٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ فالتمسوا نُوراً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {يَوْمَ يَقُولُ }، بدل من {أية : يَوْمَ تَرَى } تفسير : [الحديد: 12]، أو هو أيضاً منصوب باذكر تقديراً. المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده (أنظرونا) مكسورة الظاء، والباقون (أنظروا)، قال أبو علي الفارسي لفظ النظر يستعمل على ضروب أحدها: أن تريد به نظرت إلى الشيء، فيحذف الجار ويوصل الفعل، كما أنشد أبو الحسن:شعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما ينظر الأراك الظباء تفسير : والمعنى ينظرن إلى الأراك وثانيها: أن تريد به تأملت وتدبرت، ومنه قولك: إذهب فانظر زيداً أيؤمن، فهذا يراد به التأمل، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ } تفسير : [الأسراء: 48]، {أية : انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } تفسير : [النساء: 50]، {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [الإسراء: 21] قال: وقد يتعدى هذا بإلى كقوله: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } تفسير : [الغاشية: 17] وهذا نص على التأمل، وبين وجه الحكمة فيه، وقد يتعدى بفي، كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأعراف: 185]، {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الروم: 8] وثالثها: أن يراد بالنظر الرؤية كما في قوله:شعر : ولما بدا حوران والآل دونه نظرت فلم تنظر بعينك منظراً تفسير : والمعنى نظرت، فلم تر بعينك منظراً تعرفه في الآل قال: إلا أن هذا على سبيل المجاز، لأنه دلت الدلائل على أن النظر عبارة عن تقلب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، فلما كانت الرؤية من توابع النظر ولوازمه غالباً أجرى على الرؤية لفظ النظر على سبيل إطلاق اسم السبب على المسبب قال: ويجوز أن يكون قوله: نظرت فلم تنظر، كما يقال: تكلمت وما تكلمت، أي ما تكلمت بكلام مفيد، فكذا هنا نظرت وما نظرت نظراً مفيداً ورابعها: أن يكون النظر بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: {أية : إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَـاظِرِينَ إِنَـاه } تفسير : [الأحزاب: 53] أي غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وعلى هذا الوجه يكون نظرت معناه انتظرت، ومجيء فعلت وافتعلت بمعنى واحد كثير، كقولهم: شويت واشتويت، وحقرت واحتقرت، إذا عرفت هذا فقوله: {ٱنظُرُونَا } يحتمل وجهين الأول: أنظرونا، أي انتظرونا، لأنه يسرع بالمؤمنين إلى الجنة كالبروق الخاطفة، والمنافقون مشاة والثاني: أنظرونا أي أنظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وأما قراءة (أنظرونا) مكسورة الظاء فهي من النظرة والإمهال، ومنه قوله تعالى: {أية : أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } تفسير : [الحجر: 36] وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنظار المعسر، والمعنى أنه جعل اتئادهم في المشي إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم. واعلم أن أبا عبيدة والأخفش كانا يطعنان في حصة هذه القراءة، وقد ظهر الآن وجه صحتها. المسألة الثالثة: اعلم أن الاحتمالات في هذا الباب ثلاثة أحدها: أن يكون الناس كلهم في الظلمات، ثم إنه تعالى يعطي المؤمنين هذه الأنوار، والمنافقون يطلبونها منهم وثانيها: أن تكون الناس كلهم في الأنوار، ثم إن المؤمنين يكونون في الجنات فيمرون سريعاً، والمنافقون يبقون وراءهم فيطلبون منهم الانتظار وثالثها: أن يكون المؤمنون في النور والمنافقون في الظلمات، ثم المنافقون يطلبون النور مع المؤمنين، وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الاحتمالات قوم، فإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند الموقف، فالمراد من قوله: {ٱنظُرُونَا } انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم، فقد أقبلوا عليهم، ومتى أقبلوا عليهم وكانت أنوارهم من قدامهم استضاءوا بتلك الأنوار، وإن كانت هذه الحالة إنما تقع عند مسير المؤمنين إلى الجنة، كان المراد من قوله: {ٱنظُرُونَا } يحتمل أن يكون هو الانتظار وأن يكون النظر إليهم. المسألة الرابعة: القبس: الشعلة من النار أو السراج، والمنافقون طمعوا في شيء من أنوار المؤمنين أن يقتبسوه كاقتباس نيران الدنيا وهو منهم جهل، لأن تلك الأنوار نتائج الأعمال الصالحة في الدنيا، فلما لم توجد تلك الأعمال في الدنيا امتنع حصول تلك الأنوار في الآخرة، قال الحسن: يعطى يوم القيامة كل أحد نوراً على قدر عمله، ثم إنه يؤخذ من حر جهنم ومما فيه من الكلاليب والحسك ويلقى على الطريق، فتمضي زمرة من المؤمنين وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم تمضي زمرة أخرى كأضواء الكواكب في السماء، ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفىء نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون للمؤمنين: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } كقبس النار. المسألة الخامسة: ذكروا في المراد من قوله تعالى: {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } وجوهاً أحدها: أن المراد منه: ارجعوا إلى دار الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هنالك، فإن هذه الأنوار إنما تتولد من اكتساب المعارف الإلهية، والأخلاق الفاضلة والتنزه عن الجهل والأخلاق الذميمة، والمراد من ضرب السور، هو امتناع العود إلى الدنيا وثانيها: قال أبو أمامة: الناس يكونون في ظلمة شديدة، ثم المؤمنون يعطون الأنوار، فإذا أسرع المؤمن في الذهاب قال المنافق: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } فيقال لهم: {ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } قال: وهي خدعة خدع بها المنافقون، كما قال: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142] فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم فيجدون السور مضروباً بينهم وبين المؤمنين وثالثها: قال أبو مسلم: المراد من قول المؤمنين: {ٱرْجِعُواْ } منع المنافقين عن الاستضاءة، كقول الرجل لمن يريد القرب منه: وراءك أوسع لك، فعلى هذا القول المقصود من قوله: {ٱرْجِعُواْ } أن يقطعوا بأنه لا سبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتة، لا أنه أمر لهم بالرجوع. قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في السور، فمنهم من قال: المراد منه الحجاب والحيلولة أي المنافقون منعوا عن طلب المؤمنين، وقال آخرون: بل المراد حائط بين الجنة والنار، وهو قول قتادة، وقال مجاهد: هو حجاب الأعراف. المسألة الثانية: الباء في قوله: {بِسُورٍ } صلة وهو للتأكيد والتقدير: ضرب بينهم سور كذا، قاله الأخفش، ثم قال: {لَّهُ بَابٌ } أي لذلك السور باب {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } أي في باطن ذلك السور الرحمة، والمراد من الرحمة الجنة التي فيها المؤمنين {وَظَـٰهِرُهُ } يعني وخارج السور {مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } أي من قبله يأتيهم العذاب، والمعنى أن ما يلي المؤمنين ففيه الرحمة، وما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب، والحاصل أن بين الجنة والنار حائط وهو السور، ولذلك السور باب، فالمؤمنون يدخلون الجنة من باب ذلك السور، والكافرون يبقون في العذاب والنار.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} العامل في «يَوْمَ» {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وقيل: هو بدل من اليوم الأول. {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ} قراءة العامة بوصل الألف مضمومة الظاء من نظر؛ والنظر الانتظار أي ٱنتظرونا. وقرأ الأعمش وحمزة ويحيـى بن وثّاب «أَنْظِرُونَا» بقطع الألف وكسر الظاء من الإنظار. أي أمهلونا وأخرونا؛ أنظرته أخرته، وٱستنظرته أي ٱستمهلته. وقال الفراء: تقول العرب: أنظِرني ٱنتظرني؛ وأنشد لعمرو بن كُلْثوم:شعر : أبا هِندٍ فلا تَعْجلْ عَلَيْنَا وأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ الْيقِينَا تفسير : أي ٱنتظرنا. {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي نستضيء من نوركم. قال ٱبن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة ـ قال الماوردي: أظنها بعد فصل القضاء ـ ثم يعطون نوراً يمشون فيه. قال المفسرون: يعطي الله المؤمنين نوراً يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضاً نوراً خديعةً لهم؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء:142]. وقيل: إنما يعطون النور؛ لأن جميعهم أهل دعوة دون الكافر، ثم يسلب المنافق نوره لنفاقه؛ قاله ٱبن عباس. وقال أبو أمامة: يعطي المؤمن النور ويترك الكافر والمنافق بلا نور. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور، فبينما هم يمشون إذ بعث الله فيهم ريحاً وظلمة فأطفأ بذلك نور المنافقين؛ فذلك قوله تعالى: {رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} يقوله المؤمنون؛ خشية أن يُسلبوه كما سلبه المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم قالوا للمؤمنين: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. {قِيلَ ٱرْجِعُواْ ورَاءَكُمْ} أي قالت لهم الملائكة «ٱرْجِعُوا». وقيل: بل هو قول المؤمنين لهم {ٱرْجِعُواْ وَرَاءَكُم} إلى الموضع الذي أخذنا منه النور فاطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً فإنكم لا تقتبسون من نورنا. فلما رجعوا وانعزلوا في طلب النور {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ}، وقيل: أي هلاّ طلبتم النور من الدنيا بأن تؤمنوا. «بِسُورٍ» أي سُورٌ؛ والباء صلة. قاله الكسائي. والسُّور حاجز بين الجنة والنار. وروي أن ذلك السُّور ببيت المَقْدس عند موضع يعرف بوادي جهنم. {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} يعني ما يلي منه المؤمنين {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني ما يلي المنافقين. قال كعب الأحبار: هو الباب الذي ببيت المقدس المعروف بباب الرحمة. وقال عبد الله بن عمرو: إنه سُور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني جهنم. ونحوه عن ٱبن عباس. وقال زياد ابن أبي سوادة: قام عبادة بن الصامت على سُور بيت المقدس الشرقي فبكى، وقال: من ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم. وقال قتادة: هو حائط بين الجنة والنار «بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ» يعني الجنة {وَظَاهِرُهُ مِن قِبِلِهِ ٱلْعَذَاب} يعني جهنم. وقال مجاهد: إنه حجاب كما في «الأعراف» وقد مضى القول فيه. وقد قيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ} أي ينادي المنافقون المؤمنين {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} في الدنيا يعني نصلي مثل ما تصلون، ونغزو مثل ما تغزون، ونفعل مثل ما تفعلون {قَالُواْ بَلَىٰ} أي يقول المؤمنون «بَلَى» قد كنتم معنا في الظاهر {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي ٱستعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق. وقيل: بالمعاصي؛ قاله أبو سنان. وقيل: بالشهوات واللذات؛ رواه أبو نمير الهمْداني. {وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ} أي «تَرَبَّصْتُمْ» بالنبيّ صلى الله عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين الدوائر. وقيل: «تَرَبَّصْتُمْ» بالتوبة {وَٱرْتَبْتُمْ} أي شككتم في التوحيد والنبوة {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} أي الأباطيل. وقيل: طول الأمل. وقيل: هو ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين ونزول الدوائر بهم. وقال قتادة: الأماني هنا خدع الشيطان. وقيل: الدنيا؛ قاله عبد الله بن عباس. وقال أبو سنان: هو قولهم سَيُغْفَر لنا. وقال بلال بن سعد: ذكرك حسناتِك ونسيانك سيئاتِك غِرّةً. {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} يعني الموت. وقيل: نصرة نبيِّه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: إلقاؤهم في النار. {وَغَرَّكُم} أي خدعكم {بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشيطان؛ قاله عكرمة. وقيل: الدنيا؛ قاله الضحاك. وقال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبراً، وللآخر بالأول مزدجراً، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخُدَع، ومن ذكر المنيّة نسي الأمنيّة، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل. وجاء «الْغَرُورُ» على لفظ المبالغة للكثرة. وقرأ أبو حيوة ومحمد بن السَّمَيْقَع وسِمَاك بن حرب «الغُرُورُ» بضم الغين يعني الأباطيل وهو مصدر. وعن ٱبن عباس: حديث : أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خطّ لنا خطوطاً، وخطّ منها خطًّا ناحية فقال: «أتدرون ما هذا؟ هذا مثل ٱبن آدم ومثل التمني وتلك الخطوط الآمال بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت»تفسير : . وعن ٱبن مسعود قال: حديث : خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا مربعاً، وخطّ وسطه خطًّا وجعله خارجاً منه، وخطّ عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً فقال: «هذا ٱبن آدم وهذا أجله محيط به وهذا أمله قد جاوز أجله وهذه الخطوط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهشه هذا وإن أخطأه هذا نهشه هذا».تفسير : قوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} أيها المنافقون {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أيأسهم من النجاة. وقراءة العامة {يُؤْخَذُ} بالياء؛ لأن التأنيث غير حقيقي؛ ولأنه قد فصل بينها وبين الفعل. وقرأ ٱبن عامر ويعقوب «تُؤْخَذُ» بالتاء وٱختاره أبو حاتم لتأنيث الفدية. والأوّل ٱختيار أبي عبيد؛ أي لا يقبل منكم بدل ولا عوض ولا نفس أخرى. {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي مقامكم ومنزلكم {هِيَ مَوْلاَكُمْ} أي أَوْلى بكم، والمولى من يتولى مصالح الإنسان، ثم ٱستعمل فيمن كان ملازماً للشيء. وقيل: أي النار تملك أمرهم؛ بمعنى أن الله تبارك وتعالى يُرَكِّب فيها الحياة والعقل فهي تتميز غيظاً على الكفار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق:30]. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. أي ساءت مرجعاً ومصيراً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَٰفِقُونَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱنظُرُونَا } أبصرونا. وفي قراءة بفتح الهمزة وكسر الظاء: أمهلونا {نَقْتَبِسْ } نأخذ القبس والإِضاءة {مِن نُّورِكُمْ قِيلَ } لهم استهزاء بهم {ٱرْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } فرجعوا {فَضُرِبَ بَيْنَهُم } وبين المؤمنين {بِسُورٍ } قيل هو سور الأعراف {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } من جهة المؤمنين {وَظَٰهِرُهُ } من جهة المنافقين {مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ }.
الماوردي
تفسير : {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} الآية. قال ابن عباس وأبو أمامة: يغشى الناس يوم القيامة ظلمة أظنها بعد فصل القضاء، ثم يعطون نوراً يمشون فيه. وفي النور قولان: أحدهما: يعطاه المؤمن بعد إيمانه دون الكافر. الثاني: يعطاه المؤمن والمنافق، ثم يسلب نور المنافق لنفاقه، قاله ابن عباس. فيقول المنافقون والمنافقات حين غشيتهم الظلمة. {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} حين أعطوا النور الذي يمشون فيه: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} أي انتظروا، ومنه قول عمرو بن كلثوم: شعر : أبا هند فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرك اليقينا تفسير : {قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً} فيه قولان: أحدهما: ارجعوا إلى الموضع الي أخذنا منه النور فالتمسوا منه نوراً. الثاني: ارجعو فاعملوا عملاً يجعل الله بين أيديكم نوراً. ويحتمل في قائل هذا القول وجهان: أحدهما: أن يقوله المؤمنون لهم. الثاني: أن تقوله الملائكة لهم. {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه حائط بين الجنة والنار، قاله قتادة. الثاني: أنه حجاب في الأعراف، قاله مجاهد. الثالث: أنه سور المسجد الشرقي، [بيت المقدس] قاله عبد الله بن عمرو بن العاص. {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبلِهِ الْعَذَابُ} فيه قولان: أحدهما: أن الرحمة التي في باطنه الجنة، والعذاب الذي في ظاهره جهنم، قاله الحسن. الثاني: أن الرحمة التي في باطنه: المسجد وما يليه، والعذاب الذي في ظاهره: وادي جهنم يعني بيت المقدس، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص. ويحتمل ثالثاً: أن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين. وفيمن ضرب بينهم وبينه بهذا السور قولان: أحدهما: أنه ضرب بينهم وبين المؤمنين الذي التمسوا منهم نوراً، قاله الكلبي ومقاتل. الثاني: أنه ضرب بينهم وبين النور بهذا السور حتى لا يقدروا على التماس النور. {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} يعني نصلي مثلما تصلون، ونغزو مثلما تغزون، ونفعل مثلما تفعلون. {قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَكُم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالنفاق، قاله مجاهد. الثاني: بالمعاصي، قاله أبو سنان. الثالث: بالشهوات، رواه أبو نمير الهمداني. {وَتَرَبَّصْتُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: بالحق وأهله، قاله قتادة. الثاني: وتربصتم بالتوبة، قاله أبو سنان. {وَارْتَبْتُمْ} يعني شككتم في أمر الله. {وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ} فيه أربعة أوجه: أحدها: خدع الشيطان، قاله قتادة. الثاني: الدنيا، قاله ابن عباس. الثالث: سيغفر لنا، قاله أبو سنان. الرابع: قولهم اليوم وغداً. {حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ} فيه قولان: أحدهما: الموت، قاله أبو سنان. الثاني: إلقاؤهم في النار، قاله قتادة. {وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُوْرُ} فيه وجهان: أحدهما: الشيطان، قاله عكرمة. الثاني: الدنيا، قاله الضحاك.
ابن عبد السلام
تفسير : {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} يغشى الناس ظلمة يوم القيامة فيعطى المؤمن نوراً بقدر إيمانه ولا يعطاه الكافر ولا المنافق، أو يعطاه المنافق ثم يسلبه "ع"، فيقول المنافق لما غشيته الظلمة للمؤمن لما أعطي النور الذي يمشي به انظرو أي انتظرونا {فَضُرِبَ بَيْنَهُم} وبين المؤمنين بسور أو بينهم وبين النور فلم يقدروا على التماسه {بِسُورٍ} حائط بين الجنة والنار، أو بسور المسجد الشرقي، أو حجاب من الأعراف {بَاطِنُهُ} فيه الجنة {وَظَاهِرُهُ} فيه جهنم، أو في باطنه المسجد وما يليه. والعذاب الذي في ظاهره وادي جهنم يعني بيت المقدس قاله عبد الله بن عمرو بن العاص.
النسفي
تفسير : {يَوْمَ يَقُولُ } هو بدل من {يَوْمَ تَرَى } {ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱنظُرُونَا } أي انتظرونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة. {أَنظُرُونَا } حمزة من النظرة وهي الإمهال جعل اتئادهم في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظاراً لهم {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } طرد لهم وتهكم بهم أي تقول لهم الملائكة، أو المؤمنون ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هنالك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً بتحصيل سببه وهو الإيمان {فَضُرِبَ بَيْنَهُم } بين المؤمنين والمنافقين {بِسُورٍ } بحائط حائل بين شق الجنة وشق النار. قيل: هو الأعراف {لَهُ } لذلك السور {بَابٍ } لأهل الجنة يدخلون منه {بَاطِنُهُ } باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } أي النور أو الجنة {وَظَـٰهِرُهُ } ما ظهر لأهل النار {مِن قِبَلِهِ} من عنده ومن جهته {ٱلْعَذَابَ } أي الظلمة أو النار {يُنَـٰدُونَهُمْ } أي ينادي المنافقون المؤمنين {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } يريدون مرافقتهم في الظاهر {قَالُواْ } أي المؤمنون {بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها {وَتَرَبَّصْتُمْ } بالمؤمنين الدوائر {وَٱرْتَبْتُمْ } وشككتم في التوحيد {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ } طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } أي الموت {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم أو بأنه لا بعث ولا حساب. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ } وبالتاء: شامي {مّنكُمْ } أيها المنافقون {فِدْيَةٌ } ما يفتدى به {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } مرجعكم {هِىَ مَوْلَـٰكُمْ } هي أولى بكم وحقيقة مولاكم محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما يقال: هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل إنه لكريم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } النار. {أَلَمْ يَأْنِ } من أنى الأمر يأنى إذا جاء إناه أي وقته. قيل: كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين. وعن ابن أبي بكر رضي الله عنه: إن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } بالتخفيف: نافع وحفص. الباقون {نَزَّلَ } و «ما» بمعنى «الذي»، والمراد بالذكر وما نزل من الحق القرآن لأنه جامع للأمرين للذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ } القراءة بالياء عطف على {تَخْشَعَ } وبالتاء: ورش على الالتفاف، ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ } الأجل أو الزمان {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } باتباع الشهوات {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين أي وقليل منهم مؤمنون {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض. {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } بتشديد الدال وحده: مكي وأبو بكر وهو اسم فاعل من «صدق» وهم الذين صدقوا الله ورسوله يعني المؤمنين. الباقون بتشديد الصاد والدال وهو اسم فاعل من «تصدق» فأدغمت التاء في الصاد وقرىء على الأصل {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } هو عطف على معنى الفعل في {ٱلْمُصَدّقِينَ } لأن اللام بمعنى «الذين» واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو اصدقوا كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا والقرض الحسن أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحة النية على المستحق للصدقة {يُضَاعَفُ لَهُمُ } {يضعف} مكي وشامي {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي الجنة {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ } يريد أن المؤمنين بالله ورسله هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } أي مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم، ويجوز أن يكون {وَٱلشُّهَدَاء } مبتدأ و {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } خبره {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ }. {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ } كلعب الصبيان {وَلَهْوٌ } كلهو الفتيان {وَزِينَةٌ } كزينة النسوان {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } كتفاخر الأقران {وَتَكَاثُرٌ } كتكاثر الدهقان {فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ } أي مباهاة بهما والتكاثر ادعاء الاستكثار {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } بعد خضرته {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } متفتتاً، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة وصاحب الجنتين. وقيل: الكفار الزراع {وَفِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } للكفار {وَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰنٌ } للمؤمنين يعني أن الدنيا وما فيها ليست إلا من محقرات الأمور وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد. والكاف في {كَمَثَلِ غَيْثٍ } في محل رفع على أنه خبر بعد خبر أي الحياة الدنيا مثل غيث {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } لمن ركن إليها واعتمد عليها. قال ذو النون: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها فإن الزاد منها والمقيل في غيرها. ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة بقوله {سَابِقُواْ } أي بالأعمال الصالحة {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } وقيل: سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } قال السدي: كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين. وذكر العرض دون الطول لأن كل ماله عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط، أو أريد بالعرض البسطة وهذا ينفي قول من يقول: إن الجنة في السماء الرابعة، لأن التي في إحدى السماوات لا تكون في عرض السماوات والأرض {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللهِ وَرُسُلِهِ} وهذا دليل على أنها مخلوقة {ذٰلِكَ } الموعود من المغفرة والجنة {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } وهم المؤمنون، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }. ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ } من الجدب وآفات الزروع والثمار. وقوله {فِى ٱلأَرْضِ } في موضع الجر أي ما أصاب من مصيبة ثابتة في الأرض {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } في اللوح وهو في موضع الحال أي إلا مكتوباً في اللوح {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } من قبل أن نخلق الأنفس {إِنَّ ذٰلِكَ } إن تقدير ذلك وإثباته في كتاب {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } وإن كان عسيراً على العباد. ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ } تحزنوا حزناً يطغيكم {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها {وَلاَ تَفْرَحُواْ } فرح المختال الفخور {بِمَا ءاتَـٰكُمْ } أعطاكم من الإيتاء. أبو عمرو وأتاكم أي جاءكم من الإتيان يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله، قل أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه وأن وصوله لا يفوته بحال لم يعظم فرحه عند نيله، وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه ويحزن عند مضرة تنزل به ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكراً والحزن صبراً، وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } خبر مبتدأ محذوف أو بدل من كل مختال فخور كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا، فلحبهم له وعزته عندهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } ويحضون غيرهم على البخل ويرغبونهم في الإمساك {وَمَن يَتَوَلَّ } يعرض عن الإنفاق أو عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ } عن جميع المخلوقات فكيف عنه؟ {ٱلْحَمِيدِ } في أفعاله. {فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِىُّ } بترك «هو»: مدني وشامي.
البقاعي
تفسير : ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في الوقت الكائن فيه، عظمه بما لأضدادهم من النكال، فقال مبدلاً من الظرف الأول: {يوم يقول} أي قولاً مجدداً يلجئ إليه من الأمور العظيمة الشاقة {المنافقون والمنافقات} أي بالعراقة في إظهار الإيمان وإبطان الكفران {للذين آمنوا} أي ظاهراً وباطناً، وأما من علا من هذا السن من المؤمنين ومن فوقهم فالظاهر أنهم لا يرونهم ليطمعوا في مناداتهم "وأين الثريا من يد المتناول" {انظرونا} أي انظرونا بأن تمكثوا في مكانكم لنلحق بكم، وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت، لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، وقد حققت المعنى قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي أخرونا في المشي وتأنوا علينا وأمهلوا علينا، لا تطلبوا منا السرعة فيه بل امكثوا في مكانكم لننظر في أمرنا كيف نلحق بكم، والحاصل أنهم عدوا تأنيهم في المشي وتلبثهم ليلحقوا بهم إنظاراً لهم {نقتبس} أي نأخذ ونصيب ونستصبح {من نوركم} أي هذا الذي نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقاً، وسبب هذا القول أنهم يعطون مع المؤمنين نوراً خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم المشقة بفقده لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحاً وظلمة فتطفئ نورهم ويبقون في الظلمة، وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين {أتمم لنا نورنا} أي لا تطفئه كما أطفأت نور المنافقين. ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي قائل كان، بنى للمفعول قوله: {قيل} أي لهم جواباً لسؤالهم قول رد وتوبيخ وتهكم وتنديم: {ارجعوا وراءكم} أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه {فالتمسوا} بسبب ذلك الرجوع {نوراً} ويصح أن يراد بالوراء الدنيا لأن هذا النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من الأعمال الزاكية والمعارف الصافية، ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من الإحياء: إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد أن يتجدد أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقاً فأمّا أن يتجدد ثَمَّ نور فلا. ولما كان التقدير: فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة، سبب عنه وعقب قوله: {فضرب} مبنياً للمفعول على نحو الأول، ولإفادة أن الضرب كان في غاية السرعة والسهولة، ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما قبله من غير تقدير {بينهم} أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا وأضدادهم في وقت قولهم هذا. ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة، لم يوقع الفعل وأتى بالفاء ليفيد أنه كان كأنه عصاً ضربت به الأرض ضربه واحدة، فقال: {بسور} أي جدار محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا يقدر أحد ممن سواهم أن يتجاوزه إليهم {له باب} موكل به حجاب لا يفتحون إلا لمن أذن الله له من المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم لشفاعة أو نحوها {باطنه} أي ذلك السور الباب وهو الذي من جهة الذين آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب {فيه الرحمة} وهي ما لهم من الكرامة بالجنة التي هي ساترة ببطن من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ملاء رحمة {وظاهره} أي السور أو الباب الذي يظهر لأهل النار، مبتدئ {من قبله} أي تجاه ذلك الظاهر وناحيته وجهته وعنده {العذاب *} من النار ومقدماتها لاقتصار أهله على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن وعكس ما أرادوا من حفظ ظواهرهم في الدنيا مع فساد بواطنهم، ودل على ما أفهمه التعبير بالمضارع في "يقول" من التكرير بقوله استئنافاً: {ينادونهم} أي المنافقون والمنافقات، يواصلون النداء وهم في الظلمة للذين آمنوا يترفقون لهم في مدة هذا القول والضرب: {ألم نكن} أي بكليتنا {معكم} أي فيما كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الدين الذين كنا معكم فيه {قالوا} أي الذين آمنوا {بلى} قد كنتم معنا {ولكنكم فتنتم} أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون {أنفسكم} فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه من أصل الفطرة من الاستقامة، تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة لتخلصوا فيه من الشكوك فتخلصوا، فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم أيضاً الأمور التي كنتم تفتنون بها من الشهوات، فأوجبتهم لكم الإعراض عن المعالي الباطنات {وتربصتم} أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة الأولى فأمهلتم وانتظرتم لتروا الأمر عياناً أو لم تفعلوا كما فعلنا من الإيمان بالغيب وترك التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا بتقصيرنا، وكنا كلما حصل لنا ما يزلزل نقول: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ولا يزيدنا ذلك إلاّ إيماناً وتسليماً وانتظرتم أيضاً الدوائر بأهل الإيمان لتظهروا النفاق {وارتبتم} أي شككتم بتكليف أنفسكم الشك بذلك التربص {وغرتكم الأماني} أي ما تتمنون أي تريدون وتقدرون من الإرادات التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة التي لا سبب لها غير شهوة النفس إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء {حتى جاء أمر الله} أي قضاء الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفوء له ولا خلف لقوله من الموت ومقدمات من الأمور الدهشة، فكما كنتم في الدنيا مقصرين كنتم في هذا الموطن {وغركم بالله} أي الملك الذي له جميع العظمة، فهو بحيث لا يخلف الميعاد وهو الولي الودود {الغرور} أي من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان وهو العدو الحسود، فإنه ينوع لكم بغروره التسويف ويقول: إن الله غفور رحيم وعفو كريم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنه وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا، فلا يزال حتى يوقع الإنسان، فإذا أوقع واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى، فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده. ولما أقروا لهم بالكون الجامع، وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن لا كون، سببوا عنه قولهم: {فاليوم} أي بسبب أفعالكم تلك {لا يؤخذ} بناء للمفعول لأن الضار عدم الأخذ لا كونه من آخذ معين وليفيد سد باب الأخذ مطلقاً {منكم فدية} أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو للنفس على أي حال من قلة أو كثرة أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لإنقاذ أنفسكم. ولما كانوا مكذبين أكد فقال: {ولا من الذين كفروا} أي أظهروا كفرهم ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر. ولما كان كأنه قيل: فأين نكون؟ قال: {مأواكم} أي منزلكم ومسكنكم ومجمعكم {النار} لا مقر لكم غيرها، تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على الشهوات، وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات، وأكد ذلك بقوله: {هي} أي لا غيرها {مولاكم} أي قرينتكم وموضع قربكم ومصيركم وناصركم على نحو "تحية بينهم ضرب وجيع" فهي أولى لكم، لا قرب لكم إلى غيرها، ولا غيرها مولى ولا مصير إلى سواها ولا ناصر إلا هي. ولما كان التقدير: فبئس المولى هي، عطف عليه قوله: {وبئس المصير *} أي هذه النار التي صرتم إليها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ...} [الآية: 13]. قال القاسم: أنوار المؤمن سبعة نور الطبع ونور النفس ونور العلم ونور الهداية ونور التوفيق ونور الاستقامة ونور الوقوف بين يدى الله. قوله تعالى: {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} [الآية: 13]. قال سهل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً بعقولكم الذى كنتم تدبرون به أموركم فى الدنيا فيرجعون إلى ورائهم فيضرب الله بين أنفسهم وعقولهم بسترة الحيرة فلا يصلون إلى هدى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. انتظرونا فنلحق بكم لنقتبسَ من نوركم. وذلك لأن المؤمنين والمنافقين يُعْطَوْن كُتُبهم وهم في في النور، فإذا مَرُّوا... انطفأ النور أمام المنافقين وسَبقَ المؤمنون، فيقول المنافقون للمؤمنين: انتظرونا حتى نقتبسَ من نوركم. فيقول المؤمنون: {قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}. أي إلى الدنيا وأَخلِصوا! - تعريفاً لهم أنهم كانوا منافقِين في الدنيا. ويقال: ارجعوا إلى حُكْم الأزلِ فاطلبوا هذا من القِسْمة!- وهذا على جهة ضربِ المَثل والاستبعاد. {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ}. {بِسُورٍ}: وهو جَبَلُ أصحاب الأعراف، يستر بينهم وبين المنافقين، فالوجهُ الذي بلي المؤمن فيه الرحمة وفي الوجه الآخر العذابُ. قوله جلّ ذكره: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ}. ألم نكن معكم في الدنيا في أحكام الإيمان في المناكحة والمعاشرة؟. قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم. {وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}. تربصتم عن الإخلاص، وشككتم، وغرَّكم الشيطان، وركنتم إلى الدنيا.
اسماعيل حقي
تفسير : {يوم يقول المنافقون والمنافقات} بدل من يوم ترى {للذين آمنوا} اى اخلصوا الايمان بكل مايجب الايمان به {انظرونا} اى انتظرونا يقولون ذلك لما ان المؤمنين يسرع بهم لى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم وهؤلاء مشاة او انظروا الينا فانهم اذا انظروا اليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بالنور الذى بين أيديهم فانظرونا على هذا الوجه من باب الحذف والايصال لان النظر بمعنى الابصار لايتعدى بنفسه وانما انظار لهم وامهال {نقتبس من نوركم} اى نستضىء منه ونمش فيه معكم واصله اتخاذ القبس وهو محركة شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس قال الراغب القبس المتناول من الشعلة والاقتباس طلب ذلك ثم لطلب العلم والهداية قال بعضهم النار والنور من اصل واحد وهو الضوء المنتشر يعين على الابصار وكثير مايتلا زمان لكن النار متاع للمقوين فى الدنيا والنور متاع لهم فى الدنيا والآخرة ولاجل ذلك استعمل فى النور الاقتباس وقيل نقتبس من نوركم اى نأخذ من نوركم قبسا سراجا وشعلة وقيل ان الله يعطى المؤمنين نورا على قدر اعمالهم يمشون به على الصراط ويعطى المنافقين ايضا نورا خديعة لهم وهو قوله تعالى {أية : وهو خادعهم}تفسير : فبينما هم يمشون اذ بعث الله ريحا وظلمة فأطفأ نور المنافقين فذلك قوله {أية : يوم لايخزى الله النبى والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا اتمم لنا نورنا}تفسير : مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين وقال الكلبى بل يستضىء المنافقون بنور المؤمنين ولايعطون النور فاذا سبقهم المؤمنون وبقوا فى الظلمة قالوا للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم {قيل} طردا لهم وتهكما بهم من جهة المؤمنين او من جهة الملائكة {ارجعوا ورآءكم} الى الموقف {فالتمسوا نورا} اى فاطلبوا نورا فانه من ثمة يقتبس او الى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل مباديه من الايمان والاعمال الصالحة شعر : كارا اينجا كن تشوبشست در محشر بسى آب از بنجا بركه درعقبى بسى شور وشرست تفسير : وروى عن ابى امامة الباهلى رضى الله عنه انه قال بينا العباد يوم القيامة عند الصراط اذ غشيهم ظلمة يقسم الله النور بين عباده فيعطى الله المؤمن نورا ويبقى المنافق والكافر لايعطيان نورا فكما لايستضىء الاعمى بنور البصير لايستضىء الكافر والمنافق بنور المؤمن فيقولون انظرونا نقتبس من نوركم فيقولون لهم ارجعوا حيث قسم النور فيرجعون فلا يجدون شيأ فيرجعون وقد ضرب بينهم بسور او ارجعوا خائبين خاسئين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر وقد علموا أن لانور ورآءهم وانما قالوه تخييبا لهم او أردوا بالنور ماورآءهم من الظلمة الكثيفة تهكما بهم وقال بعض أهل الاشارة كأن استعداداتهم الفطرية الفائتة عنهم تقول بلسان الحال ارجعوا الى استعدادتكم الفطرية التى أفسدتم بحب الدنيا ولذاتها وشهواتها واقتبسوا منها نورا اذا ماتصلون الى مطلوباتكم الا بحسب استعداداتكم وهى فائتة عنكم باشتغالكم بالامور الدنيوية واعراضكم عن الاحكام الاخروية والتوجهات المعنوية {فضرب بينهم} اى بين الفريقين وهم المؤمنون والمنافقون يعنى ملائكة بحكم الهى بزنند، ولما كان البناء مما يحتاج الى ضرب باليد ونحوها من الآلات عبر عنه بالضرب ومثله ضرب الخيمة لضرب اوتادها بالمطرقة {بسور} اى حائط بين شق الجنة وشق النار فان سور المدينة حائطها المشتمل عليها والباء زآئدة وبالفارسية ديوارى نزديك جون باره شهرى، قال بعضهم هو سور بين أهل الجنة والنار يقف عليه اصحاب الاعراف يشرفون على اهل الجنة واهل النار وهو السور الذى يذبح عليه الموت يراه الفريقان معا {له} اى لذلك السور {باب} يدخل فيه المؤمنون فيكون السور بينهم باعتبار ثانى الحال اعنى بعد الدخول لاحين الضرب {باطنه} اى باطن السور او الباب {فيه الرحمة} لانه يلى الجنة {وظاهره من قبله} اى من جهته وعنده {العذاب} لانه يلى النار وقال بعضهم هو سور بين القدس الشرقى باطنه فيه المسجد الاقصى {وظاهره من قبله العذاب} وهو واد يقال له وادى جهنم وكان كعب يقول فى الباب الذى يسمى باب الرحمة فى بيت المقدس انه الباب الذى قال الله {فضرب بينهم بسور له باب} الآية يعنى ان هذا الموضع المعروف بوادى جهنم موضع السور قال ابن عطية وهذا القول فى السور بعيد يعنى بل المراد بالسور الاعراف، يقول الفقير لابعد فيه بالنسبة الى من يعرف الاشارة وقد روى ان عبادة قام على سور بيت المقدس الشرقى فبكى فقال بعضهم مايبكيك يا أبا الوليد فقال ههنا اخبرنا رسول الله عليه السلام انه رأى جهنم وفى الحديث "حديث : بيت المقدس ارض المحشر والمنشر" تفسير : فيجوز أن يكون الموضع المعروف بوادى جهنم موضع السور على انه سور الاعراف بعينه لكن على كيفية لايعرفها الا الله لانه تبدل الارض غير الارض يوم القيامة وقد صح ان مواضع العبادات تلتحق بأرض الجنة فلا بعد فى أن يكون المسجد الاقصى من الجنة وخارجة من النار وبينهما السور
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ حمزة: "انْظِرونا"، بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء، من "النَظِرَة"، وهي: الإمهال. أطلق على الإيطاد والتبطّي في المشي إلى أن يدرك المتأخر المتقدم. وقرأ الباقون: "انْظُرونا" بهمزة الوصلة المضمومة، أي: انتظرونا، لأنهم كالبروق الخاطفة مسروع بهم على ركاب تذف، وهؤلاء مشاة حفاة بطيئو السير، أو انظروا إلينا لنستقبلكم بوجوهكم فنستضيء بكم، لأن النور قدّامهم فيحصل الاقتباس من نورهم عند المواجهة. وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب: "لا تؤخذ منكم" بالتاء لتأنيث الفاعل، وقرأ الباقون بالياء، للفصل الواقع بين الفعل والفاعل، ولأنّ التأنيث غير حقيقي. وقرئ: "الغُرور" بضم الغين، معناه الاغترار - بتقدير المضاف، أي وغرتكم بالله سلامة الاغترار، أي سلامة حالكم مع اغتراركم. وقال الزجّاج: الغرور: كل ما غرّ من متاع الدنيا. وقوله: "يقول" بدل: من: "يوم ترى"، يعني: ذلك اليوم، يومَ يقول أهل النفاق للذين آمنوا ظاهراً وباطناً: "انْظُرونا نستضيء بنوركم ونبصر الطريق فنتخلص من هذه الظلمات"، لان المنافقين إذا خرجوا من قبورهم اختلطوا فيمشون في نورهم، فيسرع المؤمنون بقوة إيمانهم، فيتباعد المنافقون عنهم بالتخلف، فيقطع أثر نورهم عنهم. قيل ارجعوا وراءكم: القائل: إما المؤمنون، أو الملائكة الهادون لهم. ارجعوا إلى الموقف خلفكم فالتمسوا هنالك النور حيث أُعطيناه، فمن ثم يقتبس ويحمل، فيرجعون فلا يجدون نوراً لظنهم أنهم أخذوا النور من موضع هناك، ولا يعلمون أن هذا النور يُكتسب في الدنيا بتحصيل سببه - وهو الإيمان -، بل هذا النور وهو نفس الإيمان والمعرفة ليظهر إشراقه عند القيامة. وقولهم: "ارجعوا"، توبيخ في صورة الأمر، لاستحالة هذا الرجوع أو التناسخ. أو أمر بمعنى: تنحّوا عنا خائبين، فالتمسوا نوراً آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور. وهو إقناط وتخييب لهم، لأنهم يعلمون أن لا نور وراءَهم، ويحتمل أن تكون للمنافقين مرتبة ضعيفة من النور غير كافية للمشي إلى الجنة وهم يدعون الزيادة، فوقع المنع لهم من المؤمنين: أن ليس لكم إلا ما اكتسبتم من خلفكم - أي الدنيا - فارجعوا من هذا الاطّلاع على ما وراءكم فالتمسوا نوراً من عملكم واكتفوا به ضرورة، فيكون امراً تحقيقاً. فضُرب بينهم - أي بين الفريقين - بسور: والباء مزيدة - أي حجاب حائل بين شق الجنة وشق النار. وقيل: هو حائط بين الجنة والنار. وقيل: هو الأعراف. له باب - أي: لذلك السور باب، وقيل: أي طريق لاهل الجنة يدخلون إليها. باطن السور أو الباب الذي يلي الجنة، فيه الرحمة، وظاهره الذي يظهر لاهل النار - من قِبَله - أي من عنده ومن جهته، العذاب، وهو الظلمة والنار. ينادونهم - أي: ينادى المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا والمنازل والمساجد نصلّي كما تصلّون ونصوم كما تصومون - بناء على أنّهم وافقوا المؤمنين في الأعمال الظاهرة من الصلاة والصيام وغير ذلك - قالوا بلى كنتم معنا في ظواهر الأعمال دون بواطن النيّات والمعارف - ولكنكم فتنتم أنفسكم - أي محّنتموها بالنفاق وأهلكتموها. وقيل أثمتم، وتربّصتم - أي: انتظرتم بالمؤمنين الدوائر، أو بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما قالوا: {أية : نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ}تفسير : [الطور:30]. وقيل دافعتم الأوقات بالإيمان بالله ورسوله على الإخلاص. وقيل: أخرتم التوبة، - وارتبتم - أي: شككتم في حقيقة الإسلام. أو في البعث، - وغرتكم الأماني - الكاذبة والآمال الطويلة، - حتى جاء أمر الله - وهو الموت وما بعده. - وغرّكم بالله الغَرور - أي: الشيطان، بأن الله لا يعذّبكم لأنه غفور كريم، ولم يفقهوا أن منشأ العذاب خسّة جوهرهم وقبح سريرتهم، أو الاغترار والطمع في الدرجات الأخروية من غير سبق عمل، كما حكى الله عن بعضهم: {أية : وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف:36]. - فاليوم لا يؤخذ منكم فدية - أي: ما يفتدى به، - ولا من المعلنين بالكفر، - هي موليـٰكم -، أي هي أولى بكم، كما في قول لبيد: شعر : فَغَدَت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفَها وأمامَها تفسير : أو: هي ناصركم، أي: لا ناصر لكم سواها. والمراد نفي الناصر على القطع. ومن هذا القبيل قوله تعالى: {أية : يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} تفسير : [الكهف:29]، ونحو قول العلماء: الحق تعالى موجود لذاته بذاته في ذاته. أي: لا لغيره ولا بغيره ولا في غيره. وقيل: تتولاكم كما تولّيتم في الدنيا وأعمال أهل النار. مكاشفة إعلم أن الدرجات الأخروية ودركاتها تتوزع على الحسنات والسيئات، فإن مبادئ أحوال الآخرة أحوال الدنيا، لأن الدنيا عبارة عن حالتك قبل الموت، والآخرة عبارة عن حالتك بعد الموت، وقدومِكَ إلى الله، فدنياك وآخرتك صفاتك وأحوالك، يسمى الداني منها "دنياً"، والمتأخر "آخرة"، وهما من جنس المضاف، يعرف مفهوم كل منهما مع الآخر، والانتقال من الأولى إلى الأخرى كالانتقال من المحسوس إلى المعلوم، ولهذا المعنى قيل: "مَنْ فَقَدَ حِسّاً فَقَدَ عِلْماً". فالآخرة نشأة علميّة، وكما أن في هذا اليوم المعلومُ غائبٌ، والمحسوسُ حاضرٌ، ففي يوم الآخرة على عكس ذلك، يتجلّى الغائب ويخفى الظاهر، لأنها {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ}تفسير : [الطارق:9]، ونحن الآن نتكلم في هذه النشأة الدنيا الحسية من النشأة الأخرى العلمية، ولا يتصور شرح النشأة العلمية لمن هو في عالم المحسوس - من حيث هو في عالم المحسوس - إلاَّ بمثال، فإن من تفطّن بالعقليات فهو إنما يعقلها من حيث كونه في عالم المعقول، كما قال الله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت:43]. وما ذاك لأن هذا العالم نوم بالإضافة إلى ذلك العالم، كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا . تفسير : وما سيكون في اليقظة لا يتبيّن في النوم إلاّ بضرب الأمثال المحوجة إلى التعبير، وكذا ما سيكون في يقظة الآخرة، لا يتبيّن في نوم الدنيا إلاّ في كسوة الأمثال على طرز ما يثبت في علم التعبير، فإن التعبير من أوّله إلى آخره أمثلة، فيعرفك ممارسة ذلك العلم طريق ضرب الأمثال. وليس للأنبياء (عليهم السلام) أن يتكلموا مع الخلق إلاَّ بضَرْب الأمثال، لأنهم كلّفوا أن يكلّموا الناس على قدر عقولهم لأنهم في حالة النوم، والنائم لا يكشف له شيء إلاَّ بمَثَل، فإذا ماتوا انتبهوا وعرفوا أن المثل صادق. وإنما يعنى بالمثل أداء المعنى في صورةٍ إن نُظر إلى معناه وُجِدَ صادقاً، وإن نُظِر إلى صورته وُجد كاذباً. فإذا تقرر هذا فنقول: هذه الآية مثال يوضح به سوء عاقبة حال أهل النفاق، ووخامة مآل المغرورين من الجهّال، المتشبّهين بأصحاب الكمال، فإنهم باشتغالهم بظواهر الأعمال الحسنة الممدوحة عند الجمهور - كمدارسة العلوم وفعل الطاعات -، ظنّوا أنفسهم علماء أخياراً، وهم مع ذلك من الحمقى الأشرار، وهم عند أنفسهم من المقرّبين، وفي نفس الأمر من الفجّار المنافقين، والله يشهد أنهم لكاذبون. وذلك لأنهم لم يراقبوا قلوبهم، ولم يهذّبوا أعمالهم من الأغراض الدنيوية والشهوانية، فإذا انكشف الغطاء، وارتفع الاشتباه والمغالطة، ظهر أن قلوبهم من أنوار المعرفة خلاء، وأيديهم من آثار الهداية صفر، وهم في ظلمة الجهل والاغترار مغروقون، وفي مضائق عالم الجهل محبوسون، لا ينكشف لهم من طريق الحق موضع قدم لفقد نور البصيرة عنهم أصلاً، ولا في باطنهم قوة السلوك إليه رأساً. وذلك لعدم قصد منهم وتوجّه لهم شطر الحق خالصاً، أما الإدراك: فلم يدركوا إلاّ اعتقادات موروثة تعصبية مبتنية على أغراض نفسانية، فرسخت في قلوبهم وصارت مسامير مؤكدة، لان طبائعهم كانت أليفة إليها في مبادئ النشوء أنيسة بها، وقد أخذوها من معلّميهم بحسن الظن في أول التعاليم، فصارت حجاباً لهم عن إدراك الحقائق الحقة، فبقوا في ظلمة شديدة ولا أوحش منها. وأما العمل: فإنه فرع العلم، فمتى لم يكن المعبود في التصوّر معبوداً حقاً، لم تكن العبادة له عبادة للحق، فلم ينتج ذهاباً إليه وقرباناً منه. فنقول: قوله سبحانه: انْظُرونا نقتبس من نوركم - مثال لحال بعض المتشبهين بالعلماء من أهل الظاهر، حيث انتبه قليلاً في آخر أمره عند خمود حرارة الشهوات والأغراض الدنيوية، وانطفاء أنوار الحواس، وفتور القوى، على فقدان نور المعرفة، وبرد اليقين في قلبه، ومع ذلك مغرور من جهة أنه يظن أنه بأدنى اشتغال إلى التعلم، وطلب استفاضة أنوار المعارف من حامليها من المعلّمين على الحقيقة، يصير ذا علم ومعرفة ونور عقليّ، فيتوجه نحو المؤمنين حقيقة والعلماء حقّاً، فيخاطبهم ويأمرهم بالتوجه إليه والإلتفات نحوه قائلاً: انْظُرونا نقتبس من نوركم - ظناً منه أن ذلك منّة عليهم، لأنه من جملة المعتبرين عند نفسه وعند بعض الحمقى الجاهلين. فالعلماء حقاً، لحسن إرشادهم وغاية إشفاقهم على أمثاله من الناقصين، يهدونهم طريق السلوك إلى الحق، ويرشدونهم إلى كيفية استفاضة المعارف قائلين: إن لكل مسألة من المسائل الإلهية والأسرار الناموسية مبادئ ومقدمات، لا يمكن التفطن إلى تلك المسألة إلاَّ بعد تفطنها، سواء كان بحدس وحركة سريعة - كما هي طريقة الأنبياء والأولياء وذوي الأبصار -، أو بفكر وحركة بطيئة - كما هي طريقة العلماء والنّظار وأولي الاعتبار -، وقبل الخوض في العقليات واستحصالها، يجب الاشتغال بعلم اللغة، والنحو، والصرف، وعلم الأخلاق، وعلم الحلال والحرام، ومن لم يحصّل شيئاً منها على وجهه مع نيّة صادقة واخلاص في العمل، لا يمكنه الدخول في فقه الأسرار وعلم الأنوار، لقوله تعالى: {أية : وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}تفسير : [البقرة:189] فقوله تعالى: {أية : قِيلَ ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} تفسير : [الحديد:13]، إشارة إلى هذا الحال. ومن هذا القبيل، ما حكاه الله سبحانه عن حال الجاهلين المغرورين من أصحاب النار، وامتناع استفاضتهم المعارف من المعلمين والرؤساء الذين هم من أصحاب الجنة بقوله سبحانه: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف:50]، أي من ماء المعارف الإلهية التي تكون بها الحياة الأخروية العقلية، أو شيء من سائر العلوم العقلية التي رزقها الله للعلماء مزيداً لكمالهم وحالهم: {أية : قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ * ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأعراف:50 - 51]. ومثال هذه الحكاية: أن رجلاً شيخاً من الجهّال كان بليداً في أصل الفطرة، فاشتغل في أيام عمره بشيء من العلوم التي لا تسمن ولا تغني، ثم تصدّى للأمور الدنيوية كالقضاء وتولية الأوقاف وغيرهما من الأعمال التي يتقلدها المتشبهين بأهل العلم في أكثر الأزمان - من غير استئهال -، وهذا الشيخ الجاهل البليد، لم يتعلم أيضاً من المقدمات شيئاً يعوّل عليه في اكتساب العلوم اليقينية، ولم يمارس المقاصد الإلهية أصلاً، فيقول لعالم رباني ارتاضت نفسه بفنون من العلوم العقلية وغيرها: "أفِض على قلبي دقائق علومك الإلهية"، فيقول: "إن الله حرمه على الجاهلين". معناه: ان الاستعداد لقبوله، إنما يكتسب بذكاء أصلي وممارسة طويلة، بعد تعلّم ما يتوقف عليه من العلوم الأدبية وغيرها، مع اخلاص في النيّات، وتنزّه عن الفحشاء والمنكر والبغي - من الأغراض الشهوية والغضبية والشيطانية -، وإذا بطل الاستعداد وفاتت المناسبة الأصلية فاستحالت الاستفاضة وحَرُمت، كما يستحيل إفاضة العلوم العقلية على أجسام البهائم والسباع التي لا شغل لها سوى طاعة الشهوة والغضب التي أمرت نفوسها، لأن الناطقة التي خدمت القوة الشهوية، منزلتها منزلة أبدان البهائم المطيعة لنفوسها، بل أنزل منها رتبة - كما بينّاه في تفسير قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179]. وأما قوله تعالى: فضُرِب بينهم بسور له باب - إلى آخره -؛ فهو مثال لصورة الشريعة الحقة التي ظاهرها حصن يحرس الناس عن المقاصد والأعمال القبيحة، والعقائد الباطلة، ومن تَطَرّق إغواء المضّلين والشياطين من أهل البدع والمذاهب الجاهلية. وباطنها أسرار حقة وأنوار محضة، بها يصل العبد إلى رحمة الله ورضوانه، فالشريعة سوط الله بها يسوق عباده إلى رضوانه، فمن نظر إلى صورة السوط الذي هو لأجل تأديب المستعدين، لم ير منه إلاَّ أنه عذاب اليم، ومن نظر إلى الغرض المكمون في باطنه يعلم أنه محض الشفقة. وكذا من اغترّ بظواهر الشريعة من غير تدبّر في أسرارها وبواطنها، لم ير فيها إلاَّ تعب الجوارح ورياضة الجسد الموجب لظلمة الإعياء، لا سير الفكر الموجب لزيادة النور في قلوب العقلاء، فيثقل عليه حملها والعمل بها، لعدم اطّلاعه على المقصود منها. أَوَ لاَ تَرَى إلى الصلاة {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}تفسير : [البقرة:45] فإنها قرّة عيونهم، كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : جعل قرّة عيني في الصلاة ". شعر : ظاهرش برتن لئيمان بند باطنش بردل حكيمان بند تفسير : وأما قوله تعالى: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} [الحديد:14]: حكاية لحال المنافقين المغترّين بأعمالهم التي توافق أعمال المستبصرين في الصورة، إلاَّ أنها كانت مشحونة بأنواع الأغراض الشيطانية والشرك الخفي، من طلب الجاه والمنزلة عند الناس، والتفوّق على أهل الله بسبب التقرب إلى الظَلَمَة والأمراء، وتعجّبهم من تخلّفهم عن مراتب الرجال، وسلوكهم طريق الضلال مع توافقهم مع هؤلاء في الأفعال والأعمال. وقوله تعالى: {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} [الحديد:14] - إلى آخر الآية - كشف فضائحهم، وإيضاح أحوالهم، وهتك أستارهم، لان الآخرة يوم الحساب ويوم تُبلى السرائر. أي: جعلتم أنفسكم بسبب مباشرة تلك الأعمال ممتحنة بفنون الأغراض الدنيوية والمحن الشديدة حالاً أو مآلاً، كل ذلك طلباً للجاه الوهمي وتهالكاً على الترأس الخيالي والتبسط في البلاد، والشهرة عند العباد، وتربصتم الفساد والهلاك - ولو ضميراً - لمن خالفكم ولم يصدّقكم في آرائكم الباطلة، ولم يمكنكم في طلب الترفّع وإن كانوا على الحق، وأضمرتم النفاق والفساد لأهل الحكمة والمعرفة - وهم المؤمنون حقّاً -، وشكّكتم في دينكم منذ كنتم لتصادم الشكوك وتعارض الأدلّة التي لا يخلص منها إلا المخلصون - وهم على خطر عظيم وخوف ووجل شديد - وغرّتكم الآمال التي منشؤها ظواهر الأعمال، وغرّكم بالله الشيطان، وشركه وحبائله وخدعه وغروره، أكثرها يعتري المنتسبين إلى العلوم الدينية من غير تهذيب الباطن - عصمنا الله وإخواننا الصالحين حيثما كانوا -. وعلى ما ذكر يكون شديد المناسبة إليه.
الأعقم
تفسير : {يوم يقول المنافقون والمنافقات} يعني إذا رأى المنافقون نور المؤمنين يقولون لهم: {انظرونا نقتبس من نوركم} انظرونا بصلة الهمز وضم الظاء وهي قراءة نافع ومن تابعه، يعني اصبروا لنا، فأما بكسر الظاء وقطع الألف وهي قراءة حمزة أمهلونا لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ركاب على نوق تزف بهم وهؤلاء مشاة، أو انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به {قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} طرداً لهم وتهكم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوا نوراً هناك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نوراً وهو أنه لا سبيل إليه وإنما قالوه توبيخاً {فضرب بينهم بسور} الباء صلة وهو حاجز بين الجنة والنار يعني بين المؤمنين والمنافقين بحائط حيل من شق الجنة وشق النار، وقيل: هو الأعراف، ولذلك السور {باب} لأهل الجنة يدخلون فيه {باطنه} باطن السور والباب وهو الشق الذي يلي الجنة {وظاهره} ما ظهر لأهل النار {من قبله} من عنده ومن جهته {العذاب} وهو الظلمة والنار فيقول المنافقون عند ذلك للمؤمنين {ينادونهم ألم نكن معكم} في الدنيا نصلي ونصوم ونوافقكم في الدين {قالوا} يعني المؤمنين {بلى} كنتم معنا في الظاهر {ولكنكم فتنتم أنفسكم} بالمعاصي، وقيل: أهلكتم أنفسكم بالنفاق {وتربّصتم} انتظرتم بالرسول والمؤمنين الدوائر {وارتبتم} شككتم في الدين {وغرّتكم الأماني} أي ما كنتم تمنون من الباطل، وقيل: غركم طول الأمال، وقيل: الأماني الكاذبة في الخلاص من الرسول بهلاكه وإبطال {حتى جاء أمر الله} أي كنتم على ذلك مصرّين حتى جاء الموت {وغرّكم بالله الغرور} الشيطان، وقيل: الدنيا، وقيل: علماء السوء {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} أي بدل {مأواكم النار هي مولاكم} أي مصيركم {وبئس المصير} {ألم يأن} من أنى الأمر إذا جاء أناه، أي وقته، وقيل: نزلت الآية في المنافقين الذين أظهروا الاسلام وأسرُّوا الكفر، وقيل: نزلت في المؤمنين عن ابن مسعود لما سألوا أن يحدثهم وكرروا نزلت، وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، {أن تخشع قلوبهم لذكر الله} القرآن والمواعظ {وما نزل من الحق} القرآن {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} يعني اليهود والنصارى {فطال عليهم الأمد} الجزاء، وقيل: ما بين زمانهم وزمان موسى، وقيل: زمان أنبياءهم، وقيل: الأمد الآخرة {فقست قلوبهم} واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره {وكثير منهم فاسقون} وهم الذين كفروا بعيسى ومحمد، وقيل: الذين حرفوا الكتاب {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} أي يحييها بالنبات كذلك يحيي الموتى {قد بيَّنا لكم الآيات} الحجج على إثبات الصانع وصحة الإِعادة {إن كنتم تعقلون}.
الهواري
تفسير : {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} أهل التضييع والخيانة من أهل الإقرار {لِلَّذِينَ آمَنُوا} وهم على الصراط، يقولون للمؤمنين إذا طَفِىءَ نورُهم {انظُرُونَا} [أي: انتظرونا] {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}. وذلك أنه يعطى كل مؤمن وكل منافق نوراً على الصراط، فيطفأ نور المنافقين ويبقى نور المؤمنين، فيقول المنافقون للمؤمنين {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} ويَحْسَبون أنه قبس كقبس الدنيا إذا طفئت نار أحدهم اقتبس فقال لهم المؤمنون، وقد عرفوا أنهم منافقون {ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} أي إلى الدنيا {فَالْتَمِسُواْ نُوراً} أي: فمن ثَمَّ يكسب الإيمان الذي هو نور. فرجعوا وراءهم فلم يجدوا شيئاً. فهنالك أدركتهم خدعة الله. وخدعة الله إياهم قوله: (أية : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) تفسير : [النساء:142]. ذكروا عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... أعطى كل إنسان مؤمن ومنافق نوراً، وتغشى ظلمة معهم المنافقين على جسر جهنم، فيه كلاليب وحسك يأخذون من شاء الله. ثم يطفأ نور المنافقين وينجو نور المؤمنين. وينجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفاً لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوإ نجم في السماء أضاء. ثم كذلك [حتى] ينجو آخر زمرة. وبلغنا أن النور الذي يعطى المؤمنون على قدر أعمالهم فيجوزون الصراط على قدر أعمالهم كالبرق وكالريح وكجواد الخيل وكجواد البهائم. ويسعى الرجل سعياً، ويمشي مشياً، وتزل قدم وتستمسك أخرى، ولا يجاوز نور أحدهم قدميه. وبعضهم يزحف زحفاً، وبعضهم يتلبّط على بطنه. وقال الكلبي في الذي يزحف زحفاً: هم الذين {يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَآ}. قوله عز وجل: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ} تفسير مجاهد: السور: الأعراف. {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ} أي: الجنة {وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ} أي: النار. قال بعضهم: بلغنا أنه جبل أُحُد. قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أحد جبل يحبنا ونحبه. وإنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار ويحبس عليه أقوام يعرفون بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة . تفسير : وتفسير الحسن: إن السور فصل بين الجنة والنار. وبلغنا أن أصحاب الأعراف يميل بهم الصراط مرة إلى الجنة ومرة إلى النار، ثم يصيرون إلى الجنة؛ وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد فسّرنا أمرهم في سورة الأعراف.
اطفيش
تفسير : {يَوْمَ} بدل يوم {يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ} هم من ضيع العمل واتى بالقول عندنا ومن أسر الشرك عند غيرنا. {لِلَّذِينَ آمَنُوا} عملوا بمقتضى الايمان {انظُرُونَا} انتظرونا {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} نأخذ القبس منه يحسبون أنه كقبس الدنيا اذا اطفى جدد وذلك أنه يسرع بهم الى الجنة كالبرق الخاطف أو المراد انظروا الينا ليستقبلوهم بوجوههم فيسضيئون بنورهم لانه بين أيديهم وبايمانهم بحيث لا يضيء للمنافقين قيل: تغشى الناس ظلمة عظية فيعطى المؤمن نوراً بقدر عمله ويعطى المنافق نوراً خديعة كخدعة في الدنيا فيبعث الله ريحاً فتطفىء نوره ويقول انظرونا وقيل: لا يعطى المنافق نوراً بل يستضىء بنور المؤمن ثم يفوته فيقول انظرونا يطمع المنافقون في شيء من أنوار المؤمنين جهلا لان النور نتيجة الاعمال في الدنيا وهم لم يقدموها. قال الحسن: يلقى من حجر جهنم وكلاليبها وحسكها على الطريق ثم تمضي زمرة نور وجه كل واحد كالقمر ليلة التمام سبعون ألفا لا يحاسبون ثم زمرة كأضواء كوكب ثم كذلك تغشاهم ظلمة تطفىء نور المنافقين وأولى من ابدال يوم من يوم تعليقه بالفوز أو بالعظيم أو بمحذوف خبر ثان أو حال من الفوز أو من ضمير الوصف أو بمحذوف معرفة نعت للفوز لان ظهور المرء يوم خمول عدوه ابدع وافخم أي يفوز المؤمنون أي ينجون من النار الى الجنة والرضوان والامان يوم يعتري المنافقين ضد ذلك ويجوز تعليقه باذكر محذوفا والقبس الشعلة من النار أو من السراج وقرأ حمزة انظرونا بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الضاء من الانظار وهو التأخير. {قِيلَ} أي قال المؤمنون وقيل الملائكة والاولى لابن عباس {ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُوراً} طرد لهم وتهكم بهم وتخييب واقناط أي ارجعوا الى الموقف حيث اعطينا النور فالتمسوا النور فيه فمنه يقتبس فيرجعون ولا يجدون شيئاً فادركتهم خدعة الله أو ارجعوا الى الدنيا فالتمسوا نوراً لتحصيل بسببه وهو الايمان أو ارجعوا عنا خائبين فالتمسوا نوراً اخر فلا سبيل لكم الى هذا ووراء متعلق بارجعوا مؤكد وقد يقال لا توكيد لان الرجوع قد يكون الى غير وراء مثل أن يكون إنسان في موضع وينصرف عنه إلى موضع آخر ثم ينصرف عن الآخر إلى جهة. فافهم ويصح أن يكون وراءكم اسم فعل بمعنى تأخروا وإذا رجعوا حجز بينهم كما قال {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ} أي بين المؤمنين والمنافقين بحائط بين الجنة والنار قيل: هو الاعراف وعليه مجاهد وقيل: جبل أحد، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أُحداً جبل يحبنا ونحبه وأنه يمثل يوم القيامة بين الجنة والنار ويحبس عليه اقوام يعرفون بسيماهم هم إن شاء الله من أهل الجنة"تفسير : وقيل: أن أصحاب الاعراف يميل بهم الصراط مرة الى الجنة ومرة الى النار ثم يصيرون الى الجنة، قال ابو أمامة الباهلي إذا رجعوا الى موضع اقتسام النور فلم يجدوا رجعوا الى المؤمنين فيجدون السور مضروباً. {لَّهُ بَابُ} يدخله المؤمنون {بَاطِنُهُ} أي باطن السور أو الباب وهو مايلي الجنة {فِيهِ الرَّحْمَةُ} الجنة {وَظَاهِرُهُ} مايلي النار {مِن قِبَلِهِ} جهته {العَذَابُ} النار والظلمة للمنافقين وعن ابن عمر السور هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب واد في جهنم وعن كعب أن الباب هو باب الرحمة في بيت المقدس ونائب ضرب هو بينهم على قول من اجاز نيابة الظرف غير المتصرف ويبقى على نصبه أو بسور وهو أولى وعدي بالباء لتضمنه معنى الفصل وقال ابو البقاء الباء زائدة وسور نائب وقرىء بالبناء للفاعل فالباء للتعدية لتضمنه معنى الفصل أو زائدة في المفعول.
الالوسي
تفسير : / {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ } بدل من { أية : يَوْمَ تَرَى } تفسير : [الحديد: 12]، وجوز أن يكون معمولاً لاذكر. وقال ابن عطية: يظهر لي أن العامل فيه { أية : ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } تفسير : [الحديد: 12]، ويكون معنى الفوز عليه أعظم كأنه قيل: إن المؤمنين يفوزون يوم يعتري المنافقين والمنافقات كذا وكذا لأن ظهور المرء يوم خمول عدوه مضادة أبدع وأفخم، وتعقبه في «البحر» بأن ظاهره تقريره أن {يَوْمَ} منصوب بالفوز وهو لا يجوز لأنه مصدر قد وصف قبل أخذ متعلقاته فلا يجوز إعماله ولو أعمل وصفه وهو {ٱلْعَظِيمُ} لجاز أي الفوز الذي عظم أي قدره يوم انتهى، وفي عدم جواز إعمال مثل هذا المصدر في مثل هذا المعمول خلاف، ثم إن تعلق هذا الظرف بشيء من تلك الجملة خلاف الظاهر. {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱنظُرُونَا } أي انتظرونا {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به. وقيل: فيأخذوا شيئاً منه يكون معهم، تخيلوا تأتّي ذلك فقالوه، وأصل الاقتباس طلب القبس أي الجذوة من النار، وجوز أن يكون المعنى انظروا إلينا نقتبس الخ لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به فانظرونا على الحذف والإيصال لأن النظر بمعنى مجرد الرؤية يتعدى بإلى فإن أريد التأمل تعدى بفي لكن حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر؛ وقولهم: للمؤمنين ذلك لأنهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها، وروي أنه يكون ذلك على الصراط. وفي الآثار دلالة على أنهم يكون لهم نور فيطفأ فيقولون ذلك، أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط أطفأ الله نور المنافقين والمنافقات فقال المنافقون: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ}، وقال المؤمنون: {أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8] فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً تفسير : .وفي حديث آخر مرفوع عنه أيضاً ( حديث : إن نور المنافق يطفأ قبل أن يأتي الصراط ) تفسير : ، وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبـي فاختة يجمع الله تعالى الخلائق يوم القيامة ويرسل الله سبحانه على الناس ظلمة فيستغيثون ربهم فيؤتي الله تعالى كل مؤمن منهم نوراً ويؤتي المنافقين نوراً فينطلقون جميعاً متوجهين إلى الجنة معهم نورهم فبينما هم كذلك إذ أطفأ الله تعالى نور المنافقين فيترددون في الظلمة ويسبقهم المؤمنون بنورهم بين أيديهم فيقولون: {ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} الخبر، والأخبار في إيتاء المنافق نوراً ثم إطفائه كثيرة وليس في الآية ما يأباه. وقرأ زيد بن علي وابن وثاب والأعمش وطلحة وحمزة {أنظرونا } بقطع الهمزة وفتحها وكسر الظاء من النظرة وهي الإمهال يقال أنظر المديون أي أمهله، وضع {ٱنظُرُونَا } بمعنى المهلة وإنظار الدائن المديون موضع اتئاد الرفيق ومشيه الهوينا ليلحقه رفيقه على سبيل الاستعارة بعد سبق تشبيه الحالة بالحالة مبالغة في العجز وإظهار الافتقار، وقيل: هو من أنظر أي أخر، والمراد اجعلونا في آخركم ولا تسبقونا بحيث تفوتونا ولا نلحق بكم. وقال المهدوي: أنظرونا وانظرونا بمعنى وهما من الانتظار تقول العرب: أنظرته بكذا وانتظرته بمعنى واحد والمعنى امهلونا. {قِيلَ } القائلون على ما روي عن ابن عباس المؤمنون، وعلى ما روي عن مقاتل الملائكة عليهم السلام. {ٱرْجِعُواْ وَرَاءكُمْ } قال ابن عباس: أي من حيث جئتم من الظلمة أو إلى المكان الذي قسم فيه النور على ما صح عن أبـي أمامة {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً } هناك، قال مقاتل: هذا من الاستهزاء بهم كما استهزءوا بالمؤمنين / في الدنيا حين قالوا { أية : آمَنَّا } تفسير : [البقرة: 14] وليسوا بمؤمنين، وذلك قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] أي حين يقال لهم {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً}، وقال أبو أمامة: يرجعون حين يقال لهم ذلك إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور وهي خدعة الله تعالى التي خدع بها المنافقين حيث قال سبحانه: { أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142]، وقيل: المراد ارجعوا إلى الدنيا والتمسوا نوراً أي بتحصيل سببه وهو الإيمان أو تنحوا عنا والتمسوا نوراً غير هذا فلا سبيل لكم إلى الاقتباس منه، والغرض التهكم والاستهزاء أيضاً. وقيل أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة الكثيفة تهكماً بهم وهو خلاف الظاهر، وأياً مّا كان فالظاهر أن {وَرَآءَكُمْ} معمول لارجعوا. وقيل: لا محل له من الإعراب لأنه بمعنى ارجعوا فكأنه قيل: ارجعوا ارجعوا كقولهم: وراءك أوسع لك أي ارجع تجد مكاناً أوسع لك. {فَضُرِبَ بَيْنَهُم } أي بين الفريقين، وقرأ زيد بن علي وعبيد بن عمير {فَضَرْبَ } مبنياً للفاعل أي فضرب هو أي الله عز وجل {بِسُورٍ } أي بحاجز، قال ابن زيد: هو الأعراف، وقال غير واحد: حاجز غيره والباء مزيدة {لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ } أي الباب كما روي عن مقاتل أو السور وهو الجانب الذي يلي مكان المؤمنين أعني الجنة {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ } الثواب والنعيم الذي لا يكتنه {وَظَـٰهِرُهُ } الجانب الذي يلي مكان المنافقين أعني النار {مِن قَبْلِهِ } أي من جهته {ٱلْعَذَابَ } وهذا السور قيل: يكون في تلك النشأة وتبدل هذا العالم واختلاف أوضاعه في موضع الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس. أخرج عبد بن حميد عن أبـي سنان قال: كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم يعني المكان المعروف عند بيت المقدس فحدث عن أبيه أنه قال: وقد تلا قوله تعالى: {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } هذا موضع السور عند وادي جهنم، وأخرج هو وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله تعالى في القرآن {فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } هو سور بيت المقدس الشرقي {بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} المسجد {وَظَـٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ } يعني وادي جهنم وما يليه. وأخرج عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس الشرقي فبكى فقيل: ما يبكيك؟ فقال: هٰهنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم ولا يخفى أن هذا ونظائره أمور مبنية على اختلاف العالمين وتغاير النشأتين على وجه لاتصل العقول إلى إدراك كيفيته والوقوف على تفاصيله، فإن صح الخبر لم يسعنا إلا الإيمان لعدم خروج الأمر عن دائرة الإمكان، وأبو حيان حكى عمن سمعت. وعن كعب الأحبار أنه الجدار الشرقي من مسجد بيت المقدس واستبعده ثم قال: ولعله لا يصح عنهم.
ابن عاشور
تفسير : {يوم يقول} بدل من {أية : يوم ترى المؤمنين}تفسير : [الحديد: 12] بدلاً مطابقاً إذا اليوم هو عين اليوم المعرف في قوله: {أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم}تفسير : [الحديد: 12]. والقول في فتحة {يوم} تقدم في نظره قريباً. وعطف {المنافقات} على {المنافقون} كعطف {المؤمنات} على {المؤمنين} في الآية (12) قبل هذه. والذين آمنوا تغليب للذكور لأن المخاطبين هم أصحاب النور وهو للمؤمنين والمؤمنات. و{انظرونا} بهمزة وصل مضموماً، من نظره، إذا انتظره مثل نظر، إذا أبصر، إلا أن نظر بمعنى الانتظار يتعدّى إلى المفعول، ونظر بمعنى أبصر يتعدى بحرف (إلى) قال تعالى: {أية : وانظُر إلى العظام كيف ننشرها}تفسير : [البقرة: 259]. والانتظار: التريث بفعل مَّا، أي تريثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيءَ بالنور الذي بين أيديكم وبجانبكم وذلك يقتضي أن الله يأذن للمؤمنين الأولين بالسيْر إلى الجنة فَوجا، ويجعلُ المنافقين الذين كانوا بينهم في المدينة سائرين وراءهم كما ورد في حديث الشفاعة «حديث : وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها» تفسير : والمعنى: أنهم يسيرون في ظلمات فيسأل المنافقون المؤمنين أن ينتظروهم. وقرأ الجمهور {انظُرونا} بهمزة وصل وضم الظاء، وقرأه حمزة وحده بهمزة قطع وكسر الظاء، من أنظرهُ، إذا أمهله، أي أمهلونا حتى نلحق بكم ولا تعجلوا السير فينأى نوركم عنا وهم يحسبون أن بُعدهم عنهم من جراء السرعة. والاقتباس حقيقته: أخذ القَبَس بفتحتين وهو الجذوة من الحَمْر. قال أبو علي الفارسي: ومَجيء فَعلت وافتعلت بمعنىً واحد كثير كقولهم: شويتُ واشتويت، وحقَرت واحتقرت. قلت: وكذلك حفرت واحتفرت، فيجوز أن يكون إطلاق تقتبس هنا حقيقة بأن يكونوا ظنّوا أن النور الذي كان مع المؤمنين نور شُعلة وحسبوا أنهم يستطيعون أن يأخذوا قبساً منه يُلقى ذلك في ظنهم لتكون خيبتهم أشدَّ حسرة عليهم. ويجوز أن يستعار الاقتباس لانتفاع أحد بضوء آخر لأنه يشبه الاقتباس في الانتفاع بالضوء بدون علاج فمعنى {نقتبس من نوركم} نُصِب منه ونلتحق به فنستبرْ به. ويظهر من إسناد {قيل} بصيغة المجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين. وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكما إذ لا نور وراءهم وإنما أرادوا إطماعهم ثم تخييبهم بضرب السور بينهم وبين المؤمنين، لأن الخيبة بعد الطمع أشد حسرة. وهذا استهزاء كان جزاء على استهزائهم بالمؤمنين واستسخارهم بهم، فهو من معنى قوله تعالى: {أية : الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم}تفسير : [التوبة: 79]. و{وراءكم}: تأكيد لمعنى {ارجعوا} إذ الرجوع يستلزم الوراء، وهذا كما يقال: رجع القهقرى. ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل {التمسوا نوراً}، أي في المكان الذي خَلفكم. وتقديمه على عامله للاهتمام فيكون فيه معنى الإِغراء بالتماس النور هناك وهو أشد في الإِطماع، لأنه يوهم أن النور يُتناول من ذلك المكان الذي صدر منه المؤمنون، وبذلك الإِيهام لا يكون الكلام كذباً لأنه من المعاريض لاسيما مع احتمال أن يكون {وراءكم} تأكيداً لمعنى {ارجعوا}. وضمير {بينهم} عائد إلى المؤمنين والمنافقين. وضرب السور: وضعه، يقال: ضرب خيمة، قال عبدة بن الطيِّب:شعر : إن التي ضربتْ بيتاً مُهاجَرة بكوفةِ الجُند غالتْ ودَّها غُولُ تفسير : وضمن {ضُرب} في الآية معنى الحجْز فعدي بالباء، أي ضرب بينهم سورٌ للحجز به بين المنافقين والمؤمنين، خلقه الله ساعتئذ قطعاً لأطماعهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فَحَق بذلك التمثيل الذي مثّل الله به حالهم في الدنيا بقوله: {أية : مثَلهم كمثَل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} تفسير : في سورة البقرة (17). وأن الحيرة وعدم رؤية المصير عذاب أليم. ولعل ضرب السور بينهم وجعْلَ العذابِ بظاهره والنعيم بباطنه قصد منه التمثيل لهم بأن الفاصل بين النعيم والعذاب هو الأعمال في الدنيا وأن الأعمال التي يعملها الناس في الدنيا منها ما يفضي بعامله إلى النعيم ومنها ما يفضي بصاحبه إلى العذاب فأحد طرفي السور مثال لأحد العملين وطرفه الآخر مثال لضده. و "الباب" واحد وهو الموت، وهو الذي يسلك بالناس إلى أحد الجانبين. ولعل جعل الباب في سور واحد فيه مع ذلك ليمر منه أفواج المؤمنين الخالصين من وجود منافقين بينهم بمرأى من المنافقين المحبوسين وراء ذلك السور تنكيلاً بهم وحسرة حين يشاهدون أفواج المؤمنين يفتح لهم الباب الذي في السور ليجتازوا منه إلى النعيم الذي بباطن السور. وركَّب القصَّاصُون على هذه الآية تأويلات موضوعة في فضائل بلاد القُدس بفلسطين عَزوها إلى كعبٍ الأحْبارِ فسموا بعض أبواب مدينة القدس باب الرحمة، وسموا مكاناً منها وادي جهنم، وهو خارج سور بلاد القدس، ثم ركبوا تأويل الآية عليها وهي أوهام على أوهام. واعلم أن هذا السور المذكور في هذه الآية غير الحجاب الذي ذكر في سورة الأعراف. وضمائر {له باب} و{باطنه} و{ظاهره} عائدة إلى السور، والجملتان صفتان لــــ {سور}. وإنما عطفت الجملة الثالثة بالواو لأن المقصود من الصفة مجموع الجملتين المتعاطفتين كقوله تعالى: {أية : ثَيَباتٍ وأبكاراً}تفسير : [التحريم: 5]. والباطن: هو داخل الشيء، والظاهر: خارجه. فالباطن: هو داخل السور الحاجز بين المسلمين والمنافقين وهو مكان المسلمين. والبطون والظهور هنا نسبيان، أي باعتبار مكان المسلمين ومكان المنافقين، فالظاهر هو الجهة التي نحو المنافقين، أي ضُرب بينهم بسور يشاهِد المنافقون العذاب من ظاهره الذي يواجههم، وأن الرحمة وراء ما يليهم. و(قبل) بكسر ففتح، الجهةُ المقابلة، وقوله: {من قِبَلِه} خبر مقدم، و{العذاب} مبتدأ والجملة برمّتها خبر عن {ظاهره}. و{مِنْ} بمعنى (في) كالتي في قوله تعالى: {أية : إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة}تفسير : [الجمعة: 9] فتكون نظير قوله: {باطنه فيه الرحمة}. والعذاب: هو حرق جهنم فإن جهنم دار عذاب، قال تعالى: {أية : إن عذابها كان غَراماً}تفسير : [الفرقان: 65]. وجملة {ينادونهم} حال من {يقول المنافقون والمنافقات}. وضمائر {ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى} تعرف مراجعُها مما تقدم من قوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات} الآية. و{ألم نكن معكم} استفهام تقريري، استعمل كناية عن طلب اللحاق بهم والانضمام إليهم كما كانوا معهم في الدنيا يعملون أعمال الإسلام من المسلمين. والمعية أطلقت على المشاركة في أعمال الإسلام من نطق بكلمة الإسلام وإقامة عبادات الإسلام، توهموا أن المعاملة في الآخرة تجري كما تجري المعاملة في الدنيا على حسب صور الأعمال، وما دَرَوا أن الصور مُكملات وأن قِوامها إخلاص الإِيمان وهذا الجواب إقرار بأن المنافقين كانوا يعملون أعمالهم معهم. ولما كان هذا الإقرار يوهم أنه قول بموجَب الاستفهام التقريري أعقَبوا جوابهم الإِقراريّ بالاستدراك الرافع لما توهمه المنافقون من أن الموافقة للمؤمنين في أعمال الإسلام تكفي في التحاقهم بهم في نعيم الجنة فبينوا لهم أسباب التباعد بينهم بأن باطنهم كان مخالفاً لظاهرهم. وذكروا لهم أربعة أصول هي أسباب الخسران، وهي: فتنة أنفسهم، والتربص بالمؤمنين، والارتياب في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم والاغترار بما تُموِّه إليهم أنفسهم. وهذه الأربعة هي أصول الخصال المتفرعة على النفاق. الأول: فتنتهم أنفسهم، أي عدم قرار ضمائرهم على الإِسلام، فهم في ريبهم يترددون، فكأنَّ الاضطراب وعدم الاستقرار خُلُق لهم فإذا خطرت في أنفسهم خواطر خير من إيمان ومحبة للمؤمنين نقضوها بخواطر الكفر والبغضاء، وهذا من صنع أنفسهم فإسناد الفَتْن إليهم إسناد حقيقي، وكذلك الحال في أعمالهم من صلاة وصدقة. وهذا ينشأ عنه الكذب، والخداع، والاستهزاء، والطعن في المسلمين، قال تعالى: {أية : يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمُرِوا أن يكفروا به}تفسير : [النساء: 60]. الثاني: التربص، والتربص: انتظار شيء، وتقدم في قوله تعالى: {أية : والمطلقات يتربصن بأنفسهن}تفسير : [البقرة: 228] الآية. ويتعدى فعله إلى المفعول بنفسه ويتعلق به ما زاد على المفعول بالباء. وحذف هنا مفعوله ومتعلقه ليشمل عدة الأمور التي ينتظرها المنافقون في شأن المؤمنين وهي كثيرة مرجعها إلى أذى المسلمين والإضرار بهم فيتربصون هزيمة المسلمين في الغَزوات ونحوها من الأحداث، قال تعالى في بعضهم: {أية : ويتربص بكم الدوائر}تفسير : [التوبة: 98]، ويتربصون انقسام المؤمنين فقد قالوا لفريق من الأنصار يندّمونهم على من قتل من قومهم في بعض الغزوات {أية : لو أطاعونا ما قتلوا}تفسير : [آل عمران: 168]. الثالث: الارتياب في الدين وهو الشك في الاعتماد على أهل الإسلام أو على الكافرين وينشأ عنه القعود عن الجهاد قال تعالى: {أية : فهم في ريبهم يترددون}تفسير : [التوبة: 45] ولذلك كانوا لا يؤمنون بالآجال، وقالوا لإخوانهم: {أية : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا}تفسير : [آل عمران: 156]. الرابع: الغرور بالأماني، وهي جمع أمنية وهي اسم التمني. والمراد بها ما كانوا يمنون به أنفسهم من أنهم على الحق وأن انتصار المؤمنين عرض زائل، وأن الحوادث تجري على رغبتهم وهواهم، ومن ذلك قولهم: {أية : ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقون: 8] وقولهم: {أية : لو نعلم قتالاً لاتبعناكم}تفسير : [آل عمران: 167] ولذلك يحسبون أن العاقبة لهم {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}تفسير : [المنافقون: 7]. وقد بينتُ الخصال التي تتولد على النفاق في تفسير سورة البقرة فطبِّق عليه هذه الأصول الأربعة وألحق فروع بعضها ببعض. والمقصود من الغاية بــــ {حتى جاء أمر الله} التنديدُ عليهم بأَنهم لم يرعَوُوا عن غيهم مع طول مدة أعمارهم وتعاقب السنين عليهم وهم لم يتدبروا في العواقب، كما قال تعالى: {أية : أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر}تفسير : [فاطر: 37] وإسناد التغرير إلى الأماني مجاز عقلي لأن الأماني والطمع في حصولها سبب غرورهم وملابِسُه. ومَجيء أمر الله هو الموت، أي حتى يتمّ على تلك الحالة السيئة ولم تقلعوا عنها بالإِيمان الحق. والغاية معترضة بين الجملتين المتعاطفتين، ومن حق المؤمن أن يعتبر بما تضمنه قوله تعالى: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله} الآية، فلا يماطل التوبة ولا يقول: غداً غدا. وجملة {وغركم بالله الغَرور} عطف على جملة {وغرتكم الأماني} تحقيراً لغرورهم وأمانيهم بأنها من كيد الشيطان ليزدادوا حسرة حينئذٍ. والغَرور: بفتح الغين مبالغة في المتصف بالتغرير، والمراد به الشيطان، أي بإلقائه خواطر النفاق في نفوسهم بتلوينه في لون الحق وإرضاء دين الكفر الذي يزعمون أنه رضي الله {أية : وقالوا لو شاء الرحمٰن ما عبدناهم}تفسير : [الزخرف: 20]. ويجوز أن يراد جنس الغَارِّين، أي وغركم بالله أيمة الكفر وقادة النفاق. والتغرير: إظهار الضار في صورة النافع بتمويه وسفسطة. والباء في قوله: {بالله} للسببية أو للآلة المَجازية، أي جعل الشيطان شأن الله سبباً لغروركم بأن خَيّل إليكم أن الحِفاظ على الكفر مرضي لله تعالى وأن النفاق حافظتم به على دينكم وحفظتم به نفوسكم وكرامة قومكم واطلعتم به على أحوال عدوكم. وهذا كله معلوم عندهم قد شاهدوا دلائله فَمِنْ أجل ذلك فَرَّعوا لهم عليه قولَهم: {أية : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية}تفسير : [الحديد: 15]، قطعاً لطمعهم أن يكونوا مع المؤمنين يومئذٍ كما كانوا معهم في الحياة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 13- يوم يقول المنافقون والمنافقات للمؤمنين والمؤمنات: انتظرونا نُصِبْ بعض نوركم، قيل - توبيخاً لهم ارجعوا إلى حيث أعطينا هذا النور فاطلبوه، فضرب بين المؤمنين والمنافقين بحاجز له باب، باطن الحاجز الذى يلى الجنة فيه الرحمة والنعيم، وظاهر الحاجز الذى يلى النار من جهته النقمة والعذاب. 14- ينادى المنافقون المؤمنين: ألم نكن فى الدنيا معكم وفى رفقتكم؟ فيرد المؤمنون: بلى، كنتم معنا كما تقولون، ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق، وتمنيتم للمؤمنين الحوادث المهلكة، وشككتم فى أمور الدين، وخدعتكم الآمال. ووهمتم أنكم على خير حتى جاء الموت وخدعكم بعفو الله ومغفرته الشيطان. 15- فاليوم لا يقبل منكم ما تفتدون به أنفسكم من العذاب مهما أغليتم فى ذلك. ولا يقبل من الكافرين المعلنين كفرهم فدية كذلك، مرجعكم جميعاً النار. هى منزلكم الأوْلى بكم، وبئس المصير النار. 16- ألم يحن الوقت للذين آمنوا أن ترق قلوبهم لذكر الله والقرآن الكريم، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، عملوا به مدة فطال عليهم الزمن، فجمدت قلوبهم وكثير منهم خارجون عن حدود دينهم؟.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُنَافِقُونَ} {ٱلْمُنَافِقَاتُ} {آمَنُواْ} {ظَاهِرُهُ} (13) - وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ سَعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَاتَّبَعُوهُ وَنَجَوْا: انْتَظِرُونَا لِنَلْحَقَ بِكُمْ، وَنَقْتَبِسَ مِنْ نُورِكُمْ حَتَّى نَخْرُجَ مِنَ الظُّلْمَةِ التِي نَحْنُ فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُمْ: ارْجِعُوا مِنْ حَيْثُ أَتَيْتُمْ، وَاطْلُبُوا لأَِنْفُسِكُمْ نُوراً، فَلاَ سَبِيلَ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْتَبِسَ مِنْ نُورِ أَحَدٍ، فِي هَذَا اليَوْمِ، فَيَرْجِعُ المُنَافِقُونَ إِلَى حَيْثُ كَانُوا فَلاَ يَجِدُونَ شَيْئاً فَإِذَا أَرَادُوا العَوْدَةَ لِلِّحَاقِ بِالمُؤْمِنينَ، ضُرِبَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُنَافِقِينَ بِسُورٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الجَنَّةِ، التِي دَخَلَهَا المُؤْمِنُونَ، لِيَنْعَمُوا فِيهَا، وَبَيْنَ العَذَابِ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ تَعَالَى لِلْكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ لِيَذُوقُوهُ. انْظُرُونَا - انْتَظِرُونَا. نَقْتَبِسْ - نُصِبْ وَنَأْخُذْ وَنَسْتَضِىءْ. بِسُورٍ - بِحَاجِزٍ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ (الأَعْرَافِ).
الجيلاني
تفسير : ثمَّ عقب سبحانه وعد المؤمنين بوعيد المنافقين فقال أيضاً على وجه التذكير: {يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ} المبطلون المستمرون على النفاق مع أهل الحق {وَٱلْمُنَافِقَاتُ} أيضاً كذلك {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} حين يرونهم {يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} [الحديد: 12] {ٱنظُرُونَا} أيها السعداء المحقون، والتفتوا نحونا {نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} إذ نحن في ظلمة شديدة {قِيلَ} لهم حينئذٍ من قِبَل الحق على سبيل التوبيخ والتقريع: {ٱرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ} أي: إلى دار الاعتبار والاختبار {فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً} واقتبسوا من مشكاة النبوة والولاية بامتثال الأوامر والنواهي الموردة من عنده سبحانه على رسله، وبالحكم والأسرار والصادرة من ألسنة أولي العزائم الصحيحة، والمنجذبين نحو الحق من طريق الفناء فيه بالموت الأرادي، واعلموا أن اقترافه واقتباسه إنما هو في دار العبرة والغرور، لا في دار الحضور والسرور. وبعدما جرى ما جرى {فَضُرِبَ} وحيل حينئذٍ {بَيْنَهُم} أي: بين المؤمنين والمنافقين {بِسُورٍ} حائط حائل {لَّهُ} أي: للسور {بَابٌ} مفتوح يدخل منه المؤمنون {بَاطِنُهُ} أي: باطن الباب {فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ} النازلة من قِبَل الحق بمقتضى اسم الرحمن على أهل الإيمان والعرفان {وَظَاهِرُهُ} أي: ظاهر الباب {مِن قِبَلِهِ} سبحانه بمقتضى اسمه المنتقم {ٱلْعَذَابُ} [الحديد: 13] النازل على أهل النفاق والطغيان. {يُنَادُونَهُمْ} أي: المنافقون المؤمنون حين ستروا عن أعينهم، وبقوا في الظلمة والعذاب محرومين قائلين متضرعين: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أيها الرفقاء في دار الدنيا مسلمين منقادين لأحكام الإسلام، ممتثلين لأوامر الكلام ونواهيه أمثالكم {قَالُواْ} أي: المؤمنون في جوابهم من وراء الحائل: {بَلَىٰ} أنتم معنا ظاهراً {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} بالنقاق والشقاق حسب باطنكم {وَ} مع ذلك {تَرَبَّصْتُمْ} وانتظرتم بالمؤمنين المقت والدوائر {وَٱرْتَبْتُمْ} ترددتم وشككتم في حقية الدين القويم، وظهوره على الأديان كلها {وَ} بالجملة: {غرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} الأهوية الفاسدة، والآراء الباطلة مدى العمر، فانتظرتم بالمؤمنين {أية : رَيْبَ ٱلْمَنُونِ}تفسير : [الطور: 30]، وكنتم على أمانيكم هذه وتطيراتكم {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} الذي هو الموت، فمتم منافقين مخادعين {وَ} بالجملة: {غَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [الحديد: 14] الذي هو شياطين أمَّارتكم وأمانيكم، وتسويلات نفوسكم وقواكم. وبعدما وقع ما وقع {فَٱلْيَوْمَ} الذي تبلى السرائر فيه {لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ} أيها المنافقون المخادعون {فِدْيَةٌ} تفدون بها؛ لتخليصكم من العذاب لا منكم أيها المنافقون {وَلاَ مِنَ} إخوانكم {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مجاهرين مصرين على ما هم عليه بلا مبالاة إلى الدين والدعوة، وبالجملة: {مَأْوَاكُمُ} أي: محل رجوعكم وقراركم اليوم جميعاً؛ أي: {ٱلنَّارُ} المعدة المسعرة لكم أيها المنافقون بالكفر، والمجاهرون به {هِيَ مَوْلاَكُمْ} أي: النار أولى بكم، وأليق بحالكم {وَ} بالجملة: {بِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الحديد: 15] والمرجع النار المعدة للكفار الأشرار.
النسائي
تفسير : السُّورُ 588 - أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، قال: حدثنا عبدُ العزيز، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخلَ أهلُ الجنة الجنَّة، وأهلُ النارِ النارَ، أُتي بالموتِ مُلبباً، فيوقفُ على السورِ الذي بين (أهل الجنةِ، وأهلِ النارِ) فيذبحُ ذبحاً على السورِ ثم يقالُ: يا أهل الجنةِ، خلودٌ لا موت، ويا أهل النار، خلودٌ لا موت ". تفسير : - مُختصرٌ -
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):