Verse. 5086 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

مَنْ ذَا الَّذِيْ يُقْرِضُ اللہَ قَرْضًا حَسَـنًا فَيُضٰعِفَہٗ لَہٗ وَلَہٗۗ اَجْرٌ كَرِيْمٌ۝۱۱ۚ
Man tha allathee yuqridu Allaha qardan hasanan fayudaAAifahu lahu walahu ajrun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«من ذا الذي يقرض الله» بإنفاق ماله في سبيل الله «قرضا حسنا» بأن ينفقه لله «فيضاعفه» وفي قراءة فيضعفه بالتشديد «له» من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما ذكر في البقرة «وله» مع المضاعفة «أجر كريم» مقترن به رضا وإقبال.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا أن رجلاً من اليهود قال عند نزول هذه الآية ما استقرض إله محمد حتى افتقر، فلطمه أبو بكر، فشكا اليهودي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ما أردت بذلك؟ فقال: ما ملكت نفسي أن لطمته فنزل قوله تعالى: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } تفسير : [آل عمران: 186] قال المحققون: اليهودي إنما قال ذلك على سبيل الاستهزاء، لا لأن العاقل يعتقد أن الإله يفتقر، وكذا القول في قولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181]. المسألة الثانية: أنه تعالى أكد بهذه الآية ترغيب الناس في أن ينفقوا أموالهم في نصرة المسلمين وقتال الكافرين ومواساة فقراء المسلمين، وسمي ذلك الإنفاق قرضاً من حيث وعد به الجنة تشبيهاً بالقرض. المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد من هذا الإنفاق، فمنهم من قال: المراد الإنفاقات الواجبة، ومنهم من قال: بل هو في التطوعات، والأقرب دخول الكل فيه. المسألة الرابعة: ذكروا في كون القرض حسناً وجوهاً أحدها: قال مقاتل: يعني طيبة بها نفسه وثانيها: قال الكلبي: يعني يتصدق بها لوجه الله وثالثها: قال بعض العلماء: القرض لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة الأول: أن يكون من الحلال قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول» تفسير : والثاني: أن يكون من أكرم ما يملكه دون أن ينفق الرديء، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ } تفسير : [البقرة: 267]، الثالث: أن تتصدق به وأنت تحبه وتحتاج إليه بأن ترجو الحياة وهو المراد بقوله تعالى: {أية : وآتى المال على حبه } تفسير : [البقرة: 177] وبقول: {أية : وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبّهِ } تفسير : [الإنسان: 8] على أحد التأويلات وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الصدقة أن تعطي وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا» تفسير : والرابع: أن تصرف صدقتك إلى الأحوج الأولى بأخذها، ولذلك خص الله تعالى أقواماً بأخذها وهم أهل السهمان الخامس: أن تكتم الصدقة ما أمكنك لأنه تعالى قال: {أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 271]، السادس: أن لا تتبعها مناً ولا أذى، قال تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } تفسير : [البقرة: 264]، السابع: أن تقصد بها وجه الله ولا ترائي، كما قال: {أية : إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلأَعْلَىٰ * وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ } تفسير : [الليل: 20، 21] ولأن المرائي مذموم بالاتفاق الثامن: أن تستحقر ما تعطي وإن كثر، لأن ذلك قليل من الدنيا، والدنيا كلها قليلة، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } تفسير : [المدثر: 6] في أحد التأويلات التاسع: أن يكون من أحب أموالك إليك، قال تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } تفسير : [آل عمران: 92]، العاشر: أن لا ترى عز نفسك وذل الفقير، بل يكون الأمر بالعكس في نظرك، فترى الفقير كأن الله تعالى أحال عليك رزقه الذي قبله بقوله: {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6] وترى نفسك تحت دين الفقير، فهذه أوصاف عشرة إذا اجتمعت كانت الصدقة قرضاً حسناً، وهذه الآية مفسرة في سورة البقرة. ثم إنه تعالى قال: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى ضمن على هذا القرض الحسن أمرين أحدهما: المضاعفة على ما ذكر في سورة البقرة، وبين أن مع المضاعفة له أجر كريم، وفيه قولان: الأول: وهو قول أصحابنا أن المضاعفة إشارة إلى أنه تعالى يضم إلى قدر الثواب مثله من التفضيل والأجر الكريم عبارة عن الثواب، فإن قيل: مذهبكم أن الثواب أيضاً تفضل فإذا لم يحصل الامتياز لم يتم هذا التفسير الجواب: أنه تعالى كتب في اللوح المحفوظ، أن كل من صدر منه الفعل الفلاني، فله قدر كذا من الثواب، فذاك القدر هو الثواب، فإذا ضم إليه مثله فذلك المثل هو الضعف والقول الثاني: هو قول الجبائي من المعتزلة أن الأعواض تضم إلى الثواب فذلك هو المضاعفة، وإنما وصف الأجر بكونه كريماً لأنه هو الذي جلب ذلك الضعف، وبسببه حصلت تلك الزيادة، فكان كريماً من هذا الوجه. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وابن عامر: (فيضعفه) مشددة بغير ألف، ثم إن ابن كثير قرأ بضم الفاء وابن عامر بفتح الفاء، وقرأ عاصم (فيضاعفه) بالألف وفتح الفاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: فيضاعفه بالألف وضم الفاء، قال أبو علي الفارسي: يضاعف ويضعف بمعنى إنما الشأن في تعليل قراءة الرفع والنصب، أما الرفع فوجهه ظاهر لأنه معطوف على {يُقْرِضُ }، أو على الإنقطاع من الأول، كأنه قيل: فهو يضاعف، وأما قراء النصب فوجهها أنه لما قال: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ } فكأنه قال: أيقرض الله أحد قرضاً حسناً، ويكون قوله: {فَيُضَاعِفَهُ } جواباً عن الاستفهام فحينئذ ينصب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. وقد مضى في «البقرة» القول فيه. والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً: قد أقرض؛ كما قال:شعر : وإذا جُوزِيتَ قَرْضاً فَٱجْزِهِ إِنَّمَا يَجْزِي الفتى ليس الْجَمَلْ تفسير : وسمّي قرضاً؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل. أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة. قال الكلبي: «قَرْضاً» أي صدقة «حَسَناً» أي محتسباً مِن قلبه بلا مَنٍّ ولا أذىً. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} ما بين السبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقيل: القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إلٰه إلا الله والله أكبر؛ رواه سفيان عن ابي حيان. وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل. الحسن: التطوع بالعبادات. وقيل: إنه عمل الخير؛ والعرب تقول: لي عند فلان قرض صِدقٍ وقرض سوء. القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية طيب النفس، يبتغي به وجه الله دون الرياء والسُّمعة، وأن يكون من الحلال. ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} تفسير : [البقرة:267] وأن يتصدق في حال يأمل الحياة؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: «حديث : أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت لفلان كذا ولفلان كذا» تفسير : وأن يخفى صدقته؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة:271] وألاّ يَمُنّ؛ لقوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة:264] وأن يستحقر كثير ما يعطي؛ لأن الدنيا كلها قليلة، وأن يكون من أحبّ أمواله؛ لقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران:92] وأن يكون كثيراً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أفضل الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها»تفسير : . {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} وقرأ ابن كثير وابن عامر «فَيُضَعِّفُه» بإسقاط الألف إلا ابن عامر ويعقوب نصبوا الفاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة والبصرة «فَيُضَاعِفهُ» بالألف وتخفيف العين إلا أن عاصماً نصب الفاء. ورفع الباقون عطفاً على «يُقْرِضُ». وبالنصب جواباً على الاستفهام. وقد مضى في «البقرة» القول في هذا مستوفى: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة. قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} العامل في «يَوْمَ» {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} وفي الكلام حذف أي «وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» في «يَوْم تَرَى» فيه {ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم} أي يمضي على الصراط في قول الحسن، وهو الضياء الذي يمرون فيه {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي قدّامهم. {وَبِأَيْمَانِهِم} قال الفراء: الباء بمعنى في؛ أي في أيمانهم. أو بمعنى عن أي عن أيمانهم. وقال الضحاك: {نُورُهُم} هداهم {وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم؛ وٱختاره الطبري. أي يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. فالباء على هذا بمعنى في. ويجوز على هذا أن يوقف على {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ولا يوقف إذا كانت بمعنى عن. وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة «وبِإِيمانِهِم» بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكفر. وعطف ما ليس بظرف على الظرف؛ لأن معنى الظرف الحال وهو متعلق بمحذوف. والمعنى يسعى كائناً {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} وكائناً «بِإيَمانِهِمْ»، وليس قوله: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} متعلقاً بنفس «يَسْعَى». وقيل: أراد بالنور القرآن. وعن ٱبن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره على إبهام رجله فيطفأ مرة ويوقد أخرى. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن مِن المؤمنين من يضيء نوره كما بين المدينة وعدنٍ أو ما بين المدينة وصنعاء ودون ذلك حتى يكون منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» تفسير : قال الحسن: ليستضيئوا به على الصراط كما تقدم. وقال مقاتل: ليكون دليلاً لهم إلى الجنة. والله أعلم. قوله تعالى: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} التقدير يقال لهم: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ} دخول جناتٍ. ولا بد من تقدير حذف المضاف؛ لأن البشرى حدث، والجنة عين فلا تكون هي هي. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي من تحتهم أنهار اللبن والماء والخمر والعسل من تحت مساكنها. {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من الدخول المحذوف؛ التقدير «بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ» دخول جناتٍ {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} مقدرين الخلود فيها ولا تكون الحال من بشراكم؛ لأن فيه فصلاً بين الصلة والموصول. ويجوز أن يكون مما دل عليه البشرى، كأنه قال: تبشرون خالدين. ويجوز أن يكون الظرف الذي هو «الْيَوْمَ» خبراً عن «بُشْرَاكُمُ» و «جَنَّاتٌ» بدلاً من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم. و «خَالِدِينَ» حال حسب ما تقدم. وأجاز الفراء نصب «جَنَّات» على الحال على أن يكون «الْيَوْمَ» خبراً عن «بُشْرَاكُمُ» وهو بعيد؛ إذ ليس في «جَنَّات» معنى الفعل. وأجاز أن يكون «بُشْرَاكُمُ» نصباً على معنى يبشرونهم بشرى وينصب «جنات» بالبشرى وفيه تفرقة بين الصلة والموصول.

البيضاوي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} أي من الذي ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوضه، فإنه كمن يقرضه وحسن الإِنفاق بالإِخلاص فيه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات له. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} أي يعطي أجره أضعافاً. {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه ينبغي أن يتوخى وإن لم يضاعف، فكيف وقد يضاعف أضعافاً. وقرأ عاصم «فَيُضَاعِفَهُ» بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكأنه قال: أيقرض الله أحد فيضاعفه له. وقرأ ابن كثير «فيضعفه» مرفوعاً وقرأ ابن عامر ويعقوب «فيضعفه» منصوباً. {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} ظرف لقوله {وَلَهُ} أو {فَيُضَاعِفَهُ} أو مقدر باذكر {يَسْعَىٰ نُورُهُم} ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة. {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين. {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ} أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة {بُشْرَاكُمُ} أي المبشر به جنات، أو {بُشْرَاكُمُ} دخول جنات. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } الإِشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة. {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ } بدل من {يَوْمَ تَرَى }. {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا } انتظرونا فإنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، أو انظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنور بين أيديهم. وقرأ حمزة «أنظرونا» على أن اتئادهم ليلحقوا بهم إمهال لهم. {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } نصب منه. {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ } إلى الدنيا. {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة، فإنه يتولد منها أو إلى الموقف فإنه من ثمة يقتبس، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا نوراً آخر فإنه لا سبيل لكم إلى هذا، وهو تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو الملائكة {فَضُرِبَ بَيْنَهُم } بين المؤمنين والمنافقين. {بِسُورٍ } بحائط. {لَّهُ بَابٌ } يدخل منه المؤمنون. {بَاطِنُهُ } باطن السور أو الباب. {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } لأنه يلي الجنة. {وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } من جهته لأنه يلي النار. {يُنَـٰدُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} يريدون موافقتهم في الظاهر. {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } بالنفاق. {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالمؤمنين الدوائر. {وَٱرْتَبْتُمْ } وشككتم في الدين. {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ} كامتداد العمر. {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } وهو الموت. {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } الشيطان أو الدنيا. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } فداء وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتاء. {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ظاهراً وباطناً. {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِىَ مَوْلَـٰكُمْ } هي أولى بكم كقول لبيد:شعر : فَغَدَتْ كِلاَ الفرجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّه مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفَهَا وَأمامها تفسير : وحقيقته مجراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كقولك: هو مئنة الكرم أي مكان قول القائل إنه لكريم، أو مكانكم عما قريب من الولي وهو القرب، أو ناصركم على طريقة قوله: شعر : تَحِيَّةٌ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌتفسير : أو متوليكم يتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } النار. {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } ألم يأت وقته يقال أنى الأمر يأني أنياً وأناً إذا جاء إناه، وقرىء «ألم يئن» بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين بمعنى أتى وألماً يأن. روي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت. {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ} أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر، ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله، وقرأ نافع وحفص ويعقوب {نَزَّلَ} بالتخفيف. وقرىء «أنزل». {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ} عطف على {تَخْشَعَ}، وقرأ رويس بالتاء والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي فطال عليهم الأجل لطول أعمارهم وآمالهم، أو ما بينهم وبين أنبيائهم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}. وقرىء {ٱلأمَدُ} وهو الوقت الأطول. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة. {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْييِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بالإِحياء والإموات ترغيباً في الخشوع وزجراً عن القساوة. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } كي تكمل عقولكم. {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } إن المتصدقين والمتصدقات، وقد قرىء بهما، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد أي الذين صدقوا الله ورسوله. {وَأَقْرَضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} عطف على معنى الفعل في المحل باللام لأن معناه: الذين أصدقوا، أو صدقوا وهو على الأول للدلالة على أن المعتبر هو التصدق المقرون بالإِخلاص. {يُضَـٰعَفْ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } معناه والقراءة في {يُضَـٰعِفُ } كما مر غير أنه لم يجزم لأنه خبر إن وهو مسند إلى {لَهُمْ } أو إلى ضمير المصدر. {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ } أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، أو هم المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله ورسله والقائمون بالشهادة لله ولهم، أو على الأمم يوم القيامة. وقيل {وَٱلشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ } مبتدأ وخبر، والمراد به الأنبياء من قوله: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ }تفسير : [النساء: 41] أو الذين استشهدوا في سبيل الله. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكنه من غير تضعيف ليحل التفاوت، أو الأجر والنور الموعودان لهم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ } بإنفاق ماله في سبيل الله {قَرْضًا حَسَنًا } بأن ينفقه لله {فَيُضَاعِفَهُ } وفي قراءة «فيضعّفه» بالتشديد {لَهُ } من عشر إلى أكثر من سبعمائة كما ذكر في البقرة [261:2] {وَلَهُ } مع المضاعفة {أَجْرٌ كَرِيمٌ }مقترن به رضا وإقبال.

ابن عبد السلام

تفسير : {قَرْضاً} النفقة في سبيل الله، أو على الأهل أو تطوع العبادات "ح"، أو عمل الخير، أو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر سمي قرضاً لاستحقاق ثوابه {حَسَناً} طيبة بها نفسه، أو محتسباً لها عند الله سمي حسناً لصرفه في وجوه حسنة، أو لأنه لا منَّ فيه ولا أذى فيضاعف القرض الحسنة بعشر، أو الثواب تفضلاً بما لا نهاية له {كَرِيمٌ} "على من يناله"، أو لأنه لم يبتذل في طلبه، أو لأنه كريم الحظ، أو لكرم صاحبه.

الخازن

تفسير : {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} أي صادقاً محتسباً بالصدقة طيبة بها نفسه وسمي هذا الإنفاق قرضاً من حيث إنه وعد به الجنة تشبيهاً بالقرض قال بعض العلماء القرض لا يكون حسناً حتى تجمع فيه أوصاف عشرة وهي أن يكون المال من الحلال وأن يكون من أجود المال وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها وأن تكتم الصدقة ما أمكنك وأن لا تتبعها بالمن والأذى وأن تقصد بها وجه الله ولا ترائي بها الناس وأن تستحقر ما تعطي وتتصدق به وإن كان كثيراً وأن يكون من أحب أموالك إليك وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير فهذه عشرة أوصاف إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضاً حسناً، {فيضاعفه له} يعني يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفاً، {وله أجر كريم} يعني وذلك الأجر كريم في نفسه. قوله عز وجل: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} يعني على الصراط {يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} أي عن أيمانهم وقيل أراد جميع الجوانب فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه" تفسير : وقال عبد الله بن مسعود يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتي نوره كالنخلة ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه فيطفأ مرة ويوقد مرة وقيل في معنى الآية يسعى نورهم بين أيديهم أي يعطون كتبهم بأيمانهم وتقول لهم الملائكة {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا} أي انتظرونا {نقتبس من نوركم} أي نستضيء من نوركم قيل تغشى الناس ظلمة شديدة يوم القيامة فيعطي الله المؤمنين نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعة لهم فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأت نور المنافقين فذلك قوله تعالى {أية : يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا}تفسير : [التحريم: 8] مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين وقيل بل يستضيئون بنور المؤمنين ولا يعطون النور فإذا سبقهم المؤمنون بقوا في الظلمة وقالوا للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم، {قيل ارجعوا وراءكم} قال ابن عباس يقول لهم المؤمنون وقيل يقول لهم الملائكة ارجعوا وراءكم من حيث جئتم وقيل ارجعوا إلى الدنيا فاعملوا فيها أعمالاً يجعلها الله لكم نوراً وقيل معناه لا نور لكم عندنا فارجعوا وراءكم {فالتمسوا} أي اطلبوا لأنفسكم هناك {نوراً} أي لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين فذلك قوله تعالى: {فضرب بينهم} أي المؤمنين والمنافقين {بسور} وهو حائط بين الجنة والنار {له} أي لذلك السور {باب باطنه فيه الرحمة} أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة {وظاهره من قبله العذاب} أي من قبل ذلك الظاهر العذاب وهو النار وروي عن عبد الله بن عمر قال إن السور الذي ذكر في القرآن هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم وقال ابن شريح كان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب} الآية.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. وقد تقدم في "البقرة". ندب إلى الإنفاق في سبيل الله. وقال ابن عطية: هنا بالرَّفع على العطف، أو القطع والاستئناف. وقرأ عاصم: "فيُضَاعفه" بالنصب بالفاء على جواب الاستفهام، وفي ذلك قلقٌ. قال أبو علي: لأن السؤال لم يقع على القرضِ، وإنما وقع عن فاعل القَرْض، وإنما تنصب الفاء فعلاً مردوداً على فعل مستفهم عنه، لكن هذه الفرقة حملت ذلك على المعنى، كأن قوله: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ} بمنزلة قوله: "أيقرض الله أحدٌ". انتهى. وهذا الذي قاله أبو علي ممنوع، ألا ترى أنه ينصب بعد "الفاء" في جواب الاستفهام بالأسماء، وإن لم يتقدم فعل نحو: أين بيتك فأزورك ومثل ذلك: من يدعوني فأستجيب له، ومتى تسير فأرافقك، وكيف تكون فأصحبك، فالاستفهام إنما وقع عن ذات الدَّاعي، وعن ظرف الزَّمان، وعن الحال لا عن الفعل. وقد حكى ابن كيسان عن العرب: "أين ذهب زيدٌ فنتبعه، ومن أبوك فنكرمه". فصل في المقصود بالقرض ندب الله تعالى إلى الإنفاق في سبيل الله، والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً: "قد أقرض". كما قال بعضهم رحمة الله عليه: [الرمل] شعر : 4719- وإذَا جُوزيتَ قَرْضاً فاجزه إنَّما يَجزي الفَتَى لَيْسَ الجَمَلْ تفسير : وسماه قرضاً؛ لأن القرض أخرج لاسترداد البدل، أي: من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدله الله بالأضعاف الكثيرة. قال الكلبي: "قرضاً" أي: صدقة. "حسناً" أي: محتسباً من قلبه بلا منٍّ ولا أدى. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}: ما بين سبع إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. وقيل القَرْض الحسن هو أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقال زيد بن أسلم: هو النَّفقة على الأهل. وقال الحسن: التطوُّع بالعبادات. وقيل: عمل الخير. وقال القشيري: لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة: الأول: أن يكون من الحلال، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يَقْبَلُ اللَّهُ صلاةً بِغَيْرِ طهُورٍ، ولا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ ". تفسير : الثاني: أن يكون من أكرم ما يمكنه؛ ولا يخرج الرديء كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} تفسير : [البقرة: 267]. الثالث: أن يتصدق به وهو يحبّه، ويحتاج إليه لقوله تعالى: {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92] وقوله: {أية : وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ} تفسير : [البقرة: 177]. وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : أفْضَلُ الصَّدقةِ أنْ تُعْطيَهُ وأنْتَ صَحيحٌ شَحِيحٌ تأمْلُ العَيْشَ ولا تمهلُ حتَّى إذا بلغتِ التَّراقي قُلْتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كَذَا ". تفسير : الرابع: أن تصرف صدقته إلى الأحوج فالأحوج، ولذلك خص تعالى أقواماً بأخذها، وهم أهل المبهمات. الخامس: أن تخفي الصَّدقة لقوله تعالى: {أية : وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 271]. السادس: ألاَّ يتبعها منًّا ولا أذى، لقوله تعالى: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264]. السابع: أن يقصد بها وجه الله تعالى، ولا يُرائِي لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الليل: 20]. الثامن: أن يستحقر ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدُّنيا كلها قليلة، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6] في أحد التأويلات. التاسع: أن يكون من أحبّ الأموال إليه، وأن يكون كثيراً لقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : أفْضَلُ الرِّقابِ أغْلاهَا وأنفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا ". تفسير : العاشر: ألا يرى عزَّ نفسه، وذُلّ الفقير، بل يكون الأمر بالعكس. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني الجنَّة. قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. فيه أوجه: أحدها: أنه معمول للاستقرار العامل في "له أجر" أي: استقر له أجر في ذلك اليوم. الثاني: أنه مضمر، أي: اذكر، فيكون مفعولاً به. الثالث: أنهم يُؤجَرُون "يوم ترى" فهو ظرف على أصله. الرابع: أن العامل فيه "يسعى" أي: يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم هذا أصله. الخامس: أن العامل فيه "فيُضَاعفه". قالهما أبو البقاء. قوله: "يَسْعَى" حال؛ لأن الرُّؤية بصرية، وهذا إذا لم تجعله عاملاً في "يوم"، و "بين أيديهم" ظرف للسعي، ويجوز أن يكون حالاً من "نورهم". قوله: "وبأيمانهم"، أي: وفي جهة أيمانهم. وهذه قراءة العامة، أعني بفتح الهمزة جمع يمين. وقيل: الباء بمعنى "عن" أي: عن جميع جهاتهم، وإنما خص الأيمان لأنها أشرف الجهات. وقرأ أبو حيوة وسهل بن شعيب: بكسرها. وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية، أي: يسعى كائناً وثابتاً بسبب أيمانهم. وقال أبو البقاء: تقديره: وبأيمانهم استحقُّوه، أو بأيمانهم يقال لهم: بُشْرَاكُم. فصل في المراد بهذا اليوم المراد من هذا يوم المُحاسبة. واختلفوا في هذا النور. فقال الحسن: هو الضياء الذي يمرون فيه "بين أيديهم" أي: قدَّامهم. "وبأيمانهم"، قال الفرَّاء: "الباء" بمعنى "في" أي: في أيمانهم، أو بمعنى: "عن أيمانهم". وقال الضحاك: النور هُداهم، وبأيمانهم كتبهم، واختاره الطبري. أي: يسعى إيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم، فـ "الباء" على هذا بمعنى "في"، ويجوز على هذا أن يوقف على "بين أيديهم" ولا يوقف إذا كانت بمعنى "عن". وعلى قراءة سهل بن شعيب وأبي حيوة: "وبإيمانهم" بكسر الألف، أراد الإيمان الذي هو ضد الكُفر، وعطف ما ليس بظرف على الظَّرف لأن معنى الظرف الحال، وهو متعلق بمحذوف. والمعنى: يسعى كائناً بين أيديهم، وكائناً بأيمانهم. وقيل: أراد بالنور: القرآن. وعن ابن مسعود: "يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنَّخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره على إبهام رجله، فيطفأ مرة ويوقد أخرى". قال الحسن: ليَسْتَضيئُوا به على الصِّراط. وقال مقاتل: ليكون لهم دليلاً إلى الجنَّة. قوله: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ}. "بُشْرَاكم" مبتدأ، و "اليوم" ظرف، و "جنَّات" خبره على حذف مضاف أي: دخول جنَّات وهذه الجملة في محل نصب بقول مُقدَّر، وهو العامل في الظرف، يقال لهم: بُشراكم اليوم دخول جنَّات. قال القرطبي: "ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف؛ لأن البُشْرَى حدث، والجنة عين، فلا تكون هي هي". وقال مكي: وأجاز الفراء نصب "جنَّات" على الحال، ويكون "اليوم" خبر "بشراكم" قال: "وكون "جنَّات" حالاً لا معنى له؛ إذ ليس فيها معنى فعل، وأجاز أن يكون "بُشْرَاكم" في موضع نصب على "يبشرونهم بالبُشْرَى"، وينصب "جنات" بالبشرى وكله بعيد، لأنه يفصل بين الصلة والموصول باليوم". انتهى. وعجيب من الفرَّاء كيف يصدر عنه ما لا يتعقّل، ولا يجوز صناعة، كيف تكون جنات حالاً، وماذا صاحب الحال؟. وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا} حال من الدخول المحذوف، التقدير: بشراكم اليوم دخول الجنة جنات تجري من تحتها الأنهار مقدرين الخلود فيها. قال القرطبي: "ولا تكون الحال من "بشراكم" لأن فيه فصلاً بين الصلة والموصول، ويجوز أن تكون مما دلّ عليه البشرى كأنه قال: يبشرون خالدين فيها، ويجوز أن يكون الظَّرف الذي هو "اليوم" خبراً عن "بشراكم"، و "جنات" بدلاً من البشرى على تقدير حذف المضاف كما تقدم، و "خالدين" حال حسب ما تقدم". فصل في العامل في قوله: "خالدين" قال شهاب الدِّين: "خالدين" نصب على الحال، والعامل فيها المضاف محذوف، إذ التقدير: بُشْرَاكم دخولكم جنات خالدين فيها، فحذف الفاعل وهو ضمير المخاطب، [وأضيف المصدر لمفعوله، فصار دخول جنات]، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف فيه مقامه في الإعراب، ولا يجوز أن يكون "بشراكم" هو العامل فيها؛ لأنه مصدر، وقد أخبر عنه قبل ذكر متعلقاته، فيلزم الفصل بأجنبي، وظاهر كلام مكي أنه عامل في الحال، فإنه قال: "خالدين" نصب على الحال من الكاف والميم، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها فيلزم أن يكون "بشراكم" هو العامل، وفيه ما تقدم من الفصل بين المصدر ومعموله. فصل في كون الفاسق مؤمناً أم لا قال ابن الخطيب: تقدم في الكلام البشارة عند قوله: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ} تفسير : [البقرة: 25]. وهذه الآية تدل على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة؛ لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص. قال الكعبي: هذه الآية تدلّ على أن الفاسق ليس بمؤمن؛ لأنه لو كان مؤمناً لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنَّة؛ [ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن]. أجاب ابن الخطيب: [بأنا نقطع بأن الفاسق من أهل الجنة]، لأنه إما أن يدخل النار، أو أنه ممن دخلها، لكنه سيخرج منها، وسيدخل الجنة، ويبقى فيها أبد الآباد، فإذن يقطع بأنه من أهل الجنة، فسقط الاستدلال. قوله: "ذلك الفوز" هذه الإشارة عائدة إلى جميع ما تقدم من النور والبشرى بالجنَّات المخلدة. قوله: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ}. العامل في "يوم" "ذلك الفوز العظيم". وقيل: "هو بدل من اليوم الأول". وقال ابن الخطيب منصوب بـ "اذْكر" مقدًّرا. واعلم أنه لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين، فقال: يوم يقول. قوله: {لِلَّذِينَ آمَنُواْ}. "اللام" للتبليغ. و {انظرونا نقتبس من نوركم} قراءة العامة: "انْظُرونَا أمر من النَّظر". وحمزة: "أنْظِرُونا" بقطع الهمزة، وكسر الظَّاء من الإنظار بمعنى الانتظار. وبها قرأ الأعمش، ويحيى بن وثَّاب، أي: انتظرونا لنلحق بكم، فنستضيء بنوركم. والقراءة الأولى يجوز أن تكون بمعنى هذه، إذ يقال: نظره بمعنى انتظره، وذلك أنَّه يسرع بالخواص على نُجُب إلى الجنة، فيقول المنافقون: انتظرونا لأنَّا مُشَاة لا نستطيع لحوقكم، ويجوز أن يكون من النظر وهو الإبصار؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيضيء لهم المكان، وهذا أليق بقوله: {نقتبس من نوركم}. قال معناه الزمخشري. إلاَّ أن أبا حيان قال: إن النَّظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشِّعر، إنما يتعدى بـ "إلى". قوله: {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي: نستضيء من نوركم. و "القَبَس": الشعلة من النار أو السِّراج. قال ابن عبَّاس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة. قال الماوردي: أظنّها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه. قال المفسّرون: يعطي الله كل أحد يوم القيامة نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين [نوراً خديعة لهم، بدليل قوله تعالى: {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة] دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه. قاله ابن عباس. وقال أبو أمامة: يعطى المؤمن النور، ويترك الكافر والمنافق بلا نور. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافق بنور المؤمنين، [فبينما هم يمشون إذ بعث الله ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين، فذلك قول المؤمنين]: {أية : رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} تفسير : [التحريم: 8] خشية أن يسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة، فإنهم لا يبصرون مواضع أقدامهم، قالوا للمؤمنين: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. قيل: ارجعُوا "وراءكم"، أي: إلى المواضع التي أخذنا منها النور، فاطلبوا هناك نوراً لأنفسكم، فإنكم لا تقتبسون من نورنا، فلما رجعوا وانعزلوا في طلبِ النور "ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ". وقيل: معناه هلاَّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا؟. قوله: "وراءكم" فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب بـ "ارجعوا" على معنى ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، فالتمسوا هناك ممن يقتبس، أو ارجعوا إلى الدُّنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه، وهو الإيمان، أو يكون معناه: فارجعوا خائبين وتنحّوا عنَّا فالتمسوا نوراً آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا النور. والثاني: أن "وَرَاءكُم" اسم للفعل فيه ضمير فاعل، أي: ارجعوا "رجوعاً" قاله أبو البقاء. ومنع أن يكون ظرفاً لـ "ارجعوا". قال: لقلّة فائدته؛ لأن الرُّجوع لا يكون إلاَّ إلى وراء. قال شهاب الدين: "وهذا فاسد؛ لأن الفائدة جليلة كما تقدم شرحها". قوله: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}. العامة على بنائه للمفعول، والقائم مقام الفاعل يجوز أن يكون "بِسُورٍ" وهو الظاهر، وأن يكون الظرف. وقال مكي: "الباء" مزيدة، أي: ضرب سور. ثم قال: "والباء متعلقة بالمصدر أي: ضرباً بسور". وهذا متناقض، إلاَّ أن يكون قد غلط عليه من النساخ، والأصل: والباء متعلقة بالمصدر، والقائم مقام الفاعل الظرف، وعلى الجملة هو ضعيف، والسور: البناء المحيط وتقدم اشتقاقه في أول البقرة. قوله: "لَهُ بابٌ". مبتدأ وخبر في موضع جرّ صفة لـ "سُور". وقوله: {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} هذه الجملة يجوز أن تكون في موضع جر صفة ثانية لـ "سور"، ويجوز أن تكون في موضع رفع صفة لـ "باب"، وهو أولى لقربه، والضمير إنما يعود إلى الأقرب إلا بقرينة. وقرأ زيد بن علي، وعمرو بن عبيد: "فضرب" مبنيًّا للفاعل، وهو الله أو الملك. فصل في المراد بالسور "السور": حاجز بين الجنة والنار. قال القرطبي: "روي أن ذلك السُّور بـ "بيت المقدس" عند موضع يعرف بـ "وادي جهنم" فيه الرَّحْمَة يعني: ما يَلِي منه المؤمنين، وظاهره من قبله العذاب يعني: ما يلي المنافقين". قال كعب الأحبار رضي الله عنه: هو الباب الذي بـ "بيت المقدس" المعروف بـ "باب الرحمة". وقال عبد الله بن عمرو: إنه سور بـ "بيت المقدس" الشرقي، باطنه فيه المسجد، وظاهره من قبله العذاب، يعني: جهنم ونحوه عن ابن عباس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة بن الصَّامت على سُور بـ "بيت المقدس" الشرقي فبكى، وقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنَّة والنار، {باطنه فيه الرحمة} يعني: الجنة، {وظاهره من قبله العذاب} يعني: جهنم. وقال مجاهد: إنَّه حجاب. كما في "الأعراف" وقد مضى القول فيه. وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي هو في ظاهره ظلمة المنافقين. وقيل: السُّور عبارة عن منع المنافقين عن طلبِ المؤمنين.

البقاعي

تفسير : ولما فضل السابقين بالإنفاق، ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن الاتباع، وأشار إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي على البذل، أثمر ذلك قوله مسيماً الصدقة التي صورتها صورة إخراج من غير عوض باسم القرض الذي هو إخراج بعوض ترغيباً فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق فكيف إذا كان مضاعفاً: {من} وأكد بالإشارة بقوله: {ذا} لأجل ما للنفوس من الشح {الذي يقرض الله} أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام بإعطاء المستحق لأجله عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه الثواب {قرضاً حسناً} أي طيباً خالصاً فيه متحرياً به أفضل الوجوه طيبة به النفس من غير من ولا كدر بتسويف ونحوه. ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسبباً عن إنفاقه، ربطه بالفاء فقال عطفاً على {يقرض}: {فيضاعفه له} مرغباً فيه بجعله مبالغاً بالتضعيف أولاً وجعله من باب المفاعلة ثانياً، وكذا التفضيل في قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب {فيضعفه} وقرأه ابن عامر ويعقوب بالنصب جواباً للاستفهام تأكيداً للربط والتسبيب. ولما كانت المضاعفة منه سبحانه لا يعلم كنهها إلى هو قال: {وله} أي المقرض من بعد ما تعقلونه من المضاعفة زيادة على ذلك {أجر} لا يعلم قدره إلى الله، وهو معنى وصفه بقوله: {كريم *} أي حسن طيب زاك نام. ولما بين ما لهذا المقرض، بين بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال: {يوم} أي لهم ذلك في الوقت الذي {ترى} فيه بالعين، وأشار إلى أن المحبوب من المال لا يخرج عنه ولا سيما مع الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره بالوصف فقال: {المؤمنين والمؤمنات} أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة {يسعى} شعاراً لهم وأمارة على سعادتهم {نورهم} الذي يوجب إبصارهم لجميع ما ينفعهم فيأخذوه وما يضرهم فيتركوه، وذلك بقدر أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها بنور العلم الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا المال الذي إنما يقتنيه الإنسان لمثل ذلك جزاء وفاقاً. ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفاً (؟) في الأماكن التي يحبها قال: {بين أيديهم} أي حيث ما توجهوا، ولذلك حذف الجار {وبأيمانهم} أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف جهاتهم، وهم إما من السابقين، وإما من أهل اليمين، ويعطون صحائفهم من هاتين الجهتين، والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ظهره، فالأول نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة، والثاني نور الإنفاق لأنه بالإيمان - نبه - عليه الرازي. ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون من الجهات وتيسيره لهم، أتبعه ما يقال لهم من المحبوب في سلوكهم لذلك المحبوب فقال: {بشراكم اليوم} أي بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان. ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبراً إشارة إلى أن المخبر به يحسد من البشرى لكونه معدن السرور {جنات} أي كائنة لكم تتصرفون فيها أعظم تصرف، والخبر في الأصل دخول، ولكنه عدل عنه لما ذكر من المبالغة ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به فقال؛ {تجري} وأفهم القرب بإثبات الجارّ فقال: {من تحتها الأنهار} ولما كان ذلك لا يتم مع خوف الانقطاع قال: {خالدين فيها} خلوداً لا آخر له لأن الله أورثكم ذلك ما لا يورث عنكم كما كان حكام الدنيا لأن الجنة لا موت فيها. ولما كان هذا أمراً سارّاً في ذلك المقام الضنك محباً بأمر استأنف مدحه بقوله: {ذلك} أي هذا الأمر العظيم جداً {هو} أي وحده {الفوز العظيم *} أي الذي ملأ بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ونفوسكم وأرواحكم.

ابو السعود

تفسير : وقولُه تعالَى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} ندبٌ بليغٌ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبـيلِه بعد الأمرِ به والتوبـيخِ على تركِه وبـيانِ درجاتِ المنفقينَ أي مَنْ ذَا الذي ينفقَ مالَه في سبـيلِه تعالَى رجاءَ أنْ يعوضَهُ فإنَّه كمنْ يُقرضُه وحُسنُ الإنفاقِ بالإخلاصِ فيه وتحرِّي أكرمِ المالِ وأفضلِ الجهاتِ {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} بالنصب على جوابِ الاستفهامِ باعتبارِ المَعْنى كأنَّه قيلَ أيقرضُ الله أحدٌ فيضاعفَهُ له أي فيعطيهِ أجرَهُ أضعافاً {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي وذلكَ الأجرُ المضمومُ إليهِ الأضعافُ كريمٌ في نفسِه حقيقٌ بأنْ يتنافسَ فيه المتنافسونَ وإنْ لم يُضاعفْ فكيفَ وقد ضُوعفَ أضعافاً كثيرة. وقُرِىءَ بالرفعِ عطفاً على يقرضُ أو حملاً على تقديرِ مبتدأٍ أيْ فهُو يضاعفُه، وقُرِىءَ يُضعفَهُ بالرفعِ والنصبِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}[11] قال: أعطى الله عباده فضلاً، ثم سألهم قرضاً حسناً، والقرض الحسن المشاهدة فيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اعبد الله كأنك تراه ". تفسير : وحكي عن أبي حازم أنه قال: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا من أوان كسادها، فإذا جاء يوم نفاقها لم تقدروا منها على قليل ولا على كثير.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [الآية: 11]. قال سهل: أعطى الله العباد فضلاً ثم يسألهم قرضًا فقال: {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}. قال الواسطى: القرض الحسن للعام وللخاص الخروج عن جميع الأملاك عن طيب النفس والرضا كأبى بكر الصديق رضى الله عنه. وقال بعضهم: القرض الحسن أن يصرف بصره عن النظر إلى فعله والامتنان به وطلب العوض عليه ويلزم قلبه معرفة الشكر لما أهل له من اتباع موافقة الخطاب. وقال بعضهم: خاطب بالقرض السادة من الأولياء لأنهم قرضوا عن سرائرهم محبة الكونين وقطعوا عن قلوبهم حب ما دونه بأحد المقاريض فما بقى فى سرائرهم أثر من العظيمتين فذلك القرض الحسن.

القشيري

تفسير : المراد بالقرض الصدقة، وإنما ذكرها سبحانه كذلك تطييباً لقلوبهم، فكأن المتصدِّق وهو يقرض شيئاً كالذي يقطع شيئاً من ماله ليدفَعه إلى المُسْتَقْرِض. ويقال: {يُقْرِضُ} أي يفعل فعلاً حسناً، وأراد بالقرض الحسن ها هنا ما يكون من وجهٍ حلالٍ ثم عن طِيبِ قلبٍ، وصاحبُه مخلِصٌ فيه، بلا رياء يشوبه، وبلا مَنِّ على الفقير، ولا يُكَدِّره تطويلُ الوعد ولا ينتظر عليه كثرة الأعواض. ويقال: أن تقرضه وتقطع عن قلبك حُبَّ الدارين، ففي الخبر: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنًى" ومَنْ لم يتحرَّرْ من شيء فخروجُه عنه تكلُّفٌ.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} شكى الله بهذه الاية من طباع الخليفة المجهولة بالبخل حيث سال منهم القرض ولولا كانوا على محل التقديس لخرجوا من وجودهم له قبل سواله ومع ذلك القرض الحسن ما اعطاه بنعت الخجل ما بذل فاين حسن الايمان يعرف ان العبد وما ملك ليده فكيف يقرضه وهو وماله له فمن عرف نفسه بالعبودية وعرف ان الكل له فما يعطى بعد ذلك فهو القرض الحسن قال سهل عطى الله فضلا ثم سألهم قرضا وقال من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا قال الواسطى القرض الحسن العوام وللخاص الخروج عن جميع الاملاك عن طيبة النفس والرضا كابى بكر الصديق رضى الله عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا} من مبتدأ خبره ذا والذى صفة ذا او بدله والاقراض حقيقة اعطاء العين على وجه يطلب بدله وقرضا حسنا مفعول مطلق له بمعنى اقراضا حسنا وهو الاخلاص فى الانفاق اى الاعطاء لله وتحرى اكرم المال وأفضل الجهات والمعنى من ذا الذى ينفق ماله فى سبيل الله رجاء أن يعوضه فانه كمن يقرضه وقال فى كشف الاسرار كل من قدم عملا صالحا يستحق به مثوبة فقد أقرض ومنه قوله الايادى قروض وكذلك كل من قدم عملا سيئا يستوجب به عقوبة فقد أقرض فلذلك قال تعالى {قرضا حسنا} لان المعصية قرض سيىء قال امية شعر : لاتخلطن خبيثات بطيبة واخلع ثيابك منها وانج عريانا كل امرىء سوف يجزى قرضه حسنا او سيئا ومدين مثل مادانا تفسير : وقيل المراد بالقرض الصدقة انتهى وههنا وجه آخر وهو ان القرض فى الاصل القطع من قرض الثوب بالمقراض اذا قطعه به ثم سمى به مايقطعه الرجل من أمواله فيعطيه عينا بشرط رد بدله فعلى هذا يكون قرضا حسنا مفعولا به والمعنى من ذا الذى يقرض الله مالا حسنا اى حلالا طيبا فانه تعالى لايقبل الا الحلال الطيب {فيضاعفه له} بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى كأنه قيل أيقرض الله احد فيضاعفه له اى فيعطيه أجره اضعافا من فضله انما قلنا باعتبار المعنى لان الفاء انما تنصب فعلا مردودا على فعل مستفهم عنه كما قاله أبو على الفارسى وههنا السؤال لم يقع عن القرض بل عن فاعله {وله أجر كريم} اى وذلك الأجر المضموم اليه الاضعاف كريم حسن مرضى فى نفسه حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون وان لم يضاعف فكيف وقد ضوعف اضعافا كثيرة (وروى) انه لما نزلت هذه الآية جعل ابو الدحداح يتصدق بنصف كل شىء يملكه فى سبيل الله حتى انه خلع احدى نعليه ثم جاء الى ام الدحداح فقال انى بايعت ربى فقالت ربح بيعك فقال النبى عليه السلام "حديث : كم نخلة مدلاة عذوقها فى الجنة لابى الدحداح"تفسير : قال بعضهم سأل الله منهم القرض ولو كانوا على نعت المرؤة لخرجوا من وجودهم قبل سؤاله فضلا عن المال فان العبد وما يملكه لمولاه فاذا بذلوا الوجود المجازى وجدوا من الله بدله الوجود الحقيقى وله أجر كريم بحسب الاجتهاد فى السير الى الله والتوجه الى عتبة بابه الكريم شعر : هركسى ازهمت والاى خويش سود برد درخور كالاى خويش تفسير : وفى الآية اشارة الى القرض الشرعى لمن يستقرض كما دل عليه قوله تعالى "حديث : عبدى استطعمتك فلم تطعمنى"تفسير : فاعطاء القرض للعبد اعطاء الله تعالى والقرض أفضل من الصدقة لانه ربما سأل سائل وعنده مايكفيه واما المستقرض فلا يستقرض الا من حاجة وقال بعضهم هذا القرض هو ان يقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر وهو أفضل الاذكار وعن الحسن هو التطوعات وفى المرفوع "حديث : النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها"تفسير : والحاصل ان الكريم يرد القرض باحسن مايكون من الرد ويحسن ايضا فى مقابلة الهدية

الطوسي

تفسير : خمس آيات كوفى وأربع فيما عداه، عد الكوفيون {من قبله العذاب} ولم يعده الباقون قرأ ابن كثير {فيضعفه} بالتشديد وضم الفاء، وبه قرأ ابن عامر إلا انه فتح الفاء. وقد مضى تفسيره في البقرة، وقرأ حمزة وحده {للذين آمنوا انظرونا} بقطع الهمزة وكسر الظاء. الباقون بوصلها وضم الظاء. وقرأ ابو جعفر وابن عامر ويعقوب وسهل {فاليوم لا تؤخذ} بالتاء لتأنيث الفدية. الباقون - بالياء - لان التأنيث ليس بحقيقي. وقد فصل بين الفعل والفاعل بـ {منكم}. قال الحسن: معنى قوله {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} هو التطوع في جميع الدين. وقال غيره: معناه من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقاً كالقرض والقرض اخذ الشيء من المال باذن صاحبه بشرط ضمان رده، وأصله القطع، فهو قطعه عن مالكه باذنه لانفاقه على رد مثله. والعرب تقول: لي عندك قرض صدق وقرض سوء إذا فعل به خيراً او شراً قال الشاعر: شعر : ونجزي سلامان بن مفرح قرضها بما قدمت أيديهم وازلت تفسير : وقوله {فيضاعفه له} فالمضاعفة الزيادة على المقدار مثله او أمثاله، وقد وعد الله بالحسنة عشر امثالها، والانفاق في سبيل الله حسنة فهو داخل في هذا الوعد ومن شدد العين، فلان الله وعد بالحسنة عشر أمثالها. ومن ضم الفاء جعله عطفاً على من ذا الذي يقرض فيضاعفه او على تقدير فهو يضاعفه. ومن نصب فلأنه جواب الاستفهام. وقوله {وله أجر كريم} معناه إن له مع مضاعفة ما أنفقه اجراً زائداً كريماً، فالكريم الذي من شأنه ان يعطي الخير العظيم، فلما كان الأجر يعطي النفع العظيم، كان الأجر كريماً، لانه يوجد شرف النفع بما لا يلحقه ما ليس بأجر. وقوله {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} فـ {يوم} يتعلق بقوله {لهم أجر كريم.. يوم ترى} قال قتادة: معناه إنه يسعى نورهم أي الضياء الذي يرونه {بين أيديهم وبأيمانهم} وقال الضحاك: نورهم هداهم. قال {وبأيمانهم} كتبهم. وقيل {وبأيمانهم} معناه وعن أيمانهم. وقيل: وفي أيمانهم. وقوله {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي تجري تحت اشجارها الانهار، أي يقال لهم: الذي تبشرون به اليوم جنات تجرى من تحتها الانهار {خالدين فيها} أى مؤبدين لا يفنون. ثم قال {ذلك هو الفوز العظيم} فعظم الفوز والفلاح يتضمن اجلال النعمة والاكرام مع الحمد بالاحسان على طريق الدوام، فكل ما فعل من أجل الثواب فالنعمة به أجل والاحسان به اعظم. وقوله {يوم يقول المنافقون والمنافقات} يجوز أن يتعلق {يوم} بقوله {ذلك هو الفوز العظيم.. يوم} أي في يوم، ويجوز ان يكون على تقدير واذكر يوم يقول المنافقون والمنافقات {للذين آمنوا} ظاهراً وباطناً {انظرونا} فمن قطع الهمزة اراد أخرونا ولا تعجلوا علينا واستأخروا نستضيء بنوركم. ومن وصلها اراد ينظرون. وقيل: انظرني ايضاً بمعنى انتظرني، قال عمرو ابن أم كلثوم: شعر : أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا تفسير : ويقال: انظرني بمعنى اخرني. وقوله {نقتبس من نوركم} فالنور الضياء، وهو ضد الظلمة، وبالنور يستضاء في البصر وفي الامور، وفي البصر نور وكذلك في النار. ومعنى {نقتبس} نأخذ قبساً من نوركم، وهو جذوة منه فقالوا لهم {ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} أى ارجعوا إلى خلفكم فاطلبوا النور فانه لا نور لكم عندنا، فاذا تأخروا ضرب الله بينهم بسور. ومن وصلها أراد انتظرونا. ثم اخبر تعالى فقال {فضرب بينهم} يعني بين المؤمنين وبين المنافقين {بسور} والباء زائدة وهو المضروب بين الجنة والنار {له باب باطنه فيه الرحمة} لأن فيه الجنة {وظاهره من قبله العذاب} يعني من قبل المنافقين العذاب، لكون جهنم هناك. ثم حكى الله تعالى أنهم {ينادونهم} يعني المنافقون فيقولون لهم {ألم نكن معكم} في دار الدنيا ومخالطين لكم ومعاشرين، فيجيبهم المؤمنون فيقولون {بلى} كنتم معنا {ولكنكم فتنتم أنفسكم} أى تعرضتم للفتنة وتربصتم بالمؤمنين الدوائر {وارتبتم وغرتكم الأماني} أي شككتم فيما اخبركم به رسولنا وغركم ما كنتم تمنون حتى طمعتم في غير مطمع {حتى جاء أمر بالله} في نصرة نببه والمؤمنين معه وغلبته إياكم {وغركم بالله الغرور} يعني الشيطان وسمي بذلك لكثرة ما يغر الناس. ومن غر غيره مرة واحدة فهو غار. وقرىء بالضم، وهو كل ما غر من متاع الدنيا - ذكره الزجاج - والغرور بضم الغين المصدر. ثم يقول لهم الملائكة او المؤمنون {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} أى ما تفدون به أنفسكم لا يقبل منكم {ولا} يؤخذ {من الذين كفروا} الفداء {ومأواكم} أى مقركم وموضعكم الذى تأوون اليه {النار هي مولاكم} أى هي اولى بكم {وبئس المصير} أى بئس المأوى والموضع والمرجع اليه قال لبيد: شعر : قعدت كلا الفرجين تحسب انه مولى المخافة خلفها وأمامها تفسير : أى تحسب أن كليهما اولى بالمخافة.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرئ: فيضعفه، وقُرِئا منصوبين على جواب الاستفهام، وبالرفع عطفاً على "يقرض"، أو على الخبرية، أي: فهو يضاعفه. قد شبّه تعالى الإنفاق في سبيله بالقرض الحسن، فأطلق هذا اللفظ عليه مجازاً لعلاقة المشابهة من إعطاء شيء وأخذ شيء لغرض الإحسان. - فيضاعفه له - أي: يعطيه الله أجره على إنفاقه مضاعفاً بأضعاف من رحمته وَجُودِه، وله أجر كريم في نفسه وقد ضُم إليه الأضعاف. مكاشفة القَرْضُ الحَسَن عند أهل الله والعرفاء، أن ينفق الإنسان في طريق معرفة الله وسبيل ملكوته والتفكر في آيات جبروته، مواده الدماغيّة، وأرواحه النفسانية، وقواه الطبيعية، التي هي أعز نقود هذه البلدة وأجناسها، ليعوّض عنها ويحصل في قلبه من نفائس الأثمار المعنوية، وشرائف نقود المعارف الإلهية التي بها يصير الإنسان من أكابر الآخرة وأغنيائها، فائقاً على الأشباه والأقران، متخلصاً من سجن الحسرة والحرمان، وفاقة الجهل والنقصان. فالله تعالى حيث هيّأ أسباب المعرفة والعبادة للناس، سيّما ذوي البصائر والأكياس، فكأنه أراد منهم هذا القرض الحسن، بتضعيف أجرهم، وأخبر أن هذا الأجر كريم في نفسه، لأن المعارف الربّانية جليلة عظيمة، لأن شرف العلم وكرامته بنسبة شرف المعلوم وكرامته، وليس في الوجود ما هو أكرم وأشرف من ذات المعبود وصفاته وأسمائه وأفعاله، فالسعي في طريقة وصوله، والإنفاق في ابتغاء وجهه، يكون شريفاً كريماً أيضاً، لأن وسيلة الشيء مناسبة له.

الجنابذي

تفسير : {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعنى فيردّه اليه مضاعفاً وكان له اجرٌ كريمٌ لا امتنان فيه ولا قصور ولا زوال، وقد مضى الآية ببيانها فى اواخر البقرة، عن الكاظم (ع): نزلت فى صلة الامام، وفى روايةٍ: فى دولة الفسّاق.

الهواري

تفسير : قوله: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} [أي: محتسباً] وهذا في لنفقة في سبيل الله وفي صدقة التطوع {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} وتفسيره في سورة البقرة: (أية : مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) تفسير : [البقرة:261]. ذكروا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قال الله عز وجل: كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجازي به الجنة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أنفق عبد من نفقة أفضل من نفقة قول . تفسير : قال تعالى: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي: ثواب كريم، وهو الجنة. قوله عز وجل: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي: يقودهم إلى الجنة {وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: وبأيمانهم كتبهم, وهي بشراهم بالجنة, وذلك على الصراط. ومثلها في سورة يا أيها النبي لم تحرم في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ }تفسير : [التحريم:8] قال تعالى: {خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي: النجاة العظيمة من الجنة إلى النار.

اطفيش

تفسير : {مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} هو الانفاق في سبيل الله قيل هذا في العزو وصدقة التطوع شبهه بالقرض لانه إذا أعطى ماله لوجه الله فكأنه أقرضه إياه ولأنه يعوض عنه الجنة وحسن الانفاق باخلاصه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات وفي الحديث الرباني حديث : كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر امثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فهو لي وأنا اجازي به تفسير : ولذلك قال {فَيُضَاعِفُهُ لَهُ} أي يعطيه أجره مضاعفا أضعافا من فضله. {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} زيادة على المضاعفة في مقابلة عمله وهو نفس الجنة وهو مقترن به رضي وقبولا وهذا معنى الكرم أو معناه العظم وقرأ ابن كثير فيضعفه بالتشديد ورفعه على القرأتين على العطف على يقرض أوعلى أنه خبر لمحذوف والفاء للاستئناف وقرأ عاصم فيضاعفه وقرأ ابن عامر ويعقوب يضعة بالتشديد بنصبهما في جواب من الاستفهامية وعن بعضهم لا يكون القرض لله حسنا إلا بعشرة أن يكون من حلال وأن يكون من أحد المال وأن يكون محتاجاً لما تقرض وأن تصرفه لمن هو أحوج وأن تكتم الصدقة ما أمكنك وأن لا تتبعها بالاذى أو بالمن وأن تقصد وجه الله ولا ترائي وأن تستحقر ما تعطي وأن كثر وأن يكون أحب مالك اليك وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقر.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله مؤكد للأمر السابق به وللتوبيخ على تركه، فالاستفهام ليس على حقيقته بل للحث. والقرض الحسن الإنفاق بالإخلاص وتحري أكرم المال وأفضل الجهات، وذكر بعضهم أن القرض الحسن ما يجمع عشر صفات. أن يكون من الحلال فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء، وأن يكون والمرء صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر. وأن يضعه في الأحوج الأولى، وأن يكتم ذلك، وأن لا يتبعه بالمنّ / والأذى، وأن يقصد به وجه الله تعالى، وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر، وأن يكون من أحب أمواله إليه. وأن يتوخى في إيصاله للفقير ما هو أسر لديه من الوجوه كحمله إلى بيته، ولا يخفى أنه يمكن الزيادة والنقص فيما ذكر. وأيما كان فالكلام إما على التجوز في الفعل فيكون استعارة تبعية تصريحية، أو التجوز في مجموع الجملة فيكون استعارة تمثيلية وهو الأبلغ أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله تعالى مخلصاً متحرياً أكرمه وأفضل الجهات رجاء أن يعوضه سبحانه بدله كمن يقرضه. {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} فيعطيه أجره على إنفاقه مضاعفاً أضعافاً كثيرة من فضله {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم مرضي في نفسه حقيق بأن يتنافس فيه المتنافسون، ففيه إشارة إلى أن الأجر كما أنه زائد في الكم بالغ في الكيف فالجملة حالية لا عطف على {فَيُضَاعِفَهُ }، وجوز العطف والمغايرة ثابتة بين الضعف والأجر نفسه فإن الاضعاف من محض الفضل والمثل فضل هو أجر، ونصب {يُضَاعِفَهُ } على جواب الاستفهام بحسب المعنى كأنه قيل: أيقرض الله تعالى أحد فيضاعفه له؟ فإن المسؤول عنه بحسب اللفظ وإن كان هو الفاعل لكنه في المعنى هو الفعل إذ ليس المراد أن الفعل قد وقع السؤال عن تعيين فاعله كقولك: من جاءك اليوم؟ إذا علمت أنه جاءه جاء لم تعرفه بعينه. وإنما أورد على هذا الأسلوب للمبالغة في الطلب حتى كأن الفعل لكثرة دواعيه قد وقع وإنما يسأل عن فاعله ليجازي ولم يعتبر الظاهر لأنه يشترط بلا خلاف في النصب بعد الفاء أن لا يتضمن ما قبل وقوع الفعل نحو لمَ ضربت زيداً فيجازيك؟ فإنه حينئذ لا يتضمن سبق مصدر مستقبل وعلى هذا يؤل كل ما فيه نصب وما قبل متضمن للوقوع. وقرأ غير واحد {فَيُضَاعِفَهُ } بالرفع على القياس نظراً للظاهر المتضمن للوقوع، وهو إما عطف على {يُقْرِضُ} أو على فهو يضاعفه وقرىء {فيضعفه} بالرفع والنصب.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذه الجملة موقع التعليل والبيان لجملة {أية : وكلاًّ وعد الله الحسنى}تفسير : [الحديد: 10]. وما بينهما اعتراض، والمعنى: أن مثل المنفق في سبيل الله كمثل من يُقرض الله ومَثَلُ الله تعالى في جزائه كمثل المستسلف مع من أحسن قرضه وأحسن في دفعه إليه. و{من} استفهامية كما هو شأنها إذا دخلت على اسم الإشارة والموصول، و{الذي يقرض} خبرها، و{ذا} معترضة لاستحضار حال المقترض بمنزلة الشخص الحاضر القريب. وعن الفراء: (ذا) صلة، أي زائدة لمجرد التأكيد مثل ما قال كثير من النحاة: إن (ذا) في (ماذا) ملغاة، قال الفراء: رأيتها في مصحف عبد الله {منذا الذي} والنون موصولة بالذال اهــــ. والاستفهام مستعمل في معنى التحريض مجازاً لأن شأن المحرِّض على الفعل أن يبحث عمن يفعله ويتطلب تعيينه لينوطه به أو يجازيه عليه. والقرض الحسن: هو القرض المستكمل محاسن نوعه من كونه عن طيب نفس وبشاشة في وجه المستقرض، وخلو عن كل ما يعرِّض بالمنة أو بتضييق أجل القضاء. والمشبّه هنا بالقرض الحسن هو الإِنفاق في سبيل الله المنهيُّ عن تركه في قوله: {أية : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله}تفسير : [الحديد: 10]. وقرأ الجمهور {فيضاعفه} بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر ويعقوب {فيضعِّفه} بدون ألف وبتشديد العين. والفاء في جملة {فيضاعفه له} فاء السببية لأن المضاعفة مسببة على القرض. وقرأ الجمهور فعل {يضاعفُه} مرفوعاً على اعتباره معطوفاً على {يقرض}. والمعنى: التحريض على الإِقراض وتحصيل المضاعفة لأن الإِقراض سبب المضاعفة فالعمل لحصول الإِقراض كأنه عمل لحصول المضاعفة. أو على اعتبار مبتدأ محذوف لتكون الجملة اسمية في التقدير فيقع الخبر الفعلي بعد المبتدأ مفيداً تقوية الخبر وتأكيد حصوله، واعتبارِ هذه الجملة جواباً، لــــ (مَن) الموصولة بإشراب الموصول معنى الشرط وهو إشراب كثير في القرآن. وقرأه حفص عن عاصم وابن عامر ويعقوب ـــ كل على قراءته ـــ بالنصب على جواب الاستفهام. ومعنى {وله أجر كريم}: أن له أنفس جنس الأجور لأن الكريم في كل شيء هو النفيس، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إني ألقيّ إلي كتاب كريم} تفسير : في سورة النمل (29). وجعل الأجر الكريم مقابل القرض الحسن فَقُوبِل بهذا موصوف وصفته بمثلهما. والمضاعفة: مماثلة المقدار، فالمعنى: يعطيه مثلي قرضه. والمراد هنا مضاعفته أضعافاً كثيرة كما قال: {أية : مثلُ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل}تفسير : الآية في سورة البقرة (261). وقال: {أية : من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة}تفسير : [البقرة: 245]. وضمير النصب في {يضاعفه} عائد إلى القرض الحسن، والكلام على حذف مضاف تقديره: فيضاعف جزاءه له. لأن القرض هنا تمثيل بحال السلف المتعارف بين الناس فيكون تضعيفه مثل تضعيف مال السلف وذلك قبل تحريم الربا. والأجر: ما زاد على قضاء القرض من عطية يسديها المستسلف إلى من سلفه عندما يجد سعة، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خيركم أحسنكم قضاء»تفسير : ، وقال تعالى: {أية : وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً}تفسير : [النساء: 40]. والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة كما في قوله تعالى: {أية : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم} تفسير : في سورة التغابن (17). وهذا يشمل الإِنفاق في الصدقات قال تعالى: {أية : إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم}تفسير : [الحديد: 18]، وهو ما فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : والصدقة تطفىء الخطايا كما يطفىء الماء النار»تفسير : ، أي زيادة على مضاعفتها مثل الحسنات كلها.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَيُضَاعِفَهُ} (11) - مَنْ هَذَا الذِي يُنْفِقُ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَطَمَعاً فِي مَثُوبَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، مُحْتَسِباً أَجْرَهُ عِنْدَ اللهِ، فَيَعُدُّ اللهُ لَهُ ذَلِكَ قَرْضاً للهِ تَعَالَى، فَيُضَاعِفُ لَهُ ذَلِكَ القَرْضَ أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً، وَيُثيبُهُ مَثُوبَةً كَرِيمَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ يَوْمَ القِيَامَةِ؟. قَرْضاً حَسَناً - طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِهِ أَوْ مُحْتَسِباً بِهِ.