٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {يَوْمَ تَرَى } ظرف لقوله: {أية : وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الحديد: 11] أو منصوب بأذكر تعظيماً لذلك اليوم. المسألة الثانية: المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة، واختلفوا في هذا النور على وجوه: أحدها: قال قوم: المراد نفس النور على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه في العظم والصغر» تفسير : فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة فمنهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، ومنهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه، وأدناهم نوراً من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى، وهذا القول منقول عن ابن مسعود، وقتادة وغيرهما، وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة يا فلان ها نورك، ويا فلان لا نور لك، نعوذ بالله منه، واعلم أنا بينا في سورة النور، أن النور الحقيقي هو الله تعالى، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نوراً من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا القول الثاني: أن المراد من النور ما يكون سبباً للنجاة، وإنما قال: {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كماأن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ووراء ظهورهم القول الثالث: المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة، كما يقال ليس لهذا الأمر نور، إذا لم يكن المقصود حاصلاً، ويقال: هذا الأمر له نور ورونق، إذا كان المقصود حاصلاً. المسألة الثالثة: قرأ سهل بن شعيب {وَبإِيْمَـٰنِهِم } بكسر الهمزة، والمعنى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم حصل ذلك السعي، ونظيره قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج: 10] أي ذلك كائن بذلك. ثم قال تعالى: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله: {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 25] ثم قالوا: تقدير الآية وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم، كما قال: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ } تفسير : [الرعد: 23، 24]. المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص. المسألة الثالثة: احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال: لو كان مؤمناً لدخل تحت هذه البشارة، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة، ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن والجواب: أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى فيها أبد الآباد، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة، فسقط هذا الاستدلال. المسألة الرابعة: قوله: {ذٰلِكَ } عائد إلى جميع ما تقدم وهو النور والبشرى بالجنات المخلدة. المسألة الخامسة: قرىء: (ذلك الفوز)، بإسقاط كلمة: هو. واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين. فقال:
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين المتصدقين: أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم؛ كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتّقد مرة، ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه» تفسير : وقال سفيان الثوري عن حصين، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية قال: حديث : إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة، قيل: يافلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك. وقرأ: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}.» تفسير : وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط، طفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون، أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفىء نور المنافقين، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يعني: على الصراط، وقد قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن مسعود: أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث: أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم» تفسير : فقال له رجل: يانبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ فقال: «حديث : أعرفهم محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم.»تفسير : وقوله: {وَبِأَيْمَـٰنِهِم} قال الضحاك: أي: وبأيمانهم كتبهم؛ كما قال: {أية : فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ} تفسير : [الإسراء: 71] وقوله: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} أي: قال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار {خَـٰلِدِينَ فِيهَا} أي ماكثين فيها أبداً {ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وقوله: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات؛ من الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن با لله ورسوله، وعمل بما أمر الله به، وترك ما عنه زجر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو هذا ــــ يشير إلى القبر ــــ بيت الوحدة وبيت الظلمة، وبيت الدود وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق، فلا يعطيان شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: {أية : أَوْ كَظُلُمَـٰتٍ فِى بَحْرٍ لُّجِّىٍّ يَغْشَـٰهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40] فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن؛ كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} وهي خدعة الله التي يخدع بها المنافقين حيث قال: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم، وقد ضرب بينهم بسور له باب {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} الآية. يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغتراً حتى يقسم النور، ويميز الله بين المنافق والمؤمن، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة، إذ بعث الله نوراً، فلما رأى المؤمنون النور، توجهوا نحوه، وكان النور دليلاً من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا، اتبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} فإنا كنا معكم في الدنيا، قال المؤمنون: {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن علوية القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم؛ ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط، فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نوراً، وكل منافق نوراً، فإذا استووا على الصراط، سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم، وقال المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا، فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً.»تفسير : وقوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال الله تعالى: {أية : وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} تفسير : [الأعراف: 46] وهكذا روي عن مجاهد رحمه الله وغير واحد، وهو الصحيح: {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} أي: الجنة وما فيها {وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} أي: النار، قاله قتادة وابن زيد وغيرهما، قال ابن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم. ثم قال: حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} هو السور الشرقي، باطنه المسجد، وما يليه وظاهره وادي جهنم. ثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى، ومثالاً لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين نفسه ونفس المسجد، وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السموات في أعلى عليين، والنار في الدركات أسفل سافلين، وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك السور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون، دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم، أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة. {يُنَـٰدُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي: ينادي المنافقون المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ {قَالُواْ بَلَىٰ} أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى، قد كنتم معنا، {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ} قال بعض السلف: أي: فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، وتربصتم، أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالحق وأهله {وَٱرْتَبْتُمْ} أي: بالبعث بعد الموت {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ} أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} أي: مازلتم في هذا حتى جاءكم الموت، {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي: الشيطان. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله مازالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: أنكم كنتم معنا، أي: بأبدان لا نية لها، ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك، فكنتم تراؤون الناس، ولا تذكرون الله إلا قليلاً. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء، يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتاً، ويعطون النور جميعاً يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويماز بينهم حينئذ. وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول، وهو أصدق القائلين: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ فِى جَنَّـٰتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ حَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ } تفسير : [المدثر: 38 ــــ 47] فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ. ثم قال تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48] كما قال ههنا: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: لوجاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهباً، ومثله معه؛ ليفتدي به من عذاب الله، ما قبل منه. وقوله تعالى: {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي: هي مصيركم، وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: {هِىَ مَوْلَـٰكُمْ} أي: هي أولى بكم من كل منزل؛ على كفركم وارتيابكم، وبئس المصير.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكر {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أمامهم {وَ} يكون { بأَيْمَانِهِمْ } ويقال لهم :{بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّٰتٌ } أي ادخلوها {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } العامل في الظرف مضمر وهو اذكر، أو كريم، أو فيضاعفه، أو العامل في لهم، وهو الاستقرار، والخطاب لكل من يصلح له، وقوله {يَسْعَىٰ نُورُهُم } في محل نصب على الحال من مفعول ترى، والنور هو الضياء الذي يرى {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } وذلك على الصراط يوم القيامة، وهو دليلهم إلى الجنة. قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلاّ موضع قدميه. وقال الضحاك، ومقاتل: وبأيمانهم: كتبهم التي أعطوها، فكتبهم بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم، قال الفراء: الباء بمعنى "في": أي في أيمانهم، أو بمعنى "عن"، قال الضحاك أيضاً: نورهم: هداهم، وبأيمانهم: كتبهم، واختار هذا ابن جرير الطبري، أي: يسعى أيمانهم وعملهم الصالح بين أيديهم، وفي أيمانهم كتب أعمالهم. قرأ الجمهور: {بأيمانهم} جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد الساعديّ، وأبو حيوة: (بإيمانهم) بكسر الهمزة على أن المراد بالإيمان ضدّ الكفر، وقيل: هو القرآن، والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الحال من نورهم، أي: كائناً بين أيديهم وبأيمانهم {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } بشراكم مبتدأ، وخبره جنات على تقدير مضاف، أي: دخول جنات، والجملة مقول قول مقدّر، أي: يقال لهم هذا، والقائل لهم هم الملائكة. قال مكيّ: وأجاز الفراء نصب جنات على الحال، ويكون اليوم خبر بشراكم، وهذا بعيد جداً {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال مقدّرة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى النور والبشرى، وهو مبتدأ، وخبره {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: لا يقادر قدره حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه. {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ } {يوم} بدل من {يوم} الأوّل، ويجوز أن يكون العامل فيه: {الفوز العظيم}، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، أي: اذكر {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } اللام للتبليغ كنظائرها. قرأ الجمهور {انظرونا} أمراً بوصل الهمزة وضم الظاء من النظر بمعنى الانتظار، أيّ: انتظرونا. يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة. وقرأ الأعمش، وحمزة، ويحيـى بن وثاب بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار، أي: أمهلونا، وأخرونا، يقال: أنظرته واستنظرته، أي: أمهلته واستمهلته. قال الفراء: تقول العرب أنظرني، أي: انتظرني، وأنشد قول عمرو بن كلثوم:شعر : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا تفسير : وقيل: معنى انظرونا: انظروا إلينا؛ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيئون بنورهم {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } أي: نستضيء منه، والقبس: الشعلة من النار والسراج، فلما قالوا ذلك {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ } أي: قال لهم المؤمنون، أو الملائكة زجراً لهم، وتهكماً بهم، أي: ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } أي: اطلبوا هنالك نوراً لأنفسكم، فإنه من هنالك يقتبس، وقيل: المعنى: ارجعوا إلى الدنيا، فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان، والأعمال الصالحة، وقيل: أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكماً بهم: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } السور: هو الحاجز بين الشيئين، والمراد به هنا الحاجز بين الجنة والنار، أو بين أهل الجنة وأهل النار. قال الكسائي: والباء في بسور زائدة. ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال: {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } أي: باطن ذلك السور؛ وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة فيه الرّحمة: وهي الجنة {وَظَـٰهِرُهُ } وهو الجانب الذي يلي أهل النار {مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } أي: من جهته عذاب جهنم، وقيل: إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب وبينهم السور، وقيل: إن الرّحمة التي في باطنه: نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره: ظلمة المنافقين. ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك، فقال: {يُنَـٰدُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } أي: موافقين لكم في الظاهر نصلي بصلاتكم في مساجدكم، ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم، والجملة مستأنفة كأنه قيل: فماذا قال المنافقون بعد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين؟ فقال: {يُنَـٰدُونَهُمْ }، ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال: {قَالُواْ بَلَىٰ } أي: كنتم معنا في الظاهر {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } بالنفاق وإبطان الكفر، قال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق، وقيل: بالشهوات واللذات {وَتَرَبَّصْتُمْ } بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبمن معه من المؤمنين حوادث الدّهر، وقيل: تربصتم بالتوبة، والأوّل أولى {وَٱرْتَبْتُمْ } أي: شككتم في أمر الدين ولم تصدّقوا ما نزل من القرآن، ولا بالمعجزات الظاهرة {وَغرَّتْكُمُ ٱلأمَانِىُّ } الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه من التربص، وقيل: هو طول الأمل، وقيل: ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين، وقال قتادة: الأمانيّ هنا: غرور الشيطان، وقيل: الدنيا، وقيل: هو طمعهم في المغفرة، وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى الأمانيّ {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } وهو الموت، وقيل: نصره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: هو إلقاؤهم في النار {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قرأ الجمهور {الغرور} بفتح الغين، وهو صفة على فعول، والمراد به: الشيطان: أي خدعكم بحلم الله، وإمهاله الشيطان. وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حرب بضمها، وهو مصدر. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } تفدون بها أنفسكم من النار أيها المنافقون {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بالله ظاهراً وباطناً {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي: منزلكم الذي تأوون إليه النار {هِىَ مَوْلَـٰكُمْ } أي: هي أولى بكم، والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن يلازمه، وقيل: معنى {مولاكم}: مكانكم عن قرب، من الولي، وهو القرب. وقيل: إن الله يركب في النار الحياة والعقل، فهي تتميز غيظاً على الكفار، وقيل المعنى: هي ناصركم على طريقة قول الشاعر:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } الذي تصيرون إليه وهو النار. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرّون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرّة، ويوقد أخرى. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلهم من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا إلى النور تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } فإنا كنا معكم في الدنيا، قال المؤمنون: {ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ } من حيث جئتم من الظلمة {فَٱلْتَمِسُواْ } هنالك النور. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط، فإن الله يعطى كل مؤمن نوراً، وكل منافق نوراً، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } وقال المؤمنون: {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا } [التحريم: 8] فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً»تفسير : وفي الباب أحاديث وآثار. وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت: أنه كان على سور بيت المقدس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله في القرآن {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } هو: السور الذي ببيت المقدس الشرقي {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } المسجد {وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } يعني: وادي جهنم، وما يليه. ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال ما لا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله: {باطنة فيه الرّحمة} المسجد، فإن هذا غير ما سيقت له الآية، وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأيّ معنى لذكر مسجد بيت المقدس هاهنا، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس، ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين، فما معنى تفسير باطن السور، وما فيه من الرّحمة بالمسجد، وإن كان المراد: أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس، فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد، ويجعل المنافقين خارجه، فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة، وليسوا ببيت المقدس، فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه، وآمنا به، وإلاّ فلا كرامة ولا قبول. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } قال: بالشهوات واللذات {وَتَرَبَّصْتُمْ } قال: بالتوبة {وَغرَّتْكُمُ ٱلأمَانِىُّ حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } قال: الموت {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قال: الشيطان.
ابن عطية
تفسير : العامل في: {يوم} قوله {أية : وله أجر كريم} تفسير : [الحديد: 11]. والرؤية في هذه الآية رؤية عين. والنور: قال الضحاك بن مزاحم: هي استعارة، عبارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه. وقال الجمهور: بل هو نور حقيقة، وروي في هذا عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها: أن كل مؤمن ومظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نوراً فيطفأ نور كل منافق ويبقى نور المؤمنين. حتى أن منهم من نوره يضيء كما بين مكة وصنعاء، رفعه قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من نوره كالنخلة السحوق. ومنهم من نوره يضيء ما بين قرب من قدميه، قال ابن مسعود: ومنهم من يهم بالانطفاء مرة ويتبين مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية. وخص تعالى بين الأيدي بالذكر لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور. واختلف الناس في قوله: {وبأيمانهم} فقال بعض المتأولين المعنى: وعن أيمانهم، فكأنه خص ذكر جهة اليمين تشريفاً، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع جهاتهم، وقال آخرون منهم، المعنى: {وبأيمانهم} كتبهم بالرحمة. وقال جمهور المفسرين، المعنى: يسعى نورهم بين أيديهم، يريد الضوء المنبسط من أصل النور. {وبأيمانهم} أصله، والشيء الذي هو متقد فيه. قال القاضي أبو محمد: فضمن هذا القول أنهم يحملون الأنوار، وكونهم غير حاملين أكرم، ألا ترى أن فضيلة عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنما كانت بنور لا يحملانه. هذا في الدنيا فكيف في الآخرة، ومن هذه الآية انتزع حمل المعتق للشمعة. وقرأ الناس: "بأيمانهم" جمع يمين. وقرأ سهل بن سعد وأبو حيوة: "بإيمانهم" بكسر الألف، وهو معطوف على قوله: {بين أيديهم} كأنه قال: كائناً بين أيديهم، وكائناً بسبب إيمانهم. وقوله تعالى: {بشراكم} معناه، يقال لهم: بشراكم جنات، أي دخول جنات، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقوله تعالى: {خالدين فيها} إلى آخر الآية، مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن مسعود: "ذلك الفوز العظيم" بغير هو. وقوله تعالى: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} قال بعض النحاة: {يوم} بدل من الأول وقال آخرون منهم العامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكر. قال القاضي أبو محمد: ويظهر لي أن العامل فيه قوله تعالى: {ذلك هو الفوز العظيم} ويجيء معنى {الفوز} أفخم، كأنه يقول: إن المؤمنين يفوزون بالرحمة يوم يعتري المنافقين كذا وكذا، لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه ومضاده أبدع وأفخم، وقول المنافقين هذه المقالة الممكنة هو عند انطفاء أنوارهم كما ذكرنا قبل. وقولهم: {انظرونا} معناه: انتظرونا، ومنه قول الحطيئة: [البسيط] شعر : وقد نظرتكمُ أبناء عائشة للخمس طال بها حبسي وتبساسي تفسير : وقرأ حمزة وحده وابن وثاب وطلحة والأعمش: "أنظِرونا" بقطع الألف وكسر الظاء على وزن أكرم. ومنه قول عمرو بن كلثوم: [الوافر] شعر : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبّرك اليقينا تفسير : ومعناه: أخرونا، ومنه النظرة إلى الميسرة، وقول النبي عليه السلام: "حديث : من أنظر معسراً"تفسير : الحديث، ومعنى قولهم: أخرونا، أخروا مشيكم لنا حتى نلحق فـ {نقتبس من نوركم}، واقتبس الرجل واستقبس أخذ من نور غيره قبساً. وقوله تعالى: {قيل ارجعوا وراءكم} يحتمل أن يكون من قول المؤمنين، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة. وقوله: {وراءكم} حكى المهدوي وغيره من المفسرين أنه لا موضع له من الإعراب، وأنه كما لو قال ارجعوا ارجعوا، وأنه على نحو قول أبي الأسود الدؤلي للسائل: وراءك أوسع لك. قال القاضي أبو محمد: ولست أعرف مانعاً يمنع من أن يكون العامل فيه {ارجعوا}، والقول لهم: {فالتمسوا نوراً} هو على معنى التوبيخ لهم، أي أنكم لا تجدونه. ثم أعلم عز وجل أنه يضرب بينهم في هذه الحال {بسور} حاجز، فيبقى المنافقون في ظلمة ويأخذهم العذاب من الله، وحكي عن ابن زيد أن هذا السور هو الأعراف المذكورفي سورة "الأعراف" وقد حكاه المهدوي، وقيل هو حاجز آخر غير ذلك، وقال عبد الله بن عمر وكعب الأحبار وعبادة بن الصامت وابن عباس: هو الجدار الشرقي في مسجد بيت المقدس. وقال زياد بن أبي سوادة: قام عبادة على السور الشرقي من بيت المقدس فبكى وقال: من هاهنا أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. قال القاضي أبو محمد: وفيه باب يسمى باب الرحمة، سماه في تفسير هذه الآية عبادة وكعب. وفي الشرق من الجدار المذكور واد يقال له: وادي جهنم، سماه في تفسير هذه الآية عبد الله بن عمر وابن عباس، وهذا القول في السور بعيد، والله أعلم وقال قتادة وابن زيد، {الرحمة}: الجنة. و {العذاب}: جهنم. والسور في اللغة الحجي الذي للمدن وهو مذكور. والسور أيضاً جمع سورة، وهي القطعة من البناء ينضاف بعضها إلى بعض حتى يتم الجدار، فهذا اسم جمع يسوغ تذكيره وتأنيثه، وهذا الجمع هو الذي أراد جرير في قوله: [الكامل] شعر : لما أتى خبر الزبير تضعضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وذلك أن المدينة لم يكن لها قط حجي، وأيضاً فإن وصفه أن جميع ما في المدينة من بناء تواضع أبلغ، ومن رأى أنه قصد قصد السور الذي هو الحجي، قال: إن ذلك إذا تواضع فغيره من المباني أحرى بالتواضع. قال القاضي أبو محمد: فإذا كان السور في البيت محتملاً للوجهين فليس هو في قوة مر الرياح وصدر القناة وغير ذلك مما هو مذكر محض استفاد التأنيث مما أضيف إليه. وقوله تعالى: {باطنه فيه الرحمة} أي جهة المؤمنين، {وظاهره} جهة المنافقين، والظاهر هنا البادي، ومنه قول: من ظاهر مدينة كذا، وقوله تعالى: {ينادونهم} معناه: ينادي المنافقون المؤمنين {ألم نكن معكم} في الدنيا؟ فيرد المؤمنون عليهم: {بلى} كنتم معنا، ولكنكم عرضتم أنفسكم للفتنة، وهو حب العاجل والقتال عليه، قال مجاهد: {فتنتم أنفسكم} بالنفاق. {وتربصتم} معناه هنا: بأمانكم {فأبطأتم} به حتى متم. وقال قتادة معناه: تربصتم بنا وبمحمد عليه السلام الدوائر وشككتم في أمر الله. والارتياب: التشكك. و: {الأماني} التي غرتهم هي قولهم: سيهلك محمد هذا العام ستهزمه قريش، ستأخذه الأحزاب، إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل غرار لكل أحد، و {أمر الله} الذي {جاء} هو الفتح وظهور الإسلام، وقيل هو موت المنافقين وموافاتهم على هذه الحال الموجبة للعذاب و: {الغرور} الشيطان بإجماع من المتأولين. وقرأ سماك بن حرب بضم الغين، وأبو حيوة. وينبغي لكل مؤمن أن يعتبر هذه الآية في نفسه وتسويفه في توبته.
ابن عبد السلام
تفسير : {نُورُهُم} ضياء يثابون به، أو هداهم، أو نور أعمالهم {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ليدلهم على الجنة، أو ليستضيئوا به على الصراط {وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم، أو نورهم، أو ما أخرجوه بأيمانهم في الصدقات والزكوات وسبل الخير، أو بإيمانهم في الدنيا وتصديقهم بالجزاء {بُشْرَاكُمُ} نورهم بشراهم أو بشارة تلقاهم الملائكة بها في القيامة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ...} الآية، العامل في {يَوْمَ} قوله: {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} والرؤية هنا رؤية عينٍ، والجمهور أَنَّ النورَ هنا هو نور حقيقة، وقد روي في هذا عن ابن عباس وغيره آثار مضمنها: أَنَّ كل مؤمن ومُظْهِرٍ للإيمان، يُعْطَى يومَ القيامة نوراً فَيُطْفَأُ نُورُ كُلِّ منافقٍ، ويبقَىٰ نورُ المؤمنين، حتى إِنَّ منهم مَنْ نورُه يضيء كما بين مَكَّةَ وصنعاءَ؛ رفعه قتادة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم مَنْ نوره كالنخلة السحوق، ومنهم مَنْ نورُه يضيء ما قَرُبَ من قدميه؛ قاله ابن مسعود، ومنهم مَنْ يَهُمُّ بالانطفاء مرة وَيَبِينُ مرة على قدر المنازل في الطاعة والمعصية، قال الفخر: قال قتادة: ما من عبد إلاَّ وينادى يوم القيامة: يا فلان، هذا نورك، يا فلان، لا نورَ لك، نعوذ باللَّه من ذلك! واعلم أَنَّ العلمَ الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نوراً من نور البصر، وإذا كان كذلك ظهر أَنَّ معرفة اللَّه تعالى هي النورُ في القيامة، فمقادير الأنوار يومَ القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا، انتهى، ونحوه للغزالي، وخَصَّ تعالى بين الأيدي بالذكر؛ لأَنَّهُ موضع حاجة الإنسان إلى النور، واخْتُلِفَ في قوله تعالى: {وَبِأَيْمَـٰنِهِم} فقال بعض المتأولين: المعنى: وعن أيمانهم، فكأَنَّه خَصَّ ذكر جهة اليمين؛ تشريفاً، وناب ذلك مَنَابَ أَنْ يقول: وفي جميع جهاتهم، وقال جمهور المفسرين: المعنى: يسعى نورُهم بين أيديهم، يريد الضوء المنبسط من أصل النور، {وَبِأَيْمَـٰنِهِم}: أصله، والشيءُ الذي هو مُتَّقَدٌ فيه، فتضمن هذا القولُ أَنَّهم يحملون الأنوار، وكونهم غير حاملين أكرم؛ أَلاَ ترى أَنَّ فضيلةَ عباد بن بشر وأسيد بن حضير إنَّما كانت بنور لا يحملانه، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟! * ت *: وفيما قاله * ع *: عندي نظر، وأَيضاً فأحوال الآخرة لا تُقَاسُ على أحوال الدنيا!. وقوله تعالى: {بُشْرَاكُمُ} أي: يقال لهم: بشراكم {جَنَّـٰتُ} أي دخولُ جنات. * ت *: وقد جاءت ـــ بحمد اللَّه ـــ آثار بتبشير هذه الأُمَّةِ المحمديَّةِ، وخَرَّجَ ابن ماجة قال: أخبرنا جُبَارة بن المغلِّس، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذَا جَمَعَ [اللَّهُ] الخَلاَئِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَذِنَ لاُّمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في السُّجُودِ، فَسَجَدُوا طَوِيلاً، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، فَقَدْ جَعَلْنَا عِدَتَكُمْ فِدَاءَكُمْ مِنَ النَّارِ»تفسير : ، قال ابن ماجه: وحدَّثنا جُبَارَةُ بْنُ المُغَلِّسِ، حدثنا كِثِيرُ بن سليمان: عن أنس بن مالك، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ هٰذِهِ الأُمَّةَ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا، فَإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُفِعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَيُقَالُ: هٰذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ»تفسير : ،وفي «صحيح مسلم»: «حديث : دَفَعَ اللَّهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ: هٰذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ»تفسير : انتهى من «التذكرة». وقوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ} قيل: {يَوْمَ} هو بدل من الأول، وقيل: العامل فيه «اذكر»، قال * ع *: ويظهر لي أَنَّ العاملَ فيه قوله تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ويجيء معنى الفوز أَفْخَمَ؛ كأَنَّهُ يقول: إنَّ المؤمنين يفوزون بالرحمة يومَ يعتري المنافقين كذا وكذا، لأَنَّ ظهورَ المرء يومَ خمول عَدُوِّه ومُضَادِّهِ أَبْدَعُ وأَفْخَمُ، وقول المنافقين هذه المقالةَ المحكية، هو عند انطفاء أنوارهم، كما ذكرنا قبل، وقولهم: «انْظُرُونَا» معناه: انتظرونا، وقرأ حمزة وحده: {ٱنظُرُونَا} ـــ بقطع الألف وكسر الظاء ـــ ومعناه أَخِّرُونا؛ ومنه: {فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} ومعنى قولهم أَخِّرونا، أي: أخِّروا مشيَكم لنا؛ حَتَّى نلتحق فنقتبسَ من نوركم، واقتبس الرجل: أخذ من نور غيره قَبَساً، قال الفخر: القَبَسُ: الشعلة من النار والسراج، والمنافقون طَمِعُوا في شيء من أنوار المؤمنين، وهذا منهم جهل؛ لأَنَّ تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، وهم لم يقدموها، قال الحسن: يُعْطَى يومَ القيامة كُلُّ أحد نوراً على قَدْرِ عمله، ثم يؤخذ من حجر جهنم ومِمَّا فيها من الكلاليب والحسك ويُلْقَى على الطريق، ثم تمضي زمرة من المؤمنينَ، وُجُوهُهُم كالقمر ليلةَ البدر، ثم تمضي زمرة أُخرى كأضوأ كوكب في السماء، ثم على ذلك، ثم تغشاهم ظلمة تُطْفِىءُ نورَ المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للذين آمنوا: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، انتهى. وقوله تعالى: {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ} يحتمل أنْ يكون من قول المؤمنين [لهم]، [ويحتمل أنْ يكون من قول] الملائكة، والقول لهم: {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}: هو على معنى التوبيخ لهم، أي: إنَّكم لا تجدونه، ثم أعلم تعالى أَنَّهُ يضرب بينهم في هذه الحال بسورٍ حاجز، فيبقى المنافقون في ظُلْمَةٍ وعذاب. وقوله تعالى: {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} أي: جهة المؤمنين {وَظَـٰهِرُهُ}: جهة المنافقين، والظاهر هنا: البادي؛ ومنه قول الكُتَّابِ: من ظاهر مدينة كذا، وعبارة الثعلبيِّ: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}: وهو حاجز بين الجنة والنار، قال أبو أمامة الباهليُّ: فيرجعون إلى المكان الذي قُسِّمَ فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، وقد ضُرِبَ بينهم بسور، قال قتادة: حائط بين الجنة والنار، له باب {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ}، يعني: الجنة، {وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} يعني النار، انتهى، قال * ص *: قال أبو البقاء: الباء في {بِسُورٍ} زائدة، وقيل: ليست بزائدة، قال أبو حيان: والضمير في {بَاطِنُهُ} عائدٌ على الباب، وهو الأظهر لأَنَّهُ الأقرب، وقيل: على سور، أبو البقاء: والجملة صفة لـ«باب» أو لـ«سور»، انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن في قوله: {يسعى نورهم بين أيديهم} قال: على الصراط حتى يدخلوا الجنة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود {يسعى نورهم بين أيديهم} قال: على الصراط. وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن شجرة قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان ابن فلان هلم بنورك ويا فلان ابن فلان لا نور لك. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن من المؤمنين يوم القيامة من يضيء له نوره كما بين المدينة إلى عدن أبين إلى صنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه، والناس منازل بأعمالهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله: {يسعى نورهم بين أيديهم} قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأرفع رأسي فأنظر بين يدي وعن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك؟ قال: غر محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ". تفسير : وأخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر، وهو القبر بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيد الدود وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى موضع آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نوراً ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً وهو المثل الذي ضرب الله في كتابه إلى قوله ولا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافق للذين آمنوا: {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال: {أية : يخادعون الله وهو خادعهم} تفسير : [النساء: 142] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم، {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} ينادونهم ألم نكن معكم نصلي صلاتكم ونغزو مغازيكم؟ قالوا: بلى إلى قوله: {وبئس المصير} . وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي أمامة قال: تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون: {انظرونا نقتبس من نوركم} . وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله إلى الجنة فلما رأى المنافقون المؤمنين انطلقوا إلى النور تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ: {انظرونا نقتبس من نوركم} فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: {انظرونا نقتبس من نوركم} وقال المؤمنون: {ربنا أتمم لنا نورنا} فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا جمع الله الأولين والآخرين دعا اليهود فقيل لهم: من كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله، فيقال لهم: كنتم تعبدون معه غيره فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟ فيقولون: عُزيراً فيوجهون وجهاً، ثم يدعو النصارى، فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله، فيقول لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟ فيقولون: نعم، فيقال لهم: من كنتم تعبدون معه؟ فيقولون: المسيح، فيوجهون وجهاً ثم يدعى المسلمون وهم على رابة من الأرض فيقال لهم: من كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله وحده، فيقال لهم: هل كنتم تعبدون معه غيره؟ فيغضبون فيقولون: ما عبدنا غيره فيعطى كل إنسان منهم نوراً، ثم يوجهون إلى الصراط ثم قرأ {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا أنظرونا نقتبس من نوركم} الآية وقرأ {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم} [التحريم: 8] إلى آخر الآية . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} الآية قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور لهم دليلاً إلى الجنة من الله فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: {انظرونا نقتبس من نوركم} فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي فاختة قال: يجمع الله الخلائق يوم القيامة، ويرسل الله على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتي الله كل مؤمن يومئذ نوراً ويؤتي المنافقين نوراً فينطلقون جميعاً متوجهين إلى الجنة معهم نورهم، فبينما هم كذلك إذ طفأ الله نور المنافقين، فيترددون في الظلمة، ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فينادونهم {انظرونا نقتبس من نوركم} {فضرب بينهم بسور له باب باطنه} حيث ذهب المؤمنون فيه الرحمة ومن قبله الجنة، ويناديهم المنافقون ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم فيقول المنافقون بعضهم لبعض: وهم يتسكعون في الظلمة تعالوا نلتمس إلى المؤمنين سبيلاً فيسقطون على هوة، فيقول بعضهم لبعض: إن هذا ينفق بكم إلى المؤمنين فيتهافتون فيها فلا يزالون يهوون فيها حتى ينتهوا إلى قعر جهنم، فهنالك خدع المنافقون كما قال الله: {وهو خادعهم} . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {انظرونا} موصولة برفع الألف. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ {انظرونا} مقطوعة بنصب الألف وكسر الظاء. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: أين أنت من يوم جيء بجهنم قد سدت ما بين الخافقين وقيل: لن تدخل الجنة حتى تخوض النار، فإن كان معك نور استقام بك الصراط فقد والله نجوت وهديت، وإن لم يكن معك نور تشبث بك بعض خطاطيف جهنم أو كلاليبها، فقد والله رديت وهويت. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا وهم على الصراط انظرونا} يقول: ارقبونا {نقتبس من نوركم} يعني نصيب من نوركم فنمضي معكم قيل: يعني قالت الملائكة لهم: {ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً من حيث جئتم} هذا من الاستهزاء بهم استهزؤوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا: آمنا وليسوا بمؤمنين فذلك قوله: {الله يستهزىء بهم} حين يقال لهم: {ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} {فضرب بينهم بسور له باب} يعني بالسور حائط بين أهل الجنة والنار {باب باطنه} يعني باطن السور {فيه الرحمة} مما يلي الجنة {وظاهره من قبله العذاب} يعني جهنم وهو الحجاب الذي ضرب بين أهل الجنة وأهل النار. وأخرج عبد بن حميد عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل له ما يبكيك؟ فقال: ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم يحدث عن أبيه أنه قال: {فضرب بينهم بسور} قال: هذا موضع السورعند وادي جهنم. وأخرج عبد بن حميد عن عن أبي سنان قال: كنت مع علي بن عبدالله بن عباس عند وادي جهنم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله في القرآن {فضرب بينهم بسور} هو السور الذي ببيت المقدس الشرقي {باطنه فيه الرحمة} المسجد {وظاهره من قبله العذاب} يعني وادي جهنم وما يليه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فضرب بينهم بسور} قال: حائط بين الجنة والنار. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله: {باطنه فيه الرحمة} قال: الجنة {وظاهره من قبله العذاب} قال: النار. وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} الآية، قال: إن المنافقين كانوا مع المؤمنين أحياء في الدنيا يناكحونهم ويعاشرونهم وكانوا معهم أمواتاً ويعطون النور جميعاً يوم القيامة فيطفأ نور المنافقين إذا بلغوا السور يماز بينهم يومئذ والسور كالحجاب في الأعراف فيقولون: {أنظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} . وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: {ولكنكم فتنتم أنفسكم} قال: بالشهوات واللذات وتربصتم بالتوبة {وارتبتم} أي شككتم في الله {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} قال: الموت {وغركم بالله الغرور} قال: الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن أبي سفيان {ولكنكم فتنتم أنفسكم} قال: بالمعاصي وتربصتم بالتوبة {وارتبتم} شككتم {وغرتكم الأماني} قلتم: سيغفر لنا حتى جاء أمر الله قال: الموت {وغركم بالله الغرور} قال: الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن محبوب الليثي {ولكنكم فتنتم أنفسكم} أي بالشهوات {وتربصتم} بالتوبة {وارتبتم} أي شككتم في الله {وغرتكم الأماني} قال: طول الأمل {حتى جاء أمر الله} قال: الموت {وغركم بالله الغرور} قال: الشيطان. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وتربصتم} قال: تربصوا بالحق وأهله {وارتبتم} قال: كانوا في شك من أمر الله {وغرتكم الأماني} قال: كانوا على خدعة من الشيطان والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار {وغركم بالله الغرور} قال: الشيطان {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} يعني من المنافقين ولا من الذين كفروا.
ابو السعود
تفسير : {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} ظرفٌ لقولِه تعالَى وله أجرٌ كريمٌ أو لقوله تعالى فيضاعفَهُ أو منصوبٌ بإضمارٍ اذكُرْ تفخيماً لذلك اليومِ. وقولُه تعالى: {يَسْعَىٰ نُورُهُم} حالٌ من مفعولِ تَرَى قيلَ نورَهم الضياءُ الذي يُرَى {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم} وقيلَ: هو هُداهُم وبأيمانِهم كتبَهم أي يسعَى إيمانُهم وعملهم الصالُح بـينَ أيديِهم وفي أيمانِهم كتبُ أعمالِهم، وقيلَ هو القرآنُ وعنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله تعالَى عنْهُ: (يُؤتَون نورَهُم على قدرِ أعمالهم فمنهُم مَنْ يُؤتى نوره كالنخلة ومنهم مَن يُؤتَى كالرجل القائمِ وأدناهُم نوراً مَنْ نورُه على إبهامِ رجلهِ ينطفىءُ تارةً ويلمعُ أُخرَى). قالَ الحسنُ: يستضيئونَ به على الصراطِ. وقال مقاتلٌ: يكونُ لهم دليلاً إلى الجنَّةِ {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ} مقدرٌ بقولٍ هو حالٌ أو استئنافٌ أيْ يقالُ لهم بُشراكُم أي ما تبشرونَ بهِ جنَّاتٌ أو بُشراكم دخولُ جنَّاتٍ {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ذٰلِكَ} أي ما ذُكرَ من النُّورِ والبُشرى بالجناتِ المخلدةِ {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا غايةَ وراءَهُ وقرىءَ ذلكَ الفوز العظيمُ. {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ} بدلٌ مِن يومَ تَرَى {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱنظُرُونَا} أي انتظرونَا يقولونَ ذلكَ لما أنَّ المؤمنينَ يُسرَع بِهم إلى الجنَّةِ كالبرقِ الخاطفِ على ركابٍ تزفُّ بهم وهؤلاءِ مشاةٌ أو انظروا إلينَا فإنَّهم إذا نظرُوا إليهم استقبلُوهم بوجوهِهم فيستضيئونَ بالنُّورِ الذي بـينَ أيديِهم. وقُرِىءَ أَنِظرُونا من النَّظِرةِ وهي الإمهالُ جعلَ اتئادَهم في المُضيِّ إلى أنْ يلحقُوا بهم إنظاراً لهم {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي نستضىءْ منه وأصلُه اتخاذُ القبسِ. {قِيلَ} طَرداً لهم وتهكماً بهِم من جهة المؤمنينَ أو جهة الملائكةِ {ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ} أي إلى الموقف {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} فإنَّه من ثمَّ يُقتبسُ أو إلى الدُّنيا فالتمسُوا النورَ بتحصيل مباديِه من الإيمان والأعمالِ الصالحةِ أو ارجعوا خائبـينَ خاسئينَ فالتمسُوا نوراً آخرَ وقد علمُوا أنْ لا نورَ وراءَهُم وإنما قالُوه تخيـيباً لهم أَوْ أرادُوا بالنورِ ما وراءَهُم من الظُّلمةِ الكثيفةِ تهكماً بهم {فَضُرِبَ بَيْنَهُم} بـينَ الفريقينِ {بِسُورٍ} أي حائطٍ، والباءُ زائدةٌ {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ} أي باطنُ السُّورِ أو البابِ وهو الجانبُ الذي يلي الجنَّةَ {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُ} وهو الطرفُ الذي يَلي النَّارَ {مِن قَبْلِهِ} من جهتِه {ٱلْعَذَابَ} وقُرِىءَ فضَرَبَ على البناءِ للفاعلِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}[12] قال: نور المؤمن يسعى بين يديه، له هيبة في قلوب الموافقين والمخالين، يعظمه الموافق ويعظم شأنه، ويهابه المخالف ويخافه، وهو النور الذي جعله الله تعالى لأوليائه، ولا يظهر ذلك النور لأحد إلا إن انقاد له وخضع، وهو من نور الإيمان، ثم وصف المنافقين أنهم يقولون لهم: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}[13] فنمضي معكم على الصراط فإنا في الظلمة، فتقول لهم الملائكة: {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}[13] بعقولكم التي كنتم تدبرون بها أموركم في الدنيا، فيرجعون إلى ورائهم، فيضرب الله بين أنفسهم وبين عقولهم سوراً وقد ستر الخيرة، فلا يصلون إلى طريق هدى، حتى إذا انتهوا في السير على الصراط سقطوا في جهنم خالدين فيها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [الآية: 12]. قال سهل: نور المؤمن يسير من بين يديه هيبة له فى قلوب الموافق والمخالف فالموافق يعظّمه ويعظّم شأنه والمخالف يهابه ويخافه وهو من النور الذى جعله الله فى أوليائه لا يظهر ذلك النور لأحد إلا انقاد له وخضع وذلك من نور الإيمان.
القشيري
تفسير : وهو نورٌ يُعْطَى للمؤمنين والمؤمنات بقَدْر أعمالهم الصالحة، ويكون لذلك النور مطارحُ شعاع يمشون فيها والنورُ يسعى بين أيديهم، ويحيط جميع جهاتهم. ويقال: {وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم. {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ} أي بشارتكم اليومَ - من الله جنات. وكما أن لهم في العرصة هذا النور فاليومَ لهم في قلوبهم وبواطنهم نورٌ يمشون فيه، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن ينظر بنور الله" تفسير : وقال تعالى: {أية : فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]. وربما ينبسط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ منهم. وربما يقع من ذلك على القلوب قَهْراً - ولأوليائه - لا محالةَ - هذه الخصوصية.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم} ان الله سبحانه البس العارفين نور عظمته وكبريائه واسبل على وجوههم سنا هيبته وضياء بهائه وجعلهم مشكوة انوار تجلية يتناثر منهم انوار هيبة الحق عينا وشمالا وخلفا وقداما وفوقا وتحتا وهم يمشون الى الله بنور الله فعند ذلك النور تخضع له الاكوان ومن فيها من الموافق والمخالف فالموافق يستبشر برؤيته فيظعمه والمخالف يفزع منه فيها به وهذه الانوار معهم فى الدنيا والأخرة قال سهل نور المومن يسير بين يديه هيبة له فى قلوب الموافق والمخالف فالموافق يعظمه ويعظم شانه والمخالف يهابه ويخافه وهو من نوره الذى جعل الله لاوليائيه لا يظهر ذلك النور لاحد الا انقاد له وخضع وذلك من نور الايمان وقال الاستاذ كما ان لهم فى العرضة هذا النور فاليوم لهم فى قلوبهم وبواطنهم نوار يمشون فى نورهم يهتدون به فى جميع احوالهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} منصوب باضمارا ذكر تفخيما لذلك اليوم اى اذكر وقت رؤيتهم يوم القيامة على الصراط {يسعى نورهم} حال من مفعول ترى اى نور ايمانهم وطاعتهم والسعى المشى السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد فى الامر خيرا كان او شرا واكثر مايستعمل فى الافعال المحمودة {بين ايديهم وبأيمانهم} جمع يمين بمعنى الجارحة والمراد جهة اليمين وبين ظرف للسعى قال ابو الليث يكون النور بين أيديهم وبأيمانهم وعن شمائلهم الا أن ذكر الشمال مضمر وقال فى فتح الرحمن وخص بين الايدى بالذكر لانه موضع حاجة الانسان الى النور وخص ذكر جهة اليمين تشريفا وناب ذلك مناب ان يقول وفى جهاتهم وفى كشف الاسرار لان طريق الجنة يمنة وتجاههم وطريق اهل النار يسرة ذات شمال وفى الحديث "حديث : بينا انا على حوضى انادى هلم اذا اناس اخذتهم ذات الشمال فاختلجوا دونى فأنادى الا هلم فيقال انك لاتدرى مااحدثوا بعدك فأقول سحقا"تفسير : يقول الفقير ذكر بين الايدى اشارة الى المقربين الذين هم وجه بلا قفا ظاهرا وباطنا فلهم نور مطلق يضيىء من جميع الجهات وذكر الايمان اشارة الى اصحاب اليمين الذين هم وجه من وجه وقفا من وجه آخر فنورهم نور مقيد بايمانهم واما اصحاب الشمال فلا نور لهم اصلا لانهم الكفرة الفجرة فلذا طوى ذكر الشمال من البين از اين مسعود منقولست كه نورهركسى بقدر عمل ورى بود نور يكى از صنعا باشد تابعدن وادنى نورى آن بودكه صاحبش قدم خود رابيند بارى هيج مؤمن بى نور نباشد، وقال منهم من يؤتى نوره كالنخلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا يؤتى نوره على ابهام قدميه فيطفأ مرة ويتقد اخرى فاذا ذهب بهم الى الجنة ومروا على الصراط يسعى نورهم جنيبا لهم ومتقدما ومرورهم على الصراط على قدر نورهم هم فمنهم من يمر كطرف العين ومنهم من يمر كالبرق ومنهم من يمر كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب ومنهم من يمر كشد الفرس والذى أعطى نوره على ابهام قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه ويقف مرة ويمشى اخرى وتصيب جوارحه النار فلا يزال كذلك حتى يخلص وكما ان لهم يوم القيامة نورا يسعى بين أيديهم وبايمانهم فاليوم لهم فى قلوبهم نور يهتدون به فى جميع الاحوال ويبدوا أيضا فى بشرتهم فمن ظهر له ذلك النور انقاد له وخضع وكان من المقربين ومن لم يظهر له ذلك تكبر عليه ولم يستسلم وكان من المنكرين وحين تعلق نظر عبدالله بن سلام الى وجه النبى عليه السلام آمن به وقال ماهو بوجه كذا وكذاب اضرابه بخلاف أبى جهل واحزابه قال بعض الكبار نور الايمان كناية عن تمكن اجتهادهم وسعيهم الى الله بالسير والسلوك وذلك لان قوة الانسان فى يمينه وبها يعرف اليمين من الشمال {بشراكم اليوم جنات} اى تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم بشراكم اى ماتبشرون به اليوم جنات او بشراكم دخول جنات فحذف المضاف واقيم مقامه المضاف اليه فى الاعراب {تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك} اى ماذكر من النور والبشرى بالجنات المخلدة {هو الفوز العظيم} الذى لاغاية ورآءه لكونهم ظفروا بكل ماأرادوا (قال الكاشفى) رستكارىء بزركست جه از همه جان مقدس فداى ديدارت
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: واذكر {يومَ ترى} أو: لهم أجر كبير {يومَ ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهم} وهو نور الإيمان في الدنيا، يكون هناك حسيّاً يسعى {بين أيديهم وبأَيمانهم} وقيل: هو القرآن، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم مَن يؤتى نوره كالنخلة، ومنهك كالرجل القائم، وأدناهم نوراً مَنْ نوره على إبهام رجله، يطفأ تارة ويلمع تارة. قلت: ومنهم مَن نُوره كالقمر ليلة البدر، ومنهم مَن نوره كالشمس الضاحية، يُضيء خمسمائة عام، كما في أحاديث أخرى، وذلك على قدر إيمانهم وعرفانهم. قال الحسن: يستضيئون به على الصراط، وهم متفاوتون في السرعة، قال أبو نصر الهمداني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سبعة أنواع: الصدِّيقون، والعلماء، والبُدلاء، والشهداء، والحُجاج، والمطيعون، والعاصون، فالصدِّيقون يمرُّون كالبرق، والعلماء، أي: العاملون، كالريح العاصف، والبدلاء كالطير في ساعة، والشهداء كالجواد المسرع، يمرُّون في نصف يوم، والحجاج يمرُّون يومٍ كامل، والمطيعون في شهر، والعاصون يضعون أقدامهم على الصراط، وأوزارهم على ظهرهم، فيعثرون، فتقصد جهنم أن تحرقهم، فترى نور الإيمان في قلوبهم، فتقول: جز يا مؤمن، فإنَّ نورك قد أطفا لهبي. هـ. قلت: الصدِّيقون على قسمين، أما أهل الاقتداء، الدالُّون على الله، المسلِّكون، فتقرب الغُرف لهم، فيركبونها، ويمرُّون، وأما الأفراد فيطيرون كالبرق. والله تعالى أعلم. وقال مقاتل: يكون هذا النور لهم دليلاً إلى الجنة، وتخصيص الجهتين لأنّ السعداء يُؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين {من بين أيديهم وعن إيمانهم} كما أنَّ الأشقياء يؤتون صحائفهم من شمائلهم ووراء ظهورهم، فجَعَل النور في الجهتين إشعاراً لهم بأنهم بحسناتهم وبصحائفهم البيض أفلحوا. وتقول لهم الملائكة: {بُشراكم اليومَ جناتٌ} أي: دخول جنات؛ لأنّ البشارة تقع بالإجداث دون الجُثث، {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم}. {يومَ} بدل من "يوم ترى" {يقول المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا انُظرونا} أي: انتظرونا؛ لأنه يُسرَع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف، ويبقى المنافقون في ظلمة، فيقولون للمؤمنين: قفوا في سيركم لنستضيء بنوركم. وقرأ حمزة: "أَنظِرونا"، من الإنظار، وهو التأخير، أي: أَمهِلوا علينا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني، أي: انتظرني، فتتفق القراءتان. وقيل: من النظر، أي: التفتوا إلينا وأَبْصِرونا {نَقتبس مِن نوركم} لأنَّ نورهم بين أيديهم، فيُقال طرداً لهم وتهكُّماً بهم من جهة المؤمنين أو الملائكة: {ارجعوا وراءكم} أي: إلى الموقف، إلى حيث أُعطينا هذا النور {فالتمِسوا نوراً} فإنّا هناك اقتبسناه، أو: التفتوا وراءكم، فيلتفتون فيُحال بينهم، {فضُرِبَ} حينئذ {بينهم} بين الفريقين {بسُورٍ} بحائطٍ حائل بين شق الجنة وشق النار، {له باب} يلي المنافقين، ليروا ما فيه من المؤمنون من الأنوار والرحمة، فيزدادون حسرة، {باطِنُه} أي: باطن ذلك السور، وهو الجهة التي تلي المؤمنين {فيه الرحمةُ وظاهرهُ} الذي يلي المنافقين {مِن قِبَلِه العذابُ} أي: العذاب حاصل من قِبَلِه. فالعذاب: مبتدأ، و {مِن قِبَلِه}: خبر، أي: ظاهر السور تليه جهنم أو الظلمة، فيقابله العذاب، فهم بين النار والسور. {يُنادونهم} أي: ينادي المنافقون المؤمنين: {ألم نكن معكم} في الدنيا؟ يريدون موافقتهم لهم في الظاهر، {قالوا} أي: المؤمنون: {بلى} كنتم معنا في الظاهر {ولكنكم فتنتم أنفسَكم} أي: محنتموها وأهلكتموها بالنفاق والكفر، {وتربصتم} بالمؤمنين الدوائر، {وارتبتم} في أمر الدين {وغرتكم الأمانيُّ} الفارغة، التي من جملتها أطماعكم في انتكاس الإسلام، أو: طول الأمل وامتداد الأعمار {حتى جاء أمرُ الله}؛ الموت، {وغرَّكم بالله} الكريم {الغَرُورُ} أي: الشيطان بأنَّ الله غفور كريم لا يعذبكم، أو: بأنه لا بعث ولا حساب. {فاليومَ لا يُؤخذ منكم فديةٌ} فداء {ولا من الذين كفروا} جهراً، {مأواكم النارُ} أي: مرجعكم، لا تبرحون عنها أبداً {هي مولاكم} أي: المتصرفة فيكم تصرُّف المولى في ملكه، أو: هي أولى بكم، وحقيقة مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، أو: ناصركم، على طريق: شعر : تحيةٌ بينهم ضَرْبٌ وجِيعُ تفسير : فيكون تهكُّماً بهم، {وبئس المصيرُ} أي: النار. الإشارة: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، الكاملين في الإيمان، الطالبين الوصول، يسعى نورُهم، وهو نور التوجُّه بين أيديهم وبأيمانهم، فيهتدون إلى أنوار المواجهة، وهي المشاهدة، فيقال لهم: بُشراكم اليوم جنات المعارف، تجري من تحتها أنهار العلوم، خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم. قال القشيري: قوله تعالى: {يسعى نورهم...} الخ؛ كما أنَّ لهم في العرصة هذا النور؛ فاليومَ لهم نورٌ في قلوبهم وبواطنهم، يمشون في نورهم، ويهتدون به في جميع أحوالهم، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : المؤمن ينظر بنور الله"تفسير : ، وقال تعالى:{أية : فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}تفسير : [الزمر: 22]. وربما سقط ذلك النورُ على مَنْ يَقْربُ إليهم، وربما يقع من ذلك على القلوب، فلا محالة لأوليائه هذه الخصوصية. هـ. قال الورتجبي: ونورُ الحق الذي ألبس العارف تخضع له الأكوان ومَن فيها، ومثله لسهل. فانظره مسْتوفٍ. يوم يقول المنافقون والمنافقات، وهم الذين اعتنوا بتزيين الظواهر، وغفلوا عن البواطن، فصارت خراباً من النور، يقولون في الدنيا: انظُرونا والتفتوا إلينا، نقتبس من نوركم، قيل: ارجعوا وراءكم، إلى دنياكم وحظوظكم، فاتلمسوا نوراً، تهكُّماً بهم، فضُرب بينهم بسورٍ معنوي، وهو خرق العوائد، وتخريب الظواهر؛ إذ لا يقدرون على ارتكابه، له باب ليدخل معهم مَن أراد نورهم، باطن ذلك السور فيه الرحمة، وهي الراحة، والطمأنينة، والبسط، وبهجة المعارف، وظاهره الذي يلي العامة من قِبَلِه العذاب، وهو ما هم فيه من الحرص، والتعب، والجزع، والهلع، والقبض. ينادونهم: ألم نكن معكم في عالم الحس؟ وهو عالم الأشباح، قالوا: بلى، ولكنكم لم ترتقوا إلى عالم المعاني، وهو عالم الأرواح، الذي هو محل الراحة والهنا والسرور، بل فَتنتم أنفسكم بأشغال الدنيا، واشتغلتم بطلب حظوظها وجاهها، ورئاستها وطيب مأكلها، ومشربها وملبسها، وتربصتم بأهل التوجه الدوائر، أو الرجوع إلى ما أنتم فيه، وارتبتم في وجود خصوصية التربية، وغَرَّتكم الأماني: المطامع الكاذبة، وأنكم تنالون الخصوصية بغير صحبة ولا مجاهدة، وغرّكم طولُ الأمل والتسويف، عن التوبة والتوجُّه، وغرّك بحلمه الغرور، فزيَّن لكم القعود والتخلُّف عن مقامات الرجال، فاليوم، أي: حين ظهرت مقامات الرجال في الدنيا والآخرة، لا يؤخذ منكم فدية في التخلُّص من غم الحجاب، ولا من الذين كفروا، مأواكم نار القطيعة، هي مولاكم ومنسحبة عليكم، وبئس المصير. ثم وبَّخهم على التقعُّد عن النهوض إليه، فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الظرف متعلق بقوله: وله أجر كريم. أو منصوب بتقدير "أذكر"، تعظيماً لذلك اليوم. فعلى الأول معناه: يصل هذا الأجر الكريم إليهم يوم القيامة، - وهو يوم يسعى للمؤمنين نورهم بين أيديهم وبأيمانهم إلى الجنة، فإن الطريق إلى جنّة المقرّبين إنما يكون على الوجه الأول -، لأنها عقلية واقعة في سلسلة الأسباب المؤدية إلى وجود الإنسان، يسلكها العالم الربّاني مرتقياً إليها بأنوار المعارف العقلية - وإلى جنّة السعداء على الوجه الثاني -، لأنها جسمانية واقعة في السلسلة العرضية المعلولية، فيتوجه إليها أهل النسك والصلاح وأصحاب اليمين، منعطفاً إليها بنور العبادة وقوة الأعمال الحسنة، ولهذا المعنى قيل: - اليمين طريق الجنة -. وقد صرح بعض أهل الكشف والعرفان، بأن البرزخ الذي تكون الأرواح فيها بعد المفارقة من النشأة الدنيوية، هو غير البرزخ الذي بين الأرواح المجردة والأجسام، لان تنزلاّت الوجود ومعارجه دورية، لكنهما يشتركان في كونهما عالماً نورانياً وموطناً ملكوتياً، فالسعداء مطلقاً يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. وقوله: {بُشْرَاكُمُ} اليوم؛ بمنزلة حال، أي: يسعى نورهم حين يقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ}، وهؤلاء الملائكة المبشرون بالجنات مختلفو الدرجات في القرب إليه تعالى حسب تفاوت منازل أهل الجنان في التقديس والخلوص، مع اتفاقهم في حصول الحقائق وصورها الحسان، فالجميع {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: الخلاص عن كل مرهوب، والظفر بكل محبوب، فإن كل واحد من أهل الجنان له ما يشتهيه وتصل إليه همّته، إلاَّ أن الهمم متفاوتة حسب تفاوت الأحوال. قال ابن عباس رضي الله عنه: "هذا النور يكون على الصراط". وقيل: "في عرصة القيام’". ولا نور هنالك إلاَّ نور الإيمان والطاعة، وكل يعطى نوراً على قدر علمه (عمله). مكاشفة هذا النور المشار إليه في هذه الآية، هو نور المعرفة واليقين، فإن النفس الإنسانية من عالم النور والمعرفة، لكنها بسبب التعلق بعالم الأجسام الكثيفة صارت ظلمانية محجوبة عن الإدراكات، فإذا ارتاضت ذاتها بالرياضات الدينية والأعمال الشرعية من الأفكار والأذكار والعبادات، وخرجت من مرتبة القوى الهيولانية إلى مرتبة الفعلية، حصل لها العقل المستفاد، وهو نور يستضيء ويضيء في المعاد، فصار نوراً على نور. وهذا النور العارض، إنّما يُقذف في قلب المؤمن من عالم الملكوت، بسبب اكتساب العقليات واليقينيات عند تصوره الخير الحقيقي، أو بسبب اكتساب الاعتقادات المحمودة والظنون الحسنة عند تصوّره الخير المظنون. فالأول: نور عقلي يختص بالمقرّبين، يسعى بين أيديهم، ويصعد بهم إلى جوار الله وجنّاتِ المعارف العقلية التي قيل في وصفها: "مَا لاَ عَيْن رَأت ولا أُذُن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر". والنور الآخر: نور يختص بغيرهم من السعداء، يسعى بأيمانهم ويذهب بهم إلى جنّات جسمانية منورة غاية ما يتصور فيها لهم وفي حقهم من الصفاء والنورية والضياء. واشراق نور كل أحد بقدر قوة معرفته وإيمانه، ولهذا وقع في الأخبار: "إن أنوار الأخيار والأبرار مختلفة في الإضاءة والآثار". قال قتادة: "ان المؤمن يضيء له نوره كما بين عَدَن إلى صنعاء ودون ذلك، حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلاَّ موضع قدميه". وقال عبد الله بن مسعود: "ويؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من نوره مثل الجَبَل، وأدناهم نوراً نوره على قدر أبهام قدميه فيضيء مرة وينطفئ أخرى فإذا أضاء قدمه مشى وإذا انطفأ قام". ولما كانت الحركة والإدراك متلازمين لقوله تعالى: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ}تفسير : [ق:21]، فالأول: إشارة إلى قوة التحريك، والثاني: إشارة إلى قوة الإدراك. ثم لكل إدراك حركة تناسبه، فمرورهم على الصراط على قدر نور إيمانهم، ومن كان نوره كالشمس، كان مروره كطَرْف العين، ومن كان نوره دون ذلك، كان مروره على قدره، فمنهم من يمر كالبَرْق، ومنهم كالسحاب، ومنهم كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر كشدّ الفرس، والذي أعطي نوراً على أبهام قدمه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه يجرّ يداً ويعلّق أخرى، ويجرّ رجلاً ويعلّق أخرى، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، وبهذا يقاس تفاوت الناس في المعارف. ولذلك جاء في الخبر: "حديث : أنه تعالى يُخرج يوم القيامة من النار من في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان، ونصف مثقال وربع مثقال، وشعيرة وذرّة"تفسير : . كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان بحسب قوة اليقين وإشراقه، وسرعة التفطن والتحدس بحقائقه وأسراره، وأن هذه المقادير من الإيمان لا تمنع من دخول النار. وقال بعض العلماء في مفهوم هذا الخبر: "إن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار، إذ لو دخل لأمر باخراجه أولاً، وان من في قلبه مثقال ذرّة لا يستحق الخلود في النار وإن دخلها". وقوله تعالى: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران:139]، تفضيل للمؤمن العارف على المسلم، وهو المقلّد مع سلامة قلبه عن النفاق. وأما قوله تعالى: {أية : يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} تفسير : [المجادلة:11]، فأراد هاهنا "بالذين آمنوا"؛ الذين صدقوا تقليداً من غير علم برهاني أو كشفي، وميزهم عن الذين أُوتوا العلم. ويدلّ ذلك على أن اسم المؤمن يقع على المقلد - وإن لم يكن تصديقه على بصيرة وكشف -. وفسّر ابن عباس قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة:11] قال: يرفع العالم فوق المؤمن بسبعمأة درجة بين كل درجتين منها ما بين السماء والأرض. وقال (صلّى الله عليه وآله وسلم): حديث : أكثر أهل الجنة البله. وعِلّيُّون لذوي الألباب . تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : فضل العالم على العابد كفضلي على رجل من أصحابي تفسير : وفي كتاب الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حديث : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر . تفسير : فهذه الشواهد يتضح بها تفاوت درجات أهل الجنان بحسب تفاوت قلوبهم في الإشراق والكدورة. وملخص القول: ان اكتساب العلوم الحقة، وفعل الحسنات في الدنيا، ينتجان تقرر الأخلاق والمَلَكات، ورسوخ المعارف والاعتقادات، والمعرفة إذ اشتدت صارت مشاهدة عند رفع الحُجُب بالموت، فمشاهدة كل أحد بقدر معرفته، وهي المراد من النور، إلاّ أن المعارف اليقينية الدائمة العقلية البرهانية الربانية تورث المشاهدات والمكاشفات العقلية في جنّة الكاملين في العلم، والمعارف الظنية الخيالية تورث المشاهدات الجسمانية في جنّة أصحاب اليمين، والصور الحسان التي فيها إنما هي بمنزلة تماثيل وعلامات لما في تلك الجنّات العُلى، لأن العوالم متطابقة والنشآت متوافقة مع تفاضلها في الشرف والرتبة، لقوله تعالى: {أية : وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}تفسير : [الإسراء:21].
الجنابذي
تفسير : {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} ظرف ليضاعفه او للخبر فى قوله تعالى له اجر كريم او لكريم، او ظرف ليقال المقدّر عند قوله تعالى بشريكم اليوم او ظرف ليسعى والمعنى كلّما ترى المؤمنين {وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} يعنى انّك فتحت بصيرتك فيوم ترى المؤمنين تريهم يسعى نورهم بين ايديهم والمراد بهذا النّور هو الكيفيّة الدّاخلة فى قلب البائع البيعة الخاصّة الولويّة بقبول الولاية وهو فعليّته الاخيرة ولذلك يصير ابناً لمن باع معه وقد يرى فى الواقعة بصورة من باع على يده، وقد يرى بصورة ولده من صلبه وتلك الكيفيّة ليست كيفيّة عرضيّة بل هى صورة جوهريّة نازلة من ولىّ امره داخلة فى قلبه وقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} تفسير : [الحجرات:14] اشارة الى تلك الصّورة، وتلك الصّورة لا ترى بالابصار الحسّيّة، وترى بالبصيرة فى الدّنيا والآخرة، وفى البرازخ والآخرة يخلّص تلك الصّورة من غواشى المادّة ويخلّص البصيرة لكلّ احدٍ من حجاب البصر فيشهدها كلّ احد ويشهدها صاحب النّور ايضاً فيرى تلك الكيفيّة بصورة امامه يسعى بين يديه، واختيار بين الايدى والايمان لانّ تلك الصّورة نورانيّة يستنير منها كلّما تظهر عليه، وخلف المؤمن الدّنيا الظّلمانيّة، وشماله الملكوت السّفلى الّتى هى اظلم ولا مناسبة للنّورانىّ مع الظّلمانىّ، وقدّامه عالم الغيب الّذى هو نور محض، ويمينه عالم الارواح الطّيّبة الّذى هو ايضاً نورانىٌّ، وقد يظهر ذلك النّور على السّالك اذا اشتدّ محبّته واستقام فى سلوكه ومات بالموت الاختيارىّ، وهذا هو الّذى يقوله الصّوفيّة من انّه ينبغى للسّالك ان يكون اهتمامه فى سلوكه بحصول حال الحضور، وها هو معرفة علىٍّ (ع) بالنّورانيّة الّتى هى معرفة الله، وهذا هو المسمّى بالحضور والسّكينة والفكر، وهذا هو ذكر الله الحقيقىّ {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ} اى تقول او يقول الملائكة او يقال بشريكم اليوم {جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} قد مضى فى آخر آل عمران بيان جريان الانهار من تحت الجنّات {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} بدل من يوم ترى المؤمنين او من اليوم {وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا} انظروا الينا او انتظروا لنا {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} ولمّأ لم يكن بين المؤمنين ونورهم وبين المنافقين مناسبة {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} كما كنتم فى الدّنيا راجعين الى ورائكم {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} قيل ذلك لهم استهزاءً {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} حائطٍ {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ} اى باطن الباب او باطن السّور {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} فانّ السّور هو الحجاب الحاجز بين الملكوت السّفلى والملكوت العليا، وباطنه الى الملكوت العليا وفيها الرّحمة والرّضوان، وظاهره الى الملكوت السّفلى وفيها الجحيم ونيرانها وانواع عذابها.
فرات الكوفي
تفسير : {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ 12} قال: حدثنا أبو القاسم الحسني [قال: حدثنا فرات] معنعناً: عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم} قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو نور المؤمنين يسعى بين أيديهم يوم القيامة إذا أذن الله له أن يأتي منزله في جنات عدن و المؤمنون يتبعونه وهو يسعى بين أيديهم حتى يدخل جنة عدن وهم يتبعون حتى يدخلون معه . وأما قوله: {وبأيمانهم} فأنتم تأخذون بحجزة آل محمد ويأخذ آل محمد بحجزة الحسن والحسين ويأخذ أمير المؤمنين بحجزة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يدخلون مع رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] في جنة عدن، فذلك قوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم}.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} متعلق باستقرار له أو بيُضاعف أو مفعول لاذكر محذوفا تعظيما لذلك اليوم {تَرَى} بعينيك يا محمد {المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي أمامهم. {وَبِأَيْمَانِهِم} أي في ايمانهم والسعداء يؤتون صحائف أعمالهم من يمينهم ومن أمامهم والاشقياء من شمالهم وورائهم فيجعل النور في ايمان السعداء وامامهم شعاراً لهم وآية ساعيا اماما ويمينا معهم إلى الجنة ويكون أيضاً من فوق وتحت وخلف وشمال ولكن خص الامام واليمين لما مر من كونهما موضعي أعطاء الصحف لهم ولكونهما افضل جهة أو عبر بالامام واليمين عن جميع الجهات. وفي الحديث "حديث : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن وصنعاء ودون ذلك حتى إن منهم من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه"تفسير : وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة الطويلة ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا من نوره على أبهامه فيطفأ مرة ويوقد اخرى وقيل المعنى ويعطون كتبهم بايمانهم ويطفأ نور المنافق، قال قتادة: ما من عبد إلا وينادى يوم القيامة يا فلان هذا نورك ويا فلان لانور لك وهذا النور هو بقدر نور البصيرة وعن بعضهم أن هذا النور يجعل في شيء يحمله المؤمن وكونه غير حامل أولى. واحكام تلك الدار ليست كأحكام هذه وتقول لهم الملائكة الذي يتلقونهم {بُشْرَاكُمُ اليَوْمَ جَنَّاتٌ} مبتدأ وخبر واليوم متعلق ببشرى وقدر، بعضهم مضافا أي دخول جنات أو بشرى اسم مصدر مضاف لما هو مفعول عامله أي نبشركم بشرى وجنات خبر لمحذوف أي المثوبة جنات وروى القرطبي من المالكية انه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجمع الله الخلائق يوم القيامة فيأذن لامة محمد في السجود فيسجدوا طويلا ثم يقال لهم ارفعوا رؤوسكم فقد جعلنا عدتكم فداء من النار"تفسير : ، وانه قال: "حديث : إن هذه الامة امة مرحومة عذابها بأيديها فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من المشركين فيقال هذا فداؤك من النار"تفسير : وفي صحيح مسلم دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فداؤك من النار، ولم يثبت هذا عند الأصحاب أو يأولون المسلم بالسعيد وأما القوم فالمشرك عندهم فداء للمسلم فلا يدخلها وفداء لمن يدخلها فيخرج ويبقى المشرك بدله. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} وقرىء باسقاط هو واشار بذا الى النور والبشرى بالجنات بتأويل المذكور.
الالوسي
تفسير : {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } ظرف لما تعلق به { أية : لَهُ } تفسير : [الحديد: 11] أوله أو لقوله تعالى: { أية : فَيُضَاعِفَهُ } تفسير : [الحديد: 11] أو منصوب بإضمار اذكر تفخيماً لذلك اليوم. والرؤية بصرية والخطاب لكل من تتأتى منه أو لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وقوله عز وجل: {يَسْعَىٰ نُورُهُم } حال من مفعول {تَرَى} والمراد بالنور حقيقته على ما ظهر من شموس الأخبار وإليه ذهب الجمهور والمعنى يسعى نورهم إذا سعوا {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَـٰنِهِم } أخرج ابن أبـي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال: «يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل ومنهم من نوره مثل النخلة وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى» وظاهره أن هذا النور يكون عند المرور على الصراط، وقال بعضهم: يكون قبل ذلك ويستمر معهم إذا مروا على الصراط، وفي الأخبار ما يقتضيه كما ستسمعه قريباً إن شاء الله تعالى، والمراد أنه يكون لهم في جهتين جهة الأمام وجهة اليمين وخصا لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم. وفي «البحر» الظاهر أن النور قسمان: نور بين أيديهم يضيء الجهة التي يؤمونها، ونور بأيمانهم يضيء ما حواليهم من الجهات، وقال الجمهور: إن النور أصله بأيمانهم والذي بين أيديهم هو الضوء المنبسط من ذلك، وقيل: الباء بمعنى عن أي وعن أيمانهم والمعنى في جميع جهاتهم، وذكر الأيمان لشرفها انتهى، ويشهد لهذا المعنى / ما أخرج ابن أبـي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبد الرحمن بن جبير بن نضير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له فيرفع رأسه فأرفع رأسي فأنظر بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي بين الأمم فقيل: يا رسول الله وكيف تعرفهم من بين الأمم ما بين نوح عليه السلام إلى أمتك؟ قال: غرّ محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد غيرهم وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم الذي يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم .» تفسير : وظاهر هذا الخبر اختصاص النور بمؤمني هذه الأمة وكذا إيتاء الكتب بالأيمان وبعض الأخبار يقتضي كونه لكل مؤمن، أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي أمامة قال: «تبعث ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله تعالى بالنور للمؤمنين بقدر أعمالهم» الخبر، وأخرج عنه الحاكم وصححه وابن أبـي حاتم من وجه آخر وابن المبارك والبيهقي في «الأسماء والصفات» خبراً طويلاً فيه أيضاً ما هو ظاهر في العموم وكذا ما أخرج ابن جرير والبيهقي في «البعث» عن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله تعالى نوراً فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلاً لهم من الله عز وجل إلى الجنة، ولا ينافي هذا الخبر كونهم يمرون بنورهم على الصراط كما لا يخفى، وكذا إيتاء الكتب بالأيمان، ففي «هداية المريد لجوهرة التوحيد» ظاهر الآيات والأحاديث عدم اختصاصه يعني أخذ الصحف بهذه الأمة وإن تردد فيه بعض العلماء انتهى. ويمكن أن يقال: إن ما يكون من النور لهذه الأمة أجلى من النور الذي يكون لغيرها أو هو ممتاز بنوع آخر من الامتياز، وأما إيتاء الكتب بالأيمان فعله لكثرته فيها بالنسبة إلى سائر الأمم تعرف به، وفي هذا المطلب أبحاث أخر تذكر إن شاء الله تعالى في محلها، وقيل: أريد بالنور القرآن، وقال الضحاك: النور استعارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه. وقرأ سهل بن شعيب السهمي وأبو حيوة {وَبإيمـٰنهم } بكسر الهمزة، وخرج ذلك أبو حيان على أن الظرف يعني {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} متعلق بمحذوف والعطف عليه بذلك الاعتبار أي كائناً بين أيديهم وكائناً بسبب إيمانهم وهو كما ترى، ولعله متعلق بالقول المقدر في قوله تعالى: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ } أي وبسبب إيمانهم يقال لهم ذلك، وجملة القول إما معطوفة على ما قبل أو استئناف أو حال ويجوز على الحالية تقدير الوصف منه أي مقولاً لهم، والقائل الملائكة الذين يتلقونهم. والمراد بالبشرى مايبشر به دون التبشير، والكلام على حذف مضاف أي ما تبشرون به دخول جنات يصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، ويصح بدونه أي ما تبشرون به جنات، وما قيل: البشارة لاتكون بالأعيان فيه نظر، وتقدير المضاف لا يغني عن تأويل البشرى لأن التبشير ليس عين الدخول، وجملة قوله تعالى: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } في موضع الصفة لجنات، وقوله سبحانه: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا } حال من {جَنَّـٰتٌ}، قال أبو حيان: وفي الكلام التفات من ضمير الخطاب في {بُشْرَاكُمُ } إلى ضمير الغائب في {خَـٰلِدِينَ } ولو أجري على الخطاب لكان التركيب خالداً أنتم فيها. {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } يحتمل أن يكون من كلامه تعالى فالإشارة إلى ما ذكر من النور والبشرى بالجنات، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة عليهم السلام المتلقين لهم، فالإشارة إلى ما هم فيه من النور وغيره أو إلى الجنات بتأويل ما ذكر أو لكونها فوزاً على ما قيل. وقرىء (ذلك الفوز) بدون {هُوَ}.
ابن عاشور
تفسير : لما كان معلوماً أن مضاعفة الثواب وإعطاء الأجر يكون في يوم الجزاء، ترجح أن يكون قوله: {يوم ترى المؤمنين} منصوباً بفعل محذوف تقديره: اذكُر تنويهاً بما يحصل في ذلك اليوم من ثواب للمؤمنين والمؤمنات ومن حرمان للمنافقين والمنافقات، ولذلك كرر {يوم} ليَختصَّ كل فريق بذكر ما هو من شؤونه في ذلك اليوم. وعلى هذا فالجملة متصلة بالتي قبلها بسبب هذا التعلق، على أنه في نظم الكلام يصح جعله ظرفاً متعلقاً بــــ{أية : يُضاعفه له وله أجر كريم}تفسير : [الحديد: 11] على طريقة التخلص لذكر ما يجري في ذلك اليوم من الخيرات لأهلها ومن الشر لأهله. وعلى الوجه الأول فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ذكر أجر المنفقين فعقب ببيان بعض مزايا المؤمنين، وعلى الوجه الثاني فهي متصلة بالتي قبلها بسبب التعلق. والخطاب في {ترى} لغير معينّ ليكون على منوال المخاطبات التي قبله، أي يوم يرى الرائي، والرؤية بصرية، و{يوم} مبني على الفتح لأنه أضيف إلى جملة فعلية، ويجوز كونها فتحة إعراب لأن المضاف إلى المضارع يجوز فيه الوجهان. ووجه عطف {المؤمنات} على {المؤمنين} هنا، وفي نظائره من القرآن المدني التنبيه على أن حظوظ النساء في هذا الدين مساوية حظوظ الرجال إلا فيما خُصصن به من أحكام قليلة لها أدلتها الخاصة وذلك لإِبطال ما عند اليهود من وضع النساء في حالة ملعونات ومحرومات من معظم الطاعات. وقد بيّنا شيئاً من ذلك عند قوله تعالى: {أية : والأنثى بالأنثى} تفسير : في سورة البقرة (178). والنور المذكور هنا نور حقيقي يجعله الله للمؤمنين في مسيرهم من مكان الحشر إكراماً لهم وتنويهاً بهم في ذلك المحشر. والمعنى: يسعى نورهم حين يسعون، فحذف ذلك لأن النور إنما يسعى إذا سعى صاحبه وإلا لا نفصل عنه وتركه. وإضافة (نور) إلى ضميرهم وجعلُ مكانه من بين أيديهم وبأيمانهم يبين أنه نور لذواتهم أكرموا به. وانظر معنى هذه الإِضافة لِضميرهم، وما في قوله: يسعى} من الاستعارة، ووجه تخصيص النور بالجهة الأمام وبالأيمان كل ذلك في سورة التحريم. والباء في {وبأيمانهم} بمعنى (عن) واقتصر على ذكر الأيمان تشريفاً لها وهو من الاكتفاء، أي وبجانبيهم. ويجوز أن تكون الباء للملابسة، ويكون النور الملابس لليمين نورَ كتاب الحسنات كما قال تعالى: {أية : فأمَّا من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً}تفسير : [الانشقاق: 7، 8] فإن كتاب الحسنات هدى فيكون لفظ «النور» قد استعمل في معنييه الحقيقي والمجازي وهو الهدى والبركة. قال ابن عطية: «ومن هذه الآية انتُزع حمل المعتَق للشمعة» ا هــــ. (لعله يشير إلى عادة كانت مألوفة عندهم أن يجعلوا بيد العبد الذي يعتقونه شمعة مشتعلة يحملها ساعة عتقه ولم أقف على هذا في كلام غيره). والبشرى: اسم مصدر بشَّر وهي الإِخبار بخبر يسر المخبَر، وأطلق المصدر على المفعول وهو إطلاق كثير مثل الخَلْق بمعنى المخلوق، أي الذي تُبشَّرون به جناتٌ، والكلام على حذف مضافين تقديرهما: إعلام بدخول جنات كما دل عليه قوله: {خالدين فيها}. وجملة {بشراكم} إلى آخرها مقول قول محذوف، والتقدير: يقال لهم، أي يقال من جانب القدس، تقوله الملائكة، أو يسمعون كلاماً يخلقه الله يعلمون أنه من جانب القدس. وجملة {ذلك هو الفوز العظيم} يحتمل أن يكون من بقية الكلام المحكي بالقول المبشَّر به، ويحتمل أن يكون من الحكاية التي حكيت في القرآن، وعلى الاحتمالين فالجملة تذييل تدل على مجموع محاسن ما وقعت به البشرى. واسم الإِشارة للتعظيم والتنبيه، وضميرُ الفصل لتقوية الخبر.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين يوم القيامة، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهو جمع يمين، وأنهم يقال لهم: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيم}. وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا، جاء موضحاً في آيات أخر، أما سعي نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فقد بينه تعالى في سورة التحريم، وزاد فيه بيان دعائهم الذين يدعون به في ذلك الوقت وذلك في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا}تفسير : [التحريم: 8] الآية. وأما تبشيرهم بالجنات، فقد جاء موضحاً في مواضع أخر، وبين الله فيها أن الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضاً يبشرهم كقوله تعالى: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}تفسير : [التوبة: 21-22] وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}تفسير : [فصلت: 30] - إلى قوله - {أية : نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ}تفسير : [فصلت: 32] إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم: أي يتقدمهم نورهم الذي اكتسبوه بالإِيمان والعمل الصالح بمسافات بعيدة يضيء لهم الصراط الذي يجتازونه إلى الجنة. بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار: أي تقول لهم الملائكة الذين أُعدوا لاستقبالهم بشراكم. ذلك هو الفوز العظيم: أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم الذي لا أعظم منه. المنافقون والمنافقات: أي الذين كانوا يخفون الكفر في نفوسهم ويظهرون الإِيمان والإِسلام بألسنتهم. تقتبس من نوركم: أي أنظروا إلينا بوجوهكم نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً: أي يقال لهم استهزاءً بهم ارجعوا وراءكم إلى الدنيا حيث يطلب النور هناك بالإِيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والمعاصي فيرجعون وراءهم فلم يجدوا شيئاً. فضرب بينهم بسور له باب باطنه الرحمة: أي فضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال له باب باطنه الذي هو من جهة المؤمنين الرحمة. وظاهره من قبله العذاب: أي الذي من جهة المنافقين في عرصات القيامة العذاب. ينادونهم ألم نكن معكم: أي ينادي المنافقون المؤمنين قائلين ألم نكن معكم في الدنيا على الطاعات أي فنصلي كما تصلون ونجاهد كما تجاهدون وننفق كما تنفقون. قالوا بلى: أي كنتم معنا على الطاعات. ولكنكم فتنتم أنفسكم: أي بالنفاق وهو كفر الباطن وبغض الإِسلام والمسلمين. وتربصتم: أي الدوائر بالمسلمين أي كنتم تنتظرون متى يهزم المؤمنون فتعلنون عن كفركم وتعودون إلى شرككم. وغركم بالله الغرور: أي وغركم بالإِيمان بالله ورسوله حيث زين لكم الكفر وكره إليكم الإِيمان الشيطان. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية: أي مال تفدون به أنفسكم إذ لا مال يومئذ ينفع ولا ولد. ولا من الذين كفروا: أي ولا فدية تقبل من الذين كفروا. مأواكم النار هي مولاكم: أي مستقركم ومكان إيوائكم النار وهي أولى بكم لخبث نفوسكم. وبئس المصير: أي مصيركم الذي صرتم إليه وهو النار. معنى الآيات: قوله تعالى {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} هذا الظرف متعلق بقوله {وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} في آخر الآية السابقة أي لهم أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات في عرصات القيامة نورهم الذي اكتسبوه بإيمانهم وصالح أعمالهم في دار الدنيا ذلك النور يمشي أمامهم يهديهم إلى طريق الجنة، وقد أعطوا كتبهم بأيمانهم. وتقول لهم الملائكة الذين أعدوا لتلقيهم واستقبالهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار أي تجري الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر والعسل من خلال الأشجار والقصور خالدين فيها ماكثين أبدا لا يموتون ولا يخرجون. قال تعالى {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} إذ هو نجاة من النار ودخول الجنان في جوار الرحمن. وقوله تعالى {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ} بدل من من قوله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، والمنافقون والمنافقات وهم الذين كانوا في الحياة الدنيا يخفون الكفر في أنفسهم ويظهرون الإِيمان بألسنتهم والإِسلام بجوارحهم يقولون للذين آمنوا انظرونا أي اقبلوا علينا بوجوهكم ذات الأنوار نقتبس من نوركم أي نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق مثلكم قيل فيقال لهم استهزاء بهم {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} إشارة إلى أن هذا النور يطلب في الدنيا بالإِيمان وصالح الأعمال فيرجعون إلى الوراء وفوراً يضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ} وهو يلي المؤمنين فيه الرحمة {وَظَاهِرُهُ} وهو يلي المنافقين {مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} فيأخذون في ندائهم ألم نكن معكم على الطاعات أيها المؤمنون فقد كنا نصلي معكم ونجاهد معكم وننفق كما تنفقون فيقول لهم المؤمنون بلى أي كنتم معنا في الدنيا على الطاعات في الظاهر ولكنكم فتنتم أنفسكم بالنفاق وتربصتم بنا الدوائر لتعلنوا عن كفركم وتعودوا إلى شرككم، وارْتَبتُم أي شككتم في صحة الإِسلام وفي عقائده ومن ذلك البعث الآخر وغرتكم الأماني الكاذبة والأطماع في أن محمداً لن ينتصر وأن دينه لن يظهر، حتَّى جاء أمر الله بنصر رسوله وإظهار دينه وغركم بالله الغرور أي بالإِيمان بالله أي بعد معاجلته لكم بالعذاب والستر عليكم وعدم كشف الستار عنكم وإظهاركم على ما أنتم عليه من الكفر الغرور أي الشيطان إذ هو الذي زين لكم الكفر وذكركم بعفو الله وعدم مؤاخذته لكم. قال تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} أي فداء مهما كان ولا من الذين كفروا كذلك مأواكم النار أي محل إيوائكم وإقامتكم الدائمة النار هي مولاكم أي من يتولاكم ويضمكم في أحضانه وهي أولى بكم لخبث نفوسكم وعفن أرواحكم من جراء النفاق والكفر، وبئس المصير الذي صرتم إليه إنه النار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير البعث يذكر أحداثه وما يجري فيه. 2- تقرير أن الفوز ليس ربح الشاة والبعير ولا الدار ولا البستان في الدنيا وإنما هو الزحزحة عن النار ودخول الجنان يوم القيامة هذا هو الفوز العظيم. 3- من بشائر السعادة لأهل الإِيمان قبل دخول الجنة تلقِّي الملائكة لهم وإعطاؤهم كتبهم بأيمانهم ووجود نور عال يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يتقدمهم على الصراط إلى الجنة. 4- نور يوم القيامة في وجوه المؤمنين أخذوه من الدنيا وفي الحديث: "حديث : بشرِّ المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ". تفسير : 5- بيان صفات المنافقين في الدنيا وهي إبطان الكفر في نفوسهم والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم متى ضعفوا أو هزموا وأمانيهم في عدم نصرة الإِسلام. وشكهم الملازم لهم حتى أنهم لم يخرجوا منه إلى أن ماتوا شاكين في صحة الإِسلام وما جاء به وأخبر عنه من وعد ووعيد.
القطان
تفسير : يسعى نورهم بين أيديهم: وهو ما قدموه من عمل صالح في الدنيا. بشراكم: أبشروا. انظرونا: انتظرونا. نقتبس من نوركم: نستضيء بنوركم. بسور: بحاجز. باطنه فيه الرحمة: الجنة. وظاهره من قِبله العذاب: من جهته جهنم. فتنتم انفسكم: اهلكتموها. تربصتم: انتظرتم بالمؤمنين الشرّ والمصائب. ارتبتم: شككتم في امر البعث. الأماني: الاباطيل. الغَرور (بفتح الغين): الشيطان. فدية: مال او غيره لحفظ النفس من الهلاك. مأواكم: منزلكم. مولاكم: اولى بكم، من ينصركم. الكلام في هذه الآيات الكريمة عن مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة، فاللهُ سبحانه وتعالى يبين هنا حالَ المؤمنين المنفقين في سبيل الله يومَ القيامة، فذَكَر أن نورَهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ليرشدَهم إلى الجنة، وتقول لهم الملائكة: أبشِروا اليومَ بالجنّات التي تجري من تحتها الأنهارُ وأنتم فيها خالدون ابدا. {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وأيّ فوزٍ أعظم من دخول الجنة!! ثم بيّن حالَ المنافقين في ذلك اليوم العظيم، وكيف يطلبون من المؤمنين ان يساعِدوهم بشيءٍ من ذلك النورِ الذي منحَهم الله إيّاه ليستضيئوا به ويلحقوا بهم. فيسخَرُ المؤمنون منهم ويتهكّمون عليهم ويقولون: ارجِعوا إلى الدنيا واعملوا حتى تحصُلوا على هذا النور. وهذا مستحيل. فيُضرَب بينهم بحاجزٍ عظيم يكونُ المؤمنون داخلَه في رحابِ الجنة، والمنافقون والكافرون خارجَه يذهبون الى النار. ثم ينادِي المنافقون المؤمنين فيقولون لهم: ألَمْ نكُنْ مَعَكم في الدنيا!؟ فيقول لهم المؤمنون: {بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}. لقد كنتم معنا ولكنكم لم تؤمنوا، وأهلكتم أنفسكم بالنفاق، وتربصتم بالمؤمنين الشرَّ والحوادثَ المهلكة، وشككتم في أمور الدينِ. لقد خدعتكم الآمالُ الكاذبة حتى جاءكم الموتُ، وخدعكم الشيطان. فلا أملَ لكم بالنجاة، ولا تُقبَل منكم فِدية، ولا مِن الذين كفروا، إن مَرجِعَكم جميعاً هو النار، هي منزلكم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. قراءات: قرأ حمزة: أنظِرونا نقتبس من نوركم بفتح الهمزة وكسر الظاء من الفعل انظِر. والباقون: انظُرونا بضم الظاء. وقرأ ابن عامر ويعقوب: فاليوم لا تؤخذ بالتاء. والباقون: لا يؤخذ بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} {وَبِأَيْمَانِهِم} {بُشْرَاكُمُ} {جَنَّاتٌ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (12) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ تَرَى المُتَصَدِّقِينَ، مِنَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَتَكُونُ كُتُبُهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَتَقُولُ لَهُمُ المَلاَئِكَةُ الكِرَامُ: أَبْشِرُوا بِجَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا جَزَاءً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى إِيمَانِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ الصَّالِحَةِ، وَهَذَا الذِي فُزْتُمْ بِهِ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ.
الثعلبي
تفسير : {يَوْمَ تَرَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم} على الصراط {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم}. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبّر بالبعض عن الكل على مذهب العرب في الإيجاز، ومجازه: عن أيمانهم. وقال الضحّاك: أراد {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} كتبهم. وقرأ سهل بن سعد الساعدي: بإيمانهم بكسر الهمزة، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة، وأراد بالنور: القرآن. قال عبد الله بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يأتي نوره كالنخلة ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم وأدناهم نوراً على إبهامه فيطفأ مرة ويقد مرة. وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره موضع قدميه، وتقول لهم الملائكة: {بُشْرَاكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} ". تفسير : {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا} قرأة العامة: موصولة أي انتظرونا. وقرأ يحيى والأعمش وحمزة: (أنظرونا) بفتح الألف وكسر الظاء أي أمهلونا. وقال الفراء: تقول العرب: أنظرني أي إنتظرني، وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم: شعر : أبا هند فلا تعجل علينا وانظرنا نخبرك اليقينا تفسير : قال: يعني انتظرنا. {نَقْتَبِسْ} نستضيء {مِن نُّورِكُمْ} قال المفسرون: إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى المؤمنين نوراً على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، وأعطى المنافقين الضالّين كذلك خديعة لهم وهو قوله عزّوجل {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء: 142]. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور. قالوا فبينما هم يمشون إذ بعث الله تعالى ريحاً وظلمة فأطفأ نور المنافقين، فذلك قوله عزّ وجل {أية : يَوْمَ لاَ يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} تفسير : [التحريم: 8] مخافة أن يُسلبوا نورهم كما سلب المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة قالوا للمؤمنين {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} من حيث جئتم {فَٱلْتَمِسُواْ} فاطلبوا هناك لأنفسكم {نُوراً} فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} أي سور والباء صلة، عن الكسائي. وهو حاجز بين الجنة والنار {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} يعني الجنة {وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ} أي من قبل ذلك الظاهر {ٱلْعَذَابُ} وهو النار. أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن ماجة القزويني، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي، حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: وأخبرني ابن حمدان، حدّثنا ابن ماهان، حدّثنا موسى بن إسماعيل حماد عن أبي سنان قال: كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم فحدّث عن أبيه وقرأ {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} الآية ثم قال: أي هذا موضع السور، يعني وادي جهنم. وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني أخبرني أحمد بن عمير بن يوسف، حدّثنا عبد السلام بن عتيق، حدّثنا أبو مسهر، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس حدّثني أبو العوام مؤذن أهل بيت المقدس عن عبد الله بن عمرو قال: إن السور الذي ذكر الله عزّوجل في القرآن {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} سور مسجد بيت المقدس الشرقي باطنه من المسجد وظاهره من قبله {ٱلْعَذَابُ} الوادي: وادي جهنم. وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا السني، حدّثنا أبو يعلي الموصلي حدّثنا أبو نصر التمار، حدّثنا سعيد بن عبدالعزيز، عن زياد بن أبي سودة أن عبادة بن الصامت قام على سور بيت المقدس الشرقي فبكى. فقال بعضهم: ما يبكيك يا أبا الوليد؟ فقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وأخبرني عقيل أن أبا الفرج حدثهم عن محمد بن جرير حدّثني محمد بن عوف، حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا صفوان، حدّثنا شريح أن كعباً يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عزّوجل {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} الآية. {يُنَادُونَهُمْ} يعني ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور، فبقوا في الظلمة والعذاب، وصار المؤمنون في النور والرحمة {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} في الدنيا نصوم ونصلي ونناكحكم ونوارثكم؟ {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ} أهلكتم {أَنفُسَكُمْ} بالنفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالأيمان. وقال مقاتل: بل تربّصتم بمحمد الموت وقلتم: يوشك أن يموت محمد فتستريح {وَٱرْتَبْتُمْ} شككتم في التوحيد والنبوة {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} للأباطيل. وقال أبو بكر الورّاق: طول الأمل. أخبرني الحسين، حدّثنا ابن حمدان، حدّثنا يوسف بن عبدالله، حدّثنا مسلم بن أدهم حدّثنا همام بن يحيى، حدّثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط خطوطاً وخط خطاً منها ناحية فقال: تدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت ". تفسير : وأخبرنا الحسين، حدّثنا الكندي، حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر، حدّثنا يحيى بن عبد الباقي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرّة. {جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} يعني الموت {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشيطان. وقرأ سماك بن حرب: بضم الغين يعني الأباطيل. قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان وما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} بدل وعوض. قراءة العامة يؤخذ بالياء. وقرأ ابن عامر والحسن وأبو جعفر ويعقوب بالتاء واختاره أبو حاتم. {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني المشركين {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي صاحبتكم وأولى بكم وأحق بإن تكون مسكناً لكم. قال لبيد: شعر : فعذب كلا الفريقين بحسب أنه مولى المخافة خَلَقَها وإمامها تفسير : {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدّثنا عمّا في التوراة فإن فيها العجائب، فنزلت الآية {أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [يوسف: 1] إلى قوله {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] فخبّرهم بأن هذا القرآن أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفّوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم [عادوا] فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزلت {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] الآية. فكفّوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم (عادوا) أيضاً فسألوا فقالوا: حدّثنا عن التوراة فإن فيها العجائب، ونزلت هذه الآية. فعلى هذا القول يكون تأويل الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} في العلانية واللسان. وقال غيرهما: نزلت في المؤمنين. قال عبد الله بن مسعود: مَلَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو حدّثتنا فأنزل الله عزّوجل {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] الآية. فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله عزّوجل {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] الآية. فقالوا: يا رسول الله لو ذكّرتنا ووعظتنا. فأنزل الله عزّوجل هذه الآية. وقال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلاّ أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضاً. وقال ابن عباس: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال {أَلَمْ يَأْنِ} يحن {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ} ترق وتلين وتخضع {قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ}. قرأ شيبة ونافع وعاصم برواية المفضل وحفص: خفيفة الزاي، غيرهم: مشددة. {مِنَ ٱلْحَقِّ} وهو القرآن، قال مجاهد: نزلت هذه الآية في المتعرّبين بعد الهجرة. أخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا محمد بن خالد، حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا الحسام بن المصك عن الحسن عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أول ما يرفع من الناس الخشوع ". تفسير : {وَلاَ يَكُونُواْ} يعني وألاّ يكونوا، محله نصب بالعطف على {تَخْشَعَ} قال الأخفش: وإن شئت جعلته نهياً فيكون مجازه: ولا يكونن، ودليل هذا التأويل رواية يونس عن يعقوب أنه قرأ: (ولا تكونوا) بالتاء. {كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ} وهم اليهود والنصارى. {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} الزمان والدهر والغاية بينهم وبين أنبيائهم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}. روى الأعمش عن عمارة بن عمير عن الربيع بن عُميلة، حدّثنا عبد الله حدّثنا، ما سمعت حدّثنا هو أحسن منه إلاّ كتاب الله عزّوجل أو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، فقالوا: إعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فأتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجلا من علمائهم فاعرضوا عليه الكتاب فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده وإن خالفكم فإقتلوه فلن يختلف عليكم بعده أحد. فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله عزّوجل ثم جعلها في قَرن ثم علّقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ يعني الكتاب الذي في القَرن، فخلّوا سبيله. وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القَرن ووجدوا فيه الكتاب، فقالوا: ألا ترون قوله: آمنت بهذا، ومالي لا أوُمن بهذا؟ إنما عني هذا الكتاب؟ فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذي القَرن. قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً، وبحسب أمرى يرى منكراً لا تستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وقال مقاتل بن حيان: إنما يعني بذلك مؤمني أهل الكتاب قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} يعني خروج النبي صلى الله عليه وسلم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع، ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ومنهم طائفة رجعت عن دينها وهم الذين فسّقهم فكفروا بدين عيسى ولم يؤمنوا بمحمد(عليه السلام). وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتروا عمّا كانوا فيه، فقست قلوبهم، فينبغي للمؤمنين أن يزدادوا إيماناً ويقيناً وإخلاصاً في طول صحبة الكتاب. أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن العباس الضبّي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبدالله النيّري، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن وائل بن بكر قال: قال عيسى (عليه السلام): "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فَتقسوَ قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد فإنما الناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية". أخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدّثنا أبو عبد الله المقرىء قال: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: سمعت أبا عمار الحسين ابن حريث يقول: سمعت الفضل بن موسى السيناني يقول: كان سبب توبة الفضل بن عياض أنه عشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرقى الجدران إليها إذ سمع قارئاً يقرأ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} فرجع القهقرى. وهو يقول: بلى فلان بلى والله فلان. فأواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وإذا بعضهم يقول لبعض بالفارسية: فضيل بدر أهست در ما راه بُرّذ. فقال الفضيل في نفسه: الا أراني أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين يخافونني؟ اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. ثم أقبل عليهم فقال لهم بالفارسية: منم فضيل كناه كار أز من ترسيد يدأكنون مترسيد. قال الفضل بن موسى: ثم خرج فجاور. وحدّثنا أبو سعد بن أبي عثمان الزاهد، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران بمكة، حدّثنا أبو يعقوب البزاز، حدّثنا محمد بن حاتم السمرقندي، حدّثنا أحمد بن زيد، حدّثنا حسين ابن الحسن قال: سئل ابن المبارك وأنا حاضر عن أول زهده فقال: إني كنت في بستان، وأنا شاب مع جماعة من أترابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا وكنت مولعاً بضرب العود فقمت في بعض الليل، فإذا غصن يتحرك عند رأسي فأخذت العود لأضرب به فإذا بالعود ينطق وهو يقول {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته وصرفت ما عندي من جميع الأمور التي كنت عليها مما شُغلت عن الله، وجاء التوفيق من الله عزّ وجل فكان ما سُهل لنا من الخير بفضل الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -مبينا لفضل الإيمان واغتباط أهله به يوم القيامة-: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } أي: إذا كان يوم القيامة، وكورت الشمس، وخسف القمر، وصار الناس في الظلمة، ونصب الصراط على متن جهنم، فحينئذ ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فيمشون بأيمانهم ونورهم في ذلك الموقف الهائل الصعب، كل على قدر إيمانه، ويبشرون عند ذلك بأعظم بشارة، فيقال: { بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فلله ما أحلى هذه البشارة بقلوبهم، وألذها لنفوسهم، حيث حصل لهم كل مطلوب [محبوب]، ونجوا من كل شر ومرهوب، فإذا رأى المنافقون نور المؤمنين يمشون به وهم قد طفئ نورهم وبقوا في الظلمات حائرين، قالوا للمؤمنين: { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } أي: أمهلونا لننال من نوركم ما نمشي به، لننجو من العذاب، فـ { قِيلَ } لهم: { ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا } أي: إن كان ذلك ممكنا، والحال أن ذلك غير ممكن، بل هو من المحالات، { فَضُرِبَ } بين المؤمنين والمنافقين { بِسُورٍ } أي: حائط منيع، وحصن حصين، { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } وهو الذي يلي المؤمنين { وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } وهو الذي يلي المنافقين، فينادي المنافقون المؤمنين، فيقولون لهم تضرعا وترحما: { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } في الدنيا نقول: { لا إله إلا الله } ونصلي ونصوم ونجاهد، ونعمل مثل عملكم؟ { قَالُوا بَلَى } كنتم معنا في الدنيا، وعملتم [في الظاهر] مثل عملنا، ولكن أعمالكم أعمال المنافقين، من غير إيمان ولا نية [صادقة] صالحة، بل { فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ } أي: شككتم في خبر الله الذي لا يقبل شكا، { وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ } الباطلة، حيث تمنيتم أن تنالوا منال المؤمنين، وأنتم غير موقنين، { حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } أي: حتى جاءكم الموت وأنتم بتلك الحال الذميمة. { وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } وهو الشيطان، الذي زين لكم الكفر والريب، فاطمأننتم به، ووثقتم بوعده، وصدقتم خبره. { فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } فلو افتديتم بمثل الأرض ذهبا ومثله معه، لما تقبل منكم، { مَأْوَاكُمُ النَّارُ } أي: مستقركم، { هِيَ مَوْلاكُمْ } التي تتولاكم وتضمكم إليها، { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } النار. [قال تعالى:] {أية : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ }.
همام الصنعاني
تفسير : 3157- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: [الآية: 12]، قال: بلغنا أن المؤمنين يوم القيامة، منه من يضيء له نُورُهُ كما بي نالمدينة إلى عَدَنٍ، إلى صَنْعاءَ، فدون ذلِكَ، حتى أَنَّ من المؤمنين من لا يضيء له نُورُهُ إلا موضع قدميه، والناس منازلهم بأعمالهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):