Verse. 5085 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

وَ مَا لَكُمْ اَلَّا تُنْفِقُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللہِ وَلِلہِ مِيْرَاثُ السَّمٰوٰتِ وَ الْاَرْضِ۝۰ۭ لَايَسْتَوِيْ مِنْكُمْ مَّنْ اَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقٰتَلَ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ اَعْظَمُ دَرَجَۃً مِّنَ الَّذِيْنَ اَنْفَقُوْا مِنْۢ بَعْدُ وَقٰتَلُوْا۝۰ۭ وَكُلًّا وَّعَدَ اللہُ الْحُسْنٰى۝۰ۭ وَاللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِيْرٌ۝۱۰ۧ
Wama lakum alla tunfiqoo fee sabeeli Allahi walillahi meerathu alssamawati waalardi la yastawee minkum man anfaqa min qabli alfathi waqatala olaika aAAthamu darajatan mina allatheena anfaqoo min baAAdu waqataloo wakullan waAAada Allahu alhusna waAllahu bima taAAmaloona khabeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومالكم» بعد إيمانكم «ألا» فيه إدغام نون أن في لام لا «تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض» بما فيهما فتصل إليه أموالكم من غير أجر الإنفاق بخلاف ما لو أنفقتم فتؤجرون «لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح» لمكة «وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا» من الفريقين، وفي قراءة بالرفع مبتدأ «وعد الله الحسنى» الجنة «والله بما تعملون خبير» فيجازيكم به.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ }. لما أمر أولاً بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكد في الآية المتقدمة إيجاب الإيمان أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاب الإنفاق، والمعنى أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدمتموه في الإنفاق في طاعة الله، وتحقيقه أن المال لا بد وأن يخرج عن اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن وقع على الوجه الأول، كان أثره اللعن والمقت والعقاب، وإن وقع على الوجه الثاني، كان أثره المدح والثواب، وإذا كان لا بد من خروجه عن اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه بحيث يستعقب اللعن والعقاب. ثم لما بين تعالى أن الإنفاق فضيلة بين أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة فقال: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقدير الآية: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح، ومن أنفق من بعد الفتح، كما قال: {أية : لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الحشر: 20] إلا أنه حذف لوضوح الحال. المسألة الثانية: المراد بهذا الفتح فتح مكة، لأن إطلاق لفظ الفتح في المتعارف ينصرف إليه، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا هجرة بعد الفتح» تفسير : وقال أبو مسلم: ويدل القرآن على فتح آخر بقوله: {أية : فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً } تفسير : [الفتح: 27] وأيهما كان، فقد بين الله عظم موقع الإنفاق قبل الفتح. المسألة الثالثة: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق، لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله، قال عمر: «كنت قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره؟ فقال: حديث : أنفق ماله علي قبل الفتح»تفسير : . واعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالاً ممن صدر عنه هذان الأمران بعد الفتح، ومعلوم أن صاحب الإنفاق هو أبو بكر، وصاحب القتال هو علي، ثم إنه تعالى قدم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال، وفيه إيماء إلى تقديم أبي بكر، ولأن الإنفاق من باب الرحمة، والقتال من باب الغضب، وقال تعالى: «حديث : سبقت رحمتي غضبي» تفسير : فكان السبق لصاحب الإنفاق، فإن قيل: بل صاحب الإنفاق هو علي، لقوله تعالى: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ } تفسير : [الإنسان: 8] قلنا: إطلاق القول بأنه أنفق لا يتحقق إلا إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالاً عظيمة، وذكر الواحدي في البسيط أن أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام، ولأن علياً في أول ظهور الإسلام كان صبياً صغيراً، ولم يكن صاحب القتال وأما أبا بكر فإنه كان شيخاً مقدماً، وكان يذب عن الإسلام حتى ضرب بسببه ضرباً أشرف به على الموت. المسألة الرابعة: جعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام، وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام بالنفس، وإنفاق المال في تلك الحال، وفي عدد المسلمين قلة، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد، فكانت الحاجة إلى النصرة والمعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح، فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً، والكفر ضعيفاً، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ } تفسير : [التوبة: 100] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تسبوا أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»تفسير : . ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أي وكل واحد من الفريقين {وَعَدَ ٱللَّهُ بِٱلْحُسْنَى }أي المثوبة الحسنى، وهي الجنة مع تفاوت الدرجات. المسألة الثانية: القراءة المشهورة {وَكُلاًّ } بالنصب، لأنه بمنزلة: زيداً وعدت خيراً، فهو مفعول وعد، وقرأ ابن عامر: (وكل) بالرفع، وحجته أن الفعل إذا تأخر عن مفعوله لم يقع عمله فيه، والدليل عليه أنهم قالوا: زيد ضربت، وكقوله في الشعر:شعر : قد أصبحت أم الخيار تدعى علي ذنباً كله لم أصنع تفسير : روي (كله) بالرفع لتأخر الفعل عنه لموجب آخر، واعلم أن للشيخ عبد القاهر في هذا الباب كلاماً حسناً، قال: إن المعنى في هذا البيت يتفاوت بسبب النصب والرفع، وذلك لأن النصب يفيد أنه ما فعل كل الذنوب، وهذا لا ينافي كونه فاعلاً لبعض الذنوب، فإنه إذا قال: ما فعلت كل الذنوب، أفاد أنه ما فعل الكل، ويبقى احتمال أنه فعل البعض، بل عند من يقول: بأن دليل الخطاب حجة يكون ذلك اعترافاً بأنه فعل بعض الذنوب. أما رواية الرفع، وهي قوله: كله لم أصنع، فمعناه أن كل واحد واحد من الذنوب محكوم عليه بأنه غير مصنوع، فيكون معناه أنه ماأتى بشيء من الذنوب ألبتة، وغرض الشاعر أن يدعي البراءة عن جميع الذنوب، فعلمنا أن المعنى يتفاوت بالرفع والنصب، ومما يتفاوت فيه المعنى بسبب تفاوت الإعراب في هذا الباب قوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49] فمن قرأ (كل) شيء بالنصب، أفاد أنه تعالى خلق الكل بقدر، ومن قرأ (كل) بالرفع لم يفد أنه تعالى خلق الكل، بل يفيد أن كل ما كان مخلوقاً له فهو إنما خلقه بقدر، وقد يكون تفاوت الإعراب في هذا الباب بحيث لا يوجب تفاوت المعنى كقوله: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ } تفسير : [يس: 39] فإنك سواء قرأت {وَٱلْقَمَرِ } بالرفع أو بالنصب فإن المعنى واحد فكذا في هذه الآية سواء قرأت {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } أو قرأت {وَكُلٌّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } فإن المعنى واحد غير متفاوت. المسألة الثالثة: تقدير الآية: وكلا وعده الله الحسنى إلا أنه حذف الضمير لظهوره كما في قوله: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } تفسير : [الفرقان: 41] وكذا قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } تفسير : [البقرة: 48] ثم قال: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } والمعنى أنه تعالى لما وعد السابقين والمحسنين بالثواب فلا بد وأن يكون عالماً بالجزئيات، وبجميع المعلومات، حتى يمكنه إيصال الثواب إلى المستحقين، إذ لو لم يكن عالماً بهم وبأفعالهم على سبيل التفصيل، لما أمكن الخروج عن عهدة الوعد بالتمام، فلهذا السبب أتبع ذلك الوعد بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أيُّ شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقرِّبكم من ربكم وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى. فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي إنهما راجعتان إليه بٱنقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى المستحق له. الثانية: قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة. وقال الشعبيّ والزهريّ: فتح الحُدَيْبية. قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك. وفي الكلام حذف؛ أي {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل؛ فحذف لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم؛ لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفِعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشقّ والأجر على قدر النَّصَب. والله أعلم. الثالثة: روي أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يُقدَّم أهل الفضل والعزم؛ وقد قال الله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} وقال الكلبي: نزلت في أبي بكر رضي الله عنه؛ ففيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه؛ لأنه أوّل من أسلم. وعن ٱبن مسعود: أوّل من أظهر الإسلام بسيفه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر؛ ولأنه أوّل من أنفق على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم. حديث : وعن ابن عمر قال: كنت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خَلَّلها في صدره بخِلاَل فنزل جبريل فقال: يا نبيّ اللهٰ مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خَلَّلها في صدره بخِلاَل؟ فقال: «قد أنفق عليّ ماله قبل الفتح» قال: فإن الله يقول لك ٱقرأ على أبي بكر السلام وقل له أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أراضٍ أنت في فقرك هذا أم ساخط»؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربِّي لراضٍ إنّي عن ربّي لراضٍ إني عن ربي لراضٍ قال: «فإن الله يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ» فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثك يا محمد بالحقّ، لقد تَخلَّلت حملةُ العرش بالعُبِيّ منذ تَخلّل صاحبك هذا بالعباءة؛ تفسير : ولهذا قدّمته الصحابة على أنفسهم، وأقرُّوا له بالتقدّم والسبق. وقال عليّ ابن أبي طالب رضي الله عنه: سبق النبيُّ صلى الله عليه وسلم وصَلَّى أبو بكر وثَلَّثَ عمر؛ فلا أوتي برجل فَضَّلني على أبي بكر إلا جلدته حدّ المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة. فنال المتقدّمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضاً أنفذ. الرابعة: التقدّم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، فأما في أحكام الدِّين فقد قالت عائشة رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم. وأعظم المنازل مرتبة الصلاة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مرضه: «حديث : مُرُوا أبا بكر فليصلِّ بالناس» تفسير : الحديث. وقال: «حديث : يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله» تفسير : وقال: «حديث : وليؤمّكما أكبركما» تفسير : من حديث مالك بن الحُوَيْرث وقد تقدم. وفهم منه البخاري وغيره من العلماء أنه أراد كِبر المنزلة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : الولاء لِلِكبَر» تفسير : ولم يعن كبر السن. وقد قال مالك وغيره: إن للسنّ حقًّا. وراعاه الشافعي وأبو حنيفة وهو أحقّ بالمراعاة؛ لأنه إذا ٱجتمع العلم والسنّ في خيِّرين قُدِّم العلم،وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدِّين، فمن قُدِّم في الدين قُدِّم في الدنيا. وفي الآثار: «حديث : ليس مِنا من لم يوقِّر كبيرَنَا ويرحمْ صغيرنا ويعرفْ لعالمنا حقَّه»تفسير : . ومن الحديث الثابت في الأفراد: «حديث : ما أكرم شاب شيخاً لسِنِّه إلا قَيِّض الله له عند سنِّه من يكرمه»تفسير : . وأنشدوا:شعر : يا عائباً لِلشيوخ مِن أَشَرِ دَاخَلَهُ في الصِّبَا ومِن بَذَخِ ٱذكر إذا شئتَ أن تُعيِّرَهُمْ جَدَّكَ وٱذكر أباك يا بن أخِ وٱعلم بأن الشباب منسلِخٌ عنك وما وِزْرُه بمنسلِخِ من لا يعزّ الشيوخَ لا بلغتْ يوماً به سِنُّه إلى الشَّيَخِ تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعَدَهم الله جميعاً الجنة مع تفاوت الدرجات. وقرأ ٱبن عامر «وَكُلٌّ» بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام. الباقون «وَكُلاًّ» بالنصب على ما في مصاحفهم؛ فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلاّ الحسنى. ومن رفع فلأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وَعَدَه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا لَكُمْ } بعد إيمانكم {أَلاَّ } فيه إدغام نون أن في لام لا {تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } بما فيهما فتصل إليه أموالكم من غير أجر الإِنفاق بخلاف ما لو أنفقتم فتؤجرون {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ } لمكة {وَقَٰتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَٰتَلُواْ وَكُلاًّ } من الفريقين وفي قراءة بالرفع مبتدأ {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } الجنة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازيكم به.

ابن عطية

تفسير : والمعنى: {وما لكم لا تنفقوا في سبيل الله} وأنتم تموتون وتتركون أموالكم، فناب مناب هذا القول قوله: {ولله ميراث السماوات والأرض}، وفيه زيادة تذكير بالله وعبرة، وعنه يلزم القول الذي قدرناه. وقوله تعالى: {لا يستوي منكم} الآية، روي أنها نزلت بسبب أن جماعة من الصحابة أنفقت نفقات كثيرة حتى قال ناس: هؤلاء أعظم أجراً من كل من أنفق قديماً، فنزلت الآية مبينة أن النفقة قبل الفتح أعظم أجراً. وهذا التأويل على أن الآية نزلت بعد الفتح، وقد قيل إنها نزلت قبل الفتح تحريضاً على الإنفاق، والأول أشهر وحكى الثعلبي أنها نزلت في أبي بكر الصديق ونفقاته، وفي معناه قول النبي عليه السلام لخالد بن الوليد: "حديث : اتركوا لي أصحابي، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : واختلف الناس في {الفتح} المشار إليه في هذه الآية. فقال أبو سعيد الخدري والشعبي: هو فتح الحديبية. وقد تقدم في سورة "الفتح" تقرير كونه فتحاً، ورفعه أبو سعيد الخدري إلى النبي عليه السلام أن أفضل ما بين الهجرتين فتح الحديبية. وقال قتادة ومجاهد وزيد بن أسلم: هو فتح مكة الذي أزال الهجرة. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المشهور الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية. تفسير : وقال له رجل بعد فتح مكة: أبايعك على الهجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الهجرة قد ذهبت بما فيها". تفسير : وإن الهجرة شأنها شديد، ولكن أبايعك على الجهاد وحكم الآية باق غابر الدهر من أنفق في وقت حاجة السبيل أعظم أجراً ممن أنفق مع استغناء السبيل. وأكثر المفسرين على أن قوله: {يستوي} مسند إلى {من}، وترك ذكر المعادل الذي لا يستوي معه، لأن قوله تعالى: {من الذين أنفقوا من بعد} قد فسره وبينه. ويحتمل أن يكون فاعل {يستوي} محذوفاً تقديره: لا يستوي منكم الإنفاق، ويؤيد ذلك أن ذكره قد تقدم في قوله: {وما لكم ألا تنفقوا} ويكون قوله: {من} ابتداء وخبره الجملة الآتية بعد. وقرأ جمهور السبعة: "وكلاً وعد الله الحسنى" وهي الوجه، لأن وعد الله ليس يعوقه عائق على أن ينصب المفعول المقدم. وقرأ ابن عامر: "وكل وعد الله الحسنى"، فأما سيبويه رحمه الله فقدر الفعل خبر الابتداء، وفيه ضمير عائد وحذفه عنده قبيح لا يجري إلا في شعر ونحوه، ومنه قول الشاعر [جرير بن عطية]: [الرجز] شعر : قد أصبحت أم الخيار تدعي عليّ ذنباً كله لم أصنع تفسير : قال: ولكن حملوا الخبر على الصفات كقول جرير: [الوافر] شعر : وما شيء حميت بمستباح تفسير : وعلى الصلات كقوله تعالى: {أية : أهذا الذي بعث الله رسولاً} تفسير : [الفرقان: 41] وذهب غير سيبويه إلى أن {وعد} في موضع الصفة، كأنه قال: "أولئك كل وعد الله الحسنى"، وصاحب هذا المذهب حصل في هذا التعسف في المعنى فراراً من حذف الضمير في خبر المبتدأ. و: {الحسنى} الجنة، قاله مجاهد وقتادة، والوعد يتضمن ما قبل الجنة من نصر وغنيمة. وقوله تعالى: {والله بما تعملون خبير} قول فيه وعد ووعيد. وقوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} الآية، قال بعض النحويين: {من} ابتداء و: {ذا} خبر، و {الذي} صفة، وقال آخرون منهم: {من} ابتداء و: {ذا} زائد مع الذي، و {الذي} خبر الابتداء، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في التطوع في جميع أمر الذين. والقرض: السلف ونحوه أن يعطي الإنسان شيئاً وينتظر جزاءه، والتضعيف من الله هو في الحسنات، يضاعف الله لمن يشاء من عشرة إلى سبعمائة، وقد ورد أن التضعيف يربى على سبعمائة، وقد مر ذكر ذلك في سورة البقرة بوجوهه من التأويل. وقرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: "فيضاعفُه" بالرفع على العطف أو على القطع والاستئناف. وقرأ عاصم: "فيضاعفَه" بالنصب في الفاء في جواب الاستفهام، وفي ذلك قلق. قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع عن القرض، وإنما يقع السؤال عن فاعل القرض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله: {من ذا الذي يقرض} بمنزلة أن لو قال: أيقرض الله أحداً فيضاعفه؟ وقرأ ابن كثير "فيضعّفُه" مشددة العين مضمومة الفاء. وقرأ ذلك ابن عامر، إلا أنه فتح الفاء. والأجر الكريم الذي يقرض به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء: يا كريم العفو، أي أن مع عفوه رضى وتنعيماً وعفو البشر ليس كذلك.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ} أي أسلم، أو أنفق ماله في الجهاد {الْفَتْحِ} فتح مكة، أو الحديبية قال قتادة كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل منهما بعد فتحها {الْحُسْنَى} الجنة أو الحسنة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [المعنى: وما لكم أَلاَّ تنفقوا في سبيل اللَّه، وأَنتم تموتون وتتركون أموالكم، فناب منابَ هذا القول قوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}] وفيه زيادة تذكير باللَّه وعبرة، وعنه يلزم القولُ الذي قدرناه. وقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ...} الآية: الأشهر في هذه الآية أَنَّها نزلت بعد الفتح، واخْتُلِفَ في الفتح المشار إليه؛ فقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ والشَّعْبِيُّ: هو فتح الحديبية، وقال قتادة، ومجاهد، وزيد بن أسلم: هو فتح مكة الذي أزال الهجرة، قال * ع *: وهذا هو المشهور الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ»تفسير : ، وحكم الآية باقٍ غابرَ الدهر؛ مَنْ أنفق في وقتِ حاجة السبيل، أعظم أجراً مِمَّن أنفق مع استغناء السبيل، و{ٱلْحُسْنَىٰ}: الجنة، قاله مجاهد وقتادة، والقرض: السلف، والتضعيفُ من اللَّه تعالى هو في الحسنات، وقد مَرَّ ذِكْرُ ذلك، والأجر الكريم الذي يقترن به رضى وإقبال، وهذا معنى الدعاء بـ«يا كريم» العفو، أي: إِنَّ مع عفوه رضى وتنعيماً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} [الآية: 10]. قال جعفر: الإرادة القوية والإيمان السليم للمهاجرين وأهل الصفة وإمامهم وسيدهم الصديق الأكبر وهم الذين لم يؤثروا الدنيا على الآخرة بل بذلوها ولم يعرجوا عليها واعتمدوا فى ذلك على ربهم وطلبوا رضاه وموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم فخصهم الله من بين الأمة بقوله: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. ما في أيديكم ميراثُه الله، وعن قريبٍ سيُنْقَلُ إلى غيركم ولا تبقون بتطاول أحمالكم. وهو بهذا يحثهم على الصدقةِ والبدارِ إلى الطاعة وتَرْكِ الإخلاد إلى الأمل.. ثم قال: قوله جلّ ذكره: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}. لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح مكة والحديبية والذين أنفقوا من بعد ذلك. بل أولئك أعظم ثواباً وأعلى درجةً من هؤلاء؛ لانَّ حاجةَ الناسِ كانت أكثر إلى ذلك وكان ذلك أشقَّ على أصحابه. ثم قال: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} إلاَّ انَّ فضيلة السَّبْقِ لهم، ولهذا قالوا: شعر : السابقَ السابقَ قولاً وفعلاً حذِّرْ النَّفْسَ حَسْرَةَ المسبوقِ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ} فيه بيان شرف المتقدمين فى الطرية والباذلين انفسهم واموالهم لرعاية الوفاء بالعبودية لحبيبهم اذ بيان صدق الصادقين اجابة دعوة الحق فى البداية لا يتقاعد عن طلبه بمانع نفسه وماله قال جعفر الارادة القوية والايمان والتسليم للمهاجرين واهل الصفة وامامهم وسيدهم الصديق الاكبر وهم الذين لم يرثوا الدنيا على الأخرة بل بذلوها ولمي عرجوا عليها واعتمدوا فى ذلك ربهم وطلبوا رضاه وموافقة الرسول صلى الله عليه وسلم فخصصهم الله من بين الامة بقوله لا يستوى منكم الأية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومالكم الا تنفقوا فى سبيل} اى واى شىء لكم من أن تنفقوا فيما هو قربة الى الله ماهو له فى الحقيقة وانما أنتم خلفاؤه فى صرفه الى ماعينه من المصارف فقوله {فى سبيل الله} مستعار لما يكون قربة اليه وقال بعضهم معناه لاجل الله {ولله ميراث السموات والارض} حال من فاعل لاتنفقوا او مفعوله المحذوف اى ومالكم فى ترك انفاقها فى سبيل الله والحال انه لايبقى لكم منها شىء بل تبقى كلها لله بعد فناء الخلق واذا كان كذلك فانفاقها بحيث تستخلف عوضا يبقى وهو الثواب كان اولى من الامساك لانها اذا تخرج من أيديكم مجانا بلا عوض وفائدة قال الراغب وصف الله نفسه بانه الوارث من حيث ان الاشياء كلها صائرة اليه وقال ابو الليث انما ذكر لفظ الميراث لان العرب تعرف ان ماترك الانسان يكون ميراثا فخاطبهم بما يعرفون فيما بينهم قال بعض الكبار اولا ان القلوب مجبولة على حب المال مافرضت الزكاة ومن هنا قال بعضهم ان العارف لا زكاة عليه والحق ان عليه الزكاة كما ان عليه الصلاة والطهارة من الجنابة ونحوهما لانه يعلم ان نفسه مجموع العالم ففيها من يحب المال فيوفيه حقه من ذلك الوجه باخراجها فهو زاهد من وجه وراغب من وجه آخر وقد اخرج رسول الله عليه السلام صدقة ماله فالكامل من جمع بين الوجهين اذا الوجوب حقيقة فى المال لا على المكلف لانه انما كلف باخراج الزكاة من المال لكون المال لايخرج بنفسه فللعارفين المحبة فى جميع العالم كله وان تفاضلت وجوهها فيحبون جميع مافى العالم بحب الله تعالى فى ايجاد ذلك لامن جهة عين ذلك الموجود فلابد للعارف أن يكون فيه جزء يطلب مناسبة العالم ولولا ذلك الجزء ما كانت محبة ولا محبوب ولا تصور وجودها وفى كلام عيسى عليه السلام قلب كل انسان حيث ماله فاجعلوا اموالكم فى السماء تكن قلوبكم فى السماء فحث اصحابه على الصدقة لما علم ان الصدقة تقع بيد الرحمن وهو يقول ءأمنتم من فى السماء فانظر ما أعجب كلام النبوة وما أدقه وأحلاه وكذلك لما علم السامرى ان حب المال ملصق بالقلوب صاغ لهم العجل من حليهم بمرأى منهم لعلمه ان قلوبهم تابعة لاموالهم ولذلك لما سارعوا الى عبادة العجل دعاهم اليها فعلم ان العارف من حيث سره الربانى مستخلف فيما بيده من المال كالوصى على مال المحجور عليه يخرج عنه الزكاة وليس له فيه شىء ولكن لما كان المؤمن لحجابه يخرجها بحكم الملك فرضت عليه الزكاة لنال بركات ثواب من رزىء فى محبوبه والعارف لايخرج شيأ بحكم الملك والمحبة كالمؤمن انما يخرج امتثالا للامر ولا تؤثر محبت فلمال فى محبته الله تعالى لانه ما أحب المال الا بتحبيب الله ومن هنا قال سليمان عليه السلام هب لى ملكا لاينبغى لاحد من بعدى انك أنت الوهاب فما طلب الا من نسبة فاقة فقير الى غنى، ثم اعلم ان المال انما سمى مالا لميل النفوس اليه فان الله تعالى قد أشهد النفوس مافى المال من قضاء الحاجات المجبول عليها الانسان اذ هو فقير بالذات ولذلك مال الى المال بالطبع الذى لاينفك عنه ولو كان الزهد فى المال حقيقة لم يكن مالا ولكان الزهد فى الآخرة اتم مقاما من الزهد فى الدنيا وليس الامر كذلك فان الله تعالى قد وعد بتضعيف الجزآء الحسنة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف فلو كان القليل منه حجاب لكان الكثير منه اعظم حجابا فالدنيا للعارف صفة سليمانية كمالية وما اليق قوله {أية : انك أنت الوهاب}تفسير : أتراه عليه السلام سأل مايحجبه عن الله تعالى او سأل مايبعده من الله تعالى كلا ثم انظر الى تتميم النعمة عليه بدار التكليف بقوله تعالى له {أية : هذا عطاؤنا فامنن او أمسك بغير حساب}تفسير : فرفع عنه الحرج فى التصرف بالاسم المانع والمعطى واختصه بجنة معجلة فى الدنيا ما حجبه ذلك المال عن ربه فانظر الى درجة العارف كيف جمع بين الجنتين وتحقق بالحقيقتين وأخرج زكاة المال الذى بيده عملا بقوله تعالى {أية : وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}تفسير : فجعله مالكا للأنفاق من حقيقة الهية فيه فى مال هو ملك الحقيقة أخرى فيه هو وليها من حيث الحقيقة الالهية {لايستوى منكم} يامعشر المؤمنين (روى) ان جماعة من الصحابة رضى الله عنهم انفقوا انفقات كثيرة حتى قال ناس هؤلاء اعظم اجرا من كل من انفق قديما فنزلت الآية مبينة ان النفقة قبل فتح مكة أعظم أجرا {من انفق من قبل الفتح} اى فتح مكة الذى ازال الهجرة وقال عليه السلام فيه "حديث : لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : وهذا قول الجمهور وقال الشعبى هو صلح الحديبية فانه فتح كما سبق فى سورة الفتح {وقاتل} العدو تحت لوآء رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستوآء يقتضى شيئين فقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة مابعده عليه اى لايستوى فى الفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن انفق من بعده وقاتل والظاهر أن من أنفق فاعل لايستوى وقيل من مبتدأ ولايستوى خبره ومنكم حال من ضمير لايستوى لا من ضمير انفق لضعف تقديم مافى الصلة على الموصول او الصفة على الموصوف و لضعف تقديم الخبر على منكم لان حقه أن يقع بعده ثم فى انفق اشارة الى انفاق المال ومايقدر عليه من القوى وفى قاتل اشارة الى انفاق النفس فان الجهاد سعى فى بذل الوجود ليحصل بالفناء كمال الشهود ولذا قال تعالى {أية : ولا تقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون}تفسير : فهذه الحياة حياة أخروية باقية عندية فكيف تساويها الحياة الدنيوة الفانية الخلقية مع ان رزق الحياة الفانية ينفد وما عند الله باق ولذا قال {أية : اكلها دائم وظلها}تفسير : اى راحتها فالانسان العاقل بترك الراحة الدنيوية اليسيرة لله تعالى يصل الى الراحة الكثيرة الأخروية فشأنه يقتضى الجهاد والقتال {اولئك} المنفقون المقاتلون قبل الفتح وهم السابقون الاولون من المهاجرين والانصار {اعظم درجة} وأرفع منزلة عند الله وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها فالدرجة بمعنى المرتبة والطبقة وجمعها درجات واذا كانت بمعنى المرقاة فجمعها درج {من الذين انفقوا من بعد وقاتلوا} لانهم انما فعلوا من الانفاق والقتال قبل عزة الاسلام وقوة أهله كمال الحاجة الى النصرة بالنفس والمال وهؤلاء فعلوا مافعلوا بعد ظهور الدين ودخول الناس فيه أفواجا وقلة الحاجة الى الانفاق والقتال وقد صرح عليه السلام ايضا بفضل الاولين بقوله "حديث : لو أنفق احدكم مثل أحد ذهبا مابلغ مد أحدهم ولا نصيفه"تفسير : قال فى القاموس المد بالضم مكيال وهو رطلان او رطل وثلث او ملىء كفى الانسان المعتدل اذا ملأها ومديده بهما وبه سمى مدا وقد جربت ذلك فوجدته صحيحا والنصيف والنصف واحد وهو أحد شقى الشىء والضمير فى نصيفه راجع الى احدهم لا الى المد والمعنى ان احدكم أيها الصحابة الحاضرون لايدرك بانفاق مثل جبل أحد ذهبا من الفضيلة ماأدرك أحدهم بانفاق مد من الطعام او نصيف له وفيه اشارة الى ان صحبة السابقين الاولين كاملة بالنسبة الى صحبة اللاحقين الآخرين لسبقهم وتقدمهم وفى الحديث "حديث : سيأتى قوم بعدكم تحقرون اعمالكم مع أعمالهم"تفسير : قالوا يارسول الله نحن أفضل ام هم قال "حديث : لو أن أحدهم أنفق مثل أحد ذهبا ماادرك فضل أحدكم ولا نصفه"تفسير : فرقت هذه الآية بينكم وبين الناس لايستوى منكم الآية ذكره ابو الليث فى تفسيره وفيه اشارة الى ان الصحابة متفاتون فى الدرجة بالنسبة الى التقدم والتأخر واحراز الفضائل فكذا الصحابة ومن بعدهم فالصحابة مطلقا أفضل ممن جاء بعدهم مطلقا فانهم السابقون من كل وجه {وكلا} اى كل واحد من الفريقين وهو مفعول اول لقوله {وعد الله الحسنى} اى المثوبة الحسنى وهى الجنة لا الاولين فقط ولكن الدرجات متفاوتة {والله بما تعملون خبير} بظواهره وبواطنه فيجازيكم بحسبه قال فى المناسبات لما كان زكاء الاعمال انما هو بالنبات وكان التفضيل مناط العلم قال مرغبا فى حسن النيات مرهبا من التقصير فيها والله بما تعملون اى تجددون عمله على ممر الاوقات خبير اى عالم بباطنه وظاهره علما لامزيد عليه بوجه فهو يجعل جزآء الاعمال على قدر النيات التى هى ارواح صورها شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست تفسير : وقال الكلبى نزلت هذه الآية فى أبى بكر الصديق رضى الله عنه وفيها دلالة ظاهرة وحجة باهرة على تفضيل أبى بكر وتقديمه فانه اول من أسلم وذلك فيما روى ان أبا امامة قال لعمر بن عبينة باى شىء تدعى انك ربع الاسلام قال انى كنت أرى الناس على الضلالة ولا ارى للاوثان شيأ ثم سمعت عن رجل يخبر عن أخبار مكة فركبت راحلتى حتى قدمت عليه فقلت من أنت قال انا نبى قلت وما نبى قال رسول الله قلت بأى شىء أرسلك قال اوحد الله لا أشرك به شيأ واكسر الاوثان واصل الارحام قلت من معك على هذا قال حر وعبد واذا معه ابو بكر وبلال فاسلمت عند ذلك فرأيتنى ربع الاسلام يعنى بس دانستم خودرا ربع اسلام، وانه اى أبا بكر اول من اظهر الاسلام على ماروى عن عبدالله ابن مسعود رضى الله عنه قال كان او من اظهر الاسلام رسول الله عليه السلام وابو بكر وعمار وامه سمية وصهيب وبلال والمقداد وانه اول من قاتل على الاسلام وخاصم الكفار حتى ضرب ضربا اشرف به على الهلاك على ماقاله ابن مسعود رضى الله عنه أول من اظهر الاسلام بسيفه النبى عليه السلام وأبو بكر رضى الله عنه وانه اول من أنفق على رسول الله وفى سبيل الله قال ابن عمر رضى الله عنهما كنت عند النبى عليه السلام وعنده أبو بكر وعليه عباءة فدكية قد خللها فى صدره بخلال يعنى بروى كليمى بودكه استوار كرده ويرا درسينه خود بخلال، قال فى القاموس خل الكساء شده بخلال وذو الخلال ابو بكر الصديق رضى الله عنه لانه تصدق بجمع ماله وخل كساءه بخلال انتهى فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال مالى أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها فى صدره بخلال فقال أنفق ماله على قبل الفتح قال فان الله تعالى يقول اقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت عنى فى فقرك هذا ام ساخط فقال ابو بكر ءأسخط على ربى انى عن ربى راض انى عن ربى راض ولهذا قدمه الصحابة رضى الله عنهم على أنفسهم واقروا له بالتقدم والسبق وذلك فيما روى عبد الله بن سلمة عن على رضى الله عنه قال سبق رسول الله عليه السلام وثنى ابو بكر وثلث عمر يعنى سابقست رسول الله ودر بى وى ابو بكر است وسوم عمر است، فلا اؤتى برجل فضلنى على أبى بكر وعمر الا جلدته جلد المفترى واطرح شهادته يعنى طرح شهادت وى كنم ودر صفت وى كفته اند شعر : صاحب قدم مقام تجريد سر دفتر جمله اهل توحيد در جمع مقربان سابق حقا كه جواو نبود صادق تفسير : وفى الآية اشارة الى أن من تقدمت مجاهدته على مشاهدته وهو المريد المراد والسالك المجذب والمحب المحبوب اعلى واجل وأسبق درجة ومرتبة من درجات المشاهدة ومراتبها ممن تقدمت مشاهدته على مجاهدته حين يقعد ارباب المشاهدة فى مقعد صدق عند مليك مقتدر لمشاهدة وجهه ورؤية جماله فى جنة وصاله يفوقه ويسبقه ويتقدمه وهو المراد المريد والمجذوب السالك والمحبوب المحب فان المجاهدة قدمت على المشاهدة فى قوله تعالى {أية : والذين جاهوا فينا لنهدينهم سبلنا} تفسير : فيصير سلوك الاول واقعا على وفق العادة الآلهية والسنة الربانية وسلوك الثانى على خارقها والمعتبر فى الترتيب الالهى تقدما وتأخرا باعتبار الاكمل انما هو وفق العادة والسنة الالهية وهما وان كانا متحدين باعتبار اصل حسن المشاهدة لكنهما متفاوتان باعتبار قدرها ودرجتها فانهم الصافون وما منا الا له مقام معلوم كذا فى كتاب اللائحات البرقيات لحضرة شيخى وسندى روح الله روحه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرأ القرّاء سوى ابن عامر: "وكلاً وعد الله" بالنصب على المفعولية لأنه بمنزلة "زيداً وعدتُ خيراً". وقرأ ابنُ عامر: وكلٌ وعد الله. بالرفع، محتجاً بأن الفعل إذا تقدم عليه مفعوله لم يُقْوَ عمله فيه قوته إذا تأخر، والدليل أن من قال: "زيد ضربت" وزيد بحسب المعنى مفعول ضربت، فإذا تأخر المفعول فوقع بعد الفاعل يتغير إعرابه نصباً، فكذلك قوله تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} يكون على إرادة "الهاء" وحذفها كما يحذف من الصفات والصلات. وأما معناه: فقد حثّ سبحانه على الإنفاق الذي هو من الأعمال الحسنة الجامعة لتكميل الشخص وتهذيبه من ذمائم الأخلاق المنوطة لمحبة الأمر الفاني مع مصلحة النوع، إذ بالإنفاق ينتشر ما به ينتفع الناس ويصرف في وجوه المصالح كأهبة المجاهدين وغيرها ليستحفظ به الشريعة، فقال: وما لكم ألاَّ تنفقوا - أي: في أن لا تنفقوا - في سبيل الله -، أي: أيّ شيء لكم في ترك الإنفاق في طريق الحق والجهاد في سبيله مع كونه خيراً نافعاً لكم ولغيركم، والحال أن المال في معرض الزوال عمن بيده عن قريب، إما بهلاك أحدهما، أو كليهما في نفسه عن الآخر. - ولله ميراث - كل موجود - في السموات والأرض. إذ الكل يفنى وهو يبقى، فالله يرث كل شيء فيهما من مال وغيره، فما أقبح للعاقل أن يبخل بمال يكون عارية بيده من غيره، وسينتقل إليه، وهو يأمره بالإنفاق الذي فيه صلاح له ولغيره، فالآية من أعظم الحث وأبلغ البعث على الإنفاق في سبيله. ثم بيّن سبحانه مراتب المنفقين في الفضيلة والأجر، وتفاوت درجاتهم بحسب الإنفاق في سبيله فقال: - لا يستوى منكم من أنفق - من قبل فتح مكة وشوكة الإسلام، وكثرة أهله وقوتهم، وقلة الحاجة إلى القتال ونفقة المقاتلين، ومن أنفق من بعد الفتح. وحذف لوضوح دلالة الكلام عليه، وقرئ: "قبلَ الفتح". أولئك - أي: السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين أنفقوا قبل الفتح وجاهدوا في سبيل الله - أعظم درجة - عنده - من الذين أنفقوا - بعد الفتح، ثم سوّى بين الجميع في الوعد ومطلق الخير والمثوبة الحسنى، وهي الجنة، مع التفاضل في الرتب والدرجات. والله سبحانه - لكونه عالماً، لا يخفى عليه شيء من الدقيق والجليل، خبير بما تعملون من إنفاقكم وجهادكم، بصير بموازين الأفعال والأعمال ومراتب فضلها بحسب الصعوبة والمشقة، ودرجات شرفها بحسب النية والبصيرة والإخلاص والسريرة. مُكاشفة واعلم أنه كما تتفاوت درجات المؤمنين بحسب أعمالهم البدنية، وأفعالهم الظاهرية، قبل انتشار نور الإسلام وظهور عزه وقوة أهله ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وبعده، كذلك تتفاوت درجات أهل الله وأولياء معرفته، بحسب سلوكهم الباطني، وسفرهم إلى شهود معرفة الله، ومهاجرتهم عن موطن النفس ابتغاءً لوجه الله، ومجاهدتهم مع أعداء الله وأولياء الطاغوت تقرباً إلى الحق بحسب معارفهم وعلومهم الاعتقادية الحاصلة قبل المكاشفة، فإن من كانت اعتقاداته حقة مطابقة لنفس الأمر، وعمل بموجباتها من الإنفاق والزهد والجهاد في سبيل الله، قبل كشف الغطاء ومعاينة الحقائق الدينية بالموت الإرادي، فهو أعظم جلالة وأجلّ مرتبة من الذين زهدوا في الدنيا وجاهدوا مع النفس والهوى بعد ذلك. إذ الإنسان لو لم يكن مؤيداً من قبل الله تعالى بتأييد قدسي ومدد سماوي، لما كان حاله في ترك المشتهيات ومقاومة القوى النفسانية ومجاهدة الوساوس الشيطانية قبل كشف الغطاء وفتح مملكة البدن من يدي القوى الأمّارة، كحاله بعد ذلك، إذ الزهد الحقيقي والورع عن محارم الله، صعب على الإنسان وقت الاحتجاب، واما عند ظهور الحقائق معاينةً فليس كذلك. ويحتمل أن يكون في الآية إشارة إلى تفاوت درجات القوى التي للإنسان، وتفاضل بعضها عن بعض بحسب الصفاء والكدورة، والقرب من عالم القدس والبعد عنه، فإن في العالم الصغير الإنساني خلائق مختلفة، وقوى متعددة، بعضها مَلَكية شبيهة بضرب من الملائكة، وبعضها شيطانية شبيهة بضرب من الشياطين، وبعضها شَهَوية كالبهائم، وبعضها غَضَبية كالسباع. والجميع خلقت لتكون مطيعة لأمر الله، مسخّرة للقوة العاقلة، وهي مكلفة بالمجاهدة مع هذه القوى الجسمية الشهوية، والغضبية، والوهمية الفاسقة والظالمة والكافرة، ودفع معارضتها ومنازعتها مع القوة العقلية التي هي من أولياء الله إذا كملت بالعلم والعمل، وإنما انبعثت من جانب الله لتسخير قواها وإرجاعها عن متابعة الطاغوت إلى متابعة الحق وعودها بالمجاهدة من عالم الغرور إلى عالم النور، ومن معدن الكذب إلى مقعد الصدق. والقوة العقلية التي أرسلت وجاءت من عالم الملكوت مبعوثة على عالم البدن وجنوده وقواه مأمورة من قبل الله تعالى بمعاداة الشيطان ومطاردة حزبه وجنوده، لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ * إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر:5 - 6]. فالإنسان بالقوة العقلية مأمور باتخاذ الشيطان وحزبه عدواً له، وبالمناقضة معها والمغالبة عليها، ولا يمكن الغلبة عليها إلاَّ بتسخير القوى، وما لا يتم الواجب المطلق إلاَّ به فهو واجب، وكل واجب مأمور به ولو تَبعاً. فالقوة العقلية مأمورة من قبل الله بتسخير القوى البدنية، وفتح هذه البلدة المحرّمة التي هي فيها بجنود لم تروها، من الأخلاق السليمة والصفات الملكية الحاصلة بتأييده سبحانه وإمداده في بعض الآدميين، وبجنود منقادة لها من عالم الجسم والبدن، وهي التي ليست مزاحمة للقوة العقلية بعناية الله ولطفه، لتتسلط على المملكة والجنود، فتصير القوى في جميع أوامرها وزواجرها طائعات، ولسلوك سبيل الله مستتبعات بعدما كانت عائقات، وتلك الأخلاق الحسنة كقوة الذكاء، وسرعة التفكر، والجود، والكرم، والعزم، والصبر الجميل، والتوكل وغيرها مما تتفاوت وتتفاضل في الشرف بحسب أنواعها المختلفة بالحقيقة واشخاصها المختلفة بالمحلّ، وفي المطاوعة والمتابعة لرئيسها وخليفة الله عليها في أرض البدن، فلا تزال المطاردة والمقاتلة بين جنود الملائكة وجنود الشياطين قائمة في معركة النفس الإنسانية، إلى أن تنفتح المملكة الآدمية لأحدهما فيستوطن فيها ويطرد الأخرى ويخرجها عن البلدة بحيث لا يكون لها الدخول فيها إلا اجتيازاً. واكثر النفوس مما قد فتح مملكتها البدنية وسخرها جنود الشيطان وملوكها، فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة واطّراح الآخرة، وقليل منها قد استولت فيها القوة العاقلة على القوى الشيطانية وسخرتها، فأسلمت وأطاعت كلمة الله وأمره، وأجابت دعوة الحق وانخرطت مع ساير القوى المسلمة المطيعة طاعة رئيسها المطلق ومخدومها بأمر الحق. والنفس الإنسانية لصفائها ولطافتها صالحة بحسب أصل الفطرة لقبول آثار الملكية والشيطانية لتقلبها في النشآت وتطورها بالأطوار وتلوّنها بالألوان المختلفة، كالإناء الزجاجي اللطيف الذي يتلون بلون ما فيه. كيف، ولو لم يكن لها من اللطافة وقبول الأثر ما يقبل كل صورة وينتقش بكل نقش، لم تقبل آثار الملكية، ولم تنتقش فيها صور الحقائق الإلهية، فهي في أول الفطرة تصلح للآثار الحقة والباطلة - صلاحاً متساوياً -، وإنما يترجح أحد الجانبين على الآخر باتباع الهوى والشهوات، والإعراض عنها. فإن اتّبع الإنسان مقتضى شهوته وغضبه، ظهر تسليط الشيطان بواسطة اتّباع الهوى والشهوات بالأوهام والخيالات الفاسدة الكاذبة، فصارت المملكة إقطاع [أقطار - ن] الشيطان، وصار القلب عشّه ومسكنه، والهوى مَرْتَعه ومرعاه لمناسبة ما بينهما. وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه، وقابل بصفوف جنود الملائكة صفوف جنود الشياطين، فتقابل الصفّان، وتقاتل الجندان، وتدافع الحزبان، فدفع كل من حزب الله ما يقابله من حزب الشيطان، فبقوة البرهان اليقيني بوجود النشأة الباقية، عارض الأوهام الكاذبة والظنون الباطلة الداعية إلى الشهوات، والركون إلى زخارف الدنيا، والإخلاد إلى أرض البدن، والاقتصار على هذه النشأة الزائلة، وبقوة الصبر عارض الهوى، وبقوة الخوف عن سوء العاقبة عارض الأمْن من مَكْر الله، وبقوة الرجاء عارض القنوط من رحمة الله، وبالعزيمة طرد الكسل. وهكذا يدفع بكل جند من جنود الرحمن جنداً يقابله من جنود الشيطان، حتى ينفتح للقوة العاقلة أول بيت وُضع للناس للذي ببكّة الصدر، وأول معبد ومسجد وضع للقلب الحقيقي بمكة الصدر المعنوي الذي هو مزدحم القوى المتوجهة إليه، وهذا هو المسجد الحرامُ دخولهُ على القوى المشركة الطبيعية الدهرية لقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} تفسير : [التوبة:28] خطاباً للقوة الدرّاكة، {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة:28] من القوى الطبيعية، {أية : نَجَسٌ} تفسير : [التوبة:28] لمباشرتها الأرجاس البدنية والقاذورات بالإحالة والهضم والنقل من موضع إلى موضع {أية : فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ}تفسير : [التوبة:28] وهو معبد (مسجد) القلب المتنور بنور المعرفة والإخلاص، {أية : بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة:28]، أي: عام الفتح وزمانه {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ}تفسير : [التوبة:28] من منعها عن الدخول فيه {أية : عَيْلَةً}تفسير : [التوبة:28] من عدم الفعل الغاذية وغيرها، {أية : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ}تفسير : [التوبة:28] بأن يحصل لكم التقوّت بالمعرفة والاستغراق في شهوده بحيث لم يبق لكم كثير حاجة إلى فعل هذه القوى كما يحصل لأهل الله. ولقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} تفسير : [التوبة:17] لكونهم جسمانية، والتجرد شرط الإيمان والمعرفة {أية : أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:17 - 18] بالمعرفة والعبودية {أية : مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [التوبة:18] أي ذكر الله {أية : وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ}تفسير : [التوبة:18] أي من الأجساد التي في تصرفه فيزكيها بتحليلها بالرياضات والعبادات في سبيل المعرفة {أية : وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : [التوبة:18] لكونه عالماً به، وإنما يخشى الله من عباده العلماء {أية : فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} تفسير : [التوبة:18] إلى طريق الآخرة وعالم القدس {أية : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [التوبة:19] اللَّتان هما فعل الغاذية والنامية، إذ القوى الطائفة بكعبة البيت الحرام في مسجد الصدر، إنما تتقوّت من فعل الغاذية، وجسمية هذا المسجد إنما يتعمر بفعل النامية {أية : كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [التوبة:19] وهي القوة العقلية {أية : وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:19] بمعارضتها ومصادمتها للواهمة ووساوسها الشيطانية {أية : لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [التوبة:19] {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ}تفسير : [التوبة:20] من موطن الجسمية إلى عالم التجرد والملكوت، {أية : وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} تفسير : [التوبة:20] من المواد البدنية والقوى المحمولة لها، {أية : أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُونَ* يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [التوبة:20 - 22]. وكما أنه قد يستعين المجاهدون في مجاهدة طائفة من الكفّار بطائفة أخرى منهم، كذلك في مجاهدة النفس يقع نظيره، كما يدفع الإنسان ثورة (سَوْرَةَ) الشهوة بالغضب، فإن بالغضب تنكسر الشهوة، كما ينهزم الخنزير من النمر، فالحكيم تارة يكسر شَرَه هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، ومرة يدفع ضراوة هذا الكلب بتسليط الخنزير عليه، ليجعل الكلَّ مقهوراً تحت سياسته، منخرطاً في سلك عباد الله المسلمين، ويظهر العدل في مملكة البدن، ويجري الكل على الصراط المستقيم. إذا تحقق ما ذكرناه فنقول: إن القوة العاقلة - التي هي خليفة الله في مملكة البدن - إذا غلبت بجنودها الذين هم من حزب الله، - كالمعرفة والتقوى والذكاء والصبر وغيرها -، على القوة الوهمية وجنودها وخدّامها الذين هم من جنود الشيطان في أول الأمر، وزمان الجاهلية الأولى، وصارت مسلمة بيدها مقهورة تحتها، إذا جاء نصر الله والفتح إياها، ودخلت سائر القوى في دين الله - الذي هو طريق معرفة الحق والعمل بمقتضاها - أفواجاً، عند هذا الفتح المعنوي الذي هو عبارة عن مشاهدة حقائق هذه الأشياء كما هي، فبعض هذه القوى منذ صحبت القوة العاقلة قبل حصول الكشف والشهود، كانت مطيعة لأمر الله، خادمة للقوة العاقلة، مؤتمرة بأوامرها، منتهية بنواهيها، منفقة لمادتها البدنية ومحللة لرطوباتها الدماغية الحاملة لها في طريق التفكر في آيات الله وسبيل ملكوته، والمجاهدة مع كفرة الأوهام الكاذبة الفاسدة. وبعضها كانت عاصية إياها بعد، متمردة عن أوامرها ونواهيها. فكل قوة أسلمت وأطاعت أمر الله، وأنفقت في طريق المعرفة ما تحمله من المواد الجسمية، وجاهدت في سبيل الله، وعارضت الكفرة والظلمة والفسقة تقرّباً إلى طاعة الحق قبل الولادة المعنوية والولاة الحقيقية، فهي أعظم أجراً وأجلّ رتبة من سائر القوى، وأقربها إلى أفق المجرّدات النورية، وكل من هذه الجنود والقوى له استحقاق الحسنى من عند الله، والمثوبة، إذا أسلمت وصارت مسخّرة للقوة العاقلة، ثابتة في طاعتها لأمر الله، ومشايعتها إياها في السلوك إليه تعالى، واستنارتها بنور المعرفة واهتدائها بهداها. فإن قلت: هذه القوى الجسمانية قائمة بهذه المادة العنصرية، فهي داثرة هالكة غير باقية بعد خراب البدن، فأنّى تكون لها المثوبة والسعادة؟ قلت: هذه القوى البدنية الداثرة - ادراكية كانت الحواس، أو تحريكية - كالشهوة والغضب، كلها آثار وظلال للقوى والمشاعر التي هي في ذات القوة العاقلة، فإن لها في ذاتها بصراً وسمعاً وذوقاً وشمّاً ولمساً - من دون الحاجة إلى البدن -، وكذا لها في ذاتها محبة وقهراً وقبضاً وبسطاً، ويداً معنوية، وجارحة روحانية، وهذه بمنزلة المعلومات والآثار لتلك، وكما إن الحواس البدنية كلها ترجع إلى حاسة واحدة - هي الحس المشترك -، فجميع حواس النفس ترجع إلى قوة واحدة - هي قوتها النظرية التي تشاهد بها المعقولات، وتتصرف فيها، وتحضرها عند العقل بقدرتها التي لها في ذاتها من دون البدن -. ألا ترى أن الإنسان في حالة النوم - والتي هي شبيهة لحالة الموت في تعطّل الحواسّ البدنية -، يبصر ويسمع ويذوق ويلمس ويتحرك، مع أن حواسه الظاهرة وكثيراً من قواها العلمية معطلة عن الإدراك والأفاعيل؟. فللنفس الإنسانية قوى وخدم في ذاتها، وجنود معنوية وآلات روحانية باقية معها في النشأة الأخروية. وكما أن لها في الدنيا صوراً وأشكالاً وهيآت تناسبها، فكذلك تحشر يوم القيامة وتظهر بصور وهيآت مناسبة لصفاتها وأعمالها، حين يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.

اطفيش

تفسير : {وَمَا لَكُمْ ألا تُنفِقُوا} أي في أن لا تنفقوا فحذف في وادغم النون في اللام وقيل أن زائدة ناصبة وهو ضعيف وعليه فالجملة حال. {فِى سَبِيلِ اللهِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ} ارثهن بما فيهن فلا يبقى لاحد مال فانفاقه أولى لانه يعوض أجراً كبيرا هو الجنة. {لا يَسْتَوِى مِنكُمْ مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ} لمكة وبه عز الاسلام وكثر أهله وقلة الحاجة الى القتال وقرىء بإسقاط من ونصب قبل. {وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} والمعادل محذوف أي ومن انفق من بعد الفتح وقاتل لقلة الحاجة اليهما بعد الفتح وذلك بيان لتفاوت احوال المنفقين المقاتلين من قبل والمنفقين المقاتلين من بعد فالاولون أقوى يقينا وتحريا لحاجات ولذلك، قال اولئك اعظم درجة وهو دليل على المحذوف. {مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ} بعد الفتح {وَقَاتَلُوا} وذلك قول الجمهور وقتادة وزيد بن أسلم ومجاهد وهو الفتح الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"تفسير : وحكم باقي الآية باق في غابر الازمنة من انفق في وقت الحاجة أو قاتل في وقت الشدة كهذا العصر أعظم أجرا ممن فعل في غيره ذلك فمن قاتل اليوم أعظم ممن قاتل بعد الفتح، وقال ابو سعيد الخدري والشعبي: هو فتح الحديبية وقال الكلبي: نزلت الآية في أبي بكر رضي الله عنه أول من أسلم وأول من انفق ماله في سبيل الله وأول من خاصم الكفار وقد ضرب ضرباً أشرف به على الموت. وعن ابن عمر حديث : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده ابو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل عليه السلام فقال مالي أرى أبا بكر عليه عباءة مخللة فقال صلى الله عليه وسلم: "انفق ماله علي قبل الفتح" قال: فإن الله عز وجل يقول أقرأ عليه السلام وقيل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقل كيف أسخط على ربي، إني على ربي راض، إني على ربي راض،تفسير : وهؤلاء المهاجرون الاولون الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أنفق احدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". تفسير : {وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَى} الجنة ولكن درجات جنة المنفقين المقاتلين قبل الفتح اعظم وقرأ ابن عامر برفع كل على الابتداء وحذف الرابط أي وعده ليطابق ما عطف عليه. {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} حديث : عن صفوان ابن امية وسهيل بن عمرو ورجلين آخرين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فقال ما جاء بكم فقالوا: سمعنا انه لا إيمان لمن لم يهاجر فقال صلى الله عليه وسلم: "إن الهجرة قد انقطعت ولكن جهاد ونية وحسبة" ثم قال: اقسمت عليك يا أبا وهب لترجعن إلى مكة .

الالوسي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ } توبيخ على ترك الإنفاق إما للمؤمنين الغير المنفقين أو لأولئك الموبخين أولاً على ترك الإيمان، وبخهم سبحانه على ذلك بعد توبيخهم على ترك الإيمان بإنكار أن يكون لهم في ذلك أيضاً عذر من الأعذار. و{أَن} مصدرية لا زائدة كما قيل، واقتضاه كلام الأخفش، والكلام على تقدير حرف الجر، فالمصدر المؤل في محل نصب أو جر على القولين، وحذف مفعول الإنفاق للعلم به مما تقدم. وقوله تعالى: {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } لتشديد التوبيخ، والمراد به كل خير يقربهم إليه تعالى على سبيل الاستعارة التصريحية أي أيّ شيء لكم في أن لا تنفقوا فيما هو قربة إلى الله تعالى ما هو له في الحقيقة وإنما أنتم خلفاؤه سبحانه في صرفه إلى ما عينه عز وجل من المصارف، أو ما انتقل إليكم من غيركم وسينتقل منكم إلى الغير. {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي يرث كل شيء فيهما ولا يبقى لأحد مال، على أن ميراثهما مجاز أو كناية عن ميراث ما فيهما لأن أخذ الظرف يلزمه أخذ المظروف. وجوز أن يراد يرثهما وما فيهما، واختير الأول أنه يكفي لتوبيخهم إذ لا علاقة لأخذ السماوات والأرض هنا. والجملة حال من فاعل {أَلاَّ تُنفِقُواْ} أو مفعوله مؤكدة للتوبيخ، فإن ترك الإنفاق بغير سبب قبيح منكر ومع تحقق ما يوجب الإنفاق أشد في القبح وأدخل في الإنكار فإن بيان بقاء جميع ما في السماوات والأرض من الأموال بالآخرة لله عز وجل من غير أن يبقى لأحد من أصحابها شيء أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من بيان أنها لله تعالى في الحقيقة، أو أنها انتقلت إليهم من غيرهم كأنه قيل: وما لكم في ترك إنفاقها في سبيل تعالى، والحال أنه لا يبقى لكم ولا لغيركم منها شيء بل تبقى كلها لله عز وجل. وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لزيادة التقرير وتربية المهابة. وقوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ } بيان لتفاوت درجات المنفقين حسب تفاوت أحوالهم في الإنفاق بعد بيان أن لهم أجراً كبيراً على الإطلاق حثاً لهم على تحري الأفضل، / وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه من أهم مواد الإنفاق مع كونه في نفسه من أفضل العبادات وأنه لا يخلو من الإنفاق أصلاً وقسيم {مَّنْ أَنفَقَ } محذوف أي لا يستوي ذلك وغيره، وحذف لظهوره ودلالة ما بعد عليه. والفتح فتح مكة على ما روي عن قتادة وزيد بن أسلم ومجاهد وهو المشهور فتعريفه للعهد أو للجنس ادعاءاً، وقال الشعبـي: هو فتح الحديبية وقد مر وجه تسميته فتحاً في سورة الفتح، وفي بعض الآثار ما يدل عليه. أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في «الدلائل» من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار حديث : عن أبـي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كان بعسفان قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: يوشك أن يأتي قوم يحتقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا: من هم يا رسول الله أقريش؟ قال: لا ولكن هم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً، فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مدّ أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ} الآية تفسير : . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {قَبْلُ } بغير {مِنْ }. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى {مَّنْ أَنفَقَ}، والجمع بالنظر إلى معنى {مِنْ } كما أن إفراد الضميرين السابقين بالنظر إلى لفظها، ووضع اسم الإشارة البعيد موضع الضمير للتعظيم والإشعار بأن مدار الحكم هو إنفاقهم قبل الفتح وقتالهم، ومحله الرفع على الابتداء؛ والخبر قوله تعالى: {أَعْظَمُ دَرَجَةً } أي أولئك المنعوتون بذينك النعتين الجليلين أرفع منزلة وأجل قدراً. {مّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ } بعد الفتح {وَقُتّلُواْ } وذهب بعضهم إلى أن فاعل {لاَ يَسْتَوِى } ضمير يعود على الإنفاق أي لا يستوي هو أي الإنفاق أي جنسه إذ منه ما هو قبل الفتح ومنه ما هو بعده، و {مَّنْ أَنفَقَ } مبتدأ، وجملة {أُوْلَـئِكَ أَعْظَمُ} خبره وفيه تفكيك الكلام وخروج عن الظاهر لغير موجب فالوجه ما تقدم، ويعلم منه التزاماً التفاوت بين الإنفاق قبل الفتح والإنفاق بعده، وإنما كان أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا بعد لأنهم إنما فعلوا ما فعلوا عند كمال الحاجة إلى النصرة بالنفس والمال لقلة المسلمين وكثرة أعدائهم وعدم ما ترغب فيه النفوس طبعاً من كثرة الغنائم فكان ذلك أنفع وأشد على النفس وفاعله أقوى يقيناً بما عند الله تعالى وأعظم رغبة فيه، ولا كذلك الذين أنفقوا بعد. {وَكُلاًّ } أي كل واحد من الفريقين لا الأولين فقط {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } أي المثوبة الحسنى وهي الجنة على ما روي عن مجاهد وقتادة، وقيل: أعم من ذلك والنصر والغنيمة في الدنيا. وقرأ ابن عامر وعبد الوارث ـ وكل ـ بالرفع، والظاهر أنه مبتدأ والجملة بعده خبر والعائد محذوف أي وعده كما في قوله: شعر : وخالد (يحمد) ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل تفسير : يريد يحمده، والجملة عطف على {أُوْلَـئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} وبينهما من التطابق ما ليس على قراءة الجمهور، ومنع البصريون حذف العائد من خبر المبتدا، وقالوا: لا يجوز إلا في الشعر بخلاف حذفه من جملة الصفة وهم محجوجون بهذه القراءة، وقول بعضهم فيها: إن كل خبر مبتدأ تقديره: وأولئك كل، وجملة {وَعَدَ ٱللَّهُ } صفة ـ كل ـ تأويل ركيك، وفيه زيادة حذف، على أن بعض النحاة منع وصف ـ كل ـ بالجملة لأنه معرفة بتقدير وكلهم، وقال الشهاب: الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك من أن عدم جواز حذف العائد من جملة الخبر / في غير ـ كل ـ وما ضاهاها في الافتقار والعموم فإنه في ذلك مطرد لكن ادعى فيه الإجماع وهو محل نزاع. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بظاهره وباطنه ويجازيكم على حسبه فالكلام وعد ووعيد. وفي الآيات من الدلالة على فضل السابقين المهاجرين والأنصار ما لا يخفى، والمراد بهم المؤمنون المنفقون المقاتلون قبل فتح مكة أو قبل الحديبية بناءاً على الخلاف السابق، والآية على ما ذكره الواحدي عن الكلبـي نزلت في أبـي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أي بسببه، وأنت تعلم أن خصوص السبب لا يدل على تخصيص الحكم، فلذلك قال: {أُوْلَـٰئِكَ } ليشمل غيره رضي الله تعالى عنه ممن اتصف بذلك، نعم هو أكمل الأفراد فإنه أنفق قبل الفتح وقبل الهجرة جميع ماله وبذل نفسه معه عليه الصلاة والسلام ولذا قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : ليس أحد أمنّ علي بصحبته من أبـي بكر » تفسير : وذلك يكفي لنزولها فيه. وفي «الكشاف» إن {أُوْلَـٰئِكَ } هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين قال النبـي صلى الله عليه وسلم فيهم: « حديث : ولو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه » تفسير : قال الطيبـي: الحديث من رواية البخاري ومسلم وأبـي داود والترمذي عن أبـي سعيد الخدري قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أصحابـي فلو أن أحداً أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه »تفسير : ، وتعقبه في «الكشف» بأنه على هذا لا يختص بالسابقين الأولين كما أشار في «الكشاف» إليه وهو مبني على أن الخطاب في «لا تسبوا» ليس للحاضرين ولا للموجودين في عصره صلى الله عليه وسلم بل لكل من يصلح للخطاب كما في قوله تعالى: { أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ } تفسير : [الأنعام: 30] الآية وإلا فقد قيل: إن الخطاب يقتضي الحضور والوجود ولا بد من مغايرة المخاطبين بالنهي عن سبهم فهم السابقون الكاملون في الصحبة. وأقول شاع الاستدلال بهذا الحديث على فضل الصحابة مطلقاً بناءاً على ما قالوا: إن إضافة الجمع تفيد الاستغراق وعليه صاحب «الكشف»، واستشكل أمر الخطاب، وأجيب عنه بما سمعت وبأنه على حدّ خطاب الله تعالى الأزلي لكن في بعض الأخبار ما يؤيد أن المخاطبين بعض من الصحابة والممدوحين بعض آخر منهم فتكون الإضافة للعهد أو بحمل الأصحاب على الكاملين في الصحبة. أخرج أحمد عن أنس قال: « حديث : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمن بن عوف: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: دعوا لي أصحابـي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد ـ أو مثل الجبال ـ ذهباً ما بلغتم أعمالهم » تفسير : ثم في هذا الحديث تأييد مّا لكون أولئك هم الذين أنفقوا قبل الحديبية لأن إسلامه رضي الله تعالى عنه كان بين الحديبية وفتح مكة كما في «التقريب» وغيره، والزمخشري فسر الفتح بفتح مكة فلا تغفل، قال الجلال المحلي: كون الخطاب في «لا تسبوا» للصحابة السابين، وقال: نزلهم صلى الله عليه وسلم بسبهم الذي لا يليق بهم منزلة غيرهم حيث علل بما ذكره وهو وجه حسن فتدبر.

ابن عاشور

تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. الإِنفاق في سبيل الله بمعناه المشهور وهو الإِنفاق في عتاد الجهاد لم يكن إلا بعد الهجرة فإن سبيل الله غلب في القرآن إطلاقه على الجهاد ويؤيده قوله عقبه: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح}، لأن الأصل أن يكون ذلك متصلاً نزوله مع هذا ولو حمل الإِنفاق على معنى الصدقات لكان مقتضياً أنها مدنية لأن الإِنفاق بهذا المعنى لا يطلق إلا على الصدقة على المؤمنين فلا يُلام المشركون على تركه. وعليه فالخطاب موجّه للمؤمنين، فقد أعيد الخطاب بلون غير الذي ابتدىء به. ومن لطائفه أنه موجه إلى المنافقين الذين ظَاهِرُهم أنهم مسلمون وهم في الباطن مشركون فهم الذين شحّوا بالإِنفاق. ووجه إلحاق هذه الآية وهي مدنيّة بالمكيّ من السورة مناسبة استيعاب أحوال الممسكين عن الإِنفاق من الكفار والمؤمنين تعريضاً بالتحذير من خصال أهل الكفر إذ قد سبقها قوله: {أية : وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}تفسير : [الحديد: 7]. و{ما} استفهامية مستعملة في اللوم والتوبيخ على عدم إنفاقهم في سبيل الله. و(أَنْ) مصدرية، والمصدر المنسبك منها والفعل المنصوب بها في محل جر باللام، أو بــــ (في) محذوف، والتقدير: ما حصل لكم في عدم إنفاقكم، أي ذلك الحاصل أمر منكر. وعن الأخفش أنَّ (أَنْ) زائدة فيكون بمنزلة قوله: {أية : وما لكم لا تؤمنون بالله}تفسير : [الحديد: 8]. وليس نصبها الفعل الذي بعدها بمانع من اعتبارها زائدة لأن الحرف الزائد قد يعمل مثلَ حرف الجر الزائد، وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله} تفسير : في سورة البقرة (246). والواو في {ولله ميراث السمٰوات والأرض} واو الحال وهو حال من ضمير {تنفقوا} باعتبار أن عموم السماوات والأرض يشمل ما فيهما فيشمل المخاطبين فذلك العموم هو الرابط. والتقدير: لله ميراث ما في السماوات والأرض، ويشمل ميراثُه إياكم. والمعنى: إنكار عدم إنفاق أموالهم فيما دعاهم الله إلى الإِنفاق فيه وهم سيهلكون ويتركون أموالهم لمن قدَّر الله مصيرها إليه فلو أنفقوا بعض أموالهم فيما أمرهم الله لنالوا رضى الله وانتفعوا بمال هو صائر إلى من يرثهم. وإضافة ميراث إلى السماوات والأرض من إضافة المصدر إلى المفعول وهو على حذف مضاف، تقديره: أهلها، وليس المراد ميراث ذات السماوات والأرض لأن ذلك إنما يحصل بعد انقراض الناس فلا يؤثر في المقصود من حثهم على الإنفاق. {لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَـٰتَلَ أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَـٰتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}. استئناف بياني ناشىء عمّا يجول في خواطر كثير من السامعين من أنهم تأخروا عن الإنفاق غير ناوين تركه ولكنهم سيتداركونه. وأدمج فيه تفضيل جهاد بعض المجاهدين على بعض لمناسبة كون الإِنفاق في سبيل الله يشمل إنفاق المجاهد على نفسه في العُدة والزاد وإنفاقَه على غَيْرِهِ ممن لم يستكمل عُدته ولا زاده، ولأن من المسلمين من يستطيع الجهاد ولا يستطيع الإِنفاق، فأريد أن لا يغفل ذكره في عداد هذه الفضيلة إذ الإِنفاق فيها وسيلة لها. وظاهر لفظ الفتح أنه فتح مكة فإن هذا الجنس المعرّف صار علماً بالغلبة على فتح مكة، وهذا قول جمهور المفسرين. وإنما كان المنفقون قبل الفتح والمجاهدون قبله أعظم درجة في إنفاقهم وجهادهم لأن الزمان الذي قبل فتح مكة كان زمان ضعف المسلمين لأن أهل الكفر كانوا أكثرَ العرب فلما فُتحت مكة دَخلت سائر قريش والعرب في الإسلام فكان الإنفاق والجهاد فيما قبل الفتح أشَقَّ على نفوس المسلمين لقلة ذات أيديهم وقلة جمعهم قبالة جمع العدوّ، ألا ترى أنه كان عليهم أن يثبتوا أمام العدوّ إذا كان عدد العدوّ عشرة أضعاف عدد المسلمين في القتال قال تعالى: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال: 65]. وقيل المراد بالفتح: صلح الحديبية، وهذا قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه والزهري، والشعبي، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، واختاره الطبري. ويؤيده ما رواه الطبري عن أبي سعيد الخدري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية عام الحديبية» وهو الملائم لكون هذه السورة بعضها مكي وبعضها مدنيّ فيقتضي أن مدنيّها قريب عهد من مدة إقامتهم بمكة، وإطلاق الفتح على صلح الحديبية وَاردٌ في قوله تعالى: {أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}تفسير : [الفتح: 1]. و{مَن أنفق} عامٌّ يشمل كلّ من أنفق. وقيل: أريد به أبو بكر الصديق فإنه أنفق ماله كله من أول ظهور الإسلام. ونفي التسوية مراد به نفيها في الفضيلة والثواب فإن نفي التسوية في وصف يقتضي ثبوت أصل ذلك الوصف لجميع من نفيت عنهم التسوية، فنفي التسوية كناية عن تفضيل أحد جانبين وتنقيص الجانب الآخر نقصاً متفاوتاً. ويعرف الجانب الفاضل والجانب المفضول بالقرينة أو التصريح في الكلام، وليس تقديم أحد الجانبين في الذكر بعد نفي التسوية بمقتض أنه هو المفضل فقد قال الله تعالى: {أية : لا يستوي القاعدُون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم}تفسير : [النساء: 95] وقدم هذه الآية الجانب المفضَّل، وكذا الذي في قول السموأل:شعر : فليس سواءً عالم وَجَهول تفسير : وقد أكد هذا الاقتضاء بقوله: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا}، أي أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا من بعد الفتح، فإن اسم التفضيل يدل على المشاركة فيما اشتق منه اسم التفضيل وزيادة من أخبر عنه باسم التفضيل في الوصف المشتق منه، أي فكلا الفريقين له درجة عظيمة. وحُذف قسم من أنفق من قبل الفتح إيجازاً لدلالة فعل التسوية عليه لا محالة. والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح ومن أنفق بعده. والدرجة: مستعارة للفضل لأن الدرجة تستلزم الارتقاء، فوصف الارتقاء ملاحظ فيها، ثم يشبَّه الفضل والشرف بالارتقاء فعبر عنه بالدرجة، فالدرجة من أسماء الأجناس التي لوحظت فيها صفات أوصاف مثل اسم الأسد بصفة الشجاعة في قول الخارجي:شعر : أسد علي وفي الحروب نعامة تفسير : وقوله: {وكلاًّ وعد الله الحسنى} احتراس من أن يتوهم متوهم أن اسم التفضيل مسلوب المفاضلة للمبالغة مثل ما في قول: {أية : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}تفسير : [يوسف: 33]، أي حبيب إليّ دون ما يدعونني إليه من المعصية. وعبر بــــ {الحسنى} لبيان أن الدرجة هي درجة الحسنى ليكون للاحتراس معنى زائد على التأكيد وهو ما فيه من البيان. والحسنى: لقب قرآني إسلامي يدل على خيرات الآخرة، قال تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26]. وقوله: {منكم} حال من {من أنفق} أصله نعت قُدّم للاهتمام تعجيلاً بهذا الوصف. وجيء باسم الإِشارة في قوله: {أولئك أعظم درجة} دون الضمير لما تؤذن به الإِشارة من التنويه والتعظيم، وللتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما يذكر بعد اسم الإِشارة، لأجل ما ذُكر قبله من الإِخبار ومثله قوله: {أية : أولئك على هدًى من ربهم}تفسير : [البقرة: 4] بعد قوله: {أية : هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 3] الخ. وقرأ الجمهور {وكلاً وعد الله الحسنى} بنصب {كلاًّ} على أنه مفعول أول مقدم على فعله على طريقة الاشتغال بالضمير المحذوف اختصاراً. وقرأه ابن عامر بالرفع على الابتداء وهما وجهان في الاشتغال متساويان. وهذه الآية أصل في تفاضل أهل الفضل فيما فُضلوا فيه، وأن الفضل ثابت للذين أسلموا بعد الفتح من أهل مكة وغيرهم. وبئس ما يقوله بعض المؤرخين من عبارات تؤذن بتنقيص من أسلموا بعد الفتح من قريش مثل كلمة «الطلقاء» وإنما ذلك من أجل حزازات في النفوس قبلية أو حزبية، والله يقول: {أية : ولا تلْمِزُوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}تفسير : [الحجرات: 11]. وجملة {والله بما تعملون خبير} تذييل، والواو اعتراضية، والمعنى: أن الله يعلم أسباب الإِنفاق وأوقاته وأعذاره، ويعلم أحوال الجهاد ونوايا المجاهدين فيعطي كل عامل على نية عمله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى:{أية : إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا}تفسير : [مريم: 40]. الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيرَاثُ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {قَاتَلَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {قَاتَلُواْ} (10) - وَمَا لَكُم يَا أَيُّها النَّاسُ لاَ تُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوالِكم فِي سَبيلِ اللهِ؟ أَتَخْشَوْنَ الفَقْرَ إِنْ أَنْفَقْتُمْ؟ أَنْفِقُوا وَلاَ تَخْشَوْا شَيْئاً، فَإِنَّ الذِي أَنْفَقْتُمْ أَمْوالَكُمْ فِي سَبِيلهِ هُوَ مَالكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِكُمْ، وَبِالإِخْلاَفِ عَلَيكُم (أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ). تفسير : ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى تَفَاوُتَ دَرَجَاتِ المُنْفِقِينَ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهم، فَقالَ: إِنَّهُ لاَ يَسْتَوي مَنْ آمَنَ، وَهَاجَرَ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ في سَبِيلِ اللهِ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ (أَوْ قَبْلَ صُلْحِ الحَدَيْبِيَةِ عَلَى قَوْلٍ)، مَعَ مَنْ آمنَ، وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَالأَوَّلُونَ أَعْظَمُ دَرَجةً عِنْدَ الله، لأنَّ المُؤْمِنينَ قَبْلَ الفَتْحِ كَانُوا قَليلي العَدَدِ، وَواجِبَاتُهُمْ كَثِيرةٌ وَثَقِيلةٌ، أَمَّا بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدِ انْتَشَرَ الإِسْلامُ، وَأَمِنَ النَّاسُ. وَاللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ. (وَجَاءَ عَنْ رَسُولِ الله قَوْلُهُ: حديث : لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُتفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). قَبْلَ الفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ أَوْ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ. الحُسْنَى - المَثُوبةُ الحَسَنةُ.

الجيلاني

تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ} أي: أيّ شيء يمنعكم عن الإنفاق {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تقرباً إليه، وطلباً لمرضاته، وامتثالاً لأوامره {وَلِلَّهِ} الغني بذاته، المستغني عن مطلق مظاهره ومصنوعاته {مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسفليات والممتزجات، وهو في ذاته غني عن إنفاقكم وبذلكم، إلاَّ أنه {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ} أي: أنفق قبل فتح مكة ممتثلاً لأمر الله، مجهداً في تقوية دين الإسلام وترويجه وظهوره على الأديان الباطلة، وتكثير أهل الحق وتغليبه {وَ} مع إنفاقه على المقاتلين في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة توحيده {قَاتَلَ} أيضاً بنفسه، وسعى ببذل المال والروح في طريق الحق وترويجه {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المنفقون المقاتلون لهم {أَعْظَمُ دَرَجَةً} وأكرم مثوبة ومقاماً عند الله {مِّنَ} المؤمنين {ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ} أي: بعد فتح مكة وغلبة المسلمين، وظهور دين الإسلام {وَقَاتَلُواْ} بعده مع كثرة المقاتلين. {وَ} بالجملة: {كُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: وعد الله كلاًًّ من المسلمين المبادرين، أو المبطئين الوعد الحسنى، والدرجة العليا، والمثوبة العظمة حسب سعيهم واجتهادهم في تقوية الشرع، وترويج الدين القويم {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع بسرائر عباده {بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: بعموم أعمالكم وأحوالكم خالصها ومشوبها، صالحها وفسادها {خَبِيرٌ} [الحديد: 10] بصير لا يعزب عن حضرته شيء منها، يجازيكم على مقتضى خبرته. ثمَّ قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ} وينفق في سبيله من أكرم أمواله {قَرْضاً حَسَناً} بلا شوب المنّ والأذى، وشين السمعة والرياء طلباً لمرضاته سبحانه {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} أي: يضاعف له إخلافه وإعواضه في الدنيا كرامةً عليه، وفضلاً {وَ} مع ذلك {لَهُ} في الآخرة {أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 11] وفوز عظيم لا فوز أعظم منه وأكرم، وهو التحقيق بمقام الرضا والتسليم، والاستغراق بمطالعة وجه الله الكريم. اذكر يا أكرم الرسل على سبيل التبشير {يَوْمَ تَرَى} أيها المعتبر الرائي {ٱلْمُؤْمِنِينَ} الموحدين الموقنين، المخلصين {وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أيضاً كذلك {يَسْعَىٰ نُورُهُم} أي: نور يقينهم وعرفانهم {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: أمامهم وقدامهم {وَبِأَيْمَانِهِم} إذ إتيان الكرامة إنما هو من هاتين الجهتين، فيقول لهم حينئذٍ من يتلقاهم من الملائكة: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ} دخول {جَنَّاتٌ} متنزهات العلم والعين والحق {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي: أنههار المعارف والحقائق لا بحسب وقت دون وقت، بل {خَالِدِينَ فِيهَا} دائمين {ذَلِكَ} أي: الخلود في الجنة الموعودة {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الحديد: 12] لا فوز أعظم منه عند المكاشفين.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الحديد: 10]؛ أي: استعدادكم في طاعته، {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الحديد: 10]؛ أي: تعلمون أن لله ميراث السماوات الروحانية والأرض البشرية، يتحلون باستعدادكم الذي هو أعطاكم من القوى العلوية والسفلية، ولا تنفقون في طاعة من يرث الاستعدادات بعد إفنائكم ونفديكم بتركتكم المكدرة، وإن تنفقوا يرث هو أيضاً استعداداتكم العلوية ويدخلكم في جنات تركاتكم المطهرة المزكاة عن الكدورات بالنفقة، فيما يغركم إلى خالق الأرض ووارث التركات والمعذب لتارك التركات المزكاة بنعيم الجنان الموصل له إلى أعلى الدرجات، {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم} [الحديد: 10]، أيتها القوة المؤمنة: {مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ} [الحديد: 10]؛ يعني: جاهد في سبيل الله قبل اطلاعه على الآيات البينات، وفتح مكة وجوده بجند الذكر وحزب الخواطر وحزب الروحانية، {وَقَاتَلَ} [الحديد: 10] الأعداء من القوى القالبية والنفسية والشيطانية مع من يجاهد في السلوك، بعد طلوع شمس الحقيقة ووصل نور الجذبة، {أُوْلَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً} [الحديد: 10] لمجاهدتكم من غير المشاهدة {مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ} [الحديد: 10] بقوة نور الجذبة، {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الحديد: 10] الباقية بحسنى أعمالهم باستعداداتهم الفانية في دار الكسب. أبشر أيها السالك المجاهد؛ لأن الله تعالى عظم أجرك ودرجتك على المجذوب، ولا تبال بالمشاهدة وبالغ في المجاهدة في الكسب؛ لأن المشاهدة أخروية موعودة في دار الجزاء على قدر هممكم، فمن كان همته الأكل والشرب والجماع مشتهيات النفس فيعطي له ما اشتهت نفسه من النعيم المقيم، ومن كان همته عبودية الحق خالصاً مخلصاً يريد وجهه بنور وجهه العظيم، وتقر عينه بمشاهدة جماله الكريم، {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [الحديد: 11] أضعافاً مضاعفة بواحدة عشراً وبواحدة سبعمائة، ويزيد عليه لمن يشاء، {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 11] من مشاهدة وجهه الكريم {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [الحديد: 12]؛ يعني: يوم يكشف الغطاء الظلماني ترى القوى المؤمنة من القوى الفاعلة والقابلة نور ذكرهم ونور عناصرهم المطهرة بنور الذكر، ونور روحانيتهم المنورة بنور اللطيفة الخفية بين أيديهم بتوجههم الخالص إلى الحق، {وَبِأَيْمَانِهِم} [الحديد: 12]؛ أي: بأعمالهم الصالحة للحق يسعى ويهديه إلى حضرة الحق، {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [الحديد: 12]، أيها السالكون بشرناكم يوم كشف الغطاء بجنات قربنا نيتكم المطهرة، وأنهار المعرفة الجارية غير المنقطعة الخالدة تتنعمون بإثمار أعمالكم الصالحة، وتشربون من أنهار معرفتكم الجارية أبد الآباد {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} [الحديد: 12-13]؛ يعني: يوم كشف الغطاء تقول القوى المنافقة الفاعلة والقابلة للقوى المؤمنة: أمهلونا نقتبس من ضياء نوركم نور نهتدي به في ظلمات وجودنا. {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} [الحديد: 13]؛ يعني: ارجعوا إلى عالم الكسب واكسبوا النور باستعدادكم، ولا يمكن لكم الرجوع؛ لأنكم أقبلتم على ظلمات الطبيعة وأعرضتم عن نور اللطيفة الخفية، خلفتم النور وراءكم وقدمتم الظلمات أمامكم، {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ} [الحديد: 13]؛ يعني بين القوى المؤمنة والمنافقة، يضرب الله بسور قوى القالبية الظلماني له باب من رابطة كانت بين القالب والروح {بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} [الحديد: 13]؛ يعني: باطن قوى القالب المطهرة رحمة للمؤمنين، وظاهر قوى القالب المكدرة عذاب للمنافقين. {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} [الحديد: 14] في دار الكسب، {قَالُواْ} [الحديد: 14]؛ يعني: القوى المؤمنة {بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} [الحديد: 14] بالشهوات العاجلة واتباع الهوى، وإنكار الحق والإقبال على الباطل، والغفلة عن ذكر المولى، {وَتَرَبَّصْتُمْ} [الحديد: 14] بهلاك اللطيفة بالخفية، {وَٱرْتَبْتُمْ} [الحديد: 14]؛ أي: شككتم بالسرائر، {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} [الحديد: 14] والآمال الكاذبة، {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} [الحديد: 14]؛ يعني: حتى جاء أمر الحق بكشف الغطاء وشاهدتم وتيقنتم، ولا سبيل لكم إلى الرجوع إلى دار الكسب، {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [الحديد: 14]؛ يعني: غركم الشيطان بتسويله وتسويفه وخداعه ومكره حتى أوردكم النار. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الحديد: 15]؛ لأن الأمر بيد غيركم، والآلات والأدوات بها يمكن الكسب متنزعة عنكم، وهي كانت عادية عنكم والعادية مردودة لا محالة، وما كسبتم بتلك الآلات لأنفسكم قالوا ما لكم بتضييع الأوقات ونزع الآلات والأدوات، ثم ويل بعد ويل بكسب الشقاوة الأبدية بتلك الاستعدادات، {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} [الحديد: 15] التي أنتم أشعلتموها في دار الكسب، {هِيَ مَوْلاَكُمْ} في دار الجزاء، {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الحديد: 15]؛ يعني: بئس مرجعكم وبئس مولاكم.

همام الصنعاني

تفسير : 3156- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ}: [الآية: 10]، فتح مكة.