Verse. 5082 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

اٰمِنُوْا بِاللہِ وَرَسُوْلِہٖ وَاَنْفِقُوْا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُّسْتَخْلَفِيْنَ فِيْہِ۝۰ۭ فَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْكُمْ وَاَنْفَقُوْا لَہُمْ اَجْرٌ كَبِيْرٌ۝۷
Aminoo biAllahi warasoolihi waanfiqoo mimma jaAAalakum mustakhlafeena feehi faallatheena amanoo minkum waanfaqoo lahum ajrun kabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«آمنوا» داوموا على الإيمان «بالله ورسوله وأنفقوا» في سبيل الله «مما جعلكم مستخلفين فيه» من مال من تقدمكم وسيخلفكم فيه من بعدكم، نزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك «فالذين آمنوا منكم وأنفقوا» إشارة إلى عثمان رضي الله عنه «لهم أجر كبير».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {آمنوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعاً من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة، أتبعها بالتكاليف، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله، فإن قيل قوله: {ءَامَنُواْ } خطاب مع من عرف الله، أو مع من لم يعرف الله، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرفه من عرف، فيكون ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال، وإن كان الثاني، كان الخطاب متوجهاً على من لم يكن عارفاً به، ومن لم يكن عارفاً به استحال أن يكون عارفاً بأمره، فيكون الأمر متوجهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وهذا تكليف مالا يطاق والجواب: من الناس من قال: معرفة وجود الصانع حاصلة للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات. ثم قال تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لهم أجرٌ كبيرٌ } في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه أمر الناس أولاً بأن يشتغلوا بطاعة الله، ثم أمرهم ثانياً بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله، كما قال: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 91]، فقوله: {قُلِ ٱللَّهُ } هو المراد ههنا من قوله: { آمنوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } وقوله: {ثُمَّ ذَرْهُمْ } هو المراد ههنا من قوله: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ }. المسألة الثانية: في الآية وجهان الأول: أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه الثاني: أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث، فاعتبروا بحالهم، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها. المسألة الثالثة: اختلفوا في هذا الإنفاق، فقال بعضهم: هو الزكاة الواجبة، وقال آخرون: بل يدخل فيه التطوع، ولا يمتنع أن يكون عاماً في جميع وجوه البر، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجراً كبيراً فقال: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له. واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير، فلم قلتم: إنها تدل على أنه لا أجر له أصلاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدّقوا أن الله واحد وأن محمداً رسوله {وَأَنفِقُواْ} تصدّقوا. وقيل أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد الزكاة المفروضة. وقيل: المراد غيرها من وجوه الطاعات وما يقرب منه {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله فيثيبه على ذلك بالجنة. فمن أنفق منها في حقوق الله وهان عليه الإنفاق منها، كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم. وقال الحسن: {مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم. وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النوّاب والوكلاء، فاغتنموا الفرصة فيها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وعملوا الصالحات {مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ} في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة. قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} ٱستفهام يراد به التوبيخ. أي أيّ عذر لكم في ألاّ تؤمنوا وقد أزيحت العلل؟! {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} بيّن بهذا أنه لا حكم قبل ورود الشرائع. وقرأ أبو عمرو: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} على غير مسمى الفاعل. والباقون على مسمَّى الفاعل؛ أي أخذ الله مِيثاقكم. قال مجاهد: هو الميثاق الأوّل الذي كان وهم في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إلٰه لكم سواه. وقيل: أخذ مِيثاقكم بأن ركّب فيكم العقول، وأقام عليكم الدلائل والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إذ كنتم. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بالحجج والدلائل. وقيل: أي إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام؛ فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمِنين بالله خالقكم. وكانوا يعترفون بهذا. وقيل: هو خطاب لقوم آمنوا وأخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم ميثاقهم فارتدوا. وقوله: {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم تقرون بشرائط الإيمان. قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يريد القرآن. وقيل: المعجزات؛ أي لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لما معه من المعجزات، والقرآنُ أكبرها وأعظمها. {لِّيُخْرِجَكُمْ} أي بالقرآن. وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة. {مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ} وهو الشرك والكفر {إِلَى ٱلنُّورِ} وهو الإيمان. {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.

ابن كثير

تفسير : أمر تبارك وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه، أي: مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم، ثم صار إليكم، فأرشد الله تعالى إلى استعمال ما استخلفتم فيه من المال في طاعته، فإن تفعلوا، وإلا حاسبكم عليه، وعاقبكم لترككم الواجبات فيه. وقوله تعالى: {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفاً عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه، فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف، يعني: ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: «حديث : ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ماأكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» تفسير : ورواه مسلم من حديث شعبة، به، وزاد: «حديث : وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس.»تفسير : وقوله تعالى: {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة، ثم قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ}؟ أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به؟ وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «حديث : أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً؟» تفسير : قالوا: الملائكة. قال: «حديث : وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟» تفسير : قالوا: فالأنبياء. قال: «حديث : ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟» تفسير : قالوا: فنحن. قال: حديث : ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟، ولكن أعجب المؤمنين إيماناً قوم يجيئون بعدكم، يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» تفسير : . وقد ذكرنا طرفاً من هذه الرواية في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3]. وقوله تعالى: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ} كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [المائدة: 7] ويعني بذلك: بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وزعم ابن جرير: أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وهو مذهب مجاهد، فالله أعلم. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} أي: حججاً واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ} أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: في إنزاله الكتب، وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل، وإزالة الشبه. ولما أمرهم أولاً بالإيمان والإنفاق، ثم حثهم على الإيمان، وبين أنه قد أزال عنهم موانعه، حثهم أيضاً على الإنفاق فقال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}؟ أي: أنفقوا ولا تخشوا فقراً وإقلالاً؛ فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض، وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [سبأ: 39]. وقال: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ} تفسير : [النحل: 96] فمن توكل على الله، أنفق ولم يخش من ذي العرش إقلالاً، وعلم أن الله سيخلفه عليه. وقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ} أي: لا يستوي هذا، ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديداً، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح، فإنه ظهر الإسلام ظهوراً عظيماً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً. ولهذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا: فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا: صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد، أو مثل الجبال ذهباً، ما بلغتم أعمالهم» تفسير : ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم، وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك. والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.»تفسير : وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب: أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» تفسير : فقلنا: من هم يارسول الله أقريش؟ قال: «حديث : لا، ولكن أهل اليمن، هم أرق أفئدة، وألين قلوباً» تفسير : فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: «حديث : لو كان لأحدهم جبل من ذهب، فأنفقه، ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}» تفسير : . وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في الصحيحين من رواية جماعة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ذكر الخوارج: «حديث : تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»تفسير : . الحديث، ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر، فقال: حدثني ابن البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم عن أبي سعيد التمار عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» تفسير : قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش، قال: «حديث : لا، ولكن أهل اليمن؛ لأنهم أرق أفئدة، وألين قلوباً» تفسير : وأشار بيده إلى اليمن، فقال: «حديث : هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية» تفسير : فقلنا: يارسول الله هم خير منا؟ قال: «حديث : والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه، ما أدى مد أحدكم ولانصيفه» تفسير : ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال: «حديث : ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}»تفسير : . فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذلك محفوظاً كما تقدم، فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخباراً عما بعده؛ كما في قوله تعالى في سورة المزمل، وهي مكية من أوائل ما نزل: {أية : وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [المزمل: 20] الآية. فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} يعني: المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء؛ كما قال تعالى: {أية : لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 95] وهكذا الحديث الذي في الصحيح: «حديث : المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» تفسير : وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر، والثناء عليه، مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول، وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث: «حديث : سبق درهم مئة ألف» تفسير : ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها. وقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: «حديث : أنفق ماله علي قبل الفتح» تفسير : قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أبا بكر إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟» تفسير : فقال أبو بكر رضي الله عنه: أسخط على ربي عز وجل؟ إني عن ربي راض. هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه، والله أعلم. وقوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية، ولهذا قال تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} كما قال في الآية الأخرى، {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي: جزاء جميل ورزق باهر، وهو الجنة يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: «حديث : نعم ياأبا الدحداح» تفسير : قال: أرني يدك يارسول الله قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمئة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: ياأم الدحداح قالت: لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح ونقلت منه متاعها وصبيانها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» تفسير : وفي لفظ: «حديث : رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {ءَامَنُواْ } دوموا على الإِيمان {بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ } في سبيل الله {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } مِن مال من تقدّمكم وسيخلفكم فيه من بعدكم، نزل في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ } إشارة إلى عثمان رضي الله عنه {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {آمنوا بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: صدقوا بالتوحيد، وبصحة الرسالة، وهذا خطاب لكفار العرب. ويجوز أن يكون خطاباً للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الاستمرار عليه، أو الازدياد منه. ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله، فقال: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } أي: جعلكم خلفاء في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه، وقيل: جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم، فلا تبخلوا به. كذا قال الحسن وغيره. وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم، ويصير إلى غيرهم. والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير، وما يرضاه الله على العموم، وقيل: هو خاص بالزكاة المفروضة، ولا وجه لهذا التخصيص. ثم ذكر سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال: {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } أي: الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإنفاق في سبيل الله لهم أجر كبير، وهو الجنة. {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } هذا الاستفهام، للتوبيخ والتقريع، أي: أيّ عذر لكم، وأيّ مانع من الإيمان، وقد أزيحت عنكم العلل، و{ما} مبتدأ، و{لكم} خبره، و{لا تؤمنون} في محل نصب على الحال من الضمير في {لكم}، والعامل ما فيه من معنى الاستقرار، وقيل: المعنى: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا؟ وجملة: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ } في محل نصب على الحال من ضمير لا تؤمنون على التداخل، ولتؤمنوا متعلق بيدعوكم، أي: يدعوكم للإيمان، والمعنى: أيّ عذر لكم في ترك الإيمان، والرسول يدعوكم إليه، وينبهكم عليه؟ وجملة: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَـٰقَكُمْ } في محل نصب على الحال من فاعل يدعوكم على التداخل أيضاً، أي: والحال أن قد أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم، أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد، ووجوب الإيمان. قرأ الجمهور: {وقد أخذ} مبنياً للفاعل، وهو الله سبحانه لتقدم ذكره. وقرأ أبو عمرو على البناء للمفعول. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بما أخذ عليكم من الميثاق، أو بالحجج والدلائل، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب، فهذا من أعظم أسبابه وأوضح موجباته. {هُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ } أي: واضحات ظاهرات، وهي الآيات القرآنية، وقيل: المعجزات والقرآن أعظمها {لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } أي: ليخرجكم الله بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بتلك الآيات، أو بالدعوة {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } أي: لكثير الرأفة والرحمة بليغهما حيث أنزل كتبه، وبعث رسله لهداية عباده، فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه، والاستفهام في قوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ }. للتقريع والتوبيخ، والكلام في إعراب هذا كالكلام في إعراب قوله {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } وفي هذه الآية دليل على أن الإنفاق المأمور به في قوله {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } هو الإنفاق في سبيل الله، كما بينا ذلك، والمعنى: أيّ عذر لكم، وأيّ شيء يمنعكم من ذلك، والأصل في أن لا تنفقوا، وقيل: إن "أن" زائدة، وجملة {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} في محل نصب على الحال من فاعل {أَلاَّ تُنفِقُواْ } أو من مفعوله، والمعنى: أيّ شيء يمنعكم من الإنفاق في ذلك الوجه، والحال أن كل ما في السمٰوات والأرض راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لهم منه شيء، وهذا أدخل في التوبيخ، وأكمل في التقريع، فإن كون تلك الأموال تخرج عن أهلها، وتصير لله سبحانه، ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة، وهم: خلفاؤه في التصرّف فيها. ثم بيّن سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، فقال: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ } قيل: المراد بالفتح: فتح مكة، وبه قال أكثر المفسرين. وقال الشعبي، والزهري: فتح الحديبية، قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وكذا قال مقاتل وغيره، وفي الكلام حذف، والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح {وَقَـٰتَلَ } ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف لظهوره، ولدلالة ما سيأتي عليه، وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعد الفتح؛ لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقلّ وأضعف، وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم، ولا يجدون ما يجودون به من الأموال. شعر : والجود بالنفس أقصى غاية الجود ، تفسير : والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى "من" باعتبار معناها، وهو مبتدأ وخبره {أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ } أي: أرفع منزلة وأعلا رتبة من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله من بعد الفتح، وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها. قال الزجاج: لأن المتقدّمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضاً أنفذ. وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صحّ عنه: «حديث : لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه»تفسير : وهذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم للمتأخرين وصحبه، كما يرشد إلى ذلك السبب الذي ورد فيه هذا الحديث {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي: وكل واحد من الفريقين وعد الله المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت درجاتهم فيها. قرأ الجمهور {وكلاً} بالنصب على أنه مفعول به للفعل المتأخر. وقرأ ابن عامر بالرفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ومثل هذا قول الشاعر:شعر : قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي عليّ ذنباً كله لم أصنع تفسير : {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } أي: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله، فإنه كمن يقرضه، والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً قد أقرض، ومنه قول الشاعر:شعر : وإذا جوزيت قرضاً فأجزه إنما يجزى الفتى ليس الجمل تفسير : قال: الكلبي {قَرْضًا } أي: صدقة {حَسَنًا } أي: محتسباً من قلبه بلا منّ ولا أذى. قال مقاتل: حسناً، طيبة به نفسه، وقد تقدّم تفسير الآية في سورة البقرة {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } قرأ ابن عامر، وابن كثير: (فيضعفه) بإسقاط الألف إلاّ أن ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء، وقرأ نافع، وأهل الكوفة، والبصرة، {فيضاعفه} بالألف وتخفيف العين إلاّ أن عاصماً نصب الفاء، ورفع الباقون. قال ابن عطية: الرفع على العطف على {يقرض}، أو الاستئناف والنصب لكون الفاء في جواب الاستفهام. وضعف النصب أبو عليّ الفارسي قال؛ لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما وقع عن فاعل القرض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى؛ كأن قوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ } بمنزلة قوله أيقرض الله أحد {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وهو الجنة، والمضاعفة هنا هي كون الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يوشك أن يأتي قوم يحقرون أعمالكم مع أعمالهم»تفسير : ، قلنا من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال:«حديث : لا، ولكنهم أهل اليمن، هم: أرقّ أفئدة، وألين قلوباً» تفسير : فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال:«حديث : لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مدّ أحدكم، ولا نصيفه، إلاّ أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ }» تفسير : الآية وهذا الحديث قال ابن كثير: هو غريب بهذا الإسناد، وقد رواه ابن جرير، ولم يذكر فيه الحديبية. وأخرج أحمد عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد، وبين عبد الرحمٰن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمٰن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال:«حديث : دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم»تفسير : والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ«حديث : لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه»تفسير : وفي لفظ «حديث : ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»تفسير : أخرج هذا الحديث البخاري، ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره.

الماوردي

تفسير : {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تحتمل هذه النفقة وجهين: أحدهما: أن تكون الزكاة المفروضة. والثاني: أن يكون غيرها من وجوه الطاعات. وفي {ما جَعَلَكْم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} قولان: أحدهما: يعني مما جعلكم معمرين فيه بالرزق، قاله مجاهد. الثاني: مما جعلكم مستخلفين فيه بوراثتكم له عمن قبلكم، قاله الحسن. ويحتمل ثالثاً: مما جعلكم مستخلفين على القيام بأداء حقوقه. {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} يحتمل وجهين: أحدهما: معناه ولله ملك السموات والأرض. الثاني: أنهما راجعان إليه بانقباض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق. {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} فيه قولان: أحدهما: لا يستوي من أسلم من قبل فتح مكة وقاتل ومن أسلم بعد فتحها وقاتل، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: يعني من أنفق ماله في الجهاد وقاتل، قاله قتادة. وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله زيد بن أسلم. الثاني: فتح الحديبية، قاله الشعبي، قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الأخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. {وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} فيه قولان: أحدهما: أن الحسنى الحسنة، قاله مقاتل. الثاني: الجنة، قاله مجاهد. ويحتمل ثالثاً: أن الحسنى القبول والجزاء. {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرضُ اللَّه قَرْضاً حَسَناً} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أن القرض الحسن هو أن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله والله أكبر، رواه سفيان عن ابن حيان. الثاني: أنه النفقة على الأهل، قاله زيد بن أسلم. الثالث: أنه التطوع بالعبادات، قاله الحسن. الرابع: أنه عمل الخير، والعرب تقول لي عند فلان قرض صدق أو قرض سوء، إذا فعل به خيراً أو شراً، ومنه قول الشاعر: شعر : وتجزي سلاماً من مقدم قرضها بما قدمت أيديهم وأزلت تفسير : الخامس: أنه النفقة في سبيل الله، قاله مقاتل بن حيان. وفي قوله: {حَسَناً} وجهان: أحدهما: طيبة بها نفسه، قاله مقاتل. الثاني: محتسباً لها عند الله، قاله الكلبي، وسمي قرضاً لاستحقاق ثوابه، قاله لبيد: شعر : وإذا جوزيت قرضاً فاجزه إنما يجزى الفتى ليس الجمل تفسير : وفي تسميته {حَسَناً} وجهان: أحدهما: لصرفه في وجوه حسنة. الثاني: لأنه لا مَنَّ فيه ولا أذى. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} فيه وجهان: أحدهما: فيضاعف القرض لأن جزاء الحسنة عشر أمثالها. الثاني: فيضاعف الثواب تفضلاً بما لا نهاية له. {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فيه أربعة أوجه: أحدها: لم يتذلل في طلبه. الثاني: لأنه كريم الخطر. الثالث: أن صاحبه كريم. فلما سمعها أبو الدحداح تصدق بحديقة فكان أول من تصدق بعد هذه الآية. وروى سعيد بن جبير أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية، فقالوا يا محمد، أفقير ربك يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَولَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ} الآية. {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} وفي نورهم ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ضياء يعطيهم الله إياه ثواباً وتكرمة، وهذا معنى قول قتادة. الثاني: أنه هداهم الذي قضاه لهم، قاله الضحاك. الثالث: أنه نور أعمالهم وطاعتهم. قال ابن مسعود: ونورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم مَن نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً مَن نوره على إبهام رجله يوقد تارة ويطفأ أخرى. وقال الضحاك: ليس أحد يعطى يوم القيامة نوراً، فإذا انتهوا إلى الصراط أطفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن ينطفىء نورهم كما طفىء نور المنافقين، فقالوا: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}. وفي قوله: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} وجهان: أحدهما: ليستضيئوا به على الصراط، قاله الحسن. والثاني: ليكون لهم دليلاً إلى الجنة، قاله مقاتل. وفي قوله: {بِأَيْمَانَهِم} في الصدقات والزكوات وسبل الخير. الرابع: بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء، قاله مقاتل. قوله تعالى {بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ} فيه وجهان: أحدهما: أن نورهم هو بشراهم بالجنات. الثاني: هي بشرى من الملائكة يتلقونهم بها في القيامة، قاله الضحاك.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُّسْتَخْلَفِينَ} بوارثته عمن قبلكم، أو معمَّرين فيه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...} الآية: أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان، ويُرْوَى أَنَّ هذه الآية نزلت في غزوة العُسْرَةِ، قاله الضَّحَّاكُ، وقال: الإشارة بقوله: {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ} إلى عثمانَ بن عفان، يريد: ومَنْ في معناه؛ كعبد الرحمن بن عوف، وغيره. وقوله: {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}: تزهيد وتنبيه على أَنَّ الأَموال إنَّما تصير إلى الإنسان من غيره، ويتركها لغيره، وليس له من ذلك إِلاَّ ما أكل فأفنى، أو تصدق فأمضى، ويروى أَنَّ رجلاً مَرَّ بأعرابيٍّ له إبل فقال له: يا أَعرابيُّ، لِمَنْ هذه الإبل؟ قال: هي للَّه عندي، فهذا مُوَفَّقٌ مصيب إنْ صحب قوله عمله. وقوله سبحانه: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...} الآية: توطئةٌ لدعائهم (رضي اللَّه عنهم) لأَنَّهُمْ أهل هذه الرُّتَبِ الرفيعة، وإذا تقرر أَنَّ الرسولَ يدعوهم، وأَنَّهم مِمَّنْ أخذ اللَّه ميثاقهم ـــ فكيف يمتنعون من الإيمان؟. وقوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إنْ دُمْتُمْ على إيمانكم، و{ٱلظُّلُمَـٰتِ}: الكفر، و{ٱلنُّورِ}: الإيمان، وباقي الآية وعد وتأنيس.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه‏}‏ قال‏:‏ معمرين فيه بالرزق، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏وقد أخذ ميثاقكم‏} ‏ قال‏:‏ في ظهر آدم، وفي قوله‏:‏ ‏ {‏ليخرجكم من الظلمات إلى النور‏} ‏ قال‏:‏ من الضلالة إلى الهدى‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح‏} ‏ يقول‏:‏ من أسلم ‏ {‏وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا‏} ‏ يعني أسلموا يقول ليس من هاجر كمن لم يهاجر ‏ {‏وكلاً وعد الله الحسنى‏}‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح‏}‏ الآية، قال‏:‏ كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان احداهما أفضل من الأخرى، قال‏:‏ كانت النفقة والقتال قبل الفتح فتح مكة أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك ‏ {‏وكلاً وعد الله الحسنى‏} ‏ قال‏:‏ الجنة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏ {‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل‏}‏ قال أبو الدحداح‏:‏ والله لأنفقن اليوم نفقة أدرك بها من قبلي ولا يسبقني بها أحد بعدي، فقال‏:‏ اللهم كل شيء يملكه أبو الدحداح فإن نصفه لله حتى بلغ فرد نعله ثم قال‏:‏ وهذا‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن أسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : يأتيكم قوم من ههنا، وأشار بيده إلى اليمن، تحقرون أعمالكم عند أعمالهم، قالوا‏:‏ فنحن خير أم هم‏؟‏ قال‏:‏ بل أنتم، فلو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه فصلت هذه الآية بيننا وبين الناس ‏{‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية إذا كان بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، قلنا‏:‏ من هم يا رسول الله أقريش‏؟‏ قال‏:‏ لا، ولكنهم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، فقلنا‏:‏ أهم خير منا يا رسول الله‏؟‏ قال‏: لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه إلا أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس ‏{‏لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل‏} الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن أنس قال‏:‏ ‏حديث : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف‏:‏ تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏‏"دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد عن يوسف بن عبدالله بن سلام قال‏:‏ ‏"‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنحن خير أم من بعدنا‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو أنفق أحدهم أحداً ذهباً ما بلغ مد أحدكم ولا نصيفه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال‏:‏ لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره‏.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[7] قال: يعني ورثكم من آبائكم وملككم، فأنفقوا عيش أنفسكم الطبيعية من الدنيا في طاعته وطاعة رسوله. {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ}[7] أعمارهم في الوجوه التي أمرهم الله بالإنفاق فيها. {لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}[7] وهو البقاء مع الباقي في جنته ورضاه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الآية: 7]. قال أبو عثمان الأموال عوارى فى أيدى أربابها فمن أراد التوفيق أنفق من تلك العوارى طالبًا لراحة يوم المعاد ومن لم يوفق جمع للعارية عارية وأفنى فيها أيامه حتى يسلمها بأجمعها إلى من يخلفه فيها بعده قال الله تعالى: {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.

القشيري

تفسير : صَدِّقوا باللَّهِ ورسولِهِ، وتَصَدَّقوا {مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} بتمليككم ذلك وتصييره إليكم. والذين آمنوا منكم وتصدَّقوا على الوجه الذي أُمروا به لهم ثوابٌ عظيمٌ؛ فإنَّ ما تحويه الأيدي مُعَرَّضٌ للزوال فالسَّعيدُ مَنْ قَدَّمَ في دنياه مَالَه في الآخرة عمارة حاله، والشقيُّ من سار فيما له في الآخرة وَبالُ مآله.

اسماعيل حقي

تفسير : {آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} روى ان الآية نزلت فى غزوة ذى العشيرة وهى غزوة تبوك وفى عين المعانى يحتمل الزكاة والنفقة فى سبيل الله والمعنى جعلكم الله خلفاء فى التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة عبر عما بأيديهم من الاموال والارزاق بذلك تحقيقا للحق وترغيبا لهم فى الانفاق فان من علم انها لله وانه بمنزلة الوكيل والنائب بحيث يصرفها الى ما عينه الله من المصارف هان عليه الانفاق او جعلكم خلفاء من قبلكم فيما كان بايديهم بتوريثه اياكم فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم اليكم وسينتقل منكم الى من بعدكم فلا تبخلوا به قال الشاعر شعر : ويكفيك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان تفسير : فلا بد من انفاق الاموال التى هى للغير وستعود الى الغير فكما ان الانفاق من مال الغير يهون على النفس اذا اذن فيه صاحبه فكذا من المال الذى على شرف الزوال شعر : مكن تكيه برملك وجاء وحشم كه بيش ازتو بودست وبعد ازتوهم خوروبوش وبخشاى وراحت رسان نكه مى جه دارى زبهر كسان بخيل توانكر بدينار وسيم طلسم است بالاى كنجى مقيم از ان سالهامى بماند زرش كه لرزد طلسم جنين برسرش بسنك اجل ناكها بشكنند بآ سودكى كنج قسمت كنند تفسير : {فالذين آمنوا منكم وانفقوا} حسبما امروا به (قال الكاشفى) ونفقه كردندمال خودرا بزكاة وجهاد وسائر خيرات {لهم} سبب ذلك {اجر كبير} مزدى بزرك وثوابى عظيم كه جنت ونعيم است، قال فى فتح الرحمن الاشارة فيه الى عثمان رضى الله عنه وحكمها باق يندب الى هذه الافعال بقية الدهر وفى التأويلات النجمية يخاطب كل واحد من المشايخ والعلماء ويأمرهم بالايمان بالله وبرسوله ايمانا كليا جامعا شرآئط الايمان الحقيقى الشهودى العيانى ويوصيهم بأفاضة علوم الوهب على مستحقيها وتعليم علوم الدارسة لمستعديها اذا العلماء فى العلوم الكسبية والمشايخ فى المعرفة والحكمة الوهبية خلفاء فيهما فعليهم أن ينفقوا على الطالبين المستحقين الذين ينفق الله ورسوله عليهم كما قال عليه السلام حكاية عن الله تعالى "حديث : انفق انفق عليك"تفسير : وقال عليه السلام "حديث : لاتوك فيوكى عليك"تفسير : وفى الحديث "حديث : من كتم علما يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار"تفسير : ويشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها لاسيما مع عدم التعدد لنسخها الذى هو أعظم اسباب المنع وكون المالك لايهدى لراجيه منها والابتلاء بهذا كثير كما فى المقاصد الحسنة للامام السخاوى رحمه الله فالذين آمنوا من روح القلب الايمان الشهودى وانفقوا من تلك العلوم الوهبية والكسبية على النفس وصفاتها بالارشاد الى موافقات الشرع ومخالفات الطبع وفى التسليك فى طريق السير والسلوك بالاتصاف بصفات الروحانية والانسلاخ عن صفات البشرية النفسانية لهم اجر كبير كما قال تعالى {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها }

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {آمِنوا بالله ورسوله} أي: دُوموا على إيمانكم، إن كان خطاباً للمؤمنين، فيكون توطئة لدعائهم إلى ما بعده من الإنفاق وغيره؛ لأنهم أهل لهذه الرُتب الرفيعة، أو: أَحْدِثوا الإيمان، إن كان خطاباً للكفار، {وأَنفِقوا} أي: تصدّقوا، فيشمل الزكاة وغيرها، {مما جعلكم مستخلفين فيه} أي: جعلكم خلفاء في التصرُّف فيه من غير أن تملكوه حقيقةً، وما أنتم فيه إلاّ بمنزلة الوكلاء والنُواب، فأنفِقوا منها في حقوق الله تعالى، وَلْيَهُنْ عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الرجل الإنفاق من مال غيره إذا أَذِنَ له، أو: جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم فيما كان في أيديهم بتوريثكم إياه، وسينقله منكم إلى غيركم، فاعتبِروا بحالهم ولا تبخلوا به، {فالذين آمنوا} بالله ورسوله {منكم وأنفَقوا لهم أجرٌ كبير} لا يُقادر قدره. {وما لكم لا تؤمنون بالله} هو حال، أي: أيّ شيء حصل لكم غير مؤمنين، وهو توبيخ على ترك الإيمان حسبما أُمروا به، بإنكار أن يكون لهم عذر مّا في الجملة، {والرسولُ يدعوكم} ويُنبهكم عيله، ويُقيم لكم الحجج على ذلك، {لتؤمنوا بربكم وقد أخذ} قبل ذلك عليكم ميثاقه في عالم الذر، على الإقرار بالربوبية، والتصديق بالداعي، بعد أن رَكّب فيكم العقول، فلم يبق لكم عذر في ترك الإيمان، أو: أخذ ميثاقه بنصب الأدلة والتمكين من النظر، فانظروا واعتبروا وآمنوا، {إِن كنتم مؤمنين} بأخذ هذا الميثاق، أو: بموجبٍ ما، فإنَّ هذا موجب لا موجب وراءه. {هو الذي يُنَزِّلُ على عبده} محمد صلى الله عليه وسلم {آيات بيناتٍ} واضحاتٍ، يعني القرآن، {ليُخرجَكم} أي: الله تعالى، أو العبد {من الظلمات} أي: من ظلمات الكفر والمعاصي والغفلة، إلى نور الإيمان والتوبة واليقظة، {وإنَّ الله بكم لرؤوف رحيم} حيث يهديكم إلى سعادة الدارين، بإرسال الرسول، وتنزيل الآيات، بعد نصب الحُجج العقلية. ثم وبَّخهم على ترك الإنفاق، بعد توبيخهم على ترك الإيمان، على ترتيب قوله: {آمِنوا} و{أنفِقوا} فقال: {وما لكم ألاَّ تُنفقوا في سبيل الله} أي: أيّ شيء حصل لكم في ألاّ تنفقوا فيما هو قُربة إلى الله تعالى، وهو له حقيقة، وإنما أنتم خلفاؤه في صرفه إلى ما عيّنه من المصارف؟ {ولله ميراثُ السماوات والأرض} يرث كل شيء فيهما، لا يبقى لأحد شيء من ذلك، وإذا كان كذلك فأيّ عذر لكم في ترك إنفاقه {في سبيل الله} والله مُهلككم، فوارث أموالكم؟ فتقديمها لله أولى، وهي أبلغ آية في الحث على الصدقة. وإظهار اسم الجليل في موضع الإضمار في "لله" لزيادة التقرير، وتربية المهابة. ثم بيّن التفاوت بين المنفِقين منهم باعتبار الزمان، فقال: {لا يستوي منكم مَن أنفق مِن قبل الفتح وقاتلَ} مع مَن أنفق بعد الفتح وقاتل، حذفه لدلالة ما بعده عليه من قوله: {أولئك أعظم درجة...} الخ، والمراد: فتح مكة، أي: لا يستوي مَن أنفق قبل عز الإسلام وظهوره، مع مَن أنفق بعد لك، {أولئك} الذين أنفقوا قبل الفتح وقاتلوا، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، ولا نِصفه"تفسير : ، فهم {أعظمُ درجةً من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلَوا} لأنّ مَن أنفق وقت الحاجة والاضطرار، أعظم ممن أنفق في حال السعة والبسط، {وكُلاًّ} أي: كل واحد من الفريقين {وَعَدَ اللّهُ الحسنى} وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ الشامي بالرفع، مبتدأ، أي: وعده الله الحسنى، {والله بما تعملون خبير} فيُجازيكم على قدر أعمالكم. {من ذا الذي يُقْرِضُ اللّهَ قرضاً حسناً} هو ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، بعد الأمر به، والتوبيخ على تركه، وبيان درجات المنفقين، أي: مَن ذا الذي يُنفق ماله في سبيل الله رجاء أن يعوضه مثل ذلك وأكثر، فإنه كمن يُقرضه. وحسن الإنفاق بالإخلاص فيه، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات، {فيُضاعِفه له} أي: يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفاً أضعافاً كثيرة من فضله، {وله أجرٌ كريمٌ} وذلك الأجر المضموم إليه الأَضعاف كريمٌ في نفسه، حقيقٌ بأن يُتنافس فيه وإن لم يُضاعف، فكيف وقد ضُوعف أضعافاً كثيرة! ومن نصب فعلى جواب الاستفهام. الإشارة: أَمَرَ الحقُّ تعالى مشايخَ التربية، والعلماءَ الأتقيا، أن يؤمنوا إيمان شهود وعيان، أو إيمان تحقيق وبرهان، فالأول للأولياء، والثاني للعلماء، ثم قال: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} من العلوم الوهبية، أو الرسمية، فالذين آمنوا منكم كما تقدّم، مما عندهم سعة العلوم الوهبية، أو مِن ضيق العلوم الرسمية، لهم أجر كبير: سكنى الحضرة، في مقعد صدق، أو بُحْبُوحة الجنة في نعيم الأشباح. وما لكم لا تؤمنون بالله، أي: تُجددوا إيمانكم كل ساعة، بفكرة الاستبصار والاعتبار، والرسولُ يدعوكم لتُجددوا إيمانكم، وقد أخذ ميثاقكم في عالم الذر، ثم جدّده ببعث الرسل وخلفائهم من شيوخ التربية، الداعين إلى الله، إن كنتم مؤمنين بهذا الميثاق. هو الذي يُنزِّل على عبده آيات بينات، وهو القرآن، يَنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم ليُخرجكم من الظلمات إلى النور، من ظلمة المعاصي إلى نور التوبة والاستقامة، ومن ظلمة الغفلة إلى نور اليقظة، ومن ظلمة الهوى والحظوظ إلى نور الزهد والعِفة، ومن ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم بالله. وما لكم ألاَّ تنفقوا مُهجكم وأرواحكم في سبيل الله، ببذلها في مرضاة الله، ولله ميراث السموات والأرض، فيرثكم بأشباحكم وأرواحكم، فمَن بذلها عوّضه دوام الشهود، ومَن بخل بها عقبه حسرة الحجاب، لا يستوي منكم مَن أنفق نفسه وقاتلها قبل ظهور الطريق، مع مَن أنفق وجاهد بعد ظهورها، فالسابقون لم يجدوا أعواناً، والمتأخرون وجدوا أعواناً، وكُلاًّ وعد الله الحسنى الجنة الحسية، وزاد السابقين الجنة المعنوية، جنةَ المعارف. والله بما تعملون خبير، لا يخفى عليه مَن تقدم ممن تأخر. {من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً}، قال القشيري: هو أن يُقرض وينقطع عن قلبه حُبّ الدارين، ففي الخبر: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً". هـ. فيضاعفه له بالترفي إلى ما لا نهاية له، وله أجر كريم، وهو مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم ذكر ثمرة الإيمان، الذي أمر به، فقال: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ}.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : خاطب سبحانه ذوي العقول كافة من الآدميين، دون الملائكة لكونهم مفطورين على العلم بالله ورسوله، مقدّسين عن مزاولة الخبائث ليحتاجوا إلى التزكية بالإنفاق، دون سائر الحيوانات وما هو أدون منها من الجماد والنبات، لانحطاط درجتها عن استماع هذا الخطاب، فقال: معاشر العقلاء المكلّفين: - آمنوا بالله - أي: اعتقدوا بوجود الحق الأول، وكونه آله الخلق، وأقرّوا بوحدانيته وتنزيهه وتمجيده. - ورسوله - أي: بكونه مرسِلاً إياه، أو صدّقوا رسوله واعترفوا برسالته، لاتصافه بخصائص الأنبياء من خوارق العادات والعلم بالمغيّبات. - وانفقوا - تقرّباً إلى طاعته، وتخلصاً عما يلهيكم عن معرفته، ويبعدكم عن جواره، - مما جعلكم مستَخْلفين فيه - أي: من مال الله وغيره الذي خلقه لمصالح عباده، وإنما مولّيكم إياه لتكونوا خلفاء من قبل الله في صرفه لوجوه المنافع والمحاويج، وخَوَّلكم الاستمتاع والانتفاع. فليست الأموال بالحقيقة إلاَّ لمن خلقها، لا لمن كان متصرفاً فيها بنقلها من موضع إلى موضع، أو مضافة هي إليه، فإن مجرد الإضافة إلى شيء لا توجب التسلط لأنها نحو ضعيف من التعلّق، وإنما يكون التعلق القويّ والتسلط التام على شيء بالقدرة على إيجاده واعدامه، والقادر على ما يشاء إنما كان هو الله تعالى دون غيره، فالأموال كلها عارية في يد المتولّين لها، إلاّ أن الله جعلهم برهة من الزمان بمنزلة وكلاء مستخلفين فيها. وإنما أوضح الله سبحانه كون المال عارية بيد صاحبه ليهون على الناس الإنفاق منه، كما يهون عليهم النفقة من مال غيرهم إذا كانوا مأذونين فيه مأمورين به. وعن الحسن: أنفِقوا من المال الذي استخلفكم الله فيه بوراثتكم إياه عمن قبلكم. وفي هذا تنبيه على أن المال حيث انتقل وصار اليكم ممن قبلكم، وسيصير منكم إلى من خلفكم، ينبغي أن تعتبروا بحال من سبقكم وعدم انتفاعه به نفسه، وأن تنتفعوا أنفسكم بالإنفاق منه، وأن تستوفوا حظوظكم البدنية والعقلية الدنيوية والدينية منه قبل أن يخرج الأمر من يدكم وينتقل المال إلى غيركم. مكاشفة واعلم أن هذا الحكم كما يشمل النعم الخارجية، كذلك يشمل النعم الداخلية؛ من الأعضاء والحواس والقوى التي أنعم الله بها علينا، وخوّلنا الاستمتاع بها في الدنيا وللانتفاع بها لأجل الآخرة، بأن نصرفها في عبادته ومعرفته، وستزول وتتخلف عنّا عن قريب، بل النعم الداخلية البدنية كالنعم المالية الخارجية في كونها مبائنة لأرواحنا، خارجة عن ذواتنا، عارية في تصرفنا، إلاَّ أن بعضها نعمة طبيعية متصلة بالبدن موجودة له، وبعضها نعمة خارجة عن البدن مبائنة له كما للروح، وسيهلك البدن ويفنى كل ما عليه وفيه من القوى والآلات والمشاعر، وتبقى الروح وحيدة منفردة عنه عائدة إلى ربها إمّا شاكرة وإمّا كافرة. قوله عز وجل: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي: جزاء عظيم وثواب جسيم، لا تكدّره آفة ولا ينقصه زوال، وإنما يكون كذلك، لان كمال الإنسان منوط بالعلم والعمل، لتتزيّن ذاته العقلية بالمعارف الحقة والإلهيات، وتتخلص نفسه العملية عن التعلق بالشهوات المؤذيات، باقتناء الفضائل، والاجتناب عن الرذائل، ولا شك أن أفضل المعارف: معرفةُ الحق الأول وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهي المعني بالإيمان، وأفضل الأعمال المزكّية للقلب: الإنفاقُ للمال الذي هو الوسيلة إلى جميع اللذّات الحيوانية والشهوات البهيمية. ويمكن أن يكون الإيمان كناية عن العلوم الحقة الحقيقية مطلقاً، والإنفاق كناية عن الزهد في الدنيا مطلقاً، إذ بهذين الأمرين، يطير القلب بجناحيه إلى حظائر القدس، ولعل في قوله تعالى: لهم أجر كبير، إيماءً إلى أنَّ أجر الآخرة جزاء لازم وثمرة ضرورية مترتبة على اقتناء المَلَكات العلمية والعملية، بحيث لا يحتاج حصولها إلى جعل مستأنف وتأثير جديد، كما أشير إليه بقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَاقِعٌ} تفسير : [الذاريات:6]، يعني أن الجزاء لازم، كما أن الآلام والعقوبات الأخروية لواحق ضرورية لفعل المعاصي والشهوات، الموجبة لرداءة الأخلاق والمَلَكات، كما يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} تفسير : [الأنعام:139]، {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [التوبة:49].

الجنابذي

تفسير : {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} بمنزلة النّتيجة للسّابق كأنّه قال: اذا علمتم ذلك فلا عذر لكم فى الانصراف عن الله وعن رسوله (ص)، او لا عذر لكم فى الانصراف عن الله ورسوله (ص) فى الخروج عن قولهما فى ولاية علىٍّ (ع) فآمنوا بالله وصدّقوه فيما قاله لكم من مطلق الاوامر والنّواهى، او فيما قاله لكم من ولاية علىٍّ (ع) وآمنوا برسوله (ص) بالبيعة العامّة او البيعة الخاصّة، او صدّقوه فيما قاله لكم من الاحكام او من ولاية علىٍّ (ع)، ولمّا كان الخطاب من الله تعالى عامّاً للموجودين المسلمين وغير المسلمين والمعدومين فكان لفظ آمنوا ايضاً عامّاً وشاملاً للاذعان والتّصديق والبيعة الاسلاميّة العامّة والبيعة الايمانيّة الخاصّة كأنّه قال: ايّها الكفّار والمستعدّون للاسلام من الموجودين والمعدومين آمنوا بالله ورسوله (ص) بالبيعة العامّة على يد رسوله (ص) وايّها المسلمون اذعنوا وصدّقوا الله ورسوله (ص) فيما قال الرّسول (ص) لكم من مطلق الاحكام او ولاية علىٍّ (ع) وآمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة بالله ورسوله (ص) على يد رسوله (ص) او على يد خليفته، وقد مضى فى اوّل البقرة معانى الايمان {وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} من الاموال الدّنيويّة والاعراض والحشمة والاعضاء والقوى ومن نسبة الافعال والاوصاف الى انفسكم ومن انانيّاتكم وللاشعار بانّ مالكم من جميع ذلك انّما هو عارية لكم وشأن العارية ان يستردّ حتّى يسهل عليكم انفاقه قال مستخلفين {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالبيعة العامّة او البيعة الخاصّة {مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} وعد الاجر الكبير للاشعار بانّ المنظور من الايمان البيعة الخاصّة الولويّة فانّ الاجر الكبير ليس الاّ على الولاية الحاصلة بالبيعة الخاصّة.

اطفيش

تفسير : {آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} خطاب لقريش وإن قلنا للمؤمنين فمعناه دوموا على الايمان وما يقتضيه وفي ذلك أمر بالاعراض عن الدنيا، قال الضحاك: نزلت الآية في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك. {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} من الاموال التي جعلكم الله فيها خلفاء في التصرف فيها وانما هي لله فليهن عليكم الانفاق منها كما يهون الانفاق من مال الغير أو أنتم خلفاء فيها عمن قبلكم حفاظ لها لمن بعدكم فلا يصعبن عليكم الانفاق والظاهر أن الانفاق هنا تطوع وقيل التطوع وغيره. {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} اشارة الى عبد الرحمن بن عوف ومن في معناه ممن انفق ماله في الله ولم يبطل نفقته وذلك وعد مؤكد بالجملة الاسمية واعادة ذكر الايمان والانفاق وبناء الحكم على الضمير وتنكير الاجر ووصفه بالكبير بعد ما سهل لهم انفاق المال بكونه لله في ايديهم بعد، كونه في أيدي غيرهم وسيكون في أيدي غيرهم. مر رجل باعرابي فقال له: لمن هذه الابل؟ فقال: لله عندي فهذا موفق مصيب إن صحب قوله عمله.

الالوسي

تفسير : {ءامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } أي جعلكم سبحانه خلفاء عنه عز وجل في التصرف فيه من غير أن تملكوه حقيقة، عبر جل شأنه عما بأيديهم من الأموال بذلك تحقيقاً للحق وترغيباً في الإنفاق فإن من علم أنها لله تعالى وإنما هو بمنزلة الوكيل يصرفها إلى ما عينه الله تعالى من المصارف هان عليه الإنفاق، أو جعلكم خلفاء عمن كان قبلكم فيما كان بأيديهم فانتقل لكم، وفيه أيضاً ترغيب في الإنفاق وتسهيل له لأن من علم أنه لم يبق لمن قبله وانتقل إليه علم أنه لا يدوم له وينتقل لغيره فيسهل عليه إخراجه ويرغب في كسب الأجر بإنفاقه ويكفيك قول الناس فيما ملكته لقد كان هذا مرة لفلان، وفي الحديث «حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت»تفسير : والمعنى الأول هو المناسب لقوله تعالى: { أية : لَّهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الحديد: 5] وعليه ما حكي أنه قيل لأعرابـي: لمن هذه الإبل؟ فقال: هي لله تعالى عندي، ويميل إليه قول القائل: شعر : وما المال والأهلون (إلا ودائع) ولا بد يوماً أن ترد الودائع تفسير : والآية على ما روي عن الضحاك نزلت في تبوك فلا تغفل. {فَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ } حسبما أمروا به {لَهُمْ } بسبب ذلك {أَجْرٌ كَبِيرٌ } وعد. فيه من المبالغات ما لا يخفى حيث جعل الجملة اسمية وكان الظاهر أن تكون فعلية في جواب الأمر بأن يقال مثلاً آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا تعطوا أجراً كبيراً. وأعيد ذكر الإيمان والإنفاق دون أن يقال فمن يفعل ذلك فله أجر كبير وعدل عن فللذين آمنوا منكم وأنفقوا أجر، إلى ما في النظم الكريم وفخم الأجر بالتنكير، ووصف بالكبير.

ابن عاشور

تفسير : استئناف وقع موقع النتيجة بعد الاستدلال فإن أول السورة قرر خضوع الكائنات إلى الله تعالى وأنه تعالى المتصرف فيها بالإِيجاد والإِعدام وغير ذلك فهو القدير عليها، وأنه عليم بأحوالهم مطلّع على ما تضمره ضمائرهم وأنهم صائرون إليه فمحاسبهم، فلا جرم تهيأ المقام لإِبلاغهم التذكير بالإِيمان به إيماناً لا يشوبه إشراك والإِيمان برسوله صلى الله عليه وسلم إذ قد تبين صدقه بالدلائل الماضية التي دلت على صحة ما أخبرهم به مما كان محل ارتيابهم وتكذيبهم كما أشار إليه قوله: {أية : والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم}تفسير : [الحديد: 8]. فذلك وجه عطف {ورسوله} على متعلق الإِيمان مع أن الآيات السابقة ما ذكرت إلا دلائل صفات الله دون الرسول صلى الله عليه وسلم. فالخطاب بــــ {آمنوا} للمشركين، والآية مكية حسب ما رُوي في إسلام عُمَر وهو الذي يلائم اتصال قوله: {أية : وما لكم لا تؤمنون بالله}تفسير : [الحديد: 8] الخ بها. والمراد بالإِنفاق المأمور به: الإِنفاق الذي يدعو إليه الإِيمان بعد حصول الإِيمان وهو الإِنفاق على الفقير، وتخصيص الإِنفاق بالذكر تنويه بشأنه، وقد كان أهل الجاهلية لا ينفقون إلا في اللذات، والمفاخرة والمقامرة، ومعاقرة الخمر، وقد وصفهم القرآن بذلك في مواضع كثيرة كقوله: {أية : إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين}تفسير : [الحاقة: 34] وقوله: {أية : بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضّون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لمّاً وتحبون المال حباً جمّاً}تفسير : [الفجر: 17 ـــ 20] وقوله: {أية : ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر}تفسير : [التكاثر: 1، 2] إلى آخر السورة. وقيل: نزلت في غزوة تبوك ـــ يعني الإِنفاق بتجهيز جيش العُسْرة ـــ قاله ابن عطية عن الضحاك، فتكون الآية مدنية ويكون قوله: {آمنوا} أمراً بالدوام على الإِيمان كقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [النساء: 136]. ويجوز أن يكون أمراً لمن في نفوسهم بقية نفاق أو ارتياب، وأنهم قبضوا أيديهم عن تجهيز جيش العُسرة كما قال تعالى: {أية : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} تفسير : [التوبة: 67] إلى قوله: {أية : ويقبضون أيديهم}تفسير : [التوبة: 67]، فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصود على نحو ما في آيات سورة براءة، ولكن يظهر أن سنَة غزوة تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه إليه خطاب كهذا. وجيء بالموصول في قوله: {مما جعلكم مستخلفين فيه} دون أن يقول: "وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم الله" لما في صلة الموصول من التنبيه على غفلة السامعين عن كون المال لله جعلَ الناسَ كالخلائف عنه في التصرف فيه مدةً مَّا، فلما أمرهم بالإِنفاق منها على عباده كان حقاً عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمرَ صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعيِّنه. والسين والتاء في {مستخلفين} للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة الطلب من فعل {جعلكم}. ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب. والفاء في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} تفريع وتسبب على الأمر بالإيمان والإِنفاق لإِفادة تعليله كأنه قيل لأن الذين آمنوا وأنفقوا أعددنا لهم أجراً كبيراً. والمعنى على وجه كون الآية مكية: أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا، أي سبقوكم بالإِيمان والإِنفاق لهم أجر كبير، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم به. و(مِن) للتبعيض، أي الذين آمنوا وهم بعض قومكم. وفي هذا إغراء لهم بأن يماثلوهم. ويجوز أن يكون فعلا المضيِّ في قوله: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا} مستعملان في معنى المضارع للتنبيه عن إيقاع ذلك.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا بالله ورسوله: أي صدقوا بالله ورسوله يا من لم تؤمنوا بعد واثبتوا على إيمانكم يا من آمنتم قبل. وأنفقوا: أي وتصدقوا في سبيل الله. مما جعلكم مستخلفين فيه: أي من المال الذي استخلفكم الله فيه إذ هو مال من قبلكم وسيكون لمن بعدكم. فالذين آمنوا منكم وأنفقوا: أى صدقوا بالله ورسوله وتصدقوا بأموالهم المستخلفين فيها. لهم أجر كبير: أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة. وما لكم لا تؤمنون بالله؟: أي أي شيء يمنعكم من الإِيمان. والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم: أي والحال أن الرسول بنفسِه يدعوكم لتؤمنوا بربكم. وقد أخذ ميثاقكم: أي على الإِيمان به وأنتم في عالم الذر حيث أشهدكم فشهدتم. إن كنتم مؤمنين: أي مريدين الإِيمان فلا تترددوا وآمنوا وأسلموا تنجوا وتسعدوا. هو الذي ينزل على عبده: أي هو الله ربكم الذي يدعوكم رسوله لتؤمنوا به ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم. آيات بينات: هي آيات القرآن الكريم الواضحات المعاني البينات الدلالة. ليخرجكم من الظلمات إلى النور: أي ليخرجكم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم. وإن الله بكم لرءوف رحيم: ويدلكم على ذلك إرسال رسوله إليكم وإنزال كتابه ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله: أي أي شيء لكم في عدم الإِنفاق في سبيل الله. ولله ميراث السماوات والأرض: أي ومن ذلك المال الذي بين أيديكم فهو عائد إلى الله فأنفقوه في سبيله يؤجركم عليه. وإلا فسيعود إليه بدون أجر لكم. من قبل الفتح وقاتل: أي لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعد صلح الحديبية حيث عز الإِسلام وكثر مال المسلمين. وكلاً وعد الله الحسنى: أي الجنة، والجنة درجات. من ذا الذي يقرض الله: أي بإنفاقه ماله في سبيل الله الذي هو الجهاد. قرضا حسنا: أي قرضا لا يريد به غير وجه الله تعالى. فيضاعفه له: أي الدرهم بسبعمائه درهم. وله أجر كريم: أي يوم القيامة وهو الجنة دار النعيم المقيم. معنى الآيات: بعد ذكر الأدلة والبراهين على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ووجوب عبادته وتوحيده فيها وتقرير البعث والجزاء يوم لقائه رحمة منه ورأفة بعباده أمرهم جميعا مؤمنيهم وكافريهم بالإيمان به وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فالمؤمنون مأمورون بزيادة الإِيمان والثبات عليه والكافرون مأمورون بالإِيمان والمبادرة إليه. وبما أن الآية نزلت بالمدينة بعد الهجرة وبعد صلح الحديبية فإن هذه الأوامر والتوجيهات الإِلهية تشمل المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين في إيمانهم تشمل الراغبين في الإِيمان في مكة وغيرها وهم يترددون في ذلك فوجه الخطاب إلى الجميع لهدايتهم ودخولهم في رحمة الله الإِسلام بسرعة ودون تباطىء فقال تعالى {آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدقوا بوحدانية الله ورسالة رسول الله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه من الأموال، ووجه الاستخلاف أن العبد يرث المال عمن سبقه ويموت ويتركه لمن بعده فلا يدفن معه في قبره. وقوله تعالى {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة والرضوان فيها. وهذا الإِخبار يفيد تنشيط الهمم الفاترة والعزائم المترددة. وقوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي أي شيء يجعلكم لا تؤمنون وفرص الإِيمان كلها متاحة لكم فإيمانكم الفطري صارخ في نفوسكم إذ كل من سألكم: من خلقكم؟ من خلق العالم حولكم؟ سماء وأرضا تقولون الله. وأنتم في حَرَمِهِ وحِمى بيته والرسول الكريم بين أيديكم يدعوكم صباح مساء إلى الإِيمان بربكم وقد أخذ الله ميثاقكم عليكم بأن تؤمنوا به وذلك يوم أخرجكم في صورة الذر من صلب آدم أبيكم وأشهدكم على أنفسكم فشهدتم. إذاً ما هذا التردد إن كنتم تريدون الإِيمان فآمنوا قبل فوات الأوان. وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي إنكم تدعون إلى الإِيمان بالله الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم آيات واضحات المعاني بينات الدلائل كل ذلك ليخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم، فما لكم لا تؤمنون إذاً ما هذا التردد والتلكؤ يا عباد الله في الإِيمان بالله وبرسول الله، وإن الله بكم لرءوف رحيم فاعرفوا هذا وآمنوا به ويدلكم على ذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول وتوضيح الأدلة وإقامة الحجج والبراهين. وقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} التي هي سبيل إسعادكم وإكمالكم بعد نجاتكم من العذاب في الحياتين مع العلم أن لله ميراث السماوات والأرض إذ ما بأيديكم هو لله هو واهبه لكم ومسترده منكم فلم لا تنفقون منه. وقوله تعالى {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أي صلح الحديبية لقول الله تعالى {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح: 1] والمراد به صلح الحديبية. أي لا يستوون في الأجر والمثوبة مع من قاتل وأنفق بعد الفتح. قال تعالى {أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ} من الفريقين {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي الجنة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} لا يخفى عليه إنفاقكم وقتالكم وعدمهما كما لا يخفى عليه نياتكم وما تخفون في نفوسكم فاحذروه وراقبوه خيراً لكم. وقوله تعالى {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي مخلصا فيه لله طيبة به نفسه {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} ربه في الدرهم سبعمائة درهم، {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} ألا وهو الجنة دار السلام. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب الإِيمان بالله ورسوله وتقويته. 2- وجوب الإِنفاق في سبيل الله من زكاة ونفقة جهاد وصدقة على الفقراء والمساكين. 3- بيان لطف الله ورأفته ورحمته بعباده مما يستلزم محبته وطاعته وشكره. 4- الإِنفاق في المجاعات والشدائد والحرب أفضل منه في اليسر والعافية. 5- الترغيب في الإِنفاق في سبيل الله بمضاعفة الأجر حتى يكون الدينار بألف دينار عند الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، وللآخرة خير من الأولى.

القطان

تفسير : مستخلفين فيه: خلفاء عنه ووكلاء بالتصرف. ميثاقكم: عهدكم. الفتح: فتح مكة. مَن ذا الذي يُقرض اللهَ: من ذا الذي ينفق في سبيل الله. هذه السورةُ من السوَر المدنية كما قدّمنا، وهي تعالج بناء دولة وأمة. وهنا تعالج حالةً واقعة في ذلك المجتمع الاسلامي الجديد، فيظهر من سياق الحثِّ على البذْل والإيمان أنه كان في المدينة، إلى جانبِ السابقين من المهاجِرين والانصار، فئةٌ من المؤمنين حديثةُ عهدٍ بالاسلام، لم يتمكن الايمان في قلوبهم، ولهم صِلاتُ قرابةٍ ونَسَبٍ مع طائفة المنافقين التي نبتت بعد الهجرة وكانت تكيدُ للاسلام والمسلمين. وكانت هذه المكائد تؤثّر في بعض المسلمين الذين لم يُدركوا حقيقةَ الايمان فأنزل الله تعالى هذه الآياتِ يثبّت بها قلوبَ المؤمنين ويحثّهم على البذل والعطاء. فهي تقول: آمِنوا باللهِ حقَّ الايمان الصادق، وأنفِقوا في سبيل الله من المال الذي جعلكم خلفاءَ في التصرّف فيه. ثم تبين السورة ما أعدّ الله للذين آمنوا وأنفقوا من أجرٍ كبير: {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ}. ومالكم لا تؤمنون بالله والرسولُ يدعوكم الى ذلك ويحثّكم عليه! انه يبين لكم الحججَ والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد أخذ الله عليكم الميثاقَ بالايمان من قبلُ {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}. ثم بين الله تعالى انه ينزّل على رسوله الكريم آياتٍ من القرآن ليُخرجَكم بها من الضلال الى الهدى، {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} يلطف بكم من حيثُ لا تعلمون، ويمهّد لكم سبيلَ الخير من حيث لا تحتسبون. ثم زاد في التأكيد على الانفاق أن الجميع صائر اليه، وان الانسانَ لا يأخذُ معه شيئا مما يجمعُه الا العملَ الصالحَ والانفاقَ في سبيل الله فقال: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. مالكم أيها الناس لا تنفقون مما رزقكم الله في سبيله؟ أنفِقوا أموالكم في سبيل الله قبل ان تموتوا، ليكونَ ذلك ذُخراً لكم عند ربكم. فأنتم بعد الموت لا تقدِرون على ذلك، اذ تصير الأموال ميراثاً لمن له السماواتُ والأرضُ فهو الذي يرث كل ما فيهما. ثم بيّن تفاوت درجات المنفقين فقال: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. لا يستوي في الدرجة والأجرِ ذلك المؤمن الذي أنفق قبلَ فتح مكة وقاتَلَ (لأن المسلمين كانوا في ضيق وجُهد وحاجة الى من يسانِدهم، ويقويهم) فهؤلاء المنفِقون والمقاتلون قبل فتحِ مكةَ أعظمُ درجةً عند الله من الذين أنفقوا بعد الفتح وقاتلوا. وقد وعدَ الله الجميعَ المثوبةَ الحسنى، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فيجازي كلاًّ بما يستحق. ثم نَدَبَ الى الانفاق بأسلوبٍ رقيق جميلٍ حيثُ جعل المنفِقَ في سبيل الله كالذي يُقْرِض الله، والله غنيٌّ عن العالمين. فقال: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} هل هناك أجملُ من هذا التعبير! مَن هذا الذي ينفِق امواله في سبيل الله محتسباً أجره عند ربه، فيضاعِف الله له ذلك القَرض، اذ يجعل له بالحسنة الواحدة سبعمائة، وفوق ذلك له جزاءٌ كريم عند ربّه، وضيافةٌ كريمة في جنة المأوى. قراءات: قرأ ابو عمرو: وقد أُخذ ميثاقكم بضم همزة اخذ ورفع ميثاقكم. والباقون: وقد أخذ ميثاقكم بفتح الهمزة ونصب ميثاقكم. وقرأ ابن عامر: وكلٌّ وعدَ الله الحسنى برفع كل. والباقون: وكُلاً بالنصب. وقرأ ابن كثير: فيضعّفُه بتشديد العين وضم الفاء. وقرأ ابن عامر مثله: فيضعّفَه بالتشديد ولكن بنصب الفاء. والباقون: فيضاعفَه بالألف ونصب الفاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمِنُواْ} {آمَنُواْ} (7) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالإِيْمَانِ بِهِ، وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، وَيَحثُّهُمْ عَلَى الإِنْفَاقِ فِي أَوْجُهِ الطَّاعَاتِ، مِنَ المَالِ الذِي أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الأَمَانَةِ أَوِ الإِعَارَةِ، لأَِنَّ هَذَا المَالَ كَانَ مِنْ قَبْلُ، فِي أَيدِي أُنَاسٍ آخَرِينَ، فَصَارَ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يَمُوتُونَ هُمْ وَيَتْركُونَهُ فَيَخْلُفُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ. وَيُرَغِّبُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ فِي الإِنْفَاقِ فِي أَوْجُهِ الطَّاعَاتِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَأَنْفَقُوا فِي أَوْجُهِ الخَيْرِ وَالبِرِّ سَيَجْزِيهِمْ رَبُّهُمْ جَزَاءً حَسَناً، وَسَيُؤْتِيهِمْ أَجْراً كَبِيراً. (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: حديث : يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي، مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِتفسير : ). (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى عباده بالإيمان به وبرسوله وبما جاء به، وبالنفقة في سبيله، من الأموال التي جعلها الله في أيديهم واستخلفهم عليها، لينظر كيف يعملون، ثم لما أمرهم بذلك، رغبهم وحثهم عليه بذكر ما رتب عليه من الثواب، فقال: { فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا } أي: جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، والنفقة في سبيله، لهم أجر كبير، أعظمه [وأجله] رضا ربهم، والفوز بدار كرامته، وما فيها من النعيم المقيم، الذي أعده الله للمؤمنين والمجاهدين، ثم ذكر [السبب] الداعي لهم إلى الإيمان، وعدم المانع منه، فقال: { وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: وما الذي يمنعكم من الإيمان، والحال أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل وأكرم داع دعا إلى الله يدعوكم، فهذا مما يوجب المبادرة إلى إجابة دعوته، والتلبية والإجابة للحق الذي جاء به، وقد أخذ عليكم العهد والميثاق بالإيمان إن كنتم مؤمنين، ومع ذلك، من لطفه وعنايته بكم، أنه لم يكتف بمجرد دعوة الرسول الذي هو أشرف العالم، بل أيده بالمعجزات، ودلكم على صدق ما جاء به بالآيات البينات، فلهذا قال: { هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } أي: ظاهرات تدل أهل العقول على صدق كل ما جاء به (1) وأنه حق اليقين، { لِيُخْرِجَكُمْ } بإرسال الرسول إليكم، وما أنزله الله على يده من الكتاب والحكمة. { مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: من ظلمات الجهل والكفر، إلى نور العلم والإيمان، وهذا من رحمته بكم ورأفته، حيث كان أرحم بعباده من الوالدة بولدها { وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }. { 10 } { وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } . أي: وما الذي يمنعكم من النفقة في سبيل الله، وهي طرق الخير كلها، ويوجب لكم أن تبخلوا، { و } الحال أنه ليس لكم شيء، بل { لله مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فجميع الأموال ستنتقل من أيديكم أو تنقلون عنها، ثم يعود الملك إلى مالكه تبارك وتعالى، فاغتنموا الإنفاق ما دامت الأموال في أيديكم، وانتهزوا الفرصة، ثم ذكر تعالى تفاضل الأعمال بحسب الأحوال والحكمة الإلهية، فقال: { لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا } المراد بالفتح هنا هو فتح الحديبية، حين جرى من الصلح بين الرسول وبين قريش مما هو أعظم الفتوحات التي حصل بها نشر الإسلام، واختلاط المسلمين بالكافرين، والدعوة إلى الدين من غير معارض، فدخل الناس من ذلك الوقت في دين الله أفواجا، واعتز الإسلام عزا عظيما، وكان المسلمون قبل هذا الفتح لا يقدرون على الدعوة إلى الدين في غير البقعة التي أسلم أهلها، كالمدينة وتوابعها، وكان من أسلم من أهل مكة وغيرها من ديار المشركين يؤذى ويخاف، فلذلك كان من أسلم قبل الفتح وأنفق وقاتل، أعظم درجة وأجرا وثوابا ممن لم يسلم ويقاتل وينفق إلا بعد ذلك، كما هو مقتضى الحكمة، ولذلك كان السابقون وفضلاء الصحابة، غالبهم أسلم قبل الفتح، ولما كان التفضيل بين الأمور قد يتوهم منه نقص وقدح في المفضول، احترز تعالى من هذا بقوله: { وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } أي: الذين أسلموا وقاتلوا وأنفقوا من قبل الفتح وبعده، كلهم وعده الله الجنة، وهذا يدل على فضل الصحابة [كلهم]، رضي الله عنهم، حيث شهد الله لهم بالإيمان، ووعدهم الجنة، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كلا منكم على ما يعلمه من عمله، ثم حث على النفقة في سبيله، لأن الجهاد متوقف على النفقة فيه، وبذل الأموال في التجهز له، فقال: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } وهي النفقة [الطيبة] التي تكون خالصة لوجه الله، موافقة لمرضاة الله، من مال حلال طيب، طيبة به نفسه، وهذا من كرم الله تعالى [حيث] سماه قرضا، والمال ماله، والعبد عبده، ووعد بالمضاعفة عليه أضعافا كثيرة، وهو الكريم الوهاب، وتلك المضاعفة محلها وموضعها يوم القيامة، يوم كل يتبين فقره، ويحتاج إلى أقل شيء من الجزاء الحسن، ولذلك قال: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ...}.