٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
الرازي
تفسير : قال القاضي: بين بذلك أن مراده بإنزال الآيات البينات التي هي القرآن، وغيره من المعجزات أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأكد ذلك بقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ولو كان تعالى يريد من بعضهم الثبات على ظلمات الكفر، ويخلق ذلك فيهم، ويقدره لهم تقديراً لا يقبل الزوال لم يصح هذا القول، فإن قيل: أليس أن ظاهره يدل على أنه تعالى يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ قلنا: لو أراد بهذا الإخراج خلق الإيمان فيه لم يكن لقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءَايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ لّيُخْرِجَكُمْ } معنى، لأنه سواء تقدم ذلك أو لم يتقدم، فخلقه لما خلقه لا يتغير، فالمراد إذن بذلك أنه يلطف بهم في إخراجهم من الظلمات إلى النور ولولا ذلك لم يكن بأن يصف نفسه بأنه يخرجهم من الظلمات إلى النور أولى من أن يصف نفسه بأنه يخرجهم من النور إلى الظلمات. واعلم أن هذا الكلام على خسته وروغته معارض بالعلم، وذلك لأنه تعالى كان عالماً بأن علمه سبحانه بعدم إيمانهم قائم، وعالماً بأن هذا العلم ينافي وجود الإيمان، فإذا كلفهم بتكوين أحد الضدين مع علمه بقيام الضد الآخر في الوجود بحيث لا يمكن إزالته وإبطاله، فهل يعقل مع ذلك أن يريد بهم ذلك الخير والإحسان، لا شك أن مما لا يقوله عاقل، وإذا توجهت المعارضة زالت تلك القوة، أما قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } فقد حمله بعضهم على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فقط، وهذا التخصيص لا وجه له، بل يدخل فيه ذلك مع سائر ما يتمكن به المرء من أداء التكاليف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءايَٰتٍ بَيِّنَٰتٍ } آيات القرآن {لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ } الكفر {إِلَى ٱلنُّورِ } الإِيمان {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ } في إخراجكم من الكفر إلى الإِيمان {لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ}. تقدمت قراءتا "يُنْزِلُ" تخفيفاً وتشديداً في "البقرة". وزيد بن علي: "أنْزَلَ" ماضياً. وقوله: {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. وقيل: المعجزات، أي: لزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لما معه من المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها. {لِّيُخْرِجَكُم} أي: بالقرآن. وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة، {مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ}، وهو الشرك والكفر. {إِلَى ٱلنُّورِ} وهو الإيمان {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. فصل في إرادة الله للإيمان قال القاضي: هذه الآية تدل على إرادته للإيمان، أكد ذلك بقوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. فإن قيل: أليس يدل ظاهرها على أنه يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟. قلنا: إذا كان الإيمان بخلقه لا يبقى لقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم} [الحديد: 9] معنى؛ لأن ما يخلقه لا يتغير، بل المراد أنه يلطف بهم. قال ابن الخطيب: وهذا على حسنه معارض بالعلم؛ لأنه علم أن إيمانهم لا يوجد فقد كلفهم بما لا يوجد، فكيف يعقل مع هذا أنه أراد منهم الخير والإحسان، وحمل بعضهم قوله: {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولا وجه لهذا التخصيص. قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ}. الكلام فيه كالكلام في قوله: {أية : وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ} تفسير : [البقرة: 246]، فالأصل: "في ألا تنفقُوا". فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم تقريره في البقرة. قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ} جملة حالية من فاعل الاستقرار أو مفعوله، أي: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السموات والأرض له، فهذه حال منافية. فصل في الكلام على الإنفاق لما أمر أولاً بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكَّده في الآية المتقدمة بإيجاب الإيمان بالله أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاد الإنفاق، والمعنى: أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدّمتموه في الإنفاق على طاعة الله؟. وتحقيقه: أن المال لا بد وأن يخرج من اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن خرج بالموت كان أثره اللَّعنُ والمقتُ والطرد والعقاب، وإن خرج بالإنفاق في سبيل الله كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من خروجه من اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه مما يستعقب اللعن والعقاب، ثم لما بين تعالى أن الإنفاق في سبيل الله فضيلة بيَّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، فقال: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ}. قوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ}. في فاعل "يستوي" وجهان: أظهرهما: أنه "مَنْ أنفق" وعلى هذا فلا بد من حذف معطوف يتم به الكلام، فقدره الزمخشري: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح "مكة" وقوة الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح، [فحذف لوضوح الدلالة]. [وقدره أبو البقاء: "ومن لم ينفق". قال: ودلّ على المحذوف قوله: {مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ}]. والأول أحسن؛ لأن السِّياق إنما جيء بالآية ليفرق بين النَّفقتين في زمانين. والثاني: أن فاعله ضمير يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي جنس الإنفاق إذ منه ما وقع قبل الفتح، ومنه ما وقع بعده. فهذان النَّوعان متفاوتان، وعلى هذا فيكون "من" مبتدأ، و "أولئك" مبتدأ ثاني، و "أعظم" خبره، والجملة خبر "من". وهذا ينبغي ألاَّ يجوز ألبتة. وكأن هذا المعرب غفل عن قوله: "منكم"، فلو أعرب هذا القائل "منكم" خبراً مقدماً، و "من" مبتدأ مؤخراً، والتقدير: منكم من أنفق من قبل الفتح، ومنكم من لم ينفق قبله ولم يقاتل، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه لكان سديداً، ولكنه سَهَا عن لفظة "منكم". فصل في المراد بالفتح أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح "مكة". وقال الشعبي والزهري: فتح "الحديبية". قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى؛ لأن القتال والنفقة قبل فتح "مكة" أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة النَّاس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النَّصب. قال مالك رضي الله عنه: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم لقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ}. قال الكلبي: نزلت في أبي بكر وفيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر وتقديمه؛ لأنه أوَّل من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أوَّل من أظهر الإسلام بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. وعن ابن عمر قال: "حديث : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخلالٍ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال: يا نبي الله، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ قال: "أنْفَقَ مالهُ عليَّ قَبْلَ الفَتحِ"، قال: فإن الله تعالى يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام، وقل له: أنت راضٍ في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: إني عن ربي لَراضٍ، قال: فإن الله - تعالى - يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ، فبكى أبو بكر، فقال جبريل: والذي بعثك يا محمد بالحق لقد تخلَّلت حملةُ العرش بالعبى منذ تخلَّل صاحبك هذا بالعباءة ". تفسير : ولهذا قدمه الصحابة على أنفسهم وأقرُّوا له بالتقدم والسبق. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبي صلى الله عليه وسلم وثنى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد [المفتري] ثمانين جلدة وطرح الشهادة. فصل في التقدم والتأخر في أحكام الدين فإن قلت: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدين فقالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل النَّاس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مرضه: "حديث : مُرُوا أبَا بَكْر فليُصَلِّ بالنَّاسِ ". تفسير : وقال: "حديث : يَؤم القَوْمَ أقرؤهُم لِكتابِ اللَّه ". تفسير : وقال: "حديث : وليؤمكما أكبركما ". تفسير : وفهم منه العلماء أنه أراد كبر المنزلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الوَلاَء للْكِبَرِ"تفسير : . ولم يَعْنِ كبر السن. وقد قال مالك وغيره: إن للسن حقًّا، وراعاهُ الشَّافعي وأبو حنيفة، وهو أحق بالمراعاة. وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم في الدين قدم في الدنيا. وفي الحديث: "حديث : ليْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوقِّر كبِيْرنَا ويرْحَمْ صَغِيْرَنا ويَعرفْ لِعَالِمنَا حقَّهُ ". تفسير : وفي الحديث أيضاً: "حديث : مَا أكْرَمَ شابٌّ شَيْخاً لسنِّهِ إلاَّ قيَّضَ اللَّهُ لهُ عِندَ سنِّهِ مَنْ يُكرمهُ ". تفسير : قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}. قراءة العامة: بالنَّصب على أنَّه مفعول مقدم، وهي مرسومة في مصاحفهم "وكلاًّ" بألف. وابن عامر: برفعه. وفيه وجهان: أظهرهما: أنه ارتفع على الابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده الله. ومثله: [الرجز] شعر : 4716- قَدْ أصْبَحَتْ أمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ تفسير : برفع "كلُّه" أي: لم أصنعه. والبصريون [رحمة الله عليهم] لا يجيزون هذا إلاَّ في شعر، كقوله: [السريع] شعر : 4717- وخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتِنَا بالحَقِّ لا يَحْمَدُ بالبَاطِلِ تفسير : ونقل ابن مالك الإجماع من البصريين والكوفيين على جواز ذلك إن كان المبتدأ "كُلاًّ" وما أشبهها في الافتقار والعموم. قال شهاب الدين لم أره لغيره وقد تقدم نحو من ذلك في سورة "المائدة"، عند قوله تعالى: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} تفسير : [المائدة: 50] ولم يرو قوله: "كله لم أصنع" إلا بالرفع مع إمكان أن تنصبه، فتقول: "كله لم أصنع" مفعولاً مقدماً. قال أهل البيان: لأنه قصد عموم السَّلب لا سلب العموم، فإن الأول أبلغ، وجعلوا من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : كُلُّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ ". تفسير : ولو قال: لم يكن كل ذلك، لكان سلباً للعموم، والمقصود عموم السَّلب. قال الشيخ عبد القاهر: المعنى يتفاوت بالرفع والنصب، فمع الرفع يفيد أنه لم يفعل شيئاً من الأشياء، ومع النَّصْب يفيد أنه يفعل المجموع، ولا يلزم أنه لم يفعل البعض، بل إن قلنا بدليل الخطاب دل على أنه فعل البعض. والثاني: أن يكون "كلّ" خبر مبتدأ محذوف، و {وعد الله الحسنى} صفة لما قبله، والعائد محذوف، أي: "وأولئك كل وعد الله الحسنى". فإن قيل: الحذف موجود أيضاً فقد عدتم لما فررتم منه؟. فالجواب: أن حذف العائد من الصفة كثير بخلاف حذفه من الخبر. ومن حذفه من الصفة قوله: [الوافر] شعر : 4718- ومَا أدْرِي أغَيَّرَهُمْ تَنَاءٍ وطُولُ العَهْدِ أمْ مَالٌ أصَابُوا تفسير : أي: أصابوه، ومثله كثير، وهي في مصاحف "الشام" مرسومة: "وكلّ" دون ألف فقد وافق كل مصحفه، و "الحسنى" مفعول ثان، والأول محذوف على قراءة الرفع. وأمَّا النصب فالأول مقدّم على عامله. ومعنى الآية: أن المتقدمين السَّابقين والمتأخرين اللاَّحقين وعدهم الله جميعاً الجنة مع تفاوت الدرجات. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: أنه لما وعد السَّابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالماً بالخيرات، وبجميع المعلُومات حتى يمكنه إيصال الثَّواب إلى المستحقين، إذ لو لم يكن عالماً بهم، وبأفعالهم على سبيل التفصيل لما أمكن الخروج من عهدة الوعد بالتَّمام، فلهذا السَّبب أتبع هذا الوعد بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
القشيري
تفسير : ليخرِجَكم من ظلماتِ الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الشكِّ إلى نور اليقين. وكذلك يُريهم في أنفسهم من الآياتِ بكشوفاتِ السِّرِّ وما يحصل به التعريف مما يجدون فيه النفع والخيرَ؛ فيخرجهم من ظلمات التدبير إلى سعة فضاء التفويض، وملاحظة فنون جريان المقادير. وكذلك إذا أرادت النَّفْس الجنوحَ إلى الرُّخَصِ والأخذِ بالتخفيف وما تكون عليه المطالبةُ بالأشَقِّ - فإن بادَرَ إلى ما تدعوه الحقيقةُ إليه وَجَدَ في قلبه من النور ما يَعْلَمُ به ظلمةَ هواجس النَّفْسِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {هو الذى ينزل} بواسطة جبرآئيل عليه السلام {على عبده} المطلق محمد عليه السلام {آيات بينات} واضحات من الامر والنهى والحلال والحرام {ليخرجكم} الله ياقوم محمد أو العبد بسبب تلك الآيات {من الظلمات الى النور} من ظلمات الكفر والشرك والشك والجهل والمخالفة والحجاب الى نور الايمان والتوحيد واليقين والعلم والموافقة والتجلى {وان الله بكم لرؤف رحيم} حيث يهديكم الى سعادة الدارين بارسال الرسول وتنزيل الآيات بعد نصب الحجج العقلية (وقال الكاشفى) مهر بانست كه قرآن ميفرستد بخشاينده است كه رسول را بدعوت ميفر مايد، وقال بعضهم لرؤف بافاضة نور الوحى رحيم بازالة ظلمة النفس البشرية
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وقُرئ: "لرؤف". لمّا حث سبحانه المكلفين على المعرفة بالله وملكوته من جهة ما ركّب فيهم من فطرة العقول، وقرع أسماعهم من دعوة الرسول، أخبر بأنه لزمت دعوته وقبولكم إياها لما أيده الله به من المعجزات البينة التي أظهرها على يديه، أو الآيات الفرقانية خاصّة، ليخرجكم الله سبحانه بواسطة تلك الآيات من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والمعرفة. أو ليخرجكم الرسول بدعوته، أو ليخرجكم المنزل بما فيه من الحجج المنيرة والبراهين الواضحة. وإن الله بكم لرؤوف رحيم -، حيث بعث الرسول ونصب الأدلة، وهذا يدل على كمال الرأفة والرحمة، وللاشعار به اقترن الكلام بوجوه من التأكيد: منها الجمع بين لفظين مترادفين، وقيل: "الرأفة": النعمة على المضرور، و"الرحمة" النعمة على المحتاج. قيل: في هذه الآية دلالة على بطلان قول المجبرة، فإنه بيّن أن الغرض في إنزال القرآن الإيمان به. اقول: تحقيق هذا المقام يحتاج إلى طور آخر من اقتناص المعارف غير ما أكبّ عليه علماء الكلام، لكن يجب على كل عاقل متفكر، أن يفرّق بين الغاية الأخيرة والمتوسطة، وكذا بين الغاية بمعنى الداعي وما يسمى بالضروري الذي يلزم الفعل من غير أن يكون داعياً إليه، كقوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص:8]. مكاشفة إعلم أن الله تعالى، كما يُنزل على أشرف رسله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) آياتٍ بينات ليُخرج الناس من ظلمة الغباوة والغواية إلى نور الدراية والهداية، فما من عبد من عباده المهتدين، إلاّ ويأتيه من قِبَله تعالى إشارات وتنبيهات، وتنزل منه على قلبه أنوار متتاليات ليخرج بها من ظلمة الحُجُب الدنيوية إلى نور المعارف الأخروية، ولكن الناس أكثرهم غافلون عنها لاشتغالهم بما يلهيهم عن ذكر الله، ويُنسيهم امر الآخرة، فلا يبعد أن تكون هذه الآية بياناً لأخذ الميثاق المذكور في الآية المتقدمة، فإن الله سبحانه خلق عباده على فطرة التجرد والنقاء عن علائق الأجرام، والتقدس والصفاء عن كدورات الآثام، والتهيؤ لقبول دعوة الحق والإلهام واستعداد الترقي بواسطة العلم والعمل إلى أرفع المنازل في دار السلام، ثم إذا أنشأهم في هذه الحياة الدنيا، ربّاهم واكملهم وأعطاهم العقل والتميز، وبعث إليهم الرسول مؤيداً بالمعجزات، فلا يزال ينزل على قلوبهم آيات بينات من أنوار معرفته، ويفتح عليهم أبواباً من فنون رحمته وهدايته، ليهديهم إلى صراط مستقيم، ويخرجهم من ظلمات الجحيم إلى أنوار النعيم. وإنما ينسي الناس ذكر مواثيقهم الجِبِلّية مع الحق، وعهودهم الذاتية مع سكّان ملكوته، وسائر ما كانوا مفطورين عليه بطهارة ذواتهم المخمرة بيد القدرة أربعين صباحاً، واستعدادهم للمعرفة واليقين، تعلقاتُهم بمشاغل الكون لضرورة حياتهم الدنيوية، ويشغلهم عمّا يرد على قلوبهم من أنوار المعارف باطناً وظاهراً، ويلهيهم عن ألطاف الحق الواصلة إليهم داخلاً وخارجاً، ارتكابُهم الخطيئات، واقترافهم السيئات المبعدة لهم عن جوار الله وقربه، لان المعاصي تعمي أبصارهم، وتصمّ أسماعهم عن إدراك أنوار الحق وإلهاماته، فأعرضوا بها عن ذكر الله وسماع آياته البينات، واشتغلوا بما يلهيهم به الشيطان عما يلهمهم به الرحمان، لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} تفسير : [الزخرف:36]. وتمام التحقيق في هذا المرام، أن قلب الإنسان ذو وجهين: وجه إلى عالم الملكوت - وهو عالم المعرفة، وعالم الآخرة، وعالم الإلهام -، ووجه إلى عالم الحس - وهو عالم الجهل وعالم الدنيا وعالم الوسواس -، ثم إن الخواطر التي ترد على قلبه وتبعثه على الأفعال والحركات إما أن تنبعث من الجَنَبة العالية وتدعوه إلى الخير - كالعبادة والمعرفة -، أو تنبعث من الجَنَبة السافلة وتدعوه إلى الشر، - كالمعصية والغفلة -، فهما خاطران مختلفان، فافتقر إلى اسمين مختلفين - أيضاً - وهما حادثان، فاحتاجا إلى سبببين مختلفين، لان اختلاف المعاليل الحادثة يدل على اختلاف عللها القريبة، وان كان المؤثر في فيضان الوجود مطلقاً هو الله لبراءته عن شوائب الإمكان والدثور. فسبب الخاطر الداعي إلى الخير، يسمى في عرف الشريعة "مَلَكا"، وذلك الخاطر "إلهاماً"، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى "شيطاناً"، والخاطر "وسوسة". والله تعالى خالق كل شيء، فخلق الملائكة لصفة رحمته ولطفه، وخلق الشياطين لصفة قهره وغضبه، وكما أن الجنة أثر من آثار رحمته ونور من أنوار لطفه ورأفته، فكذلك النار أثر من آثار غضبه وشعلة من شعل قهره، فالإنسان متى اشتغل بعبادة ربه ومعرفة خالقه، انخرط في سلك رحمته ودخل في زمرة الملكوتيين، ومهما اشتغل بالمعاصي والشهوات ومتابعة الهوى والشيطان، استعد لمقته وغضبه، وعُدّ من جملة الشياطين، فالإلهامات من جانب الحق بواسطة المَلَك لعباده الصالحين، في مقابلة الوساوس من جانب الشيطان. وإنما يسلط الشيطان على قلب ابن آدم بواسطة "الخذلان" الحاصل له من مخالفته الحق، والعصيان، وإلاَّ فليس له في ذاته هذا التسلط على الإنسان، وإنما يدفع كيده عنه بواسطة "التوفيق" الذي يجلبه الإنسان بفعل الطاعة والعبادة، فإذا زال كيده ودفع وسواسه عن القلب، استعد لقبول الإلهامات الداعية إلى الخير والنور، الصارفة له عن الشرور والظلمات، فأهل الرحمة مآلهم إلى الجنة والنعيم، وأهل السخط مآلهم إلى النار والجحيم، وكل جنس يحنّ إلى جنسه، وكل طائر يطير إلى عشّه الأصلي ومعدنه الفطري، إما من جهة التوفيق والهداية، أو من جهة السخط والخذلان، والكل بمشية الله وقدرته. وقوله سبحانه: هو الذي ينزّل على عبده آيات بينات - يمكن أن يكون إشارة إلى الواردات التي ترد من جانب الرحمن على قلوب السالكين من عباده بواسطة ملائكة الرحمة، من الإلهامات والمعارف الحقة الواضحة لديهم أنها من جانب الحق. وقوله: {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} [الحديد:9] -، إشارة إلى ثمرة هذه الألطاف والأنعام في حقهم وفي حق غيرهم، إذ بها تنتقل النفوس الإنسانية من القوة الهيولانية الظلمانية إلى العقل بالفعل المتنور بأنوار المعرفة والإيمان بالله وآياته واليوم الآخر، أو من ظلمات الصفات الشيطانية إلى أنوار الأخلاق المَلَكية، أو الجمع بينهما ليكون بها للعبد الخروج من القوة إلى الفعل بحسب كلتا قوتيه - العلميّة والعملية -. وكما أن الإنسان، بالتأمل في أسرار معرفة الله وسماع آيات ملكوته، والتفكر في امر الآخرة يخرج من ظلمات الجهل والنقصان إلى نور المعرفة والكمال، فكذلك في ارتكاب شهوات الدنيا، ومتابعة الهوى والشيطان، يخرج من نور الإدراكات الحسية إلى ظلمات العمى والحرمان عن مشتهيات الدنيا، لفقد (لفتور - ن) الآلات عند الفساد والبطلان، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ} تفسير : [البقرة:257]. والله أعلم بأسرار كلامه.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي القرآن {لِّيُخْرِجَكُمْ} أي الله أو عبده بدعوته {مِّن الظُّلُمَاتِ} ظلمات الكفر {إِلَى النُّورِ} نور الايمان. {وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} حيث نبهكم بالرسل والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية وقرىء باسقاط الواو تخفيفا.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ } حسبما يعن لكم من المصالح {ءايَـٰتٌ بَيّنَـٰتٌ } واضحات. والظاهر أن المراد بها آيات القرآن، وقيل: المعجزات {لِيُخْرِجَكُمْ } أي الله تعالى إذ هو سبحانه المخبر عنه، أو العبد لقرب الذكر والمراد ليخرجكم بها {مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ } من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وقرىء في السبعة (ينزل) مضارعاً فبعض ثقل وبعض خفف. وقرأ الحسن بالوجهين، وقرأ زيد بن علي والأعمش (أنزل) ماضياً. {وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } مبالغ في الرأفة والرحمة حيث أزال عنكم موانع سعادة الدارين وهداكم إليها على أتم وجه. وقرىء في السبعة {لَرَؤُوفٌ } بواوين.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ثالث انتقل به الخطاب إلى المؤمنين، فهذه الآية يظهر أنها مبدأ الآيات المدنية في هذه السورة ويزيد ذلك وضوحاً عطف قوله: {أية : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله}تفسير : [الحديد: 10] الآيات كما سيأتي قريباً. والخطاب هنا وإن كان صالحاً لتقرير ما أفادته جملة {أية : وما لكم لا تؤمنون بالله والرسولُ يدعوكم لتؤمنوا بربكم}تفسير : [الحديد: 8] ولكن أسلوب النظم وما عطف على هذه الجملة يقتضيان أن تكون استئنافاً انتقالياً هو من حسن التخلص إلى خطاب المسلمين، ولا تفوته الدلالة على تقرير ما قبله لأن التقرير يحصل من انتساب المعنيين: معنى الجملة السابقة، ومعنى هذه الجملة الموالية. فهذه الجملة بموقعها ومعناها وعلتها وما عُطف عليها أفادت بياناً وتأكيداً وتعليلاً وتذييلاً وتخلصاً لغرض جديد، وهي أغراض جمعْتها جمعاً بلغ حد الإِعجاز في الإِيجاز، مع أن كل جملة منها مستقلة بمعنى عظيم من الاستدلال والتذكير والإِرشاد والامتنان. والرؤوف: من أمثلة المبالغة في الاتصاف بالرأفة وهي كراهية إصابة الغير بضر. والرحيم: من الرحمة وهي محبة إيصال الخير إلى الغير. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم {لرؤوف} بواو بعد الهمزة على اللغة المشهورة. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بدون واو بعد الهمزة وهي لغة ولعلها تخفيف، قال جرير:شعر : يرى للمسلمين عليه حقاً كفعل الوالد الرَّؤُف الرحيم تفسير : وتأكيد الخبر بــــ {إنّ} واللام في قوله: {وإن الله بكم لرؤوف رحيم} لأن المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام قد حسبوها إساءة لهم ولآبائهم وآلهتهم، فقد قالوا: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها}تفسير : [الفرقان: 41، 42]. وهذا يرجح أن قوله تعالى: {أية : آمنوا بالله ورسوله}تفسير : [الحديد: 7] إلى هنا مكّي. فإن كانت الآية مدنيّة فلأن المنافقين كانوا على تلك الحالة.
الشنقيطي
تفسير : وقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم آيات بينات، أي واضحات، وهي هذا القرآن العظيم، ليخرج الناس بهذا القرآن العظيم المعبر عنه بالآيات البينات من الظلمات، أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور التوحيد والهدى، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في قوله تعالى في الطلاق: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَّسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [الطلاق: 10-11] وآية الطلاق هذه بينت أن آية الحديد من العام المخصوص، وأنه لا يخرج بهذا القرآن العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله للإيمان والعمل الصالح، فقوله في الحديد: {لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلِمَاتِ} أي بشرط الإيمان والعمل الصالح بدليل قوله: {لِّيُخْرِجَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ}، الآية. فالدعوة إلى الإيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة، ولكن التوفيق إلى الخروج به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله، كما دلت عليه آيات الطلاق المذكورة والله جل وعلا يقول:{أية : وَٱللَّهُ يَدْعُوۤ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [يونس:25]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نوراً يخرج الله به المؤمنين من الظلمات إلى النور، جاء موضحاً في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً}تفسير : [النساء: 174] وقوله تعالى:{أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [المائدة: 15-16] وقوله تعالى: {أية : فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا}تفسير : [التغابن: 8] وقوله تعالى:{أية : فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [الأعراف: 157] وقوله تعالى:{أية : وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} {ٱلظُّلُمَاتِ} {لَرَءُوفٌ} (9) - وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يُنْزِلُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ، لِيُخْرِجَكُمْ بِهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الكُفْرِ، إِلَى نُورِ الإِيْمَانِ، ومِنَ الضَّلاَلَةِ إِلَى الهُدَى، وَمِنْ رَأْفَتِهِ بِكُمْ جَعَلَ لَكُمْ عُقُولاً وَأَفْهَاماً للتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْكُم الرُّسُلَ بِالكُتُبِ مِنْهُ تَعَالَى لِتَهْتَدُوا بِهَا إِلَى الإِيْمَانِ بِاللهِ، وَإِلَى عَمَلِ الخَيْرِ، وَالإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، لِيُدْخِلَكُمُ الجَنَّةَ وَيُجَنِّبَكُمْ عَذَابَ النَّارِ، وَاللهُ عَظِيمُ الرَأْفَةِ بِالعِبَادِ، وَاسِعُ الرَّحْمَةِ لَهُمْ.
الثعلبي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ} الله بالقرآن، وقيل: ليخرجكم الرسول بالدعوة { مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ثم بيّن سبحانه فضل السابقين في الانفاق والجهاد فقال عزّ من قائل حديث : {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ} يعني: فتح مكة في قول أكثر المفسرين. وقال الشعبي: هو صلح الحديبية قال: وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أفتح هو؟ قال: "نعم عظيم"تفسير : . وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ} أي من بعد الفتح {وَقَاتَلُواْ}. أخبرني عقيل أن المعافى أخبرهم عن محمد بن جرير حدّثني ابن البرقي، حدّثنا ابن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن أبي سعيد التمار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم". قال: من هم يا رسول الله؟قريش. قال: "لا هم أرق أفئدة وألين قلوباً" وأشار بيده إلى اليمن فقال: "هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية" فقلنا: يا رسول الله هم خير منّا؟ قال: "والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه" ثم جمع أصابعه ومدَّ خنصره فقال: "ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ". تفسير : وروى محمد بن الفضل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجة بيّنة على فضل أبي بكر بتقديمه لأنه أول من أسلم. أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر، أخبرنا أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، حدّثنا عكرمة بن عماد، حدّثنا شداد بن عبد الله أبو عمار وقد كان أدرك نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال أبو امامة لعمرو بن عبسة بأي شيء تدّعي أنك ربع الإسلام؟ قال: إني كنت أرى الناس على الضلالة ولا أرى الأوثان شيئاً، ثم سمعت عن رجل يخبرنا أخبار مكة فركبت راحلتي حتى قدمت عليه، فإذا قومه عليه جرآء قال: قلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي. قلت: وما نبي؟ قال: رسول الله. قلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: "أوحد الله ولا أشرك به شيئاً وكسر الأوثان وصلة الأرحام" . تفسير : قلت: من معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد. وإذا معه أبو بكر وبلال، فأسلمت عند ذلك فلقد رأيتني ربع الإسلام. ولأنه أول من أظهر الإسلام: أخبرنا أبو محمد الأصبهاني، أخبرنا أبو بكر الصعي، أخبرنا عبدالله بن احمد بن حنبل، أخبرنا أبي، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، حدّثنا زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله ابن مسعود قال: كان أول من أظهر الإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأُمّه سمية وصهيب وبلال والمقداد. ولأنه أول من قاتل على الإسلام: أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد الجرجاني بها، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن الحسن المحمدآبادي وحدّثنا أبو قلابة، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، حدّثنا زائدة عن عاصم عن زر عن عبدالله بن مسعود قال: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه. ولأنه أول من أنفق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله. أخبرنا عبدالله بن حامد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدّثنا العلا بن عمرو الشيباني، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، حدّثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال فقال: "أنفق ماله عليَّ قبل الفتح". قال: فإن الله عزّوجل يقول: إقرأ عليه السلام وتقول له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط ؟ إني عن ربي راض إني عن ربي راض. ولهذا قدّمه الصحابة على أنفسهم وأقروا له بالتقدم والسّبق. وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن يونس عقبة بن سنان، حدّثنا أبو بشر، حدّثنا الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن عبدالله بن سلمة عن علي رضي الله عنه قال: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر فلا أُوتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته جلد المفتري وطرح الشهادة. {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):