } لعله إشارة إلى أقوام جهلوا بهذه الدلالة، وأيضاً فقوله: {لاَّ تَفْقَهُونَ } إشارة إن لم يكن إشارة إلى جمع معين، فهو خطاب مع الكل فكأنه قال: كل هؤلاء ما فقهوا ذلك، وذلك لا ينافي أن يفقهه بعضهم. وأما الحجة الثانية: فضعيفة، لأن هناك من المحتمل أن الله خلق حياة في الجبل حتى نطق بالتسبيح. أما هذه الجمادات التي تعلم بالضرورة أنها جمادات يستحيل أن يقال: إنها تسبح الله على سبيل النطق بذلك التسبيح، إذ لو جوزنا صدور الفعل المحكم عن الجمادات لما أمكننا أن نستدل بأفعال الله تعالى على كونه عالماً حياً، وذلك كفر، بل الحق أن التسبيح الذي هو القول لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى، فينوي بذلك القول تنزيه ربه سبحانه، ومثل ذلك لا يصح من الجمادات، فإذاً التسبيح العام الحاصل من العاقل والجماد لا بد وأن يكون مفسراً بأحد وجهين الأول: أنها تسبح بمعنى أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني: أن الممكنات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يريد ليس له عن فعله وتكوينه مانع ولا دافع، إذا عرفت هذه المقدمة، فنقول: إن حملنا التسبيح المذكور في الآية على التسبيح بالقول، كان المراد بقوله: {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } من في السموات ومنهم حملة العرش: {أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ } تفسير : [فصلت: 38] ومنهم المقربون: {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } تفسير : [سبأ: 41] ومن سائر الملائكة: {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا } تفسير : [الفرقان: 18] وأما المسبحون الذين هم في الأرض فمنهم الأنبياء كما قال ذو النون: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ } تفسير : [الأنبياء: 87] وقال موسى: {أية : سُبْحَـٰنَكَ إِنّي تُبْتُ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] والصحابة يسبحون كما قال: {أية : سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } تفسير : [آل عمران: 191] وأما إن حملنا هذا التسبيح على التسبيح المعنوي: فأجزاء السموات وذرات الأرض والجبال والرمال والبحار والشجر والدواب والجنة والنار والعرش والكرسي واللوح والقلم والنور والظلمة والذوات والصفات والأجسام والأعراض كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال الله منقادة لتصرف الله كما قال عز من قائل: {أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وهذا التسبيح هو المراد بالسجود في قوله: {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [النحل: 49] أما قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } فالمعنى أنه القادر الذي لا ينازعه شيء، فهو إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى أنه العالم الذي لا يحتجب عن علمه شيء من الجزئيات والكليات أو أنه الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب، ولما كان العلم بكونه قادراً متقدماً على العلم بكونه عالماً لا جرم قدم العزيز على الحكيم في الذكر. واعلم أن قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } يدل على أن العزيز ليس إلا هو لأن هذه الصيغة تفيد الحصر، يقال: زيد هو العالم لا غيره، فهذا يقتضي أنه لا إله إلا الواحد، لأن غيره ليس بعزيز ولا حكيم ومالا يكون كذلك لا يكون إلهاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مَجِّد الله ونزّهه عن السوء. وقال ٱبن عباس: صلّى للَّهِ «مَا فيِ السَّمَوَاتِ» ممن خلق من الملائكة «وَالأَرْضِ» من شيء فيه رُوح أو لا رُوح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهورِ آثار الصنعة لكانت مفهومة؛ فلِم قال: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء:44] وإنما هو تسبيح مقال. وٱستدلّ بقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} تفسير : [الأنبياء:79] فلو كان هذا تسبيح دلالة فأيّ تخصيص لداود؟! قلت: وما ذكره هو الصحيح، وقد مضى بيانه والقول فيه في «سبحان» عند قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [الإسراء:44] {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي ٱنفرد بذلك. والْملكُ عبارة عن المَلْك ونفوذ الأمر فهو سبحانه الملك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات وسائر الرزق. {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} يميت الأحياء في الدنيا ويحيي الأموات للبعث. وقيل: يُحيي النطف وهي موات ويُميت الأحياء. وموضع {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} رفع على معنى وهو يحيي ويميت. ويجوز أن يكون نصباً بمعنى {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} محييا ومميتا على الحال من المجرور في «لَهُ» والجار عاملاً فيها. {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي الله لا يعجزه شيء. قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} ٱختلف في معاني هذه الأسماء وقد بيناها في الكتاب الأسنى. وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرحاً يغني عن قول كل قائل؛ فقال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: «حديث : اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء ٱقض عنا الدين وٱغننا من الفقر» تفسير : عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم؛ والله أعلم. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} بما كان أو يكون فلا يخفى عليه شيء.

البيضاوي

تفسير : مدنية وقيل مكية وآيها تسع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ذكر ها هنا وفي «الحشر» و «الصف» بلفظ الماضي، وفي «الجمعة» و «التغابن» بلفظ المضارع إشعاراً بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته، لأنه دلالة جِبِلِّية لا تختلف باختلاف الحالات، ومجيء المصدر مطلقاً في «بني إسرائيل» أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال، وإنما عدي باللام وهو متعد بنفسه مثل نصحت له في نصحته إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصاً لوجهه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح. {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فإنه الموجد لها والمتصرف فيها. {يُحْيِي وَيُمِيتُ} استئناف أو خبر لمحذوف {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْءٍ} من الإِحياء والإِماتة وغيرهما. {قَدِيرٌ} تام القدرة. {هُوَ ٱلأَوَّلُ} السابق على سائر الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها. {وَٱلآخِرُ} الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها، أو {هُوَ ٱلأوَّلُ} الذي تبتدىء منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات، أو {ٱلأوَّلِ} خارجاً و{ٱلآخِرِ} ذهناً. {وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ} الظاهر وجوده لكثرة دلائله والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول، أو الغالب على كل شيء والعالم بباطنه والواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين، والمتوسطة للجمع بين المجموعين. {وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} يستوي عنده الظاهر والخفي. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلأَرْضِ} كالبذور. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} كالزروع. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} كالأمطار. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} كالأبخرة. {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكم عليه، ولعل تقديم الخلق على العلم لأنه دليل عليه.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، أي: من الحيوانات والنباتات؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} تفسير : [الإسراء: 44] وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} أي: الذي قد خضع له كل شيء {ٱلْحَكِيمُ} في خلقه وأمره وشرعه {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ} أي: هو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي ويميت، ويعطي من يشاء ما يشاء {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} أي: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ} وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية: أنها أفضل من ألف آية. وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة ــــ يعني: ابن عمار ــــ حدثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} تفسير : الآية [يونس: 94]، قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً، فقل: { هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولاً. وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علماً، والباطن على كل شيءٍ علماً. وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه "معاني القرآن". وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم «حديث : اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» تفسير : . ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر. وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا، فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة: أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه، توسد كفه اليمنى، ثم همس ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل، رفع صوته فقال: «حديث : اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، إله كل شيء، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» تفسير : . السري بن إسماعيل هذا هو ابن عم الشعبي، وهو ضعيف جداً، والله أعلم. وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد، لمعنى واحد، قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال: حدث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هل تدرون ما هذا؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : هذا العنان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» تفسير : ثم قال: «حديث : هل تدرون ما فوقكم؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف» تفسير : ثم قال: «حديث : هل تدرون كم بينكم وبينها؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : بينكم وبينها خمسمئة سنة» تفسير : ثم قال: «حديث : هل تدرون ما فوق ذلك؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمئة سنة حتى عد سبع سماوات ــــ ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض» تفسير : ثم قال: «حديث : هل تدرون ما فوق ذلك؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «حديث : فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين» تفسير : ثم قال: «حديث : هل تدرون ما الذي تحتكم؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإنها الأرض»تفسير : . ثم قال: «حديث : هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟» تفسير : قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «حديث : فإن تحتها أرضاً أخرى، بينهما مسيرة خمسمئة سنة ــــ حتى عد سبع أرضين ــــ بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة» تفسير : ثم قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلاً إلى الأرض السفلى، لهبط على الله» تفسير : ثم قرأ: { هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس، يعني: ابن عبيد، وعلي بن زيد، وقالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سُريج عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وعنده: «حديث : وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمئة عام ــــ وقال: ــــ لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله»» تفسير : ثم قرأ: { هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة، فذكر الحديث، ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره، وهو قوله: لو دليتم بحبل، وإنما قال: حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمئة عام، ثم تلا: { هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. وقال البزار: لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة. ورواه ابن جرير عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ}. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه، إذ مر عليهم سحاب، فقال: «حديث : هل تدرون ما هذا؟» تفسير : وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، ولكن في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقال ابن جرير عند قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12]: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي عز وجل من السماء السابعة، وتركته، ثَمَّ قال الآخر: أرسلني ربي عز وجل من الأرض السابعة، وتركته، ثَمَّ قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق، وتركته، ثَمَّ قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب، وتركته، ثَمَّ. وهذا حديث غريب جداً، وقد يكون الحديث الأول موقوفاً على قتادة كما روي ههنا من قوله، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي نزّهه كل شيء فاللام مزيدة وجيء بما دون مَن تغليباً للأكثر {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَكِيمُ } في صنعه.

الشوكاني

تفسير : قوله: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} أي: نزّهه ومجده. قال المقاتلان: يعني كل شيء من ذي روح وغيره، وقد تقدّم الكلام في تسبيح الجمادات عند تفسير قوله: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }تفسير : [الإسراء: 44] والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السمٰوات والأرض من العقلاء وغيرهم، والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال كتسبيح الملائكة والإنس والجنّ، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على الصانع. وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } وإنما هو تسبيح مقال، واستدل بقوله: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ }تفسير : [الأنبياء: 79] فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص داود فائدة، وفعل التسبيح قد يتعدّى بنفسه تارة، كما في قوله: {أية : وَسَبّحُوهُ }تفسير : [الأحزاب: 42] وباللام أخرى كهذه الآية، وأصله أن يكون متعدياً بنفسه؛ لأن معنى سبحته: بعدته عن السوء، فإذا استعمل باللام، فهي إما مزيدة للتأكيد، كما في شكرته، وشكرت له، أو هي للتعليل، أي: افعل التسبيح؛ لأجل الله سبحانه خالصاً له، وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضياً كهذه الفاتحة، وفي بعضها مضارعاً، وفي بعضها أمراً للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات لا يختصّ تسبيحها بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل، {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي: القادر الغالب الذي لا ينازعه أحد، ولا يمانعه ممانع كائناً ما كان {ٱلْحَكِيمُ } الذي يفعل أفعال الحكمة والصواب. {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} يتصرّف فيه وحده، ولا ينفذ غير تصرّفه وأمره، وقيل: أراد خزائن المطر والنبات، وسائر الأرزاق {يحيى ويميت} الفعلان في محل رفع على أنهما خبر لمبتدأ محذوف، أو في محل نصب على الحال من ضمير له، أو كلام مستأنف، لبيان بعض أحكام الملك، والمعنى: أنه يحيـي في الدنيا ويميت الأحياء، وقيل: يحيـي النطف وهي موات، ويميت الأحياء، وقيل: يحيـي الأموات للبعث {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يعجزه شيء كائناً ما كان. {هُوَ ٱلاْوَّلُ } قبل كل شيء {وَٱلآخِرُ } بعد كل شيء، أي: الباقي بعد فناء خلقه {وَٱلظَّـٰهِرُ } العالي الغالب على كل شيء، أو الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة {وَٱلْبَـٰطِنُ } أي: العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان، أي: يعلم داخلة أمره، ويجوز أن يكون المعنى المحتجب عن الأبصار، والعقول، وقد فسّر هذه الأسماء الأربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي، فيتعين المصير إلى ذلك {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات. {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } هذا بيان لبعض ملكه للسمٰوات والأرض. وقد تقدّم تفسيره في سورة الأعراف وفي غيرها مستوفي {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلاْرْضِ } أي: يدخل فيها من مطر وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } من مطر وغيره {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أي: يصعد إليها من الملائكة، وأعمال العباد، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة سبأ {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } أي: بقدرته، وسلطانه، وعلمه، وهذا تمثيل للإحاطة بما يصدر منهم أينما داروا في الأرض من برّ وبحر {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه من أعمالكم شيء {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْض} هذا التكرير للتأكيد {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأمُورُ } لا إلى غيره. قرأ الجمهور {ترجع} مبنياً للمفعول. وقرأ حمزة، والكسائي، وابن عامر على البناء للفاعل. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ } قد تقدّم تفسير هذا في سورة آل عمران، وفي مواضع {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي: بضمائر الصدور ومكنوناتها، لا يخفى عليه من ذلك خافية. وقد أخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، والترمذي، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فقال: قولي: «حديث : اللَّهمّ ربّ السمٰوات السبع، ورب العرش العظيم، وربنا وربّ كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحبّ والنوى، أعوذ بك من شرّ كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر»تفسير : . وأخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة من وجه آخر مرفوعاً مثل هذا في الأربعة الأسماء المذكورة، وتفسيرها. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا: هذا الله كان قبل كل شيء، فماذا كان قبل الله؟ فإن قالوا لكم ذلك، فقولوا: هو الأوّل قبل كل شيء، والآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فوق كل شيء، وهو الباطن دون كل شيء، وهو بكل شيء عليم»تفسير : . وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس، فقلت: ما شيء أجده في صدري، قال ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال، وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ }تفسير : الآية [يونس: 94] قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: {هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم}. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } قال: عالم بكم أينما كنتم.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ} في هذا التسبيح ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أن خلق ما في السموات والأرض يوجب تنزيهه عن الأمثال والأشباه. الثاني: تنزيه الله قولاً مما أضاف إليه الملحدون، وهو قول الجمهور. الثالث: أنه الصلاة، سميت تسبيحاً لما تتضمنه من التسبيح، قاله سفيان، والضحاك. فقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ} يعني الملائكة وما فيهن من غيرهم وما في الأرض يعني في الحيوان والجماد، وقد ذكرنا في تسبيح الجماد وسجوده ما أغنى عن الإعادة. {وَهُوَ الْعَزِيزُ} في انتصاره، {الْحَكِيمُ} في تدبيره. {هُوَ الأَوَّلُ وِالأخِرُ} يريد بالأول أنه قبل كل شيء لقدمه، وبالآخر لأنه بعد كل شيء لبقائه. {وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الظاهر فوق كل شيء لعلوه، والباطن إحاطته بكل شيء لقربه، قاله ابن حيان. الثاني: أنه القاهر لما ظهر وبطن كما قال تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَى عَدُوِّهِم فََأصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ}. الثالث: العالم بما ظهر وما بطن. {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٍ} يعني بالأول والآخر والظاهر والباطن. ولأصحاب الخواطر في ذلك ثلاثة أوجه: أحدها: الأول في ابتدائه بالنعم، والآخر في ختامه بالإحسان، والظاهر في إظهار حججه للعقول، والباطن في علمه ببواطن الامور. الثاني: الأول بكشف أحوال الآخرة حين ترغبون فيها، والآخر بكشف أحوال الدنيا حين تزهدون فيها، والظاهر على قلوب أوليائه حين يعرفونه، والباطن على قلوب أعدائه حين ينكرونه. الثالث: الأول قبل كل معلوم، والآخر بعد كل مختوم، والظاهر فوق كل مرسوم، والباطن محيط بكل مكتوم.

ابن عطية

تفسير : قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان الله، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوام أن التسبيح مما ذكر دائم مستمر، واختلفوا هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الرائي على التسبيح، فقال الزجاج وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وقد تقدم القول فيه غير مرة، وهذا كله في الجمادات، وأما ما يمكن التسبيح منه فقول واحد إن تسبيحهم حقيقة، وقال قوم من المفسرين: التسبيح في هذه السورة: الصلاة، وهذا قول متكلف، فأما فيمن يمكن منه ذلك فسائغ، وأما سجود ظلال الكفار هي صلاتهم، وأما في الجمادات فيقلق، وذلك أن خضوعها وخشوع هيئاتها قد يسمى في اللغة سجوداً أو استعارة كما قال الشاعر [زيد الخيل]: [الطويل] شعر : ترى الأكم فيها سُجَّداً للحوافر تفسير : ويبعد أن تسمى تلك صلاة الأعلى تحامل. وقوله: {ما في السماوات والأرض} عام في جميع المخلوقات، وقال بعض النحاة، التقدير: ما في السماوات وما في الأرض، فـ "ما" نكرة موصوفة حذفها وأقام الصفة مقامها، {وهو العزيز} بقدرته وسلطانه، {الحكيم} بلطفه وتدبيره وحكمته. و {ملك السماوات والأرض} هو سلطانها الحقيقي الدائم، لأن ملك البشر مجاز فان. وقوله تعالى: {وهو على كل شيء قدير} أي على كل شيء مقدور، {هو الأول} الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة. {والآخر} الدائم الذي ليس له نهاية منقضية. قال أبو بكر الوراق {هو الأول} بالأزلية، {والآخر} بالأبدية، و {هو الأول} بالوجود، إذ كل موجود فبعده وبه. {والآخر} إذا ترقى العقل في الموجودات حتى يكون إليه منتهاها، قال عز وجل: {أية : وأن إلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42]. {والظاهر} معناه بالأدلة ونظر العقول في صنعته. {والباطن} بلطفه وغوامض حكمته وباهر صفاته التي لا يصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام. ويحتمل أن يريد بقوله: {الظاهر والباطن} أي الذي بهر وملك فيما ظهر للعقول وفيما خفي عنها فليس في الظاهر غيره حسب قيام الأدلة، وليس في باطن الأمر وفيما خفي عن النظرة مما عسى أن يتوهم غيره. وقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} عام في الأشياء عموماً تاماً. وقد تقدم القول في خلق السماوات والأرض. وأكثر الناس على أن بدأة الخلق هي في يوم الأحد، ووقع في مسلم: أن البدأة في يوم السبت، وقال بعض المفسرين: الأيام الستة من أيام القيامة. وقال الجمهور: بل من أيام الدنيا. قال القاضي أبو محمد: وهو الأصوب. والاستواء على العرش هو بالغلبة والقهر المستمرين بالقدرة، وليس في ذلك ما في قهر العباد من المحاولة والتعب. وقد تقدم القول في مسألة الاستواء مستوعباً في: "طه" وغيرها. و: {ما يلج في الأرض} هو المطر والأموات وغير ذلك، {وما يخرج منها} النبات والمعادن وغير ذلك. {وما ينزل من السماء} الملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك. {وما يعرج} الأعمال صالحها وسيئها والملائكة وغير ذلك. وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} معناه بقدرته وعلمه وإحاطته. وهذه آية أجمعت الأمة على هذا التأويل فيها، وأنها مخرجة عن معنى لفظها المعهود، ودخل في الإجماع من يقول بأن المشتبه كله ينبغي أن يمر ويؤمن به ولا يفسر فقد أجمعوا على تأويل هذه لبيان وجوب إخراجها عن ظاهرها. قال سفيان الثوري معناه: علمه معكم، وتأولهم هذه حجة عليهم في غيرها.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَبِّحِ} التسبيح هنا دلالة المخلوقات على وجوب تسبيحه عن الأمثال، أو التنزيه قولاً مما نسبه الملحدون إليه عند الجمهور، أو الصلاة سميت تسبيحياً لاشتمالها عليه {الْعَزِيزُ} في انتصاره {الْحَكِيمُ} في تدبيره.

النسفي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ } جاء في بعض الفواتح «سبح» بلفظ الماضي، وفي بعضها بلفظ المضارع، وفي «بني إسرائيل» بلفظ المصدر، وفي «الأعلى» بلفظ الأمر استيعاداً لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهي أربع: المصدر والماضي والمضارع والأمر. وهذا الفعل قد عُدي باللام تارة وبنفسه أخرى في قوله {أية : وَتُسَبّحُوهُ }تفسير : [الفتح: 9] وأصله التعدي بنفسه لأن معنى سبحته بعدته من السوء منقول من سبح إذا ذهب وبعد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في نصحته ونصحت له، وإما أن يراد بسبح الله اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً {مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ } ما يتأتى منه التسبيح ويصح {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } المنتقم من مكلف لم يسبح له عناداً {ٱلْحَكِيمُ } في مجازاة من سبح له انقياداً {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } لا لغيره وموضع {يُحْيىِ} رفع أي هو يحيـي الموتى {وَيُمِيتُ } الأحياء أو نصب أي له ملك السماوات والأرض محيياً ومميتاً {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ هُوَ ٱلأَوَّلُ } هو القديم الذي كان قبل كل شيء {وَٱلآخِرُ } الذي يبقي بعد هلاك كل شيء {وَٱلظَّـٰهِرُ } بالأدلة الدالة عليه {وَٱلْبَـٰطِنُ } لكونه غير مدرك بالحواس وإن كان مرئياً. والواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فهو مستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية، وهو في جميعها ظاهر وباطن. وقيل: الظاهر العالي على كل شيء الغالب له من ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه {وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }. {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } عن الحسن: من أيام الدنيا ولو أراد أن يجعلها في طرفة عين لفعل ولكن جعل الستة أصلاً ليكون عليها المدار {ثُمَّ ٱسْتَوَى } استولى {عَلَى ٱلْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلأَرْضِ } ما يدخل في الأرض من البذر والقطر والكنوز والموتى {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } من الملائكة والأمطار {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الأعمال والدعوات {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } بالعلم والقدرة عموماً وبالفضل والرحمة خصوصاً {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على حسب أعمالكم {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ } يدخل الليل في النهار بأن ينقض من الليل ويزيد في النهار {وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }. {ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ } يحتمل الزكاة والإنفاق في سبيل الله {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها وإنما مولكم إياها للاستمتاع بها وجعلكم خلفاء في التصرف فيها فليست هي بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة الوكلاء والنواب، فأنفقوا منها في حقوق الله تعالى، وليهن عليكم الإنفاق منها كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أذن له فيه، أو جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما في أيديكم بتوريثه إياكم وسينقله منكم إلى من بعدكم فاعتبروا بحالهم ولا تبخلوا به {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالله ورسله {مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } هو حال من معنى الفعل في {مَالَكُمْ } كما تقول: مالك قائماً؟ بمعنى ما تصنع قائماً أي ومالكم كافرين بالله. والواو في {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ } واو الحال فهما حالان متداخلتان، والمعنى وأي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم {لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ } وقبل ذلك قد أخذ الله ميثاقكم بقوله: {أية : أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] أو بما ركب فيكم من العقول ومكنكم من النظر في الأدلة، فإذا لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون؟ {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه {أُخِذَ مِيثَـٰقَكُمْ } أبو عمرو. {هُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } يعني القرآن {لِيُخْرِجَكُمْ } الله تعالى أو محمد بدعوته {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءوفٌ } بالمد والهمزة: حجازي وشامي وحفص {رَّحِيمٌ } الرأفة أشد الرحمة {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ } في أن لا تنفقوا {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } يرث كل شيء فيهما لا يبقى منه باقٍ لأحد من مال وغيره يعني وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله والجهاد مع رسوله والله مهلككم فوارث أموالكم؟ وهو من أبلغ البعث على الإنفاق في سبيل الله. ثم بين التفاوت بين المنفقين منهم فقال {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } أي فتح مكة قبل عز الإسلام وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً، ومن أنفق من بعد الفتح فحذف لأن قوله: {أية : مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ }تفسير : يدل عليه {أُوْلَـٰئِكَ } الذين أنفقوا قبل الفتح وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»تفسير : {أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ وَكُلاًّ } أي كل واحد من الفريقين {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. {وَكُلاًّ } مفعول أول لـ {وَعْدُ } و {ٱلْحُسْنَىٰ } مفعول ثانٍ. {وَكُلٌّ }: شامي أي وكل وعده الله الحسنى نزلت في أبي بكر رضي الله عنه لأنه أول من أسلم وأول من أنفق في سبيل الله وفيه دليل على فضله وتقدمه {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازيكم على قدر أعمالكم. {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } بطيب نفسه والمراد الإنفاق في سبيله واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } أي يعطيه أجره على إنفاقه أضعافاً مضاعفة من فضله {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه. {فيضعّفُهُ} مكي {فيضعفَهُ} شامي { فَيُضَاعِفَهُ }: عاصم وسهل {فيضاعفُهُ} غيرهم. فالنصب على جواب الاستفهام، والرفع على فهو يضاعفه أو عطف على {يُقْرِضُ } {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } ظرف لقوله {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أو منصوب بإضمار «اذكر» تعظيماً لذلك اليوم {يَسْعَىٰ } يمضي {نُورُهُم } نور التوحيد والطاعات. وإنما قال {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم، فيجعل النور في الجهتين شعاراً لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعي بسعيهم ذلك النور وتقول لهم الملائكة {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ } أي دخول جنات لأن البشارة تقع بالأحداث دون الجثث {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {سبح لله ما في السموات والأرض} يعني كل ذي روح وغيره يسبح الله تعالى فتسبيح العقلاء تنزيه الله عز وجل عن كل سوء وعما لا يليق بجلاله وتسبيح غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه فقيل تسبيحه دلالته على صانعه فكأنه ناطق بتسبيحه وقيل تسبيحه بالقول يدل عليه قوله {أية : ولكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : [الإِسراء: 44] أي قولهم والحق أن التسبيح هو القول الذي لا يصدر إلا من العاقل العارف بالله تعالى وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان أحدهما أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني أن جميع الموجودات بأسرها منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء فإن حملنا التسبيح المذكور في الآية على القول كان المراد بقوله ما في السموات والأرض من في السموات وهم الملائكة ومسبحي الأرض وهم المؤمنون العارفون بالله وإن حملنا التسبيح على التسبيح المعنوي فجميع أجزاء السموات وما فيها من شمس وقمر ونجوم وغير ذلك وجميع ذرات الأرضين وما فيها من جبال وبحار وشجر ودواب وغيره ذلك كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال عظمة الله جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته منقادة له يتصرف فيها كيف يشاء. فإن قلت قد جاء في بعض فواتح السور سبح بلفظ الماضي وفي بعضها يسبح بلفظ المضارع فما معناه. قلت فيه إشارة إلى كون جميع الأشياء مسبحاً لله أبداً غير مختص بوقت دون وقت بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي وستكون مسبحة أبداً في المستقبل {وهو العزيز} أي الغالب الكامل القدرة الذي لا ينازعه شيء، {الحكيم} أي الذي جميع أفعاله على وفق الحكمة والصواب {له ملك السموات والأرض} أي أنه الغني عن جميع خلقه وكلهم محتاجون إليه، {يحيي ويميت} أي يحيي الأموات للبعث ويميت الأحياء في الدنيا {وهو على كل شيء قدير} قوله عز وجل: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن} يعني هو الأول قبل كل شيء بلا ابتداء كان هو ولم يكن شيء موجوداً والآخر بعد فناء كل أحد بلا انتهاء يفني الأشياء ويبقى هو والظاهر الغالب العالي على كل شيء والباطن العالم بكل شيء هذا معنى قول ابن عباس وقيل هو الأول بوجوده ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء وقيل هو الأول بوجوده في الأزل وقيل الابتداء والآخر بوجوده في الأبد وبعد الانتهاء والظاهر بالدلائل الدالة على وحدانيته والباطن الذي احتجب عن العقول أن تكيفه، وقيل هو الأول الذي سبق وجوده كل موجود والآخر الذي يبقى بعد كل مفقود وقال الإمام أبو بكر بن الباقلاني معناه أنه تعالى الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل، ويكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم قال وتعلقت المعتزلة بهذا الاسم فاحتجوا لمذهبهم في فناء الأجسام وذهابها بالكلية قالوا معناه أنه الباقي بعد فناء خلقه ومذهب أهل الحق يعني أهل السنة بخلاف ذلك وأن المراد الآخر بصفاته بعد ذهاب صفاتهم كما يقال آخر من بقي من بني فلان فلان يراد حياته ولا يراد فناء أجسام موتاه وذهابها بالكلية هذا آخر كلام ابن الباقلاني، وقيل هو الأول السابق للأشياء والآخر الباقي بعد فناء الأحياء والظاهر بحججه الباهرة وبراهينه النيرة الزاهرة وشواهده الدالة على وحدانيته والباطن الذي احتجب عن أبصار الخلق فلا تستوي عليه الكيفية وقيل هو الأول القديم والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن العليم، وقيل هو الأول ببره إذ عرفك توحيده والآخر بجوده إذ عرفك طريق التوبة عما جنيت والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له والباطن بستره إذا عصيت يستر عليك، وقال الجنيد هو الأول بشرح القلوب والآخر بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب وسأل عمر كعباً عن هذه الآية فقال معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر وعلمه الظاهر كعلمه بالباطن {وهو بكل شيء عليم} (م) عن سهيل بن أبي صالح قال كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول "اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته" وفي رواية "من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي هريرة أيضاً قال "حديث : بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذا؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل بينكم وبينها؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها خمسمائة سنة ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال سماءان بعد ما بينهما خمسمائة سنة حتى عد سبع سموات ما بين كل سماء كما بين السماء والأرض، ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنها الأرض ثم قال هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب قال الترمذي قال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث إنما أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه. العنان اسم للسحاب ومعنى روايا الأرض الحوامل والرقيع اسم للسماء وقيل هو اسم لسماء الدنيا قوله عز وجل: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} تقدم تفسيره {وهو معكم أينما كنتم} أي بالعلم والقدرة فليس ينفك أحد من تعليق علم الله تعالى وقدرته أينما كان من أرض أو سماء براً وبحراً وقيل هو معكم بالحفظ والحراسة. وقوله تعالى: {والله بما تعملون بصير} يدل على صحة القول الأول، {له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أخذ} مجهولاً {ميثاقكم} بالرفع: أبو عمرو {وكل} بالرفع: ابن عامر {انظرونا} من الأنظار: حمزة {الأماني} بسكون الياء: يزيد {لا تؤخذ} بالتأنيث: ابن عامر ويزيد وسهل ويعقوب {وما نزل} بالتشديد مجهولاً: عباس {نزل} بالتخفيف من النزول: نافع وحفص. الباقون: بالتشديد {ولا تكونوا} على الخطاب: رويس {المصدقين والمصدقات} بتشديد الدال فقط: ابن كثير وأبو بكر وحماد {بما أتاكم} مقصوراً من الإتيان: أبو عمرو {فإن الله هو الغني} بغير الفصل: أبو جعفر ونافع وابن عامر {إبراهام} كنظائره. الوقوف: {الأرض} ج لعطف الجملتين المختلفتين {الحكيم} ه {والأرض} ج لاحتمال أن يكون قوله {يحيى} مستأنفاً لا محل له أو له محل بتقدير هو يحيى وأن يكون حالاً من المجرور في قوله {له} والجار عاملاً فيها. {ويميت} ج {قدير} ه {والباطن} ج {عليم} ه {العرش} ط {فيها} ط {كنتم} ط {بصير} ه {والأرض} ط {الأمور} ه {في الليل} ط {الصدور} ه {فيه} ط {كبير} ه {بالله} ط {مؤمنين} ه {إلى النور} ط {رحيم} ه {والأرض} ط {وقاتل} ط {وقاتلوا} ط {الحسنى} ط {خبير} ه {كريم} ج لاحتمال تعلق الظرف بقوله {وله أجر} أو بقوله {بشراكم} أي يقال لهم ذلك يومئذ أو هو مفعول "اذكر" {فيها} ط {العظيم} ه ج وإن وصل وقف على {نوركم} لأن {يوم} قد يتعلق بالنور فيوقف على {نوركم} وقد يتعلق بقوله {قيل ارجعوا} {نوراً} ط {باب} ط {العذاب} ط {معكم} ط {الغرور} ه {كفروا} ط {النار} ط {مولاكم} ط {المصير} ه {الحق} ط إلا لمن قرأ {ولا تكونوا} على النهي {قلوبهم} ط {فاسقون} ه {موتها} ط {تعقلون} ه {كريم} ه {الصديقون} ه والوصل أولى ومن وقف على {الصديقين} لم يقف على {ربهم} {ونورهم} ط {الجحيم} ه {والأولاد} ط {حطاماً} ط {ورضوان} ط {الغرور} ه {ورسله} ط {من يشاء} ط {العظيم} ه {نبرأها} ط {يسير} ه ج لاحتمال تعلق اللام بما قبله أو بمحذوف أي ذلك لكيلا {أتاكم} ط {فخور} ه لا لأن ما بعده بدل {بالبخل} ط {الحميد} ه {بالقسط} ط ه للعطف ظاهراً مع أن إنزال الحديد ابتداء إخبار غير مختص بالرسل {بالغيب} ط {عزيز} ه {مهتد} ج لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن الأولى للبعض القليل والثانية للكثير فيبنى على الاستئناف {فاسقون} ه {ورحمة} ط لأن ما بعدها منصوب بابتدعوا المقدر {رعايتها} ط لأن الجملتين وإن اتفقتا لفظاً إلا أن قوله {فآتينا} ليس جزاء ترك الرعاية إنما هو تمام بيان الفرقة بين الفريقين فيرجع إلى قوله {فمنهم مهتد} {أجرهم} ه ط لما مر {فاسقون} ه {ويغفر لكم} ط {رحيم} ه لا وقد يجوز الوقف بناء على أن المراد ذلك ليعلم {يشاء} ط {العظيم} ه التفسير: معنى تسبيح الموجودات قد تقدم في قوله {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده}تفسير : [الإسراء: 44] والآن نقول: إنه بدأ في سورة بني إسرائيل بلفظ المصدر وهو {سبحان} وفي هذه السورة وفي الحشر والصف بلفظ الماضي. وفي الجمعة والتغابن بلفظ المستقبل، وفي سورة الأعلى بلفظ الأمر استيعاباً للأقسام وذلك دليل على أن التسبيح لله تعالى مستمر دائم في الأوقات كلها من الأزل إلى الأبد. وتفسير أسماء الله الحسنى المذكورة في أول هذه السورة قد سبق في البسملة فلا حاجة إلى إعادة كلها إلا أننا نذكر ما أورده الإمام فخر الدين ههنا على سبيل الإيجاز مع تنقيح ما يجب تنقيحه. قال: هذا مقام مهيب والبحث فيه من وجوه: الأول أن تقدم الشيء على الشيء إما تقدم التأثير كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، وإما التقدم بالحاجة لا بالتأثير كتقدم الإمام على المأموم، أو معقول كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، وإما بالزمان كتقدم الأب على الابن قال: وتقدم بعض أجزاء الزمان على الزمان عندي ليس من هذه الأقسام الخمسة، أما التأثير والحاجة فلأنه لو كان كذلك لوجدا معاً كما أن العلة والمعلول يوجدان معاً وكذا الواحد والاثنان. وأما الشرف والمكان فظاهران، وأما بالزمان فإن الزمان لا يقع في الزمان وإلا تسلسل. قلت: لم لا يجوز أن يكون تقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض بالحاجة أي بالطبع فإن الزمان كما لا يخفى حين كان كما متصلاً غير قار الذات اقتضت حقيقته أن يكون له وجود سيال يعقب بعض أجزائه بعضاً لا تنتهي النوبة إلى جزء مفروض منه إلا وقد انقضى منه جزء مفروض على الاتصال. وقال: إذا عرفت ذلك فنقول: القرآن دال على أنه تعالى قبل كل شيء والبرهان أيضاً يدل على هذا لأن انتهاء الممكنات لا بد أن يكون إلى الواجب إلا أن تلك القبلية ليست بالتأثير لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً. والمعي لا يكون قبل لا بالحاجة لأنهما قد يكونان معاً كما قلنا، ولا لمحض الشرف فإن تلك القبلية ليست مرادة ههنا ولا بالمكان وهو ظاهر، ولا بالزمان لأن الزمان يجميع أجزائه ممكن الوجود، والتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان فإذن تقدم الواجب تعالى على ما عداه خارج عن هذه الأقسام الخمسة وكيفيته لا يعلمها إلا هو. قلت: إنه سبحانه متقدم على ما سواه بجميع أقسام التقدمات الخمسة. أما بالتأثيبر فظاهر قوله والمضافان معاً. قلنا: إن أردت من الحيثية المذكورة فمسلم ولا محذور، وإن أردت مطلقاً فممنوع. وأما بالطبع فلأن ذات الواجب من حيث هو لا تفتقر إلى الممكن من حيث هو وحال الممكن بالخلاف، وأما بالشرف فظاهر، وأما بالمكان فلأنه وراء كل الأماكن ومعها لقوله {أية : فأينما تولوا فثم وجه الله} تفسير : [البقرة: 115] وقد جاء في الحديث " حديث : لو أدليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله"تفسير : ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وههنا سر لعلنا قد رمزنا إليه في هذا الكتاب تفهمه بإذن الله إن كنت أهلاً له. وأما بالزمان فأظهر قوله والتقدم على الزمن لا يكون بالزمان: قلنا: ممنوع لأن الزمان عند المحققين هو أمر وهمي، والزمان الذي يتكلم هو فيه إنما هو مقدار حركة الفلك الأعظم، ولا ريب أن قبل هذه الحركة لا يوجد لها مقدار إلا أن قبل كل شيء يوجد امتداد وهمي يحصل فيه وجود الواجب سبحانه، ومن هذا التحقيق يرتفع ما أشكل على الإمام من التمييز بين الأزل وما لا يزال فإن المبادىء الوهمية تتغير بتغير الاعتبارات وباختلافها تختلف حقائقها إذ ليس لها وجود سواها فقد يصير ما هو في جانب الأزل في جانب لا يزال، وبالعكس إذا تغيرت المبادىء المفروضة. قال: أما البحث عن كونه تعالى آخراً بمعنى أنه يبقى وكل شيء يفنى فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه آخراً وهو مذهب جهم فإنه زعم أنه سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، والعقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها والنار وأهلها والعرش والكرسي والملك والفلك ولا يبقى مع الله شيء أصلاً في أبد الآباد كما لم يكن قبله شيء في أزل الآزال قال: ومن حجج جهنم أنه تعالى إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار أولاً. فإن كان عالماً لزم تناهيه فإن الأحاطة بما لا يتناهى مستحيلة. إن لم يعلم لزم نسبة الجهل إليه تعالى وذلك محال. وأيضاً الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان وكل ما كان كذلك فهو متناه. وأجاب عن الأول بأن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه أن هذه الماهيات لو زال إمكانها لزم انقلاب الممكن إلى الممتنع، ولزم أن تنقلب قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير. قلت: هذه مغالطة فإنه لا يلزم من الإمكان الذاتي للشيء وقوعه في الخارج ولا من عدم وقوعه في الخارج الامتناع الذاتي وأجاب عن الثاني بأنه لا يعلم أن عددها ليس بمعين وهذا لا يكون جهلاً إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه. قلت: الذي علمه متناه يجب أن يكون معلومه متناهياً، أما الذي لا نهاية لعلمه فلم يبعد بل يجب أن تكون معلوماته غير متناهية. وأجاب عن الثالث بأن الخارج منه إلى الوجود أحداً يكون متناهياً. قلت: الزيادة والنقصان لا يوجبان التناهي كتضعيف الألف والألفين مراراً غير متناهية قال: فالمتكلمون حين أثبتوا إمكان بقاء العالم عولوا في أبدية الجنة والنار على إجماع المسلمين. واختلفوا في معنى كونه تعالى آخراً على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم ليتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداَ. قلت: هذا حقيق بأن لا يسمى آخرية بل يسمى توسطاً. وثانيها أن صحة آخرية كل الأشياء مختصة به فلا جرم وصف بكونه آخراً. أقول: هذا أول المسألة لأن الكلام لم يقع في اختصاص وجوده وعدمه وإنما النزاع في معنى قوله آخراً. وثالثها أنه أول في الوجود آخر في الاستدلال لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة ذات الصانع وصفاته، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد بها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة. قلت: أراد أنه غاية الأفكار ونهاية الأنظار وهذا معنى حسن في نفسه إلا أنه لا يطابق معنى الأول كل المطابقة. ورابعها أنه أول في ترتيب الوجود وآخر إذا عكس الترتيب. قلت: هذا تصور صحيح ينطبق على السلسلة المترتبة من العلل والمعلولات، وعلى المترتبة من الأشرف إلى الأخس. وعلى الآخذة من الوحدة إلى الكثرة، وكما يلي الأزل إلى ما يلي الأبد، ومما يلي المحيط إلى ما يقرب من المركز فهو سبحانه أول بالترتيب الطبيعي وآخر بالترتيب المنعكس فقد وضح بهذا البيان صحة إطلاق التقدمات الخمسة ومقابلاتها عليه تعالى، وهذا من غوامض الاسرار وقد وفقني الله تعالى لحلها وبيانها فالشكر على آلائه. أما تفسير الظاهر والباطن فالمحققون قالوا: إنه الظاهر بالأدلة الدالة على وجوده. والباطن لأنه جل عن إدراك الحواس والعقول إياه إما في الدنيا أو فيها وفي الآخرة جميعاً. وقيل: معنى الظاهر الغالب، والباطن العالم بما بطن أي خفي. قال الليث: يقال أنت أبطن بهذا الأمر أي أخبر به. وباقي الآيات قد سبق تفسيرها في مواضع إلا قوله {يعلم ما يلج} فإنه قد مر في أول "سبأ" فقط فلا حاجة إلى الإعادة. وقوله {وهو معكم} معية العلم والقدرة أو استصحاب المكان عند بعض قوله {له ملك السموات والأرض} وبعده مثله ليس بتكرار لأن الأول في الدنيا لقوله {يحي ويميت} والثاني في العقبى لقوله {وإلى الله ترجع الأمور} قوله {مستخلفين فيه} أراد أن المال مال الله والعباد عباد الله إلا أنه قد جعل أرزاقهم متداولة بيد حكمته متعلقة بالوسائط والروابط، فالسعيد من وفقه الله تعالى لرعاية حق الاستخلاف فيتصرف فيما آتاه الله على وفق ما أمره الله من الإنفاق في سبيل الله قبل أن ينتقل منه إلى غيره بإرث أو حادث كما انتقل من غيره إليه بأحد السببين. قوله {لا تؤمنون} حال من معنى الفعل كقولك "مالك قائماً" أي ما تصنع. والواو في قوله {والرسول} للحال من ضمير {لا تؤمنون} فهما حالان متداخلتان. وأخذ الميثاق إشارة إلى الأقوال المذكورة في تفسير قوله {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم}تفسير : [الأعراف: 172]، والمراد أنه قد تعاضدت الدلائل السمعية والبراهين العقلية على الإيمان بالله فأي عذر لكم في تركه {إن كنتم مؤمنين} لموجب ما فإن هذا الموجب لا مزيد عليه ولا ريب أن الإيمان بالله شامل لتصديق بجميع أوامره وأحكامه ومن جملتها الإيمان بالرسول وبالقرآن وبما فيه. استدل القاضي بقوله {وما لكم} على أن العبد قادر على الإيمان وعلى الاستطاعة قبل لافعل وإلا لم يصح التوبيخ كما لا يقال مالك لا تطول ولا تبيض. والبحث في أمثاله مذكور في مواضع. والضمير في قوله {ليخرجكم} لله تعالى أو لعبده والميراث مجاز عن بقائه بعد فناء الخلق وقد مر في "آل عمران": قال المفسرون: إن أبا بكر أول من أنفق في سبيل الله فنزل فيه وفي أمثاله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} أي فتح مكة وتمامه أن يقال: ومن أنفق بعد الفتح فحذف لدلالة قوله {أولئك} الذين أنفقوا قبل الفتح وهم الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " تفسير : {أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} وسبب الفضل أنهم أنفقوا قبل عز الإسلام وقوة أهله فكانت الحاجة إلى الإنفاق حينئذ أمسّ مع أنه كان أصدق إنباء عن ثقة صاحبه بهذا الدين {وكلاً وعد الله الحسنى} المثوبة الحسنى وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. ومن قرأ بالرفع فتقديره وكل وعده الله والقرض مجاز عن إنفاق المال في سبيل الله. وقد مر في أواخر "البقرة". قال أهل السنة: إنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن كل من صدرعنه الفعل الفلاني فله كذا من الثواب وهو الأجر الكريم، فإذا ضم إلى ذلك مثله فهو المضاعفة. وقال الجبائي: إن الأعواض تضم إلى الثواب فهو المضاعفة. وإنما وصف الأجر بالكريم لأنه جلب ذلك الضعف وبسببه حصلت لكل الزيادة فكان كريماً من هذا الوجه. ثم أكد الإيمان بالله ورسوله والإنفاق في سبيله بتذكير يوم المحاسبة فقال {يوم ترى} يا محمد أو يا من له أهلية الخطاب وقد مر إعرابه. عن ابن مسعود وقتادة مرفوعاً أن كل إنسان مؤمن فإنه يحصل له النور يوم القيامة على قدر ثوابه منهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى. وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك، ويا فلان لا نور لك. هذا وقد بينا لك في هذا الكتاب مراراً أن الكمالات والخيرات كلها أنوار وأكمل الأنوار معرفة الله سبحانه. وإنما قال {بين أيديهم وبأيمانهم} لأن ذلك جعل إمارة النجاة ولهذا ورد أن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. ومعنى سعي النور سعيه بسعيهم جنيباً لهم ومتقدماً ويقول لهم الذي يتلقونهم من الملائكة {بشراكم اليوم جنات} قوله {يوم يقول} بدل من قوله {يوم ترى} ومنصوب بـ "أذكر" مقدراً. قال جمع من العلماء: الناس كلهم يوم القيامة في الظلمات ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار والمنافقون يطلبونها منهم قائلين {انظرونا} لأنهم إذا نظروا إليهم والنور قدامهم استضاؤا بتلألؤ تلك الأنوار. قال الفارسي: حذف الجار وأوصل الفعل وأنشد أبو الحسن: شعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما ينظر الأراك الظباء تفسير : والمعنى ينظرن إلى الأراك فإن كانت هذه الحالة عند الموقف فالمراد انظروا إلينا، وإن كانت هذه الحالة عند سير المؤمنين إلى الجنة احتمل أن يكون النظر بمعنى الانتظار لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على الركاب وهؤلاء مشاة في القيود والسلاسل. ومن قرأ {انظرونا} أي أمهلونا جعل استبطاءهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إمهالاً لهم. قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله. ثم إنه يؤخذ من جمر جهنم وما فيه من الكلاليب والحسك وتلقى على الطريق فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء. ثم على ذلك ثم على ذلك، ثم تغشاهم الظلمة فينطفىء نور المنافقين فهناك يقول المنافقون للمؤمنين انظرونا {نقتبس من نوركم} والاقتباس أخذ القبس أي الشعلة من النار {قيل ارجعوا وراءكم} أي إلى الموقف حيث أعطينا هذا النور فاطلبوا نوراً وهو تهكم بهم أو إلى الدنيا {فالتمسوا نوراً} بتحصيل سببه وهو الإيمان والعمل الصالح أو اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة كأنها خدعة خدع بها المنافقون كقوله {أية : يخادعون الله وهو خادعهم}تفسير : [البقرة: 9] وعلى هذا فالسور هو امتناع العود إلى الدنيا وعلى الأول قالوا: إنهم يرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وهو حائط الجنة أو هو الأعراف {باطنه} أي باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة {فيه الرحمة وظاهره} وهو ما ظهر لأهل النار {من قبله} أي من جهته {العذاب} قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين {ارجعوا} منع المنافقين عن الاستضاءة كقول الرجل لمن يريد القرب منه "وراءك أوسع لك "والمراد أنه لا سبيل لهم إلى هذا النور، والمراد من السور منعهم من رؤية المؤمنين قال الأخفش: الباء في قوله {بسور} صلة وفائدته التوكيد وأرادوا بقوله {ألم نكن معكم} مرافقتهم في الظاهر. ومعنى {فتنتم} محنتم {أنفسكم} بالنفاق وأهلكتموها {وتربصتم} بالمؤمنين الدوائر {وارتبتم} وشككتم في وعيد الله أو في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو في البعث أو في كل ما هو من عند الله {وغرتكم الأماني} بكثرة الآمال وطول الآجال {حتى جاء أمر الله} بالموت على النفاق ثم أوقعكم في النار {وغرّكم بالله} الشيطان {الغرور} فنفخ في خيشومكم إن الله غفور إن باب التوبة مفتوح {فاليوم لا يؤخذ منكم} أيها المنافقون {فدية} قيل أي توبة والأولى العموم ليشمل كل ما يفتدى به {ولا من الذين كفروا} في الظاهر. فالحاصل أنه لا فرق بين الذين أضمروه فإن كلا منكم {مأواكم النار هي مولاكم} وقيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار وقيل: أراد هي أولى بكم. قال جار الله حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل "إنه لكريم". قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير للفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من كنت مولاه فعلى مولاه "تفسير : فهذا علي مولانا احتج بقول الأئمة تفسير الآية أن المولى معناه الأولى، وإذا ثبت أن اللفظ محتمل وجب حمله عليه لأن ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى التقدير الثاني كذباً. قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيراً بحسب اللغة سقط الاستدلال. قلت: في هذا الإسقاط بحث لا يخفى. وجوز أن يراد في الآية نفي الناصر لأنه إذا قال هي ناصركم على سبيل التهكم وليس لها نصرة لزم نفي الناصر رأساً كقوله تعالى {أية : يغاثوا بماء كالمهل}تفسير : [الكهف: 29] ويقال ناصره الخذلان ومعينه البكاء. قوله سبحانه {ألم يأن للذين آمنوا} من أنى الأمر يأني إذا جاء إناه أي وقته. قال جمع من المفسرين: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع. وقال آخرون: نزل في المؤمنين المحقين. روى الأعمش أن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية فغيروا بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية. وعن أبي بكر الصديق أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن عباس أنه عاتبه على رأس ثلاث عشرة. وقوله {لذكر الله} من إضافة المصدر إلى الفاعل أي ترق قلوبهم لمواعظ الله التي ذكرها في القرآن {وما نزل من الحق} وأراد أن القرآن جامع للوصفين الذكر والموعظة ولكونه حقاً نازلاً من السماء. ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول أي لذكرهم الله والقرآن كقوله {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} تفسير : [الأنفال: 2] ويحتمل أن تكون اللام للتعليل أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً ولا يكونوا كمن يذكره بالغفلة. ومن قرأ {ولا تكونوا} بالتاء الفوقانية فهي الناهية. ومن قرأ بالياء التحتانية احتمل أن يكون منصوباً عطفاً على أن تخشع والأمد الأجل والأمل أي طالت المدة بين اليهود والنصارى وبين أنبيائهم، أو طالت أعمارهم في الغفلة والأمل البعيد فحصلت القسوة في قلوبهم بسببه فاختلفوا فيما أحدثوا من التحريف والبدع. وقال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي صلى الله عليه وسلم، أو طال عليهم عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما في قلوبهم قاله القرطبي، وقرىء الأمد بالتشديد أي الوقت الأطول {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وفيه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسوق في آخر الأمر. قال الحسن: أما والله لقد استبطأ قلوب المؤمنين وهم يقرأون من القرآن أقل مما تقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسوق. قوله {اعلموا أن الله يحيي الأرض} فيه وجهان: الأول أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، الثاني أنه زجر لأهل الفسق وترغيب في الخشوع لأنه يذكر القيامة وبعث الأموات. ثم استأنف وعد المنفقين ووعيد أضدادهم بقوله {إن المصدقين} وأصله المتصدقين وعطف عليه قوله {وأقرضوا الله} لأن الألف واللام بمعنى الذي كأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا. والظاهر أن الأول هو الواجب الثاني هو التطوع لأن تشبيهه بالقرض كالدلالة على ذلك. وأيضاً ذكر الأول بلفظ اسم الفاعل الدال على الاستمرار ينبىء عن الالتزام والوجوب. ومن قرأ بتشديد الدال فقط فمعناه إن الذين صدقوا الله ورسوله وأقرضوا ويندرج تحت التصديق الإيمان وجميع الأعمال الصالحات إلا أنه أفرد الإنفاق بالذكر تحريضاً عليه كما أنه أفرد الإيمان لتفضيله والترغيب فيه. وقال {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} الكاملون في الصدق إذ لا قول أصدق من التوحيد والاعتراف بالرسالة، أوهم الكثير والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله والاعتراف بالرسالة، أو هم الكثيرر والصدق من حيث إنهم ضموا صدقاً إلى صدق وهو الإيمان بالله ورسوله أو به وبرسوله رسوله. ثم حث على الجهاد بقوله {والشهداء} وهو مبتدأ خبره {عند ربهم} وفيه بيان أنهم من الله بمنزلة وسعة وقد بين ثوابهم الجسماني {لهم أجرهم ونورهم} ويجوز أن يكون قوله {عند ربهم} حالاً أو صفة للشهداء كقوله "مررت على اللئيم يسبني" وما بعده خبر. وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} تفسير : [النساء: 41] ومن جعل {الشهداء} عطفاً على ما قبله قال: أراد أنهم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله. قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد. وقال جار الله: المعنى أن الله يعطي المؤمنين أجرهم ويضاعفه لهم بفضله حتى يساوي أجرهم مع أضعافه أجر أولئك. وقيل: أريد أنهم شهداء عند ربهم على أعمال عباده. وعن الحسن: كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه. وعن الأصم. إن المؤمن قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من الإيمان والطاعة. ثم ذكر ما يدل على حقارة أمور الدنيا وشبهها في سرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث ورباه إلى أن يتكامل نشؤه. ومعنى إعجاب الكفار أنهم جحدوا نعمة الله فيه بعد أن راق في نظرهم فبعث الله عليه العاهة فصيره كلا شيء كما فعل بأصحاب الجنتين في "الكهف" وفي "سبأ " وبأصحاب الجنة في "نون". ومن جعل الكفار بمعنى الزراع فظاهر قاله ابن مسعود وصيرورته حطاماً هي عودة إلى كمال حاله في النضج واليبس. ثم عظم أمور الآخرة بتنوين التنكير في قوله {وفي الآخرة عذاب شديد} للكافرين {ومغفرة من الله ورضوان} للمؤمنين قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة. فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله ولقائه فنعم المتاع ونعم الوسيلة. ثم حث على المسابقة إلى المغفرة وإلى الجنة وقد مر نصير في "آل عمران" إلا أن البشارة ههنا أعم لأنه قال هناك {أية : أعدت للمتقين الذين ينفقون}تفسير : [الآية: 133] إلأى آخره. وههنا قال {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} ولأن هؤلاء أدون حالاً من أولئك جعل عرض الجنة هنا أقل فقال {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} فلم يجمع السماء وأدخل حرف التشبيه الدال على أن المشبه أدون حالاً من المشبه به. وفي لفظ {سابقوا} ههنا إشارة إلى أن مراتب هؤلاء مختلفة بعضها أسبق من بعض كالمسابقة في الخيل وفي لفظ {سارعوا} هنالك رمز إلى أن كلهم مستوون في القرب أومتقاربون لأن المرتبة العليا واحدة وهي مرتبة السابقين المقربين وإنها غاية الرتب الإنسانية فافهم هذه الأسرار فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الزجاج: لما أمرنا بالمسابقة إلى المغفرة بين أن الوصول إلى الجنة والحصول في النار بالقضاء والقدر فقال {ما أصاب من مصيبة} أي لا يوجد مصيبة {في الأرض} من القحط والوباء والبلاء {ولا في أنفسكم} من المرض والفتن {إلا في كتاب} أي هو مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وإنما قيد المصائب بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية فإثباتها في الكتاب محال ولهذا قال "حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين " تفسير : ولم يقل إلى الأبد. وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه لم يذكر أحوال أهل السموات وفيه سر قال أهل البرهان: فصل في هذه السورة وأجمل في "التغابن" فقال {أية : ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله}تفسير : [الحديد: 22] والتفصيل بهذه السورة أليق لأنه فصل أحوال الدنيا والآخرة بقوله {اعلموا إنما الحياة الدنيا} إلى آخره قوله {من قبل أن نبرأها} من قبل أن نخلق المصائب والأنفس أو الأرض أو المخلوقات {إن ذلك} الإثبات أو الحفظ {على الله يسير} وإن كان عسيراً على غيره. ثم بين وجه الحكمة في ذلك الإثبات قائلاً {لكيلا تأسوا} أي لكيلا تحزنوا {على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم} نظيره ما ورد في الخبر: من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب لأنه لما علم وجوب وقوعه من حيث تعلق علم الله وحكمه وقدرته به عرف أن الفائت لا يرده الجزع والمعطى لا يكاد يثبت ويدوم لأنه عرضة للزوال ونهزة للانتقال فلا يشتد به فرحه. روى عكرمة عن ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً أو المراد أنه لم ينف الأسى والفرح على الإطلاق ولكنه نفى ما بلغ الجزع والبطر ولا لوم على ما يخلو منه البشر. والباقي ظاهر وقد مر في النساء. والمقصود أن البخيل يفرح فرحا مطغياً لحبه المال ليفتخر به ويتكبر على الناس ويحمل غيره على إمساك المال لمقتضى شحه الطبيعي {ومن يتول} عن أوامر الله ونواهيه ولا يعرف حق الله فما أعطاه {فإن الله هو الغني} عن طاعة المطيعين {الحميد} في ذاته وإن لم يحمده الحامدون. وقيل: إن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبخلوا ببيان نعته. ثم أراد أن يبين الغرض من بعثة الرسل المؤيدين بالمعجزات ومن إنزال الكتاب والميزان معهم. يروى أن جبرائيل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح فقال: مر قومك يزنوا به. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض. أنزل الحديد والنار والماء والملح. وعن الحسن: إنزالها تهيئتها كقوله {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : [الزمر: 6] وقال قطرب: هو من النزل يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً منهم من قال: هو من باب "علفتها تبناً وماء بارداً". وللعلماء في المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. أحدها أن مدار التكليف على فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. والثاني لا يتم بالحديد الذي فيه بأس شديد والأول إما أن يكون من باب الاعتقادات ولن يتم إلا بالكتاب السماوي ولا سيما إذا كان معجزاً. وإما أن يكون من باب المعاملات ولا ينتظم إلا بالميزان فأشرف الأقسام ما يتعلق بالوقة النظرية الروحاينة، ثم ما يتعلق بالعملية الجسمانية، ثم ما يتعلق بالزواجر وقد روعي في الآية هذا النسق. وثانيها المعاملات إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم، إما أحباب ويفتقر في نظام أمور تمدنهم إلى الميزان، وإما أعداء فيدفعون بالسيف. وثالثها السابقون يعاملون بمقتضى الكتاب فينصفون ولا ينتصفون ويحترزون عن مواقع الشبهات، والمقتصدون ينصفون وينتصفون فلا بد لهم من الميزان، والظالمون ينتصفون من غير إنصاف فلا بدّ لهم من السيوف الزواجر. واربعها أن الإنسان في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة المقربين لا يسكن إلا بكتاب الله {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28] أو هو في مقام الطريقة وهو النفس اللوامة. وأصحاب اليمين لا بد لهم من الميزان في معرفة الأخلاق المتوسطة غير المائلة إلى طريق الإفراط والتفريط، أو هو في مقام الشريعة والنفس الأمارة لا تنزجر إلا بحديد المجاهدة وسيف الرياضة. وخامسها السالك إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فانتبه بميزان الكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فانتبه بميزان الدليل والحجة، وإن كان صاحب العناد واللجاج فلا بد له من الحديد. وسادسها الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوم بالميزان، وميزان العدل والأحوال يعتبر بحديد الرياضة. أو نقول: الأقوال تصحح بالكتاب والأعمال تقوّم بالميزان، والمنحرفون من أحد الموضوعين يولون بالسيف. وسابعها الكتاب للعلماء. والميزان للعوام والسيف للملوك. قال أهل التجارب: في منافع الحديد ما من صناعة إلا والحديد آلة فيها. أو ما يعمل بالحديد بيانه أن أصول الصناعة أربعة: الزراعة والحياكة والبناء والإمارة. أما الزراعة فتحتاج إلى الحديد في كراية الأرض وإصلاحها وحفرها وتنقية آبارها. ثم الحبوب لا بد من طحنها وخبزها وكل منهما يحتاج إلى شيء من حديد وأكل الفواكه واللحوم وغيرها يفتقر أيضاً في التغيير والتقطيع إلى الحديد وأما الحياكة فتحتاج إلى آلات الحراثة وإلى آلات الغزل وإلى أدوات الحياكة والخياطة، وأما البناء فلا يكمل الحال فيه إلا بآلات حديدية وأما الإمارة فلا تتم إلا بأسباب الحرب وآلات السياسة فظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد ولا يقوم الذهب ولا الجواهر في أكثرها مقام الحديد فلو لم يوجد الذهب والجواهر في الدنيا لم يختل شيء من المهمات ولو لم يوجد الحديد لاختلت المصالح فعند هذا يظهر أثر عناية الله بحال عبيده، فإن كل شيء تكون حاجاتهم إليه أكثر يكون وجوده أسهل. قال بعضهم: شعر : سبحان من خص الفلز بعزه والناس مستغنون عن أجناسه وأذ أنفاس الهواء وكل ذي نفس فمحتاج إلى أنفاسه تفسير : نظيره الحاجة إلى الطعام ثم إلى الهواء، فالطعام قلما يوجد إلا بالثمن والماء قد يباع في بعض الأمكنة والزمان والهواء لا يباع أصلاً لأن الحاجة إلى النفس أمس. قال بعض المحققين ههنا إن العلم أبلغ ما يحتاج الإنسان إليه إذ به قوام روحه وصلاح معاده فلا جرم لا يقع في عرضة البيع وكثيراً ما يعطى الأجر على تعلمه قوله {وليعلم الله} ظاهره أنه معطوف على المعنى التقدير: وأنزلنا الحديد لأجل المنافع الدنيوية ولأجل المصالح الدينية وهو ظهور معلوم الله وتعلق علمه بما سيقع من نصرة دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وغيرها. ويجوز أن يكون المعطوف عليه محذوفاً بدليل ما تقدمه أي وأنزلنا الحديد ليقوم الناس بالقسط خوفاً من أن يجعل وليعلم الله ومعنى {بالغيب} غائباً عنهم. قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، وفيه إشارة إلى أن الجهاد المعتبر هو الذي يوجد عن إخلاص القلب خالياً من النفاق والرياء وفي قوله {إن الله قوي عزيز} رمز إلى أنه تعالى قادر على إهلاك أعداء الدين وإعلاء كلمته بدون واسطة الجهاد، ولكنه كلفهم ذلك ليتوسلوا به إلى نيل درجة الصديقين والشهداء. وحين حكى قصة الرسل مجملة أعقبها بنوع من التفصيل والكتاب ظاهره الوحي. عن ابن عباس هو الخط بالقلم والضمير في {فمنهم} للذرية أو للمرسل إليهم بدليل الإرسال. والفاسقون إما العاصون بارتكاب الكبائر، وإما الكافرون ولعل هذا أظهر لوقوعه في طباق المهتدين إلا أن يحمل الفاسق على الذي لا يهتدي لوجه رشده قال مقاتل: المراد بالرأفة والرحمة هو ما أوقع الله تعالى في قلوبهم من التواد والتعاطف كما جاء في نعت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم {أية : رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29] قال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حمل نصبها على {جعلنا} لأن ما يبتدعونه لا يجوز أن يكون مجعولاً لله قال في التفسير الكبير: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين من أين يليق بأبي علي أن يخوض في أمثال هذه الأشياء. قلت: الظن بالعلماء ينبغي أن يكون أحسن من هذا ولا حاجة إلى إحالة تمام الكلام على المسألة المذكورة ولكن يرد على أبي علي أنه إذا جاز أن يكون الكفر والفسوق وسائر المعاصي الصادرة عن العبد منسوبة إلى تخليق الله، فلم لا يجوز أن يكون الابتداع وهو إحداث أمر من عند نفسه لا على ألسنة الرسل. مجعولاً لله سبحانه؟ قال المفسرون: إن الجبابرة ظهروا على أمة عيسى بعد رفعه فقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، فترهبوا على رؤوس الجبال فارين من الفتنة متحملين كلفاً ومشاق زائدة على العبادات المكتوبة عليهم من الخلوة والاعتزال والتعبد في الغيران والكهوف، روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يا ابن مسعود أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة كلها في النار إلا ثلاث فرق فرقة آمنت بعيسى عليه السلام وقاتلوا أعداءه في نصرته حتى قتلوا وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين فلبسوا العباء وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة} " تفسير : الآية قال العلماء: لم يرد الله تعالى بقوله {ابتدعوها} طريقة الذم ولكن المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذورها. والرهبانية بفتح الراء مصدر وهو الفعلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح أيضاً وهو الخائف "فعلان" من رهب كخشيان من خشي. وقرىء بالضم وهو نسبة إلى الرهبان جمع الراهب. وقوله {إلا ابتغاء رضوان الله} استثناء منقطع عند الأكثر أي ما فرضناها نحن عليهم ولكنهم اتبدعوها طلب رضوان الله. وقال آخرون: إنه متصل والمعنى ما تعبدناهم بها إلا على وجه تحصيل مرضاة الله فتكون ندباً إن أتى بها ارتضاها الله وإن لم يأت بها فلا حرج. وفي قوله {فما رعوها حق رعايتها} أقول: أحدها أنهم ما أقاموا على تلك السيرة ولكنهم ضموا إليه التثليث والإلحاد إلا إناساً منهم أقاموا على دين عيسى حتى أدرجوا محمداً صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وثانيها أن أكثرهم لم يتوسلوا بها إلى مرضاة الله ولكنهم جعلوها سلماً إلى المنافع الدنيوية. وثالثها أن يكون في الكلام إضمار أي لم نفرضها أولاً عليهم بل كانت على جهة الاستحباب، ثم فرضناها عليهم فما رعوها إلا قليلاً منهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن استقاموا على الطريقة. ورابعها أن الصالحين من قوم عيسى ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها ثم جاء بعدهم من لم يرعها كما رعاها الحواريون. ثم خاطب المؤمنين منهم بقوله {يا أيها الذين آمنوا} أي بعيسى {اتقوا الله وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يؤتكم كفلين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم أولاً بعيسى وثانياً بمحمد صلى الله عليه وسلم {ويجعل لكم نوراً تمشون به} وهو النور المذكور في قوله {يسعى نورهم} أو النور المذكور في قوله {أية : أو من كانَ ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس}تفسير : [الأنعام: 122] ويجوز أن يكون الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم والمراد اثبتوا على إيمانكم برسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتكم ما وعد مؤمني أهل الكتاب في قوله {أية : أولئك يؤتون أجرهم مرتين}تفسير : [القصص: 54] وذلك أن مؤمني أهل الكتاب افتخروا على غيرهم من المؤمنين بأنهم يؤتون أجرهم مرتين وادعوا الفضل عليهم فنزلت وفيه أنهم مثلهم في الإيمانين لأنهم لا يفرقون بين أحد من رسله على أنه يجوز أن يكون النصيب الواحد من الأجر أزيد من نصيبين فإن المال إذا قسم نصفين كان الكفل الواحد نصفاً، وإذا قسم عشرة أقسام كان الكفل الواحد جزءاً من عشرة. ولا شك أن النصيب الواحد من القسمة الأولى أزيد من النصيب الواحد من القسمة الثانية. قوله {لئلا يعلم} الآية. أكثر المفسرين والنحويين على أن "لا" زائدة والمعنى ليعلم {أهل الكتاب} الذين لم يسلموا أن الشأن لا ينالون ولا يقدرون على شيء من الكفلين. والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم إيمانهم من قبله، أو المراد أنا بالغنا في هذا البيان وأمعنا في الوعد لهم والوعيد ليعلم أهل الكتاب أن الشأن هو أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الأجر في طائفة مخصوصين {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء} وقيل: غير زائدة والضمير في {لا يقدرون} للرسول وأصحابه. والعلم بمعنى الاعتقاد والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، ولكي يعتقدوا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد خص بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وبالله التوفيق وإليه المرجع والمآب والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: قال أكثر المفسرين: التسبيح هنا هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان اللَّهِ، وهذا عندهم إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوامُ والاستمرارُ، ثم اختلفوا: هل هذا التسبيح حقيقةٌ أو مجاز على معنى أَنَّ أثر الصنعة فيها تُنَبِّهُ الرائي على التسبيح؟ قال الزَّجَّاجُ وغيره: والقول بالحقيقة أحسن، وهذا كله في الجمادات، وأَمَّا ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إن تسبيحهم حقيقة. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ} [أي]: [الذي] ليس لوجوده بداية مُفْتَتَحَةٌ {وَٱلأَخِرُ}: الدائم الذي ليس له نهاية منقضية، قال أبو بكر الوَرَّاق: {هُوَ ٱلأَوَّلُ}: بالأزلية {وَٱلأَخِرُ}: بالأبديَّة. {وَٱلظَّـٰهِرُ}: معناه بالأدِلَّةِ ونَظَرِ العقول في صنعته. {وَٱلْبَـٰطِنُ}: بلطفه وغوامضِ حكمته وباهِرِ صفاته التي لا تصل إلى معرفتها على ـــ ما هي عليه ـــ الأوهامُ، وباقي الآية تقدم تفسيرُ نظيره. وقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} معناه: بقدرته وعلمه وإحاطته، وهذه آية أجمعت الأُمَّةُ على هذا التأويل فيها، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. أي: مجّد الله ونزّهه عن السوء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: صلى لله ما في السموات من خلق من الملائكة والأرض من شيء فيه روح، أو لا روح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجَّاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44]. وإنما التسبيح مقال، واستدل بقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} تفسير : [الأنبياء: 79]، ولو كان هذا التسبيح تسبيح دلالة، فأي تخصيص لداود؟. وقال القرطبي: هذا هو الصحيح. فصل في الكلام على الفعل سبح هذا الفعل عدي باللام تارة كهذه السورة، وأخرى بنفسه كقوله تعالى: {أية : وَسَبِّحُوهُ} تفسير : [الأحزاب: 42]، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى "سبحته": بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مزيدة كهي في نصحت لزيد، ونصحته، وشكرته، وشكرت له؛ إذ يقال: سبحت الله تعالى، قال: {أية : وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} تفسير : [الأعراف: 206]. وإما أن تكون للتعليل، أي: أحدث التسبيح لأجل الله تعالى. وجاء في بعض الفواتح "سبَّح" بلفظ الماضي، وفي [بعضها] بلفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل. قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}. "العزيز": الغالب القادر الذي لا ينازعه شيء، وذلك إشارة إلى كمال القدرة. "الحكيم": الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب. قوله تعالى: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وحقيقة "المُلْك" عبارة عن نفوذ الأمر، فهو سبحانه وتعالى المالك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات والرِّزق. قوله: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. يجوز في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لا محل [لها] كالتي قبلها. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو له ملك. الثالث: أنه الحال من الضمير في "له" فالعامل فيها الاستقرار. ولم يذكر مفعول الإحياء والإماتة؛ إذ الغرض ذكر الفعلين [فقط، والمعنى ليميت] الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث. وقيل: هو يحيي النُّطف، وهي أموات، ويميت الأحياء. قال ابن الخطيب: "وعندي فيه وجه ثالث، وهو أنه ليس المراد منه تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين، وبأشخاص معينين، بل معناه: أنَّه القادر على خلق الحياة والموت، كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ} تفسير : [الملك: 2]، [والمقصود منه] كونه - تعالى - هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق لا يمنعه عنهما مانع. قوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يعجزه شيء. قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ} الآية. قال الزمخشري: فإن قلت: [فما معنى "الواو"؟]. قلت: "الواو" الأولى معناها الدلالة على [أنه الجامع بين الصفتين الأولية]، والآخرية. والثالثة على الجامع بين الظُّهور والخفاء. وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين. فصل في تفسير الآية قال القرطبي رحمه الله: اختلف في معاني هذه الأسماء وقد شرحها رسول الله صلى الله عليه وسلم شرحاً يغني عن قول كل قائل. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللَّهُمَّ أنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبلكَ شيءٌ، وأنْتَ الآخرُ فليْسَ بعدكَ شيءٌ، وأنْتَ الظَّاهرُ فليس فوقكَ شيءٌ، وأنْتَ الباطنُ فليْسَ دُونَك شيءٌ، اقْضِ عنَّا الدَّينَ، وأغْنِنَا من الفَقْرِ"تفسير : ، عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم. قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. مما كان أو يكون لا يخفى عليه شيء، وهذا معنى قول ابن عباس. قال ابن الخطيب: الظَّاهر بحسب الدلائل، والباطن بحسب الحواس. والقول بأن الباطن هو العالم ضعيف؛ لأنه يلزم منه التكرار في قوله: "وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون". فصل في إثبات وحدانية الله قال ابن الخطيب: احتج كثير من العلماء في إثبات أنَّ الإله واحد بقوله: "هو الأول"، قالوا: الأول هو الفرد السَّابق، ولهذا لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا؛ لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق؛ لأن شرط الأولية كونه سابقاً، وهاهنا لم يحصل، فثبت أن الشَّرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أنَّ صانع العالم فرد. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. تقدم [في "الأعراف"]، والمقصود منه دلائل القدرة. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي: يدخل فيها من مطر وغيره. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نباتٍ وغيره. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من رزق ومطر وملك. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه. {أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ينظر أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها. فصل في الكلام على الآية قال القرطبي: وقد جمع في هذه الآية بين {استوى على العرش} وبين "وهُوَ معكُم"، والأخذ بالظَّاهر تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، والإعراض عن التأويل اعتراف بالتناقض. وقد قال أبو المعالي: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله - عز وجل - من يونس بن متَّى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدم. فصل في تفسير المعية ذكر ابن الخطيب عن المتكلمين أنهم قالوا: هذه المعية إما بالعلم، وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فالإجماع منعقد على أنَّه - سبحانه وتعالى - ليس معنا بالمكانِ والحيز والجهةِ، فإذن قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ} لا بد فيه من التأويل، فإذا جوَّزنا التأويل في موضع وجب تأويله في سَائر المواضع. قوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. هذا التكرير للتأكيد، أي: هو المعبود على الحقيقة. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: أمور الخلائق في الآخرة. وقد تقدم في البقرة": أن الأخوين وابن عامر يقرءون: "تَرْجِعُ" بفتح التاء وكسر الجيم مبنيًّا للفاعل، والباقون: مبنيًّا للمفعول في جميع القرآن. وقال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور: "تُرْجَعُ" مبنيًّا للمفعول، والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج مبنيًّا للفاعل. وهذا عجيب منه وقد وقع له مثل ذلك كما تقدم. قوله: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}. أي: ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل، وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار. {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. أي: لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة، فلا يجوز أن يعبد سواه. قوله تعالى: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. أي: صدقوا أن الله واحد، وأن محمداً عبده ورسوله. "وأنفِقُوا": تصدقوا وقيل: أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد: الزكاة المفروضة. وقيل: غيرها من وجوه الطاعات، وما يتقرب به. وقوله تعالى: {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وتعالى، وأن العبد ليس له فيه إلاَّ التصرف الذي يرضي الله تعالى، فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره، إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل. وقال الحسن: "مُستخْلفِين فيه" بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النُّواب والوكلاء، فاغتنموا الفوز، فإنها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. {فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير} وهو الجنة. فصل في الكلام على الآية قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالمال وحده حتى يضاف إليه هذا الإنفاق، فمن أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له. قال ابن الخطيب: وهذا استدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من نفي الأجر الكبير نفي أصل الأجر، فلم قلتم: إنها [تدل على أنه] لا أجر له أصلاً؟. فإن قيل: قوله "آمنوا بالله" خطاب مع من عرف الله أو مع من لم يعرف الله، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرف من عرفه، وذلك أمر بتحصيل الحاصل، وهو محال. وإن كان الثاني كذلك كان ذلك الخطاب متوجِّهاً على من لم يكن عارفاً به، ومن لم يكن عارفاً يستحيل أن يكون عارفاً بأمره، فيكون الأمر متوجِّهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وهو تكليف ما لا يُطاق. قال ابن الخطيب: والجواب من النَّاس من قال: معرفة وجود الصَّانع حاصلة للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات. قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ}. مبتدأ وخبر وحال: أي: أي شيء استقر لكم غير مؤمنين. قال القرطبي: "هذا استفهام يراد به التوبيخ، أي: أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل". {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ}. فقوله: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} جملة حالية من ضمير "تؤمنون". قال الزمخشري: "فهما حالان متداخلان". و "لتؤمنوا" متعلق بـ "يدعو" أي: يدعوكم للإيمان، كقولك: "دعوته لكذا". ويجوز أن تكون "اللام" للعلة، أي: يدعوكم إلى الجنة وغفران الله لأجل الإيمان. وفيه بعد. وهذه الآية تدل على أنه لا حكم قبل ورود الشرع. قوله: {وَقَدْ أَخَذَ}. حال أيضاً. وقرأ العامة: "أخَذ" مبنيًّا للفاعل، وهو الله - تعالى - لتقدّم ذكره. وقرأ أبو عمرو "أُخِذَ" مبنيًّا للمفعول، حذف الفاعل للعلم به. و "ميثاقكم" منصوب في قراءة العامة، ومرفوع في قراءة أبي عمرو. و "إن كنتم" جوابه محذوف، تقديره: فما يمنعكم من الإيمان. وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين لموجب ما رتبه، فهذا هو الموجب. وقدره ابن عطية: إن كنتم مؤمنين فأنتم في رتبة شريفة. فصل في المراد بهذا الميثاق قال مجاهد: المراد بالميثاق هو المأخوذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون ذلك سبباً في أنه لم يبق لهم عُذْر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلاَّ بقول الرسول. فقبل معرفة تصديق الرسول لا يكون ذلك سبباً في وجوب تصديق الرسول بل المراد بأخذ الميثاق نصب الدلائل والبينات، بأن ركب فيهم العقول، وأقام عليهم الحُجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرَّسُول، وهذا معلوم لكل أحد، فيكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول. فصل في حصول الإيمان بالعبد. قال القاضي: قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ} يدل على قدرتهم على الإيمان، إذ لا يجوز أن يقال ذلك لمن لا يتمكن من الفعل كما لا يقال: ما لك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله. قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إذْ كنتم مؤمنين. وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل. وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام، فالآن فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمنين بأن الله خلقكم كانوا يعترفون بهذا. وقيل: هذا خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ميثاقهم فارتدوا. وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: كنتم تقرُّون بشرائط الإيمان.

البقاعي

تفسير : ولما ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث، جاءت هذه لتقرير ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى كالتعليل لآخر الواقعة: {سبح} أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيماً له سبحانه وإقراراً بربوبيته وإذعاناً لطاعته، وقصره، وهو متعد ليدل على العموم بقصره، وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضياً هنا وفي الحشر والصف ومضارعاً في الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه وهجيراه وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول الجمعة، والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال {لله} أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال {ما في السماوات} أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن فيها وكل سماء ومن فيها، وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى الخلق. ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص، لم يحتج إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو نظراً واحداً لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال: {والأرض *} أي وما فيها وكذا نفس الأراضي كما تقدم، فشمل، ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الأشياء بما فيها من الآيات الدالة على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص، وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد الطلب، قال القشيري: التسبيح: التقديس والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد، وينظمونها في عقد الإيمان، ويرصعونها في أطواق الوصلة. ولما قرر ذلك، دل على أنه لا قدرة لشيء على الانفكاك عنه، وأن له كل كمال، فهو المستحق للتسبيح والحمد فقال: {وهو} أي وحده {العزيز} الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء {الحكيم *} الذي أتقن كل شيء صنعه. وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير العاصمي في برهانه: لما تقدم قوله سبحانه وتعالى{أية : فلولا تصدقون}تفسير : [الواقعة: 57] وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا خفاء به، ثم اتبع بقوله تعالى{أية : أفرءيتم ما تمنون}تفسير : [الواقعة: 58] الآيات إلى قوله {أية : ومتاعاً للمقوين}تفسير : [الواقعة: 73] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم، ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك{أية : أبهذا الحديث أنتم مدهنون}تفسير : [الواقعة: 81] واستمر توبيخهم إلى قوله:{أية : إن كنتم صادقين}تفسير : [الواقعة: 87] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم، أعقب تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى{أية : فسبح باسم ربك}تفسير : [الواقعة: 69] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء اجترائهم، ثم أعقب ذلك بقوله {سبح لله ما في السماوات والأرض} أي سبح باسم ربك، فهي سنة العالم بأسرهم{أية : وله أسلم من في السماوات والأرض}تفسير : [آل عمران: 83] {سبح لله ما في السماوات والأرض} ثم أتبع ذلك بقوله: {له الملك وله الحمد} فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال، وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله: {وهو عليم بذات الصدور} فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى، وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى {آمنوا بالله ورسوله} واستمرت الآي على خطابهم إلى آخر السورة - انتهى. ولما أخبر بذلك، دل على وجه مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله: {له} أي وحده {ملك السماوات والأرض} أي وملك ما فيهما وما بينهما ظاهراً وباطناً، فالملك الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية - وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر، والملك الباطن الغائب عنا، وأعظمه المضاف إلى الآخر وهو الملكوت، قال القشيري: الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة، قال، والملك بالكسر أي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله، وإذا قيل لغيره: مالك، فعلى المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ونحوه ذلك، فالآية من الاحتباك: ذكر ما بين السماوات والأرض أولاً دليلاً على حذف ما بينهما ثانياً، وذكر الخافقين ثانياً دليلاً على حذف مثل ذلك أولاً ليكون التسبيح والملك شاملاً للكل. ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه، وكان ربما عاند معاند، دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدماً الإحياء لأنه كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها: {يحيي} أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة الإحياء كيف شاء في أطور يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء {ويميت} أي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجد والاستمرار، فهو قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء. ولما كان هذا شاملاً للقدرة على التجديد والإعادة، عم الحكم بقوله: {وهو على كل شيء} أي من الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن {قدير *} أي بالغ القدرة إلى حد لا يمكن الزيادة عليه. ولما أخبر بتمام القدرة، دل على ذلك بقوله: {هو} أي وحده {الأول} أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له، والقديم الذي منه وجود كل شيء وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير، وكل ما كان ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر {والآخر} بالأبدية، الذي ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر إلى ما له من ذاته فلا آخر له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه متغير، بنوع من التغيير جاز إعدامه، وما جاز إعدامه فلا بد له من معدم يكون بعده ولا يمكن إعدامه. ولما كان السبق يقتضي البطون، والتأخر يوجب الظهور، وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء واحد، نبه على اجتماعهما فيه، فقال مشيراً بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه: {والظاهر} أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من الأفعال ظهوراً لا يجهله عاقل، وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء {والباطن} بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطوناً لا يكتنه شيء، وقال القشيري: الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء. الظاهر بلا خفاء، الباطن بنعت العلا وعز الكبرياء - انتهى، والعطف للدلالة كما أشير إليه على الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن، فلا تكون محيطة بل مقيدة بحيثية مثلاً فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملاً لشيء آخر ولا شارحاً لمعناه، فهو أول على الإطلاق وآخر كذلك، وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك، وهذا على الأصل فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال، إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو الأغلب في إيرادها كما آخر الحشر، ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله: إن الواو الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية، أي جمعاً هو في غاية المكنة، والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين الأخيرتين، فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية. انتهى. ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره، ومن بطن لشيء غاب عنه علمه، وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء، وفي بطونه بحيث ليس دونه شيء، فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة، أعلم نتيجة ذلك فقال: {وهو بكل شيء عليم *} أي لكون الأشياء عنده على حد سواء، والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق، وأما هو سبحانه فلا باطن من الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم، وهذا معنى ما قال البغوي رحمه الله تعالى: سأل عمر رضي الله عنه كعباً عن هذه الآية فقال: معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى. لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه. ولما كان الصانع للشيء عالماً به، دل على علمه وما تقدم من وصفه بقوله: {هو} أي وحده {الذي خلق السماوات} وجمعها لعلم العرب بتعددها {والأرض} أي الجنس الشامل للكل، أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها {في ستة أيام} سناً للتأني وتقريراً للأيام التي أوترها سابعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه باسمه {الجمعة} على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية المخلوقات - انتهى. ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه، وكان ذلك هو روح الملك، دل عليه منبهاً على عظمته بأداة التراخي فقال: {ثم استوى} أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد من هو شديد العناية {على العرش} المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم للعرش وما دونه ومن دونه ليتصور للعباد أن العرش منشأ التدبير، ومظهر التقدير، كما يقال في ملوكنا: جلس فلان على سرير الملك، بمعنى أنه انفرد بالتدبير، وقد لا يكون هناك سرير فضلاً عن جلوس. ولما كان المراد بالاستواء الانفراد بالتدبير، وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة، كشفه بقوله دالاًّ على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا: {يعلم ما يلج} أي يدخل دخولاً يغيب به {في الأرض} أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ذلك بعيداً من العرش، فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب والبعد {وما يخرج منها} كذلك، وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى حين خرابهما. ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله تنبيهاً على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم، أتبعه قسيمه وهو جهة العلو تعميماً للعمل بسائر الخلق فقال: {وما ينزل من السماء} ولم يجمع لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل، وذلك من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم {وما يعرج} أي يصعد ويرتقي ويغيب {فيها} كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها. ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه لبعده عنه، عرف أنه لا مسافة أصلاً بينه وبين شيء من الأشياء فقال: {وهو معكم} أي أيها الثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن القرب {أين ما كنتم} فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالياً عن اتصال بالعلم ومماسة، أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة، قال أبو العباس ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: لفظ "مع" لا يقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر لقوله{أية : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} تفسير : [التوبة: 119] وقوله: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار} ولفظ "مع" جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة{أية : ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم}تفسير : [المجادلة: 7] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه، وأما المعية الخاصة فقوله تعالى:{أية : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}تفسير : [النحل: 128] وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام:{أية : إنني معكما أسمع وأرى}تفسير : [طه: 46] وقال:{أية : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}تفسير : [التوبة: 40] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو مع موسى وهارون عليهما السلام دون فرعون، ومع محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى:{أية : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}تفسير : [الزخرف: 84] أي هو إله في السماء وإله في الأرض كما قال تعالى:{أية : وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}تفسير : [الروم: 27] وكذلك في قوله تعالى: {وهو الله في السماوات وفي الأرض} كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض. ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن، عبر في أمرها باسم الذات دلالة على شمولها بالعلم والقدر وتنبيهاً على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال: {والله} أي المحيط بجميع صفات الكمال، وقدم الجارّ لمزيد الاهتمام والتنبيه على تحقق الإخاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو: أعرف فلاناً ولا أعرف غيره؛ فقال: {بما تعملون} أي على سبيل التجدد والاستمرار {بصير *} أي عالم بجلائله ودقائقه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ نزلت سورة الحديد بالمدينة‏. وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن الزبير قال‏:‏ أنزلت سورة الحديد بالمدينة. وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء، وخلق الله الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه يوم الثلاثاء، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء‏ ".‏ تفسير : وأخرج الديلمي عن جابر مرفوعاً‏:‏حديث : لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت عليّ يوم الثلاثاء‏ .‏ تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه النسائي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمانحديث : عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال إن فيهن آية أفضل من ألف آية‏ . تفسير : وأخرج ابن الضريس عن يحيى بن أبي كثير قال‏:‏ حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ المسبحات، وكان يقول‏: ‏إن فيهن آية هي أفضل من ألف آيةتفسير : ، قال يحيى‏:‏ فنراها الآية التي في آخر الحشر‏.‏ وأخرج البزار وابن عساكر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن عمر قال‏:‏ كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال‏:‏ عجبا لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك، قلت‏:‏ وما ذاك‏؟‏ قال‏:‏ هذه أختك قد أسلمت، فرجعت مغضباً حتى قرعت الباب فقيل‏:‏ من هذا‏؟‏ قلت‏:‏ عمر، فتبادروا، فاختفوا مني، وقد كانوا يقرأون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فدخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة، فقلت‏:‏ ما هذه‏؟‏ ناولينيها، قالت‏:‏ إنك لست من أهلها إنك لا تغتسل من الجنابة، ولا تطهر، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما زلت حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فلما قرأت الرحمن الرحيم ذعرت، فألقيت الصحيفة من يدي، ثم رجعت إلى نفسي فأخذتها فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم ‏ {‏سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم‏}‏ فكلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت ثم ترجع إليَّ نفسي حتى بلغت ‏ {‏آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه‏} ‏ فقلت‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فخرج القوم مستبشرين فكبروا‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الأسود قال‏:‏ قال رأس الجالوت‏:‏ إنما التوراة الحلال والحرام إلا أن في كتابكم جامعاً ‏ {‏سبح لله ما في السماوات والأرض‏}‏ وفي التوراة يسبح لله الطير والسباع‏. قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏هو الأول والآخر‏} .‏ أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي وأبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"حديث : ‏بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم‏: "هل تدرون ما هذا‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال‏: هل تدرون ما فوقكم‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏: فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف‏.‏ ثم قال‏:‏ هل تدرون كم بينكم وبينها‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال‏:‏ هل تدرون ما فوق ذلك‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدد سبع سموات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال‏:‏ هل تدرون ما فوق ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم قال‏:‏ فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين السماءين، ثم قال‏:‏ هل تدرون ما الذي تحتكم‏؟‏ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ فإنها الأرض. ثم قال‏: هل تدرون ما تحت ذلك‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم. قال‏: فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة عام، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال‏:‏ والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله، ثم قرأ ‏ {‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏} ‏ ‏‏"تفسير : قال‏:‏ الترمذي فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا‏:‏ إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏والذي نفس محمد بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لقدم على ربه، ثم تلا ‏ {‏هو الأول والآخر والظاهر والباطن هو بكل شيء عليم‏} ‏‏ ". تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفاتحديث : عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهؤلاء الكلمات‏:‏ اللهم أنت الأول فلا شيء قبلك، وأنت الآخر فلا شيء بعدك، أعوذ بك من شر كل دابة ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإِثم والكسل، ومن عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، ومن فتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم ‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأل خادماً فقال لها‏: قولي اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب النوى أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم‏:‏ ‏"‏حديث : اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإِنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏يا كائن قبل أن يكون شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعدما لا يكون شيء، أسألك بلحظة من لحظاتك الحافظات الوافرات الراجيات المنجيات‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علم عليّاً دعوة يدعوها عندما أهمه، فكان علي رضي الله عنه يعلمها لولده‏:‏ يا كائن قبل كل شيء ويا مكوّن كل شيء ويا كائن بعد كل شيء أفعل بي كذا وكذا‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه قال‏:‏ بلغنا في قوله عز وجل‏ ‏هو الأوّل قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء وإنما يعني بالقرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه وهو بكل شيء عليم ‏ {‏هو الذي خلق السمٰوات والأرض في ستة أيام‏} ‏ مقدار كل يوم ألف عام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض من القطر وما يخرج منها من النبات، وما ينزل من السماء من القطر وما يعرج فيها يعني ما يصعد إلى السماء من الملائكة وهو معكم أينما كنتم يعني قدرته وسلطانه وعلمه معكم إينما كنتم والله بما تعملون بصير‏. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عمر وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله‏؟‏ فإن قالوا لكم ذلك فقولوا‏:‏ هو الأوّل قبل كل شيء وهو الآخر فليس بعده شيء وهو الظاهر فوق كل شيء وهو الباطن دون كل شيء وهو بكل شيء عليم‏‏ . تفسير : وأخرج أبو داود عن أبي زميل قال‏:‏ سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقلت‏:‏ ما شيء أجده في صدري قال‏:‏ ما هو‏؟‏ قلت‏:‏ والله لا أتكلم به فقال لي‏:‏ أشيء من شك‏؟‏ وضحك‏؟‏ قال‏:‏ ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله تعالى ‏ {‏فإن كنت في شك مما أنزلت إليك‏} ‏ الآية وقال لي‏:‏ إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل‏:‏ هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم‏. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏ {‏وهو معكم أين ما كنتم‏}‏ قال‏:‏ عالم بكم أينما كنتم‏. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه سئل عن قوله‏:‏ ‏ {‏وهو معكم‏} ‏ قال‏:‏ علمه‏.‏ وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏"حديث : ‏إن من أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند ضعيف عن البراء بن عازب قال‏:‏ قلت لعليّ رضي الله عنه‏:‏ يا أمير المؤمنين أسألك بالله ورسوله إلا خصصتني بأعظم ما خصك به رسول الله صلى الله عليه وسلم واختصه به جبريل، وأرسله به الرحمن، فقال‏:‏ إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول سورة الحديد إلى آخر ست آيات منها ‏ {‏عليم بذات الصدور‏}‏ وآخر سورة الحشر يعني أربع آيات، ثم ارفع يديك فقل‏:‏ يا من هو هكذا أسألك بحق هذه الأسماء أن تصلّي على محمد وأن تفعل بي كذا وكذا مما تريد، فوالله الذي لا إله غيره لتنقلبن بحاجتك إن شاء الله‏.‏

ابو السعود

تفسير : مكية، وقيل مدنية وآيُها تسع وعشرون {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} التَّسبـيحُ تنزيهُ الله تعَالى اعتِقاداً وقَولاً وعملاً عمَّا لاَ يليقُ بجنابِه سُبحانَهُ منْ سبَحَ في الأرضِ والماء إذا ذهبَ وأبعدَ فيهمَا وحيثُ أُسندَ هَهُنا إلى غيرِ العُقلاءِ أيضاً فإنَّ ما في السمواتِ والأرضِ يعمُّ جميعَ ما فيهمَا سواءً كانَ مستقراً فيهما أو جُزءاً منهَما كما مرَّ في آيةِ الكرسيِّ. أُريدَ به مَعْنى عامٌّ مجازيٌّ شاملٌ لما نطقَ به لسانُ المقالِ كتسبـيحِ غيرِهم فإنَّ كلَّ فردٍ من أفرادِ الموجوداتِ يدلُّ بإمكانِه وحدوثِه على الصانعِ القديمِ الواجبِ الوجودِ المُتَّصفِ بالكمالِ المُنزهِ عن النُّقصانِ وهُو المرادُ بقولِه تعالى: { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ} تفسير : [سورة الإسراء، الآية 44] وهُو متعدَ بنفسِه كما في قولِه تعالَى: وسبِّحُوه. واللامُ إمَّا مَزيدةٌ للتأكيدِ كما في نصحتُ لَهُ وشكرتُ لَهُ أو للتعليلِ أي فَعَل التسبـيحَ لأجلِ الله تعالَى وخَالِصاً لوجهِه، ومجيئُه في بعض الفواتحِ ماضياً وفي البعضِ مضارعاً للإيذانِ بتحقّقِه في جميعِ الأوقاتِ، وفيهِ تنبـيهٌ على أنَّ حقَّ مَنْ شأنُه التسبـيحُ الاختياريُّ أنْ يُسبِّحهُ تعالَى في جميعِ أوقاتِه كما عليهِ الملأُ الأَعلى حيثُ يُسبحونَ الليلَ والنهارَ لاَ يفترُونَ {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} القادرُ الغالبُ الذي لاَ يُمانعُه ولا يُنازِعُه شيءٌ {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحةُ، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقررٌ لمضمون ما قبلَهُ مشعرٌ بعلة الحكمِ وكَذا قولُه تعالَى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} أي التصرفُ الكليُّ فيهَما وفيمَا فيهما مِنَ الموجوداتِ من حيثُ الإيجادُ والإعدامُ وسائرُ التصرفاتِ مما نعلمُه وما لا نعلمُه. وقولُه تعالَى: {يُحْيي وَيُمِيتُ} استئنافٌ مبـينٌ لبعضِ أحكامِ المُلكِ والتصرفِ. وجعلُه حالاً من ضميرٍ لهُ ليسَ كَما ينبغِي {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء} منَ الأشياءِ التي مِنْ جُمْلتها ما ذكِرَ منَ الإحياءِ والإماتِه {قَدِيرٌ} مُبالغٌ في القُدرةِ {هُوَ ٱلأَوَّلُ} السابقُ على سائرِ الموجُوداتِ لِما أنَّه مُبدئها ومُبدعُها {وَٱلآخِرُ} الباقي بعدَ فنائِها حقيقةً أوْ نظراً إلى ذاتها مع قطعِ النَّظرِ عن مُبقيها فإن جميعَ الموجوداتِ المُمكنةِ إذا قُطعَ النظرُ عن علتِها فهيَ فانيةٌ {وَٱلظَّـٰهِرُ} وجُوداً لكثرة دلائلِه الواضحةِ {وَٱلْبَـٰطِنُ} حقيقةً فلا تحومُ حولَهُ العقولُ. والواوُ الأُولى والأخيرةُ للجمعِ بـينَ الوصفينِ المُكتنفينِ بهمَا والوُسطى للجمعِ بـين المجموعينَ فهو متصفٌ باستمرارِ الوجودِ في جميعِ الأوقاتِ والظهورِ والخفاءِ {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} لاَ يعزُبُ عنْ علمِه شيءٌ منَ الظَّاهرِ وَالخفيِّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 1]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: أمر الله عباده بتسبيحه وقد سبّح نفسه فى الأزل فغيب كنه تسبيحه عن عباده فسبّحه الخلق على العادة إلى أن يتحقق تسبيحه فيصل تسبيحهم بتسبيحه فيتحقق لهم التسبيح. قال جعفر: سبح الكل وهو غنى عن تسبيحهم كيف يصل إليه ذلك وهو الذى أخرجه وتولى إظهاره. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الآية: 1]. قال القاسم: هو الذى لا يدركه طالبوه لتمام عزه ولا يلحقه الإشارات لكمال حكمته لأن المشار تدركه الأين ثم تلحقه. وقال جعفر: هو الذى لا يدركه طالبوه ولا يعجزه هاربوه.

القشيري

تفسير : التسبيحُ التقديسُ والتنزيه، ويكون بمعنى سباحة الأسرار في بحار الإجلال، فيظفرون بجواهر التوحيد ويَنْظِمونها في عقود الإيمان، ويُرَصِّعونها في أطواق الوصلة: وقوله {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} المرادُ به "من" في السماوات والأرض، يسجدون لله طوعاً وكرهاً؛ طوعاً تسبيحَ طاعةٍ وعبادة، وكرهاً تسبيح علامة ودلالة. وتُحْملُ "ما" على ظاهرها فيكون لمعنى: ما من مخلوقٍ من عينٍ أو أَثَرِ إلا ويَدُلُّ على الصانع، وعلى إثبات جلاله، وعلى استحقاقه لنعوت كبريائه. ويقال: يُسبح لله ما في السماوات والأرض، كلٌّ واقفٌ على الباب بشاهدِ الطّلَبِ... ولكنه - سبحانه عزيزٌ. ويقال: ما تَقَلّب أحدُ من جاحدٍ أو ساجدٍ إلا في قبضة العزيز الواحد، فما يُصَرِّفهم إلا مَنْ خَلَقَهم؛ فمِنْ مُطيعٍ أَلْبَسَه نطاق وفاقه - وذلك فَضْلُه، ومِنْ عاصٍ رَبَطَه بمثقلة الخذلان - وذلك عَدْلُه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: العزيز: المُعِزُّ لِمَنْ طَلَبَ الوصول، بل العزيز: المتقدِّسُ عن كل وصول.. فما وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إلا حظِّه ونصيبه وصفته على ما يليق به.

البقلي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} نزه الله الاكوان ومن فيها بلسان العجز عن البلوغ الى ثنائه وبلسان الافتقار اليه وفى الحقيقة هو سبح لنفسه بالسنتهم لانها افعاله وبافعاله وصف نفسه اذ هو قبل وجود الكون نزه نفسه بصفته القديمة ثم وصف انفسه بفعله تشريفا للخليقة وتعظيما للحقيقة فتنزيهه غالب على تنزيه الخلق وحكم بعجزهم عن تسبيحه بقوله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {سبح لله مافى السموات والارض} التسبيح تنزيه الله تعالى اعتقادا وقولا وعملا عما لايليق بجانبه سبحانه بدأ الله بالمصدر فى الاسرآء لانه الاصل ثم بالماضى فى الحديد والحشر والصف لانه اسبق الزمانين ثم بالمستقبل فى الجمعة والتغابن ثم بالامر فى الاعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها ففيه تعليم عباده استمرار وجود التسبيح منهم فى جميع الازمنة والاوقات والحاصل ان كلا من صيغتى الماضى والمضارع جردت عن الدلالة على مدلولها من الزمان المخصوص فأشعر باستمراره فى الازمنة لعدم ترجيح البعض على البعض فالمكونات من لدن اخراجها من العدم الى الوجود مسبحة فى كل الاوقات لايختص تسبيحها بوقت دون وقت بل هى مسبحة ابدا فى الماضى وتكون مسبحة ابدا فى المستقبل وفى الحديث "حديث : أفضل الكلام اربع سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر لايضرك بأيهن بدأت"تفسير : وسئل على رضى الله عنه عن سبحان الله فقال كلمة رضى الله لنفسه وسبح متعد بنفسه كما فى قوله تعالى {أية : وتسبحوه}تفسير : واللام اما مزيدة للتأكيد كما فى نصحت له وشكرت له فى نصحته وشكرته او للتعليل والفعل منزل منزلة اللازم اى فعل التسبيح واوقعه واحدثه لاجل الله تعالى وخالصا لوجهه والمراد بما فى السموات والارض جميع المخلوقات من حى وجماد وجاء بما تغليبا للاكثر مع ان اكثر العلماء على ان مايعم العقلاء وغيرهم والمراد بستبيح الكل تسبيح عباده ومقال كما قال بعض الكبار قد أخذ الله بأبصار الانس والجن عن ادراك حياة الجمال الا من شاء الله والاشياء كلها انما خلقت له سبحانه لتسبح بحمده واما انتفاعا بها انما هو بحكم التبعية لا بالقصد الاول قال الحسن البصرى رحمه الله لولا مايخفى عليكم من تسبيح من معكم فى البيوت ماتقاررتم ثم وقال بعضهم لايصدر عن الحى الا حى ولو وجد من العالم موجود غير حى لكان غير مستند الى حقيقة الهية وذلك محال فالجماد ميت فى نظر المحجوب حى فى نفس الامر لاميت لان حقيقة الموت مفارقة حى مدبر لحى مدبر والمدبر والمدبر حى والمفارقة نسية عدمية لا وجودية فان الشان اما هو عزل عن ولاية وانتقال من دار الى دار وليس من شرط الحى أن يحس لان الاحساس والحواس امر معقول زآئد على كونه حيا وانما هما من شرط العلم وقد لا يحس وقد لايحس وتأمل صاحب الآكلة اذا اكل مايغيب به احساسه كيف يقطع عضوه ولا يحس به مع انه حى ليس بميت وقال بعضهم كل شىء فى العالم يسبح الله بحمده الذى اطلعه الله على انه حمد به نفسه ويختلف ذلك باختلافهم الا الانسان خاصة فان بعضه يسبح بغير حمده ولايقبل من الحق بعض مااثنى به على نفسه فهو يؤمن ببعض وهو قوله {أية : ليس كمثله شىء}تفسير : ويكفر ببعض وهو تنزيه الله عما اضافه الى نفسه ووصف نفسه به من التشبيه بالمحدثات فقوله تعالى {أية : وان من شىء الا يسبح بحمده}تفسير : اى بالثناء الذى اثنى به الحق على نفسه وانزله على السنة رسله لابما ولده العقل فان الله تعالى قال فى حق من سبح الحق بعقله {أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون}تفسير : اعلاما لنا انه ورآء كل ثناء واهل الله تعالى لابد لهم فى سلوكهم من سماع تسبيح كل شىء بلسان طلق لا لسان حال كما يعتقده بعضهم ثم ان الله تعالى من رحمته يأخذ اسماعهم بعد تحققهم ذلك ويبقى معهم العلم لانه لو أسمعهم ذلك على الدوام لطاشت عقولهم وفى الحديث "حديث : ان كل شىء من الجماد والحيوان يسمع عذاب القبر الا الثقلين"تفسير : فثبت ان السموات والارض بجميع اجزآئهما وما فيها من الملك والشمس والقمر والنجوم والانس والجن والحيوان والنبات والجماد لها حياة وفهم وادراك وتسبيح وحمد كما قال تعالى {أية : وان من شىء الا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم}تفسير : واعلم ان الله تعالى هو المسبح اسم مفعول فى مقام التفصيل والمسبح اسم فاعل فى مقام الجمع فالتسبيح تنزيه الحق بحسب مقام الجمع والتفصيل من النقائص الامكانية ومن الكمالات الانسانية المختصة من حيث التقيد والتعين {وهو العزيز} بقدرته وسلطانه لا يمانعه ولا ينازعه شىء {الحكيم} بلطفه وتدبيره لايفعل الا ماتقتضيه الحكمة والمصلحة وفيه اشعار بعلية الحكم فان العزة وهى الغلبة على كل شىء تدل على كمال القدرة والحكمة تدل على كمال العلم والعقل يحكم بأن الموصوف بهما يكون منزها عن كل نقص كالعجز والجهل ونحوهما ولذا كان الامن كفرا لأن فيه نسبة العجز الى الله تعالى وكذا اليأس لان فيه نسبة البخل الى الله الجواد

ابن عجيبة

تفسير : قلت: وقعت مادة التسبيح في القرآن بلفظ الماضي والمضارع والأمر والمصدر؛ استيفاء لهذه المادة، فقال هنا: {سَبَّحَ} وفي الجمعة:{أية : يُسَبِّحُ}تفسير : [الجمعة: 1] و{أية : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}تفسير : [الأعلى: 1] و{أية : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى}تفسير : [الإسراء: 1]. وهذا الفعل قد عُدّي باللام تارة، وبنفسه أخرى في قوله: {أية : وَسَبِّحُوهُ}تفسير : [الأحزاب: 42]، وأصله: التعدي بنفسه؛ لأنّ معنى سبَّحته: بعّدته من السوء، من: سَبَح: إذا ذهب وبَعُد، فاللام إما أن تكون مثل اللام في: نصحته ونصحت له، وإما أن يراد بـ"سبَّح لله": اكتسب التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصاً. قاله النسفي. يقول الحق جلّ جلاله: {سَبَّح لله} أي: نَزَّه اللّهَ عما لا يليق بجلاله، اعتقاداً، أو قولاً وعملاً، مَن استقر {في السماوات والأرض} مِن الملائكة والجن والإنس والجمادات، بلسان الحال والمقال، فإنَّ كل فرد من أفراد الموجودات يدلّ بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم، الواجب الوجود، المتصف بالكمال، المنزَّه عن النقائص، وهو المراد بقوله تعالى:{أية : وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44] قيل: إنما استغنى عن إعادة الموصل في خصوص هذه السورة لتكرر ذكر الأرض هنا في أربعة مواضع. هـ. {وهو العزيزُ} المنتقِم ممن لم يُسبِّح له عناداً، {الحكيمُ} في مجازاة مَن سبَّح له انقياداً. {وله مُلك السماواتِ والأرض} أي: التصرُّف الكلي فيهما وفيما فيهما من الموجودات، مِن نعت الإيجاد والإعدام وسائر التصرفات. قال الورتجبي: ذكر الله سبحانه ملكه على قدر أفهام الخليقة، وإلاّ فأين السموات والأرض من ملكه، والسموات والأرضون في ميادين مملكته أقل من خردلة! لمّا علم عجز خلقه عن إدراك ما فوق رؤيتهم، ذكر أنَّ مُلك السموات والأرض مِلكُ قدرته الواسعة، التي إذا أراد الله إيجاد شيء يقول كن فيكون بقدرته، وليس لقدرته نهاية، ولا لإرادته منتهى. هـ. {يُحيي ويميت} استئناف مُبيِّن لبعض أحكام المُلك، أي: هو يُحيي الموتى ويُميت الأحياء، {وهو على كل شيءٍ} من الأشياء، التي من جملتها الإحياء والإماتة {قدير} لا يعجزه شيء. {وهو الأولُ} القديم قبل كل شيء، {والآخرُ} الذي يَبقى بعد فناء كل شيء، {والظاهرُ} الذي ظهر بكل شيء، {والباطنُ} الذي اختفى بعد ظهوره في كل شيء، وقد جاء في الحديث:"حديث : اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء"تفسير : . قال الطيبي: فالمعنيّ بالظاهر على التفسير النبوي: الغالب الذي يَغلب ولا يُغلب، فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء؛ إذ ليس فوقه أحدٌ يمنعه، وبالباطن ألاّ ملجأ ولا منجا دونه، يُنجي ملتجئاً له. هـ. وسيأتي في الإشارة تحقيقه إن شاء الله. {وهو بكل شيءٍ عليم} لا يعزب عن علمه شيء من الظاهر والخفيِّ. {هو الذي خلق السماوات والأرضَ في ستة أيام} من أيام الدنيا، ولو أراد أن يخلقها في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الست أصلاً ليكون عليها المدار، وتعليماً للتأني، {ثم استوى} أي: استولى {على العرش} حتى صار العرش وما احتوى عليه غيباً في عظمة أسرار ذاته، {يعلم ما يَلِجُ في الأرض} ما يدخل فيها، من البذر، والقطر، والكنوز، والأمطار، {وما يعرجُ فيها} من الملائكة والأموات والأعمال، {وهو معكم أينما كنتم} بالعلم والقدرة والإحاطة الذاتية، وما ادعاه ابنُ عطية من الإجماع أنه بالعلم، فإن كان مراده من أهل الظاهر فمسلّم، وأمّا أهل الباطن فمجمِعون على خلافه، انظر الإشارة. {والله بما تعملون بصير} فيُجازي كلاًّ بعمله. {له مُلك السماوات والأرضِ} تكرير للتأكيد، وتمهيد لقوله: {وإِلى الله تُرجع الأمورُ} أي: إليه وحده لا إلى غيره استقلالاً واشتراكاً ترجع جميع الأمور، {يُولج الليلَ في النهار} يُدخل الليل في النهار، بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار، {ويُولج النهارَ في الليل} بأن ينقص من النهار ويزيد الليل، {وهو عليم بذات الصدور} أي: بمكنونها اللازمة لها من الهواجس والخواطر، بيان لإحاطة علمه تعالى بما يضمرونه من نياتهم وخواطرهم، بعد بيان إحاطته بأعمالهم التي يظهرونها على جوارحهم، أو بحقائق الصدور من صلاحها وفسادها، كَنّى بها عن القلوب. والله تعالى أعلم. الإشارة: التسبيح مأخوذ من السبْح، وهو العوم، فأفكار العارفين تعوم في قلزوم بحر الذات وتيار الصفات، وترجع إلى ساحل البر لتقوم بوظائف العبودية والعبادات، وقد سبَح في بحر الذات وغرق فيه أهلُ السموات والأرض، شعروا أم لم يشعروا، بل كل الكائنات غريقة في بحر الذات، ممحوة بأحديتها. قال القشيري: تنزيهاً لله تعالى من حيث الاسم الجامع لجميع الأسماء والصفات الجلالية والجمالية ما في السموات الذات من الأسماء الذاتية، المتجلية في المظاهر الكلية، وما في أرض الصفات من الأسماء الصفاتية، المتجلية في المظاهر الجزئية. اعلم أن فَلَك الذات سماء الصفات، وفلك الصفات أرض الذات، وكذلك فلك الصفات سماء الأسماء، وفلك الأسماء أرض الصفات، وهذه السموات والأرضون كلها مظاهر اسم الله الأعظم، وهو المسبَّح - بالفتح - في مقام التفصيل، والمسبِّح - بالكسر - في مقام الجمع، كما ذكرنا. هـ. قلت: ومعنى قوله: "فلك الذات سماء الصفات"... الخ، أنَّ أسرار الذات اللطيفة الأصلية سقف لأنوار الصفات، المتجلّي بها، وأنوار الصفات، أرض لتلك الأسرار، وكذلك أنوار الصفات سقف لأرض الأسماء، والأسماء أرض لسماء الصفات، وبقي عليه أن يقول: وفلك الأسماء سماء للأثر، والأثر أرض لسماء الأسماء، فكل مقام سماء لما تحته، وأرض لما فوقه، فالأثار أرض لسماء الأسماء، والأسماء أرض للصفات، والصفات أرض للذات، دلّ بوجود آثاره على وجود أسمائه، وبوجود أسمائه على وجود صفاته، وبوجود صفاته على وجود ذاته، وهذا مقام الترقي، ومقام التدلي بالعكس، انظر الحِكَم، وهو العزيز أن يُدرك كنه ربوبيته، الحكيم في اختفائه بعد ظهوره. له ملك سموات الأرواح وأرض الأشباح، أو: ملك سموات أفلاك الذات والصفات والأسماء، وفلك أرضها، على ما تقدّم. يُحيي قلوب أوليائه بمعرفته، ويُميت قلوب أعدائه بالجهل به، أو يُحيي القلوب بالعلم به، ويُميت النفوس بالفناء عنها، وهو على كل شيء قدير من الأحياء والإماتة وغيرهما. هو الأول بلا بداية والآخر بل نهاية، وهو الظاهر، فلا ظاهر معه، وهو الباطن في حال ظهوره. أو: هو الظاهر بتجلياته، والباطن بما نشر عليها من رداء كبريائه، أو: الظاهر بقدرته، والباطن بحكمته، أو: الظاهر بالتعريف، والباطن باعتبار التكييف. والحاصل: أنه ظاهر في بطونه، باطن في ظهوره، ما ظهر به هو الذي بطن فيه، وما بطن فيه هو الذي ظهر به، اسمه الظاهر يقتضي بطون الأشياء واستهلاكها وتلاشيها؛ إذ لا ظاهر معه، واسمه الباطن يقتضي ظهور حسها، ليكون باطناً فيها. وفي الحِكَم قال: "أظهر كل شيء بأنه الباطن، وطوى وجود كل شيء بأنه الظاهر". ولا يفهم هذا إلاّ أهل الأذواق. قال القشيري: هو الأول في عين آخريته، والآخر في عين أوليته، والظاهر في عين باطنيته، والباطن في عين ظاهريته، من حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آنٍ واحد؛ لأنها ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة، والحيثيات المتنافرة؛ لإحاطته بالكل، واستغنائه عن الكل. قيل لأبي سعيد الخراز: بِمَ عرفت الله؟ قال: بجمعه بين الأضداد، ثم تلا هذه الآية: {هو الأول والآخر...} الخ، ولا يتصور الجمع بين الأضداد إلاَّ مِن حيثية واحدة، واعتبار واحد، في آنٍ واحد. هـ. {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} قال القشيري: يُشير إلى مراتب الصفات الستة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، أي: هو الذي تجلّى للأشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفاة بالصفات الستة. انظر بقيته فيه. وتقدم الكلام على الاستواء في سورة الأعراف والسجدة. يعلم ما يلج في أرض البشرية من المساوئ، وما يخرج منها بالتخلية والمجاهدة، وما ينزل من سماء الغيوب على القلوب المطهرة، من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من حلاوة الشهود، وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته، على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه؛ إذ الصفة لا تُفارق الموصوف فإذا كانت المعية بالعلم لَزِمَ أن تكون بالذات، فافهم، وسلِّم إن لم تذق. حدثني شيخي، الفقيه المحرر" الجنوي": أنَّ علماء مصر اجتمعوا للمناظرة في صفة المعية، فانفصل مجلسهم على أنها بالذات، على ما يليق به. وسمعتُه أيضاً يقول: إنَّ الفقيه العلامة "سيدي أحمد بن مبارك" لقي الرجل الصالح سيدي "أحمد الصقلي"، فقال له: كيف تعتقد: {وهو معكم أين ما كنتم}؟ فقال: بالذات، فقال له: أشهد أنك من العارفين. هـ. قلت: فبحر الذات متصل، لا يتصور فيه انفصال، ولا يخلو منه مكان ولا زمان، كان ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان. وقال الورتجبي: للعارفين في هذا مقامان: مقام عين الجمع، ومقام إفراد القديم من الحدوث. فمِن حيث الوحدة والقِدم تتصاغر الأكوان في عزة الرحمن، وسطوات عظمته، حتى لا يبقى أثرها. ثم قال: ومِن حيث الجمع باشر نورُ الصفة نورَ العقل، ونورُ الصفة قائم بالذات، فيتجلّى بنوره لفعله من ذاته وصفاته، ثم يتجلّى من الفعل، فترى جميعَ الوجوه مرآةَ وجوده، وهو ظاهر لكل شيء، من كل شيء للعموم بالفعل، وللخصوص بالاسم والنعت، ولخصوص الخصوص بالصفة، وللقائمين بمشاهدة ذاته بالذات، فهو تعالى منزّه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع، وإنما هو ذوق العشق، ولا يعلم تأويله إلاّ العاشقون. هـ. وحاصل كلامه: أنك إن نظرت للوحدة لم يبقَ مَن تحصل معه المعية؛ إذ لا شيء معه، وإن نظرت من حيث الجمع والفرق أثبتَ الفرق في عين الجمع فتحصل المعية منه له جمعاً، ومنه لأثره فرقاً، ولا فرق حقيقة، فافهم، ولا يفهم هذا إلاّ أهل العشق الكامل، وهم أهل الفناء، كما قال ابن الفارض: شعر : فلم تَهْوَني ما لم تكن فيَّ فانياً ولم تَفْنَ ما لم تجْتَل فيك صورتي تفسير : ولمَّا ذكر تعالى تسبيحَ العالم له، وما احتوى عليه من الملك والتصرُّف، وما وصف به نفسه من الصفات العلى، وختمها بالعلم بخفيات الصدور، أمَرَ تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإيمان؛ فقال: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ}.

الطوسي

تفسير : يقول الله تعالى مخبراً ان جميع ما في السموات والارض يسبح له. وقد بينا فى غير موضع معنى التسبيح وانه التنزيه له عن الصفات التى لا تليق به. فمن كان من العقلاء عارفاً به فانه يسبحه لفظاً ومعنى، وما ليس بعاقل من سائر الحيوان والجمادات فتسبيحها ما فيها من الآية الدالة على وحدانيته وعلى الصفات التي باين بها جميع خلقه، وما فيها من الحجج على أنه لا يشبه خلقه وأن خلقه لا يشبهه، ذلك بالتسبيح. وإنما كرر ذكر التسبيح فى غير موضع من القرآن لانعقاده لمعان مختلفة لا ينوب بعضها مناب بعض، فمن ذلك قوله {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده} تفسير : فهذا تسبيح بحمد الله وأما {سبح لله ما في السماوات والأرض} فهو تسبيح بالله {العزيز الحكيم} فكل موضع ذكر فيه فلعقده بمعنى لا ينوب عنه غيره منابه، وإن كان مخرج الكلام على الاطلاق {والعزيز الحكيم} معناه المنيع بأنه قادر لا يعجزه شيء العليم بوجوه الصواب فى التدبير، ولا تطلق صفة {العزيز الحكيم} إلا فيه تعالى، لانه على هذا المعنى. وقوله {له ملك السماوات والأرض} اخبار بأن له التصرف فى جميع ما فى السموات والارض وليس لاحد منعه منه ولا أن احداً ملكه ذلك وذاك هو الملك الاعظم، لان كل ما عداه فما يملكه، فان الله هو الذي ملكه إياه، وله منعه منه. وقوله {يحيي ويميت} معناه يحيي الموات، لأنه يجعل النطفة وهي جماد حيواناً ويحييها بعد موتها يوم القيامة، ويميت الاحياء إذا بلغوا آجالهم التي قدرها لهم {وهو على كل شيء قدير} أي كل ما يصح ان يكون مقدوراً له، فهو قادر عليه. وقوله {هو الأول والآخر} قيل فى معناه قولان: احدهما - قال البلخي إنه كقول القائل: فلان اول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه أي عليه يدور الأمر وبه يتم. الثاني - قال قوم: هو أول الموجودات لانه قديم سابق لجميع الموجودات وما عداه محدث. والقديم يسبق المحدث بما لا يتناهى من تقدير الاوقات. والآخر بعد فناء كل شيء، لانه تعالى يفني الأجسام كلها وما فيها من الاعراض، ويبقى وحده ففي الآية دلالة على فناء الاجسام. وقوله {الظاهر والباطن} قيل فى معناه قولان: احدهما - انه العالم بما ظهر وما بطن. الثاني - انه القاهر لما ظهر وما بطن من قوله تعالى {أية : فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } تفسير : ومنه قوله {أية : ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً } تفسير : وقيل: المعنى إنه الظاهر بادلته الباطن من أحساس خلقه {وهو بكل شيء عليم} ما يصح ان يكون معلوماً، لانه عالم لنفسه. ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال {هو الذي خلق السماوات والأرض} أي اخترعهما وانشأهما {في ستة أيام} لما فى ذلك من اعتبار الملائكة بظهور شيء بعد شيء من جهة ولما فى الاخبار به من المصلحة للمكلفين ولولا ذلك لكان خلقها فى لحظة واحدة، لأنه قادر على ذلك من حيث هو قادر لنفسه. وقوله {ثم استوى على العرش} أي استولى عليه بالتدبير قال البعيث. شعر : ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : وهو بشر بن مروان، لما ولاه اخوه عبد الملك بن مروان. وقيل: معناه ثم عمد وقصد إلى خلق العرش، وقد بينا ذلك فيما تقدم. ثم قال {يعلم ما يلج في الأرض} أي ما يدخل فى الارض ويستتر فيها، فالله عالم به لا يخفى عليه منه شيء {وما يخرج منها} أي ويعلم ما يخرج من الارض من سائر النبات والحيوان والجماد ولا يخفى عليه شيء {وما ينزل من السماء} أي ويعلم ما ينزل من السماء من مطر وغير ذلك من انواع ما ينزل منها لا يخفى عليه شيء منها {وما يعرج فيها} أي ويعلم ما يعرج في السماء من الملائكة وما يرفع اليها من أعمال الخلق {وهو معكم} يعني بالعلم لا يخفى عليه حالكم وما تعملونه {والله بما تعملون بصير} من خير وشر أي عالم به. ثم قال {له ملك السماوات والأرض} أي له التصرف فيهما على وجه ليس لاحد منعه منه {وإليه ترجع الأمور} يوم القيامة. والمعنى أن جميع من ملكه شيئاً في دار الدنيا يزول ملكه ولا يبقى ملك أحد، ويتفرد تعالى بالملك، فذلك معنى قوله {وإليه ترجع الأمور} كما كان كذلك قبل أن يخلق الخلق.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إن هذه السورة مشتملة على المقصد الأقصى واللباب الأصفى من كيفية ارتقاء العباد من حضيض النقصان والخسران إلى أوْج الكمال والعرفان، وبيان السفر إلى الله تعالى طلباً للقائه، والارتحال من أسفل السافلين وتحت الثرى في البعد والحرمان عن مجاورة الرحمن، إلى أوْج عوالي العليّين، وفوق السمٰوات العلى من قرب رب الإنس والجانّ، وخالق النيران والجنان. فإن خلاصة دعوة العباد، ونقاوة سياقهم إلى الملك الجبّار، منحصرة في أقسام ستة: ثلاث منها كالدعائم والأصول المهمة، وهي تعريف الحق المسوق إليه المصمود له، وبيان الصراط المستقيم الذي يجب سلوكه للوصول إليه، وبيان الحال عند الوصول: فالأول: هو معرفة المبدأ، والآخر هو معرفة المعاد، والأوسط هو معرفة الطريق. وأما الثلاثة الأخيرة، فهي كالمعينة المتممة التي كالنوافل، والقُرْبُ الحاصل بها للعبد من الحق هو قُرْبُ النوافل، كما أن القُرْبَ الحاصل بالثلاثة الأوَل هو قُرْبُ الفرائض المشار إليه في الحديث المشهور. فأحدها: تعريف السالكين إلى الحق تعالى، المجيبين دعوة العزيز الوهّاب، ولطائف تربية الرب لهم، ودقائق صنعه فيهم، لصفاء جواهرهم، وطهارة أعيانهم عن الخبث والشَّيْن، ونقاوة وجه مرآتهم عن الطَّبْع والرَّيْن، وتهيؤهم واستعدادهم لقبول صورة الحق، وتوصيف الناكبين عن الطريق، الضالين، وكيفية حلول غضب الله عليهم، وكيفية تنكيله بهم، لسوء استعداداتهم، وخبث جواهرهم وذواتهم، وتراكم الرَّيْن والطَّبْع على مرآتهم، والمقصود فيه إما التشويق والترغيب - كما في أحوال المحبوبين -، أو الاعتبار والترهيب - كما في أحوال المغضوب عليهم -. وثانيها: حكاية افتضاح حال الجاحدين، وكشف عواقبهم، وتسفيه عقولهم، وتجهيلهم في تحرّيهم طريق الهلاك والبطلان بالمجادلة والمحاجّة على طريق الحق، والمقصود منه في جَنَبَة الباطل، الإفضاح للتحذير والتنفير، وفي جَنَبَة الحق الإيضاح للتثبيت والتقرير. وثالثها: تعليم عمارة المراحل إلى الله تعالى، وكيفية أخذ الزاد والأهبة والاستعداد، والمقصود منه أن معاملة الإنسان مع أعيان هذه الدنيا، يجب أن تكون مثل معاملة المسافر مع أعيان مرحلة من مراحل سفره البعيد الذي يطلب به تجارة لن تبور. فهذه هي المقاصد الستة المشتملة عليها والمنحصرة فيها سور القرآن وآياته، وهذه السورة الواحدة لغاية شرفها وفضلها عقلاً ونقلاً، حيث حديث : روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) "أن في المسبّحات آية أفضل من ألف آية يشتمل عليها وينحصر فيها جميع القرآن" . تفسير : ولنشرع في استنباط هذه النفائس الشريفة، عن هذا البحر الخضيم بقوة العزيز الحكيم، ولْنُسَمّ كل واحد من المعارف الثلاثة القرآنية التي هي الأصول باسم يناسبه، كما فعله بعض أكابر العلماء، وقد وجدناه في بعض مصطلحات العُرفاء، وذلك للدلالة على أن هذه المعارف في درجات متفاوتة من الشرف والفضيلة، مع اشتراك الجميع في الخير والمنفعة، فأين معرفة ذات الحق وصفاته وأفعاله، من معرفة علف الدابة وسقيها في طريق السفر إليه. فشرح المعارف الإلهية المشتملة على معرفة ذات الحق الأول، ومعرفة صفاته، ومعرفة أفعاله، هو المصطلح عليه بـ "الكبريت الأحمر" الحاصل من الخوض في لجّة بحر القرآن وأبعاضه والغوص في أعماقها. وشرح طريق السلوك إلى الله تعالى، وتعريف التبتّل إليه والانقطاع عن الدنيا، هو المسمى بـ "العنبر الأشهب" , "العود الأنفر" الحاصلين من السياحة في سواحل هذا البحر المحيط، المتشعب عنه علوم الأواخر والأوائل - كما تتشعب من البحر الأنهار والجداول -. وشرح أحوال المسافرين عند الوصول إلى المهيمن المتعال، هو المقلّب بـ "الترياق الأكبر" و "المسك الأذفر" الحاصلين من التغلغل إلى جزائره عند استدرارهما من حيواناته. ولك أن تسمي الثلاثة الروادف وأقسام كل قسم منها باسم يناسبه. ولا يخفى على الذكيّ المتبصر، مناسبة كل قسم بما وقعت التسمية به عليه، وإيَّاك وأن تحمل هذه الأسامي على الاستعارات الرسمية والتكلفات المجازية، فإنها ممقوتة عند ذوي الجد من أبناء الحقيقة، بل تحتها رموز وإشارات إلى معان خفية يعرفها من يعرف الموازنة والمماثلة بين عالمي المُلْك والمَلَكوت، والشهادة والغيب، ولو ذهبنا إلى تحقيق الموازنة بين هذه الأمثلة الحسّية، وحقائقها الغيبية، لأدّى إلى الإطناب. فلنُعْرض عنه إلى الخوض في الكتاب، مستمداً من العزيز الوهّاب. لمّا لاح لك أن المعارف الإلهية المشتمل عليها القسم الأول الذي يتوزع إلى معرفة الذات ومعرفة الصفات ومعرفة الأفعال هي "الكبريت الأحمر" فاعلم أن هذه الثلاثة ليست على رتبة واحدة، فكما أن أخص فوائد الكبريت هو الياقوت الأحمر لانّه أجَلّ قدراً وأعزّ وجوداً، لا يقع إلاَّ يسير منه بيد الملوك والسلاطين، وربما يظفر بما دونه بالكثير، فكذلك معرفة الذات، لكونها أجلّ قدراً ورتبة وأعظم رفعة لا يظفر بشيء منها إلاَّ ملوك الآخرة وسلاطينها - مثل الأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والدعاء، "جلَّ جنابُ الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يُطْلِع عليه إلاّ واحداً بعد واحد". ولكون معرفة الذات أضيقَ المعارف الإلهية مسلكاً ومجالاً، وأصعبَها على الضمير اعتقاداً ومقالاً، وأعصاها على الرويّة والفكر إذعاناً، وأنْفرَها عن التحفّظ والذكْر ضبطاً، فلذلك لا يشتمل القرآن منها إلاّ على إشارات وتلويحات يرجع أكثرها إلى السلوب والتقاديس، كقوله تعالى بعد ما ختم سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح. سبّح لله - أي: نزّهه وقدّسه عمّا لا يليق بشأنه، مما يوجب التكثر والتغيّر وبرّأه من كل نقص - ما في السموات والأرض. وهو العزيز - في ذاته - والحكيم - في أفعاله، لكونها على أحكم ترتيب وأتقنِ نظام. والصيغة تدل - ها هنا - على أن ما أُسند إليه الفعل ذلك هجِيّراه وديدنه، ويؤكد ذلك مجيئه على صيغة المضارع أيضاً في بعض الفواتح، وهذا الفعل يتعدى باللام تارة وبنفسه أخرى، وأصله الثاني، لأنه المنقول من سبح، إذا ذهب وبَعُد، فمعنى سبّحتُه: بعدّته عن الشَّيْن. فاللام فيه إما أن يكون كاللام في "نصحته" و "نصحت له"، أو يكون معنى الكلام: أحدث التسبيح ابتغاء لوجه الله وخالصاً له. قال مقاتل: يعني كل شيء من ذي الروح وغيره وكل خلق فيهما. ولعل الغرض أن العقلاء يسبّحونه قولاً واعتقاداً، وما ليس بعاقل من سائر الحيوانات والجمادات فيسبّحه بما فيه من الأدلة الدالة على وحدانية مُبْدِعِهِ وصفاته التي تخصه، فعبّر سبحانه عن هذه الدلالة بالتسبيح، كأنها إقرار منهم بلسان الحال من جهة إمكانها وحدوثها، على الصانع القديم الواجب لذاته. ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه، وعليهما عند من جوّز إطلاق اللفظ على معنييه، وجوّز بعضهم أن يكون "ما" - ها هنا - بمعنى "مَن"، ويؤيده ما حكى أبو زيد أن الحجازيين كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: "سبحان ما سبحت له". وقيل: المراد منه، كل ما يتأتى منه التسبيح. هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام، ولا يخفى عدم ملائمة كل من التأويل والتخصيص المستفاد من كلامهم لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على تسبيح جميع الموجودات حقيقة - حتى المسمى بالجماد والنبات -. منها: قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ}تفسير : [النور:41]. ومنها: قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحج:18]. وفي هاتين الآيتين، إشعار بأن هذا تسبيح فطري وسجود ذاتي نشأ عن تجلّي الحق لكل من خلق وأنطقه الذي أنطق كل شيء، فأحبّوه وتواضعوا له من غير تكليف، بل اقتضاء ذاتي طباعي، والذي يمنع من هذه العبادة الذاتية الأفكارُ الوهمية والتخيّلات الشيطانية، التي تكون لأكثر الناس والتي بها يستحق كثير منهم العقوبة والعذاب، كقوله تعالى: {أية : وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الحج:18]. والنكتة في أن "ألَم تَرَ"، أتي بها بصيغة خطاب المفرد: أن غير النبي لم يشهد ذلك، فهو له عيان ولنا إيمان. ومنها: قوله تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} تفسير : [النحل:48]. وكذا أمثالها ونظائرها من الآيات الدالّة على وقوع التسبيح من جميع الموجودات حقيقة على وجه يستلزم الشعور والإدراك، وكفاك في هذا التعميم والشمول قوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء:44]. وحكاية تسبيح الحصى في كفّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسماعه وإسماعه، أمر مشهور، وفي ألسنة الرواة مذكور، وبالإيمان والتصديق مقرون عند الجمهور. ويعتضد أيضاً بما روي عن ابن مسعود أنه قال: كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله حجر ولا شجر إلاّ ويقول: السلام عليك يا رسول الله. وأمثاله كثير في الروايات، فلا وجه للعدول عن الظاهر المنقول المُتَلقّى بالقبول عند أرباب الكشف والشهود. وأصحاب الإيمان والتسليم. فإن قلت: التسبيح بالمعنى الظاهر منتفٍ عن الجماد لعدم الإدراك فيه. قلنا: لا نسلّم ذلك، لعدم ما يدل على نفي الشعور فيه مطلقاً، بل الدليل قائم في العلوم العقلية على أن الطبائع النوعية لها غايات طبيعية مترتبة على أفاعيلها، وفيها علل غائية وأسباب مستدعية لوقوع الفعل المخصوص منها، إلاّ أن غير أهل الكشف والحال، إذا لم يقنعوا بمجرد التقليد في العقائد والأقوال، تأبّت عقولهم عن الإيمان بهذا التسبيح، وتعصّت عن دركه أفكارهم إلى أن يأتي الله لهم بالفتح أو أمر من عنده. مُكاشفة واعلم أن إثبات الشعور والإدراك لجميع ما في العناصر والأفلاك، مما دلّت عليه المباحث البرهانية وشهدت به العلوم الذوقية، وأيّدته المقامات الكشفية، كما أشرنا إليه، وهو مذهب جم غفير من الراسخين في العلم واليقين، ورأي طائفة عظيمة من المكاشفين، منهم الشيخ العارف والمحقق المكاشف محيي الدين الأعرابي وأتباعه وتلاميذه. قال - قدس سرّه -: "إن المسمى بالجماد والنبات لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إيَّاها في العادة فلا يحس بها مثل ما يحس به من الحيوان، فالكل عند أهل الكشف حيوان بل ناطق، غير أن هذا المزاج الخاص يسمّى إنساناً لا غير، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف، فقد سمعنا الأحجار تذكر الله رؤية عين بلسان تسمعها آذاننا منه، وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله، مما ليس يدركه كل إنسان". وتحقيق هذا التسبيح، يستدعي بَسْطاً في الكلام لا يسعه هذا المقام، وربما يؤدي ذلك إلى شنعة الجهّال واللئام عند سماعهم شيئاً يخالف ما تلقفوه ممن أخذوا منه تعصباً وتقليداً، والذي يليق ذكره ها هنا هو أن لكل نوع من الأنواع الجسمانية مَلَكاً موكلاً عليه مدبراً لآحاده، ومعتنياً بتربية أفراده - كما ذهب إليه أفلاطون والحكماء المشرقيّون - طباقاً للشريعة الحقة من تسمية بعض ملائكة الله المدبّرين لأنواع الأجسام بالإضافة إلى نوع ما يتعلق به تعلق التدبير والتأثير بإذن ربه العليم الخبير، كمَلَك الجبال وملَكَ البحار ومَلَك الرياح ومَلَك الأمطار. فهذه أحزاب من الملائكة، موكلة بجنس الأجسام، ونسبة كل منها إلى أفراد مظهره الذي يقال له في عرف بعض عرفاء الحكماء "الطلسم" أتم في باب المعية من نسبة النفوس إلى أبدانها، بل نسبته إليها نسبة حقيقة الشيء وذاته المطلقة عن العوارض الخارجة إلى ذلك الشيء. فكما أن الأفعال الصادرة عن الإنسان بالاختيار، إنما تصدر عن هويته وذاته الباطنة عن إدراك الحس - وهو نفسه المدبّرة له - والبدن في ذاته من حيث هو بدن لا شعور له بل لا وجود له كما حققنا ذلك في موضعه -، فكذلك هذه الأجسام الطبيعية، إنما يصدر ما نيسب إليها من الحركة والسكون والتغذية والتنمية والتوليد وغيرها من حيث ملكوتها وبواطنها، التي هي صورة حقيقتها ومقوّم ذاتها، لا مِنْ حيث جسميّتها ومادتها. ثم إنه قد ثبت في المعارف الربوبية، إن كل ما يصدر عن المبادئ الذاتية فهو إنما يصدر عنها تضرعاً ورجوعاً إلى باريها العالي، لا التفاتاً إلى السافل، وحقيقة التسبيح ليست إلاَّ ما يستلزم الخضوع والتمجيد، سواء كان باللسان أو بآلة أخرى، فأشخاص العالم بأسرها في هذه العبادة الذاتية وهذا السجود الفطري، متدينة بهذا الدين الإلهي الذي قام به وواظب عليه الجميع، إلاَّ كل مخلوق له قوة التفكر والروية وليس إلاَّ النفوس الناطقة الإنسانية - والحيوانية خاصة - من حيث أعيان نفوسهم لا من حيث هياكلهم، فإن هياكلهم كسائر موجودات العالم في التسبيح والسجود له، ألا تراها تشهد على النفوس المسخّرة لها يوم القيامة من الجلود والأيدي والأرجل والألسنة والسمع والبصر، وجميع القوى، فالحكم لله العلي الكبير. فإن قلت: فما تقول في الاستثناء الواقع في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة:34]، فإن السجدة المأمور بها لآدم في الحقيقة، سجدته لله تعالى، وطاعة لأمره، فإباء إبليس عن سجدة آدم عين إبائه عن سجدة ربه، ولهذا كان من الكافرين، فينافى ذلك بحسب الظاهر عموم الآيات المنقولة، وكلية الحكم بعبادة كل موجود من حيث هو موجود عبادة جبليّة. قلنا: إن إباء إبليس عن السجود، واستكباره وعصيانه بحسب ظاهر الأمر، هو عين سجوده وطاعته وخدمته وتواضعه لربه، باعتبار القضاء الأزلي، فإن العزيز الجليل أقامه في حجاب العزة والجلال ذليلاً محجوباً حتى يكون إبليس مطروداً ملعوناً محترقاً بنار البعد والضلال في الدنيا، ومعذباً بنار الجحيم والنكال في الآخرة - حسب ما جرى عليه القضاء -، فلم يكن له بد من موافقة علمه تعالى الذي هو عين إرادته، ولذلك أقسم بعزته تبارك وتعالى للإغواء، لأن الإغواء من مقتضيات العزة، والاحتجاب بحجب الجلال. ولعل في قوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} - في هذه الآية - إيماءً بأن طاعة الموجودات وتسبيحها للحق تعالى على النهج الطباعي الشمولي الذي جرى عليه القضاء الأزلي، ولا يمكن لأحد التفصّي عنه والعدول إلى غيره، فعصيان العصاة وتمردهم نحو من الطاعة والامتثال لحكم الأسماء، فأهل الحجاب، أو عباد الكثرات لا يجيبون دعوة التوحيد، ومن كان في مرتبة الجمع، يطّلع على مراتبهم ويعذر الكل فيما هم عليه، ويعلم أن إنكارهم عين الإقرار وفرارهم عين الإجابة لدعوة العزيز الجبار. كما نقل عن سيد الأولياء أمر المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: "تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود".

الجنابذي

تفسير : {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} قد مضى فى سورة بنى اسرائيل بيان تسبيح الاشياء عند قوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44]، ومضى مكرّراً انّ المقصود من التّسبيح من اىّ شيءٍ كان هو تنزيه لطيفته الالهيّة ووجهته الرّبّانيّة من نقائص المادّة وحدودها فانّ كلّ موجودٍ ممّا له قوّة واستعداد بفطرة ذاته يخرج من القوّة الى الفعليّة، ومن النّقص الى الكمال، ومن الحدود الى الاطلاق بالاضافة الى مراتبه النّاقصة، وهذا الخروج هو تسبيحه الفعلىّ ولمّا كان تلك الوجهة الالهيّة بوجه ربّه وبوجه اسم ربّه وبوجه مظهر الله وبوجه شيئيّة ذلك الشّيء وذاته كان المقصود من التّسبيح سواء علّق على الله او على الرّبّ او على اسم الرّبّ هو تنزيه تلك اللّطيفة، واللاّم فى الله زائدة للتّقوية، والله مفعول به لسبّح او للتّعليل، ومفعوله محذوف، ولفظ سبّح مأخوذ من سبحان الله بطريق المشتقّات الجعليّة اى قال سبحان الله، او هو من التّسبيح بمعنى نزّه الله، والاختلاف بالمضىّ والمضارعة فى تلك السّور للاشعار بانّ التّسبيح فطرىّ للاشياء غير مقيّدٍ بزمانٍ دون زمانٍ ولتجديد نشاط السّامع والتّفنّن فى العبارة، والاتيان بالمصدر فى بنى اسرائيل للاشعار بانّه تعالى منزّه فى ذاته سبّحه مسبّحٌ ام لم يسبّحه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب الّذى غلبته تقتضى تسبيح كلّ شيءٍ فانّ الغالب يتوجّه كلّ شيءٍ اليه ويعظّمه وينزّهه من كلّ نقصٍ {ٱلْحَكِيمُ} الّذى اتقن صنع كلّ شيءٍ بحيث لا يوجد شيءٌ الاّ وهو مسبّح له ولاتقان صنعه لا يشعر احدٌ بتسبيح شيءٍ من الاشياء ولو اشعر هلك او جنّ ما لم ينفتح سمعه الملكوتىّ.

الأعقم

تفسير : المعنى: {سبح لله ما في السماوات و الأرض} إما ما يعقل في السماوات الملائكة والأرض والمؤمنون فيسبحونه قولاً وفعلاً واعتقاداً، وإما ما لا يعقل فتسبيحه على وجهين: أحدهما بما فيه من الدلالة على تنزيهه، والثاني دلالة العبادة له فيصرفه كيف يشاء {وهو العزيز الحكيم} القادر الذي لا يمتنع عليه شيء ومع ذلك حكيم محكم لأفعاله لا يفعل إلا الحسن، وقيل: الحكيم العالم بكل شيء {له ملك السماوات والأرض} اختراعهما وتصرفهما كما يشاء، وقيل: خزائنهما من مطر ونبات ورزق وإحياء وإماتة وإيجاد وإعادة {يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير} {هو الأول والآخر} قيل: الموجد أولاً قبل كل موجود والآخر بعد فناء كل شيء يعني أنه قديم باقي {والظاهر} بالأدلة الدالة عليه، {والباطن} لكونه غير مدرك بالحواس، وقيل: الظاهر على كل شيء بالقدرة، والباطن العالم بما ظهر وبطن {وهو بكل شيء عليم} موجوداً كان أو معدوماً {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} لاعتبار الملائكة بأنه يظهر شيئاً بعد شيء {ثم استوى على العرش} المعروف، والاستواء عليه كونه قادراً عليه وعلى خلقه قال: شعر : قد استوى بشر على العراقِ من غير سيف ودم مهراق تفسير : وهو العرش المعروف في السماء، وقيل: العرش الملك، وقيل: على بمعنى إلى يعني لما خلق السماوات والأرض استوى على العرش فخلقه، والاستوى بمعنى القصد كقوله: {أية : ثم استوى إلى السماء} تفسير : [البقرة: 29] {يعلم ما يلج في الأرض} أي ينزل في الأرض من الحيوانات والأموات والكنوز والمياه {وما يخرج منها} من أنواع النبات والجواهر والميات {وما ينزل من السماء} من الملائكة والأمطار {وما يعرج فيها} أي يصعد من الأعمال حتى لا يخفى عليه شيء {وهو معكم} بالعلم والقدرة {أينما كنتم والله بما تعملون بصير}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الحديد، وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. قال بعضهم: العزيز في نقمته، الحكيم في أمره. وتفسير الحسن: العزيز: بعزته ذل من دونه. قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {هُوَ الأَوَّلُ} [يعني قبل كل شيء] {وَالآخِرُ} [بعد كل شيء] {وَالظَّاهِرُ} [يعني العالم بما ظهر] {وَالْبَاطِنُ} [يعني العالم بما بطن] {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ذكروا عن الحسن قال: اجتمعت أربعة أملاك فقالوا لأحدهم: من أين جئت؟ فقال: من السماء السابعة من عند ربي، ثم قالوا للثاني: من أين جئت فقال: من الأرض السابعة من عند ربي. فقالوا للثالث: من أين جئت؟ فقال: من المشرق من عند ربي. فقالوا للرابع من أين جئت؟ فقال: من المغرب، من عند ربي. ثم تلا هذه الآية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ علِيمٌ}. ولا أعلمه إلا رفعه إلى النبي عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {سَبَّحَ للهِ} أصل التسبيح التعدي بنفسه وعدي باللام هنا اشعاراً بأن ايقاع الفعل لاجل الله سبحانه وخالصا له والفعل هو التسبيح أو لتضمنه معنى الخضوع أو تارة بنفسه وأخرى باللام كنصح وشكر وإنما كان اصله التعدي لا معنى سبح نزه وأبعد عن السوء من سبح بالتخفيف بمعنى بعد، وجاء هنا وفي الحشر والصف بلفظ الماضي وفي الجمعة والتغابن بلفظ المضارع اشعاراً بأن من شأن ما أسند اليه التسبيح أن يسبح الله في جميع أوقاته لأنه أهل للتسبيح في كل حال فالماضي للاستمرار كالمضارع والظاهر أن الماضي للحال وما قبله والمضارع للاستمرار وجاء في الاسراء بالمصدر اشعارا باستحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل وقت وذلك لانه مصدر لم يذكر له فاعل ولا يدل على الزمان إلا عموماً. {مَافِى السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} من غير عاقل وعاقل حيوان وغيره ان قلنا التسبيح الخضوع والانقياد أو الدلالة على الصانع وتعظيمه وان قلنا تسبيح الحيوان لساني وغيره خضوع ودلالة لزم الجمع بين معنيي كلمه بل التسبيح حقيقة في اللسان مجاز في غيره عند بعض فيلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وفي ذلك خلاف وقيل المراد العقلاء. {وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} حال مشعرة بما هو المبدو والتسبيح والعزة الغلبة وكما القدرة والحكمة كون الفعل على الصواب ووضع الشيء في موضعه وروي أن الدعاء بعد سورة الحديد مستجاب.

اطفيش

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} قال محمد بن الحنفية قال البراء بن عازب لعلى بن أبى طالب: أسأَلك بالله إِلا ما خصصتنى بأَفضل ما خصك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما خصه به جبريل مما بعث به الرحمن عز وجل. قال: يا براء إِذا أردت أن تدعو الله باسمه الأَعظم فاقرأ من أول الحديد عشر آيات وآخر الحشر ثم قل يا من هو هكذا أو ليس شئ هكذا غيره أسأَلك أن تفعل لى كذا وكذا، فوالله يا براء لو دعوت علىَّ لخسف بى {سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ما واقعه على ما فيهما من العقلاء وغيرها من الحيوانات والجمادات وأجزاء السماوات والأَرض، والتسبيح بمعنى الخضوع فى الكل أو بمعنى النطق بالتنزيه فى الكل بأَن يخلق الله لما لا نطق له نطقاً لا يسمع وقد أثبتت الصوفية للجمادات النفوس الناطقة، وإن من شئ إِلا يسبح بحمده، أو تسبيح الحيوان بالنطق والجماد بقصد يخلقه له فيه أو بالخضوع له بأَن يتصرف فيها بما يشاء فيكون جمعاً بين الحقيقة والمجاز أو من عموم المجاز باعتبار الخضوع أو التعظيم والكل راجع إِلى تنزيه الله عما لا يجوز فى حقه اعتقادا وقولا وعملا، ويقال سبح فى الأَرض زيد أو الماء بالتخفيف بمعنى ذهب فيها وأبعد وشدد للمبالغة وقيل للتعدية بمعنى الحمل على قول لا إِله إِلا الله وهو خلاف المتبادر وقيل ما للعقلاء هنا خاصة كما استعملت للعالم سبحانه وحده فى قولهم: سبحان ما سبح الرعد بحمده، والعموم أولى وعلى كل حال هى عامة بلا تقدير لفظ آخر فى قوله: والأَرض هكذا وما فى الأَرض والتسبيح متعد فاللام للتأْكيد كنصحته ونصحت له وشكرته وشكرت له أو للتعليل على أن الفعل منزل منزلة اللام لا يعتبر له تعلق بالمفعول فيكون المعنى إِيقاع التسبيح لأَجل الله عز وجل أو إِيقاع التسبيح لله عز وجل كما تقول فعلت لزيد كذا بمعنى النفع له تعالى الله عز وجل، وكان فى بعض السور سبح، وفى بعضها يسبح إِيذاناً بأَن الله أهل لأَن يسبحه خلقه فى الماضى والحال والمستقبل، وخلقه حقيق أن يسبحوه كذلك والمضارع للاستمرار أو الماضى باعتبار ما مضى إِلى وقت النزول والمضارع من حين النزول على الاستمرار فعم، وأيضاً كان بعض بالأَمر وبعض بالمعنى المصدرى وهو سبحان، ففى أول سورة الإِسراء التسبيح باسم المصدر، وفى أول سورة الأَعلى بفعل الأَمر وفى أول بعض بالماضى وفى بعضه بالمضارع فقد استوعب التسبيح هذه الجهات كلها من الكلمة، كما أن الخلق من حين إِخراجه من العدم يسبح الله قولا وفعلا واعتقادا وطوعا وكرها {وَهُوَ الْعَزِيزُ} الغالب الذى لا يرد ما أراد أو قال أو فعل {الْحَكِيمُ} لا يفعل إِلا ما هو صواب {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} إِيجاداً وإِعداما وإِبقاء بكل ما أراد من التصرف {يُحْيِي وَيُمِيتُ} استئناف ولا غرض للفعلين فى المفعول به فهما لازمان فى الآية أى يفعل الإِحياء والإِماتة {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} من الأَجسام والأَعراض والجواهر {قَدِيرٌ} عظيم القدرة يوجده ويتصرف فيه بما أراد {هُوَ الأَوَّلُ} وحده لم يسبقه شئ ولم يكن معه شئ بلا أول فأَخطأَ من قال صفاته غيره، قديمة معه ومن قال لم يزل يخلق الأَشياء فيبقى ما يبقى ويفنى ما يفنى والزمان حادث فالله عز وجل متقدم عليه {وَالآخِرُ} الباقى بعد الإِحياء ودوام المخلوق غير ممنوع والممنوع قدمه فبعض الأَجسام تبقى ولا تتلاشى وتبعث وتدوم فى الجنة أو النار والجنة والنار حادثتان وهما دائمتان مع ما فيهما، وإِن شئت فكل مخلوق ولو فى حال استمرار معدوم بمعنى الصلوح للعدم، أو الأَول تبتدئ منه الأَسباب، بخلقه لها والآخر ذهنا بحسب التعقل، من حيث أن الصنعة تدل على الصانع كما يقال ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله بعده، وإِن شئت فقل إِلا رأيت الله معه وذلك أنه يستدل بالموجود على الموجد تعالى، وبالصنعة على الصانع ومعنى أنَّ الله موجود أنا نعتقد وجوده وكذا غيره، وإِن شئت فقل فى غيره موجد بضم الميم وفتح الجيم، ولا تناقض فى أنه أول وآخر معاً لاختلاف متعلقى الأَولية والآخرية كما مر هنا ومن ذلك أنك تعرف وجوده بأَفعاله أولا، وكل معرفة تحصل فهى مرقاة إِلى معرفته ولا تنتهى إِلا إِليه وفسر بعضهم الآية بهذا وأنا أعوذ بالله عز وجل أن أفسر القرآن بما هو تصوف وبالأُمور البعيدة، ولو كنت قد أذكر ذلك حكاية. {وَالظَّاهِرُ} بمخلوقاته {وَالْبَاطِنُ} عن أن يدركه خلقه بحاسة أو عقل فلا تناقض بين الظاهرية والباطنية لاختلاف متعلقيهما والمخالف للحوادث لا يتصور أن تدركه الحوادث، وذلك مخالفة ذاتية لا تختلف بالدنيا والآخرة، والظاهر معطوف على الأَول لا على الآخر، لأَن الواو لا ترتب والباطن معطوف على الظاهر، لأَنه مقابله كما عطف الآخر على الأَول وهو مقابله ولا وجه لعطفهما معا على الأَول والآخر معا، ولو كان المعنى على ذلك وقيل المعنى العالم بالظاهر والباطن، وذلك أن ما بطن يحتجب عنه ما ظهر، وما ظهر يحتجب عنه ما بطن كقوله تعالى لا شرقية ولا غربية، أى لا شرقية فقط ولا غربية فقط بل جامعة لفائدة الشرقية والغربية، وقيل الظاهر الغالب وهو استعمال مشهور، يقال ظهر عليهم أى غلبهم والباطن العالم بما بطن منهم فتفوت المطابقة معنى، ولو بقيت لفظا، وفيه أنه لا يعرف فى اللغة بطنه بمعنى علم باطنه، ولو ورد مثل ركبه بفتح الكاف بمعنى أصاب ركبته أو أصابه بركبته، إِذ هذا مقصور على السماع فلا يخرج عليه القرآن حتى يعلم بوروده، وجاء الظاهر بمعنى الغالب فى قوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة رضى الله عنها لما سأَلته خادما قولى: حديث : اللهم رب السماوات السبع ورب العرش الكريم العظيم، ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإِنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأَول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين واغننا من الفقر تفسير : إِلا أنه لا مانع من أن الظاهر فى الحديث بمعنى الغاية فى الظهور إِذ كل شئ دليل عليه والباطن فيه بمعنى أنه لا شىء أخفى منك إِذ لا يعلمك غيرك، وما علمك إِلا أنت، وعبارة بعض الأَول القديم والآخر الرحيم والظاهر الحكيم والباطن العليم، وقيل الأَول بصفاته وأفعاله والآخر بصفاته وأفعاله بعد فناء الخلق وأفعالهم وصفاتهم، وعن مقاتل بلغنا أن المعنى الأَول قبل كل شئ والآخر بعد كل شئ والظاهر فوق كل شئ والباطن أقرب من كل شئ يعنى القرب بعلمه وقدرته. وعن أبى هريرة: والذى نفسى بيده لو أنكم دليتم بحبل إِلى الأَرض السفلى لهبطتم على الله أى لهبطتم على ما هو معلوم لله وهو متصرف فيه وعالم به غير مهمل له وقرأ الآية. وفى الترمذى عن أبى هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وبين السماء والأَرض خمسمائة عام، والذى نفسى بيده لو تدليتم بحبل إِلى الأَرض السابعة، لهبطتم على الله تعالى، ثم قرأ هو الأَول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليمتفسير : ، وعن ابن عباس أنه اشتكى إِليه أبو زميل الوسوسة فقال: إِذا وجدت شيئا فقل هو الأَول الآية، وعنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إِذا قال الناس علمنا أنَّ الله قبل كل شيء فماذا قبل الله؟ فقولوا: هو الأَول والآخر"تفسير : إِلخ. يعنى إِذا قالوا علمنا أن الله قبل هذه الأَشياء التى علمناها وسأَل عمر كعبا فقال علمه بالأَول كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن، ومن التصوف قول الجنيد الأَول بشرح القلوب والآخر بغفران الذنوب والظاهر بكشف الكروب والباطن بعلم الغيوب، وقول بعض الأَول ببره إِذ عرفك توحيده والآخر بجوده إِذ عرفك طريق التوبة والظاهر بتوفيقه إِذ وفقك للسجود له والباطن بستره عيوبك {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أى مع أنه باطن عالم بما ظهر ومع أنه ظاهر عالم بما بطن فهو عالم بكل شئ، لا كالحادث الباطن لا يعلم بالظاهر والحادث الظاهر لا يعلم بالباطن، فهذا تحرز عن أن يتوهم أنه لما كان باطنا لا يعلم ظاهراً ولما كان ظاهراً لا يعلم باطنا.

الالوسي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } التسبيح على المشهور تنزيه الله تعالى اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليق بجنابه سبحانه من سَبَحَ في الأرض والماء إذا ذهب وأبعد فيهما، وحيث أسند هٰهنا إلى غير العقلاء أيضاً فإن {مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} يعم جميع ما فيهما سواء كان مستقراً فيهما أو جزءاً منهما بل المراد بما فيهما الموجودات فيكون أظهر في تناول السماوات والأرض ويتناول أيضاً الموجودات المجردة عند القائل بها، قال الجمهور: المراد به معنى عام مجازي شامل لما نطق به لسان المقال كتسبيح الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ولسان الحال كتسبيح غيرهم فإن كل فرد من أفراد الموجودات يدل بإمكانه وحدوثه على الصانع القديم الواجب الوجود المتصف بكل كمال المنزه عن كل نقص، وذهب بعض إلى أن التسبيح على حقيقته المعروفة في الجميع وهو مبني على ثبوت النفوس الناطقة والإدراك لسائر الحيوانات والجمادات على ما يليق بكل، وقد صرح به جمع من الصوفية فتسبيح كل شيء عندهم قالي وإن تفاوت الأمر، وقيل: معنى سبح حمل رائيه العاقل على قول سبحان الله تعالى ونبهه عليه وهو كما ترى، ومن يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه معاً لا يحتاج إلى / عموم المجاز. وجوز الطبرسي كون {مَا } للعالم فقط مثلها في قول أهل الحجاز كما حكى أبو زيد عند سماع الرعد ـ سبحان ما سبحت له ـ ولا يخفى أن عمومها العالم وغيره أولى، والظاهر أنها في الوجهين موصولة، وقال بعضهم: إنها نكرة موصوفة وأن أصل الكلام ما في السماوات وما في الأرض ثم حذفت ما الثانية وأقيمت صفتها مقامها، ولا يحسن أن تكون موصولة لأن الصلة لا تقوم مقام الموصول عند البصريين وتقوم الصفة مقام الموصوف عند الجميع، والحمل على المتفق عليه أولى من الحمل على المختلف فيه وكون المذكورة موصولة والمحذوفة نكرة موصوفة مما لا وجه له انتهى. وأنت تعلم أن حذف الموصول الصريح في مثل ذلك أكثر من أن يحصى. وجيء باللام مع أن التسبيح متعد بنفسه كما في قوله تعالى: {أية : وَتُسَبِّحُوهُ }تفسير : [الفتح: 9] للتأكيد فهي مزيدة لذلك كما في نصحت له وشكرت له، وقيل: للتعليل والفعل منزل منزلة اللازم أي فعل التسبيح وأوقعه لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه، وفيه شيء لا يخفى. وعبر بالماضي هنا وفي بعض الأخوات وبالمضارع في البعض الآخر إيذاناً بتحقق التسبيح في جميع الأوقات، وفي كل دلالة على أن من شأن ما أسند إليه التسبيح أن يسبحه وذلك هجيراه وديدنه، أما دلالة المضارع عليه فللدلالة على الاستمرار إلى زمان الإخبار وكذلك فيما يأتي من الزمان لعموم المعنى المقتضي للتسبيح وصلوح اللفظ لذلك حيث جرد عن الدلالة على الزمان وأوثر على الاسم دلالة على تجدد تسبيح غبّ تسبيح، وأما دلالة الماضي فللتجرد عن الزمان أيضاً مع التحقيق الذي هو مقتضاه فيشمل الماضي من الزمان ومستقبله كذلك، وقيل: الإيذان والدلالة على الاستمرار مستفادان من مجموعي الماضي والمضارع حيث دل الماضي على الاستمرار إلى زمان الإخبار والمضارع على الاستمرار في الحال والاستقبال فشملا معاً جميع الأزمنة، وقال الطيبـي: افتتحت بعض السور بلفظ المصدر وبعض بالماضي وبعض بالمضارع وبعض بالأمر فاستوعب جميع جهات هذه الكلمة إعلاماً بأن المكونات من لدن إخراجها من العدم إلى الوجود إلى الأبد مسبحة مقدسة لذاته سبحانه وتعالى قولاً وفعلاً طوعاً وكرهاً { أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الاسراء: 44]. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } القادر الغالب الذي لا ينازعه ولا يمانعه شيء {ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله مشعر بعلة الحكم، وكذا قوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ... }.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي يتحقق في ذاتها حقيقة إيمانها. هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله؛ فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئاً.. لا الأرواح ولا الأموال؛ ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور.. وهي الحقيقة التي تستحيل بها النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض. موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل في هذه الموازين. كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه. وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة تدعو السورة الجماعة الإسلامية إلى البذل في سبيل الله. بذل النفس وبذل المال: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه. فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير، وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وإن الله بكم لرءُوف رحيم. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله، ولله ميراث السماوات والأرض. لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولـئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا. وكلاً وعد الله الحسنى. والله بما تعملون خبير} وعلى أساس هذه الحقيقة الكبيرة كذلك تدعو الجماعة الإسلامية إلى الخشوع لذكر الله وللحق الذي أنزله الله ليجيء البذل ثمرة لهذا الخشوع المنبعث من الحقيقة الإيمانية الأولى: {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون }.. تفسير : وكذلك تضع قيم الدنيا وقيم الآخرة في ميزان الحق؛ وتدعو الجماعة الإسلامية لاختيار الكفة الراجحة، والسباق إلى القيمة الباقية: {أية : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد، كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يكون حطاماً. وفي الآخرة عذاب شديد، ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور: سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم }.. تفسير : وظاهر من سياق السورة - إلى جانب عمومية الدعوة الدائمة إلى تلك الحقيقة - أنها كانت تعالج كذلك حالة واقعة في الجماعة الإسلامية عند نزول هذه السورة في المجتمع المدني في فترة تمتد من العام الرابع الهجري إلى ما بعد فتح مكة. فإلى جانب السابقين من المهاجرين والأنصار، الذين ضربوا أروع مثال عرفته البشرية، في تحقيق حقيقة الإيمان في نفوسهم، وفي البذل والتضحية بأرواحهم وأموالهم، في خلوص نادر، وتجرد كامل، وانطلاق من أوهاق الأرض وجوانب الغريزة ومعوقات الطريق إلى الله.. إلى جانب هذه الفئة الممتازة الفذة، كانت هناك - في الجماعة الإسلامية - فئة أخرى ليست في هذا المستوى الإيماني الخالص الرفيع - وبخاصة بعد الفتح عندما ظهر الإسلام، ودخل فيه الناس أفواجاً، وكان من بينهم من لم يدركوا بعد حقيقة الإيمان الكبيرة، ولم يعيشوا بها ولها كما عاشت تلك الفئة السابقة الخالصة المخلصة لله. هؤلاء المسلمون من الفئة الأخرى كان يصعب عليهم البذل في سبيل الله؛ وتشق عليهم تكاليف العقيدة في النفس والمال؛ وتزدهيهم قيم الحياة الدنيا وزينتها؛ فلا يستطيعون الخلاص من دعائها وإغرائها. وهؤلاء - بصفة خاصة - هم الذين تهتف بهم هذه السورة تلك الهتافات الموحية التي أسلفنا نماذج منها، لتخلص أرواحهم من تلك الأوهاق والجواذب، وترفعها إلى مستوى الحقيقة الإيمانية الكبرى، التي تصغر معها كل قيم الأرض، وتذوب في حرارتها كل عوائقها! كذلك كانت هنالك طائفة أخرى - غير هؤلاء وأولئك - هي طائفة المنافقين، مختلطة غير متميزة. وبخاصة حين ظهرت غلبة الإسلام، واضطر المنافقون إلى التخفي والانزواء؛ مع بقاء قلوبهم مشوبة غير خالصة ولا مخلصة يتربصون الفرص وتجرفهم الفتن. وهؤلاء تصور السورة مصيرهم يوم يميزون ويعزلون عن المؤمنين: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ذلك هو الفوز العظيم. يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم. قيل: ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نوراً. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ينادونهم: ألم نكن معكم؟ قالوا بلى! ولـكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأمانيّ، حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم. وبئس المصير}.. وهذا إلى جانب من بقي في الجزيرة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى. والسورة تشير إلى شيء من أحوالهم ومواقفهم السابقة والحاضرة في ذلك الأوان؛ كالإشارة السابقة إلى قسوة قلوبهم عند تحذير الذين آمنوا أن يكونوا {أية : كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم}..تفسير : وهي إشارة إلى اليهود خاصة في الغالب.. وكالإشارة إلى النصارى قرب نهاية السورة في قوله: {أية : ثم قفَّينا على آثارهم برسلنا وقفَّينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون }.. تفسير : ولما كان مدار السورة على تحقيق حقيقة الإيمان في القلب؛ وما ينبثق عن هذه الحقيقة من خشوع وتقوى، ومن خلوص وتجرد، ومن بذل وتضحية، فقد سارت في إقرار هذه الحقيقة في النفوس التي كانت تواجهها - والتي توجد في كل مجتمع إسلامي - على نسق مؤثر، أشبه ما يكون بنسق السور المكية، حافل بالمؤثرات ذات الإيقاع الآسر للقلب والحس والمشاعر! وكان مطلعها خاصة مجموعة إيقاعات بالغة التأثير؛ تواجه القلب البشري بمجموعة من صفات الله سبحانه. فيها تعريف به مع الإيحاء الآسر بالخلوص له، نتيجة للشعور بحقيقة الألوهية المتفردة، وسيطرتها المطلقة على الوجود، ورجعة كل شيء إليها في نهاية المطاف، مع نفاذ علمها إلى خبايا القلوب وذوات الصدور، واتجاه كل شيء إليها بالعبادة والتسبيح: {سبح لله ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيـي ويميت وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}.. وهذا المطلع بذاته وبإيقاعاته كاف وحده ليهز القلوب هزاً. ويوقع فيها الرهبة والخشية والارتعاش، كما يوقع فيها الرغبة الحية في الخلوص لله والالتجاء إليه، والتجرد من العوائق والأثقال المعوقة عن تلبية الهتاف إلى الخلاص من الشح بالأنفس والأموال. ولكن سياق السورة تضمن كثيراً من المؤثرات تتخلل ذلك الهتاف وتؤكده في مواضع شتى. كتلك الصورة الوضيئة للمؤمنين والمؤمنات {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} وتلك الصورة التي تقرر ضآلة الحياة وقيمها إلى جانب قيم الآخرة وما يتم فيها من الأمور الكبار. كذلك جاءت لمسة أخرى ترد القلوب إلى حقيقة القدر المسيطرة على الوجود: {أية : مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ. إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ آتاكم. والله لا يحب كل مختال فخور. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.. تفسير : كي تستقر النفس وتطمئن لما يصيبها من خير أو شر، وهي في طريقها إلى الله. فلا تطير جزعاً، ولا تبطر فرحاً، وهي تواجه الضراء والسراء. ولا تشرك بالله سبباً ولا ظرفاً ولا حادثاً. فكله بقدر مقسوم لأجل معلوم. ومرد الأمر كله في النهاية إلى الله. وقد سار سياق السورة في علاج موضوعها في شوطين اثنين أثبتنا أولهما في صدر هذا التقديم. وجاءت فقرات كثيرة من الشوط الثاني في خلاله. وهما مترابطان مطردان. فنكتفي بهذا القدر، لنسير مع سياق السورة بالتفصيل. {سبح لله ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض يحيـي ويميت، وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}.. هذا المطلع الموحي المختار. وما حشد فيه من خصائص الألوهية الفاعلة المؤثرة المبدعة لكل شيء، المحيطة بكل شيء، المهيمنة على كل شيء، العليمة بكل شيء. وما تعرضه من إبداع اليد القادرة وهي تجول في محيط السماوات والأرض، وتتلطف إلى خبايا الصدور وطوايا القلوب، وتشرف من عل على الوجود وما فيه ومن فيه.. هذا المطلع الموحي المختار يتناول القلوب، فيهزها هزاً، ويأخذها أخذاً، وهو يجول بها في الوجود كله فلا تجد إلا الله، ولا ترى إلا الله، ولا تحس بغير الله، ولا تعلم لها مهرباً من قدرته ولا مخبأ من علمه، ولا مرجعاً إلا إليه، ولا متوجهاً إلا لوجهه الكريم: {سبح لله ما في السماوات والأرض. وهو العزيز الحكيم}.. هكذا ينطلق النص القرآني الكريم في مفتتح السورة؛ فتتجاوب أرجاء الوجود كله بالتسبيح لله. ويهينم كل شيء في السماوات والأرض، فيسمعه كل قلب مفتوح غير محجوب بأحجبة الفناء. ولا حاجة لتأويل النص عن ظاهر مدلوله. فالله يقول. ونحن لا نعلم شيئاً عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله لنا الله عنه.. فـ {سبح لله ما في السماوات والأرض} تعني {سبح لله ما في السماوات والأرض}.. ولا تأويل ولا تعديل! ولنا أن نأخذ من هذا أن كل ما في السماوات والأرض له روح، يتجه بها إلى خالقه بالتسبيح وإن هذا لهو أقرب تصور يصدقه ما وردت به الآثار الصحيحة، كما تصدقه تجارب بعض القلوب في لحظات صفائها وإشراقها، واتصالها بالحقيقة الكامنة في الأشياء وراء أشكالها ومظاهرها.. وقد جاء في القرآن الكريم: {أية : يا جبال أوبي معه والطير} تفسير : .. فإذا الجبال كالطير تؤوب مع داود! وجاء في الأثر: أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إن بمكة حجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت. إني لأعرفه الآن"تفسير : .. وروى الترمذي - بإسناده - عن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال: كنت مع رسول الله بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول "السلام عليك يا رسول الله".. وروى البخاري في صحيحه بإسناده عن أنس بن مالك قال: "حديث : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى لزق جذع. فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة، فنزل الرسول فمسحه، فسكن ".. تفسير : وآيات القرآن كثيرة وصريحة في تقرير هذه الحقيقة الكونية: {أية : ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه}.. {أية : ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس}.. {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}.. تفسير : ولا داعي لتأويل هذه النصوص الصريحة لتوافق مقررات سابقة لنا عن طبائع الأشياء غير مستمدة من هذا القرآن. فكل مقرراتنا عن الوجود وكل تصوراتنا عن الكون ينبغي أن تنبع أولاً من مقررات خالق هذا الكون ومبدع هذا الوجود. {وهو العزيز الحكيم}.. فتسبيح ما في السماوات والأرض له فرع عن العزة الغالبة والحكمة البالغة. فهو المهيمن على كل شيء بقوته، وهو جاعل كل شيء وفق حكمته. وما يكاد القلب البشري يفيق من فيض هذا النص، ومن مهرجان الوجود المسبح لخالقه في السماوات والأرض، حتى يعالجه السياق برحلة جديدة في ملكوت السماوات والأرض: { له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير }.. إن كل شيء في السماوات والأرض سبح لله. مالك السماوات والأرض. الذي لا شريك له في ملكه. فهو تسبيح المملوك لمالكه المتفرد، الذي يحيي ويميت، فيخلق الحياة ويخلق الموت. ويقدر الحياة لكل حي ويقدر له الموت؛ فلا يكون إلا قدره الذي قضاه. والحياة ما تزال سراً في طبيعتها، وسراً في مصدرها؛ ولا يملك أحد أن يقول من أين جاءت، ولا كيف جاءت فضلاً على أن أحداً لا يدري ما هي على وجه الحقيقة. والنص القرآني يقول: إن الله هو الذي يحيي. الذي يعطي الحياة للأحياء. وما يملك أحد أن ينكر هذا ولا أن يثبت غيره. والموت كالحياة سر مغلف. لا يعرف أحد طبيعته ولا يملك أحد أن يحدثه. لأن أحداً غير واهب الحياة لا يملك سلبها.. وهذا وذلك من مظاهر الملكية المطلقة لله في السماوات والأرض يحيي ويميت... { وهو على كل شيء قدير }.. إجمالاً بغير حد ولا قيد. فالمشيئة المطلقة تمضي بغير حد ولا قيد. وتتعلق بما تشاء أن تتعلق به كما تشاء. وكل قيد يتصوره العقل البشري بمنطقه هو لهذه المشيئة من أي نوع وأي لون هو تصور باطل، ناشئ من طبيعة العقل البشري المحدود! واختيار المشيئة لنواميس وسنن لهذا الوجود داخل في حقيقة انطلاقها بلا قيود ولا حدود. فهي تختار هذه النواميس والسنن اختياراً طليقاً، وتعملها في الكون غير مقيدة بها بعد إعمالها، ولا محصورة في نطاقها. والاختيار دائم ومطرد وراء هذه السنن والنواميس.. والقرآن يولي هذه الحقيقة عناية كبيرة، فينص عليها في كل مناسبة بما يفيد طلاقة المشيئة من كل قيد يرد عليها حتى من عملها هي. لتبقى هذه الحقيقة واضحة، ويبقى تصورها غير مشوب. فقد وعد الله أهل الجنة بالخلود فيها وأهل النار كذلك. وهذا الوعد صادر من المشيئة. ولكنه أبقى المشيئة طليقة خارج نطاق هذا الوعد ذاته وهو من عملها وباختيارها. فقال عن هؤلاء وهؤلاء: {أية : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك..}.. تفسير : وهكذا في كل موضع وردت فيه مثل هذه المناسبة. ولا مجال لمنطق العقل البشري ولا لمقرراته في هذا المجال. وعليه أن يأخذ مقرراته كلها من هذا القرآن، لا من معين آخر غير القرآن! ومن ثم يتمثل للقلب البشري من خلال هذه الآية سلطان الله المطلق في ملكه الذي لا شريك له فيه، والذي يتوجه إليه سبحانه بالتسبيح وحق له أن يتوجه، وحق عليه أن يسبح. وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض، حتى تطالعة حقيقة أخرى، لعلها أضخم وأقوى. حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة. فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه؛ ومن ثم فهي محيطة بكل شيء، عليمة بكل شيء: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم}.. الأول فليس قبله شيء. والآخر فليس بعده شيء. والظاهر فليس فوقه شيء. والباطن فليس دونه شيء. الأول والآخر مستغرقاً كل حقيقة الزمان، والظاهر والباطن مستغرقاً كل حقيقة المكان. وهما مطلقتان. ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا لله. وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه. حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمداً من وجود الله. فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده. وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته. وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود.. {وهو بكل شيء عليم }.. علم الحقيقة الكاملة. فحقيقة كل شيء مستمدة من الحقيقة الإلهية وصادرة عنها. فهي مستغرقة إذن بعلم الله اللدني بها. العلم الذي لا يشاركه أحد في نوعه وصفته وطريقته. مهما علم المخلوقون عن ظواهر الأشياء! فإذا استقرت هذه الحقيقة الكبرى في قلب، فما احتفاله بشيء في هذا الكون غير الله سبحانه؟ وكل شيء لا حقيقة له ولا وجود - حتى ذلك القلب ذاته - إلا ما يستمده من تلك الحقيقة الكبرى؟ وكل شيء وهم ذاهب، حيث لا يكون ولا يبقى إلا الله، المتفرد بكل مقومات الكينونة والبقاء؟ وإن استقرار هذه الحقيقة في قلب ليحيله قطعة من هذه الحقيقة. فأما قبل أن يصل الى هذا الاستقرار، فإن هذه الآية القرآنية حسبه ليعيش في تدبرها وتصور مدلولها، ومحاولة الوصول إلى هذا المدلول الواحد وكفى! ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى، وهاموا بها وفيها، وسلكوا إليها مسالك شتى، بعضهم قال إنه يرى الله في كل شيء في الوجود. وبعضهم قال: إنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود. وبعضهم قال: إنه رأى الله فلم ير شيئاً غيره في الوجود.. وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال. إلا أن ما يؤخذ عليها - على وجه الإجمال - هو أنهم أهملوا الحياة بهذا التصور. والإسلام في توازنه المطلق يريد من القلب البشري أن يدرك هذه الحقيقة ويعيش بها ولها، بينما هو يقوم بالخلافة في الأرض بكل مقتضيات الخلافة من احتفال وعناية وجهاد وجهد لتحقيق منهج الله في الأرض، باعتبار هذا كله ثمرة لتصور تلك الحقيقة تصوراً متزناً، متناسقاً مع فطرة الإنسان وفطرة الكون كما خلقهما الله. وبعد إطلاق تلك الحقيقة الكبرى جعل يذكر كيف انبثقت منها حقائق الوجود الأخرى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة ايام، ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. وهو معكم أين ما كنتم. والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور}.. حقيقة خلق السماوات والأرض. وحقيقة الإستواء على العرش، والهيمنة على الخلق. وحقيقة العلم بأشياء بعينها من هذا الخلق. وحقيقة الوجود مع كل أحد أينما وجد. وحقيقة رجعة الأمور إليه وحده. وحقيقة تصرفه اللطيف في كيان الوجود، وعلمه الخفي بذات الصدور.. وكلها حقائق منبثقة عن تلك الحقيقة الأولى.. ولكن عرضها في هذا المجال الكوني يجعل لها في القلب البشري إيقاعات وظلالاً.. والسماوات والأرض تواجه هذا القلب وتروعه بضخامتها وجلالها، وتناسقها وجمالها، كما تواجهه وتروعه بدقة نظامها وانضباط حركاتها، واطراد ظواهرها. ثم إنها خلائق من خلق الله كالقلب البشري. فله بها صلة الأسرة وأنس القرابة. وهي توقع على أوتاره إيقاعات لدنية حين يتوجه إليها، ويسمع لها، ويعاطفها! وهي تقول له: إن الذي خلقها هو الذي خلقه. وهي تسبح لخالقها فليسبح لخالقه! كما تقول له: إنها تستمد حقيقة وجودها من وجود خالقها وأنه هو كذلك. فليس هنالك إذن إلا هذه الحقيقة تستحق الاحتفال بها! والأيام الستة لا يعلم حقيقتها إلا الله. فأيامنا هذه ليست سوى ظلال ناشئة عن حركة الأرض حول نفسها أمام الشمس. وجدت بعد خلق الأرض والشمس فليست هي الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. فنترك علمها لله يطلعنا عليه إن أراد. وكذلك العرش. فنحن نؤمن به كما ذكره ولا نعلم حقيقته. أما الاستواء على العرش فنملك أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة على هذا الخلق. استناداً إلى ما نعلمه من القرآن عن يقين من أن الله - سبحانه - لا تتغير عليه الأحوال. فلا يكون في حالة عدم استواء على العرش، ثم تتبعها حالة استواء. والقول بأننا نؤمن بالاستواء ولا ندرك كيفيته لا يفسر قوله تعالى: {ثم استوى}.. والأولى أن نقول: إنه كناية عن الهيمنة كما ذكرنا. والتأويل هنا لا يخرج على المنهج الذي أشرنا إليه آنفاً لأنه لا ينبع من مقررات وتصورات من عند أنفسنا. إنما يستند إلى مقررات القرآن ذاته، وإلى التصور الذي يوحيه عن ذات الله سبحانه وصفاته. ومع الخلق والهيمنة العلم الشامل اللطيف، يصور النص القرآني مجاله تصويراً عجيباً يشغل القلب بتتبعه في هذا المجال الوسيع وبتصوره في حركة دائمة لا تفتر. وهذا أمر غير مجرد ذكر العلم وحقيقته المجردة. أمر مؤثر موح يملأ جوانب النفس، ويشغل خوالج القلب، وتترامى به سبحات التصور ووثبات الخيال: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها}.. وفي كل لحظة يلج في الأرض ما لا عداد له ولا حصر من شتى الأحياء والأشياء؛ ويخرج منها ما لا عداد ولا حصر من خلائق لا يعلمها إلا الله. وفي كل لحظة ينزل من السماء من الأمطار والأشعة والنيازك والشهب، والملائكة والأقدار والأسرار؛ ويعرج فيها كذلك من المنظور والمستور ما لا يحصيه إلا الله.. والنص القصير يشير إلى هذه الحركة الدائبة التي لا تنقطع، وإلى هذه الأحداث الضخام التي لا تحصى؛ ويدع القلب البشري في تلفت دائم إلى ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وفي تصور يقظ لعلم الله الشامل وهو يتبع هذه الحركات والأحداث، في مساربها ومعارجها. والقلب في تلفته ذاك وفي يقظته هذه يعيش مع الله، ويسيح في ملكوته بينما هو ثاوٍ في مكانه؛ ويسلك فجاج الكون ويجوب أقطار الوجود في حساسية وفي شفافية، وفي رعشة من الروعة والانفعال. وبينما القلب في تلفته ذاك في الأرض والسماء، إذا القرآن يرده إلى ذاته، ويلمسه في صميمه. وإذا هو يجد الله معه، ناظراً إليه، مطلعاً عليه، بصيراً بعمله قريباً جد قريب: {وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير}.. وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز. فالله - سبحانه - مع كل أحد، ومع كل شيء، في كل وقت، وفي كل مكان، مطلع على ما يعمل بصير بالعباد. وهي حقيقة هائلة حين يتمثلها القلب. حقيقة مذهلة من جانب، ومؤنسة من جانب. مذهلة بروعة الجلال. ومؤنسة بظلال القربى. وهي كفيلة وحدها حين يحسها القلب البشري على حقيقتها أن ترفعه وتطهره، وتدعه مشغولاً بها عن كل أعراض الأرض؛ كما تدعه في حذر دائم وخشية دائمة، مع الحياة والتحرج من كل دنس ومن كل إسفاف. ومرة أخرى يعود إلى ملكية السماوات والأرض في مجال آخر غير الذي وردت فيه أول مرة: { له ملك السماوات والأرض. وإلى الله ترجع الأمور }.. ففي المرة الأولى جاء ذكرها في معرض الإحياء والإماتة والقدرة المطلقة. وهنا يجيء ذكرها في معرض رجعة الأمور كلها إلى الله. وهي متصلة بملكية الله للسماوات والأرض ومكملة لحقيقتها. والشعور بهذه الحقيقة يحرس القلب من كل لفتة لغير الله في أي أمر. في أول الأمر وفي آخره. ويحميه من التطلع لغير الله في أي طلب، ومراقبة غير الله في أي عمل. ويقيمه على الطريق إلى الله في سره وعلنه، وحركته وسكونه، وخوالجه ونجواه. وهو يعلم أن لا مهرب من الله إلا اليه، ولا ملجأ منه الا الى حماه! وينتهي هذا المطلع بحركة لطيفة من حركات القدرة في مجال الكون، وفي أطواء الضمير: { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. وهو عليم بذات الصدور }... ودخول الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، حركة دائبة، وهي في الوقت ذاته حركة لطيفة سواء كان المعنى طول الليل وأخذه من النهار، وطول النهار وأخذه من الليل؛ أو كان المعنى مجرد تداخل الليل في النهار عند الغروب، وتداخل النهار في النهار في الليل عند الشروق.. ومثل هذه الحركة في خفائها ولطفها، حركة العلم بذات الصدور. وذات الصدور هي الأسرار المصاحبة لها. التي لا تفارقها ولا تبرحها! والشعور بيد الله تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، في لطف؛ ينشيء في القلب حالة من التأمل الرفيق، والحساسية الشفيفة. كالشعور بعلم الله يتلطف في الاطلاع على ذات الصدور، الساكنة في خبايا الصدور! هذا المطلع بإيقاعاته تلك، يدع القلوب في حساسية مرهفة للتلقي. ومن ثم يجيء الهتاف لها بالإيمان والبذل في أنسب أوان. وقد تفتحت مداخلها، وتوفزت مشاعرها واستعدت للاستماع. وهنا يجيء ذلك الهتاف في المقطع التالي في السياق. ولكنه لا يجيء مجرداً. إنما يجيء ومعه مؤثراته وإيقاعاته ولمساته: {آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير. وما لكم لا تؤمنون بالله، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، وقد أخذ ميثاقكم؟ إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور, وإن الله بكم لرؤوف رحيم. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض؟ لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير}.. إن الله - سبحانه- يخاطب القلوب التي خلقها، فهو يعلم أحوالها، ويعرف مداخلها، ويطلع على خوافيها.. وهو يعلم أن نقاء العقيدة، وخلوص القلب واستقرار حقيقة الإيمان استقراراً تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة، من بذل وتضحية وتقدمه خالصة لله. أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيراً؛ ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة. ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات؛ ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق. ويعالجها المرة بعد المرة، والخطوة بعد الخطوة؛ ولا يكلها إلى هتاف واحد، أو بيان واحد، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب.. ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلاً؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه! إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتاثير، بحيث تزلزل القلوب الجامدة، وتلين القلوب القاسية وتدعها مرهفة الحساسية. ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى، وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية. {آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}.. والمخاطبون هنا هم مسلمون، ولكنهم يُدعون إلى الإيمان بالله ورسوله. فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها. وهي لفتة دقيقة. وهم يُدعون إلى الإنفاق، ومع الدعوة لمسة موحية. فهم لا ينفقون من عند أنفسهم. إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه. وهو الذي { له ملك السماوات والأرض}.. فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه. وهو {يحي ويميت}..فهو الذي استخلف جيلا ًمنهم بعد جيل. وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة. ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم؟! وفي نهنهة النفوس عن الشح، والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء، وما في أيديهم رهن بعطاء الله؟! ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء، ومن سماحة ورجاء. إنما يخاطبهم بمؤثر جديد. يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير}.. فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل؟ غير أن القرآن لا يكلهم إلى هذه اللمسات الأولى. إنما يلح على قلوبهم بموحيات الإيمان وموجباته من واقع حياتهم وملابساتها: {وما لكم لا تؤمنون بالله، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم، وقد أخذ ميثاقكم، إن كنتم مؤمنين. هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات الى النور. وإن الله بكم لرؤوف رحيم}.. فما الذي يعوقهم عن الإيمان - حق الإيمان - وفيهم الرسول يدعوهم إلى الإيمان. وقد بايعوه عليه وأعطوه ميثاقهم؟ وما الذي يعوقهم عن الإيمان بالله وهو ينزل على عبده آيات بينات تخرجهم من ظلمات الضلال والشك والحيرة إلى نور الهدى واليقين والطمأنينة؟ وفي هذا وذاك من دلائل الرأفة والرحمة بهم ما فيه. إن نعمة وجود الرسول بين القوم، يدعوهم بلغة السماء، ويخاطبهم بكلام الله، ويصل بينهم وبين الله في ذوات نفوسهم وخواص شؤونهم.. نعمة فوق التصور حين نتملاها نحن الآن من بعيد..فهذه الفترة - فترة الوحي وحياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فترة عجيبة حقاً.. إن الله - جل جلاله - يخاطب هذا البشر من صنع يديه، على لسان عبده - صلى الله عليه وسلم - وفي رحمة علوية ندية يقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك ها هو ذا طريقي فاسلكوه لقد تعثرت خطاكم فهاكم حبلي! لقد أخطأتم وأثمتم فتوبوا وها هو ذا بابي مفتوح. تعالوا ولا تشردوا بعيداً، ولا تقنطوا من رحمتي التي وسعت كل شيء.. وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - قلت كذا. وهو خطأ. ونويت كذا. وهو إثم. وفعلت كذا وهي خطيئة.. فتعال هنا قدامي وتطهر وتب وعد إلى حماي.. وأنت يا فلان - بذاتك وشخصك - أمرك الذي يعضلك هذا حله. وسؤالك الذي يشغلك هذا جوابه. وعملك الذي عملت هذا وزنه! إنه الله. هو الذي يقول. يقول لهؤلاء المخاليق. وهم يعيشون معه. يحسون أنه معهم. حقيقة وواقعاً. أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها. وأنه يرعاهم في كل خطوة ويعنى بها.. ألا إنه لأمر فوق ما يطيق الذي لم يعش هذه الفترة أن يتصور. ولكن هؤلاء المخاطبين بهذه الآيات عاشوها فعلاً.. ثم احتاجوا إلى مثل هذا العلاج ومثل هذه اللمسات، ومثل هذا التذكير.. وهو فضل من الله ورحمة فوق فضله ذاك ورحمته. يدركهما ويشعر بهما من لم تقدر له الحياة في هذه الفترة العجيبة: ورد في صحيح البخاري أن "حديث : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً لأصحابه أي المؤمنين أعجب عليكم؟ قالوا الملائكة. قال "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟" قالوا: فالانبياء. قال "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟" قالوا فنحن. قال وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيماناً قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها ".. تفسير : وصدق رسول الله. إنه لأمر متفاوت. وإن موحيات الإيمان وموجباته لديهم لشيء هائل، هائل، عجيب عجيب. وهو يعجب: ما لهم لا يؤمنون؟ ثم يطلب إليهم تحقيق الإيمان في نفوسهم إن كانوا مؤمنين! ثم ينتقل بهم من موحيات الإيمان وموجباته إلى موحيات الإنفاق وموجباته في توكيد وتكرير: {وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض}.. وفي هذه الإشارة عودة إلى حقيقة: { له ملك السماوات والأرض والى الله ترجع الأمور}.. فميراث السماوات والأرض ملكه وراجع إليه، وما استخلفوا فيه إذن سيؤول اليه في الميراث! فما لهم لا ينفقون في سبيله حين يدعوهم الى الإنفاق. وهو استخلفهم فيه كما قال لهم هناك. وكله عائد إليه كما يقول لهم هنا؟ وما الذي يبقى من دواعي الشح وهواتف البخل أمام هذه الحقائق في هذا الخطاب؟ ولقد بذلت الحفنة المصطفاة من السابقين، من المهاجرين والأنصار، ما وسعها من النفس والمال، في ساعة العسرة وفترة الشدة - قبل الفتح - فتح مكة أو فتح الحديبية وكلاهما اعتز به الإسلام أيام أن كان الإسلام غريباً محاصراً من كل جانب، مطارداً من كل عدو، قليل الأنصار والأعوان. وكان هذا البذل خالصاً لا تشوبه شائبة من طمع في عوض من الأرض، ولا من رياء أمام كثرة غالبة من أهل الإسلام. كان بذلاً منبثقاً عن خيرة اختاروها عند الله؛ وعن حمية لهذه العقيدة التي اعتنقوها وآثروها على كل شيء وعلى أرواحهم وأموالهم جميعاً.. ولكن ما بذلوه - من ناحية الكم - كان قليلاً بالقياس إلى ما أصبح الذين جاءوا بعد الفتح يملكون أن يبذلوه. فكان بعض هؤلاء يقف ببذله عند القدر الذي يعرف ويسمع أن بعض السابقين بذلوه! هنا نزل القرآن ليزن بميزان الحق بذل هؤلاء وبذل أولئك، وليقرر أن الكم ليس هو الذي يرجح في الميزان؛ ولكنه الباعث وما يمثله من حقيقة الإيمان: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل. أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}.. إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء. غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة بالله، متجرد تجرداً كاملاً لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب. لا يجد على الخير عوناً إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته. وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين. قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: "حديث : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها! فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم- فقال دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد - -أو مثل الجبال - ذهبا ما بلغتم أعمالهم ".. تفسير : وفي الصحيح: "حديث : لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : وبعد أن قرر القيم الحقيقية في ميزان الله لهؤلاء ولهؤلاء عاد فقرر أن للجميع الحسنى: {وكلاً وعد الله الحسنى}.. فقد أحسنوا جميعاً، على تفاوت ما بينهم في الدرجات. ومرد ذلك التفاوت وهذا الجزاء بالحسنى للجميع إلى ما يعلمه الله من تقدير أحوالهم، وما وراء أعمالهم من عزائمهم ونواياهم. وخبرته تعالى بحقيقة ما يعملون: {والله بما تعملون خبير}.. وهي لمسة موقظة للقلوب، في عالم النوايا المضمرة وراء الأعمال الظاهرة، وهي التي تناط بها القيم، وترجح بها الموازين.. ثم مرحلة أخرى في استجاشة القلوب للإيمان والبذل، ومؤثرات أخرى وراء تلك المؤثرات: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم؟ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم. بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ذلك هو الفوز العظيم. يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم قيل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً. فضرب بينهم بسورٍ له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب. ينادونهم: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى! ولكنكم فتنتم أنفسكم، وتربصتم، وارتبتم، وغرتكم الأمانيّ، حتى جاء أمر الله، وغركم بالله الغرور. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم، وبئس المصير}.. إنه هتاف موح مؤثر آسر. وهو يقول للعباد الفقراء المحاويج: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً؟}.. ومجرد تصور المسلم أنه هو الفقير الضئيل يقرض ربه، كفيل بأن يطير به إلى البذل طيراناً! إن الناس ليتسابقون عادة الى إقراض الثري الملىء منهم -وهم كلهم فقراء- لأن السداد مضمون. ولهم الاعتزاز بأن أقرضوا ذلك الثري المليء! فكيف إذا كانوا يقرضون الغني الحميد؟! ولا يكلهم - سبحانه - إلى هذا الشعور وحده، ولكن يعدهم على القرض الحسن، الخالص له، المجرد من كل تلفت إلى سواه. يعدهم عليه الضعف في المقدار، والأجر الكريم بعد ذلك من عند الله: {فيضاعفه له، وله أجر كريم}. ثم يعرض لهم صفحة وضيئة من ذلك الأجر الكريم، في مشهد من مشاهد اليوم الذي يكون فيه ذلك الأجر الكريم. والمشهد هنا بإجماله وتفصيله جديد - بين المشاهد القرآنية - وهو من المشاهد التي يحييها الحوار بعد أن ترسم صورتها المتحركة رسماً قوياً. فنحن الذين نقرأ القرآن اللحظة نشهد مشهداً عجيباً. هؤلاء هم المؤمنون والمؤمنات نراهم. ولكننا نرى بين أيديهم وبأيمانهم إشعاعاً لطيفاً هادئاً. ذلك نورهم يشع منهم ويفيض بين أيديهم. فهذه الشخوص الإنسانية قد أشرقت وأضاءت وأشعت نوراً يمتد منها فيرى أمامها ويرى عن يمينها.. إنه النور الذي أخرجها الله اليه وبه من الظلمات. والذي أشرق في أرواحها فغلب على طينتها. أم لعله النور الذي خلق الله منه هذا الكون وما فيه ومن فيه، ظهر بحقيقته في هذه المجموعة التي حققت في ذواتها حقيقتها! ثم ها نحن أولاء نسمع ما يوجه إلى المؤمنين والمؤمنات من تكريم وتبشير { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم }.. ولكن المشهد لا ينتهي عند هذا المنظر الطريف اللطيف.. إن هناك المنافقين والمنافقات، في حيرة وضلال، وفي مهانة وإهمال. وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين والمؤمنات: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا نقتبس من نوركم}.. فحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف الشفيف. ولكن أنى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم كلها في الظلام؟ إن صوتاً مجهلاً يناديهم: { قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً}.. ويبدو أنه صوت للتهكم، والتذكير بما كان منهم في الدنيا من نفاق ودس في الظلام: ارجعوا وراءكم إلى الدنيا. إلى ما كنتم تعملون. ارجعوا فالنور يلتمس من هناك. من العمل في الدنيا. ارجعوا فليس اليوم يلتمس النور! وعلى الفور يفصل بين المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات. فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}.. ويبدو أنه سور يمنع الرؤية ولكنه لا يمنع الصوت. فها هم أولاء المنافقون ينادون المؤمنين {ألم نكن معكم؟}.. فما بالنا نفترق عنكم؟ ألم نكن معكم في الدنيا نعيش في صعيد واحد؟ وقد بعثنا معكم هنا في صعيد واحد؟ {قالوا: بلى!} كان الأمر كذلك. {ولكنكم فتنتم أنفسكم}.. فصرفتموها عن الهدى. {وتربصتم}.. فلم تعزموا ولم تختاروا الخيرة الحاسمة. {وارتبتم}.. فلم يكن لكم من اليقين ما تعزمون به العزمة الأخيرة. {وغرتكم الأمانيّ}. الباطلة في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من طرفيها! {حتى جاء أمر الله}.. وانتهى الأمر. {وغركم بالله الغرور}.. وهو الشيطان الذي كان يطمعكم ويمنيكم. ثم يستطرد المؤمنون في التذكير والتقرير، كأنما هم أصحاب الموقف المحكومون فيه: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير} أم لعلها كلمة الملأ الأعلى، أو نطق الله الكريم.. "وننظر من ناحية التناسق الفني في عرض المشهد، فنجد لاختيار مشهد النور في هذا الموضع بالذات حكمة خاصة.. إن الحديث هنا عن المنافقين والمنافقات.. والمنافقون والمنافقات يخفون باطنهم ويتظاهرون بغير ما في الضمير المكنون، ويعيشون في ظلام من النفاق والدس والوقيعة. والنور يكشف المخبوء ويفضح المستور. كما أنه الصفحة المقابلة الوضيئة لصفحة النفاق المظلمة المطموسة. فهو أليق شيء بأن تطلق أشعته على المشهد الكبير. وبأن ينير بين أيدي المؤمنين والمؤمنات وبأيمانهم، بينما المنافقون في الظلام الذي يناسب ظلمات الضمير وظلمات الخفاء المستور!" وبعد فأي قلب لا يهفو لذلك النور في ذلك اليوم؟ وأي قلب لا يستجيب لهتاف الإنفاق والبذل تحت إيقاع تلك الموحيات العميقة التأثير؟ إنه القرآن يعالج القلوب في ثبات واطراد، ويدعوها دعاء العليم الخبير بطبيعتها ومداخلها ومساربها؛ وما تستجيب له وما يؤثر فيها. والشوط الثاني في السورة استطراد في الدعاء، ومزيد من موحيات الاستجابة، على هذا المنهج، وفي هذا الطريق..

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بذكر تسبيح الله وتنزيهه مؤذن بأن أهم ما اشتملت عليه إثبات وصف الله بالصفات الجليلة المقتضية أنه منزّه عما ضل في شأنه أهل الضلال من وصفه بما لا يليق بجلاله، وأول التنزيه هو نفي الشريك له في الإِلهية فإن الوحدانية هي أكبر صفة ضل في كنهها المشركون والمانوية ونحْوهم من أهل التثنية وأصحاب التثليث والبراهمة، وهي الصفة التي ينبىء عنها اسمه العَلَم أعني «الله» لما علمت في تفسير الفاتحة من أن أصله الإِله، أي المنفرد بالإِلهية. وأتبع هذا الاسم بصفات ربانية تدل على كمال الله تعالى وتنزّهُهُ عن النقص كما يأتي بيانه فكانت هذه الفاتحة براعة استهلال لهذه السورة، ولذلك أتبع اسمهُ العلَم بعشر صفات هي جامعة لصفات الكمال وهي: العزيز، الحكيم، له ملك السماوات والأرض، يحيي، ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، وهو بكل شيء عليم. وصيغ فعل التسبيح بصيغة الماضي للدلالة على أن تنزيهه تعالى أمر مقرر أمر الله به عباده من قبل وألهمه الناس وأودعَ دلائله في أحوال ما لا اختيار له، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغُدوِّ والآصال}تفسير : [الرعد: 15] وقوله: {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : [الإسراء: 44]. ففي قوله: {سبَّح} تعريض بالمشركين الذين أهملوا أهم التسبيح وهو تسبيحه عن الشريك والند. واللام في قوله: {لله} لام التبيين. وفائدتها زيادة بيان ارتباط المعمول بعامله لأن فعل التسبيح متعدٍّ بنفسه لا يحتاج إلى التعدية بحرف، قال تعالى: {أية : فاسجد له وسبحه}تفسير : [الإنسان: 26]، فاللام هنا نظيره اللام في قولهم: شكرتُ لك، ونصحتُ لك، وقوله تعالى: {أية : ونُقدس لك}تفسير : [البقرة: 30]، وقولهم سَقْيا لك ورعيا لك، وأصله: سقْيَك ورَعْيَك. و{ما في السمٰوات والأرض} يعم الموجودات كلها فإن {ما} اسم موصول يعمّ العقلاء وغيرهم، أو هو خاص بغير العقلاء فجرى هنا على التغليب، وكلها دال على تنزيه الله تعالى عن الشريك فمنها دلالة بالقول كتسبيح الأنبياء والمؤمنين، ومنها دلالة بالفعل كتسبيح الملائكة، ومنها دلالة بشهادة الحال كما تنبىء به أحوال الموجودات من الافتقار إلى الصانع المنفرد بالتدبير، فإن جُعل عموم {ما في السمٰوات والأرض} مخصوصاً بمن يتأتى منهم النطق بالتسبيح وهم العقلاء كان إطلاق التسبيح على تسبيحهم حقيقة. وإن حمل العموم على ظاهره لزم تأويل فعل {سبح} بما يشمل الحقيقة والمجاز فيكون مستعملاً في حقيقته ومجازه. والعزيز: الذي لا يغلب، وهذا الوصف ينفي وجود الشريك في الإِلهية. و{الحكيم} الموصوف بالحكمة، وهي وضع الأفعال حيثُ يليق بها، وهي أيضاً العلم الذي لا يخطىء ولا يتخلف ولا يحول دون تعلقه بالمعلومات حائل، وتقدما في سورة البقرة. وهذا الوصف يثبت أن أفعاله تعالى جارية على تهيئة المخلوقات لما به إصابة ما خُلقت لأجله، فلذلك عززها الله بإرشاده بواسطة الشرائع.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا مراراً أن التسبيح هو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وأصله في اللغة الإبعاد عن السوء، من قولهم سبح. إذا صار بعيداً، ومنه قيل للفرس: سابح، لأنه إذا جرى يبعد بسرعة، ومن ذلك قول عنترة في معلقته: شعر : إذ لا أزال على رحالة سابح نهر تعاوره الكماة مكلم تفسير : وقول عباس بن مرداس السلمي: شعر : لا يغرسون فسيل النخل حولهم ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة في دارة حولها الأخطار والفكر تفسير : وهذا الفعل الذي هو سبح قد يتعدى بنفسه بدون اللام كقوله تعالى:{أية : وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}تفسير : [الفتح: 9]، وقوله تعالى{أية : وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}تفسير : [الإنسان: 26]، وقد يتعدى باللام كقوله هنا: {سَبَّحَ للَّهِ}، وعلى هذا فسبحه وسبح له لغتان كنصحه ونصح له. وشكره وشكر له، وذكر بعضهم في الآية وجهاً آخر، وهو أن المعنى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْض}، أي أحدث التسبيح لأجل الله أي ابتغاء وجهه تعالى. ذكره الزمخشري وأبو حيان، وقيل: {سَبَّحَ للَّهِ} أي صلى له. وقد قدمنا أن التسبيح يطلق على الصلاة، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أهل السماوات والأرض يسبحون لله، أي ينزهونه عما لا يليق، بينه الله جل وعلا في آيات أخر من كتابه كقوله تعالى في سورة الحشر{أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الحشر: 1] وقوله في الصف{أية : سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الصف: 1] أيضاً وقوله في الجمعة {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ٱلْمَلِكِ ٱلْقُدُّوسِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ}تفسير : [الجمعة: 2]، وقوله في التغابن {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [التغابن: 1]. وزاد في سورة بني إسرائيل أن السموات السبع والأرض يسبحن لله مع ما فيهما من الخلق وأن تسبيح السموات ونحوها من الجمادات يعلمه الله ونحن لا نفقهه أي لا نفهمه، وذلك في قوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 44] وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن تسبيح الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ}تفسير : [الأنبياء: 79] ونحو ذلك تسبيح حقيقي يعلمه الله ونحن لا نعلمه. والآية الكريمة فيها الرد الصريح، على زعم من أهل العلم، أن تسبيح الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها، لأن دلالة الكائنات على عظمة خالقها، يفهمها كل العقلاء، كماصرح الله تعالى بذلك في قوله {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [البقرة: 164] - إلى قوله - {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164] وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن. وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}تفسير : [الرعد: 15] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}تفسير : [الكهف: 77] الآية، وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا}تفسير : [الأحزاب: 72] وفي غير ذلك من المواضع. وقد عبر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ}، وكذلك في الحشر، والصف، وعبر في الجمعة والتغابن، وغيرهما بقوله: {أية : يُسَبِّحُ}تفسير : [الحشر: 24] بصيغة المضارع. قال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك التسبيح لله، هو شأن أهل السموات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل ذكر معناه الزمخشري وأبو حيان. وقوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} قد قدمنا معناه مراراً وذكرنا أن العزيز، هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، وأن العزة هي الغلبة، ومنه قوله: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ}تفسير : [المنافقون: 8] وقوله: وعزني في الخطاب: أي غلبني في الخصام، ومن أمثال العرب من عز بز، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء: شعر : كأن لم يكونوا حمى يختشى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا تفسير : والحكيم، هو من يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها. وقوله: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. غلب فيه غير العاقل وقد قدمنا في غير هذا الموضع، أنه تعالى تارة يغلب غير العاقل. في نحو ما في السموات وما في الأرض لكثرته، وتارة يغلب العاقل لأهميته، وقد جمع المثال للأمرين قوله تعالى في البقرة: {أية : بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}تفسير : [البقرة: 116]. فغلب غير العاقل في قوله: {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ}، وغلب العاقل في قوله: {قَانِتُونَ}.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- نزه الله تعالى ما فى السموات والأرض من الإنسان والحيوان والجماد، وهو الغالب الذى يصرِّف الأمور بما تقتضيه الحكمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبح لله ما في السماوات والأرض: أي نزه الله تعالى جميع ما في السماوات والأرض بلسان الحال والقال. وهو العزيز الحكيم: أي في ملكه، الحكيم في صنعه وتدبيره. له ملك السماوات والأرض: أي يملك جميع ما في السماوات والأرض يتصرف كيف يشاء. يحيي ويميت: يحيي بعد العدم ويميت بعد الإِيجاد والإِحياء. وهو على كل شيء قدير: وهو على فعل كل ما يشاء قدير لا يعجزه شيء. هو الأول والآخر: أي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء. والظاهر والباطن: أي الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء. وهو بكل شيء عليم: أي لا يغيب عن علمه شيء ولو كان مثقال ذرة في السماوات والأرض. في ستة أيام: أي من أيام الدنيا مقدرة بها أولها الأحد وآخرها الجمعة. ثم استوى على العرش: أي ارتفع عليه وعلا. يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل في الأرض من كل ما يدخل فيها من مطر وأموات. وما يخرج منها: أي من نبات ومعادن. وما ينزل من السماء: أي من رحمة وعذاب. وما يعرج فيها: أي يصعد فيها من الأعمال الصالحة والسيئة. وهو معكم أينما كنتم: أي بعلمه بكم وقدرته عليكم أينما كنتم. والله بما تعملون بصير: أي لا يخفي عليه من أعمال عباده الظاهرة الباطنة شيء. وإلى الله ترجع الأمور: أي مرد كل شيء إلى الله خالقه ومدبره يحكم فيه بما يشاء. يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً من الليل في النهار وذلك في الصيف. ويولج النهار في الليل: ويدخل جزءاً من النهار في الليل وذلك في الشتاء كما يدخل كامل أحدهما في الآخر فلا يبقى إلا ليل أو نهار إذْ أحدهما دخل في ثانيهما. وهو عليم بذات الصدور: أي ما في الصدور من المعتقدات والأسرار والنيات. معنى الآيات: يخبر تعالى في هذه الآيات الخمس عن وجوده وعظمته من قدرة وعلم وحكمة ورحمة وتدبيره وملكه ومرد الأمور إليه وكلها مظاهر الربوبية الموجبة للألوهية فأولا تسبيح كل شيء في السماوات والأرض أي تنزيهه عن كل نقص كالزوجة والولد والشريك والوزير المعين والعجز والجهل، ثانيا إنه تعالى العزيز ذو العزة التي لا ترام العظيم الانتقام الحكيم في تدبير ملكه فلا شيء في خلقه هو عبثٌ أو لهوٌ أو باطل ثالثا له ملك السماوات والأرض ملكاً حقيقاً يتصرف كيف يشاء يهب من شاء ويمنع من شاء. رابعاً يحيى من العدم ويميت الحىّ الموجود، خامساً هو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يعجز عن شيء متى أراد الشيء وقال له كن فهو يكون لا يتخلف. سادساً: هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء إذ له ميراث السماوات والأرض. سابعاً: علمه محيط بكل شيء. ثامناً: خلقه السماوات والأرض في ستة أيام الدنيا ابتداء من الأحد وانتهاء بالجمعة وما مسه من لغوب ولا تعب ولا نصب ثم استوى على العرش يدبر ملكوت خلقه بالحكمة ومظاهر العدل والرحمة. تاسعاً: مع علوه وبعده من خلقه فالخلق كله بين يديه يعلم ما يلج في الأرض أي يدخل فيها من أمطار وأموات وما ينزل من السماء من مطر ورحمة وعذاب وملك وغيره، وما يعرج أي يصعد فيها من ملك ومن عمل صالح ودعاء وخاصة دعوة المظلوم فإنها لا تحجب عن الله أبداً. وعاشراً: معية الله تعالى الخاصة والعامة فالخاصة مَعِيْتُه بنصره لأوليائه، والعامة عِلْمُهُ بكل عباده وسائر خلقه، وقدرته عليهم وعلمه بهم. الحادي عشر: بصره تعالى بكل أعمال عباده فلا يخفى عليه شيء منها ليحاسبهم بها ويجزيهم عليها. الثاني عشر: له ملك السماوات والأرض أي كل ما في السماوات وما في الأرض من سائر الخلق هو ملك لله تعالى وحده لا شريك له فيه ولا في غيره. الثالث عشر: رد كل الأمور إليه فلا يقضى فيها غيره ولا يحكم فيها سواه والظاهر منها كالباطن. الرابع عشر: إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل لمصلحة عباده وفائدتهم إذ لولا هذا التدبير الحكيم لما صلح أمر الحياة ولا استقام هذ الوجود. وأخيراً علمه الذي أحاط بكل شيء وتغلغل في كل خفي حتى ذات الصدور من خاطر ووسواس وهمّ وعزم ونية وإرادة فسبحانه من إله لا إله غيره ولا ربّ سواه، بهذه المظاهر من الكمالات استحق العبادات فلا تصح العبادة لغيره، ولا تنبغي الطاعة لسواه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل التسبيح وأفضله سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. 2- مظاهر القدرة والعلم والحكمة في هذه الآيات الخمس هي موجبات ربوبية الله تعالى وألوهيته وهي مقتضية للبعث الآخر والجزاء فيه. 3- في خلقه تعالى السماوات والأرض في ستة أيام وهو القادر على خلقهما بكلمة التكوين تعليم لعباده التأني في الأمور وعدم العجلة فيها لتخرج متقنة صالحة نافعة. 4- بطلان دعاء غير الله تعالى ورجاء غيره إذ له ملك السماوات والأرض وليس لغيره شيء من ذلك. 5- وجوب مراقبة الله تعالى والحياء منه وتقواه وذلك لعلمه بظواهرنا وبواطننا وقدرته على مجازاتنا عاجلاً وآجلاً.

القطان

تفسير : سبّح لله: نزّهه عن كل ما لا يليق به. العزيز: الذي لا ينازعه في ملكه شيء. الحكيم: الذي يفعل افعاله وَفْقَ الحكمة والصواب. الظاهر والباطن: هو الذي ظهرت دلائل وجوده وتكاثرت، وخفيتْ عنا ذاته فلم ترها العيون، فهو ظاهر بآثاره وافعاله، باطن بذاته. في ستة أيام: في ستة اطوار. استوى على العرش: استولى عليه. العرش: الملك والسلطان. ذات الصدور: مكنونات النفوس وخفيات السرائر. بُدئت هذه السورة الكريمة بالتسبيح، وكذلك بدئت بعدها أربع سور مدنية، هي: الحشر والصف والجمعة والتغابن. وأيُّ تسبيح! إن كل ما في الوجود يسبّح لله. وما هو هذا التسبيح؟. يقول علماء المادة اليوم: "ان التسبيح ها هنا لا يقتصر على كون الذرّات والأجسام الفضائية تخضع للنواميس التي وضعَها اللهُ فيها، فهي بهذا تسبّحُ بحمد الله سبحانه، فهناك ما هو أبعدُ من هذا وأقرب الى مفهوم التسبيح الحيّ والتقديس الواعي. ان هذه الموجودات المادية تملك أرواحاً، وهي تمارس تسبيحَها وتقديسها بالروح، وربما بالوعي الذي لا نستطيع استيعاب ماهيّته، كما يقول تعالى في سورة الاسراء 44: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }. تفسير : حقا إن ادراك الطرائق التي تعمل بها الذراتُ والأجسام لَمِمّا يصعُب تحقيقه، ومهما تقدّم العلم وخطا خطواتهِ العملاقة، فسيظلُّ جانبٌ من أكثر جوانب التركيب الماديّ أهميةً بعيداً عن الكشف النهائي، مستعصياً على البَوْح بالسِّر المكنون". إن عصر الانكار الكلّي لحقائقَ علميةٍ معينة قد انتهى، وحلَّ محلّه اعتقادٌ سائد أخَذَ يتسع شيئاً فشيئا، في أن ميدانَ العِلم لا يشهَدُ تغيراتٍ فحسب، بل طَفَراتٍ وثورات. ان نتائج فلسفيةً هامة ستتمخّض حقاً عن هذا التغير، والفرق بين ما هو طبيعي وما هو خارقٌ للطبيعة سوف يتناقص.. الفرقُ بين الطبيعة وما وراء الطبيعة، والحضور والغيْب، والمادة والروح، والقدَر والحرّية، وستلتقي معطياتُ العلم مع حقائق الدين في عناق حار، لقاءً كثيراً ما حدّثنا عنه القرآنُ الكريم، كتابُ الله المعجزة. لِله ملكُ السماوات والأرض، يحيي ويميت كما يشاء {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. هو الاول بلا ابتداء قبلَ كل شيء، والآخر بلا انتهاء بعد كل شيء: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. وهو الظاهر بالآثار والأفعال، والباطنُ فلا تدركه الأبصار {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيءٌ في السماوات والأرض. وهو الذي خلق هذا الكونَ في ستة أطوار، فدبَّره جميعه ثم استولى على العرش. وقد تقدَّم مثلُ هذه الآية في عدة سور: الأعراف ويونس وهود والفرقان والسجدة. يعلم كل ما يغيب في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يصعَد اليها، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} عليمٌ بكم، محيطٌ بشئونكم في أيّ مكان كنتم. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لله وحدَه مُلك السماواتِ والأرض، وإليه تُرجَع الأمور. إنه يقلّب الليلَ والنهار ويقدّرها بحكمته كما يشاء، فتارةً يطولُ الليل ويقصُر النهار، وتارة يقصر الليلُ ويطول النهار، وتارة يجعلهما معتدلَين. {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} وخفيِّ مكنوناتها، وما تضمره القلوب.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (1) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عِبَادَهُ بِأَنَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَا فِي الأَرْضِ تَعْظِيماً لَهُ، وَإِقْراراً بِربُوبِيَّتِهِ، وَخُضُوعاً لِجَلاَلِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِي الوُجُودِ يُسَبِّحُ بِحَمْدِ رَبِّهِ، وَيُنزِّهُهُ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالعَجْزِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ لاَ يَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - وَهُوَ تَعَالَى العَزِيزُ الذِي لاَ يُغَالَبُ، الحَكِيمُ في شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ. سَبَّح للهِ - نَزَّهَهُ وَمَجَّدَهُ وَدَلَّ عَلَيهِ.

الثعلبي

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} يعني {هُوَ ٱلأَوَّلُ} قبل كل شيء بِلا حَد ولا ابتداء، كان هو ولا شيء موجود {وَٱلآخِرُ} بعد فناء كل شيء {وَٱلظَّاهِرُ} الغالب العالي على كل شيء، وكل شيء دونه {وَٱلْبَاطِنُ} العالم بكل شيء، فلا أحد أعلم منه. وهذا معنى قول ابن عباس. وقال ابن عمر: الأول بالخلق والآخر بالرزق، والظاهر بالاحياء والباطن بالإماتة. وقال الضحّاك: هو الذي أول الأول وآخر الاخر، وأظهر الظاهر وأبطن الباطن. مقاتل بن حيان: هو الأول بلا تأويل أحد، والآخر بلا تأخير أحد والظاهر بلا إظهار أحد والباطن بلا إبطان أحد. وقال يمان: هو الأول القديم، والآخر الرحيم، والظاهر الحليم، والباطن العليم. وقال محمد بن الفضل: الأول ببرّه والآخر بعفوه، والظاهر بإحسانه والباطن بسرّه. وقال أبو بكر الوراق: هو الأول بالأزلية والآخر بالأبدية، والظاهر بالأحدية والباطن بالصمدية. عبد العزيز بن يحيى: هذه الواوات مقحمة والمعنى: هو الأول الآخر الظاهر الباطن، لأن من كان منا أولا لا يكون آخراً، ومن كان ظاهراً لا يكون باطناً. وقال الحسين بن الفضل: هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا إنتهاء، والظاهر بلا إقتراب، والباطن بلا إحتجاب. وقال القناد: الأول السابق إلى فعل الخير والمتقدم على كل محسن إلى فعل الإحسان، والآخر الباقي بعد فقد الخلق، والخاتم بفعل الإحسان، والظاهر الغالب لكل أحد، ومن ظهر على شيء فقد غلبه، والظاهر أيضاً: الذي يعلم الظواهر ويشرف على السرائر، والظاهر أيضاً: ظهر للعقول بالإعلام وظهر للأرواح باليقين وإن خفي على أعين الناظرين، والباطن الذي عرف المغيّبات وأشرف على المستترات، والباطن أيضاً: الذي خفي عن الظواهر فلم يدرك إلاّ بالسرائر. وقال السدي: الأول ببرّه إذ عرّفك توحيده، والآخر بجوده إذ عرّفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذ وفقك للسجود له، والباطن بستره إذ عصيته فستر عليك. وقال ابن عطاء: الأول بكشف أحوال الدنيا حتى لا يرغبوا فيها، والآخر بكشف أحوال العقبى حتى لا يشكّوا فيها، والظاهر على قلوب أوليائه حتى يعرفوه، والباطن عن قلوب أعدائه حتى ينكروه. وقيل: الأول قبل كل معلوم، والآخر بعد كل مختوم، والظاهر فوق كل مرسوم، والباطن محيط بكل مكتوم. وقيل هو الأول بإحاطة علمه بذنوبنا قبل وجود ذنوبنا، والآخر بسترها علينا في عقبانا، والظاهر بحفظه إيانا في دنيانا، والباطن بتصفية أسرارنا وتنقية أذكارنا. وقيل: هو الأول بالتكوين، بيانه قوله {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] والآخر بالتلقين، بيانه قوله {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [إبراهيم: 27] الآية. والظاهر بالتبيين بيانه {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} تفسير : [النساء: 26] والباطن بالتزيين بيانه {أية : وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات: 7]. وقال محمد بن علي الترمذي: الأول بالتأليف والآخر بالتكليف والظاهر بالتصريف، والباطن بالتعريف. قال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر كعباً عن هذه الآية فقال: معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن. وقيل: هو الأول بالهيبة والسلطان، والآخر بالرحمة والاحسان، والظاهر بالحجة والبرهان، والباطن بالعصمة والامتنان. وقيل: هو الأول بالعطاء، والآخر بالجزاء، والظاهر بالثناء، والباطن بالوفاء. وقيل: هو الأول بالبرّ والكرم، والآخر بنحلة القسم، والظاهر باسباغ النعم، والباطن بدفع النقم. وقيل: هو الأول بالهداية، والآخر بالكفاية، والظاهر بالولاية، والباطن بالرعاية. وقيل: هو الأول بالانعام، والآخر بالاتمام، والظاهر بالاكرام، والباطن بالالهام. وقيل: هو الأول بتسمية الأسماء، والآخر بتكملة النعماء، والظاهر بتسوية الأعضاء، والباطن بصرف الأهواء. وقيل: هو الأول بإنشاء الخلائق، والآخر بافناء الخلائق، والظاهر باظهار الحقائق، والباطن بعلم الدقائق. وقال الواسطي: لم يدع للخلق نفساً بعد ما أخبر عن نفسه أنه الأول والآخر والظاهر والباطن. وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الشبلي يقول: في هذه الآية أشياء ساقطة فإني أول آخر ظاهر باطن. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أخبرنا شعيب بن محمد أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أحمد بن الأزهر حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا سعيد عن قتادة قال: حديث : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال: "هل تدرون ما هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "هذا العنان هذا روايا الأرض يسوقه الله عزّوجل إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه" ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ". قال: "فكم تدرون بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة" قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوقها سماء أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة" حتى عدّد سبع سماوات بين كل سماءين مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال: "هل تدرون ما فوق ذلك؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء السابعة مثلما بين سماءين". ثم قال: "هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها الأرض". قال: "فهل تدرون ما تحتها؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإن تحتها أرضاً أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدّد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة"، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله" ثم قرأ {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : ومعناه بالعلم والقدرة والخلق والملك. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبا مكي، أخبرنا أحمد بن منصور المروزي، حدّثنا علي ابن الحسن، حدّثنا أبو حمزة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: حديث : دخلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته خادماً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أدلك على ماهو خير لك من ذلك أن تقولي: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت أخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنّا الدين وأغننا من الفقر" . تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا عبد الله بن الفضل حدّثني أحمد بن وركان، حدّثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لعبدالله بن المبارك: كيف نعرف ربنا عزّوجل ؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، ولا تقول كما قالت الجهمية: ههنا في الأرض. وقد ذكرنا معنى الاستواء وحققنا الكلام فيه فأغنى عن الإعادة. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ} بالعلم والقدرة { أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ * يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ * آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} مملّكين، معمرين فيه {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} في ظهر آدم بان الله ربكم لا إله لكم سواه. قاله مجاهد. وقيل: {أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} بأن ركّب فيكم العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول. وقراءة العامة: بفتح الهمزة والقاف. وقرأ أبو عمرو بضمّهما على وجه ما لم يسمى فاعله. {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} يوماً من الأيام، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام على حقيقة الإسلام وصحة نبوة المصطفى(عليه السلام).

الصابوني

تفسير : اللغَة: {سَبَّحَ} نزَّه الله ومجَّده وقدَّسه {ٱلْعَزِيزُ} القوي الغالب على كلي شيء {ٱلأَوَّلُ} السابق على جميع الموجودات {ٱلآخِرُ} الباقي بعد فنائها {يَلِجُ} يدخل {يَعْرُجُ} يصعد {ٱلظَّاهِرُ} بوجوده ومصنوعاته وآثاره {ٱلْبَاطِنُ} بكنه ذاته عن إِدارك الأبصار له {ٱلْحُسْنَىٰ} المثوبة الحسنة والمراد بها الجنة {ٱنظُرُونَا} انتظرونا {نَقْتَبِسْ} نستضيء ونهتدي بنوركم {سُورٍ} حاجز بين الجنة والنار {ٱلْغَرُورُ} الشيطان وكل من خدع غيره فهو غار وغرور. التفسِير: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي مجَّد اللهَ ونزَّهه عن السوء كلُّ ما في الكون من إِنسان، وحيوان، ونبات قال الصاوي: والتسبيحُ تنزيهُ المولى عن كل ما لا يليق به قولاً، وفعلاً، واعتقاداً، من سبح في الأرض والماءِ إِذا ذهب وأبعد فيهما، وتسبيحُ العقلاء بلسان المقال، وتسبيح الجماد بلسان الحال أي أن ذاتها دالة على تنزيه صانعها عن كل نقص، وقيل بلسان المقال أيضاً {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإِسراء: 44] وقال الخازن: تسبيحُ العقلاء تنزيهُ الله عز وجل عن كل سوء، وعما لا يليق بجلاله، وتسبيحُ غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه، فقيل: تسبيحه دلالته على صانعه، فكأنه ناطق بتسبيحه، وقيل: تسبيحه بالقول ويدل عليه قوله تعالى {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}تفسير : [الإِسراء: 44] أي قولهم، والحقُّ أن التسبيح هو القولُ الذي لا يصدر إِلا من العاقل العارف بالله تعالى، وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان: أحدهما: أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني: أن جميع الموجودات بأسرها منقادةٌ له يتصرف فيها كيف يشاء، فإِن حملنا التسبيح على القول كان المراد بقوله {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الملائكةُ والمؤمنون العارفون بالله، وإِن حملنا التسبيح على التسبيح المعنوي، فجميع أجزاء السماوات وما فيها من شمس، وقمر، ونجوم وغير ذلك وجميع ذرات الأرضين وما فيها من جبالٍ، وبحار، وشجر، ودواب وغير ذلك كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال عظمة الله، منقادةٌ له يتصرف فيها كيف يشاء، فإِن قيل: قد جاء في بعض فواتح السور {سَبَّحَ للَّهِ} بلفظ الماضي، وفي بعضها {يُسَّبح للهِ} بلفظ المضارع فما المراد؟ قلت: فيه إشارة إِلى كون جميع الأشياء مسبحاً لله أبداً، غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي وهو الغالب على أمره الذي لا يمانعه ولا ينازعه شيء، الحكيمُ في أفعاله الذي لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.. ثم ذكر تعالى عظمته وقدرته فقال {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي هو جل وعلا المالك المتصرف في خلقه، يحيي من يشاء، ويُميت من يشاء قال القرطبي: يميتُ الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث والنشور {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولفظُ {قَدِيرٌ} مبالغة في القادر لأن "فعيل" من صيغ المبالغة {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ} أي ليس لوجوده بداية، ولا لبقائه نهاية {وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} أي الظاهرُ للعقول بالأدلة والبراهين الدالة على وجوده، الباطنُ الذي لا تدركه الأبصار، ولا تصلُ العقولُ إِلى معرفة كنه ذاته وفي الحديث "حديث : أنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"تفسير : قال شيخ زاده: وقد فسَّر صاحب الكشاف "الباطن" بأنه غير المدرك بالحواسِ وهو تفسير بحسب التشهي يؤيد مذهبه من استحالة رؤية الله في الآخرة، والحقُّ أنه تعالى ظاهرٌ بوجوده، باطنٌ بكنهه، وأنه تعالى جامعٌ بين الوصفين أزلاًَ وأبداً {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي هو تعالى عالمٌ بكل ذرةٍ في الكون، لا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي خلقهما في مقدار ستة أيام ولو شاء لخلقهما بلمح البصر، وهو تحقيقٌ لعزته، وكمال قدرته، كما أن قوله {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} تحقيق لحكمته، وكمال علمه {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} استواءً يليق بجلاله من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي يعلم ما يدخل في الأرض من مطر وأموات، وما يخرج منها من معادن ونبات وغير ذلك {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي وما ينزل من السماء من الأرزاق، والملائكة، والرحمة، والعذاب، وما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة كقوله {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر: 10] {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} أي هو جل وعلا حاضرٌ مع كل أحدٍ بعلمه وإِحاطته قال ابن عباس: هو عالمٌ بكم أينما كنتم قال ابن كثير: أي هو رقيبٌ عليكم، شهيدٌ على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم، من برٍّ وبحر، في ليلٍ أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء، يسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سرَّكم ونجواكم {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي رقيب على أعمال العباد، مطلع على كل صغيرة وكبيرة {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} كرره للتأكيد والتمهيد لإِثبات الحشر والنشر أي هو المعبود على الحقيقة، المتصرف في الخلق كيف يشاء {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي إِليه وحده مرجع أمور الخلائق في الآخرة فيجازيهم على أعمالهم {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي هو المتصرف في الكون كيف يشاء، يقلِّب الليل والنهار بحكمته وتقديره، ويدخل كلاً منهما في الآخر، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وأُخرى بالعكس {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي هو العالم بالسرائر والضمائر، وما فيها من النوايا والخفايا، ومن كانت هذه صفته فلا يجوز أن يُعبد سواه.. ثم لما ذكر دلائل عظمته وقدرته، أمر بتوحيده وطاعته فقال {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدِّقوا بأن الله واحد وأن محمداً عبده ورسوله {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي وتصدّقوا من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها، فهي في الحقيقة لله لا لكم قال في التسهيل: يعني أن الأموال التي بأيديكم إِنما هي أموال الله لأنه خلقها، ولكنه متَّعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء فلا تمنعوها من الإِنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه، والمقصود التحريضُ على الإِنفاق والتزهيد في الدنيا ولهذا قال بعده {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي فالذين جمعوا بين الإِيمان الصادق والإِنفاق في سبيل الله ابتغاء وجهه الكريم لهم أجر عظيم وهو الجنة قال أبو السعود: وفي الآية من المبالغات ما لا يخفى، حيث جعل الجملة اسمية {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وأعيد ذكرُ الإِيمان والإِنفاق {آمَنُواْ .... وَأَنفَقُواْ} وكرر الإِسناد {لَهُمْ} وفخَّم الأجر بالتنكير ووصفه بالكبير {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} استفهام للإِنكار والتوبيخ أي أيُّ عذرٍ لكم في ترك الإِيمان بالله؟ {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ} أي والحالُ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوكم للإِيمان بربكم وخالقكم، بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} أي وقد أخذ الله ميثاقكم - وهو العهد المؤكد - بما ركز في العقول من الأدلة الدالة على وجود الله قال أبو السعود: وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر وقال الخازن: أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم وأعلمكم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، وقيل: أخذ ميثاقكم حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة والبراهين والحجج التي تدعو إِلى متابعة الرسول {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} شرطٌ حذف جوابه أي إِن كنتم مؤمنين في وقت من الأوقات فالآن أحرى الأوقات لقيام الحجج والبراهين عليكم.. ثم ذكر تعالى بعض الأدلة الدالة على وجوب الإِيمان فقال {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي هو تعالى الذي ينزّل على محمد القرآن العظيم، المعجز في بيانه، الواضح في أحكامه قال القرطبي: يريد بالآيات البينات القرآن وقيل: المعجزات أي لزمكم الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما معه من المعجزات، والقرآنُ أكبرها وأعظمها {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي ليخرجكم من ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في الرأفة والرحمة بكم، حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لهدايتكم، ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}؟ أيْ أيُّ شيءٍ يمنعكم من الإِنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون وتخلّفون أموالكم وهي صائرة إِلى الله تعالى؟ قال الإِمام الفخر: المعنى إِنكم ستموتون فتورثون، فهلاَّ قدمتموه في الإِنفاق في طاعة الله!! وهذا من أبلغ الحث على الإِنفاق في سبيل الله {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أي لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل الأعداء مع رسول الله قبل فتح مكة، مع من أنفق ماله وقاتل بعد فتح مكة قال المفسرون: وإِنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الإِسلام إِلى الجهاد والإِنفاق كانت أشد، ثم أعز الله الإِسلام بعد الفتح وكثَّر ناصريه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً {أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ} أي أعظم أجراً، وأرفع منزلة من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة وقاتلوا لإِعلاء كلمة الله قال الكلبي: نزلت في "أبي بكر" لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق ماله في سبيل الله، وذبَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي وكلاً ممن آمن وأنفق قبل الفتح، ومن آمن وأنفق بعد الفتح، وعده الله الجنة مع تفاوت الدرجات {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي عالمٌ بأعمالكم، مطلع على خفاياكم ونواياكم، ومجازيكم عليه، وفي الآية وعدٌ ووعيد {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله ابتغاء رضوانه {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} أي يعطيه أجره على إِنفاقه مضاعفاً {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي وله مع المضاعفة ثواب عظيم كريم وهو الجنة قال ابن كثير: أي جزاء جميل ورزق باهر وهو الجنة، "حديث : ولما نزلت هذه الآية قال "أبو الدحداح الأنصاري" يا رسول الله: وإنَّ الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإِني قد أقرضت ربي حائطي ـ أي بستاني ـ وله فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه هي وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل، فقالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح ونقلت منه متاعها وصبيانهاتفسير : .. ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الأبرار، وما يتقدمهم من الأنوار وهم على الصراط فقال {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} أي اذكر يوم ترى أنوار المؤمنين والمؤمنات تتلألأ من أمامهم ومن جميع جهاتهم ليستضيئوا بها على الصراط، وتكون وجوههم مضيئة كإِضاءة القمر في سواد الليل {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي ويقال لهم: أبشروا اليوم بجنات الخلد والنعيم، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة {خَالِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي الفوز الذي لا فوز بعده لأنه سبب السعادة الأبدية، روي أن نور كل أحدٍ على قدر إِيمانه، وأنهم متفاوتون في النور، فمنهم من يضيء نوره ما قرب من قدميه، ومنهم من يُطفأ نوره مرة ويظهر مرة قال الزمخشري: وإِنما قال {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.. ولما شرح حال المؤمنين يوم القيامة، أتبع ذلك بشرح حال المنافقين فقال {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي انتظرونا لنستضيء من نوركم قال المفسرون: إِن الله تعالى يعطي المؤمنين نوراً يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويترك الكافرين والمنافقين بلا نور، فيستضيء المنافقون بنور المؤمنين، فبينما هم يمشون إِذ بعث الله فيهم ريحاً وظلمة، فبقوا في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم فيقولون للمؤمنين: انتظرونا لنستضيء بنوركم {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} أي فيقول لهم المؤمنون سخريةً واستهزاءً بهم: ارجعوا إِلى الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هناك قال أبو حيان: وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإِنما هو إِقناطٌ لهم {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} أي فضرب بين المؤمنين والمنافقين بحاجزٍ له باب، يحجز بين أهل الجنة وأهل النار {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} أي في باطن السور الذي هو جهة المؤمنين الرحمةُ وهي الجنة، وفي ظاهره وهو جهة الكافرين العذاب وهو النارُ قال ابن كثير: هو سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإِذا انتهى إِليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإِذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي ينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلي كما تصلون، ونصوم كما تصومون، ونحضر الجمعة والجماعات، ونقاتل معكم في الغزوات؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي قال لهم المؤمنون: نعم كنتم معنا في الظاهر ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي انتظرتم بالمؤمنين الدوائر {وَٱرْتَبْتُمْ} أي شككتم في أمر الدين {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} أي خدعتكم الأماني الفارغة بسعة رحمة الله {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي حتى جاءكم الموتُ {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي وخدعكم الشيطان الماكر بقوله: إن الله عفو كريم لا يعذبكم قال قتادة: ما زالوا على خُدعةٍ من الشيطان حتى قذفهم الله في نار جهنم قال المفسرون: الغرور بفتح الغين الشيطان لأنه يغر ويخدع الإنسان قال تعالى {أية : فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}تفسير : [فاطر: 5-6] {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ففي هذا اليوم العصيب لا يقبل منكم بدلٌ ولا عوضٌ يا معشر المنافقين، ولا من الكافرين الجاحدين بالله وآياته وفي الحديث "حديث : إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار؟! فيقول: نعم يا ربّ، فيقول الله تبارك وتعالى: قد سألتك ما هو أيسرُ من ذلك وأنت في ظهر أبيك آدم، أن لا تشرك بي فأبيتَ إِلا الشرك"تفسير : {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي مقامكم ومنزلكم نار جهنم {هِيَ مَوْلاَكُمْ} أي هي عونكم وسندكم وناصركم لا ناصر لكم غيرها، وهو تهكم بهم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي وبئس المرجع والمنقلب نار جهنم. قال بعض العلماء: "السعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إِلى الخدع، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل".

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السّائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناه خَضعَ وذَلَّ.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية هذه السورة مدنية بإِجماع المفسرين قاله النقاش وقال غيره كالزمخشري هي مكية ومناسبتها لآخر ما قبلها واضحة لأنه تعالى أمر بالتسبيح ثم أخبر أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزمه كل من في السماوات والأرض وأتى سبح بلفظ الماضي ويسبح بلفظ المضارع وكله يدل على الديمومة والاستمرار. {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} لما ذكر تعالى تسبيح العالم له وما احتوى عليه من الملك والتصرف وما وصف به نفسه من الصفات العلا وختمها بالعلم بخفيات الصدور أمر تعالى عباده المؤمنين بالثبات على الإِيمان وإدامته والنفقة في سبيل الله تعالى، قال الضحاك: نزلت في غزوة العمرة غزوة تبوك. {مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي ليست لكم بالحقيقة وإنما انتقلت إليكم من غيركم وكما وصلت إليكم تتركونها لغيركم وفيه تزهيد فيما بيد الإِنسان إذ مصيره إلى غيره وليس له منه إلا ما في الحديث حديث : يقول ابن آدم: مالي، مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت تفسير : وفي لفظ فأمضيت. {وَمَا لَكُمْ} استفهام على سبيل التأنيث والإِنكار وهو مبتدأ ولكم الخبر. {لاَ تُؤْمِنُونَ} جملة حالية والواو في والرسول واو الحال وفي وقد أخذوا والحال وقرىء أخذ مبنياً للفاعل والمفعول والمعنى أن من اتصف بهذه الأحوال يجب أن يؤمن ويديم الإِيمان والميثاق الذي أخذ قيل انه أخذه الله تعالى حين استخرج من ظهر آدم عليه السلام ذريته وأشهدهم على أنفسهم وجواب إن كنتم محذوف أي فدوموا على الإِيمان. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ} إستفهام ثان على معنى الإِنكار وإن لا تنفقوا مصدر على إسقاط حرف الجر تقديره في عدم الإِنفاق والواو في ولله واو الحال ومقابل قوله لا يستوي منكم من أنفق محذوف يدل عليه ما بعده تقديره ومن أنفق من بعده الفتح وقاتل ثم أثنى على من فعل ذلك قبل الفتح ثم قال: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي كلاً من المنفقين وهو منصوب على أنه مفعول أول بقوله: "وعد والحسنى" مفعول ثان وهي قراءة الجمهور بالنصب وقرأ ابن عامر: وكل بالرفع على أنه مبتدأ وخبره الجملة بعده حذف منه المفعول وهو الضمير العائد على كل تقديره وعده الله تعالى ونظير ذلك قول الشاعر: شعر : وخالد تحمد ساداتنا بالحق لا تحمد بالباطل تفسير : تقديره تحمده سادتنا فحذف الضمير العائد على المبتدأ والظاهر أن قوله: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} هو زيادة على التضعيف المترتب على القرض أي وله مع الضعيف أجر كريم. {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} الآية العامل في يوم ما عمل في لهم التقدير ومستقر لهم أجر كريم يوم ترى أو اذكر يوم ترى إعظاماً لذلك اليوم والرؤية هنا رؤية العين والنور حقيقة والظاهر أن النور يتقدم لهم بين أيديهم ويكون أيضاً بإِيمانهم فيظهر أنهما نوران نور ساع بين أيديهم ونور بإِيمانهم فلذلك تضيء الجهة التي يؤمونها وبهذا يضيء ما حواليهم من الجهات. {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ} جملة معمولة لقول محذوف تقديره تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم جنات أي دخول جنات. {يَوْمَ يَقُولُ} بدل من يوم ترى ومثل معمول لا ذكر. قال ابن عطية: ويظهر لي أن العامل فيه ذلك هو الفوز العظيم ويجيء معنى الفور أفخم كأنه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه ومضاده أبدع وأفخم "انتهى". فظاهر كلامه وتقديره أن يوم منصوب بالفوز وهو لا يجوز لأنه مصدر قد وصف قبل أخذ متعلقاته فلا يجوز عماله فلا وأعمل وصفه وهو العظيم لجاز أي الفوز الذي عظم أي قدره يوم يقول: {ٱنظُرُونَا} أي انتظرونا لأنهم لما سبقوهم إلى المرور على الصراط وقد طفئت أنوارهم قالوا ذلك، وقرىء: أنظرونا من أنظر رباعياً أي أخرونا أي اجعلونا في آخركم ولا تسبقونا. وقرىء: أنظرونا أمر من نظر بمعنى انتظر. قال امرؤ القيس: شعر : وإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدا أم جندب تفسير : {نَقْتَبِسْ} جواب للأمر أي نصب منه حتى نستضيء به يقال اقتبس الرجل واستقبس أخذ من نار غيره قبساً. {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} القائل المؤمنون أو الملائكة وراءكم منصوب بإِرجعوا وارجعوا أو توبيخ وطرد أي ارجعوا إلى الموقف حيث أعطينا النور ثم يعود الضمير منه على الباب لقربه وقيل على السور وباطنه الشق الذي لأهل الجنة وظاهره ما بدا منه. {مِن قِبَلِهِ} أي من جهته. {ٱلْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ} إستئناف أخبار. {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي في الظاهر. {قَالُواْ بَلَىٰ} أي كنتم معنا في الظاهر. {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ} أي عرضتم. {أَنفُسَكُمْ} للفتنة بنفاقكم. {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي بإِيمانكم حتى وافيتم على الكفر. {وَٱرْتَبْتُمْ} شككتم في أمر الدين. {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} وهي الطماع. {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} وهو الموت على النفاق والغرور الشيطان. {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} الآية كثر المزاح في شباب الصحابة فنزلت بأن مضارع أني كرمى يرمي كالذين أوتوا الكتاب قيل هم معاصرو موسى عليه السلام من بني إسرائيل حذر المؤمنين أن يكونوا مثلهم في قساوة القلوب إذ كانوا إذا سمعوا التوراة رقوا وخشعوا فطال عليهم الأمد أي انتظار الفتح وانتظار القيامة والأمد الغاية من الزمن فقست قلوبهم أي صلبت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير.

الجيلاني

تفسير : {سَبَّحَ للَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالبقاء والقيومية، المتفرد بالتحقق والثبوت على وجه الديمومية، الحي الحقيق بالألوهية والربوبية، مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من الكوائن العلوية والسفلية، الغيبية والشهادية، ونزهه عن مطلق النقائص المنافية لصرافة وحدته الذاتية بعدما اعترفت ألسنة استعدادات الكل بربوبيته طوعاً، واشتغلوا بلوازم عبوديته رغبةً {وَ} كيف لا يسبحونه ولا يعظمونه، والحال أنه {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب المقتدر على وجوه الإنعام والانتقام {ٱلْحَكِيمُ} [الحديد: 1] المتقن في إيجادها وإظهارها على وفق الإرادة والاختيار؟! {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: مؤثرات الأسماء والصفات العلوية، المعتبرة بالأعيان الثابتة ومتأثرات القوابل السفلية، واستعدادات الطبائع والهيولى المنفعلة منها؛ إذ هو سبحانه باستقلاله وتوحده {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي: يتصرف فيها بالإحياء والإماتة، والخلع واللبس حسب إرادته ومشيئته بالاختيار، وبالجملة: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} دخل في حيطة حضرة علمه، ولوح قضائه {قَدِيرٌ} [الحديد: 2] بالقدرة التامة الكاملة، مع أنه لا يعزب عن حيطة علمه الحضوري ذرة مما لمع عليه برق وجوده الوحداني الفرداني. وكيف لا يقدر سبحانه على التصرف بالاستقلال والاختيار في ملكه وملكوته؛ إذ {هُوَ ٱلأَوَّلُ} الأزلي السرمدي السابق في الوجود {وَٱلآخِرُ} الأبدي الدائم، المستمر فيه بمقتضى الجود حق {وَٱلظَّاهِرُ} المتحقق في العيان {وَٱلْبَاطِنُ} المكنون في عموم الأكوان، فانظر أيها المعتبر الناظر، هل بقي لغيره وجود ولسواه عين وشهود؟! {وَ} بالجملة: {هُوَ} بذاته {بِكُلِّ شَيْءٍ} ظهر من امتداد أظلاله وانعكاس أشعة نور وجوده {عَلِيمٌ} [الحديد: 3] بذاته وحضوره، غير مغيب عنه مطلقاً. ومن كمال علمه وإرادته، ووفور حكمته وقدرته {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ} وقدر ظهور {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} المتطابعة المتعلقة {وَٱلأَرْضَ} المفترشة الممهدة {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} حسب الأقطار والجهات الست {ثُمَّ} بعدما كمل الكل {ٱسْتَوَىٰ} وتمكن {عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: على عروش مطلق المظاهر بالاستيلاء التام، والاستقلال الكامل، بحيث {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ويدخل {فِي ٱلأَرْضِ} من الحبات أو في أراضي الاستعدادات ومن بذور المعارف والحقائق {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من أنواع النباتات أو المكاشفات والمشاهدات المترتبة على بذور المعارف، والأعمال الصالحات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسباب من الأمطار، أو من سماء الأسماء من مياه العلوم اللدنية والإدراكات المحيية لأراضي الاستعدادات {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الأبخرة والأدخنة، أو الكلمات الطيبة الصاعدة الجالبة لفيضان اليقين والعرفان من المبدأ الفياض. {وَ} بالجملة: {هُوَ} سبحانه بذاته {مَعَكُمْ} أيتها المظاهر {أَيْنَ مَا كُنتُمْ} لا معية ذاتية ولا زمانية، ولا بطريق المقارنة والمخالطة، ولا بطريق الحلول والاتحاد، بل بطريق الظهور والظلية، والحضور ورش النور {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المحيط بكم، المظهر لأشباحكم بمد ظله عليكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من مطلق الأعمال {بَصِيرٌ} [الحديد: 4] فيجازيكم عليها على مقتضى بصارته وعلمه في يوم الجزاء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا أيها السباح، في بحر التسبيح بالاستعداد الظاهر الكامل اللطائف الظاهرة والباطنة، القلبية والنفسية، والقلبية والسرية، والروحية والخفية، اعلم أن الله ذكر المسبحين في كتابه المبين وكلامه المتين على فواتح السور ثلاث مرات بصيغة الماضي، ومرتين بصيغة المستقبل، ومرة واحدة بصيغة الأمر؛ ليطَّلع السالك على أن تسبيح اللطائف الظاهرة بلسان النبوة في بحر الأزل كان لصفات ذاته، وتسبيح اللطائف المطهرة الباطنة بلسان الولاية في بحر الأبد كان لصفات فعله، وتسبيح اللطيفة الخفية بلسان اللطيفة الأنانية في بحر الجمال كان لذاته بذاته؛ يتوجه السالك المحقق إلى كعبة الحال لا إلى الماضي ولا إلى المستقبل؛ لأن التوجه إلى الماضي في توبة اللطيفة يكدر وجه الجمال، والتوجه إلى المستقبل بعد طلوع شمس الحال يشق قلب الحال، والسر الذي ذكر بصيغة الماضي ثلاث مرات إشارة إلى نور النبوة؛ لأنها قائمة بواو الولاية، وواو الولاية قائمة بألف الألوهية، فما له مرتبتان وله ثلاث مراتب، والسر الذي ذكر بصيغة المستقبل مرتين؛ لأن واو الولاية قائمة بألف الألوهية وله مرتبتان، والحكمة في أنه ذكر بصيغة الأمر مرة واحدة؛ لأن اللطيفة الأنانية ظهرت في مرتبة الألف، وكشف هذه الأسرار زيادة على ما ذكرته بفرع باب مطلع القرآن، فارجع من المطلع إلى الحد، ومن الحد إلى البطن، ومن البطن إلى الظهر. وافهم ما يقول الله تعالى في كلامه حيث يقول {سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الحديد: 1]؛ يعني: نزه أهل السماوات الروحانية وأهل الأرض البشرية عن معرفتهم له؛ لأن جانب عزته له أعلى من أن يصل فهم المخلوق إلى أفق معرفته، وسرادقات حكمته أرفع من أن يقدر رفعها المخلوق المحدث بقوله: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الحديد: 2] ملكاً مطلقاً، {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [الحديد: 2] يحيي المفردات عند التركيب بحكمته، ويمت المركبات بإفناء صورها بعد التركيب بعزته، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحديد: 2]؛ يعني: على إحياء الموتى وإماتة الإحياء، {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]؛ يعني: هو الأول في عالم لاهوته، والآخر في عالم ملكوته، والظاهر في عالم ناسوته، والباطن في عالم جبروته، وهو إشارة إلى وحدانية ذاته المحيط بالكل؛ ولأجل هذا يبدأ به ويختم عليه في قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] من الحقائق اللاهوتية، والحقائق الجبروتية، والدقائق الملكوتية، والشقائق الناسوتية عليم. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الحديد: 4]؛ يعني: هو الذي خلق السماوات الروحانية والأرض البشرية في ستة أيام، النقطات البياضية والسوادية المدرجة في الحظ الإلهي {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} [الحديد: 4]؛ أي: على عرش النقطة الحكمية في الجامعة المباركة الألفية؛ لأنها مجمع النقطات العلمية والإرادية، والقدرية والحكمية، وبها تمت الأسبوع وعليه مدار أشهر الحروف وأباجاد السنين، وأعياد الكلمات الكمالات التامات الباقيات، وفهم هذه الأسرار ليس يفسرها الأعجمي فأدرج، فاعلم أنه تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} [الحديد: 4]؛ لأنه أودع فيها قوة الولوج واستعداد الإخراج وقت التخمير، {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [الحديد: 4]؛ لأنه أدرج فيها سر النزول وحكمة العروج وقت التدبير، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4]؛ يعني: وجودكم مستفاد من نظر وجوديته، وكيف نيتكم موجودة به؟ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]؛ لأنه مستعملكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وسعة سلطانه، أن جميع ما في السماوات والأرض من الحيوانات الناطقة والصامتة وغيرها، [والجوامد] تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وأنها قانتة لربها، منقادة لعزته، قد ظهرت فيها آثار حكمته، ولهذا قال: { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فهذا فيه بيان عموم افتقار المخلوقات العلوية والسفلية لربها، في جميع أحوالها، وعموم عزته وقهره للأشياء كلها، وعموم حكمته في خلقه وأمره. ثم أخبر عن عموم ملكه، فقال: { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: هو الخالق لذلك، الرازق المدبر لها بقدرته { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }. { هُوَ الأوَّلُ } الذي ليس قبله شيء، { وَالآخِرُ } الذي ليس بعده شيء { وَالظَّاهِرُ } الذي ليس فوقه شيء، { وَالْبَاطِنُ } الذي ليس دونه شيء. { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } قد أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والسرائر والخفايا، والأمور المتقدمة والمتأخرة. { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } استواء يليق بجلاله، فوق جميع خلقه، { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ } من حب وحيوان ومطر، وغير ذلك. { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من نبات وشجر وحيوان وغير ذلك، { وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ } من الملائكة والأقدار والأرزاق. { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الملائكة والأرواح، والأدعية والأعمال، وغير ذلك. { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } كقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا }. تفسير : وهذه المعية، معية العلم والاطلاع، ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها عليكم. { لَهُ ملك السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ملكا وخلقا وعبيدا، يتصرف فيهم بما شاءه من أوامره القدرية والشرعية، الجارية على الحكمة الربانية، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } من الأعمال والعمال، فيعرض عليه العباد، فيميز الخبيث من الطيب، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } أي: يدخل الليل على النهار، فيغشيهم الليل بظلامه، فيسكنون ويهدأون، ثم يدخل النهار على الليل، فيزول ما على الأرض من الظلام، ويضيء الكون، فيتحرك العباد، ويقومون إلى مصالحهم ومعايشهم، ولا يزال الله يكور الليل على النهار، والنهار على الليل، ويداول بينهما، في الزيادة والنقص، والطول والقصر، حتى تقوم بذلك الفصول، وتستقيم الأزمنة، ويحصل من المصالح ما يحصل بذلك، فتبارك الله رب العالمين، وتعالى الكريم الجواد، الذي أنعم على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة، { وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما يكون في صدور العالمين، فيوفق من يعلم أنه أهل لذلك، ويخذل من يعلم أنه لا يصلح لهدايته.