Verse. 5089 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

يُنَادُوْنَہُمْ اَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ۝۰ۭ قَالُوْا بَلٰى وَلٰكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ اَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْاَمَانِيُّ حَتّٰى جَاۗءَ اَمْرُ اللہِ وَ غَرَّكُمْ بِاللہِ الْغَرُوْرُ۝۱۴
Yunadoonahum alam nakun maAAakum qaloo bala walakinnakum fatantum anfusakum watarabbastum wairtabtum wagharratkumu alamaniyyu hatta jaa amru Allahi wagharrakum biAllahi algharooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ينادونهم ألم نكن معكم» على الطاعة «قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم» بالنفاق «وتربصتم» بالمؤمنين الدوائر «وارتبتم» شككتم في دين الإسلام «وغرتكم الأمانيُّ الأطماع «حتى جاء أمر الله» الموت «وغركم بالله الغَرور» الشيطان.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } في الدنيا والثاني: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } في العبادات والمساجد والصلوات والغزوات، وهذا القول هو المتعين. المسألة الثانية: البعد بين الجنة والنار كثير، لأن الجنة في أعلى السموات، والنار في الدرك الأسفل، فهذا يدل على أن البعد الشديد لا يمنع من الإدراك، ولا يمكن أن يقال: إن الله عظم صوت الكفار بحيث يبلغ من أسفل السافلين إلى أعلى عليين، لأن مثل هذا الصوت إنما يليق بالأشداء الأقوياء جداً، والكفار موصوفون بالضعف وخفاء الصوت، فعلمنا أن البعد لا يمنع من الإدراك على ما هو مذهبنا، ثم حكى تعالى: أن المؤمنين قالوا بلى كنتم معنا إلا أنكم فعلتم أشياء بسببها وقعتم في هذا العذاب أولها: {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } أي بالكفر والمعاصي وكلها فتنة وثانيها: قوله: {وَتَرَبَّصْتُمْ } وفيه وجوه أحدها: قال ابن عباس: تربصتم بالتوبة وثانيها: قال مقاتل: وتربصتم بمحمد الموت، قلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وثالثها: كنتم تتربصون دائرة السوء لتلتحقوا بالكفار، وتتخلصوا من النفاق وثالثها: قوله: {وَٱرْتَبْتُمْ } وفيه وجوه الأول: شككتم في وعيد الله وثانيها: شككتم في نبوة محمد وثالثها: شككتم في البعث والقيامة ورابعها: قوله: {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ } قال ابن عباس: يريد الباطل وهو ما كانوا يتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } يعني الموت، والمعنى ما زالوا في خدع الشيطان وغروره حتى أماتهم الله وألقاهم في النار. قوله تعالى: {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ سماك بن حرب: {ٱلْغُرُور } بضم الغين، والمعنى وغركم بالله الاغترار وتقديره على حذف المضاف أي غركم بالله سلامتكم منه مع الاغترار. المسألة الثانية: {ٱلْغَرُورُ } بفتح الغين هو الشيطان لإلقائه إليكم أن لا خوف عليكم من محاسبة ومجازاة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } على الطاعة {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } بالنفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ } بالمؤمنين الدوائر {وَٱرْتَبْتُمْ } شككتم في دين الإِسلام {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ } الأطماع {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } الموت {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } الشيطان.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّعَكُمْ} نصلي ونغزو ونفعل كما تفعلون {فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} بالنفاق أو المعاصي، أو الشهوات {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالحق وأهله، أو بالتوبة {الأَمَانِىُّ} خدع الشيطان، أو الدنيا، أو قولهم سيغفر لنا، أو قولهم اليوم وغداً {الْغَرُورُ} الشيطان، أو الدنيا قاله الضحاك.

الخازن

تفسير : {ينادونهم} يعني ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم وبقوا في الظلمة {ألم نكن معكم} أي في الدنيا نصلي ونصوم {قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} أي أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة {وتربصتم} أي بالإيمان والتوبة وقيل تربصتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه {وارتبتم} أي شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به {وغرتكم الأماني} أي الأباطيل وذلك ما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين {حتى جاء أمر الله} يعني الموت وقيل هو إلقاؤهم في النار وهو قوله تعالى: {وغركم بالله الغرور} يعني الشيطان قال قتادة ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} أي عوض وبدل بأن تفدوا أنفسكم من العذاب وقيل معناه لا يقبل منكم إيمان ولا توبة {ولا من الذين كفروا} يعني المشركين وإنما عطف الكفار على المنافقين وإن كان المنافق كافراً في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق فحسن عطفه على المنافق {مأواكم النار} أي مصيركم، {هي مولاكم} أي وليكم وقيل هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب والمعنى هي التي تلي عليكم لأنها ملكت أمركم وأسلمتم إليها فهي أولى بكم من كل شيء وقيل معنى الآية لا مولى لكم ولا ناصر لأن من كانت النار مولاه فلا مولى له {وبئس المصير}.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يُنَـٰدُونَهُمْ} معناه: ينادي المنافقون المؤمنين: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}: في الدنيا، فيردّ المؤمنون عليهم: {بَلَىٰ}: كنتم معنا، ولكن عَرَّضْتُمْ أنفسكم للفتنة، وهي حُبُّ العاجل والقتال عليه، قال مجاهد: فتنتم أنفسكم بالنفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ} معناه هنا: بإيمانكم فأبطأتم به، حَتَّى مُتُّم، وقال قتادة: معناه: تربصتم بِنَا وبمحمد صلى الله عليه وسلم الدوائرَ، وشككتم، والارتياب: التشكك، والأماني التي غرتهم هي قولهم: سَيَهْلَكُ محمد هذا العام، سَتَهْزِمُهُ قريش، ستأخذه الأحزاب... إلى غير ذلك من أمانيهم، وطول الأمل: غرار لكل أحد، وأمر اللَّه الذي جاء هو: الفتح وظهور الإسلام، وقيل: هو موتهم على النفاق المُوجِبِ للعذاب، و{ٱلْغَرُورُ}: الشيطان بإجماع المتأولين، وينبغي لكل مؤمن أَنْ يعتبر هذه الآيةَ في نفسه، وتسويفَه في توبته، واعلم أيها الأخ أَنَّ الدنيا غَرَّارة للمقبلين عليها، فإنْ أردت الخلاص والفوز بالنجاة، فازهدْ فيها، وأقبلْ على ما يعنيك من إصلاح دينك والتزود لآخرتك، وقد روى ابن المبارك في «رقائقه» عن أبي الدرداء أَنَّهُ قال ـــ يعني لأصحابه ـــ: لَئِنْ حَلَفْتُم لي على رجل منكم أَنَّه أزهدكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيركم، وروى ابن المبارك بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : يَبْعَثُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِهِ كَانَا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَحَدُهُمَا مَقْتُورٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مَوَسَّعٌ عَلَيْهِ [فَيُقْبِلُ المَقْتُورُ عَلَيْهِ] إلَى الجَنَّةِ، وَلاَ يَنْثَنِي عَنْهَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى أَبْوَابِهَا، فَيَقُولُ حَجَبَتُهَا: إلَيْكَ إلَيْكَ! فَيَقُولُ: إذَنْ لاَ أَرْجِعَ، قال: وَسَيْفُهُ في عُنُقِهِ فَيَقُولُ: أُعْطِيتُ هٰذَا السَّيْفَ في الدُّنْيَا أُجَاهِدُ بِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مُجَاهِداً بِهِ حَتَّىٰ قُبِضْتُ وَأَنَا عَلَىٰ ذَلِكَ، فَيَرْمِي بِسَيْفِهِ إلَى الخَزَنَةِ، وَيَنْطَلِقُ، لاَ يُثْنُونَهُ وَلاَ يَحْبِسُونَهُ عَنِ الجَنَّةِ، فَيَدْخُلُهَا، فَيَمْكُثُ فِيهَا دَهْراً، ثُمَّ يَمُرُّ بِهِ أَخُوهُ المُوَسَّعُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، مَا حَبَسَكَ؟! فَيَقُولُ: مَا خُلِّيَ سَبِيلِي إلاَّ الآن، وَلَقَدْ حُبِسْتُ مَا لَوْ أَنَّ ثَلاَثَمِائَةِ بِعِيرٍ أَكَلَتْ خَمْطاً، لاَ يَرِدْنَ إلاَّ خِمْساً وَرَدْنَ عَلَىٰ عِرْقِي لَصَدَرْنَ مِنْهُ رِيًّا»تفسير : انتهى. وقوله تعالى: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ...} الآية: استمرارٌ في مخاطبة المنافقين؛ قاله قتادة وغيره. وقوله تعالى: {هِىَ مَوْلَـٰكُمْ} قال المفسرون: معناه: هي أولى بكم، وهذا تفسير بالمعنى، وإنَّما هي استعارة؛ لأَنَّها من حيثُ تَضُمُّهم وتباشِرُهم هي تواليهم وتكون لهم مكانَ المولى، وهذا نحو قول الشاعر: [الوافر] شعر : ........................ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ

ابن عادل

تفسير : قوله: {يُنَادُونَهُمْ} يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "بينهم". قاله أبو البقاء. وهو ضعيف لمجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع المستثناة. وأن تكون مستأنفة، وهو الظاهر. وقوله: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} يجوز أن يكون تفسيراً للنداء، وأن يكون منصوباً بقول مقدّر. فصل في معنى الآية والمعنى: ينادي المنافقون المؤمنين {ألم نَكُنْ معكم} يعني: في الدنيا نصلّي مثل ما تصلّون، ونغزو مثل ما تَغْزُون، ونفعل مثل ما تفعلون؟. "قالوا: بَلَى"، أي: يقول المؤمنون: بلى، قد كُنتم معنا في الظَّاهر، {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: استعملتموها في الفتنة. وقال مجاهد: أهلَكْتمُوهَا بالنِّفاق. وقيل: بالمعاصي. قاله أبو سنان. وقال أبو نمير الهمداني: بالشهوات واللَّذَّات. وقوله: "وتربّصتم" أي: بالنبي صلى الله عليه وسلم الموت، وبالمؤمنين الدَّوائر. وقيل: تربَّصتم بالتوبة. "وارْتَبْتُمْ" أي: شككتم في التوحيد، أو النبوة، أو البعث. "وغرَّتكم الأماني" أي: الأباطيل. وقيل: طول الأمل، وهو ما كانوا يتمنّونه من ضعف المؤمنين، ونزول الدَّوائر بهم. وقال قتادة: الأماني هنا خدعُ الشيطان. وقيل: الدنيا، قاله عبد الله بن عباس. وقال أبو سنان: هو قولهم: "سيغفر لنا". وقال بلال بن سَعْدٍ: ذكرك حسناتك، [ونسيانك] سيئاتك غِرَّةً {حتَّى جاء أمر الله} يعني: الموت. وقيل: نُصْرة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: إلقاؤهم في النَّار. قوله: {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}. قرأ العامة: "الغَرُور" بفتح الغين، وهو صفة على "فعول"، والمراد به: الشَّيْطان، أي: خدعكم بالله الشيطان. وقرأ أبو حيوة، ومحمد بن السميفع، وسماك بن حَرْب: "الغُرُور" بالضم، وهو مصدر، والمراد به الأباطيل. حديث : عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطَّ لنا خُطُوطاً، وخط منها خطًّا ناحية، فقال: "أتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا مِثْلُ ابْنِ آدَمَ ومِثْلُ التمنِّي، وتِلْكَ الخُطُوطُ الآمَالُ، بَيْنَمَا يتمنَّى إذْ جَاءَهُ المَوْتُ" . تفسير : وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: حديث : خطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا مربَّعاً وخط في وسطه خطًّا، وجعله خارجاً منه، وخط عن يمينه ويساره خطوطاً صغاراً، فقال: "هَذَا ابْنُ آدَمَ وهَذَا أجَلُهُ يُحيطُ بِهِ، وهذا أمَلُهُ قَدْ جَاوَزَ أجَلَهُ، وهذه الخُطُوطُ الصِّغَارُ الأعْرَاضُ فإنْ أخْطَأهُ هذا نَهَشَهُ هذا" . تفسير : قوله: "فَاليَوْمَ" منصوب بـ "يؤخذ"، ولا يبالي بـ "لا" النافية، وهو قول الجمهور وقد تقدم آخر "الفاتحة" ثلاثة أقوال. وقرأ ابن عامر: "تؤخذ" بالتأنيث للفظ الفدية. والباقُون: بالياء من تحت؛ لأن التأنيث مجازي. فصل في المراد بالفدية قوله: {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية} أيها المنافقون، {ولا من الذين كفروا} أي: أيأسهم من النَّجاة. والمراد بالفدية قيل: لا يقبل منكم إيمان، ولا توبة؛ لأن التكليف قد زال وحصل الإلحاد. وقيل: لا يقبل منكم فدية تدفعون بها العذاب عن أنفسكم كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123]، والفدية: ما يفتدى به، فهو يتناول الإيمان والتوبة والمال. قال ابن الخطيب: وهذا يدلُّ على أن قبُول التَّوبة غير واجب عقلاً على ما يقوله المعتزلة؛ لأنه - تعالى - بين أنه لا يقبل الفدية أصلاً، والتوبة فدية، فتكون الآية دالة على أنَّ التوبة غير مقبولة أصلاً، وإذا كان كذلك لم تكن التوبة واجبة القبول عقلاً. قوله: {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. عطف الكافر على المنافق، والعطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، فيقتضي أن يكون المنافق كافراً؟. وأجيب بأن المراد منه الذين أظهروا الكفر، وإلاَّ فالمنافق كافر. قوله: {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي: هي مصيركم. وقوله: {هِيَ مَوْلاَكُمْ} يجوز أن يكون مصدراً أي: ولايتكم، أي: ذات ولايتكم. قال القرطبي: "تملك أمرهم، بمعنى أن الله - تعالى - يركب فيها الحياة والعقل، فهي تتميز غيظاً على الكُفَّار، ولهذا خوطبت في قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. ويجوز أن يكون مكاناً، أي: مكان ولايتكم، وأن يكون بمعنى أولى بكم، كقوله تعالى: {هِيَ مَوْلاَكُمْ} قاله الكلبي، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة". قال ابن الخطيب: وهذا الذي قالوه معنى، وليس تفسيراً للفظ، لأنه لو كان "مولى وأولى" بمعنى واحد في اللغة لصحّ استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، وكان يجب أن يصحّ أن يقال: هذا أولى فلان، كما يقال: مولى فلان، ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنًى، وليس بتفسير، وإنما نبَّهنا على هذه الدقيقة؛ لأن الشريف المرتضى لما تمسك في إمامة علي - رضي الله عنه - بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فعليٌّ مَولاهُ" تفسير : قال: أحد معاني "مولى" أنه أولى. واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الآية، بأن "مولى" معناه "أولى" إذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه؛ لأن ما عداه إمَّا بَيِّنُ الثبوت ككونه ابن العم والنَّاصر، أو بَيِّنُ الانتفاء كالمعتِق، والمعتَق، فيكون على التقدير الأول عبثاً، وعلى الثاني كذباً. قال ابن الخطيب رحمه الله: وأما نحن فقد بيَّنا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير، وحينئذ يسقط الاستدلال به. وفي الآية وجه آخر، وهو أن معنى قوله: "هي مولاكم" أي: لا مولى لكم؛ لأن من كانت النار مولاه، فلا مولى له، كما يقال: ناصره الخذلان ومعينه البكاء، أي: لا ناصر له ولا معين، وهذا متأكد بقوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ} تفسير : [محمد: 11]، ومنه قوله تعالى: {أية : يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ} تفسير : [الكهف: 29]. وقوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي: هي، ومعناه: ساءت مرجعاً ومصيراً. قوله: {أَلَمْ يَأْنِ}. قرأ العامة: "ألم". وقرأ الحسن وأبو السمال: "ألمَّا". وأصلها "ألم" زيدت عليها "ما"، فهي نفي كقول القائل: قد كان كذا، و "لم" نفي، كقوله: قد كان كذا. وقوله: {أَن تَخْشَعَ}. فاعل "يأن"، أي: ألم يقرب خشوع قلوبهم ويحينُ؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 4720- ألَمْ يَأنِ لِي يا قَلْبُ أنْ أتْرُكَ الجَهْلاَ وأنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ المُبِيْنُ لنَا عَقْلا تفسير : وماضيه "أنى" بالقصر "يأني". ويقال: "آن لك - بالمد - أن تفعل كذا يَئِينُ أيْناً" أي: مثل "أنى لَكَ" وهو مقلوب منه. وأنشد ابن السِّكِّيت: [الطويل] شعر : 4721- ألَمَّا يَئِنْ لِي أنْ تُجَلَّى عَمايَتِي وأقْصُرُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أنَى لِيَا تفسير : فجمع بين اللغتين. وقرأ العامة: "يأن" مضارع "أنى" أي: حان وقرب، مثل رمى يرمي. والحسن: "يئن" مضارع "آن" بمعنى "حان" أيضاً، مثل: "باع يبيع". و "اللام" للتبيين. قاله أبو البقاء، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، أي: أعني للذين. فصل في نزول هذه الآية في "صحيح مسلم"، عن ابن مسعُود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} إلا أربع سنين. قال الخليل: العِتَاب مخاطبة الإذلال، ومذاكرة الموجدة. تقول: عاتبت معاتبة. "أن تخْشعَ"، أي: تذل وتلين {قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ}. "حديث : وروي أن المزاح والضحك كثر في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ترفهوا بـ "المدينة" فنزلت الآية، ولما نزلت هذه الآية قال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ الله يَسْتَبْطِئكُمُ بالخُشُوعِ" فقالوا عند ذلك: خشعنا ". تفسير : وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنَّ الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة، وذلك لما سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [يوسف: 1] إلى قوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] فأخبرهم أن القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الآية، فعلى هذا التأويل يكون {فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} في العلانية باللسان]. وقال السُّدي وغيره: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالظَّاهر وأسرُّوا الكفر {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}. وقيل: نزلت في المؤمنين. قال سعد: قيل: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزل: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل قوله: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا، فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} الآية. وقيل: هذا خطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد - عليهم الصلاة والسلام - لأنه قال عقيبه: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [الحديد: 19] أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألاَّ يكونوا كمتقدمي قوم موسى وقوم عيسى؛ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيهم، فقَسَتْ قلوبهم. قوله: {وَمَا نَزَلَ}. قرأ نافع وحفص: "نَزَل" مخففاً مبنيًّا للفاعل. وباقي السبعة كذلك إلاَّ أنها مشددة. والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية: "ما نزّل" مشدداً مبنيًّا للمفعول. وعبد الله: "أنْزَل" مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى. و "ما" في قراءة "ما نزل" مخففاً، يتعين أن تكون اسمية، ولا يجوز أن تكون مصدرية لئلا يخلو الفعل من الفاعل، وما عداها يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون بمعنى "الذي". فإن قلت: فقراءة الجحدري ومن معه ينبغي أن تكون فيها اسمية لئلاَّ يخلو الفعل من مرفوع؟ فالجواب: أن الجار وهو قوله: "من الحقّ" يقوم مقام الفاعل. فصل في معنى الآية قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون المراد بذكر الله، وما نزل من الحق هو القرآن؛ لأنه جامع للوصفين الذِّكر والموعظة، وأنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد هو ذكر الله مطلقاً، و {ما نزل من الحقّ} هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن؛ لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله تعالى، فأما حصولها عند سماع القرآن، فذلك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله. قوله: {وَلاَ يَكُونُواْ}. قرأ العامة: بالغيبة جرياً على ما تقدم. وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: بـ "التاء" من فوق على سبيل الالتفات. قال القرطبي: وهي رواية رويس عن يعقوب، وهي قراءة عيسى، وابن إسحاق. ثم هذا يحتمل أن يكون منصوباً عطفاً على "يخشع" كما في قراءة الغيبة، وأن يكون نهياً، فتكون "لا" ناهية والفعل مجزوم بها. ويجوز أن يكون نهياً في قراءة الغيبة أيضاً، ويكون ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم نحو "لا يَقُمْ زيد". قوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ}. قرأ العامة: بتخفيف الدال بمعنى الغاية، كقولك: أمد فلان، أي: غايته. وقرأ ابن كثير في رواية بتشديدها؛ وهو الزمن الطَّويل. فصل في معنى الآية معنى الآية لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى أعطوا التوراة والإنجيل، فطالت الأزمان لهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمدُ قست قلوبهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتَّى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم اصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، فإن أبى قتلناه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقةٍ، وجعلها في عنقه، ثم لبس عليه ثياباً وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره وقال: آمنت بهذا - يعني المعلق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين [ملة]، وخير مللهم أصحاب ذي القرن؛ قال عبد الله: ومن يَعِشْ منكم فسيرى منكراً، ويجب على أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كارهٌ. وقال مقاتل: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمدُ، واستبطئوا بعث النبي صلى الله عليه وسلم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني: الذين ابتدعوا الرَّهبانية أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتديّن به من الفقه، ويخالف من يعلم. [وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى، وقال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا، وأعرضوا عن مواعط الله. وقيل:] طالت أعمارهم في الغفلة، فحصلت القَسْوة في قلوبهم بذلك السبب. [وقيل غير ذلك. وقوله: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين،] وكأنه أشار إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفِسْقِ في آخر الأمر. قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}. أي: يحييها بالمطر. وقال صالح المري: يلين القلوب بعد قسوتها. وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدلِ بعد الجورِ. وقيل: المعنى: وكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد الكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيي الموتى من الأمم، ويميز بين الخاشع قلبه، وبين الفاسق قلبه. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه يحيي الموتى.

ابو السعود

تفسير : {يُنَـٰدُونَهُمْ} استئنافٌ مبنيٌّ على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا يفعلونَ بعد ضربِ السُّورِ ومشاهدةِ العذابِ فقيلَ يُنادونَهم {أَلَمْ نَكُن} في الدُّنيا {مَّعَكُمْ} يريدونَ به موافقتَهم لهُم في الظَّاهرِ {قَالُواْ بَلَىٰ} كنتُم معنَا بحسبِ الظاهرِ {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} محنتمُوها بالنفاقِ وأهلكتمُوها {وَتَرَبَّصْتُمْ} بالمؤمنينَ الدوائرَ {وَٱرْتَبْتُمْ} في أمرِ الدِّينِ {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ} الفارغةُ التي من جُمْلتها الطمعُ في انتكاس أمرِ الإسلامِ {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ} أي الموتُ {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ} الكريمِ {ٱلْغُرُورِ} أي غرَّكُم الشيطانُ بأنَّ الله عفوٌّ كريمٌ لا يُعذبكم. وقُرِىءَ الغُرورُ بالضمِّ {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ} فداءٌ وقُرىءَ تُؤخذُ بالتاءِ {وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي ظاهراً وباطناً {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} لا تبرحُونَها أبداً {هِىَ مَوْلَـٰكُمْ} أي أَوْلَى بكُم وحقيقتُه مكانُكُم الذي يُقالُ فيهِ هو أَوْلى بكُم كما يقالُ هو مِئْنةُ الكرمِ أي مكانٌ لقولِ القائلِ إنَّه لكريمٌ أو مكانُكم عن قريبٍ من الولِي وهو القُربُ أو ناصركُم على طريقةِ قولِه: شعر : [وخيلٌ قد دلفتُ لها بخيلٍ] تحيَّةُ بـينِهم ضَربٌ وَجِيْعُ تفسير : أو متوليكُم تتولاَّ كم كَما توليتُم موجباتِها {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي النَّارُ. {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} استئنافٌ ناعٍ عليهم تثاقلَهُم في أمورِ الدِّينِ ورخاوةِ عقدِهم فيها واستبطاءٌ لانتدابِهم لما نُدبوا إليهِ بالترغيبِ والترهيبِ. ورُويَ أنَّ المؤمنينَ كانُوا مُجْدبـين بمكةَ فلمَّا هاجرُوا أصابُوا الرزقَ والنعمةَ وفترُوا عمَّا كانُوا عليهِ فنزلتْ. وعن ابن مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ: ما كانَ بـينَ إسلامِنا وبـينَ أنْ عُوتبنا بهذهِ الآيةِ إلا أربعُ سنينَ. وعنِ ابنِ عبّاسٍ رضيَ الله تعالَى عنُهمَا أنَّ الله استبطأَ قلوبَ المؤمنينَ فعاتَبهُم على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةً من نزولِ القُرآنِ أيْ ألم يجىءْ وقتُ أنْ تخشعَ قلوبُهم لذكرِه تعالَى وتطمئنَ به ويسارعُوا إلى طاعتِه بالامتثال بأوامره والانتهاءِ عمَّا نُهوا عنهُ منْ غير توانٍ ولا فتورٍ منْ أنى الأمرُ إذَا جاءَ أناهُ أي وقته. وقُرِىءَ ألم يئِنْ من آنَ يئينُ بمعنى أنَى، وقُرِىءَ ألمَّا يأنِ، وفيهِ دلالةٌ على أنَّ المنفَي متوقعٌ. {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ} أي القرآنِ وهو عطفٌ على ذكرِ الله فإنْ كانَ هُو المرادَ به أيضاً فالعطفُ لتغايرِ العُنوانينِ فإنَّه ذكرٌ وموعظةٌ كما أنَّه حقٌّ نازلٌ منَ السماءِ، وإلاَّ فالعطفُ كما في قولِه تعالى: { أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} تفسير : [سورة الأنفال، الآية 2] ومَعْنى الخشوعِ له الانقيادُ التامُّ لأوامره ونواهيِه والعكوفُ على العملِ بما فيهِ من الأحكامِ التي من جُمْلتها ما سبقَ وما لحقَ من الإنفاقِ في سبـيلِ الله تعالى. وقُرِىءَ نزل من التنزيلِ مبنياً للفاعلِ وأنزلَ {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ} عطفٌ على تخشعَ. وقُرِىءَ بالتاءِ على الالتفاتِ؛ للاعتناءِ بالتحذيرِ، وقيلَ: هو نهيٌ عن مماثلةِ أهلِ الكتابِ في قسوةِ القلوبِ بعد أنْ وبخوا وذلك أنَّ بني إسرائيلَ كانَ الحقُّ يحولُ بـينَهُم وبـينَ شهواتِهم وإذَا سمعُوا التوراةَ والإنجيلَ خشعُوا لله ورقَّتْ قلوبُهم {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} أي الأجلُ. وقُرِىءَ الأمدُّ بتشديدِ الدالِ، أي الوقتُ الأطولُ وغلبهم الجفاءُ وزالتْ عنْهم الروعةُ التي كانتْ تأتيهُم من الكتابـينِ {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} فهيَ كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي خارجونَ عن حدودِ دينهم رافضونَ لما في كتابِهم بالكُلِّيةِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} [الآية: 14]. قال الحسين بن معاذ: من خالف عقدك عقده خالف قلبك قلبه. قال حاتم الأصم: لا تصلح الموافقة إلا بالأسرار فأما موافقة الظاهر فإنه الرياء والمدامجة والموافقة موافقة الدين ثم موافقة الاعتقاد ثم موافقة الأخوة ثم موافقة المؤانسة ثم موافقة الصحبة ثم موافقة السنن والشريعة فمن صحت شريعته وصحت موافقته فى هذه الأصول تصح عشرته وإلا فهو كما قال الله: {يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} فى الظاهر {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} بمخالفة الأصول فى الباطن. قوله تعالى: {قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ...} الآية. قال أبو بكر الوراق: الفتنة من أربعة أشياء فمن فر منها ينبغى أن يمحو عنوانه منها وهو الكلام والصحبة والزىّ والفضائل فإن ترك الكلام جعل الفعل عوضاً منه وإن ترك زى النساك جعل أخلاقهم عوضاً منه، فذلك الناجى من الفتنة إن شاء الله. قال أبو سعيد بن الأعرابى: {فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} بالمعاصى: {وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ} تشككتم و{وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} فلم تستغفروا لما سلف منكم وركنتم إلى الدنيا {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} الشيطان والنفس والهوى والدنيا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ينادونهم} كأنه قيل فماذا يفعلون بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب فقيل ينادى المنافقون المؤمنين من ورآء السور (قال الكاشفى) منافقون جون بازبس نكرند ونورى نه بينند باز متوجه مؤمنان شوند ديوارى بينند ميان خود وابشان حاجز شده اذان در بنكرند مؤمنا ترا مشاهده نمايندكه خرامان متوجه رياض شدند بخوانند ايشاترا بزارى كويند اى مؤمنان {الم نكن} فى الدنيا {معكم} يريدون به موافقتهم لهم فى الامور الظاهرة كالصلاة والصوم والمناكحة الموارثة ونحوهما {قالوا بلى} كنتم معنا بحسب الظاهر {ولكنكم فتنتم انفسكم} محنتموها بالنفاق واهلكتموها اضافة الفتنة الى النفس اضافة الميل والشهوة والى الشيطان فى قوله {أية : لايفتننكم الشيطان}تفسير : اضافة الوسوسة والى الله تعالى فى قوله {أية : قال فانا قد فتنا قومك}تفسير : اضافة الخلق لانه خلق الضلال فيه فى ليفتنن {وتربصتم} بالمؤمنين الدوآئر والتربص الانتظار وقال مقاتل وتربصتم بمحمد عليه السلام الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منه وهو وصف قبيح لان انتظار موت وسائل الخير ووسائط الحق من عظيم الجرم والقباحة اذ شأنهم أن يرجى طول حياتهم ليستفاد منهم ويغتنم بمجالستهم {وارتبتم} وشككتم فى امر الذين او فى النبوة او فى هذا اليوم {وغرتكم الامانى} الفارغة التى من جملتها الطمع فى انتكاس امر الاسلام جمع امنية كأضحية بالفارسية آرزو. وفى عين المعانى وغرتكم خدع الشيطان وقال ابو الليث أباطيل الدنيا {حتى جاء امر الله} اى الموت {وغركم بالله} الكريم {الغرور} اى غركم الشيطان بأنه عفو كريم لايعذبكم قال قتادة مازالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله فى النار قال الزجاج الغرور على ميزان فعول وهو من اسماء المبالغة يقال فلان أكول كثير الأكل وكذا الشيطان الغرور لانه يغر ابن آدم كثيرا قال فى المفردات الغرور كل مايغر الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان اذ هو اخبث الغارين بالدنيا لما قيل الدنيا تغر وتضر وتمر

الجنابذي

تفسير : {يُنَادُونَهُمْ} اى ينادى المنافقون والمنافقات الّذين آمنوا {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} فى الانسانيّة، او فى الاسلام والبيعة العامّة، او فى الايمان والبيعة الخاصّة {قَالُواْ بَلَىٰ} كنتم معنا فى ظاهر الاسلام وفى ظاهر الايمان {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ} الفتنة اعجابك بالشّيء واذابة الذّهب والفضّة والاضلال والايقاع فى الفتنة {أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ} بمحمّدٍ (ص) او بالمؤمنين الدّوائر {وَٱرْتَبْتُمْ} فى دينكم وما كنتم فيه معنا {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ} عن طلب الآخرة والعمل لها {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} بقبض ارواحكم {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} اى الشّيطان حيث قال انّ الله كريم وزمان التّوبة وسيع.

الهواري

تفسير : قال: {يُنَادُونَهُم} أي ينادي المنافقون المؤمنين حين ضرب الله بينهم بسور: {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} أي في الدنيا، أي على دينكم، نشهد بشهادتكم، ونتنسك مناسككم {قَالُواْ} أي قال لهم المؤمنون {بَلَى} [أي فيما أظهرتم] {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} أي: بالمعاصي {وَتَرَبَّصْتُمْ} أي: بالتوبة. {وَارْتَبْتُمْ} أي: وشككتم أن يعذبكم الله بعد إقراركم وشهادتكم {وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ} التي منيتم بها أنفسكم من قولكم. يهلك محمد وأصحابه فلا نستفسد إلى إخواننا من المشركين. {حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللهِ} أي: الموت وأنتم على حالكم هذه {وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ} وهو الشيطان، غرّكم بوسواسه إليكم أن الله لا يعذبكم بعد إقراركم وتوحيدكم.

اطفيش

تفسير : {يُنَادُونَهُمْ أَلَم نَكُن مَّعَكُمْ} على الطاعة وذلك بحسب ظاهرهم {قَالُوا بَلَى} كنتما معا {وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} اهلكتموها بالنفاق {وَتَرَبَّصْتُمْ} تأخرتم عن التوبة أو تربصتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الدوائر يقولون يوشك أن يموت فنستريح {وَارْتَبتُمْ} شككتم في الدين {وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِىُّ} الأطماع في امتداد العمر ونزول الدوائر وغير ذلك وطول الأمل وهو غرور لكل أحد. {حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللهِ} الموت قيل: القاؤم في الغار وقيل: الفتح وقيل: ظهور الاسلام. {وَغَرَّكُم بِاللهِ الغَرُورُ} الشيطان بان الله عفو كريم لا يعذبكم حيث اقررتم وقيل الغرور الدنيا والتذكير باعتبار الشيء ولان غرورا فعول بمعنى فاعل لكن مع مبالغة والواو للعطف أو للحال فيقدر قد عند بعضهم أي جاء امر الله وقد غركم بالله وقد قرىء بضم الغين تسمية للشيطان بالمصدر أو للدنيا أو يقدر مضاف أو يأول بالمصدر والمبالغة في الاول كما تقول زيد صوم ويجب عليك ان تعتبر هذه الآية في نفسك وتسويف توبتك. واعلم أيها الاخ أن الدنيا غرارة للمقبلين عليها فإن أردت النجاة والفوز فازهد فيها واقبل لصلاح دينك، قال ابو الدرداء لاصحابه: لئن حلفتم لي على رجل منكم أنه ازهدي كم لاحلفن لكم إنه خيركم وفي الحديث يبعث الله تبارك وتعالى يوم القيامة عبدين من عباده كانا على سيرة واحدة احدهما مقتر عليه والآخر موسع عليه فيقبل المقتر عليه إلى الجنة ولا ينثني عنها حتى ينتهي إلى ابوابها فيقول حجتها اليك اليك فيقول اذن لا ارجع وسيفه في عنقه فيقول اعطيت هذا السيف في الدنيا اجاهد به فلم ازل اجاهد به حتى قبضت وانا على ذلك فيرمى بسيفه الى الخزنة وينطلق ولا يحبسونه عن الجنة فيدخلها فيمكث فيها دهرا ثم يمر به اخوه الموسع عليه فيقول له يا فلان ما حبسك فيقول ما خلي سبيلي إلى الان ولقد حبست ما لو أن ثلاثمائة بعير اكلت حمصا ووردت على عرقي لصدرن منه ربا.

الالوسي

تفسير : {يُنَـٰدُونَهُمْ } استئناف مبني على السؤال كأنه قيل: فماذا يفعلون بعد ضرب السور ومشاهدة العذاب؟ فقيل: ينادي المنافقون والمنافقات المؤمينن والمؤمنات {أَلَمْ نَكُن } في الدنيا {مَّعَكُمْ } يريدون به موافقتهم لهم في الظاهر {قَالُواْ بَلَىٰ } كنتم معنا كما تقولون {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } محنتموها بالنفاق وأهلكتموها {وَتَرَبَّصْتُمْ } بالمؤمنين الدوائر {وَٱرْتَبْتُمْ } وشككتم في أمور الدين {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ } الفارغة التي من جملتها الطمع في انتكاس الإسلام، / وقال ابن عباس: {فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } بالشهوات واللذات {وَتَرَبَّصْتُمْ } بالتوبة {وَٱرْتَبْتُمْ } قال محبوب الليثي: شككتم في الله {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِىُّ} طول الآمال، وقال أبو سنان: قلتم سيغفر لنا {حَتَّىٰ جَاء أَمْرُ ٱللَّهِ } أي الموت {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } الشيطان قال لكم: إن الله عفو كريم لا يعذبكم. وعن قتادة كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله تعالى في النار. وقرأ سماك بن حرب (الغرور) بالضم، قال ابن جني: وهو كقوله: وغركم بالله تعالى الاغترار، وتقديره على حذف المضاف أي وغركم بالله تعالى سلامة الاغترار ومعناه سلامتكم منه اغتراركم.

الشنقيطي

تفسير : الضمير المرفوع في ينادونهم راجع إلى المنافقين والمنافقات، والضمير المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات، وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قالوا لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، وقيل لهم جواباً لذلك: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وضرب بينهم بالسور المذكور أنهم ينادون المؤمنين: ألم نكن معكم، أي في دار الدنيا، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم؟ قالوا: بلى، أي كنتم معنا في دار الدنيا، ولكنكم فتنتم أنفسكم. وقد قدمنا مراراً معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن، وبينا أن من معاني إطلاقاتها في القرآن الضلال كالكفر والمعاصي، وهو المراد هنا أي فتنتم أنفسكم: أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن، ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}تفسير : [البقرة: 193] أي لا يبقى شرك كما تقدم إيضاحه، وقوله: {وَتَرَبَصْتُمْ} التربص: الانتظار، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين الدوائر أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم، كقوله تعالى: في منافقي الأعراب المذكورين في قوله: {أية : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ}تفسير : [التوبة: 101]، {أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ}تفسير : [التوبة: 98] وقوله تعالى {وَٱرْتَبْتُم} أي شككتم في دين الإسلام، وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم: {أية : إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}تفسير : [التوبة: 45]. وقوله تعالى: {وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ} الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقاً سفهاء في صدقهم، أي في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله:{أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ قَالُوۤاْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْمُفْسِدُونَ}تفسير : [البقرة: 11-12] الآية، وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ ٱلسُّفَهَآءُ أَلاۤ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ}تفسير : [البقرة: 13] الآية، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}تفسير : [النساء: 123] - إلى قوله - {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً}تفسير : [النساء: 124]. وقوله: {حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ}، الأظهر أنه الموت لأنه ينقطع به العمل. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُور} هو الشيطان وعبر عنه بصيغة المبالغة، التي هي الفعول لكثرة غروره لبني آدم، كما قال تعالى{أية : وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً}تفسير : [النساء: 120]. وما ذكره جل وعلا وفي هذه الآية الكريمة، من أن الشيطان الكثير بالغرور غرهم بالله، جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى في آخر لقمان: {أية : إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}تفسير : [لقمان: 33]، وقوله في أول فاطر {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [فاطر: 5-6] وقوله تعالى في آية لقمان وآية فاطر المذكورتين {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ}. وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور، دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان أن وعد الله بالبعث ليس بحق، وأنه غير واقع، والغرور بالضم الخديعة.

د. أسعد حومد

تفسير : (14) - وَيُنَادِي المُنَافِقُونَ المُؤْمِنينَ وَيَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّنَا كُنَّا مَعَكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا، نُصَلِّي مَعَكُمْ الجُمَعَ وَالجَمَاعَاتِ، وَنَشْهَدُ مَعَكُمْ الغَزَوَاتِ، وَنَقِفُ مَعَكُمْ فِي عَرَفَاتٍ.. فَيَرُدُّ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ قَائِلِينَ: نَعَمْ لَقَدْ كُنْتُمْ مَعَنَا لَكِنَّكُمْ أَهْلَكْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي النِّفَاقِ، وَانْتَظَرْتُمْ لِلْمُؤْمِنينَ الحَوَادِثَ المُهْلِكَةَ، وَشَكَكْتُمْ فِي أُمُورِ البَعْثِ والنُّشُورِ، وَخَدَعَتْكُمُ الأَمَانِيُّ وَالآمَالُ، وَقُلْتُمْ سَيَغْفِرُ اللهُ لَنَا، وَأَخَّرْتُمُ التَّوْبَةَ إِلَى اللهِ، وَمَا زِلْتُمْ كَذَلِكَ حَتَّى حَضَرَكُمْ المَوْتُ، وَخَدَعَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ لَكُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لاَ يُعَذِّبُكُمْ. الغَرُورُ - الشَّيْطَانُ المُخَادِعُ. غَرَّتْكُمُ الأَمَانِي - خَدَعَتْكُمُ الأبَاطِيلُ. تَرَبَّصْتُمْ - انْتَظَرْتُمْ أَنْ تَحِلَّ بِالمُؤْمِنينَ صُرُوفُ الدَّهْرِ. فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ - أَهْلَكْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِالمَعَاصِي وَالنِّفَاقِ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ} معناه أَهلَكتُموها. وقوله تعالى: {وَٱرْتَبْتُمْ} أي شَكَكتم. وقوله تعالى: {وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشّيطان.