٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
4
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } وهو مفسر في الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة. ثم قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } وهو مفسر في سبأ، والمقصود منه كمال العلم، وإنما قدم وصف القدرة على وصف العلم، لأن العلم بكونه تعالى قادراً قبل العلم بكونه تعالى عالماً، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله، هو العلم بكونه قادراً، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه مؤثراً، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً. ثم قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن، وكل ممكن فوجوده من الواجب، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية وبين وجودها، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية، ومن هذا السر قال المحققون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله، وقال المتوسطون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله معه، وقال الظاهريون: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله بعده. واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما: أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة الثانية: أن تتفق لنفس الإنسان قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه. المسألة الثانية: قال المتكلمون: هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز، فإذن قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ } لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع. المسألة الثالثة: اعلم أن في هذه الآيات ترتيباً عجيباً، وذلك لأنه بين قوله: {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ } كونه إلهاً لجميع الممكنات والكائنات، ثم بين كونه إلهاً للعرش والسموات والأرضين. ثم بين بقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالماً بظواهرنا وبواطننا، فتأمل في كيفية هذا الترتيب، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسراراً عجيبة وتنبيهات على أمور عالية.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم في «الأعراف» مستوفًى. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي يدخل فيها من مطر وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من رزق ومطر ومَلَك {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد {وَهُوَ مَعَكُمْ} يعني بقدرته وسلطانه وعلمه {أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يبصر أعمالكم ويراها ولا يخفى عليه شيء منها. وقد جمع في هذه الآية بين {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} وبين {وَهُوَ مَعَكُمْ} والأخذ بالظاهرين تناقض فدل على أنه لا بدّ من التأويل، والإعراضُ عن التأويل ٱعتراف بالتناقض. وقد قال الإمام أبو المعالي: إن محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله عز وجل من يونس بن متى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدّم. قوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} هذا التكرير للتأكيد أي هو المعبود على الحقيقة {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي أمور الخلائق في الآخرة. وقرأ الحسن والأعرج ويعقوب وٱبن عامر وأبو حَيْوة وٱبن مُحَيصن وحميد والأعمش وحمزة والكسائي وخلف «تَرْجِع» بفتح التاء وكسر الجيم. الباقون «تُرْجَعُ». قوله تعالى: {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} تقدّم في «آل عمران». {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة فلا يجوز أن يعبد من سواه.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ} أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات وزرع وثمار؛ كما قال تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] وقوله تعالى: {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من الأمطار، والثلوج والبرد والأقدار، والأحكام مع الملائكة الكرام. وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء، إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر الله به حيث يشاء الله تعالى. وقوله تعالى: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: من الملائكة والأعمال؛ كما جاء في الصحيح: «حديث : يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل»تفسير : . وقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث كنتم، وأين كنتم، براً أو بحراً، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم؛ كما قال تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [هود: 5]. وقال تعالى: {أية : سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ} تفسير : [الرعد: 10] فلا إله غيره، ولا رب سواه، وقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك» تفسير : . وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة: حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: زودني حكمة أعيش بها، فقال: «حديث : استح الله كما تستحي رجلاً من صالحي عشيرتك لا يفارقك» تفسير : . هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري مرفوعاً: «حديث : ثلاث من فعلهن، فقد طعم الإيمان: إن عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة، ولا الشَّرط اللئيمة ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم، وزكى نفسه» تفسير : وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: «حديث : يعلم أن الله معه حيث كان»تفسير : . وقال نُعيم بن حماد رحمه الله: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» تفسير : غريب. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين:شعر : إذا ما خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْماً فلا تقل خَلَوْتُ ولكنْ قُلْ عَلَيَّ رَقيبُ ولا تَحْسَبَنَّ اللّهَ يَغْفُلُ ساعةً ولا أن ما تُخْفي عليه يَغِيبُ تفسير : وقوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: هو المالك للدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ لَنَا لَلأَخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} تفسير : [الليل: 13] وهو المحمود على ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأُولَىٰ وَٱلأَخِرَةِ} تفسير : [القصص: 70] وقال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [سبأ: 1]، فجميع ما في السموات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه؛ كما قال تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 93 ــــ 95]. ولهذا قال: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: إليه المرجع يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور، ولا يظلم مثقال ذرة، بل إن يكن عمل أحدهم حسنة واحدة، يضاعفها إلى عشرة أمثالها، {أية : وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 40] وكما قال تعالى: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَـٰسِبِينَ}تفسير : [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار، ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاءً ثم ربيعاً ثم قيظاً ثم خريفاً، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: يعلم السرائر، وإن دقت، وإن خفيت.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } من أيام الدنيا أوّلها الأحد وآخرها الجمعة {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } الكرسي استواءً يليق به {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ } يدخل {فِى ٱلاْرْضِ } كالمطر والأموات {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } كالنبات والمعادن {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ } كالرحمة والعذاب {وَمَا يَعْرُجُ } يصعد {فِيهَا } كالأعمال الصالحة والسيئة {وَهُوَ مَعَكُمْ } بعلمه {أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }.
الماوردي
تفسير : {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} قال مقاتل: من مطر، وقال غيره: من مطر وغير مطر. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} قال مقاتل: من نبات وغير نبات. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قال مقاتل: من الملائكة، وقال غيره: من ملائكة وغير ملائكة. ويحتمل وجهاً آخر: ما يلج في الأرض من بذر، وما يخرج منها من زرع، وما ينزل من السماء من قضاء، وما يعرج فيها من عمل، ليعلموا إحاطة علمه بهم فيما أظهروه أو ستروه، ونفوذ قضائه فيهم بما أرادوه أو كرهوه. {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُم} فيه وجهان: أحدهما: علمه معكم أينما كنتم حيث لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، قاله مقاتل. والثاني: قدرته معكم أينما كنتم حيث لا يعجزه شيء من أموركم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَلِجُ فِى الأَرْضِ} من مطر، أو مطر وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات، أو نبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من ملائكة، أو ملائكة وغيرها {مَعَكُمْ} بعلمه فلا تخفى عليه أعمالكم، أو بقدرته فلا يعجزه شيء من أموركم.
ابو السعود
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} بـيانٌ لبعضِ أحكامِ ملكِهما وقد مرَّ تفسيرُه مِراراً {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} مرَّ بـيانُه في سورةِ سبأ {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ} تمثيلٌ لإحاطة علمِه تعالى بهم وتصويرٌ لعدمِ خروجِهم عنه أينما دارُوا. وقولُه تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} عبارةٌ عن إحاطتِه بأعمالِهم فتأخيرُه عن الخلقِ لما أنَّ المرادَ به ما يدورُ عليه الجزاءُ من العلم التابعِ للمعلوم لا لما قيلَ من أنه دليلٌ علَيه. وقولُه تعالى: {لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تكريرٌ للتأكيدِ وتمهيدٌ لقولِه تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي إليهِ وَحْدَهُ لا إلى غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً ترجعُ جميعُ الأمورِ، على البناءِ للمفعولِ من رجَعَ رَجْعاً. وقُرِىءَ على البناءِ للفاعلِ منْ رجعَ رُجُوعاً. {يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ} مرَّ تفسيرُه مراراً. وقولُه تعالى: {وَهُوَ عَلِيمٌ} أيْ مُبالِغٌ في العلمِ {بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي بمكنوناتِها اللازمةِ لها، بـيانٌ لإحاطةِ علمِه تعالَى بمَا يُضمرونَهُ من نيَّاتِهم بعدَ بـيانِ إحاطتِه بأعمالِهم التي يُظهرونَها. {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي جعلكم خلفاءَ في التصرفِ فيهِ من غيرِ أنْ تملكوه حقيقةً عبر عمَّا بأيديهم من الأموالِ والأرزاقِ بذلكَ تحقيقاً للحقِّ وترغيباً لهم في الإنفاقِ، فإنَّ من علَم أنَّها الله عزَّ وجلَّ وإنَّما هُو بمنزلةِ الوكيلِ يَصرِفها إلى ما عيّنه الله تعالى من المصارفِ هانَ عليه الإنفاقُ أو جعلكم خلفاء ممَّن قبلكَم فيما كَانَ بأيديهم بتوريثِه إيَّاكُم فاعتبرُوا بحالِهم حيثُ انتقلَ منهم إليكُم وسينتقلُ منكُم إلى مَنْ بعدكُم فلا تبخلُوا به {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ} حسبمَا أُمروا به {لَهُمْ} بسببِ ذلكَ {أَجْرٌ كَبِيرٌ} وفيِه من المُبالغاتِ ما لا يَخفْى حيثُ جعلَ الجملةَ إسميةً، وأُعيدَ ذكرُ الإيمانِ والإنفاقِ وكُررَ الإسنادُ وفُخم الأجرُ بالتنكير ووصفَ بالكبـيرِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ}[4] قال: باطن الآية الأرض نفس الطبع، فيعلم ما يدخل القلب الذي فيها له من الصلاح والفساد. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}[4] من فنون الطاعات، فتبين آثارها وأنوارها على الجوارح. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}[4] عليها من آداب الله تعالى إياه. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}[4] إلى الله من الروائح الطيبة والذكر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} [الآية: 4]. قال سهل: يعلم ما يدخل قلبه من الصلاح والفساد وما يخرج منها من فنون الطاعات فتبين آثارها وأنوارها على الجوارج. قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الآية: 4]. قال الحسين: ما فارق الأكوان الحق ولا قاربها كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها وكيف يقارن الحدث العدم وبه قوام الكل وهو بائن عن الكل ألا تراه يقول: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}. مضى الكلام في ذلك. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}. أي ما يدخل فيها من القَطْرِ، والكنوزِ، والبذورِ، والأموات الذين يُدْفَنون فيها، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النبات وانفجار العيون وما يُسْتَخْرَجُ من المعادن. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}. من المطر والأرزاق. أو ما يأتي به الملائكةُ من القضاء والوحي. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}. أي وما يصعد إليها من الملائكة، وطاعاتِ العِباد، ودعوات الخَلْقِ، وصحف المُكَلَّفين، وأرواح المؤمنين. {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. {وَهُوَ مَعَكُمْ} بالعلم والقدرة. ويقال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} إِذا دُفِنَ العَبْدُ فاللَّه سبحانه يعلم ما الذي كان في قلبه من إخلاصٍ في توحيدهِ، ووجوهِ أحزانه خسرانه، وشَكِّه وجحوده، وأوصافه المحمودة والمذمومة.. ونحو ذلك مما يخفى عليكم. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} على قلوب أوليائه من الألطاف والكشوفات وفنون الأحوال العزيزة. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من أنفاس الأولياء إذا تصاعدت، وحسراتهم إذا عَلَت.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} يعلم ما يلج فى ارض القلوب من انوار العيوب {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات المعرفة واشجار المحبة وازهار الحكمة يعلم ما يلج فيها من سنا تجلية وما يخرج منها من صفاء التوحيد والتجريد والتفريد قال سهل يعلم ما يدخ ارض قلبه من الفساد والصلاح ما يخرج منها من فنون الطاعات فيتبين اثارها وانوارها على الجوارح قال الاستاذ فى قوله تعالى {مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} الذى فى قلبه من اخلاصه وتوحيده وحنه وما فى قلب الجاحدة من شرك شركه والاوصاف المذموم وما ينزل من السماء على قلوب اوليائه من الالطاف والكشوفات وفنون الاحوال العزيزة وما يعرج فيها من انفاس الاولياء اذا تصاعدت وحراتهم اذا علت قوله تعالى {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ما ينزل من سماء الغيب من قطرات الالهام وما يعرج فيها من انوار انفاس المشتاقين والعاشقين والمحبين ومعالى هم العارفين قوله تعالى {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} ان للعارفين فى هذه الأية مقامين مقام عين الجمع ومقام افراد القدم عن الحدوث فمن حيث الوحدة والقدم تصاعر الاكوان فى عزة الرحمن وسطوات عظمته حتى لا يبقى اثرا فتسلط عظمته معها حتى ازلها بحيث لا افتراق بين فعله وقهر قدرته ومن حيث الجمع باشر نور الصفة نور الفعل ونور الصفة قائم بالذات يتلجى بنوره لفعله من ذاته وصفته ثم يتجلى من الفعل فترى جميع الوجود مرأة وجوده وهو ظاهر بكل شئ من كل شئ للعموم بالفعل وللخصوص بالاسم والنعت ولخصوص بالصفة والقائمين بمشاهدة ذاته بالذات وهو تعالى منزه عن البينونة والحلول والافتراق والاجتماع انما هو ذوق العشق ولا يعلم تاويله الا العاشقون قال الحسين ما فارق الاكوان الحق ولا قارنها كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها وكيف يقارن الحدث القدم به قوام الكل وهو باين عن الكل الا تراه يقول وهو معكم اينما كنتم يا اخى هذه الأية مقتضية البشارة للعاشقين حيث معهم اينما كانوا وتوثيق للمتوكلين وسكينة للعارفين وبهجة للمحبين ويقين للمراقبين ورعاية للمقبلين واشارة الاتحاد للموحدين.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو الذى خلق السموات والارض} بقدرته الكاملة وحكمته البالغة {فى ستة ايام} من ايام الآخرة او من ايام الدنيا قال ابن عطية هو الاصوب اولها الاحد وآخرها الجمعة، تاملاكئة مشاهده كنند حدوث انهارا جيزى بس ازجيزى وسنت تدريج وتأنى درهركار حاصل آيد، كذا وقع الاختلاف فى الاربعين التى خمر الله فيها طينة آدم هل هى بأيام الدنيا او بأيام الآخرة وفيه اشارة الى مراتب الصفات الست وهى الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر اى هو الذى تجلى للاشياء كلها بذاته الموصوفة بالصفات الست اذ تجلى الوجود لايكون الا من لوازمه ولو احقه كما قال تعالى {أية : وان من شىء الا يسبح بحمده}تفسير : والتسبيح يستلزم الحياة وما يترتب عليها من العلم بالتسبيح وبالمسبح ومن القدرة على التسبيح والارادة بتخصيص المسبح ومن السمع اذ كل مسبح لابد له من استماع تسبيحه ومن البصر اذ لابد لكل مسبح أن يشاهد المسبح فى بعض مراتب الشهود كما فى التاويلات النجمية {ثم استوى} اى استولى {على العرش} المحيط بجميع الاجسام رحمانيته لان استوى متى عدى بعلى اقتضى معنى الاستيلاء واذا عدى بالى اقتضى معنى الانتهاء اليه اما بالذات او بالتدبير قال بعض الكبار هو محمول على التمثيل وقد سبق بيانه مرارا (قال الكاشفى) بس قصد كرد بتدبير عرش واجرآء امور متعلقه بد وبر وفق ارادت. وفى التأويلات النجمية يعنى استتم وتمكن تجليه على عرش استعدادات المظاهر السماوية الروحانية والمظاهر الارضية الجسمانية ماتجلى لعرش استعداد شىء الا بحسب قابليته وقبوله لا زآئد ولا ناقص (كما قال العارف) شعر : يكى مومى اوزين كم نبايد همى وكر بيش باشد نشايد همى تفسير : {يعلم مايلج فى الارض} كالكنوز والدفائن والموتى والبذور وكا لغيث ينفد فى موضع وينبع فى الآخر ولو لوج الدخول فى مضيق وفى المناسبات الدخول فى الساتر لجملة الداخل {ومايخرج منها} كالجواهر من الذهب والفضة والنحاس وغيرها والزروع و الحيوانات والماء وكالكنوز والموتى يوم القيامة وفى التأويلات النجمية يعنى يعلم بعلمه المحيط مايدخل فى ارض البشرية من بذور النباتات النفسانية مثل مخالفات الشرع وموافقات الطبع وزروع الاحوال القلبية من مخالفات الطبع وموافقات الشرع والواردات القلبية والالهامات الغيبية وزروع الاذواق والوجدانيات من التجليات الرحمانية التنزلات الربانية لترتب الاعمال على النيات كما قال عليه السلام "حديث : انما الاعمال بالنيات"تفسير : وقال ايضا "حديث : لكل امرىء مانوى"تفسير : اذ النية بمرتبة البذر والعمل بمرتبة الزرع والقلب والنفس والروح بمنزلة الارض المستعدة لكل نوع من البذر وقال بعضهم يعلم مايلج فى ارض قلب المؤمن من الاخلاص والتوحيد وفى ارض قلب الكافر من الشك والشرك ومايخرج منها بحسب حالهما {وما ينزل من السماء} كالكتب والملائكة والاقضية والصواعق والامطار والثلوج {ومايعرج فيها} كالملائكة الذين يكتبون الاعمال والدعوات والاعمال والارواح السعيدة والابخرة والادخنة وقال بعضهم وماينزل من السماء على قلوب اوليائه من الالطاف والكشوف وفنون الأحوال العزيزة ومايعرج من أنفاس الأولياء المشتاقين اذا تصاعدت حسراتهم وعلت زفراتهم {وهومعكم اينما كنتم} فى الارض وهو تمثيل لاحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه اينما داروا وفى الحديث "حديث : أفضل ايمان المرء أن يعلم ان الله معه حيث كان" شعر : يار باتست هركجا هستى جاى ديكر جه خواها اى اوباش ياتودر زيرك كليم جواوست بس بر و اى حريف خود راباش تفسير : قال موسى عليه السلام اين أجدك يارب قال ياموسى اذا قصدت الى فقد وصلت الى فى التأويلات النجمية وهو معكم لا بالمعية المفهومية للعوام والخواص ايضا شعر : اين معيت مى نكجند در بيان نى زمان دارد خبر زونى مكان تفسير : بل بالمعية المذوقة بالذوق الكشفى الشهودى اى انا معكم بحسب مراتب شهوداتكم ان كنتم فى مشهد الفعلى فانا معكم بالتجلى الذاتى ما أتقدم ولا أتأخر عنكم وقال بعض الكبار تلك المعية ليست هى مثل مايتصور بالعقل حسا او ذهنا او خيالا او وهما تعالى شأنه عن ذلك علوا كبيرا انما هى معية تفرد الحق سبحانه بعينها وتحققها وعلمها لايعلم سرها الا الله ومن اطلعه عليه من الكمل ويحرم كشفها ترحما على العقول القاصرة عن درك الاسرار الخفية كما قال ابن عباس رضى الله عنهما أبهموا ماأبهم الله وبينوا مابين الله يعنى اذا اقتضى المقام الابهام كما اذا طلب ببيان المبهم على ماهو عليه فى نفسه وعقل الطالب قاصر عن دركه فلا جرم انه حرام لما فيه من هلاكه واما اذا طلب بيان المبهم لا على ماهو عليه فى نفسه بل على وجه يدركه عقله يضرب تأويل يستحسنه الشرع ففيه رخصة شرعية اعتبرها المتأخرون دفعا لانقلاب قلب الطالب وترسيخا على عقيدته حتى تندفع عن صدره الوساوس والهواجس والمراد على هذه اما معية حفظه او معية امره او غيره ذلك مما لا اضطراب فيه لا شرعا ولا عقلا ولا خارجا والاين المذكور فى الآية متناول لجميع الأينات الازلية والابدية من المعنوية والروحانية والمثالية والحسية والدنيوية والبرزخية والنشرية والحشرية والنيرانية والجنانية والغيبية والشادية مطلقا كلية كانت او جزيئة وهذه الاينية كالمعية من المبهمات والمتشابهات وما يعلم تأويلاها الا الله وما يتذكر سرها الا اولو الالباب قال بعضهم فى هذه الآية بشارة للعاشقين حيث هو معهم اينما كانوا وتوفيق للمتوكلين وسكينة للعارفين وبهجة للمحبين ويقين للمراقبين ورعاية للمقبلين واشارة الى سر الوحدة للموحدين قال الحسين رحمه لله ماقارب الحق الأكوان ولا فارقها كيف يفارقها وهو موجودها وحافظها وكيف يقارب القدم الحدوث به قوام الكل وهو بائن عن الكل انتهى {والله بما تعملون بصير} فيجازيكم عليه ثوابا وعقابا وهو عبارة عن احاطته بأعمالهم فتأخيره عن الخلق لما اراد المراد مايدور عليه الجزآء من العلم التابع للمعلوم لا لما قيل من أن الخلق دليل على العلم فبالخلق يستدل على العلم والدليل يتقدم على المدلول وفى الآية ايقاظ للغافلين وتنشيط للمتيقظين ودلالة لهم على الخشية والحياء من رب العالمين واشارة لهم الى ان اعمالهم محفوظة وانهم مجزيون بها ان خيرا فخير وان شرا فشر قال بعض الكبار والله بما تعملون بصير لانه العامل بكم وفيكم ولابد لكل عامل أن يبصر عمله ومايتعلق به
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أصل الخلق: التقدير. والاستواء: الاعتدال والاستقامة، ونقيضه: الاعوجاج. والعرش: السرير، ومنه: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النمل:23]. والعرش: الملك، يقال: ثُلّ عَرْشُه. والعرش: السقف، ومنه قوله تعالى: {أية : وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا} تفسير : [البقرة:259]. والمعنى: إنه لما ذكر أن جميع الموجودات تمجّده وتسبّحه وتعظّمه - كل منها على قدر وعاء وجوده، وحوصلة إدراكه وشعوره - لعظمته ومجده وجماله وجلاله، وبيّن ذلك بأن له التصرف في الجميع بالمالكية والإفادة والإحياء والإماتة، وأنه أول كل شيء وآخره وظاهره وباطنه، والمملوك لا محالة يكون خاضعاً ساجداً لربه ومطيعاً لخالقه، فأراد أن يشعر بأن كونه بحيث يخضع ويسجد له الجميع، ليس أمراً جزافياً أو اتفاقياً، أو حكماً إجبارياً من غير استحقاق، بل هو أمر يليق بشأنه، واقع في مقابلة لطفه وإحسانه وكرمه وامتنانه، حيث نظّم أمور العالم على أبدع نظام، وأفاد وجود كليّات الجواهر وعظائم الأجرام على أشرف وضع ونظام. إذ أنشأ أعيان السموات وأبدعها لا من شيء يقتضيه، ولا على مثال يحتذيه، ثم أمسكها بلا عماد، وأنشأ الأرض وأوجدها بلا اعتماد، في ستة أيام، ولم يخلقها في لحظة واحدة - وإن كان مقدوراً له تعالى - لأن خَلْقها في هذه المدة أصلح وأليق بحال الكائنات وأنسب بنظام المخلوقات. ورتبها على أيام الأسبوع، فابتدأ بالأحد وختم بالجمعة، فاجتمع له الخلق يوم الجمعة، فلذلك تسمى جمعة - عن مجاهد -. وقيل: إن إيجاد الحوادث على إنشاء شيء بعد شيء على التدريج والترتيب، أدلّ على كون فاعله عالماً مدبراً يصرّفه على اختياره كيف يشاء، حريّاً بأن يعبده ويسجد له ويطيع أمره جميع عباده ومن كان في ملكه وملكوته. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي: استوى أمره إلى ملكه، لأن الأمور والتدابير تنزل منه. وعن الحسن: يعني استقر ملكه واستقام بعد خلق السموات والأرض وظهر ذلك للملائكة. وإنما أخرج هذا على المتعارف في كلام العرب كقولهم: "استوى الملك على عرشه" - إذا انتظمت أمور مملكته -، وإذا اختلّ أمر ملكه قالوا: "ثُلّ عرشه". ولعل ذلك الملك لا يكون له سرير أصلاً، ولا يجلس على سريره أبداً، قال الشاعر: شعر : إذا ما بنو مروان ثُلّت عروشهم وأَوْدَتْ كما أودت إيادُ وحِمْيَرُ تفسير : وقيل: معناه: ثم قصد إلى خلق العرش، عن الفرّاء وجماعة، واختاره القاضي. ويلزم منه أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات والأرض، وليس بذاك، مع بُعده عن اللفظ. وروي عن مالك بن أنس أنه قال: الاستواء غير مجهول، وكيفيته غير معلومة، والسؤال عنه بِدعة. وعن أبي حنيفة أنه قال: أقرؤه كما جاء. أي: لا تفسروه. مكاشفة اعلم أنه خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير محكم، فأبدع الأفلاك ثم زيّنها بالكواكب مع نفوسها المجردة المحرّكة إيَّاها بأمر باريها طاعة وخدمة لمبدعها، وتشوقاً إلى جاعلها، كما أشار إليه بقوله: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} تفسير : [فصّلت:12]. وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية، فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة والهيآت المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال، وأشار إليه بقوله: خلق الأرض - أي: ما في جهة السفل - في يومين. ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولاً، وتصويرها ثانياً، كما قال بعد قوله: {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصّلت:9]، وجعل فيها رواسي من فوقها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام - أي مع اليومين الأولين - لقوله في سورة السجدة: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [السجدة:4]. ثم لمّا تم عالم الملك بأمره عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة، فدبّر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتمزيج القوى والكيفيات ممّا يَلِجُ في الأرض وما يخرج منها، وإمدادها بما ينزل من السماء، وهدايتها بما يَعْرُجُ فيها، وهو أقرب إلى كل شيء من هذه الوسائط، لأن له التأثير والإيجاد، ومنها التهيئة والإعداد، فهو تعالى مع كل شيء أينما كان، وهو القائم على كل نفس بما كسبت. مكاشفة إعلم أن المكشوف عند ذوي البصائر؛ أن الحق سبحانه خلق السموات والأرض في ستة أيام من الأيام الإلهية التي كل يوم منها ألف سنة مما تَعُدّون، وهي من زمان آدم إلى زمان محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جميع دور خفاء الذات واحتجابها بالأسماء وظهور الأسماء في مظاهر الأشياء، كل يوم منها ميلاد واحد من الأنبياء العظام من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله عليهم أجمعين -. ثم استوى على عرش الذات - وهو الروح الأعظم - باسم الرحمن في اليوم السابع، وهو يوم الجمعة، لحشر الخلائق فيه، وجمعهم وحسابهم وميزانهم لقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} تفسير : [هود:103]. وقد اشتهر فيما بين الناس في جميع الأمصار، ان مدة الدنيا سبعة آلاف سنة على عدد الكواكب السبعة، فكل الف سنة يوم من أيام الله لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج:47]. فالستة منها هي التي خلق الله فيها السموات والأرض وما فيهما، لأن الخلق حجب الحق. فمعنى خَلَق: اختفى بهما فأظهرهما وبطن، ويوم السابع هو يوم الجمع، وزمان الاستواء على العرش، والظهور بالأسماء، وهذا الظهور يبتدئ في السابع مع ظهور محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما روي أنه قال: "حديث : بُعِثْت أنا والساعة كهاتين - وجمع بين السبابة والوسطى - ". تفسير : ويزداد إلى تمام سبعة آلاف سنة من لَدُنْ آدم أول الأنبياء، إلى زمان خاتم الأولياء - المهدي صاحب الزمان (عليه السلام) -، وتنقضي الخفايا لظهور التام لقيام الساعة، ووقوع القيامة الكبرى، وعند ذلك يظهر فناء الخلق والبعث والنشور والحساب والميزان، ويتميز أهل الجنة والنار، ويُرى عرش الله بارزاً - كما حكى بعض العرفاء عن شهوده -. وتمام ظهور هذه الأمور في الآخرة، وان كان العارفون يشاهدونها في مرآة الدنيا، فابتداء يوم القيامة - الذي قد طلع فجره - ببعثة نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فالمحمدّيون لكونهم خير أمّة أخرجت للناس، أهل الجمعة، ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صاحبها وخاتم النبيين. واتفق أهل الملل كلها من إليهود وغيرهم على ان الله فرغ من خلق السموات والأرض في اليوم السابع، إلاّ أن إليهود قالوا: إنه السبت، وابتداء الخلق من الأحد. وعلى ما ذكر يكون هو الجمعة. وإن جعلنا الأحد أول الأيام، ووقت ابتداء الخلق، كان جميع دَوْر النبوة دَوْر الخفاء، وفي السادس ابتداء الظهور، وازداد في الخواص كما ذكر أنه "يوم خلق آدم" - أي: الحقيقي - "ويوم الساعة" "ويوم المزيد"، حتى ينتهي إلى تمام الظهور وارتفاع الخفاء في آخره عند خروج المهدي (عليه السلام)، ويعم الظهور في السابع الذي هو السبت. ولزيادة توضيح هذا المقام، نمهد مقدمة من الكلام، فنقول: إن ما أوجده الله تعالى بحكمته البالغة، ونَظَمَهُ بنَظْمِهِ البديع لا يخلو عن قسمين: إما أمور طبيعية جسمانية، وإما أمور إلهية روحانية. أما الأمور الطبيعية الجسمانية، فحدوثها وانشاؤها لا يكون إلاّ على سبيل التدريج، وممر الدهور والأزمان، إذا المعنيّ بالطبيعي؛ هو ما يصدر عن الطبيعة بقدرة الله تعالى، والطبيعة بما هي طبيعة ليست حقيقتها إلاَّ منشأ الحركة والسكون في الجسم الطبيعي، - وهما زمانيان كما حقق في مظانه -، والطبيعي إذاً تدريجي لا محالة، فوجود العالم الجسماني - فلكياً كان أو عنصرياً - تدريجي، لأن حقيقتهما متقومة بالتغيّر. فكل عاقل لبيب، إذا فكّر في كيفية إيجاد الأجسام الطبيعية وعوارضها وصفاتها الطبيعية، يعلم ويتحقق أنها واقعة في مقدار من الزمان، ويتيقن أن هيولى الكل قد أتى عليه دهر طويل وأمد مديد إلى أن تمحّض وتميز اللطيف منها من الكثيف، والعالي منها من السافل، والفلكي منها من العنصري، والنيّر من المظلم، وتقبل الكرات الفلكية والأنوار الكوكبية وتحيط بعضها ببعض، وإلى أن استدارت الأجرام الكليّة والكرات الكوكبية وركزت على مراكزها، وإلى أن تميزت الأركان الأربعة وترتبت مراتبها ومزّجت فنون تمزيجاتها لينتظم الكل كأنها شخص واحد متعاون بعضها مع بعض، منتفع بعضها من بعض، كأبعاض بدن واحد إنساني في مدة العمر. والدليل على ذلك قول الله سبحانه: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [السجدة:4]، {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}تفسير : [الحج:47]. وأما الأمور الربّانية والأشعة الإلهية، فهي كأنها من مراتب علمه الأزلي وعالم قضائه وأمره السرمديّ، وحجب ربوبيته وسرادقات عزته، لا يبلغ عقول البشر كنهها، وقد يعبر عنها في لسان الشريعة بعبارات ورموز لا يفهم مغزاها إلاَّ من أيّده الله بتوفيق خاص، وهي المشار إليها في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر:50]، تنبيهاً على عدم تجددها وتغيرها وارتفاعها عن عالم الزمان والتغيير. وقد وقع في بعض شرايع السابقين وملل الأقدمين، إشارة إلى كيفية حدوث الأفلاك وما في جوفها من أمر الله سبحانه على سبيل الرمز: انه قد أتى دهر طويل على النفس الكلي - أي الملك الأعظم الحامل للعرش الرئيس على جملة الحملة والمدبّرات السماوية -، قبل تعلقها بالجسم ذي الأبعاد، وكانت في عالمها الروحاني ومحلها النوراني مقبلة على مفيضها ومبدعها ومكملها، تقبل عنه الفيض والفضائل الكثيرة، وكانت منعمة ملتذة مستريحة فرحانة بتلك الفضائل والخيرات، فأخذها شبيه المخاض، فأقبلت تطلب ما تفيض عليه من تلك الخيرات، وكان الجسم بحسب هيوليته فارغاً قبل ذلك من الأشكال والصور والنقوش، فأقبلت النفس على الهيولى لتميز الكثيف من اللطيف، وتفيض عليه تلك الفضائل والخيرات. فلمّا رأى الباري جل ذكره ذلك منها، ومن الجسم تهيؤ لها، فخلق من ذلك الجسم عالم الأفلاك وأطباق السموات من لدن العرش إلى قرار الأرضين على أحسن نظام وترتيب ممّا هي عليه الآن، وهكذا يفيض تلك الفضائل والخيرات من الصور والكيفيّات متجددة متعاقبة في أزمنة متطاولة ودهور كثيرة، لاستحالة الجمع بين الصورتين في زمان واحد. فمهما استوفت إفاضة الصور والكيفيات المقدّرة في قضاء الله وقدره على المواد الفلكية والعنصرية، سكنت الأفلاك عن الدوران، والكواكب عن السير، والأركان عن الاختلاط والمزاج، وكلّت القوى الجسمانية والآلات، وبلي الحيوان والمعادن والنبات، وخلع الصور والأشكال والنقوش، وانفطرت السموات وانشقت، وهدمت الجبال وبُسَّت، وتبقى فارغة كما كانت بَدِيّاً. فرجعت النفس المدبّرة الكلية إلى عالمها الروحاني، ومحلها النوراني، وحالتها الأولى، وأعرضت عن شغلها الذي كان، وأقبلت نحو علتها المفيضة ولحقت بها. لان مثل النفس في إقبالها على الجسم، واشتغالها بتدبيره واصلاحه - بعد ما كانت مقبلة على مبدعها مستفيدة منه الفيض - كمثل الرجل الخيّر العاقل المقبل أولاً على أستاذه المحب لعلمه، الحريص في تعليمه للعلوم والحِكَم والمعارف، المتخلق بأخلاقه الجميلة وآدابه الصحيحة برهة من الزمان، حتى امتلأ من الخيرات والفضائل والعلوم والحِكَم، أخذه عند ذلك شبه المخاض، واشتهى وتمنى وطلب من يفيض عليه من تلك الخيرات والفضائل ويفيده إياها، فإذا وجد تلميذاً يعلم أنّه يقبل منه ويفهم عنه علمه وحكمته، أقبل عليه بالفيض والإرشاد والإفادة - طمعاً في إصلاحه وحرصاً على تعليمه وتأديبه تشبهاً بأستاذه الأول -، فإذا فرغ من تعليمه وتأديبه، أقبل عند ذلك على عبادة ربه، وطلب الخلوات بمناجاته وتمنى اللحوق بأسلافه وأقاربه، والدخول في زمرة الملائكة. وهكذا كانت سيرة الأنبياء (عليهم السلام)، وكذلك كانت سيرة الحكماء المتقدمين الذين أخذوا الحكمة من مشكاة النبوة، كل ذلك تشبّهاً بالله في إظهار حكمته وفيض فضائله على بريّته وإغداق نعمته على خليقته. كلام من الحكماء شبه رمز ذكروا أن ملكاً عظيم الشأن، عزيز السلطان، واسع المملكة، كثير الجنود والعبيد، ولد له ولد ذكر كان أقرب الخلق به شبهاً وإلى والده (والديه - ن) طبعا وخلقاً، فلمّا تربّى ونشأ وكمل، ولاّه أبوه بعض مملكته، وأمر أجناده وعبيده بطاعته، وأوصاه بحسن سياستهم، وأباحه جميع النعم - غير أنه نهاه عن مرتبته -. فمكث ذلك الابن زماناً طويلاً قدر نصف يوم متنعماً متلذذاً، إلاَّ أنّه كان ساهياً، فحسده بعض عبيد الملك ممن كان متيناً قبله، فقال: "انّك لا تعرف نعمة، ولا تجد لذّة، لأنك ممنوع من أرفع نعمة، منهي عن ألذ شهوة". فاغترّ بقوله، وطلب ما ليس له أن يتناوله قبل حينه، فسقطت مرتبته وانحطت درجته عند أبيه، وبدت له سوأته وخسّته، واستبانت خطيئته، فهرب خوفاً من أبيه ذاهباً في مملكته شبه المستتر، فأصابه العناء ولقيه البأساء والضرّاء والجهد والبلاء، فتذكر يوماً ما كان فيه من نعمة أبيه، فحزن على ما فاته وبكى أسفاً، ثم نعس فنام، فحُمل إلى أبيه. فقال: "دعوه نائماً إلى يوم الجمعة". ثم إنّه ولد في اليوم الثاني ابن آخر أشبه الناس بأخيه، فتربّى ونشأ وكمل ونما، وكان حكيماً وقوراً صبوراً شكوراً، فولاّه أبوه بعض مملكته، وأمرهم بطاعته، وأوصاه بسياستهم. فدعاهم وأمرهم ونهاهم. فلم يسمعوا ولم يطيعوا له أمره، لأنه كان شبيه زحل، بل آذَوْهُ، فصبر زماناً ثم شكى إلى أبيه، فغضب عليهم ورمى أكثرهم في الماء. فلمّا رأى ما أصابهم اغتم وحزن ونعس فنام وحُمل إلى أبيه، فقال: "اتركوه نائماً إلى يوم الجمعة". ثم إنه رزق في اليوم الثالث ابن آخر، وكان أشبه بأخويه اللذين تقدم ذكرهما، وكان خيّراً فاضلاً نجحا، فولاّه أبوه مكان أخويه، وأمرهم بطاعته، وأوصى إليه بما أوصى إلى أخويه من قبل، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، فلم يسمعوا ولم يطيعوا لأنه كان يشبه المشتري وفزّعوه بالنار، فذهب إلى أبيه وبنى له هيكلاً ونذر له قرباناً وعلّم مناسكاً. ونادى في الناس: "تعالوا لتروا ما لم تَرَوا، وتسمعوا ما لم تسمعوا". ثم نام وحُمل إلى أبيه فقال: "اتركوه نائماً إلى يوم الجمعة". وبقي نداؤه في مسامع النفوس يتوارثونه من غير أن يسمعوا، ويذهبون إلى هيكله فيرون ظاهره - ومرماه مما لا يبصرون -، ويفعلون شبه مناسكه، ولكن أكثرهم لا يفهمون لأنهم صم بُكم عُميٌ فهم لا يعقلون. ثم إنه رزق في اليوم الرابع ابن آخر، فنشأ وكمل ونما وكان جلداً قوياً مِقداماً، فولاّه أبوه مكان اخوته وأمرهم بطاعته، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، فلم يسمعوا ولم يطيعوا، لأنه كان يشبه المرّيخ. وبارزوه وبارزهم، وناوشوه وناوشهم ونازعهم، وكان مؤيداً بقوة أبيه، فغلبهم وبدد شملهم وفرّق جمعهم وشتّت ألْفَهُم، ورمى بهم في البر والبحر، ثم بقي وحيداً كالغريب يدعو فلا يجاب ويأمر فلا يهاب، فاغتم وحزن ونعس فنام وحُمل إلى أبيه، فقال: "دعوه نائماً إلى يوم الجمعة". ثم إنه رزق في اليوم الخامس ابن آخر، أشبه الناس بأخيه الأول، فتربّى ونشأ وكمل ونما، وكان هادياً رشيداً طيباً رفيعاً، فولاّه أبوه مكان اخوته، فدعاهم وأمرهم ونهاهم، فلم يسمعوا له إلاَّ قليلاً، ولم يطيعوه إلاَّ يسيراً، لأنه كان يشبه الزُّهْرَة، ثم وثبوا عليه فأخذوا قميصه الذي ألبسته أمه إياه، فذهب إلى أبيه فاستفز عليهم بجنوده وأيدهم بروح منه، فسرى في نفوسهم وتحكّم في لاهوتهم بَدَلاً وقصاصاً لمّا تحكّموا في ناسوته، وأراد أن ينزل من الرأس، فقال أبوه: "اصبر إلى يوم الجمعة". ثم قال الملك في اليوم السادس للمنجمين: "اختاروا لابني الذي يشبه عطارد يوماً لينزل إلى عالم الكون والفساد فينبه إخوته النيام، ويناديهم إلى ربهم، فقد رضيتُ عنهم، ويأمرهم بالاستعداد للصلاة فإن غداً هو يوم العيد - يوم الجمعة - فيبرز للقضاء ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون". فاجتمع سادة النجوم ورؤساء الكواكب في بيت المرّيخ، وتشاوروا بينهم، فقال رئيس الكواكب وملكها: "أنا أختار له من قوتي وازوّده من فضائلي: العظمة والجلالة، والرئاسة والسلطان، والعز والرفعة، والبهجة والبهاء، والمجد والثناء، والبذل والعطاء". وقال شيخهم كيوان: "أنا أختار له من قوتي وازْوّده من فضائلي: الحلم والوقار، والصبر والثبات، وبُعْدَ الغور وعُلُوّ الهمّة، والحفظ والأمانة، والفكر والرَّوِيَّة". وقال برجيس القاضي العادل: "أنا أختار له من فضائلي وازوّده من قوتي: الدين والورع، والخير والصلاح، والعدل والإنصاف، والصدق والصيانة والمروّة". وقال بهرام صاحب الجيوش: "أنا أختار له من قوتي وازوّده من فضائلي: العزم والصرامة، والنجدة والشجاعة، والهمة والنشاط، والظَفَر والغلبة، والبذل والسخاء، والتيقظ والأنفة". وقالت ناهيد أخت النجوم: "أنا أختار له من قوتي وأزوّده من فضائلي: الحُسْنَ والجمال والكمال، والرأفة والرحمة، والزينة والنظافة، والحب والمودة والسرور واللذة". وقال أخوهم الأصغر - وهو أخفاهم منظراً وأجلّهم مخبراً الذي صَنْعَتُهِ أظهر وعلومه أكثر وعجائبه أشهر -: "أنا أختار له من قوتي وأزوّده من فضائلي واؤيده من مناقبي: النطق والفصاحة، والتميز والفطنة والقراءة، والعلوم والحكمة". قالت أمّ النجوم: "أنا أُرْضِعْهُ وأربّيه، واختار له من قوتي وأزوّده من فضائلي: النور والبهاء، والزيادة والنماء، والحركة في الأقطار، والتنقّل في الأسفار، وبلوغ الآمال، والسير والاختبار، وعلوم مواقيت الآجال". ثم إنه دارت الأفلاك وتمخّضت قوى الروحانيات - أهل السموات -، فنزل إلى عالم الكون والفساد في ليلة القدر قبل طلوع الفجر صاحب النشور، لينفخ في الصُّور، فمكث هذا المولود في الرحم أربعين يوماً من أيام الشمس، وعشرين يوماً في الرضاع، حتى تربّى ونشأ وكمل ونما، وكان أشد الناس شبهاً بأخيه الثالث، لأنه كان يشبه عطارد الذي هو أخو المشتري. فصار هذا المولود من بين اخوته أتمَّهم بنية وأكمَلَهم صورة، وكان أديباً عالماً حكيماً ملكاً عزيزاً رحيماً إماماً عادلاً نبياً مرسلاً، فولاّه أبوه مملكة اخوته كلها، فظهر وقهر من خالفه، ورفع واعز من وافقه، وحكم في مملكته نحو ثلاثين يوماً من أيام الشمس، ثم أصابته العين فاعتلّ وبقي على الفراش نحو يوم من أيّام القمر، مريض الجسم عليل النفس، ثم تحول إلى دار أخرى، ونهض قليلاً ومشى، ونشط وانبسط، ودخل إلى كهف أبيه ونام مع اخوته. فمكثوا زماناً، فلمّا انقضى دَوْرُ الرقاد، وتقارب الميعاد، ناداهم الملك: "ألم يأْنِ لكم أن تنتبهوا من نومكم، وتستيقظوا وتتذكروا ما نسيتم من أمر مبدأكم، وترجعوا معادكم من أسفاركم، وتأووا إلى دار مقامكم من غربتكم؟ فقد تمّ خلق السموات السبع في ستة أيام، وغداً الجمعة، يستوى بكم على العرش ويحمله يومئذ ثمانية". فانتبه لذلك الأخوة الذين قيل: {أية : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}تفسير : [الكهف:22] بعد رقدتهم ثلثمائة وأربعة وخمسين من أيام الشمس بحساب القمر، يتذاكرون {أية : كَم لَبِثْتُمْ}تفسير : [الكهف:19] في كهفكم؟ فقال أبوهم لأخيهم: - {أية : فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً}تفسير : [الكهف:22]. فأخفى أمرهم، وكتم أسرارهم لأنه {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [المجادلة:7]، وهو يوم جَمْع الخلائق كلهم للجزاء. وكما أن للملك مدينة فيها جنوده وممالكيه، ولأهل تلك المدينة عمّال وصنّاع لهم أجرة وأرزاق، وفيها تجار وبُياع يتعاملون بموازين ومكائيل، ولهم مظالم وخصومات، ولهم فيها قضاة وعدول، ولهم فقه واحكام وفصول، وان من سنّة القضاة البروز والجلوس في كل سبعة أيام يوماً واحداً: فهكذا يجري حكم النفوس الكليّة وملائكة الله تعالى العمّالة بإذنه في الأنفس الجزئية في كل سبعة أيام - كل يوم ألف سنة -، لعرض الخلائق لدى العزيز الجبار، الواحد القهّار، لفصل القضاء بينها باستخدام الملائكة العمّالة بإذنه: {أية : فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء:47]. وروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنه قال: حديث : عمر الدنيا سبعة آلاف سنة بُعِثُتُ في آخرها ألفاً . تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : لا نبي بعدي على هذه الأمة . تفسير : تقوم القيامة وهو يوم العرض الثاني، كما أن يوم العرض الأول ما أشار تعالى إليه بقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف:172]. وبين اليومين مدة سبعة آلاف سنة. وكما أن لأهل المدينة فيها جنان وميادين وأنهار وبساتين، وفيها مجالس ومضائق ومساجن - فالأولى لنزاهة النفس وبهجتها وسرورها ولذتها ونعيمها، والثانية لعقوبتها وعذابها على قدر جرائمها وذنوبها - فهكذا في طبقات الوجود ومراتب الكون، فسحة وسعة - أهلها في جنات النعيم ورَوْح وريحان ونعمة ورضوان - ومجالس ودركات - أهلها في عذاب أليم وعقاب شديد وغُصّة عظيمة - كما ذكره الله في التوراة والإنجيل والفرقان في مواضع كثيرة من نعت الجنان ولذّاتها، ووصف النيران وآفاتها. هذا تلخيص ما وجدنا من كلام الأكابر العظام، فأوردناه توضيحاً للمقام، وليعذرني بعض أعلام الأنام من أولي الدراية والأفهام، في الخروج عن طورهم لبعد المرام، والله ولي الهداية في البداية والنهاية. قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. أي: يعلم ما يدخل في جوف الأرض ويستتر فيها من البذور وغيرها، وما يبرز من الأرض وما يتكوّن منها. أو يعلم ما يتربّى في الأرض من المعادن والنبات والحيوان، وما يخرج منها ويكون على ظهرها من هذا، فيعلم أعيانها وأطوارها، وتقلباتها وأحوالها - من القوة والفعل، والكون والبروز -، ومدة بقائها ووقتُ فنائها. ويعلم ما ينزل من السماء - من مطر ومَلَك وغير ذلك -، حتى القوى والكيفيات ومباديها، وفواعلها وأرزاق الخلق، إذ الجميع ممّا ينزل من السماء لقوله تعالى: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}تفسير : [الذاريات:22]، وما يعرج فيها - أي يصعد إليها -، من الملائكة الحَفَظَة وما يكتبون من أعمال الخلائق كلها. وهو معكم، أي: عالم بكم أينما كنتم، وفي أي أحوال من أحوالكم وصفاتكم التي أنتم عليها، وأفعالكم وأقوالكم التي فعلتموها وقلتموها. والله بما تعملون - من خير وشر - بصير، أي: شهيد، فيجازيكم على وُفْق أعمالكم. مكاشفة يعلم ما يلجُ في أرض العالم الجسماني التي هي تحت عوالم الأمر من الصور النوعية، لأنها من صور معلوماته، وما يخرج من الأرواح التي تفارقها، والصور التي تُزائِلها عند الفناء والفساد، وهي بعينها التي تنزل من سماء عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة، وتعرج فيها بعد الاستكمال، وتطير إليها بجناحي العلم والعمل. أو ما ينزل من سماء الروح الكلي من العلوم الكليّة والأنوار العقلية الفائضة على القلب، وينزل منه إلى أرض النفس جزئية، وما يعرج فيها من الكليات المنتزعة من الجزئيات المحسوسة، وهيآت الأعمال المزكية. والأول: إشارة إلى العلوم الموهبيّة التي تفيض أولاً على القلب فتتمثل في الخيال حكايتها وتنزل إليه مثالها. والثاني: إشارة إلى العلوم الكسبية التي ترتقي إلى العقل بعد أن يقع الإحساس بالجزئيات الجسمانية، وتنتزع منه الكليّات لأجل المشاركات بينها والمبائنات. والأول: طريق الأبرار: والثاني: مسلك النظّار. وهو معكم أينما كنتم؛ لأن موجوديّة أعيانكم الثابتة بظهوره في مظاهرها وتجلّيه في مرائيها. والله بما تعملون بصير؛ لكونه مشهوداً له حاضراً عنده منقوشاً في الألواح العالية وملكوتها بحضرته. لَمْعَةٌ إلهية ان معيّته تعالى للاشياء، ليست كمعيّة جسم لجسم، أو جسم لعرض، أو عرض لعرض، وبالجملة، ليست تلك المعيّة معيّة في الوضع والمكان، ولا في الزمان والآن، ولا في المحلّ والحال، ولا في الفعل والانفعال، ولا في الحركة والانتقال: لتعإليه عن هذه الأوصاف والأشباه والأمثال. وليست أيضاً معيّة في الوجود، لكونه قبل كل موجود، وقبليّته لا تنقلب إلى المعيّة التي يقابلها. بل معيّته تعالى نحو آخر من المعيّة مجهولة الكُنْه. وإنما يعرف الراسخون في العلم لمعة منها، ويشمّون رائحة من كيفياتها، وإذا أردوا أن يفيضوا على غيرهم من المستعدّين شيئاً منها، مثّلوا لهم مثال المرآة وقالوا: إن الله تعالى يتجلّى للاشياء كما تتجلّى صورة الشخص في المَرائي المتعددة المختلفة صغراً وكبراً، واستقامة واعوجاجاً، وصفاءاً وكدورة، وغشّاً وخلاصاً، وان التجلّي من قِبَله حاصلة دائماً لجميع الأشياء - لأنه نور، والنور من حقيقته التجلّي والظهور على المجالي والمظاهر -، لكن عدم ظهور هذا التجلّي إما لضعف فيها وصغر في مرآة ذاتها، لا تطيق احتمال النور العظيم الباهر - كما لا تطيق نور الشمس أبصارُ الخفافيش وعيونُ العمشان إلاَّ ظلالاً ضعيفة منه -، وهذا مثال الأجسام والنفوس الناقصة كالجماد والنبات، وغير الناطق من الحيوان والناقص من الإنسان. وإمّا لكدورة في المرآة - كالأبصار التي عليها غشاوة -، وهذا مثال نفوس العصاة من الناس، الذين على قلوبهم وعلى أبصارهم غشاوة. أي على عقولهم وعلى أبصارهم التي بها تحصل معرفة الله وملكوته غشاوة المعاصي والشهوات التي بها يقع الحجاب عن شهود معرفته تعالى. وإمّا لاعوجاج وانكسار في المرآة، تقع الصورة فيها على خلاف ما هو الواقع، - كما في الحَوَل وغيره من الأمراض العينيّة التي يقع بسببها الغلط في رؤية ما يتنوّر بنور الشمس من حقائق الأجسام -، وهذا مثال نفوس الجاحدين للحق، المتعصبين لمذاهب تقليديّة رسخت في نفوسهم من أول الأمر، بحيث لا يمكن زوالها أصلاً، فتظهر لبصيرتهم الحَوْلاء، وفطنتهم العوجاء، صورُ الحقائق المستنيرة بنور الله تعالى على خلاف ما هي عليها، وإلاَّ فالحق مُتَجلّ على كل شيء. كقوله - وهو أصدق القائلين -: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ} تفسير : [ق:16]. وفي الحديث النبوي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : أنه تعالى فوق كل شيء، وتحت كل شيء، وقد ملأت كل شيء عظمته فلم تخلُ منه أرض ولا سماء، ولا بحر ولا برّ ولا هواء، هو الأول لم يكن قبله شيء، وهو الآخر ليس بعده شيء، وهو الظاهر ليس فوقه شيء، وهو الباطن ليس دونه شيء، فلو دُلِّي على الأرض السفلى لهبط على الله . تفسير : وفي طريق أهل البيت (عليهم السلام) أحاديث كثيرة متقاربة المعنى قريبة من معنى هذا، وكذا حديث قرب النوافل. وقد روي عن موسى - على نبينا وآله وعليه السلام -: أَقَريبٌ أنت فأُناجيك، أم بعيد فأُناديك؟ فانّي أحسّ حُسْنَ صوتك ولا أراك فأين أنت؟ فقال الله: أنا خلفك وأمامك، وعن يمينك وشمالك، أنا جليس من ذكرني، وأنا معه إذا دعاني. فما عليك - أيّها المتقي عن المعاصي البدنية والقلبية، إلاّ أن تنفي عن عين عقلك كدورته بالتخلّي عن الرذائل، وتقوّي حدقته بكُحل الطاعات والعبادات والقيام في الليالي والأوقات، مع استقامة الفهم والتدبّر في المعاني العقلية والآيات، فإذا هو فيه، إذ ليس هناك ما ينافيه، فإذا غافصك تجلّيه، ولم تثبت هناك فبادرت وقلت إنه فيه - كما نقل عن المحجوبين بالحق عن مراتب مظاهر الآلهية، ولوازم الأسماء ما قالوا - إلاَّ أن يثبّتك الله بالقول الثابت فتقول: إن الصورة ليست في المرآة، ولا المعيّة بينهما كمعيّة الحالّ للمحلّ، ولا المتمكن للمكان، ولا غيره من أنحاء المعيّة، بل تجلّت لها وظهرت فيها، ولو حلّت لما تصوّر أن تحلّ صورة واحدة لمرائي كثيرة مختلفة في حالة واحدة، بل كانت إذا حلّت في واحدة ارتحلت عن الأخرى، وهيهات، فإنه يتجلّى لجملة من العارفين دفعة واحدة. نعم، يتجلّى في بعض المرائي أصح وأظهر وأقوم وأوضح، وفي بعضها أخفى وأميل إلى الاعوجاج عن الاستقامة، وذلك بحسب صفاء المرائي وصقالتها، وصحة استدارتها واستقامة بسيط وجهها. وكما يتجلّى حقيقة الحق لجملة من العارفين من الملائكة المقرّبين، وعباد الله الصالحين، كذلك يتجلّى بوجه ظِلّي للأشياء جميعها - على تفاوت درجاتهم في الضعف والقصور -. ولهذا المعنى قال واحد من الحكماء المتقدّمين: "إن المحسوسات كلّها تشتبّه بالحقّ، إلاّ أنها لكثرة قشورها، وقلّة نورها، لا تقدر على حكاية الحقّ من وصفها". وبالجملة: لا تخلو ذرة من ذرات الكائنات من نور الحق وتجلّيه وظهور فيه، لكن تحصيل هذه المعرفة، والوصول إلى مشاهدة هذا التجلّي هو الإكسير الأحمر المستفاد من بحر عميق من بحار القرآن.
الجنابذي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} هذه الجمل كلّها مستأنفة واجوبة لاسئلةٍ مقدّرة اذا لم تكن مع العاطف او حاليّة {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قد مضى هذه الآية مع بيانها فى سورة الاعراف {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قد مضى الآية ببيانها فى اوّل سورة السّبا {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} معيّةً قيّوميّةً لازمةً لرحمته الرّحمانيّة فانّه تعالى بوجوده الفعلىّ كلّ الاشياء وقوامها وفعليّتها واوّلها وآخرها وظاهرها وباطنها وهو تهديدٌ وترغيبٌ {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تتميمٌ للتّهديد والتّرغيب.
الهواري
تفسير : قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} وفيها إضمار: خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، اليوم منها ألف سنة كقوله: (أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)تفسير : [الحج:47]. قال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. ذكرو اعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : بين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين تفسير : . ذكروا عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه. قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ} أي: ما يدخل في الأرض من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} أي: ومن وحي وغيره. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: ما يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد. قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: يوم القيامة. قوله عز وجل: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} وهو أخذ كل واحد منهما من صاحبه. {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. أي: بما في الصدور. قوله تعالى: {آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} أي بعد الأمم التي أهلك الله واستخلفكم في الذي كان في أيديهم. كقوله تعالى: (أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ) تفسير : [يونس:14] قال: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنْفِقُوا} أي: في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي: الجنة.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ} أولها الاحد وآخرها الجمعة تعليما للتأني بل وعدم العجلة وهو قادر أن يخلقهن في أقل من لحظة وخطب أمير جاهل وقال: إن الله خلق السماوات والارض في ستة أشهر فقيل له: في ستة أيام فقال: لقد قلتها وأنا استقلها وقيل اليوم منها كالف سنة ومن أيامنا. {ثُمَّ اسْتَوَىَ عَلَى العَرْشِ} استولى عليه بالملك بعد خلقه وقيل العرش الكرسي {يَعْلَمُ} آخر العلم عن الخلق لما يأتي {مَايَلِجُ فِى الأَرْضِ} كالبذر والمطر والموتى {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} كالزرع وماء العيون والمعادن والموتى {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ} كالمطر والرحمة والسخط والوحي. {وَمَا يَعْرُجُ} يصعد ويدخل.{فِيهَا} كالاعمال الحسنة والسيئة والابخرة. {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} بالعلم والقدرة والحفظ قيل بإجماع الامة على هذا التفسير. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} عليم فيجازيكم وقدم الخلق على العلم لدلالته عليه.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أيَّامٍ} مقدار ستة أيام {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} الترتيب ذكرى أو رتبى والعرش الملك كله أو الجسم العظيم الذى الكرسى كالحلقة فيه والاستواء على ذلك بمعنى الإِحاطة وضبطه وكونه تحت حكمه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرضِ} يدخل فيها من ماء وموتى وكنوز {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من ماء وكنوز ونبات وموتى تبعث {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ} من جهة العلو من ماء وثلج وصواعق وملائكة وكتب وخيور وشرور فالسماء يشمل السبع والهواء {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} يدخلها من الأَعمال والملائكة ومرت الآية {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} هذا مجاز مركب غير استعارة تمثيلية إِذ لا يشبه العلم بشئ بالكون معه بل ذلك كناية عن إِحاطة علمه بهم وعدم خروجهم عن حكمه أو المعية مجاز مرسل عن العلم لعلاقة التسبب واللزوم، كما قال ابن عباس عالم بكم أينما كنتم، وكما قال سفيان الثورى علمه معكم، و الحق ما قال أبو حيان من تأْويل كل ما يوهم وصف الله تعالى بما لا يجوز، لا الإِبقاء على ظاهره كالمعية فى الآية بالذات ولا الوقف ولا القول بلا كيف. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} هذا مثل ما قبله إِلا أن هذا كناية عن الإِحاطة بأَعمالهم وما قيل كناية عن الإِحاطة بذواتهم وقدم الخلق فى قوله: {هو الذي خلق} الخ عن العلم فى قوله: {وهو معكم} وفى قوله: {والله بما تعملون بصير} مع أن الخلق فعل وهو متأَخر عن الصفة وهى العلم لأَن المراد الإِشارة إِلى ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم كذا قيل: وقيل لأَن الخلق دليل العلم لأَن جودة الصنعة دليل على علم الصانع والمدلول متأَخر عن الدليل، لأَنه يحصل بالدليل وأكد ذلك بقوله تعالى: {لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} الإِضافة للبيان أى مملوكات هى السماوات والأَرض أو إِضافة مصدر لمفعوله ومهد به لقوله تعالى {وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} وتقديم له وإِلى الله لنفى أن يكون ذلك لغيره وأن يكون له مع غيره {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} يدخل كل منهما فى الآخر فينقص الداخل ويزداد المدخول عليه. {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أى بصاحبة الصدور وهى ما فيها من المكنونات قيل أو بنفس الصدور فيلزم العلم بما فيها بالأَولى، إِلا أن استعمال الذات بمعنى نفس الشئ، لا يوجد فى كلام العرب، والصدر القلب تسمية للحال باسم المحل، وفيه أنه لا نسلم أن القلب حال فى الصدر بل خلقا معا إِلا أن يلاحظ الفهم بالقلب فإِنه متأَخر فأَولى من ذلك أن الصدر ظرف للقلب فيقال تسمية للمظروف باسم الظرف وقد يريد هذا من عبر هنا بالحال والمحل، وتقدم الظرف على المظروف غير لازم بل يجوز اقترانهما ويجوز أن التسمية للجوار ولا تظهر الكلية والجزئية إِذ لا نسلم أن القلب جزء من الصدر {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فيهِ} الإِيمان بالله ورسوله محقق ومبين لأَن يعلم المالك أن ما فى يده هو خليفة فيه عمن قبله وخليفة لمن بعده يحفظه لمن بعده كما حفظه له من قبله وإِذا تحقق أنه انتقل إليه ممن قبله، وسينتقل عنه لمن بعده سهل عليه الإِنفاق منه ورغب فى أن يربح به الأَجر قيل فوته، وفى أن ينفقه فيما أمره بإِنفاقه فيه من جعله خليفة عليه ولم يملكه حقيقة الملك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مال إِلاَّ ما أكلت فأَفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأَمضيت"تفسير : . قيل لأَعرابى لمن هذه الإِبل قال هى لله عندى، قيل: شعر : وما المال والأَهلون إِلا ودائع ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : أى ترد لله تعالى ولمن بعد بأَن يورث المال وتتزوج المرأة. وعظ عالم زاهد عمر بن عبد العزيز فقال: ليس بينك وبين آدم إِلا الموتى وأنت خليفة فيما بين يديك حافظ له لمن بعدك. والمراد بالإِنفاق ما يشمل الواجب والمندوب إِليه استعمالا للكلمة فى معنييها أو فى حقيقتها ومجازها على أن الأَمر حقيقة فيهما أو مجاز فى المندوب إِليه أو فى عموم المجاز، وهو هنا مطلق الترغيب فى الإِنفاق {فَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله {مِنكُمْ وَأَنفَقُوا} كما أمروا به {لَهُمْ} على إِيمانهم وإِنفاقهم {أجْرٌ كَبِيرٌ} أكد بالجملة الاسمية ثبوت الأَجر، إِذ لم يقل يثابون أجراً كبيراً، وبإِعادة ذكر الإِيمان والإِنفاق إِذ لم يقل فمن يفعل ذلك {وَمَا مَالَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ} عطف إِنشاء على إِخبار، فإِن ما للاستفهام الإِنكارى المسلط على السبب دون المسبب ولا تؤمنون بالله حال من الكاف أى: أى شئ حصل لكم غير مؤمنين، والمسبب هو مضمون لا تؤمنون بالله وهو ثابت لا منتف فإِن عدم إِيمانهم ثابت، وقد ينتفى المسبب مع السبب فى مثل هذه العبارة نحو قوله تعالى: {أية : ومالي لا أعبد الذي فطرني..} تفسير : [يس: 22] إِلخ، فإِن انتفاء عبادته الله منتف فإِنه عابد له تعالى {والرَّسُولُ} محمد - صلى الله عليه وسلم - {يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} جملة الرسول الخ حال من واو تؤمنون موبخ لهم على انتفاء الإِيمان مع وجود موجبه، وهو دعاء الرسول لهم إِلى الإِيمان دعاء فصيحاً بليغاً عليه النور كالشمس، واللام بمعنى إِلى أو للتعدية فإِنه يقال دعاه ودعا له أو للتعليل، وعليه فيقدر يدعوكم إِلى الإِيمان لتؤمنوا بربكم {وَقَدْ أخَذَ} الله أو الرسول {مِيثَاقَكُمْ} حال من كاف يدعوكم أو من المستتر فى يدعو أو حال ثان من واو تؤمنون بواسطة العطف وفيه تخالف بالفعلية والاسمية، فما تقدم أولى وأخذ الميثاق نصب الدلائل التى هى السموات والأَرض وأبدانهم وأحوالها وسائر الخلق وأحواله والتمكن لهم من النظر بالفكر فأَخذ الميثاق دليل عقلى ودعاء الرسول دليل سمعى ولعل تقديمه يدل على شرف السمعى على العقلى، وعن مجاهد وعطاء والكلبى ومقاتل أن الميثاق هو ما كان يوم: ألست بربكم ويبحث بأَن المشركين لا يعرفونه فكيف يحتج عليهم به قبل تصديقهم برسالته، فيجاب بأَن المتحقق يذكر فى الاحتجاج به على من لا يقربه إِلغاء لإِنكاره كقول امرئَ القيس: شعر : ألم تريان كلما جئت زائرا وجدت بها طيبا وإِن لم تطيب تفسير : فعنف على ما لم يشاهده غيره إِذ تحقق فى زعمه ولا سيما إِن قارنه احتجاج آخر قبله أو معه كما هو شأْن الرسول والقرآن، ويجوز أن يكون الميثاق {أية : فإِما يأْتينكم مني هدى} تفسير : [طه: 123] الخ أى هدى برسول كما قال: والرسول يدعوكم الخ أو بكتاب كما قال هو الذى ينزل على عبده آيات الخ أو كلاهما أو يرد ضمير أخذ للرسول، فالميثاق ما فى قوله تعالى: {أية : وإِذ أخذ الله ميثاق النبيين} تفسير : [آل عمران: 81]، إِلى {أية : لتؤمنن به ولتنصرنه} تفسير : [آل عمران: 81] أى الميثاق الذى أخذه الأَنبياء على أممهم إِلا المشركين لا يقرون بإِما يأْتينكم منى هدى الخ ولا ينزل على عبده الخ ولا بأَخذ الله ميثاق النبيين الخ، فكيف يحتج عليهم به ففى ذلك ما مر من ميثاق يوم ألست بربكم وأبعد من ذلك فى الاحتجاج على المشركين ما قيل إِن الميثاق هو ما فى حديث عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة فى النشاط والكسل وعلى النفقة فى العسر واليسر وعلى الأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر وعلى أن نقول فى الله تعالى ولا نخاف لومة لائم، والواضح ما مر أولا والخطاب للكفار وقيل لمن لم يؤمن ثم آمن ولم ينفق وقيل للمؤمنين على أن معنى آمنوا اثبتوا على الإِيمان، ومعنى ما لكم لا تؤمنون مالكم لا تثبتون عليه {إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الجواب محذوف أى إِن كنتم تؤمنون لدليل ما فهذا دليل كالشمس لا دليل يساويه أو يفوقه أو إِن كنتم ممن يؤمن فما لكم لا تؤمنون الآن لحال أخذ الميثاق ودعاء الرسول. أو إِن كنتم تؤمنون بدليل عقلى أو نقلى فكلاهما جاءكم على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن المشتمل على دلائل الآفاق والأَنفس أو إِن كنتم مؤمنين بنبى أو أنبياء كموسى وعيسى وإِبراهيم فآمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقد جاءوا بنبوءته، وجاء بما جاءوا به وقيل الخطاب للمؤمنين أى إِن دمتم على الإِيمان فلكم شرف عظيم دنيا وأخرى {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ} محمد - صلى الله عليه وسلم - {آيَات بَيِّنَاتٍ} واضحات متلوة ومعجزات أفقية ونفسية {لِّيُخْرِجَكُمْ} بالآيات أى يخرجكم الله لأَنه المخبر عنه العمدة فى الجملة قبل هذا أو ليخرجكم عبده وهو أقرب فى الذكر وهذان أولى من رد الضمير إِلى الله تعالى والعبد - صلى الله عليه وسلم - بتأَويل من ذكر أى ليخرجكم الله ورسوله {مِنَ الظُّلُمَاتِ} الشرك أو أنواعه أو الشرك وسائر المعاصى لما علم أن المشرك مخاطب بالفروع أيضاً فالظلمات مستعار لما ذكر والجامع المضرة وعدم التمسك بما ينجى منها {إِلَى النُّورِ} الإِيمان الواحد فى نفسه المتفرع عليه الأَعمال المنجية وهو استعارة لجامع النفع العام والتمسك بما ينجى {وَإِنَّ الله بِكُمْ} متعلق بما بعد لام الخبر ولا صدر لها {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الرأفة أخص من الرحمة ومع ذلك قدمت لجواز الرجوع إِلى ذكر الأَعم بالتفصيل للامتنان ولأَنه قد لا يتذكر العموم بعد الخصوص وللفاصلة فإِن الميم أقرب إلى النون {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا} فى أن لا تنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه وذلك توبيخ للمؤمنين الذين لا ينفقون أو للكفار على ترك الإِنفاق بعد توبيخهم على الكفر ولا عذر لهم {فِي سَبِيلِ اللهِ} فى ما يقربكم إِلى الله عز وجل استعير له لفظ السبيل لجامع الإِيصال وفى ذكره مزيد توبيخ، كيف لا تنفقون فيما ينجيكم من المضار العامة دنيا وأخرى ويورثكم المنافع العامة فيهما مما جعل فى أيديكم لتصرفوه فى ذلك لا لتملكوه البتة مع أنه ينتقل عنكم لمن بعدكم أو لمن معكم من عدو أو صديق كما انتقل إِليكم ممن قبلكم كذلك وأكد انتقاله عنهم بقوله عز وجل {وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} الجملة حال من واو تنفقوا أى والحال أنه لا يبقى لكم بل يبقى لله عز وجل، وترك الإِنفاق قبيح مطلقا فيما أمر به ومع ما يوجب الإِنفاق أشد قبحاً وميراث مجازاً بالاستعارة أو الجملة استعارة تمثيلية أو المراد ميراث ما فيهما لأَن أخذ الظرف مستلزم لأَخذ ما فيه أو المراد يرثهما وما فيهما ولو كان لا علاقة لأَخذهما لأَن أخذهما تأْكيد وتحقيق لأَخذ ما فيهما {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أنفَقَ} ومن لم ينفق وقدم منكم وهو حال مما بعده تنويهاً بشأن المؤمنين مطلقا {مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاَتَلَ} أى فتح مكة وال للعهد وهو الصحيح المشهور أو فتح الحديبية، سمى فتحاً لأَن فتح مكة بنى عليه فانظر ما مر فى سورة الفتح، قال أبو سعيد الخدرى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : يوشك أن يأَتي قوم تحتقرون أعمالكم مع أعمالهم. قلنا: من هم يا رسول الله، أقريش؟ قال: لا لكنهم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً. فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو كان لأَحدهم جبل من ذهب فأَنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه إِلاَّ أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح"تفسير : : الآية وذلك خطاب للصحابة وتفضيل لبعض على بعض وزجر للمتأَخر عنهم أن يحقر المتقدم، جرى كلام بين خالد وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما فقال خالد: تستطيلون علينا بأَيام سبقتمونا بها فقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم" تفسير : {أُوْلَئِكَ}المنفقون من قبل الفتح المقاتلون فى سبيل الله عز وجل وكل من إِشارة البعد ووضعها موضع الإِضمار للتعظيم والجمع نظر لمعنى من والإِفراد قبل نظر للفظها {أعْظَمُ دَرَجَةً} منزلة {مِّنَ الَّذِينَ أنفَقُوا مِن بَعْدُ} بعد الفتح {وَقَاتَلُوا} لأَن الإِنفاق والقتال قبل الفتح أشد على النفس لقلة المال وقلة المسلمين وكثرة المشركين وقلة الطمع فى الغنائم {وَكُلاًّ} ممن قاتل وأنفق قبل الفتح ومن أنفق وقاتل بعده لا الفريق الأَول فقط وقدم المفعول على طريق الاهتمام {وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى} الأَشياء الحسنى أو المثوبة الحسنى النصر والغنيمة والجنة ورضاه {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وعد ووعيد أى عالم بظاهر الأَشياء وبواطنها فيجازى كلاً على قدر عمله فللسابقين الأَولين من المهاجرين والأَنصار فضل على غيرهم وللمقاتلين المنافقين قبل الفتح فضل على من فعل بعد ولمن أنفق وقاتل قبل وبعد فضل على الفريقين وللصديق فضل على الكل قال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : ليس أحد آمن عليَّ بصحبته من أبي بكر"تفسير : ، روى عن الكلبى أن الآية فى أبى بكر أنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله فى سبيل الله وذبَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن مسعود أول من أظهر إِسلامه النبى - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قال ابن عمر كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها فى صدره بخلال فنزل جبريل فقال: مالى أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها فى صدره بخلال؟ قال: أنفق علىَّ ماله قبل الفتح قال فإِن الله عز وجل قال اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عنى فى فقرك هذا أم ساخط؟ فقال: أأسخط على ربى، إِنى على ربى راض، إِنى على ربى راض وفى ذلك وفى الآية فضل أبى بكر على غيره. {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا} استفهام حث وتحضيض على القرض الحسن متضمن للتوبيخ على تركه والقرض الحسن أن يكون من حلال مع إخلاص وأن يكون مما يحبه وأن يضعه فى أهله وأن يكتمه ولا يمن به ويكون من أحب ماله إِليه وأن يستحقره ولو كثر أو عظم وأن لا يرى عز نفسه على الفقير وزاد بعض أن يحتاج هو إِلى ما أنفق فذلك عشرة شروط ولا يخرج القرض عن كونه حسنا، إِذا كان من أوسط ماله أو من رديئه أو كريهه إِذا لم يتيسر له فى الحال إِلا رديئة أو كريهه ولا إِذا لم يكتمه لأَمر لا بد منه لا رياء ولا سمعة ولا إِذا ذكره لمن يقتدى به مع خلوص النية ولا إِذا دُعِىَ المعْطَى ليأخذه ولم يحمله إِليه ولا إِذا أعطاه من لم يحتج جداً أو لم يحتج البتة ولكن له سرور به وأنت تعرف أن الحسن يتفاوت، فالحمل إِلى المعْطَى أحسن من دعائه والآية تشمل ما أعطى وأمضى وما أعطى سلفا لوجه الله فإِنه صدقة أيضا، سمى الصدقة قرضا تشبيها بالقرض إِذ يرد الله تعالى إِليه بها الثواب {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} يعطيه اثنين أو ثلاثا فصاعدا إِلى سبعمائة وأكثر وإِذا أعطاه الله تعالى عليه ما دون العشر، فلكل مما أعطاه عشر فصاعدا لأَن الحسنة بعشر ولا تكون دونها {وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ} الواو للحال فليس الأَجر الكريم زيادة على المضاعفة والمعنى فى حال أن تلك المضاعفة أجر كريم أو فى حال أن تلك المضاعفة فى العدد مضاعفة فى الكيف كريمة ويجوز العطف بالواو على أن الإِضعاف من محض الفضل والمثل فضل أيضا سماه أجراً لأَن الثواب على العمل بلا مضاعفة فضل من الله أيضا، إِذ لا واجب على الله، وإِذ ثواب الله لا يقابله عمل ما، لأَنه هو الموفق إِليه، ولأَنه لو حوسب لعذب ولم ينصب المضارع فى جواب الاستفهام لأَن المراد انسحاب الاستفهام حثهم على الإِقراض الحسن، وأن يكون على وجه يضاعف لا على وجه لا يثاب عليه، فضلا عن أن يضاعف ولا يوجد هذا المعنى بوضوح فى النصب، وكأَنه قيل أيقرض فيضاعف. {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} متعلق بيضاعف أو باستقرار له أجر أو بله الأَخير أو بمحذوف نعت لأَجر ولا دليل على تقدير اذكر مع وجود متعلق بلا داع والخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له على العموم البدلى {يَسْعَى نُورُهُم} حال من المؤمنين والمؤمنات وإِن جعلت الرؤية علمية فمفعول ثان والنور حسى على الصحيح وهو قول الجمهور وقيل معنوى وهو نجاتهم وفوزهم. وفى حديث ابن مسعود منهم من نوره كالجبل ومن نوره كالنخلة وأدناهم من نوره على إِبهامه، وذلك على قدر أعمالهم، كما قيل نورهم القرآن وكما قيل عن الضحاك: نورهم الهدى والرضوان الذى هم فيه، وعن ابن مسعود: نورهم على قدر إِيمانهم فمنهم من نوره كالنخلة، ومنهم من نوره كالرجل القائم وأدناكم نورا من نوره على إِبهامه فيطفأ تارة ويقد أُخرى، وعن قتادة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : من المؤمنين من نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ومن دون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضئ له إِلاَّ موضع قدميه"تفسير : وقيل نورهم كتب أعمالهم. {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} يسعون به إِلى الجنة لأَن السعداء يعطون كتبهم من جهتين الأَمام واليمين، كما أن الأَشقياء يعطونها من جهتين الخلف واليسرى، فنور يمينهم يضئ به الخلف والشمال والفوق، ونور الأَمام يضئ به الجهة التى يمضون إِليها جعلنا الله عز وجل منهم بفضله، وقيل المراد فى الآية جميع الجهات، وقال الجمهور نور الأَمام هو من نور اليمين وقيل الباء بمعنى عن، والمعنى فى جهاتهم، وخص اليمين بالذكر تشريفا، روى عن أبى ذر وأبى الدرداء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له فيرفع رأسه فأَرفع رأسي، فأَنظر بين يدي وعن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأَعرف أُمتي بين الأُمم"، فقيل يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأُمم ما بين نوح عليه السلام إِلى أُمتك. قال: "غُر محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأَحد غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأَيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم"" تفسير : وظاهر الحديث تخصيص هذه الأُمة بالنور وإِعطاء الكتب بالأَيمان. والآية هذه كسائر الأَخبار تفيد عموم مؤمنى الأُمم السابقة بالنور ويدل له حديث أبى أُمامة حديث : تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله تعالى بالنور للمؤمنين بقدر أعمالهم تفسير : وحديث ابن عباس رضى الله عنهما حديث : بينما الناس في ظلمة إِذ بعث الله تعالى نوراً، فإِذا رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلا لهم من الله عز وجل إِلى الجنةتفسير : . وأقول المراد فى الحديث الأَول أنه يعرف هذه الأُمة بإِيتاء كتبهم بأَيمانهم إِيتاء فوق إِيتاء الأُمم وبنور فوق نور الأُمم أو يمتاز إِيتاؤهم ونورهم عما للأُمم بنور تمييز، أو لم يذكر إِيتاء مؤمنى الأُمم ونورهم لقلتهم بالنسبة إِلى مؤمنى هذه الأُمة {بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ} الجملة مفعول لحال تقدر بعد المفعول الثانى لرأى أو لحال بعد حال أى مقولا لهم بشراكم اليوم وجنات أو مفعول لقول مستأَنف أى يقال لهم بشراكم اليوم جنات، والقائل الملائكة وبشرى بمعنى ما يبشرون اسم مصدر، هو تبشير بمعنى مفعول، ويقدر مضاف أى دخول جنات لأَن البشارة لا تكون بالأَعيان وإِذا قيل بشرته بولد فالمعنى بولادة ولد، وإِذا قيل بشرته بضالته فالمراد بوجود ضالته ومعنى قوله تعالى بشرناه بإِسحاق وبشرناه بغلام بشرناه بوعد ما ذكر أو بوجوده بعد، كما تقرر أن الأَحكام لا تعلق بالذوات ولا أشكال واليوم متعلق ببشراكم. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} نعت جنات {خَالِدِينَ فِيهَا} حال سببية من جنات جارية علىغيرما هى له ولم يبرز الضمير مع ذلك لظهور المراد وكذا فى النعت الجارى على غير ما هو له والصلة والخبر لمولو أبرز لقيل خالدا هم فيها وهم فاعل خالدا على طريق الالتفات إِلى الغيبة، أو خالدا أنتم فيها على عدم الالتفات وأنتم فاعل خالدا ويجوز أن تكون نعتا لجنات كأَنه قيل الجنات التى خلدوا فيها. {ذّلِكَ} المذكور من النور والتبشير على أن هذا من كلام الله تعالى أو ذلك الذى هم فيه من النور وغيره، أو ذلك المذكور من الجنات أو تلك الجنات لكن أفرد لتأويل ما ذكر، وذكر لأَن الخبر مذكر وهو الفوز على أن هذا كلام من الملائكة. {هُوَ الْفَوْزُ} مصدر بمعنى مفعول أى المفوز به أو يقدر مضاف فيبقى على المصدرية أى حصول ذلك أو تحصيل ذلك هو الفوز {الْعَظِيمُ} لا فوز دونه. {يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} وذكر المنافقات ولم يدخلهن فى لفظ المنافقين لزيادة بيان حالهم القبيحة، والمقام لذلك بخلاف المؤمنات فدخلن فى الذين آمنوا، ويوم بدل من يوم أو يتعلق بالفوز، فيكون الأَمر أشد على المنافقين حسرة وللمؤمنين فرحا أى تفوزون يوم يخسر المنافقون والمنافقات وظهور المرء يوم خمول عدوه مضادة أبدع، وقيل لا يوصف المصدر قبل مجئ متعلقه، قال بعضهم من استعمل ذلك على خلاف قوله: شعر : إِن وجدى بك الشديد أرانى تفسير : فقد أخطأَ ولو علق بعظيم لسلم من ذلك. {لِلَّذِينَ آمَنُوا} إِيمانا خالصا من النفاق {انظُرُونَا} انتظرونا لنمشى قريبا منكم أو انظروا إِلينا فحذف الجار وانتصب المجرور ويدل للأَول قراءة فتح الهمزة وكسر الظاء بمعنى أمهلونا {نَقْتَبِسْ} نأَخذ القبس أى الجذوة أى قطعة كقطعة من النار {مِن نُّورِكُمْ} شبه النور بالنار لجامع الإِضاءة ورمز إِلى ذلك باقتبس وذلك أن للمؤمنين - كما مر - نورا عن يمينهم وأمامهم أو فى جميع جهاتهم والمنافقون فى ظلمة، وقيل يكون لهم ضعيف فيطفأ، فإِذا أُطفئ قالوا انظرونا الخ، وقال المؤمنون ربنا أتمم لنا نورنا لا تسلبه عنا كما سلبت عن المنافقين نورهم، ويروى أن الله عز وجل يرسل ظلمة على الناس فيستغيثون ربهم فيعطى المؤمنين نورا عظيما والمنافقين نورا ضعيفا، ويمشون إِلى الجنة جميعا فيطفأ نور المنافقين ويترددون فى الظلمة ويقولون انظرونا الخ. {قِيلَ} قال المؤمنون لأَنهم المذكورون المقول لهم انظرونا فهم المجيبون وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما وقال مقاتل قال الملائكة وعلى القولين الجملة استئناف جواب كأَنه قيل فماذا أجيبوا به فقيل قيل {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ} خلفكم، يقال رجع وراءه أو وراء اسم فعل بمعنى تأَخروا إِلى ورائكم، وعلى كلٍ هو تأَكيد يقال وراءك أوسع بنصبها أى ارجع وراءك تجد مكانا أوسع لك، ويروى برفعها. قال أبو أُمامة من التابعين ارجعوا إِلى المكان الذى قسم فيه النور {فَالْتَمِسُوا نُورًا} اطلبوا نورا وهذا استهزاء بهم كما استهزءوا بالمؤمنين فى الدنيا، إِذ قالوا آمنا ولم يؤمنوا. قال الله تعالى: يستهزؤ بهم أى حين يقال لهم ارجعوا وراءكم، وعن أبى أُمامة يقال لهم: ارجعوا وراءكم فيرجعون إِلى المكان الذى قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فيرجعون إِلى المؤمنين، وقد ضرب بينهم بسور وذلك خدعة كما خدعوا المؤمنين يخادعون الله وهو خادعهم، وقيل وراءكم الدنيا والتمسوا نورا هو الإِيمان والعمل الصالح، أو تنحوا عنا والتمسوا نورا غير هذا، لا سبيل لكم إِلى هذا النور ولا نور لكم عندنا فيرجعون إِلى الموقف فلا يجدون شيئا وذلك تهكم. {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ} بين الفريقين {بِسُورٍ} هو الأَعراف وقيل غيره، والباء زائدة وسور نائب الفاعل، كذا قيل والصحيح أنها غير زائدة والجار والمجرور نائب الفاعل أى فرق بينهم بسور {لَّهُ بَابٌ} الجملة نعت سور. {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} الجملة نعت باب أو نعت ثان لسور والهاء للسور أو الباب والرحمة الجنة وما فيها للمؤمنين {وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ} من جهته والهاء للباب أو السور أو الباطن {الْعَذَابُ} النار وما فيها للمنافقين والمشركين ولا يصح ما قيل إِن هذا السور فى موضع الجدار الشرقى من بيت المقدس عند الموضع الذى يقال له الآن وادى جهنم، وباطنه الذى فيه الرحمة هو المسجد وكأَنه قيل فماذا قالوا بعد ضرب السور فأَجاب بقوله عز وجل {يُنَادُونَهُمْ} أى ينادون المسلمين. {ألَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} فى الدنيا نقول لا إِله إِلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {قَالُوا} أى المسلمون {بَلَى} لستم لم تكونوا معنا بل كنتم {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أنفُسَكُمْ} صرفتموها عما تقولون بأَلسنتكم أو أهلكتموها بمخالفة ما فى ألسنتكم {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالمؤمنين الدوائر وأخرتم الصدق والعمل بما تقولون لعدم صدقكم {وَارْتَبْتُمْ} شككتم فى أُمور الدين {وَغرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ} جمع أمنية وأصل هذا المفرد أمنوية بضم الهمزة والنون وإِسكان الميم والواو، قلبت الواو ياء وأُدغمت فى الياء والضمة كسرة بوزن أفعولة وهو المنى العظيم كأُعجوبة وأُضحوكة، وأُحدوثة وأُنكوحة، وذلك أنهم يتمنون أشياء باطلة كانتكاس الإِسلام وموت النبى - صلى الله عليه وسلم - ورجوع العز إِليهم. وعن ابن عباس: فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات، وتربصتم بالتوبة وارتبتم، قيل شككتم فى الله وغرتكم الأَمانى وطول الآمال. وقال أبو سنان قلتم سيغفر لنا، قال جابر بن عبد الله حديث : رأيت رجلا أبيض الوجه حسن الشعر واللون عليه ثياب بيض، أتى فقال يا رسول الله السلام عليك فقال - صلى الله عليه وسلم - عليك السلام ورحمة الله. فقال يا رسول الله ما الدنيا؟ فقال: حلم نائم وأهلها مجازون ومعاقبون. قال: يا رسول الله وما الآخرة؟ قال: لا بد فريق فى الجنة وفريق فى السعير، فقال: يا رسول الله ما الجنة؟ قال: بدل الدنيا لتاركها، نعيمها أبدا. قال: ما جهنم؟ قال: بدل الدنيا لطالبها لا يفارقها أبدا، قال: فمن خير هذه الأُمة؟ قال: العامل بطاعة الله عز وجل. قال: فكيف يكون الرجل فيها؟ قال: مشمرا كطالب القافلة، قال: فكم القرار فيها؟ قال: قدر المتخلف عن الرفقة. قال: فكم بين الدنيا والآخرة؟ قال: غمض عين. قال: فذهب الرجل فلم نره. فقال - صلى الله عليه وسلم -: هذا جبريل يزهدكم فى الدنيا ويرغبكم فى الآخرة . تفسير : {حتَّى جَاءَ أمْرُ اللهِ} أى الموت {وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ} الشيطان قال لكم إِن الله غفور كريم لا يعذبكم وهو صفة مبالغة والمراد الجنس ويجوز أن يكون المراد إِبليس لأَنه سن المعصية لكل عاص، وما زال يأمر بها فما فعل أتباعه فهو فعل له. قال الإِمام على من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا من النار مهربا، عرف الله تعالى فأَطاعه وعرف الشيطان فعصاه وعرف الحق فاتبعه وعرف الباطل فاتقاه وعرف الدنيا فرفضها وعرف الآخرة فطلبها. وروى أنه رأى فى سفر له - صلى الله عليه وسلم شاة ميتة يتحرك الدود فيها فوقف حتى جاء القوم فقال: حديث : أترون هذه هانت على أهلها واستغنوا عنها. قالوا: نعم. قال: والذى نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله منها على أهلها .
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } بيان لبعض أحكام ملكهما وقد مر تفسيره مراراً {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } مر بيانه في سورة سبأ [2] {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ }تفسير : تمثيل لإحاطة علمه تعالى بهم وتصوير لعدم خروجهم عنه أينما كانوا، وقيل: المعية مجاز مرسل عن العلم بعلاقة السببية والقرينة السابق واللحاق مع استحالة الحقيقة، وقد أول السلف هذه الآية بذلك، أخرج البيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أنه قال فيها: عالم بكم أينما كنتم. وأخرج أيضاً عن سفيان الثوري أنه سئل عنها فقال: علمه معكم، وفي «البحر» أنه اجتمعت الأمة على هذا التأويل فيها وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات وهي حجة على منع التأويل في غيرها مما يجري مجراها في استحالة الحمل على الظاهر، وقد تأول هذه الآية وتأول «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، ولو اتسع عقله لتأول غير ذلك مما هو في معناه انتهى. وأنت تعلم أن الأسلم ترك التأويل فإنه قول على الله تعالى من غير علم ولا نؤوّل إلا ما أوّله السلف ونتبعهم فيما كانوا عليه فإن أوّلوا أوّلنا وإن فوضوا فوضنا ولا نأخذ تأويلهم لشيء سلماً لتأويل غيره، وقد رأيت بعض الزنادقة الخارجين من ربقة الإسلام يضحكون من هذه الآية مع قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ }, ويسخرون من القرآن الكريم لذلك، وهو جهل فظيع وكفر شنيع نسأل الله تعالى العصمة والتوفيق. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عبارة عن إحاطته بأعمالهم وتأخير صفة العلم الذي هو من صفات الذات عن الخلق الذي هو من صفات الأفعال مع أن صفات الذات متقدمة على صفات الأفعال لما أن المراد الإشارة إلى ما يدور عليه الجزاء من العلم التابع للمعلوم، وقيل: إن الخلق دليل العلم إذ يستدل بخلقه تعالى وإيجاده سبحانه لمصنوعاته المتقنة على أنه عز وجل عالم ومن شأن المدلول التأخر عن الدليل لتوقفه عليه.
ابن عاشور
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش}. موقع هذه الجملة استنئاف كموقع جملة {أية : هو الأول والآخر}تفسير : [الحديد: 3] الآية، فهذا استئناف ثان مفيد الاستدلال على انفراده تعالى بالإِلهية ليقلعوا عن الإِشراك به. ويفيد أيضاً بياناً لمضمون جملة {أية : له ملك السمٰوات والأرض}تفسير : [الحديد: 5] وجملة {أية : وهو على كل شيء قدير}تفسير : [الحديد: 2]، فإن الذي خلق السماوات والأرض قادر على عظيم الإِبداع. والاستواءُ على العرش تمثيل للمُلك الذي في قوله: {أية : له ملك السمٰوات والأرض}تفسير : [الحديد: 2] وهذا معنى اسمه تعالى: «الخالق»، وتقدم قريب من هذه الآية في أوائل سورة الأعراف (11). {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}. استئناف لتقرير عموم علمه تعالى بكل شيء فكان بيانَ جملة {أية : وهو على كل شيء قدير}تفسير : [الحديد: 2] وجملة {أية : وهو بكل شيء عليم}تفسير : [الحديد: 3] جارياً على طريقة النشر للَّف على الترتيب، وتقدم نظير هذه الآية في سورة سبأ. فانظر ذلك. {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}. عطف معنى خاص على معنى شمله وغيرَه لقصد الاهتمام بالمعطوف. والمعيّة تمثيل كنائي عن العلم بجميع أحوالهم. و{أين ما} ظرف مركب من (أين) وهي اسم للمكان، و (ما) الزائدة للدلالة على تعميم الأمكنة. وجملة {والله بما تعملون بصير} تكملة لمضمون {وهو معكم أين ما كنتم}، وكان حقها أن لا تعطف وإنما عطفت ترجيحاً لجانب ما تحتوي عليه من الخبر عن هذه الصفة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قوله: {فِى سِتَّةِ أَيَّامِ}. قد قدمنا إيضاحه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت:9] - إلى قوله تعالى- {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}تفسير : [فصلت: 12]، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام}تفسير : [الأعراف: 54]. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْش} قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلْلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [الأعراف: 54] الآية. وذكرنا طرفاً صالحاً من ذلك في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ}تفسير : [محمد: 24]. قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}. قد قدمنا إيضاحه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى:{أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}تفسير : [سبأ: 2]. قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}. قد قدمنا إيضاحه وبينا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة. والمعية الخاصة، مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}تفسير : [النحل: 128].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {أَيْنَ مَا} (4) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خَلْقاً مُبْتَدأً وَدَبَّرَهُنَّ، وَخَلَقَ مَا فِيهِنَّ فِي سِتَّةِ أَيَّامِ (وَهَذِهِ الأَيَّامُ لاَ يَعْرِفُ كُنْهَهَا أَحَدٌ، وَهِيَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَتْ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا)، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ مِنْ خَلْقٍ، وَمَا يَنْزِل فِيهَا مِنْ حَبَّاتِ المَطَرِ، وَالحَبِّ وَالنَّوْرِ... وَيَعْلَمُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ مِنْ زَرْعٍ وَنَبَاتٍ وَثِمَارٍ وَمَعَادِنَ وَمَاءٍ... وَيَعْلَمُ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ، وَيَعْلَمُ مَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنَ الأَرْضِ (يَعْرُجُ فِيهِا) كَالأَبْخِرَةِ المُتَصَاعِدَةِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.. وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَى أَعْمَالِ العِبَادِ، وَنِيَّاتِهِمْ، أَيْنَمَا كَانُوا، وَيَعْلَمُ مُتَقَلَّبَهُمْ وَمَثْوَاهُمْ. اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ - اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):