Verse. 5078 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

ہُوَالْاَوَّلُ وَالْاٰخِرُ وَالظَّاہِرُ وَالْبَاطِنُ۝۰ۚ وَہُوَبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۳
Huwa alawwalu waalakhiru waalththahiru waalbatinu wahuwa bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الأول» قبل كل شيء بلا بداية «والآخر» بعد كل شيء بلا نهاية «والظاهر» بالأدلة عليه «والباطن» عن إدراك الحواس «وهو بكل شيء عليم».

3

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية: «حديث : إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء» تفسير : وأعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه: الأول: أن تقدم الشيء على الشيء يعقل على وجوه أحدها: التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثراً في المتأخر وثانيها: التقدم بالحاجة لا بالتأثير، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين وثالثها: التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر ورابعها: التقدم بالرتبة، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم، أو من مبدأ معقول، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلاً كان أشد تأخراً، ولو قلبناه انقلب الأمر وخامسها: التقدم بالزمان، وهو أن الموجود في الزمان المتقدم، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن ههنا قسماً سادساً، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض، فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً بزمان آخر، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال، لأنه لما كان زماناً كان داخلاً في مجموع الأزمنة، فإذاً ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة، وإلا لوجدا معاً، كما أن العلة والعلول يوجدان معاً، والواحد والإثنين يوجدان معاً، وليس أيضاً بالشرف ولا بالمكان، فثبت أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس غير الأقسام الخمسة المذكورة، وإذا عرفت هذا فنقول: إن القرآن دل على أنه تعالى أول لكل ما عداه، والبرهان دل أيضاً على هذا المعنى، لأنا نقول: كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، فكل ما عدا الواجب فهو محدث، وذلك الواجب أول لكل ما عداه، إنما قلنا: أن ما عدا الواجب ممكن، لأنه لو وجد شيئآن واجبان لذاتهما لاشتركا في الواجب الذاتي، ولتباينا بالتعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة، فيكون كل واحد منهما مركباً، ثم كل واحد من جزأيه إن كان واجباً فقد اشترك الجزآن في الوجوب وتباينا بالخصوصية، فيكون كل واحد من ذينك الجزأين أيضاً مركباً ولزم التسلسل، وإن لم يكونا واجبين أو لم يكن أحدهما واجباً، كان الكل المتقوم به أولى بأن لا يكون واجباً، فثبت أن كل ما عدا الواجب ممكن، وكل ممكن محدث، لأن كل ممكن مفتقر إلى المؤثر، وذلك الافتقار إما حال الوجود أو حال العدم، فإذاً كان حال الوجود، فإما حال البقاء وهو محال لأنه يقتضي إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل وهو محال، فإن تلك الحاجة إما حال الحدوث أو حال العدم، وعلى التقديرين فيلزم أن يكون كل ممكن محدثاً، فثبت أن كل ما عدا ذلك الواجب فهو محدث محتاج إلى ذلك الواجب، فإذاً ذلك الواجب يكون قبل كل ما عداه، ثم طلب العقل كيفية تلك القبلية فقلنا: لا يجوز أن تكون تلك القبلية بالتأثير، لأن المؤثر من حيث هو مؤثر مضاف إلى الأثر من حيث هو أثر والمضافان معاً، والمع لا يكون قبل، ولا يجوز أن تكون لمجرد الحاجة لأن المحتاج والمحتاج إليه لا يمتنع أن يوجدا معاً، وقد بينا أن تلك المعية ههنا ممتنعة، ولا يجوز أن تكون لمحض الشرف فإنه ليس المطلوب من هذه القبلية ههنا مجرد أنه تعالى أشرف من الممكنات، وأما القبلية المكانية فباطلة، وبتقدير ثبوتها فتقدم المحدث على المحدث أمر زائد آخر وراء كون أحدهما فوق الآخر بالجهة، وأما التقدم الزماني فباطل، لأن الزمان أيضاً ممكن ومحدث، أما أولاً فلما بينا أن واجب الوجود لا يكون أكثر من واحد، وأما ثانياً فلأن أمارة الإمكان والحدوث فيه أظهر كما في غيره لأن جميع أجزائه متعاقبة، وكل ما وجد بعد العدم وعدم بعد الوجود فلا شك أنه ممكن المحدث، وإذا كان جميع أجزاء الزمان ممكناً ومحدثاً والكل متقوم بالأجزاء فالمفتقر إلى الممكن المحدث أولى بالإمكان والحدوث، فإذن الزمان بمجموعه وبأجزائه ممكن ومحدث، فتقدم موجده عليه لا يكون بالزمان، لأن المتقدم على جميع الأزمنة لا يكون بالزمان، وإلا فيلزم في ذلك الزمان أن يكون داخلاً في مجموع الأزمنة لأنه زمان، وأن يكون خارجاً عنها لأنه ظرفها، والظرف مغاير للمظروف لا محال، لكن كون الشيء الواحد داخلاً في شيء وخارجاً عنه محال، وأما ثالثاً فلأن الزمان ماهيته تقتضي السيلان والتجدد، وذلك يقتضي المسبوقية بالغير والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فالجمع بينهما محال، فثبت أن تقدم الصانع على كل ما عداه ليس بالزمان ألبتة، فإذن الذي عند العقل أنه متقدم على كل ما عداه، أنه ليس ذلك التقدم على أحد هذه الوجوه الخمسة، فبقي أنه نوع آخر من التقدم يغاير هذه الأقسام الخمسة، فأما كيفية ذلك التقدم فليس عند العقل منها خبر، لأن كل ما يخطر ببال العقل فإنه لا بد وأن يقترن به حال من الزمان، وقد دل الدليل على أن كل ذلك محال، فإذن كونه تعالى أولاً معلوم على سبيل الإجمال، فأما على سبيل التفصيل والإحاطة بحقيقة تلك الأولية، فليس عند عقول الخلق منه أثر. النوع الثاني: من هذا غوامض الموضع، وهو أن الأزل متقدم على اللا يزال، وليس الأزل شيئاً سوى الحق، فتقدم الأزل على اللا يزال، يستدعي الامتياز بين الأزل وبين اللا يزال، فهذا يقتضي أن يكون اللا يزال له مبدأ وطرف، حتى يحصل هذا الامتياز، لكن فرض هذا الطرف محال، لأن كل مبدأ فرضته، فإن اللايزال، كان حاصلاً قبله، لأن المبدأ الذي يفرض قبل ذلك الطرف المفروض بزيادة مائة سنة، يكون من جملة اللايزال، لا من جملة الأزل، فقد كان معنى اللايزال موجوداً قبل أن كان موجوداً وذلك محال. النوع الثالث: من غوامض هذا الموضوع، أن امتياز الأزل عن اللا يزال، يستدعي انقضاء حقيقة الأزل، وانقضاء حقيقة الأزل محال، لأن مالا أول له يمتنع انقضاؤه، وإذا امتنع انقضاؤه امتنع أن يحصل عقيبه ماهية اللا يزال، فإذن يمتنع امتياز الأزل عن اللا يزال، وامتياز اللا يزال عن الأزال، وإذا امتنع حصول هذا الإمتياز امتنع حصول التقدم والتأخر، فهذه أبحاث غامضة في حقيقة التقدم والأولية والأزلية، وما هي إلا بسبب حيرة العقول البشرية في نور جلال ماهية الأزلية والأولية، فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به، وكل ما استحضره العقل، ووقف عليه فذاك يصير محاطاً به، والمحاط يكون متناهياً، والأزلية تكون خارجة عنه، فهو سبحانه ظاهر باطن في كونه أولاً، لأن العقول شاهدة بإسناد المحدثات إلى موجد متقدم عليها فكونه تعالى أولاً أظهر من كل ظاهر من هذه الجهة، ثم إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك الأولية عجزت لأن كل ما أحاط به عقلك وعلمك فهو محدود عقلك ومحاط علمك فيكون متناهياً، فتكون الأولية خارجة عنا، فكونه تعالى أولاً إذا اعتبرته من هذه الجهة كان إبطن من كل باطن، فهذا هو البحث عن كونه تعالى أولاً. أما البحث عن كونه آخراً، فمن الناس من قال: هذا محال، لأنه تعالى إنما يكون آخر الكل ما عداه، لو بقي هو مع عدم كل ما عداه لكن عدم ما عداه إنما يكون بعد وجوده، وتلك البعدية، زمانية، فإذن لا يمكن فرض عدم كل عداه إلا مع وجود الزمان الذي به تتحقق تلك البعدية، فإذن حال ما فرض عدم كل ما عداه، أن لا يعدم كل ما عداه، فهذا خلف، فإذن فرض بقائه مع عدم كل ما عداه محال، وهذه الشبهة مبنية أيضاً على أن التقدم والتأخر لا يتقرران إلا بالزمان، وقد دللنا على فساد هذه المقدمة فبطلت هذه الشبهة، وأما الذين سلموا إمكان عدم كل ما عداه مع بقائه، فمنهم من أوجب ذلك حتى يتقرر كونه تعالى آخراً للكل، وهذا مذهب جهم، فإنه زعم أنه سبحانه يوصل الثواب إلى أهل الثواب، ويوصل العقاب إلى أهل العقاب، ثم يفني الجنة وأهلها، والنار وأهلها، والعرش والكرسي والملك والفلك، ولا يبقى مع الله شيء أصلاً، فكما أنه كان موجوداً في الأزل ولا شيء يبقى موجوداً في اللا يزال أبد الآباد ولا شيء، واحتج عليه بوجوه أولها: قوله هو الآخر، يكون آخراً إلا عند فناء الكل وثانيها: أنه تعالى إما أن يكون عالماً بعدد حركات أهل الجنة والنار، أو لا يكون عالماً بها، فإن كان عالماً بها كان عالماً بكميتها، وكل ماله عدد معين فهو متناه، فإذن حركات أهل الجنة متناهية، فإذن لا بد وأن يحصل بعدها عدم أبدي غير منقض وإذا لم يكن عالماً بها كان جاهلاً بها والجهل على الله محال وثالثها: أن الحوادث المستقبلة قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك فهو متناه والجواب: أن إمكان استمرار هذه الأشياء حاصل إلى الأبد، والدليل عليه هو أن هذه الماهيات لو زالت إمكاناتها، لزم أن ينقلب الممكن لذاته ممتنعاً لذاته، ولو انقلبت قدرة الله من صلاحية التأثير إلى امتناع التأثير، لانقلبت الماهيات وذلك محال، فوجب أن يبقى هذا الإمكان أبداً، فإذن ثبت أنه يجب انتهاء هذه المحدثات إلى العدم الصرف، أما التمسك بالآية فسنذكر الجواب عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالى وأما الشبهة الثانية: فجوابها أنه يعلم أنه ليس لها عدد معين، وهذا لا يكون جهلاً، إنما الجهل أن يكون له عدد معين ولا يعلمه، أما إذا لم يكن له عدد معين وأنت تعلمه على الوجه فهذا لا يكون جهلاً بل علماً وأما الشبهة الثالثة: فجوابها أن الخارج منه إلى الوجود أبداً لا يكون متناهياً، ثم إن المتكلمين لما أثبتوا إمكان بقاء العالم أبداً عولوا في بقاء الجنة والنار أبداً، على إجماع المسلمين وظواهر الآيات، ولا يخفى تقريرها، وأما جمهور المسلمين الذين سلموا بقاء الجنة والنار أبداً، فقد اختلفوا في معنى كونه تعالى آخراً على وجوه أحدها: أنه تعالى يفني جميع العالم والممكنات فيتحقق كونه آخراً، ثم إنه يوجدها ويبقيها أبداً وثانيها: أن الموجود الذي يصح في العقل أن يكون آخراً لكل الأشياء ليس إلا هو، فلما كانت صحة آخرية كل الأشياء مختصة به سبحانه، لا جرم وصف بكونه آخراً وثالثها: أن الوجود منه تعالى يبتدىء، ولا يزال ينزل وينزل حتى ينتهي إلى الموجود الأخير، الذي كون هو مسبباً لكل ما عداه، ولا يكون سبباً لشيء آخر، فبهذا الاعتبار يكون الحق سبحانه أولاً، ثم إذا انتهى أخذ يترقى من هذا الموجود الأخير درجة فدرجة حتى ينتهي إلى آخر الترقي، فهناك وجود الحق سبحانه، فهو سبحانه أول في نزول الوجود منه إلى الممكنات، آخر عند الصعود من الممكنات إليه ورابعها: أنه يميت الخلق ويبقى بعدهم، فهو سبحانه آخر بهذا الاعتبار وخامسها: أنه أول في الوجود وآخر في الاستدلال، لأن المقصود من جميع الاستدلالات معرفة الصانع، وأما سائر الاستدلالات التي لا يراد منها معرفة الصانع فهي حقيرة خسيسة، أما كونه تعالى ظاهراً وباطناً، فاعلم أنه ظاهر بحسب الوجود، فإنك لا ترى شيئاً من الكائنات والممكنات إلا ويكون دليلاً على وجوده وثبوته وحقيقته وبراءته عن جهات التغير على ما قررناه، وأما كونه تعالى باطناً فمن وجوه الأول: أن كمال كونه ظاهراً سبب لكونه باطناً، فإن هذه الشمس لو دامت على الفلك لما كنا نعرف أن هذا الضوء إنما حصل بسببها، بل ربما كنا نظن أن الأشياء مضيئة لذواتها إلا أنها لما كانت بحيث تغرب ثم ترى أنها متى غربت أبطلت الأنوار وزالت الأضواء عن هذا العالم، علمنا حينئذ أن هذه الأضواء من الشمس، فههنا لو أمكن انقطاع وجود الله عن هذه الممكنات لظهر حينئذ أن وجود هذه الممكنات من وجود الله تعالى، لكنه لما دام ذلك الجود ولم ينقطع صار دوامه وكماله سبباً لوقوع الشبهة، حتى إنه ربما يظن أن نور الوجود ليس منه بل وجود كل شيء له من ذاته، فظهر أن هذا الاستتار إنما وقع من كمال وجوده، ومن دوام جوده، فسبحان من اختفى عن العقول لشدة ظهوره، واحتجب عنها بكمال نوره. الوجه الثاني: أن ماهيته غير معقولة للبشر ألبتة، ويدل عليه أن الإنسان لا يتصور ماهية الشيء إلا إذا أدركه من نفسه على سبيل الوجدان كالألم واللذة وغيرهما أو أدركه بحسه كالألوان والطعوم وسائر المحسوسات، فأما مالا يكون كذلك فيتعذر على الإنسان أن يتصور ماهيته ألبتة، وهويته المخصوصة جل جلاله ليست كذلك فلا تكون معقولة للبشر، ويدل عليه أيضاً أن المعلوم منه عند الخلق، إما الوجود وإما السلوب، وهو أنه ليس بجسم ولا جوهر، وإما الإضافة، وهو أنه الأمر الذي من شأنه كذا وكذا، والحقيقة المخصوصة مغايرة لهذه الأمور فهي غير معقولة ويدل عليه أن أظهر الأشياء منه عند العقل كونه خالقاً لهذه المخلوقات، ومتقدماً عليها، وقد عرفت حيرة العقل ودهشته في معرفة هذه الأولية، فقد ظهر بما قدمناه أنه سبحانه هو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن، وسمعت والدي رحمه الله يقول: إنه كان يروى أنه لما نزلت هذه الآية أقبل المشركون نحو البيت وسجدوا. المسألة الثانية: احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: {هُوَ ٱلأَوَّلُ } قالوا الأول هو الفرد السابق، ولهذا المعنى لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا، لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وههنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق، لأن شرط الأولية كونه سابقاً وههنا لم يحصل، فثبت أن الشرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد. المسألة الثالثة: أكثر المفسرين قالوا: إنه أول لأنه قبل كل شيء، وإنه آخر لأنه بعد كل شيء، وإنه ظاهر بحسب الدلائل، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا: معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه، أي عليه يدور، وبه يتم. واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة، وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: {أية : فَأَصْبَحُواْ ظَـٰهِرِينَ } تفسير : [الصف: 14] أي غالبين عالين، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته، ومنه قوله تعالى: {أية : عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } تفسير : [الزخرف: 33] وهذا معنى ما روى في الحديث: «حديث : وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» تفسير : وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يظن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال: أنت أبطن بهذا الأمر من فلان، أي أخبر بباطنه، فمعنى كونه باطناً، كونه عالماً ببواطن الأمور، وهذا التفسير عندي فيه نظر، لأن قوله بعد ذلك: {وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يكون تكراراً. أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل: إن أحداً لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره، وإنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره {أية : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } تفسير : [المائدة: 116].

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلأَوَّلُ } قبل كل شَيْءٍ بلا بداية {وَٱلأَخِرُ } بعد كل شَيْءٍ بلا نهاية {وَٱلظَّٰهِرُ } بالأدلة عليه {وَٱلْبَٰطِنُ } عن إدراك الحواسّ {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْظَّاهِرُ} العال على كل شيء {وَالْبَاطِنُ} المحيط بكل شيء أو القاهر لما ظهر وبطن، أو العالم بما ظهر وبطن.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ}[3] قال: اسم الله الأعظم مكنى عنه في ست آيات من أول سورة الحديد من قوله: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ}[3] وليس المعنى في الأسماء إلا المعرفة بالمسمى، والمعنى في العبادة إلا المعرفة في العبودية. ومعنى الظاهر ظاهر العلو والقدرة والقهر، والباطن الذي عرف ما في باطن القلوب من الضمائر والحركات.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} [الآية: 3]. قال الواسطى: لم يدع للخلق نفسًا بعدما أخبر عن نفسه أنه الأول والآخر والظاهر والباطن. قال سهل: اسم الله الأعظم مكنى عنه فى ست آيات فى أول سورة الحديد من قوله: هو الأول والآخر والظاهر والباطن ليس فى الأسماء معنى المعرفة فى المسمى ولا المعنى فى عبادته إلا المعرفة بالمعبود. سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن الفضل وقد سئل عن قوله: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} فقال: أول ببره وآخر بعفوه وظاهر بإحسانه وباطن بستره. وقال الواسطى رحمة الله عليه: من كان حظه من اسمه الأول كان شغله بما سبق ومن لاحظ اسمه الآخر كان مرتبطاً بما يستقبله ومن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كان من اسمه الباطن لاحظ ما جرى فى السرائر من أنواره. قال جعفر: هو الذى أول الأول وأخر الآخر وأظهر الظاهر وأبطن الباطن فسقطت هذه المعانى وبقى هو. قال أبو بكر بن طاهر: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} هو الأول لآخره والآخر لأوله والظاهر لباطنه والباطن لظاهره. وقال أبو الحسين الواسطى: الأول المتقدم لكل أول والموجود قبل كل موهوم. قال بعضهم: الأول السابق إلى فعل الخير والمتقدّم كل محسن إلى فعل الإحسان. وقال بعضهم: الآخر الباقى بعد فقد الخلق لفعل الإحسان والظاهر الغالب لكل أحد ومن ظهر على شىء فقد غلبه والظاهر الذى يعلم الظواهر ويشرف على السرائر والظاهر الذى ظهر للعقول بالأعلام وظهر للأرواح باليقين وإن خفى على أعين الناظرين والباطن الذى عرف الغائبات وأشرف على المستترات واستبطن علم المغيبات والباطن الذى خفى على الظاهر فلم يدرك إلا على السرائر. قال ابن عطاء: من كان شغله من هذه: الأول كان شغله بما سبق فى السبق من مشيئته وقضائه ومنعه وعطائه ومن كان شغله بالآخرة كان شغله بما يستقبله من الأمر فى التنقيل والتحويل على الدهور ومن كان شغله بالظاهر لاحظ عجائب قدرته وسلطانه وفضله وعدله ومن كان شغله الباطن دهش وذهل وتحير وخرس لسانه فلا له عبارة تعبر عنه ولا إشارة تشير وكوشف على قدر طاقته وطبعه فذهل فيها إلاّ من تولاه ببره وقام عنه بنفسه. قال أيضاً: من كان حظه من اسمه الظاهر زين ظاهره بأنواع الخدمة ومن كان حظه من اسمه الباطن زين اسمه بأنوار العصمة. قال الواسطى: حظوظ الأنبياء مع تباينها من أربعة أسامٍ وقيام كل فريق باسم فمن جمعها كلها فهو أوسطهم ومن فتئ عنها بعد ملابساتها فهو الكامل التام وهو قوله: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ}. وقال القناد: الأول السابق لكل خير والمتقدم لكل محسن إلى فعل الإحسان والآخر هو الخاتم بفعل الإحسان وكل من ختم بفعل الخير فهو ممدوح به إذ هو آخر فيه كما أن من سبق فيه فهو ممدوح لذلك. كان النبى صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء فكان خاتم النبيين.

القشيري

تفسير : {ٱلأَوَّلُ}: لاستحقاقه صفة القِدَم، و {وَٱلآخِرُ} لاستحالة نعت العدَم. و {وَٱلظَّاهِرُ}: بالعلو والرفعة، و {وَٱلْبَاطِنُ}: بالعلم والحكمة. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} فلا افتتاحَ لوجوده و {وَٱلآخِرُ} فلا انقطاعَ لثبوته. {وَٱلظَّاهِرُ} فلا خفاءَ في جلال عِزِّه، {وَٱلْبَاطِنُ} فلا سبيل إلى إدراك حقِّه. ويقال {ٱلأَوَّلُ} بلا ابتداء، و {وَٱلآخِرُ} بلا انتهاء، و {وَٱلظَّاهِرُ} بلا خفاء، و {وَٱلْبَاطِنُ} بنعت العلاء وعِزِّ الكبرياء. ويقال {ٱلأَوَّلُ} بالعناية، {وَٱلآخِرُ} بالهداية، و{وَٱلظَّاهِرُ} بالرعاية، و {وَٱلْبَاطِنُ} بالولاية. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} بالخَلْق، و {وَٱلآخِرُ} بالرزق، و{وَٱلظَّاهِرُ} بالإحياء، و{وَٱلْبَاطِنُ} بالإماتة والإفناء. قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [الروم: 40]. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} لا بزمان، و {وَٱلآخِرُ} لا بأوان، و {وَٱلظَّاهِرُ} بلا اقتراب، و {وَٱلْبَاطِنُ} بلا احتجاب. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} بالوصلة، و {وَٱلآخِرُ} بالخلّة، و {وَٱلظَّاهِرُ} بالأدلة، و {وَٱلْبَاطِنُ} بالبعد عن مشابهة الجملة. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} بالتعريف، و {وَٱلآخِرُ} بالتكليف، و {وَٱلظَّاهِرُ} بالتشريف و {وَٱلْبَاطِنُ} بالتخفيف. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} بالإعلام، {وَٱلآخِرُ} بالإلزام، {وَٱلظَّاهِرُ} بالإنعام {وَٱلْبَاطِنُ} بالإكرام. ويقال: {ٱلأَوَّلُ} بأن اصطفاك {وَٱلآخِرُ} بأن هداك، {وَٱلظَّاهِرُ} بأن رعاك، {وَٱلْبَاطِنُ} بأن كفاك. ويقال: مَنْ كان الغالبُ عليه اسمه {ٱلأَوَّلُ} كانت فكرته في حديثِ سابقته: بماذا سمَّاه مولاه؟ وما الذي أجرى له في سابق حُكْمه؟ أبسعادته أم بشقائه؟ ومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه {وَٱلآخِرُ} كانت فكرته فيه: بماذا يختم له حالَه؟ وإلام يصير مآلُه؟ أَعَلَى التوحيد يَخْرُجُ من دنياه أو - والعياذُ بالله - في النارِ غداً - مثواه؟ ومَن كان الغالبُ على قلبه اسمُه {ٱلظَّاهِرُ} فاشتغاله بشكر ما يجري في الحال من توفيق الإحسان وتحقيق الإيمان وجميل الكفاية وحُسْنِ الرعاية. ومَنْ كان الغالبُ على قلبه اسمه {وَٱلْبَاطِنُ} كانت فكرتُه في استبهام أمره عليه فيتعثَّر ولا يدري... أَفَضْلٌ ما يعامله به ربُّه أم مَكْرٌ ما يستدرجه به ربُّه؟ ويقال: {ٱلأَوَّلُ} علم ما يفعله عبادُه ولم يمنعه عِلْمُه من تعريفهم، {وَٱلآخِرُ} رأى ما عَمِلوا ولم يمنعه ذلك من غفرانهم {وَٱلظَّاهِرُ} ليس يَخْفَى عليه شيءٌ من شأنهم، وليس يَدَعُ شيئاً من إحسانهم {وَٱلْبَاطِنُ} يعلم ما ليس لهم به عِلْمٌ من خسرانهم ونقصانهم فيدفع عنهم فنونَ مَحَنهم وأحزانهم.

البقلي

تفسير : {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} افهم سر تفسير هذه الأية فان الله سبحانه اشار بها الى سر ذاته وصفاته نعوته واسمائه واظهر باطن غيبه وغيب غيبه وسره وسر سره لتحير ارواح العارفين فى بحار قدمه وبقائه وفناء اسرار الموحدين فى صفاته وذاته وما افاد هذه الاسرار الا التحير عن ادراكه ذكر سره ولم يعرف احد ذلك السر ولا يعرف احد ذلك السر ولا يعرفه احد الى الابد هو ذاكره وهو عالم به لا غير كيف يعرف الاولية من لا اولية له وكيف يعرف الأخرية من لا أخرية له وكيف يعرف بطن سر السر واصل الاصل من لا حقيقة له فى ادراك كنه كنه اعبر من هذا البحر العميق ولا تقف فانه اغرق الاولين والأخرين فى قطرة من قطراته وهم عطاش من بعد افواهم عن نداوتها اين انامن الاقبال بنعت الادراك على قدم القدم وابد الابد وبطن العلم واشراق شمس الالوهية وسبحاتها تحرق الابصار واسرارها تحير الافكار اناد الفرار من ضرغام الازل وتبين الابد ما للتراب ورب الارباب سقط الزمان والمكان والاوايل والاواخر والظروف والاماكن والفهوم والعلوم من بوادى انوار اوليته وأخريته وظهور سبحات ظاهرية ولمعات اسرار باطنيته فلم يبق فى اللسان حيث لا يبقى البيان والبرهان ولا العرفان ولا الايقان الايمان بمن والعرفان لمن والايقان فى من وهو ممتنع بغير جباريته عن درك الخواطر وجبريان الضمائر سبحانه سبحانه سبحانه قوله هو الاول اظهار الازل فى الازال وقوله هو الاخر اظهار الاباد فى الاباد وقوله الظاهر عيانه بذاته فى صفاته وصفاته فى افعاله اذ الافعال فى الصفات والذرات فانية فبقى ظهوره فى نفسه الا شئ دونه وقوله هو الباطن استتار كنهة بكنهة وسره بسره لا يدرك باطنه بعد الاوهام ولا عوض الافهام سبحانه عما اوحى اليه الخليفة بمالها سبحانه عما اشار اليه البرية بنهايتها من يعرف عقود علل الاشياء حتى يعرف اوليته ومن يعرف عروق الاعصار حتى يعرف أخريته ومن يعرف كينونية الافعال حتى يعرف ظاهرية ومن يعرف اسرار بطون الارواح والنفوس حتى يعرف ابطنية لو يعرف المخلوق حقيقة مائية وجوده بنعت احاطة علمه عليها يعرف اصل كل اصل وعلة كل علتا ذلا يعرفها الا من يوجدها الا هو الذى نعت الاول والاخر والظاهر والباطن لا يظن فى اوليته علا الادهار ولا تظن فى اخريته حضر الاعصار ولا تظن فى ظاهريته بوادى الأيات ولا تظن فى ابطنية اسرار الخفيات فان هذه الصفات منفية عن كمال الوهية الاولية فى الاذهان تاخرها الى قدم الزمان ولا زمان فى الازل والأخرية فى الافهام استباقها الى دوام الاعصار ولا اعصار فى الابد الظاهرية فى العقول الظهور فى الاماكن ولا مكان عند ظهوره والباطنية فى الخيال طوية الخفيات وهو منزه عن ان يكون محل جريان العلل اذا لا علة فى وجوده اعبر من هذه الظلمات فانه تعالى منزه عن القياس والوساوس اوله أحره وأخره اوله وظاهره وباطنه ظاهر فاذا اخرجت يا نفس من رقومات المكونات وصور الايات ورسم الافعاليات ونسيت العدم الوجود وسقط عنك الرسم والاسم والوسم فتيت عنك وبقيت بالحق يرى الله بالله ولا تبقى عندك هذه الرسومات ويثبت لك الخفيات الاول للارواح بسبق العنايات والأخر للقلوب بحسن الرعايات والظاهر بنعت الكشف للاسرار والباطن ببيان علم المجهول وانكشاف حقيقة حكم الربانية للعقول القدسية اى تفضل اعظم من هذا التفضل من الحق سبحانه للعارفين اذ تجردت نعوته واسماؤه وصفاته وذاته لهم وهذا من كمال حبه لحبهم ورادته معرفتهم لذلك اظهر كنز الربوبية والالوهية لهم بقوله كنت اكثر مخفيا فاجبت ان اعرف يا صاحبى كدت انقل احجار قاف الكبرياء بنيانى او اغرف مياه قاموس الازل والبقاء فلما وصلتها رايتها ممنوعة من ادراك الفهوم ووصل العلوم ورجعت وما قلت الا قول حبيبه عليه الصلاة والسلام فى هذه الاية لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك قال الجنيد نفى العدم عن كل اول باوليته وفنى البقاء عن كل أخر بأخريته واضطر الخلق الى الافرار بربوبيته بظاهريته وحجب الافهام عن ادراك كنه وكيفيته بباطنيته قال الواسطى لم يدع للخلق نفسا بعد ما اخبر عن نفسه الاول والأخر والظاهر والباطن وقال ايضا من كان حظه من اسمه الاولى كان شغله بما سبق ومن لاحظ اسمه الأخر كان مرتبط بما يستقبله ومن كان حظ من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كان حظ من اسمه الباطن لاحظ ما جرى فى السرائر من انواره وقال ايضا حظوظ الانبياء مع تباينها من اربعة اسام وقيام كل فريق منهم باسم منها فمن جمعها كلها فهو اوسطهم ومن فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام وهى قوله هو الاول والأخر والظاهر والباطن وقل ايضا من البسه الاولية فاتلجى له فى الأخرية محال لانه ويتجلى الا لمن فقده او كان بعيدا عنه فقربه وقال الحسين هداهم باسمه الاول الى الغيب المحيط وعرفهم ابسمه الاخر الشان القائم الدايم وبصرهم باسمه الظاهر النور العزيز المبين واوزعهم باسمه الباطن الحق والشهادة وقال ايضا هو الاول اذى لا يخرجه الاولية ولا الأخرية ولا الظاهرية ولا الباطنية الى نعوت الحلول والافتراق وكيف يسعد ويدركه شئ من خلقه وهو المحيط بالازل والازل والابد والاباد من جميع الوجوه واليه الغاية والمنتهى ازلى العلم ازلى القدرة الى الشان ازلية المشية ازلى النور ازلى الرحمة البادى لكل علم ومعلوم وشاهد ومشهود وجل وتعالى وقال الجنيد بقى القدم عن كل اوان باوليته ونفى الفناء على الكل الامر باخريته واطهاد الخلق الى الاقرار بروبيته بظاهريته وحجب الافهام عن ادراك كنه وكيفية بباطنية قال النورى الاولية هى أخرية ولا خبرية هى الاولية الظاهرية هى الباطنية والباطينة هى الظاهرية كما ان الازلية هى الابدية والابدية هى الازلية ليس بينهما حاجز لانه يفقدك ويشهدك وفناء التجديد الملذة ورؤية العبودية وقال الاستاذ الاول لا بزمان والأخر لا باوان والظاهر لا باقتران الباطن لا باحتجاب وقيل الاول بالتعريف والأخر بالتكليف والظاهر بالتشريف والباطن بالتخفيف.

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الاول} السابق على سائر الموجودات بالذات والصفات لما انه مبدئها ومبدعها فالمراد بالسبق والاولية هو الذاتى لا الزمانى فان الزمان من جملة الحوادث ايضا {والآخر} الباقى بعد فنائهاحقيقة او نظرا الى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فان جميع الموجودات الممكننة اذا انقطع النظر عن علتها فهى فانية شعر : اول او اول بى ابتدا آخر او آخر بى انتها بود ونبود اين جه بلندست وبست باشد واين نيز نباشد كه هست تفسير : {والظاهر} وجود الكثرة دلائله الواضحة {والباطن} حقيقة فلا يحوم العقل حول ادراك كنهه وليس يعرف الله الا الله وتلك الباطنية سوآء فى الدنيا والآخرة فاضمحل مافى الكشاف من ان فيه حجة على من جوز ادراكه فى الآخرة بالحاسة وذلك فان كونه باطنا بكنه حقيقته لاينافى كونه مرئيا فى الآخرة من حيث صفاته {وهو بكل شىء عليم} لايعزب عن علمه شىء من الظاهر والخفى فان عليم صيغة مبالغة تدل على انه تعالى تام العلم بكل شىء جليه وخفيه وفى هذا المقام معان اخر هو الاول والذى تبتدأ منه الاسباب والآخر الذى تنتهى اليه المسببات اى اذا نظرت الى سلسلة الموجودات المتكونة بعضها من بعض وجدت الله مبدأ تلك السلسلة ومنتهاها تبتدىء منه سلسلة الاسبات وتنتهى اليه سلسلة المسببات ولذا قالوا لاتعتمد على الريح فى استوآء السفينة وسيرها وهذا شرك فى توحيد الافعال وجهل بحقائق الامور ومن انكشف له امر العالم كما هو عليه علم أن الريح لايتحرك بنفسه بل له محرك الى أن ينتهى الى المحرك الاول الذى لامحرك له ولا يتحرك هو فى نفسه ايضا بل هو منزه عن ذلك عما يضاهيه والظاهر اى الغالب على كل شىء والباطن اى العالم بباطن كلى شىء على أن يكون الظاهر من ظهر عليه اذا علاه وغلب والباطن من بطنه اذا علم باطنه ولم يرتضه الزمخشرى لفوات المطابقة بين الظاهر والباطن حينئذ (وروى) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال دخلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته خادما فقال لها عليه السلام "حديث : ألا أدلك على ماهو خير لك من ذلك أن تقولى اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شىء منزل التوراة والانجيل والفرقان فالق الحب والنوى اعوذ بك من شر كل ذى شر أنت آخذ بناصيته أنت الاول فليس قبلك شىء وأنت الآخر فليس بعدك شىء وانت الظاهر فليس فوقك شىء وأنت الباطن فليس دونك شىء اقض عنى الدين واغننى من الفقر"تفسير : عنى بالظاهر الغالب والباطن العالم ببواطن الاشياء يعنى انه الغالب الذى يغلب كلى شىء ولا يغلب عليه فيتصرف فى المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء اذ ليس فوقه أحد يمنعه والعالم ببواطن الاشياء فهو ملجأ والمنجى يلتجىء اليه كل ملتجىء لا ملجأ ولا منجى دونه اى غيره وقال الامام احتج كثير من العلماء فى اثبات أن الاله واحد بقوله {هو الاول} قالوا اول هو الفرد السابق ولهذا لو قال احد اول مملوك اشتريته فهو حر ثم اشترى عبدين لم يعتقا لان شرط كونه اولا حصول الفردية وهنا لم تحصل فلو اشترى بعد ذلك عبدا واحدا لم يعتق لان شرط الاولية كونه سابقا وههنا لم يحصل فثبت ان الشرط فى كونه اولا أن يكون فردا فكانت الآية دالة على أن صانع العالم واحد فرد وايضا هو الاول خارجا لانه موجد الكل والآخر ذهنا كما يدل عليه براهين اثبات الصانع او بحسب ترتيب سلوك العارفين فاذا نظرت الى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين السائرين اليه تعالى فهو آخر مايرتقى اليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته فهى مرقاة الى معرفته والمنزل الاقصى هو معرفة الله فهو آخر بالاضافة الى السلوك فى درجات الارتقاء فى باب المعارف الاول بالاضافة الى الوجود الخارجى فمنه المبتدأ اولا واليه المرجع آخرا وقال بعض الكمل هو بالاول باعتبار بدء السير نزولا والآخر باعتبار ختم السير عروجا الظاهر بحسب النظر الى وجود الحق والباطن بحسب النظر الى وجود الخلق وهذا ماقلوا ان ظاهر الحق باطن الخلق وباطن الخلق ظاهر الحق لان الهوية برزخ بينهما لايبغيان وبالنظر الى الحق هوية الهية وبالنظر الى الخلق هوية كونية وهذه مرتبة قاب قوسين وفوقها مرتبة او أدنى وتكلم يوما عند الشبلى رحمه الله فى الصفات فقال اسكتوا فان ثمة متاهات لايخرقها الاوهام ولاتحويها الافهام وكيف يمكن الكلام فى صفات من تجتمع فيه الاضداد من قوله {هو الاول والآخر والظاهر والباطن} خاطبنا على قدر افهامنا. وقال الراغب الاول هو الذى يترتب عليه غيره ويستعمل على اوجه اولها المتقدم بالزمان كقولك عبدالملك اولا ثم منصور والثانى المتقدم بالرياسة فى الشىء وكون غيره محتذيا به نحو الامير اولا ثم الوزير والثالث المتقدم بالوضع والنسبة كقولك للخارج من العراق القادسية اولا ثم فيد وهى قرية فى البادية على طريق الحاج وللخارج من مكة فيد اولا ثم القادسية والرابع المتقدم بالنظام الصناعى نحو أن يقال الأساس اولا ثم البناء واذا قيل فى صفة الله هو الاول فمعناه الذى لم يسبقه فى الوجود شىء والى هذا يرجع قول من قال هو الذى لايحتاج الىغيره ومن قال هو المستغنى بنفسه والظاهر والباطن فى صفة الله لايقال مزدوجين كالاول والآخر فالظاهر قيل اشارة الى معرفتنا البديهية فان الفطرة تقضى فى كل مانظر اليه الانسان انه تعالى موجود كما قال تعالى {أية : وهو الذى فى السماء إله وفى الارض إله}تفسير : ولذلك قال بعض الحكماء مثل طالب معرفته مثل من طوف الآفاق فى طلب ماهو معه والباطن اشارة الى معرفته الحقيقية وهى التى أشار اليها أبو بكر الصديق رضى الله عنه بقوله يامن غاية معرفته القصور عن معرفته وقيل ظاهر بآياته باطن بذاته وقيل ظاهر بأنه محيط بالاشياء مدرك لها باطن فى أن يحاط به كما قال {أية : لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار}تفسير : وقد روى عن أمير المؤمنين ما دل على تفسير اللفظين حيث قال تجلى لعباده من غير أن رأوه واراهم نفسه من غير أن تجلى لهم ومعرفة ذلك تحتاج الى فهم ثاقب وعقل واقد كما فى المفردات وايضا هو الاول فى عين آخريته والآخر فى عين اوليته والظاهر فى عين باطنيته والباطن فى عين ظاهريته من حيثية واحدة وباعتبار واحد فى آن واحد لاقتضاء ذاته المطلقة عن هذه الاعتبارات المختلفة والحيثيات المتنافرة المتابينة لاحاطته بالكل واستغنائه عن الكل قيل للعارف الربانى أبى سعيد الخراز قدس سره بم عرفت الله قال بجمعه بين الاضداد فتلا {هو الاول والآخر والظاهر والباطن} ولا يتصور الجمع بين الاضداد الا من حيثية واحدة واعتبار واحد فىآن واحد وهو بكل شىء من الاولية والآخرية والظاهرية والباطنية عليم اذ علمه عين ذاته وذاته محيط بالاشياء كما قال {أية : والله بكل شىء محيط}تفسير : كما فى التأويلات النجمية. قال الواسطى رحمه الله لم يدع للخلق نفسا بعد ما أخبر عن نفسه {هو الاول والآخر والظاهر والباطن} وقال ايضا من كان حظه من اسمه الاول كان شغله بما سبق ومن كان حظه من اسمه الآخر كان مربوطا بما يستقبل ومن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ماجرى فى السر من انواره وقال ايضا حظوظ الانبياء عليهم السلام مع تباينها من اربعة اسماء وقيام كل فريق منهم باسم منها فمن جمعها كلها فهو أوسطهم ومن فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام وهى قوله {هو الاول} الخ وقال ايضا من ألبسه الاولية فالتجلى له فى الآخرية محال لانه لا يتجلى الا لمن فقده او كان بعيدا عنه فقر به وقال الجنيد قدس سره نفى القدم عن كل اول باوليته ونفى البقاء عن كل آخر بآخريته واضطر الخلق الى الاقرار بربوبيته بظاهريته وحجب الافهام عن ادراك كنهه وكيفيته بباطنيته وقال السدى هو الاول ببره اذ عرفك بتوحيده والآخر بجوده اذ عرفك التوبة عن ماجنيت والظاهر بتوفيقه اذ وفقك للسجود له والباطن بستره اذا عصيته يستر عليك وقال ابن عمر رضى الله عنه هو الاول بالخلق والآخر بالرزق والظاهر بالاحياء والباطن بالاماتة وايضا الاول بلا تأويل أحد والآخر بلا تأخير أحد والظاهر بلا اظهار أحد والباطن بلا ابطال أحد والاول القديم والآخر الرحيم والظاهر الحليم والباطن العليم والاول يكشف أحوال الدنيا حتى لايرغبوا فيها والآخر يكشف أحوال العقبى حتى لايشكوا فيها والظاهر على قلوب اوليائه حتى يعرفوه والباطن على قلوب اعدآئه حتى ينكروه والاول بالازلية والآخر بالأبدية والظاهر بالأحدية والباطن بالصمدية والاول بالهيبة والآخر بالرحمة والظاهر بالحجة والباطن بالنعمة والاول بالعطاء والآخر بالجزآء والظاهر بالثناء والباطن بالوفاء والاول بالهداية والآخر بالكفاية والظاهر بالولاية والباطن بالرعاية. صاحب كشف الاسرار فرموده كه زبان رحمت ازروى اشارت ميكويد ا ى فرزند آدم خلق درحق توجهار كروه اند اول كروهى كه در اول حال ترابكار آيند جون بدر ومادر دوم جمعى كه در آخر زندكانى دست كيرند جون اولاد واحفاد سوم زمره كه آشكارا باتو باشند جون دوستان وياران، جهارم فرفه كه بنهان باتو معاش كنند جون زنان وكنيزان، رب العالمين ميفرمايد كه اعتماد برينها مكن وكار ساز خود ايشانرا مينداركه اول منم كه ترا از عدم بوجود آوردم آخر منم كه باز كشت توبمن خواهد بود ظاهر منم كه صورت توبخوبتر وجهى بيار استم باطن منم كه اسرار وحقايق درسينه تووديعت نهادم شعر : اول وآخر تويى كيست حدوث وقدم ظاهر وباطن تويى جيست وجود وعدم اول بى انتقال آخر بى ارتحال ظاهر بى جند وجون باطن بى كيف وكم تفسير : ويقال هو الاول خالق الاولين والآخر خالق الآخرين والظاهر خالق الآدميين وهم ظاهرون والباطن خالق الجن والشياطين وهم لايظهرون وقال الترمذى هو الاول بالتأليف والآخر بالتكليف والظاهر بالتصريف والباطن بالتعريف والاول بالانعام والآخر بالاتمام والظاهر بالاكرام والباطن بالالهام وقال بعض المحقيين من أهل الاصول هذا مبالغة فى نفى التشبيه لان كل من كان اولا لايكون آخرا وكل من كان ظاهرا لايكون باطنا فأخبر انه الاول والآخر الظاهر الباطن ليعلم انه لايشبه شيا من المخلوقات والمصنوعات وقال بعض المكاشفين هو الاول اذا كان هو ولم تكن صور العالم كما قال عليه السلام "حديث : كان الله ولاشىء معه"تفسير : فهو متقدم عليها وهذا التقدم هو المراد بالاولية وهو الآخر اذا كان عين صور العالم عند ظهروها ولها التأخر فهو باعتبار ظهوره بها له الآخرية فالآخر عين الظاهر والباطن عين الاول هذا باعتبار التنزل من الحق الى الخلق واما باعتبار الترقى من الخلق الى الحق فالآخر عين الباطن والظاهر عين الاول وقال الامام الغزالى رحمه الله لاتعجبن من هذا فى صفات الله فان المعنى الذى به الانسان انسان ظاهر باطن فانه ظاهر ان استدل عليه بافعاله المرئية المحكمة باطن ان طلب من ادراك الحس فان الحس انما يتعلق بظاهر بشريته وليس الانسان انسانا ببشريته المرئية منه بل لو تبدلت تلك البشرية بل سائر اجزآئه فهو هو والاجزآء متبدلة ولعل اجزآء كل انسان بعد كبره غير الاجزآء التى كانت فيه عند صغره فانها تحللت بطول الزمان وتبدلت بامثالها بطريق الاعتدآء وهويته لم تتبدل فتلك الهوية باطنة عن الحواس ظاهرة للعقل بطريق الاستدلال عليها بآثارها وافعالها وقال الزروقى الاول الآخر هو الذى لامفتتح لوجوده لامختتم له بثبوت قدمه واستحالة عدمه وكل شىء منه بدأ واليه يعود وانما عطف الواو لتباعد مابين موقعى معناهما ومن عرف انه الاول غاب عن كل شىء به ومن عرف انه الآخر رجع بكل شىء اليه، وخاصية الآخر صفاء الباطن عما سواه تعالى فاذا واظب عليه انسان فى كل يوم مائة مرة خرج من قلبه سوى الحق والظاهر الباطن هو الواضح الربوبية بالدلائل المحتجب عن الكيفية والاوهام فهو الظاهر من جهة التعريف الباطن من جهة التكييف ومجراهما فى العطف مجرى الاسمين السابقين ومن عرف انه الظاهر لم يستدل بشىء عليه ورجع بكل شىء اليه ومن عرف انه الباطن استدل بكل شىء عليه ورجع به اليه وخاصية الظاهر اظهار نور الولاية على قلب قارئه اذا قرأه عند الاشراق وخاصية الباطن وجود النفس لمن قرأه فى اليوم ثلاث مرات فى كل ساعة زمانية ومن قال بعد صلاة ركعتين خمسا واربعين مرة {هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شىء عليم} حصل له ماطلبه ايا كان وقال بعض الكبار حقيقة الاول هو الذى افتتح وجوده عن عدم وهذا منتف فى حق الحق بلا شك فهو الاول لا بأولية تحكم عليه ولاجل ذلك سمى نفسه الآخر ولو كانت اوليته مثل اولية الموجودات لم يصح أن يكن آخرا اذ الآخر عبارة عن انتهاء الموجودات المقيدة فهو الآخر لا بآخرية تحكم عليه اذ آخريته عبارة عن فناء الموجودات كلها ذاتا وصفة وفعلا فى ذاته وصفاته وافعاله تعالى بظهور القيامة واما غير الحق فله اولية تحكم عليه مثل قوله عليه السلام "حديث : اول ماخلق الله العقل"تفسير : اى اول ماافتتح به من العدم الى الوجود العقل الذى هو نور محمد صلى الله عليه وسلم وله آخرية تحكم عليه مثل قوله عليه السلام "حديث : نحن الآخرون الأولون"تفسير : وفى رواية السابقون يعنى الآخرون فى الظهور من حيث النشأة العنصرية الجسمانية الاولون فى العلم الالهى من حيث الظهور فى النشأة الروحانية ومن صلى فى اول الوقت من حيث اولية الحق المنزهة عن أن يتقدمها اولية لشىء فهو المصلى الصلاة لأول وقتها فتنسحب عبادة هذا المصلى من هناك الى وقت وجود هذا المصلى فمن بادر لأول هذا الوقت فقد حاز الخير بكلتى يديه وهو مشهد نفيس أشاروا فيه بتلك الاولية الى معنى اصطلحوا عليه لا الى مايتبادر لذهن غيرهم كما فى كتاب الجوهر للشعرانى رحمه الله. يقول الفقير عمل الشافعى رحمه الله بقوله عليه لسلام "حديث : اول الوقت رضوان الله فصلى الفجر فى اول وقته"تفسير : وعمل ابو حنيفة رضى الله عنه بقوله تعالى {أية : ومن الليل فسبحه وادبار النجوم}تفسير : وفى الآية الآخرية وبالعكس ولكل وجهة بحسب الفناء والبقاء وقد أشير الى فىبعض الاسحار أن الكعبة وضعت عند الفجرة أى عند انفجار الصبح الصادق على مابينت وجهه فى كتاب الواردات الحقية نسأل الله النور

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : الواوات الثلاثة للجمعية، لكن الأولىٰ للدلالة على أنه تعالى مجمع صفتي التقدم والتأخر، والثالثة للدلالة على أنه مجمع الظهور والبطون، والوسطى للدلالة على أنه الجامع بين ذينك المجموعين - مجموع الأوليّة والآخرية، ومجموع الجلاء والخفاء -. وعن عبد العزيز: إن الواوات مقحمة، والمعنى: هو الأوّل الآخر الظاهر الباطن. لأن من كان منّا أولاً لا يكون آخراً، ومن كان ظاهراً لا يكون باطناً، وهذا يلائم القول بأن أوّليته عينُ آخريّته، وظاهريّته عينُ باطنيّته. وعن ابن عباس: الأول قبل كل شيء بلا ابتداء، والآخر بعد فناء كل شيء بلا انتهاء، فهو الكائن لم يزل، والباقي لا يزال، والظاهر: الغالب العالي على كل شيء فكل شيء دونه. والباطن: العالم بكل شيء، فلا أحد أعلم منه. وتوجيه هذا المنقول - وإن كان فيه عدول عن الظاهر المفهوم - أنه مأخوذ من بَطَنَ الشيء بمعنى علم باطنه، ولهذا أردف بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، لأن العالم بوجوه الشيء عالم بما سواه. وعن الضحّاك: هو الذي أوّل الأوائل وأخّر الأواخر، وأظهر الظاهر وأبطن الباطن. وقال البلخي: هو كقول القائل "فلان أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه" أي: عليه يدور الأمر وبه يتم. وقيل: هو المستمر الوجود في جميع الأزمنة الماضية والآتية، الظاهر في جميعها بالأدلة والشواهد، الباطن عن إدراك الحواسّ والمشاعر الجليّة، فيكون حجة على من جوّز رؤيته تعالى في الآخرة بهذه الحاسة. وقيل: إن الأول والآخر صفة الزمان بالذات، والظاهر والباطن صفة المكان كذلك، والحق تعالى وسع المكان ظاهراً وباطناً، ووسع الزمان أولاً وآخراً، وهو منزّه عن الافتقار إلى المكان والزمان، فإنه كان ولا مكان ولا زمان. مكاشفة الأوّلية: قد تكون بمعنى كون الشيء فاعلاً، والآخرية بمعنى كونه غاية مترتبة على وجود الفعل في العين - وإن كانت الغاية بحسب وجوده في العلم متقدمة أيضاً -، فالله سبحانه أول كل شيء، بمعنى أن وجوده حصل منه، وبمعنى أن الغرض في حصول ذلك الشيء منه هو علمه بالمصلحة، وكونه تماماً في الجود والرحمة فيّاضاً على الأشياء بلا عِوَض، وآخر كل شيء، بمعنى أن الغاية التي تطلبه الأشياء وتقصده طبعاً وارادة. والعُرَفاء المتألّهون، حكموا بسريان نور المحبة له والشوق إليه في جميع المخلوقات - على تفاوت طبقاتهم -، فالكائنات السفلية كالمبدعات العلوية على اقتراف شوق من هذا البحر الخضيم، واعتراف شاهد مقر بوحدانية الحق العليم: {أية : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}تفسير : [البقرة:148]، فهو الحق الأول الذي منه ابتدأ أمر العالم، وهو الآخر الذي إليه ينساق وجود الأشياء سيّما بني آدم، إذ منه صدر الوجود، ولأجله وقع الكون. وهو الآخر أيضاً بالإضافة إلى سير المسافرين إليه، فإنهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذاتهم وهويّتهم، واندكاك جَبَل وجودهم وآنيّتهم، فهو أول في الوجود وآخر في المشاهدة، والله - عزّ اسمه - حيث أنبأ عن غاية وجود العالم قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات:56] أي: ليعرفون: وقوله: كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أُعْرَفَ فخلقْتُ الخَلْقَ لأِعْرَف. فدلّنا على أنه الغاية القصوى لوجود العالم معروفاً، كما أنه الفاعل له موجوداً، ودلّنا أيضاً على بعض الغايات المتوسطة الضرورية بقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك. فالمبدأ والغاية لوجود العالم ولقاء الآخرة هو الله سبحانه، ولذلك بنى العالم، ولأجله نظّم النظام. قال بعض الحكماء: ولو أن أحداً من الخلق عَرَف الكمال الذي هو الخير الأقصى، ثم كان ينظّم الأمور التي صدرت منه على الوجه الذي صدرت هي عليه وعلى مثاله، حتى كانت الأمور على غاية من النظام والتمام، لكان غرضه بالحقيقة هو ذات الباري، فهو الأول والآخر بهذا المعنى أيضاً. تتميم قد انكشف أن الموجودات العالية كلها بحسب فطرتها التي فطرها الله عليها متوجهة نحو غايات حقة، وأغراض صحيحة، بل الغاية في الجميع أمر واحد، هو الخير الأقصى، إلاَّ أن هاهنا غايات وهميّة زيّنت لطوائف من المكلّفين، فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ودراية، فهذه الطوائف مع وليّ الوجود ومنبع الرحمة والجود في شقاق، واتباعها ليسوا عباد الله في الحقيقة، ولا الله مولاهم الحق، وحيث ما يتولّونه فلهم لا محالة وليّ، وهو شيطان من الطواغيت، ولما كان فعل الشيطان الوسوسة والإضلال، ولا يطيعه الإنسان إلاّ بقوته الوهمية التي هي من جنود الشيطان، فإن شئتَ سَمّهم عَبَدَةَ الهوى، وإن شئتَ سَمّهم عَبَدَةَ الطاغوت، فقد نزل لكل ذلك القرآن. فمن تولي الله وأحب لقاءَه، وجرى على ما أجري عليه النظام فقد تولاّهم و {أية : مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنعام:62] {أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأعراف:196]. من كان لله كان الله له، و {أية : مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ}تفسير : [العنكبوت:5]. ومن تعدّى ذلك وطغى، وتولى الطواغيت، واتّبع الهوى، فلكل نوع من الهوى طاغوت، فَشَخَصَ كلٌ إلى معبوده ووجه إليه كما في قوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تفسير : [الجاثية:23]. وإنك لتعلم أن النظامات الوهمية والغايات الجزئية تضمحل وتبقى، فكل من كان إلهه هواه، ووليّه الطاغوت - والطاغوت من جوهرة هذه النشأة الدنيوية التي هي دار الغرور وموطن الزوّر -، كلما أمعنت هذه النشأة في العدم، ازداد الطاغوت اضمحلالاً فيذهب به ممعناً في وروده العدم، منقلباً به في الدركات حتى يحلّه دار البوار. عصمنا الله وإخواننا في اليقين من متابعة الهوى، والركون إلى زخارف الدنيا، وجعلنا من عباده الصالحين الذين يتولاّهم برحمته يوم الدين. وأما كونه ظاهراً: فلكونه نور السموات والأرض، والنور حقيقته الظهور، لأن ما ليست حقيقته النور فإنما يظهر بالنور، والنور بنفسه ظاهر وبذاته متَجَلّ. وأما كونه باطناً - أي مختفياً -: فلشدة ظهوره وغاية وضوحه، ولأجل ذلك يختفي على الضمائر والأنظار، ويحتجب عن العقول والأبصار، فذاته بذاته متجل للاشياء ولأجل قصور بعض الذات عن قبول تجلّيه يحتجب، فبالحقيقة لا حجاب إلاَّ في المحجوبين. والحجاب هو القصور والضعف والنقص، وليس تَجَلّيه إلاَّ حقيقة ذاته، إذ لا معنى له بذاته، إلاَّ صريح ذاته، لان صفاته ليست زائدة على ذاته كما أوضحه الربّانيون. أَوَ لاَ ترى الشمس التي هي أشد الأنوار الحسية، وأقوى الأضواء البَصَرية، كيف احتجبت لفرط ظهورها على الحاسة البصرية، حتى لا يمكن للبصر لأجل ضعف قوته ملاحظتها إلاّ من وراء الحجاب، كالمرآة أو الماء أو السحاب الرقيق، كما قال الشاعر: شعر : كالشمس يمنعك اجتلاؤك وجهها فإذا اكتست برقيق غَيْم أمكنا تفسير : فكذلك الحق سبحانه، فإنه وإن لم تُحط بحقيقته العقول والأفكار، ولم تدرك ذاته البصائر والأبصار، إلاَّ أنه ليس لوجهه نقاب إلاَّ النور، ولا لذاته حجاب إلاَّ الظهور، ولم يمنع القلوب من الاستنارة والاستجلاء بعد تزكيها عن كدورات الشهوات إلاَّ شدة الإشراق وضعف الأحداق. فسبحان من اختفى عن بصائر الخلق نوره، واحتجب عن عقولهم لفرط الوضوح ظهوره، وهو بكل شيء عليم، لأنه بنور ذاته يظهر جميع الأشياء على ذاته، إذ العلم بالشيء ليس إلاَّ ظهوره عند شيء آخر، ومثوله بين يديه، والله خالق كل شيء فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، إذ بيده ملكوت الأشياء، ومنه تنشأ حقائق الأنباء.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الأَوَّلُ} سابق الموجودات لانه موجدها ولا ابتدا له {وَالأَخِرُ} الباقي بعد الفناء وهو حي دائما والظاهر انه الآخر ببقاء صفاته والخلق تفنى صفاتهم، وقالت المعتزلة: تفنى ذواتهم بالكلية وتمسكوا بالآية وقيل: الاول تبتدي منه الاسباب والآخر نتنهي إليه المسببات وقيل: الاول القدير والآخر الرحيم وقيل: الاول ببره إذا عرفك توحيده والآخر بجوده إذ عرفك طريق التوبة وقال الجنيد الاول بشرح الافئدة والآخر بغفران الذنوب وقيل: الاول خارجا والآخر ذهنا. {وَالظَّاهِرُ} ظهر وجوده بكثرة الدلائل {وَالبَاطِنُ} عن ادراك الحواس دنيا واخرى وقال ابن عباس: الظاهر الغالب على كل شيء والباطن العالم بباطن كل شيء وقيل الحكيم والعالم وقيل: الموفق والساتر وقال الجنيد: الظاهر يكشف الكروب والباطن يعلم الغيوب وسأل عمر كعباً عن معنى الآية فقال: علمه بالاول كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن وعن الحسن: اجتعمت اربعة املاك فقال الثلاثة لاحدهم: من أين جئت؟ فقال: من السماء السابعة من عند ربي وقالوا للثاني: من أين جئت؟ فقال: من الارض السابعة من عند ربي فقالوا للثالث: من أين جئت؟ فقال: من المشرق من عند ربي فقالوا للرابع: من أين جئت؟ فقال: من المغرب من عند ربي ثم تلا الآية: {هُوَ الأَوْلُ وَالأَخِرُ وَالظَاهِرُ وَالبَاطِنُ}. {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} ما ظهر وما خفى، قال الشيخ هود: ولا أعمله إلا رفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم والواو الاولى للدلالة على أنه الجامع بين الصفتين الاولية والأخرية والثالثة للدلالة على انه الجامع بين الظهور والخفاء والوسطى للدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الاوليين ومجموع الصفتين الاخريين فهو المستقر الوجود في جميع الاوقات الماضية والاتية ظاهر باطن في جميعها والداخلة على هو للحال أو للعطف أو للاستئناف. قال سهيل بن أبي صالح: كان أبو صالح يأمرنا أن نضطجع على الشق الايمن عند ارادة النوم ونقول "حديث : اللهم رب السماوات والأَرض رب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإِنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل شيء انت اخذ بناصيته اللهم أنت الاول لاشيء قبلك والآخر لا شيء بعدك والظاهر لا شيء فوقك والباطن لا شيء دونك اقض عنا الدين واغننا عن الفقر"تفسير : ورواه عن ابي هريرة، وبين كل سماء واخرى خمسمائة سنة وكذا بين كل أرض وأخرى وكذا غلظ كل سماء وكل أرض وبين السماء السابعة والعرش مالا يحصى وقيل: مابين السمائين ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لم أدليتم بحبل الى الارض السابعة لهبطتم على الله أي علمه وقدرته ثم قرأ هو الاول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلأَوَّلُ } السابق على جميع الموجودات فهو سبحانه موجود قبل كل شيء حتى الزمان لأنه جل وعلا الموجد والمحدث للموجودات {وَٱلأَخِرُ } الباقي بعد فنائها حقيقة أو نظراً إلى ذاتها مع قطع النظر عن مبقيها فإن جميع الموجودات الممكنة إذا قطع النظر عن علتها فهي فانية. ومن هنا قال ابن سينا: الممكن في حدّ ذاته ليس وهو عن علته أيس فلا ينافي هذا كون بعض / الموجودات الممكنة لا تفنى كالجنة والنار ومن فيهما كما هو مقرر مبين بالآيات والأحاديث لأن فناءها في حدّ ذاتها أمر لا ينفك عنها، وقد يقال: فناء كل ممكن بالفعل ليس بمشاهد، والذي يدل عليه الدليل إنما هو إمكانه فالبعدية في مثله بحسب التصور والتقدير، وقيل: هو الأول الذي تبتدىء منه الأسباب إذ هو سبحانه مسببها والآخر الذي تنتهي إليه المسببات فالأولية ذاتية والآخرية بمعنى أنه تعالى إليه المرجع والمصير بقطع النظر عن البقاء الثابت بالأدلة، وقيل: الأول خارجاً لأنه تعالى أوجد الأشياء فهو سبحانه متقدم عليها في نفس الأمر الخارجي والآخر ذهناً وبحسب التعلق لأنه عز شأنه يستدل عليه بالموجودات الدالة على الصانع القديم كما قيل: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله تعالى بعده، وقال حجة الإسلام الغزالي: إن الأول يكون أولاً بالإضافة إلى شيء، والآخر يكون آخراً بالإضافة إلى شيء، وهما متناقضان فلا يتصور أن يكون الشيء الواحد من وجه واحد بالإضافة إلى شيء واحد أولاً وآخراً جميعاً بل إذا نظرت إلى ترتيب الوجود ولاحظت سلسلة الموجودات المترتبة فالله تعالى بالإضافة إليها أول إذ كلها استفادت الوجود منه سبحانه وأما هو عز وجل فموجود بذاته وما استفاد الوجود من غيره سبحانه وتعالى عن ذلك، ومهما نظرت إلى ترتيب السلوك ولاحظت منازل السالكين فهو تعالى آخر إذ هو آخر ما ترتقي إليه درجات العارفين وكل معرفة تحصل قبل معرفته تعالى فهي مرقاة إلى معرفته جل وعلا، والمنزل الأقصى هو معرفة الله جل جلاله فهو سبحانه بالإضافة إلى السلوك آخر وبالإضافة إلى الوجود أول فمنه عز شأنه المبدأ أولاً وإليه سبحانه والمرجع والمصير آخراً انتهى. والظاهر أن كونه تعالى أولاً وآخراً بالنسبة إلى الموجودات أولى ولعل ما ذكره أوفق بمشرب القوم. {وَٱلظَّـٰهِرُ } أي بوجوده لأن كل الموجودات بظهوره تعالى ظاهر {وَٱلْبَـٰطِنُ } بكنهه سبحانه فلا تحوم حوله العقول، وقال حجة الإسلام: هذان الوصفان من المضافات فلا يكون الشيء ظاهراً لشيء وباطناً له من وجه واحد بل يكون ظاهراً من وجه بالإضافة إلى إدراك وباطناً من وجه آخر فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات والله تعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل بالاستدلال والريب من شدة الظهور وكل ما جاوز الحد انعكس إلى الضد. وإلى تفسير الباطن بغير المدرك بالحواس ذهب الزمخشري، ثم قال: ((إن الواو الأولى لعطف المفرد على المفرد فتفيد أنه تعالى الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية والأخيرة أيضاً كذلك فتفيد أنه تعالى الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فلعطف المركب على المركب فتفيد أنه جل وعلا الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين فهو تعالى المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية وهو تعالى في جميعها ظاهر وباطن جامع للظهور بالأدلة والخفاء فلا يدرك بالحواس، وفي هذا حجة على من جوز إدراكه سبحانه في الآخرة بالحاسة)) أي وذلك لأنه تعالى ما من وقت يصح اتصافه بالأولية والآخرية إلا ويصح اتصافه بالظاهرية والباطنية معاً، فإذا جوز إدراكه سبحانه بالحاسة في الآخرة فقد نفى كونه سبحانه باطناً وهو خلاف ما تدل عليه الآية. وأجاب عن ذلك صاحب «الكشف» فقال: إن تفسير الباطن بأنه غير مدرك بالحواس تفسير بحسب التشهي فإن بطونه تعالى عن إدراك العقول كبطونه عن إدراك الحواس لأن حقيقة الذات غير مدركة لا عقلاً ولا حساً باتفاق بين المحققين من الطائفتين، والزمخشري ممن سلم فهو الظاهر بوجوده والباطن بكنهه وهو سبحانه الجامع بين الوصفين أزلاً / وأبداً، وهذا لا ينافي الرؤية لأنها لا تفيد ذلك عند مثبتها انتهى، وهو حسن فلا تغفل. وعليه فالتذييل بقوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } لئلا يتوهم أن بطونه تعالى عن الأشياء يستلزم بطونها عنه عز وجل كما في الشاهد، وقال الأزهري: قد يكون الظاهر والباطن بمعنى العالم لما ظهر وبطن؛ وذلك أن من كان ظاهراً احتجب عنه الباطن ومن كان باطناً احتجب عنه الظاهر فإن أردت أن تصفه بالعلم قلت هو ظاهر باطن مثله قوله تعالى: { أية : لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } تفسير : [النور: 35] أي لا شرقية فقط ولا غربية فقط ولكنها شرقية غربية، وفي التذييل المذكور حينئذٍ خفاء، وقريب منه من وجه ما نقل أن الظاهر بمعنى العالي على كل شيء الغالب له من قولهم: ظهر عليهم إذا علاهم وغلبهم، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وتعقب بفوات المطابقة بين الظاهر والباطن عليه وأن بطنه بمعنى علم باطنه غير ثابت في اللغة، لكن قيل: في الآثار ما ينصر تفسير الظاهر بما فسر. أخرج مسلم والترمذي وابن أبـي شيبة والبيهقي عن أبـي هريرة قال: « حديث : جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً فقال لها: قولي اللهم رب السماوات السبع ورب العرش الكريم العظيم ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان فالق الحب والنوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. تفسير : وقال الطيبـي: المعني بالظاهر في التفسير النبوي الغالب الذي يغلب ولا يغلب فيتصرف في المكونات على سبيل الغلبة والاستيلاء إذ ليس فوقه أحد يمنعه، وبالباطن من لا ملجأ ولا منجى دونه يلتجىء إليه ملتجىء، وبحث فيه بجواز أن يكون المراد أنت الظاهر فليس فوقك شيء في الظهور أي أنت أظهر من كل شيء إذ ظهور كل شيء بك وأنت الباطن فليس دونك في البطون شيء أي أنت أبطن من كل شيء إذ كل شيء يعلم حقيقته غيره وهو أنت وأنت لا يعلم حقيقتك غيرك، أو لأن كل شيء يمكن معرفة حقيقته وأنت لا يمكن أصلاً معرفة حقيقتك، وأيضاً في دلالة الباطن على ما قال: خفاء جداً على أنه لو كان الأمر كما ذكر ما عدل عنه أجلة العلماء فإن الخبر صحيح، وقد جاء نحوه من رواية الإمام أحمد وأبـي داود وابن ماجه؛ ويبعد عدم وقوف أولئك الأجلة عليه، وأبعد من ذلك أن يكون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من أسمائه تعالى غير ما في الآية، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام أراد بقوله: « حديث : فليس دونك شيء » تفسير : ليس أقرب منك شيء، ويؤيده ما أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» عن مقاتل قال: بلغنا في قوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ } الخ هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والظاهر فوق كل شيء والباطن أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته وهو فوق عرشه والذي يترجح عندي ما ذكر أولاً. وعن بعض المتصوفة أهل وحدة الوجود أن المراد بقوله سبحانه: {هُوَ ٱلأَوَّلُ } الخ أنه لا موجود غيره تعالى إذ كل ما يتصور موجوداً فهو إما أول أو آخر أو ظاهر أو باطن فإذا كان الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن لا غيره كان كل ما يتصور موجوداً هو سبحانه لا غيره، وأيدوه بما في حديث مرفوع أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وجماعة عن أبـي هريرة « حديث : والذي نفسي بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله » تفسير : قال أبو هريرة، ثم قرأ النبـي صلى الله عليه وسلم: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } وحال القول بوحدة الوجود مشهور، وأما الخبر فمن المتشابه، وقد قال فيه الترمذي: فسر أهل العلم / الحديث فقالوا: أي لهبط على علم الله تعالى وقدرته وسلطانه، ويؤيد هذا ذكر التذييل وعدم اقتصاره عليه الصلاة والسلام على ما قبله. وهذه الآية ينبغي لمن وجد في نفسه وسوسة فيما يتعلق بالله تعالى أن يقرأها، فقد أخرج أبو داود عن أبـي زميل أن ابن عباس قال له - وقد أعلمه أن عنده وسوسة في ذلك - إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل {هُوَ ٱلأَوَّلُ} الآية. وأخرج أبو الشيخ في «العظمة» عن ابن عمر وأبـي سعيد رضي الله تعالى عنهم عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء فماذا كان قبل الله فإن قالوا لكم ذلك فقولوا {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ».

ابن عاشور

تفسير : {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ}. استئناف في سياق تبْيين أن له ملك السماوات والأرض، بأن مُلكه دائم في عموم الأزمان وتصرف فيهما في كل الأحوال، إذ هو الأول الأزلي، وأنه مستمر من قبل وجود كل محدث ومن بعد فنائه إذ الله هو الباقي بعد فناء ما في السماوات والأرض، وذلك يظهر من دلالة الآثار على المؤثِر فإن دلائل تصرفه ظاهرة للمتبصر بالعقل وهو معنى {الظاهر} كما يأتي، وأن كيفيات تصرفاته محجوبة عن الحس وذلك معنى {الباطن} تعالى كما سيأتي. فضمير {هو} ليس ضمير فصل ولكنه ضمير يعبر عن اسم الجلالة لاعتبارنا الجملة مستأنفة، ولو جعلته ضمير فصل لكانت أوصاف {الأول والأخر والظاهر والباطن} أخباراً عن ضمير {أية : هو العزيز الحكيم}تفسير : [الحديد: 1]. وقد اشتملت هذه الجملة على أربعة أَخبار هي صفات لله تعالى. فأما وصف {الأول} فأصل معناه الذي حصُل قبل غيره في حالة تُبينُها إضافة هذا الوصف إلى ما يدل على الحالة من زمان أو مكان، فقد يقع مع وصف (أول) لفظُ يدل على الحالة التي كان فيها السبق، وقد يستدل على تلك الحالة من سياق الكلام، فوصف {الأول} لا يتبين معناه إلا بما يتصل به من الكلام ولا يتصور إلا بالنسبة إلى موصوف آخر هو متأخر عن الموصوف بــــ(أول) في حالة مَّا. فقول امرىء القيس:شعر : ومُهلهل الشعراء ذَاك الأول تفسير : يفيد أنه مهلهل سابق غيره من الشعراء في الشعر، وقوله تعالى: {أية : قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم}تفسير : [الأنعام: 14] أي أولهم في اتباع الإِسلام، وقوله: {أية : ولا تكونوا أول كافر به}تفسير : [البقرة: 41]، أي أولهم كُفراً وقوله: {أية : وقالت أولاهم لأخراهم}تفسير : [الأعراف: 39]، أي أُولاهم في الدخول إلى النار. وأشهر معاني الأوَّلية هو السبق في الوجود، أي في ضد العدم، ألا ترى أن جميع الأحوال التي يسبق صاحبُها غيره فيها هي وجودات من الكيفيات، فوصف الله بأنه {الأول} معناه: أنه السابق وُجوده على كل موجود وُجد أو سيوجد، دون تخصيص جنس ولا نوع ولا صنف، ولكنه وصف نسبي غير ذاتي. ولهذا لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلِّق ـــ بكسر اللام ـــ، ولا ما يدل على متعلِّق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد. ويرادف هذا الوصفَ في اصطلاح المتكلمين صفةُ "القدم". واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغِنَى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصِّص، أي مخصص يخصصه بالوجود بدلاً عن العدم، لأن الأول هنا معناه الموجود لِذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر. ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غيرُ الله واجباً وجودُه لما كان الله موصوفاً بالأولية، فالموجودات غير الله ممكنة، والممكن لا يتصف بالأولية المطلقة، فلذلك تثبت له الوحدانية، ثم هذه الأولية في الوجود تقتضي أن تثبت لله جميع صفات الكمال اقتضاء عقلياً بطريق الالتزام البيّن بالمعنى الأعمّ وهو الذي يلزم من تصور ملزومه وتصوُّره الجزم بالملازمة بينهما. وأما وصف {الآخر} فهو ضد الأول، فأصله: هو المسبوق بموصوف بصفة متحدث عنها في الكلام أو مشار إليها فيه بما يذكر من متعلق به، أو تمييزه، على نحو ما تقدم في قوله: {هو الأول} كقوله تعالى: {أية : حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم}تفسير : [الأعراف: 38] أي أخراهم في الإدِّرَاك في النار، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : آخر أهل الجنة دخولاً الجنة...» تفسير : الخ، وقول الحريري في المقامة الثانية «وجلس في أُخريات الناس»، أي الجماعات الأخريات في الجلوس، وهو وصف نسبيّ. ووصف الله تعالى بأنه {الآخر} بعد وصفه بأنه {الأول} مع كون الوصفين متضادّين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية، فلما تقرر أن كونه الأول متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بــــ{الآخر} متعلقاً بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض، وهو معنى قوله تعالى: {أية : نرث الأرض ومن عليها}تفسير : [مريم: 40] وقوله: {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88]. فتقدير المعنى: والآخِر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه بأنه الأول. وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم، إذ لا يشعر وصف الآخِر بالزوال لا مطابقة ولا التزاماً، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح المتكلمين. فآل معنى {الآخر} إلى معنى «الباقي»، وإنما أوثر وصف {الآخر} بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين، وقد عُلم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص بالله تعالى وأنه لا ينافي الحُدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية، بخلاف وصف القدم فإنه مختص بالله تعالى ومتنافٍ مع الحدوث. واعلم أن في قوله: {هو الأول والأخر} دلالة قصر من طريق تعريف جزأي الجملة. فأما قصر الأولية على الله تعالى في صفة الوجود فظاهر، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما ورد من بقاء الأرواح، وحديث «حديث : أن عَجْب الذَّنب لا يفنى وأن الإِنسان منه يعادُ». تفسير : ورفع هذا الإشكال أن يجعل القصر ادعائياً لعدم الاعتداد ببقاء غيره تعالى لأنه بقاء غير واجب بل هو بجعل الله تعالى. والجمع بين وصفي {الأول والأخر} فيه محسّن الطباق. و{الظاهر} الأرجح أنه مشتق من الظُّهور الذي هو ضد الخفاء فيكون وصفه تعالى به مجازاً عقلياً، فإن إسناد الظهور في الحقيقة هو ظهور أدلة صفاته الذاتية لأهل النظر والاستدلال والتدبر في آيات العالم فيكون الوصف جامعاً لصفته النفسية، وهي الوجود، إذ أدلة وجوده بيّنة واضحة ولصفاته الأخرى مما دل عليها فعله من قدرة وعلم وحياة وإرادة، وصفات الأفعال من الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة كما علمت في قوله: {هو الأول} عن النقص أو ما دل عليها تنزيهه عن النقص كصفة الوحدانية والقدم والبقاء والغنى المطلق ومخالفة الحوادث، وهذا المعنى هو الذي يناسبه المقابلة بالباطن. ويجوز أن يكون مشتقاً من الظهور، أي الغلبة كالذي في قوله تعالى: {أية : إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم}تفسير : [الكهف: 20]، فمعنى وصفه تعالى بــــ{الظاهر} أنه الغالب. وهذا لا يناسب مقابلته بــــ {الباطن} إلا على اعتبار محسِّن الإِيهام، وما وقع في حديث أبي هريرة في «صحيح مسلم» من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» تفسير : فمعنى فاء التفريع فيه أن ظهوره تعالى سبب في انتفاء أن يكون شيء فوق الله في الظهور، أي في دلالة الأدلة على وجوده واتصافه بصفات الكمال، فدلالة الفاء تفريع لا تفسير. و{الباطن} الخفي يقال: بطن، إذا خفي ومصدره بُطُون. ومعنى وصفه تعالى بباطن وصف ذاته وكنهه لأنه محجوب عن إدراك الحواس الظاهرة قال تعالى: {أية : لا تدركه الأبصار}تفسير : [الأنعام: 103]. والقصر في قوله: {والظاهر والباطن} قصر ادعائي لأن ظهور الله تعالى بالمعنيين ظهور لا يدانيه ظهور غيره، وبطونه تعالى لا يشبهه بطون الأشياء الخفية إذ لا مطمع لأحد في إدراك ذاته ولا في معرفة تفاصيل تصرفاته. والجمع بين وصفه بــــ {الظاهر} بالمعنى الراجح و{الباطن} كالجمع بين وصفه بــــ {الأول والآخر} كما علمته آنفاً. وفي الجمع بينهما محسن المطابقة. وفائدة إجراء الوصفين المتضادين على اسم الله تعالى هنا التنبيه على عظم شأن الله تعالى ليتدبر العالمون في مواقعها. واعلم أن الواوات الثلاثة الواقعة بين هذه الصفات الأربع متحدة المعنى تقتضي كل واحدة منها عطف صفة. وقال الزمخشري: «الواو الأولى معناها الدلالة على أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوّلية والآخريَّة. والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء، وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين ومجموع الصفتين الأخريين» اهــــ. وهو تشبث لا داعي إليه ولا دليل عليه ولو أريد ذلك لقال: هو الأول الآخر، والظاهر الباطن، بحذف واوين. والمعنى الذي حاوله الزمخشري: تقتضيه معاني هاته الصفات بدون اختلاف معاني الواوات. {وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيم}. عطف على جملة {هو الأول والآخر} الخ عطفت صفة علمه على صفة ذاته، وتقدم نظير هذه الجملة في أوائل سورة البقرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرُ} {ٱلظَّاهِرُ} (3) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الأَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ بِغَيْرِ حَدٍّ، وَهُوَ الآخِرُ بَعْدَ كُلِّ شَيءٍ بِغَيْرِ نِهَايَةٍ، وَهُوَ العَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيءٍ، فَلاَ شَيءَ أَعْلَى مِنْهُ، وَهُوَ البَاطِنُ فَلاَ شَيءَ أَدْنَى مِنْهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيءٍ مِنَ الوُجُودِ. فَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ. الآخِرُ - البَاقِي بَعْدَ فَنَائِهَا. الظَّاهِرُ - الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ. البَاطِنُ - الَّذِي لَيْسَ دُوَنُه شَيْءٌ.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا شيبان قال: نا قتادة عن الحسن، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما هذه التي فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: فانها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف. هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: بينكم وبينها مسيرة خمس مائة سنة، وبينها وبين السماء الأُخرى مثل ذلك. حتى عد سبع سموات، وغلظ كل سماءٍ مسيرة خمس مائة عام. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: فوق ذلك العزيز. وبينه وبين السماءِ السابعة، مسيرة خمس مائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال فإِنها الأَرض وبينه وبين الأَرض التي تحتها مسيرة خمس مائة عام. حتى عد سبع أَرضين، وغلظ كل أَرض مسيرة خمس مائة عام. ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو أَنكم دليتم أَحدكم بحبل إِلى الأَرض السابعة فهبط على الله، عز وجل. ثم قرأَ رسول الله، صلى الله عليه وسلم: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} [الآية: 3]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الآية: 7]. يعني: معمرين فيه بالرزق. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} [الآية: 8]. قال: يعني في ظهر آدم، عليه السلام. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} [الآية: 9]. قال: يعني من الضلالة الى الهدى. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ} [الآية: 10]. قال: يقول ليس من أَنفق وهاجر كم لم ينفق ولم يهاجر. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الآية: 10]. يعني: الحسنة والحسنى هي الجنة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} [الآية: 13]. /80 و/ قال: ان المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا، يناكحونهم ويعاشرونهم، ويكونون معهم أَمواتاً ويعطون النور جميعاً يوم القيامة، فيطفأُ نور المنافقين إِذا بلغوا السور. يماز بينهم حينئذ. و"السُّور" [الآية: 13] كالحجاب في الأَعراف، فيقولون: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الآية: 13]. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [الآية: 14]. قال: الغرور الشيطان.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ} فالأولُ: الذي كان ولا شيء غَيرهُ. والأَخِرُ: الذي يكون ولا شيء مَعهُ. والظَّاهرُ: الذي ليس ما ظَهرَ من الأَشياءِ بأقرب إليهِ مما بَطَنَ. والبَاطنُ: الذي ليس ما بَطنَ من الأَشياءِ بأبعد عنهُ مما ظَهرَ.