٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ الحسن: (ألما يأن)، قال ابن جني: أصل لما لم، ثم زيد عليها ما فلم نفي لقوله أفعل، ولما نفي لقوله قد يفعل، وذلك لأنه لما زيد في الإثبات قد لا جرم زيد في نفيه ما، إلا أنهم لما ركبوا لم مع ما حدث لها معنى ولفظ، أما المعنى فإنها صارت في بعض المواضع ظرفاً، فقالوا: لما قمت قام زيد، أي وقت قيامك قام زيد، وأما اللفظ فإنه يجوز أن تقف عليها دون مجزومها، فيجوز أن تقول: جئت ولما، أي ولما يجيء، ولا يجوز أن يقول: جئت ولم. وأما الذين قرأوا: {أَلَمْ يَأْنِ } فالمشهور ألم يأن من أنى الأمر يأني إذا جاء إناء أتاه أي وقته. وقرىء: (ألم يئن)، من أن يئين بمعنى أنى يأني. المسألة الثانية: اختلفوا في قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } فقال بعضهم: نزل في المنافقين الذين أظهروا الإيمان وفي قلوبهم النفاق المباين للخشوع، والقائلون بهذا القول لعلهم ذهبوا إلى أن المؤمن لا يكون مؤمناً في الحقيقة إلا مع خشوع القلب، فلا يجوز أن يقول تعالى ذلك إلا لمن ليس بمؤمن، وقال آخرون: بل المراد من هو مؤمن على الحقيقة، لكن المؤمن قد يكون له خشوع وخشية، وقد لا يكون كذلك، ثم على هذا القول تحتمل الآية وجوهاً أحدها: لعل طائفة من المؤمنين ما كان فيهم مزيد خشوع ولا رقة، فحثوا عليه بهذه الآية وثانيها: لعل قوماً كان فيهم خشوع كثير، ثم زال منهم شدة ذلك الخشوع فحثوا على المعاودة إليها، عن الأعمش قال: إن الصحابة لما قدموا المدينة أصابوا ليناً في العيش ورفاهية، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا بهذه الآية وعن أبي بكر: أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب، وأما قوله: {لِذِكْرِ ٱللَّهِ } ففيه قولان: الأول: أن تقدير الآية، أما حان للمؤمنين أن ترق قلوبهم لذكر الله، أي مواعظ الله التي ذكرها في القرآن، وعلى هذا الذكر مصدر أضيف إلى الفاعل والقول الثاني: أن الذكر مضاف إلى المفعول، والمعنى لذكرهم الله، أي يجب أن يورثهم الذكر خشوعاً، ولا يكونوا كمن ذكره بالغفلة فلا يخشع قلبه للذكر، وقوله تعالى: {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } فيه مسائل: المسألة الأولى: (ما) في موضع جر بالعطف على الذكر وهو موصول، والعائد إليه محذوف على تقدير وما نزل من الحق، ثم قال ابن عباس في قوله: {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } يعني القرآن. المسألة الثانية: قال أبو علي: قرأ نافع وحفص والمفضل عن عاصم، {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } خفيفة، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم، {وَمَا نَزَلَ }، مشددة، وعن أبي عمرو {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } مرتفعة النون مكسورة الزاي، والتقدير في القراءة الأولى: أن تخشع قلوبهم لذكر الله ولما نزل من الحق، وفي القراءة الثانية ولما نزله الله من الحق، وفي القراءة الثالثة ولما نزل من الحق. المسألة الثالثة: يحتمل أن يكون المراد من الحق هو القرآن لأنه جامع للوصفين الذكر والموعظة وإنه حق نازل من السماء، ويحتمل أن يكون المراد من الذكر هو ذكر الله مطلقاً، والمراد بما نزل من الحق هو القرآن، وإنما قدم الخشوع بالذكر على الخشوع بما نزل من القرآن، لأن الخشوع والخوف والخشية لا تحصل إلا عند ذكر الله، فأما حصولها عند سماع القرآن فذاك لأجل اشتمال القرآن على ذكر الله، ثم قال تعالى: {وَلاَ يَكُونُواْ } قال الفراء: هو في موضع نصب معناه: ألم يأن أن تخشع قلوبهم، وأن لا يكونوا، قال: ولو كان جزماً على النهي كان صواباً، ويدل على هذا الوجه قراءة من قرأ بالتاء على سبيل الالتفات، ثم قال: {كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ } يريد اليهود والنصارى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير طول الأمد وجوهاً أحدها: طالت المدة بينهم وبين أنبيائهم فقست قلوبهم وثانيها: قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله وثالثها: طالت أعمارهم في الغفلة فحصلت القسوة في قلوبهم بذلك السبب ورابعها: قال: ابن حبان: الأمد ههنا الأمل البعيد، والمعنى على هذا طال عليهم الأمد بطول الأمل، أي لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم وخامسها: قال مقاتل بن سليمان: طال عليهم أمد خروج النبي عليه السلام وسادسها: طال عهدهم بسماع التوراة والإنجيل فزال وقعهما عن قلوبهم فلا جرم قست قلوبهم، فكأنه تعالى نهى المؤمنين عن أن يكونوا كذلك، قاله القرظي. المسألة الثانية: قرىء (الأمد) بالتشديد، أي الوقت الأطول، ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } أي خارجون عن دينهم رافضون لما في الكتابين، وكأنه إشارة إلى أن عدم الخشوع في أول الأمر يفضي إلى الفسق في آخر الأمر.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي يقرب ويحين، قال الشاعر:شعر : أَلَمْ يَأَنِ ليِ يَا قَلْبُ أَنْ أَتْركَ الْجَهْلاَ وأن يُحْدِثَ الشَّيبُ المبينُ لنا عَقْلاَ تفسير : وماضيه أَنَى بالقصر يَأنى. ويقال: آن لك ـ بالمد ـ أن تفعل كذا يَئِين أَيْناً أي حان، مثل أَنَى لك وهو مقلوب منه. وأنشد ٱبن السِّكيت:شعر : أَلَمَّا يئِنْ ليِ أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتيِ وأَقْصُرُ عن لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا تفسير : فجمع بين اللغتين، وقرأ الحسن «أَلَمَّا يَأْنِ» وأصلها «أَلَمْ» زيدت «ما» فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا؛ و «لم» نفي لقوله: كان كذا. وفي صحيح مسلم عن ٱبن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} إلا أربع سنين. قال الخليل: العتاب مخاطبة الإِدلال ومذاكرة المَوْجِدة؛ تقول عاتبته معاتبة {أَن تَخْشَعَ} أي تذل وتلين {قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} حديث : روي أن المزاح والضحِك كثر في أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لما ترفَّهوا بالمدينة، فنزلت الآية؛ ولما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم:«إن الله يستبطئكم بالخشوع» فقالوا عند ذلك: خَشَعنا تفسير : . وقال ابن عباس: إن الله ٱستبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة فنزلت: {أية : الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [يوسف: 1-2] إلى قوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف:3] الآية؛ فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول فنزلت: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان. قال السديّ وغيره: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بالظاهر وأسرّوا الكفر {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}. وقيل: نزلت في المؤمنين. قال سعد: قيل يا رسول الله لو قصصت علينا فنزل: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا فنزل: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر:23] فقالوا بعد مدة: لو ذكرتنا فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} ونحوه عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟ قال الحسن: ٱستبطأهم وهم أحبّ خلقه إليه. وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد عليهم السلام لأنه قال عقيب هذا: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» أي ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى؛ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيِّهم فقست قلوبهم. قوله تعالى: {وَلاَ يَكُونُواْ} أي وألا يكونوا فهو منصوب عطفاً على {أَن تَخْشَعَ}. وقيل: مجزوم على النهي؛ مجازه ولا يكونن؛ ودليل هذا التأويل رواية رُوَيس عن يعقوب «لاَ تَكُونُوا» بالتاء؛ وهي قراءة عيسى وٱبن إسحاق. يقول: لا تسلكوا سبيل اليهود والنصارى؛ أعطوا التوراة والإنجيل فطالت الأزمان بهم. قال ٱبن مسعود: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، فٱخترعوا كتاباً من عند أنفسهم ٱستحلّته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فآتركوهم وإلا فآقتلوهم. ثم ٱصطلحوا على أن يرسلوه إلى عالم من علمائهم، وقالوا: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإن أبى قتلناه فلا يختلف علينا بعده أحد؛ فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة وجعلها في قَرْن وعلّقه في عنقه ثم لبس عليه ثيابه، فأتاهم فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فضرب بيده على صدره، وقال: آمنت بهذا يعني المعلّق على صدره. فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين مِلّة؛ وخير مللهم أصحاب ذي القَرْن. قال عبد الله: ومن يعش منكم فسيرى منكراً، وبحَسْب أحدكم إذا رأى المنكر لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره. وقال مقاتل بن حيان: يعني مؤمني أهل الكتاب طال عليهم الأمد وٱستبطؤوا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع. وقيل: من لا يعلم ما يتدين به من الفقه ويخالف من يعلم. وقيل: هم من لا يؤمن في علم الله تعالى. ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بُعِث النبيّ صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وطائفة منهم رجعوا عن دين عيسى وهم الذين فَسَّقهم اللَّهُ. وقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدِبِين، فلما هاجروا أصابوا الرِّيف والنعمة، ففتروا عما كانوا فيه، فقست قلوبهم، فوعظهم الله فأفاقوا. وذكر ٱبن المبارك: أخبرنا مالك بن أنس، قال: بلغني أن عيسى عليه السلام قال لقومه: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وٱنظروا فيها ـ أو قال في ذنوبكم ـ كأنكم عبيد؛ فإنما الناس رجلان معافًى ومبتلًى، فآرحموا أهل البلاء، وٱحمدوا الله على العافية. وهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} كانت سبب توبة الفضيل بن عياض وٱبن المبارك رحمهما الله تعالى: ذكر أبو المطرِّف عبد الرحمن بن مروان القَلاَنسيّ قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن رشيق، قال حدّثنا علي بن يعقوب الزيات، قال حدثنا إبراهيم بن هشام، قال حدثنا زكريا بن أبي أبان، قال حدثنا الليث بن الحرث قال حدّثنا الحسن بن داهر، قال سئل عبد الله بن المبارك عن بدء زهده قال: كنت يوماً مع إخواني في بستان لنا، وذلك حين حملت الثمار من ألوان الفواكه، فأكلنا وشربنا حتى الليل فنمنا، وكنت مولعاً بضرب العودِ والطُّنبور، فقمت في بعض الليل فضربت بصوت يقال له راشين السَّحَر، وأراد سنان يغنِّي، وطائر يصيح فوق رأسي على شجرة، والعود بيدي لا يجيبني إلى ما أريد، وإذا به ينطق كما ينطق الإنسان ـ يعني العود الذي بيده ـ ويقول: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} قلت: بلى واللَّه وكسرت العود، وصرفت من كان عندي، فكان هذا أوّل زهدي وتشميري. وبلغنا عن الشعر الذي أراد ٱبن المبارك أن يضرب به العود:شعر : أَلَمْ يَأْنِ لي مِنك أن تَرْحَمَا وتَعْصِ العَواذِلَ واللُّوَّما وتَرْثِي لصَبٍّ بكم مُغْرَمٌ أقام على هجرِكم مَأْتَمَا يَبِيتُ إِذا جَنَّهُ لَيْلُهُ يُراعِي الكَواكِبَ والأَنْجُمَا وماذا على الظَّبي لَوْ أنّهُ أحَلّ مِن الوَصْلِ ما حَرَّمَا تفسير : وأما الفضيل بن عياض فكان سبب توبته أنه عشق جارية فواعدته ليلاً، فبينما هو يرتقي الجدران إليها إذ سمع قارئاً يقرأ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} فرجع القهقري وهو يقول: بلى والله قد آن! فآواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وبعضهم يقول لبعض: إن فضيلاً يقطع الطريق. فقال الفضيل: أوّاه! أراني بالليل أسعى في معاصي الله، قوم من المسلمين يخافونني! اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام. قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي «يُحْيِـي ٱلأَرْضَ» الجدبة «بَعْدَ مَوْتِهَا» بالمطر. وقال صالح المري: المعنى يلين القلوب بعد قساوتها. وقال جعفر بن محمد: يحييها بالعدل بعد الجور. وقيل: المعنى فكذلك يحيـي الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالكفر والضلالة. وقيل: كذلك يحيـي الله الموتى من الأمم، ويميّز بين الخاشع قلبه وبين القاسي قلبه. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على قدرة الله، وأنه لمحيي الموتى.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه؟ قال عبد الله بن المبارك: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}؟ الآية، رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن حسين المروزي عن ابن المبارك به. ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، يعني: الليثي، عن عون بن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}؟ الآية، إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مثله، فجعله من مسند ابن الزبير، لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب عن أبي حازم عن عامر عن ابن الزبير عن ابن مسعود، فذكره. وقال سفيان الثوري عن المسعودي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة، فقالوا: حدثنا يارسول الله فأنزل الله تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] قال: ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله فأنزل الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله فأنزل الله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}. وقال قتادة: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أول ما يرفع من الناس الخشوع»تفسير : . وقوله تعالى: {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد، بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولاتلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة؛ كما قال تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَٰضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} تفسير : [المائدة: 13] أي: فسدت قلوبهم فقست، وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن أبي عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثاً ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئاً من كتاب الله، أو شيئاً قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه، تركناه، ومن كره أن يتابعنا، قتلناه، ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى مايصنعون، عمد إلى ما يعرف من كتاب الله، فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن، ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل، قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلاناً فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تبعكم، فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلاناً ذلك الفقيه، قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: وما فيه؟ اعرضوه علي، فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا؟ قال: نعم آمنت بما في هذا، وأشار بيده إلى القرن، فتركوه، فلما مات فتشوه فوجدوه معلقاً ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله، فقال بعضهم لبعض: ياهؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن» تفسير : قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم، أو بقي من بقي منكم، أن تروا أموراً تنكرونها لا تستطيعون لها غيراً، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره. وروى أبو جعفر الطبري: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود، فقال: ياأبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله: هلك من لم يعرف قلبه معروفاً، ولم ينكر قلبه منكراً؛ إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال: فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن، ثم جعل القرن بين ثندوتيه، فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به، ويومىء إلى القرن بين ثندوتيه، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن. وقوله تعالى: { ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ يَأْنِ } يَحِن {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } نزلت في شأن الصحابة لما أكثروا المزاح {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ } بالتشديد والتخفيف {مِنَ ٱلْحَقِّ } القرآن {وَلاَ يَكُونُواْ } معطوف على تخشع {كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلُ } هم اليهود والنصارى {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ } الزمن بينهم وبين أنبيائهم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } لم تلن لذكر الله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } يقال: أنى لك يأني أنى: إذا حان. قرأ الجمهور {ألم يأن} وقرأ الحسن، وأبو السماك: (ألما يأن)، وأنشد ابن السكيت:شعر : ألما يأن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى؟ بلى قد أنى ليا تفسير : و{أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ } فاعل يأن، أي: ألم يحضر خشوع قلوبهم ويجيء وقته، ومنه قول الشاعر:شعر : ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا؟ تفسير : هذه الآية نزلت في المؤمنين. قال الحسن: يستبطئهم، وهم أحبّ خلقه إليه. وقيل: إن الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد. قال الزجاج: نزلت في طائفة من المؤمنين، حثوا على الرّقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرّقة والخشوع، فطبقة فوق هؤلاء. وقال السديّ وغيره: المعنى: ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر، وأسرّوا الكفر أن تخشع قلوبهم {لِذِكْرِ ٱللَّهِ }، وسيأتي في آخر البحث ما يقوّي قول من قال إنها نزلت في المسلمين، والخشوع: لين القلب ورقته. والمعنى: أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعاً ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخضع له {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ } معطوف على ذكر الله، والمراد بما نزل من الحقّ: القرآن، فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان، أو خطور بالقلب، وقيل: المراد بالذكر هو القرآن، فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير، أو باعتبار تغاير المفهومين. قرأ الجمهور: {نزل} مشدّداً مبنياً للفاعل. وقرأ نافع، وحفص بالتخفيف مبنياً للفاعل. وقرأ الجحدري، وأبو جعفر، والأعمش، وأبو عمرو في رواية عنه مشدّداً مبنياً للمفعول. وقرأ ابن مسعود: (أنزل) مبنياً للفاعل {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ } قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جرياً على ما تقدّم. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالفوقية على الخطاب التفاتاً، وبها قرأ عيسى، وابن إسحاق، والجملة معطوفة على تخشع أي: ألم يأن لهم أن تخشع، قلوبهم، ولا يكونوا؟ والمعنى: النهي لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأمَدُ } أي: طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم. قرأ الجمهور: {الأمد} بتخفيف الدال، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بتشديدها، أي: الزّمن الطويل، وقيل: المراد بالأمد على القراءة الأولى: الأجل والغاية، يقال أمد فلان كذا، أي: غايته {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } بذلك السبب، فلذلك حرّفوا وبدّلوا، فنهى الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } أي: خارجون عن طاعة الله؛ لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم، وحرّفوا وبدّلوا، ولم يؤمنوا بما نزل على محمد، وقيل: هم الذين تركوا الإيمان بعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم الذين ابتدعوا الرهبانية، وهم أصحاب الصوامع. {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فهو قادر على أن يبعث الأجسام بعد موتها، ويلين القلوب بعد قسوتها {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَـٰتِ } التي من جملتها هذه الآيات {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: كي تعقلوا ما تضمنته من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك. {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } قرأ الجمهور بتشديد الصاد في الموضعين من الصدقة، وأصله المتصدّقين والمتصدّقات، فأدغمت التاء في الصاد. وقرأ أبيّ (المتصدّقين والمتصدّقات) بإثبات التاء على الأصل. وقرأ ابن كثير بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي: صدّقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } معطوف على اسم الفاعل في المصدّقين؛ لأنه لما وقع صلة للألف واللام الموصولة حلّ محلّ الفعل، فكأنه قال: إن الذين تصدّقوا وأقرضوا، كذا قال أبو علي الفارسي وغيره. وقيل: جملة: {وأقرضوا} معترضة بين اسم إن وخبرها، وهو {يُضَـٰعِفُ } وقيل: هي صلة لموصول محذوف، أي: والذين أقرضوا، والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية، وصحة قصد، واحتساب أجر. قرأ الجمهور: {يضاعف لهم} بفتح العين على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل إما الجار والمجرور، أو ضمير يرجع إلى المصدّقين على حذف مضاف أي: ثوابهم، وقرأ الأعمش: (يضاعفه) بكسر العين وزيادة الهاء. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: (يضعف) بتشديد العين وفتحها {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وهو الجنة، والمضاعفة هنا أن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } جميعاً، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول، وخبره قوله: {هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء } الجملة خبر الموصول. قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صدّيق. قال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذّبوهم. وقال مجاهد: هذه الآية للشهداء خاصة، وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، واختار هذا الفراء، والزجاج. وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن جرير، وقيل: هم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ، والظاهر أن معنى الآية: إن الذين آمنوا بالله ورسله جميعاً بمنزلة الصدّيقين والشهداء المشهورين بعلوّ الدرجة عند الله، وقيل: إن الصدّيقين هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا بالله، وصدّقوا جميع رسله، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد. ثم بيّن سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله فقال: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } والضمير الأوّل راجع إلى الموصول، والضميران الأخيران راجعان إلى الصدّيقين والشهداء، أي: لهم مثل أجرهم ونورهم، وأما على قول من قال: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين والشهداء، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد، والمعنى: لهم الأجر والنور الموعودان لهم. ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم، ذكر حال الكافرين وعقابهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } أي: جمعوا بين الكفر وتكذيب الآيات، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول باعتبار ما في صلته من اتصافهم بالكفر والتكذيب، وهذا مبتدأ، وخبره {أَصْحَـٰب ٱلْجَحِيمِ } يعذبون بها، ولا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم وظلمة دائمة. وقد أخرج ابن مردويه عن أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }...»تفسير : الآية. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد، وهم يضحكون، فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: "أتضحكون، ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم، ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ }" قالوا: يا رسول الله، فما كفارة ذلك؟ قال:«حديث : تبكون بقدر ما ضحكتم»تفسير : . وأخرج مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } إلاّ أربع سنين. وأخرج نحوه عنه ابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه من طريق أخرى. وأخرج أبو يعلى، وابن مردويه عنه أيضاً قال: لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض: أيّ شيء أحدثنا: أيّ شيء صنعنا؟. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }... الآية. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي روّاد أن أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك، فنزلت هذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ }. وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } قال: يعني: أنه يلين القلوب بعد قسوتها. وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مؤمنو أمتي شهداء»تفسير : ثم تلا النبيّ صلى الله عليه وسلم {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ }. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود قال: كل مؤمن صديق وشهيد. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إن الرجل ليموت على فراشه، وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية: وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ } قال: هذه مفصولة {وَٱلشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ }. وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إلٰه إلاّ الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأدّيت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته فممن أنا؟ قال: «حديث : من الصدّيقين والشهداء».
الماوردي
تفسير : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها نزلت في قوم موسى عليه السلام قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، قاله ابن حيان. الثاني: في المنافقين آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم، قاله الكلبي. الثالث: أنها في المؤمنين من أمتنا، قاله ابن عباس وابن مسعود، والقاسم بن محمد. ثم اختلف فيها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما رواه أبو حازم عن عون بن عبد الله عن ابن مسعود قال: ما كان بين أن أسلمنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول ما أحدثنا. قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه. الثاني: ما رواه قتادة عن ابن عباس أن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاثة عشرة سنة، فقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} الآية. الثالث: ما رواه المسعودي عن القاسم قال: مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة فقالوا يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله تعالى: {نَحنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسنَ الْقَصَصِ} ثم ملوا مرة فقالوا: حدثنا يا رسول الله، فأنزل الله {أَلَمْ يَأنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}. قال شداد بن أوس: كان يروى لنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ". تفسير : ومعنى قوله: {أَلَمْ يَأْنِ} ألم يحن، قال الشاعر: شعر : ألم يأن لي يا قلب أن اترك الجهلا وأن يحدث الشيب المبين لنا عقلا تفسير : وفي {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكْر اللَّهِ} ثلاثة تأويلات: أحدها: أن تلين قلوبهم لذكر الله. الثاني: أن تذل قلوبهم من خشية الله. الثالث: أن تجزع قلوبهم من خوف الله. وفي ذكر الله ها هنا وجهان: أحدهما: أنه القرآن، قاله مقاتل. الثاني: أنه حقوق الله، وهو محتمل. {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: القرآن، قاله مقاتل. الثاني: الحلال والحرام، قاله الكلبي. الثالث: يحتمل أن يكون ما أنزل من البينات والهدى. {اعلموا أن الله يحيى الأرض بعد موتها} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يلين القلوب بعد قسوتها، قاله صالح المري. الثاني: يحتمل أنه يصلح الفساد. الثالث: أنه مثل ضربه لإحياء الموتى. روى وكيع عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله كيف يحيى الله الأرض بعد موتها؟ فقال: "حديث : يَا أَبَا رُزَينَ أَمَا مَرَرْتَ بِوَادٍ مُمْحَلٍ ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضْرَةً؟ قال: بلى، قَالَ كَذَلِكَ يُحْيي اللَّهُ المَوتَى ".
ابن عبد السلام
تفسير : {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} بألسنتهم دون قلوبهم، أو قوم موسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مؤمنو هذه الأمة "ع"، استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن "ع" قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا ومعاتبتنا بها إلا أربع سنين فنظر بعضنا إلى بعض يقول ما أحدثنا قال الحسن يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه، أو ملوا مثله فقالوا: حدثنا يا رسول الله فنزل {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} تفسير : [يوسف: 3] ثم ملوا أخرى فقالوا حدثنا فنزل {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [الزمر: 23] ثم ملوا أخرى فقالوا حدثنا فنزلت {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ} يإنِ: يحن يخشع يلين، أو يذل، أو يخرج {لِذِكْرِ اللَّهِ} القرآن {وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} القرآن، أو الحلال والحرام.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قيل نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم قالوا لسلمان الفارسي ذات يوم حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزل {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص} تفسير : [يوسف: 3] فأخبرهم أن القرآن أحسن من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم عادوا فسألوه مثل ذلك فنزل {أية : الله نزل أحسن الحديث} تفسير : [الزمر: 23] الآية فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فسألوه فنزلت هذه الآية فعلى هذا القول يكون تأويل قوله: {ألم يأن للذين آمنوا} يعني في العلانية باللسان ولم يؤمنوا بالقلب، وقيل نزلت في المؤمنين وذلك أنهم لما قدموا المدينة أصابوا من لين العيش ورفاهيته ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزل في ذلك ألم يأن للذين آمنوا الآية قال ابن مسعود ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين أخرجه مسلم وقال ابن عباس إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال ألم يأن يعني أما حان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم أي ترق وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله أي لمواعظ الله {وما نزل من الحق} يعني القرآن {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل} يعني اليهود والنصارى، {فطال عليهم الأمد} أي الزمان الذي بينهم وبين أنبيائهم {فقست قلوبهم} قال ابن عباس مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن والمعنى أن الله نهى المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر روي عن أبي موسى الأشعري أنه بعث إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤوا القرآن فقال أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم قاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم {وكثير منهم فاسقون} يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم قوله عز وجل: {اعلموا أن الله يحيي الأرض} أي بالمطر {بعد موتها} أي يخرج منها النبات بعد يبسها فكذلك يقدر على إحياء الموتى وقال ابن عباس يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتة منيبة وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة وإلا فقد علم إحياء الأرض بالمطر مشاهدة {قد بينا لكم الآيات} أي الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا {لعلكم تعقلون إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً} أي بالنفقة والصدقة في سبيل الله {يضاعف لهم} أي ذلك القرض {ولهم أجر كريم} أي ثواب حسن وهو الجنة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ}: ابتداء معنى مستأنف، ومعنى {أَلَمْ يَأْنِ}: ألم يَحِنْ؛ يقال: أنى الشَّيْءُ يأني إذَا حَانَ، وفي الآية معنى الحَضِّ والتقريع، قال ابن عباس: عُوتِبَ المؤمنون بهذه الآية، وهذه الآية كانت سَبَبَ توبة الفُضَيْلِ وابن المبارك، والخشوع: الإخبات والتضامن وهي هيئة تظهر في الجوارحَ متى كانت في القلب؛ ولذلك خَصَّ تعالى القلبَ بالذكر، وروى شداد بن أَوس عنِ النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال: «حديث : أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الخُشُوعُ». تفسير : وقوله تعالى: {لِذِكْرِ ٱللَّهِ} أي: لأجل ذكر اللَّه تعالى ووحيه، أو لأجل تذكير اللَّه إيَّاهم وأوامره فيهم، والإشارة في قوله: {أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى ـــ عليه السلام ـــ ولذلك قال: {مِن قَبْلُ} وَإنَّما شَبَّه أهل عصر نبيٍّ [بأهل عصر نبيٍّ]. وقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} قيل: معناه: أَمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة، قال الفخر: وقال مقاتل بن حيان: الأمد هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالُهم، لا جَرَمَ قَسَتْ قلوبهم، انتهى، وباقي الآية بَيِّنٌ.
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا وعظاً شافياً لسقام القلوب، وكاشفاً لغطاء الكروب، انتج قوله حاثاً على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم بإعجازه أنه كلام مستعطفاً لهم إلى جنابه زاجراً لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم عن التوراة والإنجيل، فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم بها وينبههم على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية زاجرة هذا الزجر العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف، مخوفاً لهم بما وقع لأهل الكتاب من الإعراض عن كتابهم، قال الكلبي نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال: {ألم يأن} أي يحن وينتهي ويدرك إلى غاية {للذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقاً أو كذباً {أن تخشع} أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي {قلوبهم لذكر الله} أي الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذباً ويقوى في الدين من كان ضعيفاً، فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير القرآن، فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها. ولما كان الذكر وحده كافياً في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل رغبة ومنبع لكل رهبة، وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من الجلال والإكرام قال: {وما نزل} أي الله تعالى بالتدريج - على قراءة الجماعة بالتشديد، وما وجد إنزاله من عند الله على خاتم رسله صلى الله عليه وسلم على قراءة نافع وحفص عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف {من الحق} أي من الوعد والوعيد والوعظ وغير ذلك على نبيكم صلى الله عليه وسلم من القرآن إشارة إلى أن غير هذا الذكر دخله الدخيل، وأما هذا فثابت ثباتاً لا يقدر أحد على إزالته. ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل الأنفة وأولي المعالي قال: {ولا يكونوا كالذين} ولما كان العلم بمجرده كافياً في إعلاء الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب، إشارة إلى ذلك بالبناء للمجهول فقال: {أوتوا الكتاب} أي لو كان الإتيان من عند غير الله لكان جديراً بالهداية فكيف وهو من عنده. ولما كان إنزال الكتب لم يكن إلا على بني إسرائيل فلم يكن مستغرقاً للزمان الماضي أدخل الجارّ فقال: {من قبل} أي قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى. ولما كانوا في كل قليل يعبرون قال عاطفاً على {أوتوا الكتاب}: {فطال عليهم الأمد} أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول إيتائهم الكتاب الذي من شأنه ترقيق القلوب، والأمد الأجل، وكل منهما يطلق على المدة كلها وعلى آخرها، وكذا الغاية بقول النحاة: "من" لابتداء الغاية و "إلى" لانتهائها، والمراد جميع المدة {فقسمت} أي بسبب الطول {قلوبهم} أي صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات، وأما بعد ايتائهم فأبعدوا في القساوة، فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة وإن الشهوة والصفوة لا تجتمعان. ولما كان التقدير: فبعضهم ثبت على تزلزل، عطف عليه قوله: {وكثير منهم} أخرجته قساوته عن الدين أصلاً ورأساً فهم {فاسقون *} أي عريقون في وصف الإقدام على الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب، وعن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلاّ أربع سنين" رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي: وفيه موسى بن يعقوب الربعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن المديني وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. ولما كان الموجب الأعظم للقسوة إنكار البعث، وكان العرب يزيدون على أهل الكتاب من موجبات القسوة به، وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ينكره، قال مهدداً به مقرراً لما ابتدأ به السورة من أمر الإحياء مشيراً إلى القدر على إحياء القلوب ممثلاً لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ترغيباً في إدامة ذلك: {اعلموا} أي يا من آمن بلسانه {أن الله} أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء {يحيي} أي على سبيل التجديد والاستمرار كما تشاهدونه {الأرض} اليابسة بالنبات. ولما كان هذا الوصف ثابتاً دائماً بالفعل وبالقوة أخرى، وكان الجار هنا مقتضياً للتعميم قال: {بعد موتها} من غير ذكر الجارّ وكما أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد تفتت وصار تراباً فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات وكما فعل بالأجسام أول مرة سواء، لا فرق بوجه إلا بأن يقال: الابتداء أصعب في العادة، فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب، فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعها وموتها. ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف، أنتج قوله: {قد بينا} أي على ما لنا من العظمة، ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم غيرهم فكانوا يعرفون - من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة مسالكه وعظمة مداركه، وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغير ذلك من شؤونه وأنواعه وفنونه، المنتج لتحقق أنه كلام الله - ما لا يعلمه غيرهم فكأنما كانوا مخصوصين بهذا البيان، فقدم الجارّ فقال: {لكم الآيات} أي العلامات المنيرات. ولما كان السياق للبعث، وكان من دعائم أصول الدين، وكان العقل كافياً في قياسه على النبات، وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة الآخرة ناقصاً"، وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساوياً للعدم، قال معبراً بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت، ودواع تدعو إلى فهمها، وتبعث إلى إتقان علمها {لعلكم تعقلون *} أي لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ "ألمايان للذين آمنوا". وأخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة من نزول القرآن، فأنزل الله {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} الآية . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قالوا يا رسول الله: فما كفارة ذلك؟ قال: تبكون قدر ما ضحكتم ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} قال: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "حديث : أول ما يرفع من الناس الخشوع ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم} يقول: ألم يحن للذين آمنوا. وأخرج ابن المبارك عن ابن عباس رضي الله عنهما {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} قال: تليين القلوب بعد قسوتها. وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ما كان بين أسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلا أربع سنين. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن الزبير أن ابن مسعود أخبره أنه لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} الآية أقبل بعضنا على بعض أي شيء أحدثنا؟ أي شيء صنعنا؟. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال: {ألم يأن للذين آمنوا} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد العزيز بن أبي رواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر منهم المزاح والضحك فنزلت {ألم يأن للذين آمنوا} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذوا في شيء من المزاح فأنزل الله {ألم يأن للذين آمنوا} الآية. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعدما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه، فعوتبوا، فنزلت {ألم يأن للذين أمنوا} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن القاسم قال: ملّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يا رسول الله فأنزل الله {أية : نحن نقص عليك أحسن القصص}تفسير : [ يوسف: 3] ثم ملوا ملة فقالوا حدثنا يا رسول الله فأنزل الله {ألم يأن للذين آمنوا} الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب، ألا إنما البعيد ما ليس بآت ". تفسير : وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فقالوا: أعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجل من علمائهم فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم أحد بعده، فأرسلوا إليه فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟ يعني الكتاب الذي فيه القرآن فخلوا سبيله، وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا الكتاب الذي فيه القرآن معلق عليه فقالوا: ألا ترون إلى قوله: آمنت بهذا وما لي لا أومن بهذا؟ إنما عنى هذا الكتاب، فاختلف بنوا إسرائيل على بضع وسبعين ملة وخير مللهم أصحاب ذي القرآن. قال عبدالله: وإن من بقي منكم سيرى منكراً وبحسب امرىء يرى منكراً لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له. وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا تلا هذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية شداد بن أوس: أول ما يرفع من الناس الخشوع. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {الأمد} قال: الدهر. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال: جمع أبو موسى الأشعري القراء فقال: لا يدخلن عليكم إلا من جمع القرآن، فدخلنا ثلاثمائة رجل فوعظنا وقال: أنتم قراء هذه البلد والله ليطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}[16] قال: ألم يحن لهم أوان الخشوع عند سماع الذكر، فيشاهدوا الوعد والوعيد مشاهدة الغيب. قوله تعالى: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}[16] قال يعني باتباع الشهوة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} [الآية: 16]. قال سهل رحمة الله عليه: ألم يحن لهم أوان الخشوع عند سماع الذكر فيشاهدوا الوعد والوعيد مشاهد الغيب. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا الحسن بن ذرعان يقول: سمعت أحمد ابن الحوارى يقول: بينما أنا فى بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها فرأيت رجلاً مغشياً عليه فقلت: من هذا؟ قالوا: كان رجلاً حاضر القلب فسمع آية من كتاب الله فخرّ مغشياً عليه. فقلت: وما هى قال: قوله {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}. فأفاق الرجل عند سماع كلامنا وأنشأ وجعل يقول: شعر : أمـا آن للهجـران أن يتصرمـا وللغصن غصن البان أن يتنسما وللعاشق الصب الذى ذاب وانحنى الم يـأن أن يبكى عليه ويرحما كتبت بمـا الشـوق بين جوانحى كتابًا بأجلى نفش الوشى المنمنما تفسير : ثم قال: أشكال أشكال أشكال وخرّ مغشياً عليه فحركناه فإذا هو ميت. قوله تعالى: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الآية: 16]. قال سهل: باتباع الشهوات. قال أبو بكر الوراق: القسوة تتولد من قلة المراقبة. وقال النباحى: القسوة عقوبة المعصية. وقال الواسطى: هى انحراف القلب وهو أن يكله الله إلى تدبيره. وقال: قسوة القلب من العلم أشد من القسوة بالفعل. قال أبو عثمان: علامة قسوة القلب أن لا تعمل فيه الموعظة ولا تؤثر فيه النصيحة ولا تظهر فيه بركة مجالسة الصالحين.
القشيري
تفسير : ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تتواضعَ قلوبُهم وتلين لذِكْر اللَّهِ وللقرآنِ وما فيه من العِبَر؟ وألا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ من قبل؟ وأراد بهم اليهودَ، وكثيرٌ من اليهود فاسقون كافرون. وأراد بطول الأمَدِ الفترةَ التي كانت بين موسى ونبيِّنا صلى الله عليه وسلم، وفي الخبر: "حديث : أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصابتهم ملالةٌ فقالوا: لو حَدّثْتنا ". تفسير : فأنزل اللَّهُ تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ}تفسير : [الزمر: 23]. فبعد مُدَّةٍ قالوا: لو قَصَصْتَ علينا! فأنزل اللَّهُ تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الكهف: 13] فبعد مدةٍ قالوا: لو ذَكَّرتَنا ووَعَظْتَنا! فأنزل الله تعالى هذه السورة. وفي هذه الآية ما يشبه الاستبطاء. وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفة لا تجتمعان؛ فإذا حـَصَلت الشهوةُ رَحَلت الصفوة. وموجِبُ القسوة هو انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ. ويقال: موجب القسوة أوَّلُه خَطْرة - فإلمَّ تُتَداركْ صارت فكرة، وإلمّ تُتدَاركْ صارت عزيمة، فإن لم تُتَدَاركْ جَرَت المخالفة، فإن لم تُتداركْ بالتلافي صارت قسوةً وبعدئذ تصير طَبعاً ورَيْناً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} هذا قوم من ضعفاء المريدين الذين فى نفوسهم بقايا الميل الى الحظوظ حتى يحتاجوا الى الخشوع عند ذكر الله واهل الصفوة واحترقوا فى الله بنيران محبة الله ولو كان هذا الخطاب للاكابر يقال ان تخشع قلوبهم لله لان الخشوع لله موضع فناء العارف فى المعروف وارادة الحق بنعت الشوق اليهم فناؤهم فى بقائه بنعت الوله والهيجان والخشوع للذكر موضع الرقة من القلب فاذا رق القلب خشع بنور ذكر الله لله كانه تعالى دعاهم بلطفه الى سماع ذكره بنعت الخشوع والخضوع والمتابعة بقوله والاستلذاذ بذكره حتى لا يبقى فى قلوبهم لذة فوق لذة ذكره قال سهل لم يحن لهم اوان الخشوع عن سماع الذكر فشاهدوا الوعد والوعيد مشاهدة الغيب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} من أنى الامر بأنى الدنيا واناء واناء اذا جاء اناه اى وقته وحان حينه وادرك والخشوع ضراعة وذل اى ألم يجيىء وقت ان تخشع قلوبهم لذكره تعالى وتطمئن به ويسارعوا الى طاعته بالامتثال لاوامره والانتهاء عما نهوا عنه من غير توان ولا فتور قال بعضهم الذكر ان كان غير القرءآن يكون المعنى ان ترق وتلين قلوبهم اذا ذكر الله فان ذكر الله سبب لخشوع القلوب اى سبب فالذكر مضاف الى مفعوله واللام بمعنى الوقت وان كان القرءآن فهو مضاف الى الفاعل واللام للعلة لمواعظ الله تعالى الى ذكرها فى القرءآن ولآياته التى تتلى فيه وبالفارسية آيات وقت نيايد مر آنانرا كه كرويده اند آنكه بترسد ونرم شود دلهاى ايشان براج ياد كردن خداى {ومانزل من الحق} اى القرءآن وهو عطف على ذكر الله فان كان هو المراد به ايضا فالعطف لتغاير العنوانين فانه ذكر وموعظة كأنه حق نازل من السماء والا فالعطف كما فى قوله تعالى {أية : انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا}تفسير : ومعنى الخشوع له الانقياد التام لاوامره ونواهيه والعكوف على العمل بما فيه من الاحكام التى من جملتها ماسبق وما لحق من الانفاق فى سبيل الله روى ان المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا اصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه من الخشوع فنزلت وعن ابن مسعود رضى الله عنه ماكان بين اسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية اربع سنين وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعابتهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرءآن وعن الحسن رحمه الله والله لقد استبطأهم وهم يقرأون من القرءآن اقل مما تقرأون فانظروا فى طول ماقرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق، قولى آنست كه مزاح ومضاحك درميان اصحاب بسيار شد آيت نازل، كشت كما قال الامام الغزالى رحمه الله فى منهاج العابدين ثم الصحابة الذين هم خير قرن كان يبدو منهم شىء من المزاح فنزل قوله تعالى {الم يأن} الخ وعن أبى بكر الصديق رضى الله عنه ان هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر اليهم فقال هكذا كنا قست القلوب قال السهر وردى فى العوارف حتى قست القلوب اى تصلبت وادمنت سماع القرءآن وألفت نواره فما استغربته حتى تتغير والواجد كالمستغرب ولهذا قال بعضهم حالى قبل الصلاة كحال فى الصلاة اشارة منه الى استمرار حال الشهود انتهى فقوله حتى قست القلوب ظاهره تقبيح للقلوب بالقسوة والتلوين وحقيقته تحسين لها بالشهود والتمكين قال البقلى رحمه الله فى الآية هذا فى حق قوم من ضعفاء المريدين الذين فى نفوسهم بقايا الميل الى الحظوظ حتى يحتاجوا الى الخشوع عند ذكر الله وأهل الصفوة احترقوا فى الله بنيران محبة لله ولو كان هذا الخطاب للاكابر لقال أن تخشع قلوبهم لله لان الخشوع لله موضع فناء العارف فى المعروف وارادة الحق بنعت الشوق اليه فناؤهم فى بقائه بنعت الوله والهيمان والخشوع للذكر موضع الرقة من القلب فاذا رق القلب خشع بنور ذكر الله لله كأنه تعالى دعاهم بلطفه الى سماع ذكره بنعت الخشوع والخضوع والمتابعة لقوله والاستلذاذ بذكره حتى لايبقى فى قلوبهم لذة فوق لذة ذكره قال أبو الدردآء رضى الله عنه استعيذ من خشوع النفاق قيل وما خشوع النفاق قال أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع شعر : رو آوازه خواهاى در اقليم فاش برون حله كن كو درون حشو باش اكر بيخ اخلاص درم بوم نيست ازين دركسى جون تو محرم نيست زر اندود كانرا بآتش برند يديد آيد آنكه كه مس بازرند تفسير : {ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل} عطف على تخشع والمراد النهى عن مماثلة اهل الكتاب فيما حكى عنهم بقوله {فطال عليهم الامد} اى الاجل والزمان الذى بينهم وبين انبيائهم او الاعمار والآمال وغلبهم الجفاء والقسوة وزالت عنه الروعة التى كانت تأتيهم من التوراة والانجيل اذا تلوهما وسمعوهما {فقست قلوبهم} فهى كالحجارة او اشد قسوة والقسوة غلظ القلب وانما تحصل من اتباع الشهوة فان الشهوة والصفوة لاتجتمعان {وكثير منهم فاسقون} اى خارجون عن حدود دينهم رافضون لما فى كتابهم بالكلية لفرط الجفاء والقسوة ففيه اشارة الى ان عدم الخشوع فى اول الامر يفضى الى الفسق فى آخر الامر، وكفته اند نتيجه سختى دل غفلت است ونشأه نرمىء دل توجه بطاعت شعر : دلى كزنور معنى نيست روشن مخوانش دل كه آن سنكست وآهن دلى كز كرد غفلت رنك دارد ازان دل سنك وآهن ننك دارد تفسير : روى ان عيسى عليه السلام قال لاتكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم فان القلب القاسى بعيد من الله و لاتنظروا فى ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فى ذنوبكم كأنكم عبيد فانما الناس رجلان مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ألم يأن}: مجزوم بحذف الياء، من: أَنَى يأنِي، كمَضَى يمضي: إذا حان وقرب. و {أن تخشع}: فاعل. و {لا يكونوا}: عطف على "تخشع"، وقرأ رويس عن يعقوب بالخطاب، فيكون التفاتاً؛ للاعتناء بالتحذير، أو نهياً. يقول الحق جلّ جلاله: {ألم يَأْنِ} ألم يحضر، أو يقرب {للذين آمنوا أن تخشع قُلوبُهم لذكر الله} أو: ألم يجيء وقت خشوع قلوب المؤمنين لذكر الله تعالى، وتطمئن به، ويسارعون إلى طاعته، بالامثال لأوامره والاجتناب لنواهيه. قيل: كانوا مجدبين بمكة، فلما هاجروا وأصابوا الرزق والنعمة، ففتروا عما كانوا عليه، فنزلت. وبه تعلم أنَّ الشدة هي عين الرخاء، وأنَّ الجلال هو الجمال، وأين هو حبيبك ثَمَّ هو عدوك. وعن ابن مسعود رضي الله عنه: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربعُ سنين. وعن ابن عباس رضي الله عنه: استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وعن أبي بكر رضي الله عنه: إنَّ هذه الآية قُرئت بين يديه، وعنده قوم من أهل اليمامة، فبكوا بكاءً شديداً، فنظر إليهم فقال: "هكذا كنا حتى قست قلوبنا". قلت: مراده بالقسوة: التصلُّب والتثبُّت للورادات، وذلك أنَّ القلب في البدايات يكون رطباً مغلوباً للأحوال والواردات، يتأثر بأدنى شيء، فإذا استمر مع الأنوار والواردات؛ استأنس بها وتصلّب واشتد، فلا تؤثر فيه الواردات، فيكون مالكاً للأحوال، لا مملوكاً، وهذا أمر ذَوقْي، يرتفع البكاء عن العارفين، ويظهر على الصالحين والطالبين. وهذه الآية أيضاً كانت سبب توبة الفُضيل، كان صاعداً لجارية، فسمع قارئاً يقرأها، فقال: قد آن الخشوع والرجوع، فتاب. والمراد بذكر الله ذكر اسمه تعالى على أي لفظ كان، كقوله:{أية : إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ...}تفسير : [الأنفال: 2] الآية، أو: القرآن، فيكون قوله: {وما نَزَلَ من الحق} عطف تفسير، أو لتغاير العنوانين، فإنه ذِكْرٌ وموعظة، كما أنه حقٌّ نازل من السماء. والمراد بالخشوع: الإنابة والخضوع، ومتابعة الأمر والنهي. {ولا يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبلُ} أي: اليهود والنصارى، {فطال عليهم الأمدُ} الزمن بينهم وبين أنبيائهم، {فقست قلوبُهم} باتباع الشهوات، وذلك أنَّ بني إسرائيل كان الحقُّ يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمِعوا التوراة خشعوا له، ورقَّت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلب عليهم الجفاء والقسوة، واختلفوا. قال ابن مسعود: إن بني إسرائيل لمّا طال عليهم الأمد قست قلوبُهم، فاخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استحلته أنفُسِهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثيرٍ من شهواتهم، حتى نبذوا كتابَ الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، ثم قالوا: اعْرِضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإلاَّ فاقتلوهم. ثم اتفقوا أن يرسلوه إلى عالمٍ من علمائهم، [وقالوا]: إن هو تابعنا لم يخالفنا أحد، وإلاَّ قتلتموه، فلا يختلف علينا بعده أحد، فأرسلوا إليه، فكتب كتاب الله في ورقة، وجعلها في قرن، وعلقها في عنقه، ثم لبس عليه ثيابه، وأتاهم، فعرضوا عليه كتابهم، وقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومئ إلى صدره، وقال: آمنتُ بهذا - يعني المعلَّق على صدره - فافترقت بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة. هـ. قال تعالى: {وكثيرُ منهم فاسقون} خارجون عن دينهم، رافضون لما في الكتابين، أي: وقليل منهم مؤمنون، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. وقال ابن عطية: الإشارة بقوله: {أوتوا الكتاب} إلى بني إسرائيل المعاصرين لموسى عليه السلام، ولذلك قال: {من قبل}، وإنما شبّه أهل عصر نبي بأهل عصر نبي، وقوله: {فطال عليهم الأمدُ} قيل: أمد الحياة، وقيل: أمد انتظار القيامة. هـ. وقال مقاتل: {الأمد} هنا: الأمل، أي: لما طالت آمالهم لا جرم قست قلوبهم. هـ. قيل: إن الصحابة ملُّوا ملالة، فقالوا: حدِّثنا، فنزل:{أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ}تفسير : [يوسف: 3]، وبعد مدة قالوا: لو ذَكَّرتَنا، فنزلت هذه السورة. وهذه الآية {اعلموا أنَّ الله يُحيي الأرضَ بعد موتها} قيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يُحييها كما يُحيي الغيثُ الأرض، وفيه إرشاد إلى أنَّ طريق زوال القسوة ليس إلاَّ الالتجاء إلى الله، ونفى الحول والقوة؛ لأنه تعالى القادر وحده على ذلك، كما أنه وحده يُحيي الأرض، {قد بيّنا لكم الآيات} التي من جملتها هذه الآية، {لعلكم تعقلون} كي تعقلوا ما فيها، وتعملوا بموجبها، فتفوزوا بسعادة الدارين. والله تعالى أعلم. الإشارة: خشوع القلب لذكر الله هو ذهوله وغيبته عند سطوع أنوار المذكور، فيغيب الذاكر في المذكور، وهو الفناء، والخشوع لسماع ما نزل من الحق: أن يسمعه من الحق، لا من الخلق، وهو أقصى درجات المقربين. ثم نهى تعالى الخواص أن يتشبّهوا بأهل العلوم الرسمية اللسانية؛ لأنه طال بهم الأمل، وتنافسوا في الرئاسة، وتهالكوا في الحظوظ العاجلة، حتى قست قلوبهم، وخرجوا عن الإرادة بالكلية، قال القشيري: وقسوة القلب إنما تحصل من اتباع الشهوة؛ فإن الشهوة والصفوة لا يجتمعان، وموجِبُ القسوة: انحرافُ القلب عن مراقبة الربِّ، ويقال: موجب القسوة أوله خطرة، فإنْ لم تتدارَكْ صارت فكرة، وإن لم تتدارَكْ صارت عزيمة، فإن لم تتدارَكْ صارت مخالفة، فإن لم تتلافَ صارت قسوةً، وبعد ذلك طبع ودين. هـ. وحينئذ لا ينفع الوعظ والتذكير، كما قال: شعر : إذا قسا القلبُ لم تنفعه موعظةٌ كالأرض إن سبختْ لم ينفع المطرُ تفسير : اعلموا أن الله يُحيي أرض القلوب بالعلم والمعرفة، بعد موتها بالغفلة والجهل، قد بيَّنَّا الآيات لمَن يتدبّر ويعقل. ثم رغَّب في الصدقة، فقال: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ}.
الطوسي
تفسير : قرأ {وما نزل من الحق} بتخفيف الزاي نافع وحفص عن عاصم، لانه يقع على القليل والكثير، ويكون النزول مضافاً إلى الحق. الباقون بالتشديد بمعنى أن الله هو الذى نزل الحق شيئاً بعد شيء. وقرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم وابن زيد {المصدقين والمصدقات} بتخفيف الصاد يذهبون إلى التصديق الذى هو خلاف التكذيب، ومعناه إن المؤمنين والمؤمنات. الباقون - بتشديد الصاد - يذهبون أن الأصل المتصدقين، فادغمت التاء في الصاد لتقارب مخرجهما وشدد. ومعنى قوله {ألم يأن} ألم يحن {للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} أى تخضع لسماع ذكر الله ويخافون عقابه، وينبغي ان يكون هذا متوجهاً إلى طائفة مخصوصة لم يكن فيهم الخشوع التام حثوا على الرقة والرحمة. وأما من كان ممن وصفه الله بالخشوع والرحمة والرقة فطبقة فوق هؤلاء المؤمنين، ويقال أنى يأني أناً إذا حان، ومنه قوله {أية : غير ناظرين إناه} تفسير : أى منتهاه. والخشوع لين القلب للحق بالآنقياد له، ومثله الخضوع وضده قسوة القلب. والحق ما دعا اليه العقل وهو الذى من عمل به نجا ومن عمل بخلافه هلك، والحق مطلوب كل عاقل في نظره وإن اخطأ طريقه، والقسوة غلظ القلب بالجفاء عن قبول الحق، قسا قلبه يقسو قسوة، فهو قاس. {وما نزل من الحق} من خفف اضاف النزول إلى الحق ومن شدد اراد ما نزله الله من الحق {ولا يكونوا} أى وألا تكونوا {كالذين أوتوا الكتاب} من اليهود والنصارى {من قبل} أى من قبلهم فيكون موضعه نصباً. ويحتمل ان يكون مجزوماً على النهي {فطال عليهم الأمد} يعني المدة والوقت، فان أهل الكتاب لما طال عليهم مدة الجزاء على الطاعات {فقست قلوبهم} حتى عدلوا عن الواجب وعملوا بالباطل. وقيل: معناه طال عليهم الأمد ما بين زمانهم وزمن موسى. وقيل: طال عليهم الامد ما بين نبيهم وزمن موسى. وقيل طال أمد الآخرة {فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} خارجون عن طاعة الله تعالى إلى معصيته فلا تكونوا مثلهم فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم. ثم قال {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} بالجدب والقحط فكذلك يحيي الكافر بالهدى إلى الايمان بعد موته بالضلال بأن يلطف له ما يؤمن عنده. ثم قال {قد بينا لكم الآيات} يعني الحجج الواضحات والدلائل البينات {لعلكم تعقلون} أى لكي تعقلوا وترجعوا إلى طاعته وتعملوا بما يأمركم به. وقوله {إن المصدقين والمصدقات} من شدد أراد المتصدقين إلا انه ادغم التاء في الصاد، ومن خفف اراد الذين صدقوا بالحق {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} أى انفقوا ما لهم في طاعة الله وسبيل مرضاته. ثم بين ما أعد لهم من الجزاء فقال {يضاعف لهم} أي يجازون بأمثال ذلك. ومن شدد العين اراد التكثير، لأن الله تعالى يعطي بالواحد عشراً إلى سبعين إلى سبع مئة، ثم قال {ولهم أجر كريم} أي لهم جزاء وثواب مع إكرام الله إياهم وإجلاله لهم. ثم قال {والذين آمنوا بالله ورسله} يعني الذين صدقوا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وأقروا بنبوة رسله {أولئك هم الصديقون} الذين صدقوا بالحق. ثم قال مستأنفاً {والشهداء عند ربهم} قال ابن عباس ومسروق وابو الضحى والضحاك: هو منفصل مما قبله مستأنف والمراد بالشهداء الانبياء عليهم السلام ويجوز ان يكون معطوفاً على ما تقدم وتقديره أولئك هم الصديقون وأولئك هم الشهداء، ويكون لهم أجرهم ونورهم للجماعة من الصديقين والشهداء، فكانه قال: كل مؤمن شهيد على ما رواه البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وآله وعن عبد الله بن مسعود ومجاهد، فيكون التقدير أولئك هم الصديقون عند ربهم والشهداء عند ربهم. ثم قال {لهم أجرهم ونورهم} أي لهم ثواب طاعاتهم ونور إيمانهم الذي يهتدون به إلى طريق الجنة. ثم قال {والذين كفروا} بالله وجحدوا توحيده وكذبوا رسله {وكذبوا بآياتنا} يعني حججه وبيناته {أولئك أصحاب الجحيم} يعني إنهم يلزمهم الله الجحيم فيبقون فيها دائمين. ثم زهد المؤمنين فى الدنيا والسكون إلى لذاتها، فقال {اعلموا} معاشر العقلاء والمكلفين {أنما الحياة الدنيا} يعني فى هذه الدنيا {لعب ولهو} لانه لا بقاء لذلك ولا دوام وإنه يزول عن وشيك كما يزول اللعب واللهو {وزينة} تتزينون بها فى الدنيا {وتفاخر بينكم} يفتخر بعضكم على بعض {وتكاثر في الأموال والأولاد} أي كل واحد يقول مالي أكثر وأولادي اكثر. ثم شبه ذلك بأن قال مثله فى ذلك {كمثل غيث} يعني مطراً {أعجب الكفار نباته} أي اعجب الزراع ما نبت بذلك الغيث فالكفار الزراع. وقال الزجاج: ويحتمل ان يكون المراد الكفار بالله لأنهم اشد إعجاباً بالدنيا من غيرهم {ثم يهيج} أي ييبس فيسمع له لما تدخله الريح صوت الهائج {فتراه مصفراً} وهو إذا قارب اليبس {ثم يكون حطاماً} أي هشيماً بأن يهلكه الله مثل افعال الكافر بذكل، فانها وإن كانت على ظاهر الحسن فان عاقبتها إلى هلاك ودمار مثل الزرع الذي ذكره. ثم قال وله مع ذلك {وفي الآخرة} {عذاب شديد} من عذاب النار للعصاة والكفار {ومغفرة من الله ورضوان} للمؤمنين المطيعين. ثم قال {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} معناه العمل للحياة الدنيا متاع الغرور وإنها كهذه الاشياء التي مثل بها فى الزوال والفناء، والغرور - بضم الغين - ما يغر من متاع الدنيا وزينتها.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ نافع: "وما نزل" خفيفة الزاي. والباقون بالتشديد. فعلى الأول يكون المرفوع ضميراً عائداً إلى الموصول، وعلى الثاني هو عائد إلى الله، والعائد إلى الموصول ضمير منصوب محذوف من الصلة. وقرأ رويس: "ولا تكونوا" بالتاء على الالتفات، أو على النهي عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب. والباقون بالياء عطفاً على "تخشع". ألم يأنِ - من "أنى الأمر يأني": إذا جاء أناه، أي وقته. و"الخشوع": لين القلب والانقياد للحق، ومثله "الخضوع". و"القسوة": غلظ القلب بالجفاء عن قبول الحق. و"الحق": ما دعا إليه العقل السليم من الأمراض النفسانية، وهو الذي من عمل به نجا، ومن عمل بخلافه هلك. وهذه الآية قيل: إنها نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وقيل: إنها نزلت في المؤمنين. قال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضاً. وعن ابن عباس: ان الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن بهذه الآية. وعن الحسن: أما والله لقد استبطأهم الله وهم يقرؤون من القرآن أقلّ ممّا تقرؤون، فانظروا في طول ما قرأتم منه، وما ظهر فيكم من الفسق. وقيل: كانت الصحابة بمكة مُجدِبين، فلمّا هاجروا أصابوا الرزق والنعمة سنين، فتغيّروا عما كانوا عليه، وينبغي للمؤمن أن يزداد يقيناً وإخلاصاً في طول صحبة الكتاب. والمعنى: أمَا حَانَ للمؤمنين - أي المنتسبين إلى الإيمان - أن تخشع قلوبهم وترقّ لذكر الله - مما يذكرهم الله وصفاته وأفعاله، وكيفية كونه مبدأً للعباد ومعاداً لهم يوم الميعاد، وما نزل من الحق من الآيات والنُذُر القرآنية؟، والمراد من الخشوع لها: خشية القلوب عند ذكر الله، وتقوّي إيمانهم عند تلاوة آياته، كقوله: {أية : إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}تفسير : [الأنفال:2]. ومن شدّد فالمراد ما نزّله الله من المعارف الحقّة. ولا يكونوا - كأهل الكتاب الذين كانوا في العهد الأول فطال عليهم الأمد، أي: الزمان بينهم وبين نبيّهم، أو الأمد للجزاء - أي: لم يعاجلوا بالعقوبة أو مجيء القيامة. وقرئ: "أمدّ" أي الوقت الأطول، فاغترّوا بذلك، فقست قلوبهم - أي: غلظت وجَفَت، - وكثير منهم فاسقون - خارجون عن دينهم، متمرّنون على المعاصي، معتادون بها، فكانوا بحيث لا ينفعهم نصح الأنبياء، ولا ينجع معهم وعظ الواعظين، ومن لا ينفعه في الدنيا نصح الناصحين، لا تنفعه في الآخرة شفاعة الشافعين، فلا تكونوا مثهلم فيحكم الله فيكم بمثل ما حكم فيهم. مكاشفة ينبغي أن يكون هذا الخطاب متوجهاً إلى جماعة مخصوصين من أهل الإيمان ومعالم الدين، لم يوجد منهم خشوع فَحُثّوا على الرقّة، كما يدلّ عليه قوله تعالى: ألم يأنِ. أي أما حان وقت الخشوع منهم فكيف فعله؟ ففي الآية تنبيه عظيم وإشعار بليغ على قبح سير أولئك المخصوصين، وفساد بواطنهم وقسوة قلوبهم، حيث نهوا عن مماثلة إليهود والنصارى الذين كانوا أغلظ الناس قلباً، وأسوأهم ضميراً وأظلمهم باطناً في قسوة القلوب بعد أن وُبّخوا، وذلك لما نقل أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين مشتهياتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقّت قلوبهم، فلمّا طال عليهم الزمان، غلب عليهم الجفاء والقسوة فاختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره. وأكثر من وردت التشديدات العظيمة في حقهم في القرآن والحديث هم علماء السوء الذين كان قصدهم من الاطلاع على معالم الدين وتعلم مناهج الشرع المبين التنعمَ بالدنيا والتوسل إلى الجاه والمنزلة عند ذويها وبنيها، فدلت الأخبار والآثار من المصطفَين الأخيار، وشهدت بصائر أصحاب الاستبصار، وأنوار ضمائر أرباب الفكر والمتفكرين في مراتب الصنع والإيجاد الفائضة عن الله القهّار، على أن أشد الأشرار عذاباً في النار هم علماء السوء الذين تكون ظواهرهم الأخيار وبواطنهم بواطن الكفّار. وقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ". تفسير : والسرّ في ذلك، أنهم يريدون أن يتوسّلوا بأشرف الأشياء - وهو العلم بالله وأحكامه - إلى أخسّ الأشياء - وهو الجاه المنزلة في الدنيا، والتفاخر بما فيها، والركون إلى زخارفها، والإخلاد إلى الأرض -. وهذه أمور وهمية باطلة كما قال الله تعالى {أية : وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64]. وقال: {أية : أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}تفسير : [الحديد:20]. فقد مثل الله تعالى الدنيا وشهواتها في كثير من آيات القرآن بأمور وهمية باطلة تغترّ بها نفوس الجاهلين والناقصين، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور:39]. فويل لمن يعدّ نفسه من العلماء وهو في الحقيقة من الحمقى الجاهلين المغترّين بلوامع السراب، الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا. فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله. ومثّل الله تعالى في القرآن بلعم بن باعورا - وكان عالماً فاجراً أخلد إلى الشهوات -، بالكلب حيث قال سبحانه: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}تفسير : [الأعراف:175] حتى قال: {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ}تفسير : [الأعراف:176]، في الإخلاد إلى الشهوات، سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتَ، فهو مُصِرٌّ فيها، مُخْلِدٌ إليها. وقيل: مثل علماء السوء مثل قناة الحُشّ ظاهرها خضر وباطنها نتن، ومثل قبور الكفرة والظلمة، ظاهرها عامر وباطنها اللعنة والعذاب. شعر : همجو كَور كافران بيرون حلل وز درون قهر خدا عز وجل تفسير : وقد قيل: أقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها وكدورتها وزوالها وانصرامها، وعظمَ أمر الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادّان متفاسدان، مهما صلحت إحداهما فسدت الأخرى، وإنهما كالضُرّتين مهما ارتضيت إحداهما أسخطت الأخرى، فإن من لم يعلم حقارة الدنيا وكدورتها، وانصرام ما يصفو منها بحسب الوهم، فهو فاسد العقل، فكيف يعدّ من لا عقل له من العلماء؟ ومن لا يعلم عِظَم أمر الآخرة ودوامها فهو كافر مسلوب الإيمان، فكيف يكون مَن لا إيمان له من العلماء؟ ومن لا يعلم مضادة الدنيا للآخرة وأن الجمع بينهما مستحيل فهو جاهل بشريعة الأنبياء كلهم - صلوات الله عليهم أجمعين - بل كافر بالقرآن من أوله إلى آخره، فكيف يُعَدّ من زمرة العلماء؟ ومن علم هذا كله ثم يُؤْثِرُ الدنيا على الآخرة، فهو جاهل أسير شيطان قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته، فكيف يُعَدّ من أحزاب العلماء مَن هذه درجته في الخسة؟ فهذا دليل واضح على أن من آثر الدنيا على الآخرة فهو مغرور، وقد ركّب فيه جهل الجهّال وفتنة الدجّال. وكتب رجل إلى أخ له: "إنك قد أوتيت علماً فلا تُطْفِئَنَّ نور علمك بظُلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم". وقال عيسى (عليه السلام): "كيف يكون من أهل العلم، مَن مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه"! وقال صالح بن كيسان البصري: "أدركت الشيوخ وهم يتعوذون بالله من الفاجر العالم بالسنّة". وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: حديث : أوحى الله إلى بعض الأنبياء: "قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون للناس جلود الكباش، وقلوبهم قلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمرّ من الصبر: إياي يخادعون، وبي يستهزؤون، لأفتَحَنَّ لهم فتنة تَذَرُ الحكيم حَيْراناً" . تفسير : وإليه أشار قوله تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}تفسير : [البقرة:9 - 10]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ* أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تفسير : [البقرة:15 - 16]. وفي طريق أهل البيت (عليهم السلام): أحاديث كثيرة في ذم علماء الدنيا المعرضين عن الآخرة. منها: ما رواه الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الكافي بسنده عن سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : منهومان لا يشبعان - طالب دنيا وطالب علم - فمن اقتصر من الدنيا على ما أحلّ الله له سلم، ومن تناولها من غير حلّها هلك، إلاَّ أن يثوب أو يراجع، ومن أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه نجى، ومن أراد به الدنيا فهي حظه . تفسير : وعن أبي عبد الله (ع): من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب. وعنه (ع) قال: إذا رأيتم العالم مُحباً لدنياه فاتّهموه على دينكم، فإن كل مُحِبٍ لشيء يحوط ما أحب. وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أوحى الله إلى داود (ع): لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً فيصدّك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطّاع طريق عبادي المريدين، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم. وعن أبي جعفر (ع) قال: من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فليتبوء مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلاَّ لأهلها. وعن علي بن إبراهيم - رفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والخَتَل، وصنف يطلبه للفقه والعقل. فصاحب الجهل والمراء مؤذٍ ممار، متعرّض للمقال في أندية الرجال، بتذاكر العلم وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والخَتَل ذو خبّ وملق، يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحَلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره. وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسَهَر، قد تحنّك في برنسه، وقام الليل في حِنْدِسِهِ، يعمل ويخشى، وجِلاً داعياً مشفقاً، مقبلا على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه. وعن الحسين الصيقل، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يقبل الله عملاً إلاّ بمعرفة ولا معرفةً إلاّ بعمل، فمن عَرَف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل، فلا معرفة له، إلاّ أن الإيمان بعضه مثل بعض. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدّث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): - أنه قال في كلام له -: العلماء رجلان: عالم آخذ بعلمه، فهذا ناج. وعالم تارك لعمله، فهذا هالك. وان أهل النّار لَيَتأذَّون من ريح العالم التارك لعلمه، وان أشد أهل النار ندامةً وحسرةً رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الله الجنة وأدخل الداعي النار بترك علمه واتباعه الهوى وطول الأمل. أمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة. فهذه الأخبار تبيّن أنّ العالم الذي هو من أبناء الدنيا، أخسّ حالاً وأشدّ عذاباً يوم القيامة من الجاهل، وأن علماء الآخرة هم الفائزون المقرّبون، ولهم علامات: منها: ما مرّ ذكرها من إعراضهم عن الدنيا وزخارفها، وزهدهم في شهواتها، وإقبالهم إلى الآخرة، ورغبتهم في درجاتها ومعارفها وحقائقها. ومنها: أن يكون أكثر اهتمامهم بالمعارف الباطنية، ومعرفة عالم الملكوت والروحانيّات، وأسرار المبدأ والمعاد، ومعرفة النفس الإنسانية، وكيفيّة ارتقائها إلى الكمال، وخلاصها من النقص، وطريقها إلى الآخرة، حتى تصير نفسه عالَماً معقولاً موازياً للعالم المحسوس، مشاهداً لصورة (كمال) الكلّ، آخذاً هيئة الوجود من المبدأ الأوّل - إلى الترتيب الصدوري النزولي منه، والعروجي إليه - وكيفية استكشاف هذه الأمور بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة العبادات والأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة، والانقطاع إلى الله عمّا سواه، فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف، فلا تكون مزاولتهم للعلوم الشرعية الظاهرة أكثر من مواظبتهم على المعارف الإلهية، بل ما لم يحيطوا بحظ وافر منها لم يشتغلوا باستقصاء مسائل الحلال والحرام إلاّ ما هو الواجب العيني بقدر ما لا بد منه - دون الواجب الكفائي الذي يقوم كل أحد فيه مقام الآخر -، وذلك لوجوب الاشتغال أولاً بالأهم - والأهم: هو العلم بالله وملكوته وصفاته وأفعاله وكتبه ورسله واليوم الآخر، دون العلم بأوامره ونواهيه. كما قال الشيخ الفاضل والفقيه الكامل زين المجتهدين رحمه الله - ناقلاً في بعض مؤلفّاته عن بعض المحققين -: العلماء ثلاثة: عالم بالله غير عالم بأمر الله، فهو عبد استولت المعرفة الإلهيّة على قلبه، فصار مستغرقاً لمشاهدة نور الجلال والكبرياء، فلا يتفرغ لتعلّم علم الأحكام إلاّ ما لا بد منه. وعالم بأمر الله غير عالم بالله، وهو الذي يعرف الحلال والحرام ودقائق الأحكام، لكنه لا يعرف أسرار جلال الله. وعالم بالله وبأمر الله، فهو جالس على الحدّ المشترك بين عالَم المعقولات وعالَم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحبّ له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله، وإذا خلا بربه. مشتغلاً بذكره وخدمته، فكأنه لا يعرف الخَلْق. فهذا سبيل المرسَلين والصدّيقين، وهو المراد بقوله (عليه السلام): سائل العلماء، وخالط الحكماء، وجالس الكُبَراء. والمراد بقوله: "سائل العلماء" العلماء بأمر الله غير العالمين بالله، فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الاستفتاء، وأما الحكماء، فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله، فأمر بمخالطتهم. وأما الكُبراء فهم العالمون بهما، فأمر بمجالستهم، لأن في مجالستهم خيرَ الدنيا والآخرة. ثم قال: ولكل واحد من الثلاثة ثلاث علامات: فللعالم بأمر الله: الذكر باللسان دون القلب، والخوف من الخلق دون الربّ، والاستحياء من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السرّ. والعالم بالله: ذاكر، خائف. مستحي. أما الذكر: فذكر القلب لا اللسان، والخوف: خوف الرجاء لا خوف المعصية، والحياء: حياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر. وأما العالم بالله وأمره له ستّة أشياء: الثلاثة المذكورة للعالم بالله فقط مع ثلاثة اخرى: كونه جالساً على الحد المشترك بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة، وكونه معلّما للمسلمين، وكونه حيث يحتاج الفريقان الأوّلان إليه وهو مستغنٍ عنهما فمثل العالم بالله وبأمر الله، كمثل الشمس لا تزيد ولا تنقص، ومثل العالم بالله فقط، كمثل القمر يكمل تارة وينقص اخرى، ومثل العالم بأمر الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء غيره - انتهى كلامه -. ومنها: أن لا يكون متسرّعاً إلى الفتوى مشتاقاً إليه، بل يكون متوقفاً متحرزاً ما وجد إلى الخلاص سبيلاً، فإن سُئل عمّا يعلمه تحقيقاً بنصّ كتاب أو نص حديث أو إجماع أو مشاهدة باطنية جلية أفتى، وإن سُئل عما شكّ فيه قال: لا أدري، وهذا لفظ كأن علماء هذا الزمان حرّموا على أنفسهم التلفظ به عند الاستفتاء منهم. وفي الخبر: أن العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري. وقيل: "من سكت حيث لا يدري لله فليس أقل أجراً ممن نطق"، لان الاعتراف بالنقص أسد على النفس، فثوابه أزيد، وهكذا كانت عادة السابقين، وكان بعضهم يقول حين سُئل عن الفتوى، أتريدون أن تجعلونا جسراً تعبرون علينا إلى جهنم. قال ابن مسعود: "الذي يفتي الناس لمجنون". ومنها: أن يكون أكثر بحثه في علم الأعمال عما يفسدها، ويشوّش القلب، ويهيج الوسواس، ويثيب الشرور، وذلك للتوقي عنه والاحتراز من الشر، لا للمرايا والمماراة، كما أن وضع علم المغالطات في المنطق إنما هو لكي يحترز الإنسان عن الغلط، لا لأنْ يوقع غيره في الغلط. وأمّا علماء الدنيا فأكثر اهتمامهم بتتبع غرائب التفريعات في الأقضية والحكومات، والتعب في استنباط الصور الدقيقة والاحتمالات البعيدة التي تنقضي الدهور ولا يقع مثلها، وإن وقع كان لغيرهم لاَ لَهُم، ومع ذلك لا تخلو الأرض عمن يقوم باستنباطها والشغف بتحصيلها طلباً للجاه والشهرة، حسبما قدره الله وأودع في غريزة كل أحد ما يناسبه وتنتظم به أمور غيره في عالمه، وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر، إيثاراً لخدمة الخلق وقبولهم على القرب من الله، وحضوره عنده، وتهالكاً على أن يسميه البطّالون فاضلاً عالماً بالدقائق، وجزاؤه من الله تعالى ما ذكره بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ}تفسير : [آل عمران:77]. ومن علامات علماء الآخرة وأولياء الله، ومجامع نعوتهم، أنهم منبعثون من موت الجهالة، منتبهين من رقدة الغفلة، عارفين بحقائق الأشياء، مشاهدين حساب يوم الدين، قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأمور وتصاريف الأحوال، فقد صارت الأيام كلها [عندهم] عيداً واحداً، وجمعة واحدة، وصارت الأماكن كلها مسجداً واحداً، والجهات كلها محراباً واحداً - وذلك لخروجهم بعقولهم الصافية وأذهانهم العالية عن مطمورة عالم الزمان والمكان -، وتوجهت قلوبهم شطر الحق، وتولّت ذواتهم وجه الله، فصارت حركاتهم كلها عبادة لله، وسكناتهم كلها طاعة له، واستوى عندهم مدح المادحين وذم الذامّين، لا تأخذهم في الله لومة لائم، قياماً لله بالقسط، شهداء لله بالحق، وهم على صلواتهم دائمون، تحقّقوا بقوله تعالى: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:115]. {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} تفسير : [الحديد:23]. وصار دعاؤهم مستجاباً، لأنهم لا يسألون إلا ما يكون، ولا يكون إلا ما قد كان في سابق العلم، فقلوبهم في راحة من التعلق بالأسباب، وأرواحهم فارغة من التكلّف بما لا يعني، ونفوسهم ساكنة عن الوسواس، وأبدانهم في راحة من أنفسهم، والناس منهم في راحة وأمان، لا يريدون لأحد سوءً ولا يُضمرون لأحد شراً - عدواً كان أو صديقاً -، وذلك لعلمهم بحقارة الدنيا وخسّة شركائها وَدُثور أهلها، وارتفاعهم عن الالتفات إلى هذا المنزل الأدنى. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "واللهِ لدنياكم هذه أهونُ في عيني من عِراق خنزير في يدِ مَجْذوم". وقال أيضاً: "وَلأَلفَيْتُمْ دنياكم هذه أزهدُ عندي من عفطة عَنْز". ان أردت يا حبيبي أن لا يشتبه عليك الفرق بين علماء الدنيا المغترّين بلامع السراب: {أية : ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف:104]. وبين علماء الآخرة الناجين من عذاب يوم الحساب، الفائزين بشهود رب العالمين، فتأمل فيما وصفناه، وتذكّر ما ذكرناه من خواص أهل الله، لتعرف منه خواصّ أضدادهم وأضدادَ خواصهم، وإن شئت زيادة التميز بين هاتين الطائفتين، فتأمل في حكاية وقعت بين رجلين، أحدهما من أولياء الله وعباده الصالحين الذين أنجاهم من عذاب جهنم وأعتقهم من أسْرها، وأخلص نفوسهم من عداوة أهلها، وأراح قلوبهم من آلام المعذبين فيها. والآخر من الهالكين المعذبين فيها بألوان (بأنواع) العذاب، المحترقة قلوبهم بحرارة عداوة أهلها، المتألمة نفوسهم بعقوباتها. قال الناحي للهالك: كيف أصبحتَ يا فلان؟ قال: أصبحت في نعمة من الله، طالباً الزيادة راغباً فيها، حريصاً على جمعها، ناصراً لدين الله، معادياً لاعدائه، محارباً لهم. فقال الناجي له: مَن أعداءُ الله؟ قال: كل من خالفني في مذهبي واعتقادي. قال: إن ظفرْتَ بهم ماذا تفعل؟ قال: أدعوهم إلى مذهبي ورأيي واعتقادي. قال: فإن لم يقبلوا منك؟ قال: أقاتلهم وأسفك دماءَهم وأسبي ذراريهم. قال: فإن لم تقدر عليهم؟ قال: أدعو عليهم ليلاً ونهاراً، وألعنهم في صلاتي. كل ذلك قرباناً إلى الله تعالى. قال الناجي: فهل تعلم أنك إذا دعوتَ عليهم ولعنتَهم أيصيبهم شيء؟ قال: لا أدري، ولكن إذا فعلت ما وصفت لك وجدت لقلبي راحة ولنفسي لذة، ولغليل صدري شفاءً. قال له الناجي: أتدري لمَ ذلك؟ قال: لا. ولكن قل أنت. قال: لأنك مريض النفس، معذب القلب، معاقب الروح. لأن اللذة إنما هي الخروج من الألم، وليس في هذا الذي ذكرته من أحوالك شيء من تصلّب في الدين، ولا تقوية للشرع المبين، وإنما هي خدمة لقوّتك الغضبية التي تسلطَتْ عليك، وجَعَلَت قلبك مسخَراً لها في دواعيها، رهيناً لمآربها السَّبُعِيَّة. وقد استهزأ بك الشيطان حيث غرّك بأن هذا ترويج للدين، وخدمة للشرع المبين، وبه تمنّ على سيد المرسلين - عليه وآله الصلاة والسلام -، شبه ما حكاه الله سبحانه عن بعض المنافقين بقوله: {أية : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ} تفسير : [الحجرات:17]. واعلم بأنك محبوس في طبقة من طبقات جهنم - وهي: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ* نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة:5 - 7]. وإنما تشاهد عذابها يوم القيامة عياناً، إلا أن تتقي منها بالفكر الصحيح والعقل السليم، وتتخلّص بنفسك من عذابها، وتنجو بقلبك من عقابها إنشاء الله، كما وعد بقوله: {أية : ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ (بمفازتهم) وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم:72]. ثم قال الهالك للناجي: فأخبرني أنت عن رأيك ومذهبك وحال نفسك. قال: نعم، أمّا أنا، فإنّي قد أصبحت في نعم الله واحسان لا يُحصىٰ عددها ولا يؤدّى شكرها، راضياً بما قَسَمَ لي وقدَّر، صابراً لأحكامه، لا أريد لأحد من الخلق سوءً، ولا أضمر له دغلاً، ولا أنوي لهم شراً. نفسي في راحة، وقلبي في فسحة، والخلق من جهتي في أمان. أسلمت لربي، مذهبي وديني دين أبي إبراهيم (عليه السلام)، أقول كما قال: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [إبراهيم:36]. {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة:118]. واعلم أيّها السالك إلى جوار الله، أن أمثال هذه الآراء والاعتقادات كثيرة، وأكثر هذه الجدليّات مؤلمة لنفوس معتقديها ومعذبة لقلوبهم، وهو جزاء لنفوسهم وعقوبة لهم في الدنيا إلى وقت معلوم وأَجَل معدود، وفي الآخرة أشدّ وأدهى، وهي إذا اشتدت في الآخرة بحسب الظهور والتحقق صارت نيراناً ملتهبة نزّاعة للشَّوى، وحرقات مشتعلة فظّاعة قطّاعة للقلوب كما أشار إليه بقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ مَا سَعَىٰ * وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ}تفسير : [النازعات:34 - 36]. وقوله: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر:5 - 7]. واعلم أنه لا يصل الإنسان إلى معرفة الله على الحقيقة، إلاّ بعد جوازه على بعض هذه الآراء الفاسدة - إما في أيام صباه أو بعد ذلك -. ثم إن الله يهدي من يتّقي الشرك به ويُنَجّيه منها كما وعد وقال: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}تفسير : [مريم:71 - 72].
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} لمّا ذكر حال المنافقين ونور المؤمنين وكان النّفاق ينشأ من الوقوف على مرتبةٍ والرّضا بالمقام فيها استبطأ حَركة المؤمنين الى مقاماتهم العالية بنحو يكون تحذيراً من المقام على مراتبهم الحاصلة فانّ الاستفهام ههنا للتّوبيخ والانكار، وقد مضى فى سورة البقرة بيان معنى الخشوع والفرق بينه وبين الخضوع والتّواضع عند قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة:45]، والمراد بذكر الله هو الذّكر المأخوذ من صاحب الذّكر، او تذكّر الله وتذكّر عظمته، او صاحب الذّكر الّذى هو علىّ (ع) ببشريّته، او هو صاحب الذّكر بمقام نورانيّته {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} من آيات القرآن، او احكام الرّسالة، او قرآن ولاية علىٍّ (ع)، او الواردات الآفاقيّة، او الانفسيّة {وَلاَ يَكُونُواْ} قرئ بالغيبة ويكون نفياً وعطفاً على تخشع او نهياً وعطفاً على الم يأن باعتبار المعنى كأنّه قال: لا يقف المؤمنون على مقامهم ولا يكونوا، وقرئ بالخطاب نفياً وعطفاً على تخشع ويكون التفاتاً من الغيبة ونهياً وعطفاً باعتبار المعنى ويكون التفاتاً والتّقدير لا يقفوا ولا يكونوا {كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} الزّمان اى طال زمان وقوفهم على مقامهم الحاصل لهم من دون التّرقّى الى المقامات المفقودة عنهم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعنى صار كثير مهم منافقين فصاروا فاسقين خارجين من حكم امامهم، روى عن الصّادق (ع) انّ هذه الآية يعنى ولا تكونوا فى القائم (ع) والمعنى انّها نزلت فى المؤمنين بالغيبة فانّ الله حذّرهم ان يصيروا بسبب الوقوف على مقام واحدٍ وعدم الخروج الى المقامات العالية منافقين مثل المنافقين الّذين كانوا فى زمان محمّد (ص) ونافقوا بسبب الوقوف وعدم الخروج، فانّهم اوتوا كتاب النّبوّة وقبلوها قبلهم.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} أي لم يحن من أنى الامر يأني إذا جاء اناه أي وقته وقرىء ألم يئن من آن يئين بمعناه وألم يأن وألم يئن بالتشديد من أن يئن بمعناه أيضا وأن تخشع فاعل أو الاستفهام للاستبطاء قاله هشام ولا يقال الاستبطاء لحضور خشوعهم لا لعدمه لأنا نقول: الاستيطاء، وان تعلق بالحضور لكنه عدل الاستفهام عن الاثبات إلى الاستفهام عن النفي إشعارا بأن الراجح من الطرفين هو عدم الحضور فعلق به الاستفهام وفيه من المبالغة مالا يخفى. {لِذِكْرِ اللهِ وَمَانَزَلَ مِنَ الحَقِّ} اراد بالذكر وما نزل القرآن لانه جامع للذكر والنزول أو المراد أن يذكر الله واراد بما نزل القرآن وقرأ غير نافع وحفص ويعقوب نزل بالتشديد وقرىء انزل والآية نزلت في شأن الصحابة لما اكثروا المزاح وقيل: نزلت فيهم لما هاجروا واصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه اعني عن بعضه وعن ابن مسعود ما كان بين اسلامنا وبين ان عاتبنا الله بالآية اربع سنين وعن ابن عباس أن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن وقيل مافتروا وما مزحوا ولكن استزادهم والمشهور انهم مزحوا وفتروا عن بعض ما كانوا عليه. قال الحسن: أما والله لقد استبطأهم وهم يقرأون من القرآن أقل مما يقرأون فانظروا في طول ما قرأتم منه وما ظهر فيكم من الفسق وقرئت الآية عند ابي بكر وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديدا فنظر اليهم فقال هكذا كنا ثم قست القلوب وهذه الآية سبب توبة الفضيل وابن المبارك وقيل نزلت في المنافقين بعد الهجرة سنة، قالوا لسلمان حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزل نحن نقض عليك أحسن القصص فاخبرهم ان القرآن احسن من غيره فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم سالوه فنزلت الآية فالمراد آمنوا بالسنتهم. {وَلا يَكُونُوا} وقرأ أويس بالمثناة الفوقية التفاتا للخطاب والعطف على تخشع ويجوز ان يكون نهيا غيبة وخطاباً {كَالَّذينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ} يعني اليهود والنصارى وقيل: بني اسرائيل. {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمدُ} الزمان بينهم وبين أنبيائهم وقرىء الآمد بالمد أي الوقت الاطول وقال مقاتل الأمد الأمل وقيل: أمد انتظار القيامة. {فَقَستْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُم فَاسِقُونَ} خارجون عن دينهم كافرون بعيسى وموسى ومحمد نهى الله المؤمنين عن مماثلة اهل الكتاب في قسوة القلوب بعد توبيخهم ببطىء الخشوع وذلك ان اهل الكتاب كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والانجيل خشعوا ورقت قلوبهم ولما طالت اعمارهم واما لهم غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وحرفوا وبعث ابو موسى الاشعري الى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قرؤوا القرآن فقال انتم خيار اهل البصرة فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه. والمعاتب على ما قاله الزجاج طائفة من المؤمنين وإلا فمنهم من لم يزل خاشعاً منذ أسلم إلى أن ذهب إلى ربه، وما نقل عن الكلبـي ومقاتل أن الآية نزلت في المنافقين فهم المراد بالذين آمنوا مما لا يكاد يصح، وقد سمعت صدر السورة الكريمة ما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان لهم من الجهد فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا فنزلت {أَلَمْ يَأْنِ } الآية. وأخرج ابن أبـي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال سبحانه: {أَلَمْ يَأْنِ } الآية، وفي خبر ابن مردويه عن أنس بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن. وأخرج حديث : عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم وقد نزل علي في ضحككم آية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ } الخ قالوا: يا رسول الله فما كفارة ذلك؟ قال: تبكون بقدر ما ضحكتمتفسير : ، وفي خبر أن أصحاب النبـي عليه الصلاة والسلام قد ظهر فيهم المزاح والضحك فنزلت، وحديث مسلم ومن معه السابق مقدم على هذه الآثار على ما يقتضيه كلام أهل الحديث. و {يَأْنِ } مضارع أنى الأمر أنياً وأناءاً وإناءاً بالكسر إذا جاء أناه أي وقته، أي ألم يجيء وقت أن تخشع قلوبهم لذكره عز وجل. وقرأ الحسن وأبو السمال ـ ألما ـ بالهمزة ولما النافية الجازمة كلم إلا أن فيه أن المنفى متوقع. / وقرأ الحسن (يئن) مضارع آن أينا بمعنى أنى السابق، وقال أبو العباس: قال قوم: آن يئين إيناً الهمزة مقلوبة فيه عن الحاء وأصله حان يحين حيناً وأصل الكلمة من الحين. {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ} أي القرآن وهو عطف على (ذكر الله) فإن كان هو المراد به أيضاً فالعطف لتغاير العنوانين نحو: شعر : هو الملك القرم وابن الهمام تفسير : فإنه ذكر وموعظة كما أنه حق نازل من السماء وإلا - بأن كان المراد به تذكير الله تعالى إياهم - فالعطف لتغاير الذاتين على ما هو الشائع في العطف وكذا إذا أريد به ذكرهم الله تعالى بالمعنى المعروف، وجوز العطف على الاسم الجليل إذا أريد بالذكر التذكير وهو كما ترى. وقال الطيبـي: يمكن أن يحمل الذكر على القرآن وما نزل من الحق على نزول السكينة معه أي الواردات الإلٰهية ويعضده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي عن البراء ( حديث : كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط بشطنين فغشيته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبـي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال: تلك السكينة تُنزَّل للقرآن ) تفسير : .وفي رواية ( حديث : اقرأ فلان فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو للقرآن ) تفسير : انتهى، ولا يخفى بعد ذلك جدّاً، ولعلك تختار حمل الذكر وما نزل على القرءان لما يحس مما بعد من نوع تأييد له. وفسر الخشوع للقرآن بالانقياد التام لأوامره ونواهيه والعكوف على العمل بما فيه من الأحكام من غير توان ولا فتور، والظاهر أنه اعتبر كون اللام صلة الخشوع، وجوز كونها للتعليل على أوجه الذكر فالمعنى ألم يأن لهم أن ترق قلوبهم لأجل ذكر الله تعالى وكتابه الحق النازل فيسارعوا إلى الطاعة على أكمل وجوهها. وفي الآية حض على الخشوع، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما أخرج عنه ابن المنذر إذا تلاها بكى ثم قال: بلى يا رب بلى يا رب، وعن الحسن أما والله لقد استبطأهم وهم يقرؤون من القرآن أقل مما تقرؤون فانظروا في طول ما قرأتم وما ظهر فيكم من الفسق، وروى السلمي عن أحمد بن أبـي الحواري قال بينا أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة فأقبلت نحوها فرأيت رجلاً قد خر مغشياً عليه فقلت: ما هذا؟ فقالوا: كان رجلاً حاضر القلب فسمع آية من كتاب الله فخر مغشياً عليه فقلت: ما هي؟ فقيل: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ } فأفاق الرجل عند سماع كلامنا فأنشأ يقول: شعر : أما آن للهجران أن يتصرما وللغصن غصن البان أن يتبسما وللعاشق الصب الذي ذاب وانحنى ألم يأن أن يبكي عليه ويرحما كتبت بماء الشوق بين جوانحي كتاباً حكى نقش الوشى المنمنما تفسير : ثم قال: إشكال إشكال إشكال فخر مغشياً عليه فحركناه فإذا هو ميت. وعن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية قرئت بين يديه وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاءاً شديداً فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب، ولعله أراد رضي الله تعالى عنه أن الطراز الأول كان كذلك حتى قست قلوب كثير من الناس ولم يتأسوا بالسابقين، وغرضه مدح أولئك القوم بما كان هو ونظراؤه عليه رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يكون قد أراد ما هو الظاهر، والكلام من باب هضم النفس كقوله رضي الله تعالى عنه: أقيلوني فلست بخيركم، وقال شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي قدس سره: معناه تصلبت وأدمنت سماع القرآن وألفت أنواره فما تستغر به حتى تتغير كما تغير هؤلاء السامعون انتهى وهو خلاف الظاهر، وفيه نوع انتقاص للقوم ورمز إلى أن البكاء عند سماع القرآن لا يكون من كامل كما يزعمه بعض جهلة الصوفية القائلين: إن ذلك لا يكون إلا لضعف القلب عن تحمل الواردات الإلٰهية النورانية ويجل عن ذلك كلام الصديق رضي الله تعالى عنه. وقرأ غير واحد / من السبعة {وَمَا نَزَّلَ } بالتشديد، والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية يونس وعباس عنه {نُزِّلَ } مبنياً للمفعول مشدداً، وعبد الله ـ أَنْزَلَ ـ بهمزة النقل مبنياً للفاعل. {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ } {لا } نافية وما بعدها منصوب معطوف على {تَخْشَعَ}. وجوز أن تكون ناهية وما بعدها مجزوم بها ويكون ذلك انتقالاً إلى نهي أولئك المؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب بعد أن عوتبوا بما سمعت وعلى النفي هو في المعنى نهي أيضاً، وقرأ أبو بحرية وأبو حيوة وابن أبـي عبلة وإسماعيل عن أبـي جعفر، وعن شيبة ويعقوب وحمزة في رواية عن سليم عنه {وَلاَ تَكُونُواْ } بالتاء الفوقية على سبيل الالتفات للاعتناء بالتحذير، وفي {لا } ما تقدم، والنهي مع الخطاب أظهر منه مع الغيبة. {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ } أي الأجل بطول أعمارهم وآمالهم، أو طال أمد ما بينهم وبين أنبيائهم عليهم السلام وبعد العهد بهم، وقيل: أمد انتظار القيامة والجزاء، وقيل: أمد انتظار الفتح، وفرقوا بين الأمد والزمان بأن الأمد يقال باعتبار الغاية والزمان عام في المبدأ والغاية، وقرأ ابن كثير في رواية (الأمدّ) بتشديد الدال أي الوقت الأطول {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } صلبت فهي كالحجارة أو أشد قسوة. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } خارجون عن حدود دينهم رافضون لما في كتابهم بالكلية، قيل: من فرط القسوة وذكر أنه مأخوذ من كون الجملة حال، وفيه خفاء والأظهر أنه من السياق. والمراد بالكتاب الجنس فالموصول يعم اليهود والنصارى وكانوا كلهم في أوائل أمرهم يحول الحق بينهم وبين كثير من شهواتهم وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله تعالى ورقت قلوبهم فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة وزالت عنهم الروعة التي كانت يجدونها عند سماع الكتابين وأحدثوا ما أحدثوا واتبعوا الأهواء وتفرقت بهم السبل، والقسوة مبدأ الشرور وتنشأ من طول الغفلة عن الله تعالى، وعن عيسى عليه السلام: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسوا قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله عز وجل ولا تنظروا إلى ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عباد والناس رجلان مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا على العافية ومن أحس بقسوة في قلبه فليهرع إلى ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه يرجع إليه حاله كما أشار إليه قوله عز وجل: {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
سيد قطب
تفسير : هذا الشوط امتداد لموضوع السورة الرئيسي: تحقيق حقيقة الإيمان في النفس، حتى ينبثق عنها البذل الخالص في سبيل الله. وفيه من موحيات الإيمان، ومن الإيقاعات المؤثرة، قريب مما اشتمل عليه الشوط الأول، بعد ذلك المطلع العميق المثير. وهو يبدأ برنة عتاب من الله - سبحانه - للمؤمنين، الذين لم يصلوا الى تلك المرتبة التي يريدها الله لهم؛ وتلويح لهم بما كان من أهل الكتاب قبلهم من قسوة في القلوب وفسق في الأعمال، وتحذير من هذا المآل، الذي انتهى إليه أهل الكتاب بطول الأمد عليهم. مع إطماعهم في عون الله الذي يحيي القلوب كما يحيي الأرض بعد موتها. فإذا انتهت هذه اللمسة تبعتها لمسة أخرى - مجالها العالم الآخر - وتكررت الدعوة إلى إقراض الله قرضاً حسناً، مع بيان ما أعده الله لمن يقرضونه في الدنيا من العوض المضاعف والأجر الكريم.. على نحو مما جاء في الشوط الأول. ولمسة ثالثة بوضع قيم الدنيا كلها في ميزان الله إلى جانب قيم الآخرة.. حيث تبدو قيم الأرض لُعباً خفيفة الوزن؛ وترجح كفة الآخرة ويبدو فيها الجد الذي يستحق الأهتمام. ومن ثم يهتف بهم ليسابقوا إلى قيم الآخرة.. في جنة عرضها كعرض السماء والأرض. أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. ولمسة رابعة ترجع بهم من ساحة الآخرة إلى ما هم فيه من واقع الحياة وأحداثها، فتعلق قلوبهم بقدر الله فيها. في السراء والضراء سواء. ومن ثم يهون عليهم البذل. ولا يزدهيهم من أعراض الأرض شيء؛ وترتبط أحاسيسهم كلها بالسماء. وبعد ذلك يعرض عليهم طرفاًً من تاريخ دعوة الله في الأرض، تبدو فيه وحدة المنهج، واستقامة الطريق. وأن الذي يحيد عنه في كل عهد هم الفاسقون. ويلوح لهم بما كان من بعض أهل الكتاب كما لوح لهم في أول الشوط. لينتهي من هذا الهتاف الأخير لهم بتقوى الله والإيمان برسوله، ليؤتيهم كفلين من رحمته، ويجعل لهم نوراً يمشون به ويغفر لهم. ففضل الله ليس وقفاً على أهل الكتاب كما يزعمون. إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء {والله ذو الفضل العظيم}.. وهكذا تكون السورة من أولها إلى آخرها مترابطة الحلقات، في خط واحد ثابت، تتوالى إيقاعاتها على القلوب، منوعة ومتشابهة. فيها من التكرار القدر اللازم لتعميق أثر الإيقاع في القلب، وطرقه وهو ساخن بحرارة الإيقاع بعد الإيقاع. {ألم يأن للذين آمنو أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟ ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها. قد بيَّنا لكم الآيات لعلكم تعقلون}.. إنه عتاب مؤثر من المولى الكريم الرحيم؛ واستبطاء للاستجابة الكاملة من تلك القلوب التي أفاض عليها من فضله؛ فبعث فيها الرسول يدعوها إلى الإيمان بربها، ونزّل عليه الآيات البينات ليخرجها من الظلمات إلى النور؛ وأراها من الآيات في الكون والخلق ما يبصّر ويحذّر. عتاب فيه الود، وفيه الحض، وفيه الاستجاشة إلى الشعور بجلال الله، والخشوع لذكره، وتلقي ما نزل من الحق بما يليق بجلال الحق من الروعة والخشية والطاعة والاستسلام، مع رائحة التنديد والاستبطاء في السؤال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟}.. وإلى جانب التحضيض والاستبطاء تحذير من عاقبة التباطؤ والتقاعس عن الاستجابة، وبيان لما يغشى القلوب من الصدأ حين يمتد بها الزمن بدون جلاء، وما تنتهي إليه من القسوة بعد اللين حين تغفل عن ذكر الله، وحين لا تخشع للحق: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون}.. وليس وراء قسوة القلوب إلا الفسق والخروج. إن هذا القلب البشري سريع التقلب، سريع النسيان. وهو يشف ويشرق فيفيض بالنور، ويرف كالشعاع؛ فإذا طال عليه الأمد بلا تذكير ولا تذكر تبلد وقساً. وانطمست إشراقته، وأظلم وأعتم! فلا بد من تذكير هذا القلب حتى يذكر ويخشع، ولا بد من الطرق عليه حتى يرق ويشف؛ ولا بد من اليقظة الدائمة كي لا يصيبه التبلد والقساوة. ولكن لا يأس من قلب خمد وجمد وقسا وتبلد. فإنه يمكن أن تدب فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور، وأن يخشع لذكر الله. فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأكل والثمار.. كذلك القلوب حين يشاء الله: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها}.. وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب كما تحيا الأرض؛ وما يمدها بالغذاء والري والدفء.. { قد بيّنا لكم الآيات لعلكم تعقلون}.. ويتبع هذه اللمسة المحيية، وذلك العتاب المخجل، وذاك التذكير والتحذير، بحافز جديد للبذل والفداء: {إن المصدقين والمصدقات، وأقرضوا الله قرضاً حسناً، يضاعف لهم ولهم أجر كريم. والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون، والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم؛ والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.. إن المصدقين والمتصدقات لا يتفضلون على آخذي الصدقات، ولا يتعاملون في هذا مع الناس. إنما هم يقرضون الله ويتعاملون مباشرة معه. فأي حافز للصدقة أوقع وأعمق من شعور المعطي بأنه يقرض الغني الحميد، وأنه يتعامل مع مالك الوجود؟ وأن ما ينفقه مخلف عليه مضاعفاً؛ وأن له بعد ذلك كله أجراً كريماً؟ ومقام الصديقين مقام رفيع كما تصوره الأحاديث النبوية الشريفة. ومع علو هذا المقام فهو بفضل الله ميسور لمن أراده، وليس وقفاً على أفراد ولا على طائفة. فكل من يحقق إيمانه بالله ورسله يطمع في هذا المقام الرفيع، ولا حجر على فضل الله: { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون}.. وتلك خاصية هذا الدين وميزته. إنه طريق مفتوح لجميع البشر، وأفق يتطلع إليه الجميع، ليس فيه احتكار للمقامات، وليس فيه خصوصيات محجوزة لأناس بأعيانهم. وليس إلا العمل يصعد بصاحبه الى أرقى الدرجات. إنه دين لا مجال فيه للطبقات المحفوظة المقام! روى الإمام مالك في كتابه "الموطأ" عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم.. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".. تفسير : فهذه لمسة الإيمان. فأما لمسة الفداء فقوله بعد ذلك: { والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم}.. والحديث عن مقام الشهداء ورد مرات في القرآن، وتواترت به الأحاديث النبوية. فهذا الدين لا يقوم بغير حراسة؛ ولا يتحقق في الأرض بغير جهاد. جهاد لتأمين العقيدة وتأمين الدعوة وحماية أهله من الفتنة وشريعته من الفساد. ومن ثم كان للشهداء في سبيل الله - وهم وحدهم الذين يسمون شهداء - مقامهم، وكان لهم قربهم من ربهم. القرب الذي يعبر عنه بأنهم { عند ربهم }.. جاء في الصحيحين: "حديث : أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل. فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: ماذا تريدون فقالوا: نحب أن تردنا الى الدار الدنيا فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة. فقال: إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون ". تفسير : وأخرج الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء - إلا الشهيد - يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة ". تفسير : وكذلك كانت تهون الحياة على من يسمع هذه الموحيات، ويعرف مقام الشهادة عن الله.. روى الإمام مالك.. عن يحيى بن سعيد "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رغب في الجهاد وذكر الجنة، ورجل من الأنصار يأكل تمرات في يده. فقال: "إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن! فرمى ما في يده وحمل بسيفه حتى قتل".. وقد روي أن هذا كان هو عبير بن الحمام عليه رضوان الله. وبينما الصديقون في ذلك المقام والشهداء في هذا المقام يقول النص القرآني عن الكافرين المكذبين: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}.. فمن ذا الذي يترك الكرامة والنعيم، ويختار أن يكون من أصحاب الجحيم؟! واللمسة الثالثة في هذا الشوط تجيء تعقيباً على دعوة الإيمان والبذل، ودعوة الفداء والتضحية. تعقيباً يصور الدنيا كلها بصورة هزيلة زهيدة تهّون من شأنها وترفع النفوس عنها، وتعلقها بالآخرة وقيمها: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة، وتفاخر بينكم، وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه مصفراً، ثم يكون حطاماً. وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان. وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.. والحياة الدنيا حين تقاس بمقاييسها هي وتوزن بموازينها تبدو في العين وفي الحس أمراً عظيماً هائلاً. ولكنها حين تقاس بمقاييس الوجود وتوزن بميزان الآخرة تبدو شيئاً زهيداً تافهاً. وهي هنا في هذا التصوير تبدو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه مصائر أهلها بعد لعبة الحياة! لعب. ولهو. وزينة. وتفاخر. وتكاثر... هذه هي الحقيقة وراء كل ما يبدو فيها من جد حافل واهتمام شاغل.. ثم يمضي يضرب لها مثلاً مصوراً على طريقة القرآن المبدعة.. {كمثل غيث أعجب الكفار نباته}.. والكفار هنا هم الزراع. فالكافر في اللغة هو الزارع، يكفر أي يحجب الحبة ويغطيها في التراب. ولكن اختياره هنا فيه تورية وإلماع إلى إعجاب الكفار بالحياة الدنيا! {ثم يهيج فتراه مصفراً} للحصاد. فهو موقوت الأجل، ينتهي عاجلاً، ويبلغ أجله قريباً {ثم يكون حطاماً}.. وينتهي شريط الحياة كلها بهذه الصورة المتحركة المأخوذة من مشاهدات البشر المألوفة.. ينتهي بمشهد الحطام! فأما الآخرة فلها شأن غير هذا الشأن، شأن يستحق أن يحسب حسابه، وينظر إليه، ويستعد له: {وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان} فهي لا تنتهي في لمحة كما تنتهي الحياة الدنيا. وهي لا تنتهي إلى حطام كذلك النبات البالغ أجله.. إنها حساب وجزاء.. ودوام.. يستحق الاهتمام! {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.. فما لهذا المتاع حقيقة ذاتية، إنما يستمد قوامه من الغرور الخادع؛ كما أنه يلهي وينسي فينتهي بأهله إلى غرور خادع. وهي حقيقة حين يتعمق القلب في طلب الحقيقة. حقيقة لا يقصد بها القرآن العزلة عن حياة الأرض، ولا إهمال عمارتها وخلافتها التي ناطها بهذا الكائن البشري. إنما يقصد بها تصحيح المقاييس الشعورية والقيم النفسية، والاستعلاء على غرور المتاع الزائل وجاذبيته المقيدة بالأرض. هذا الاستعلاء الذي كان المخاطبون بهذه السورة في حاجة إليه ليحققوا إيمانهم. والذي يحتاج إليه كل مؤمن بعقيدة، ليحقق عقيدته؛ ولو اقتضى تحقيقها أن يضحي بهذة الحياة الدنيا جميعاً. ومن ثم يدعوهم إلى السباق في ميدان السباق الحقيقي، للغاية التي تستحق السباق. الغاية التي تنتهي إليها مصائرهم، والتي تلازمهم بعد ذلك في عالم البقاء: {سابقوا الى مغفرة من ربكم، وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم}.. فليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق، وتركوا عالم اللهو واللعب للأطفال والصغار إنما السباق إلى ذلك الأفق، وإلى ذلك الهدف، وإلى ذلك الملك العريض: { جنة عرضها كعرض السماء والأرض }.. وربما كان بعضهم في الزمن الخالي - قبل أن تكشف بعض الحقائق عن سعة هذا الكون - يميل إلى حمل مثل هذه الآية على المجاز، وكذلك حمل بعض الأحاديث النبوية. كذلك الحديث الذي أسلفنا عن أصحاب الغرف التي يتراءاها سكان الجنة كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب.. فأما اليوم ومراصد البشر الصغيرة تكشف عن الأبعاد الكونية الهائلة التي ليس لها حدود، فإن الحديث عن عرض الجنة، والحديث عن تراءي الغرف من بعيد، يقع قطعاً موقع الحقيقة القريبة البسيطة المشهودة، ولا يحتاج إلى حمله على المجاز إطلاقاً! فإن ما بين الأرض والشمس مثلاً لا يبلغ أن يكون شيئاً في أبعاد الكون يقاس! وذلك الملك العريض في الجنة يبلغه كل من أراد، ويسابق إليه كل من يشاء. وعربونه: الأيمان بالله ورسله. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}.. { والله ذو الفضل العظيم}.. وفضل الله غير محجوز ولا محجور. فهو مباح متاح للراغبين والسابقين. وفي هذا فليتسابق المتسابقون، لا في رقعة الأرض المحدودة الأجل المحدودة الأركان! ولا بد لصاحب العقيدة أن يتعامل مع هذا الوجود الكبير؛ ولا يحصر نفسه ونظره وتصوره واهتمامه ومشاعره في عالم الأرض الضيق الصغير.. لا بد له من هذا ليؤدي دوره اللائق بصاحب العقيدة. هذا الدور الشاق الذي يصطدم بحقارات الناس وأطماعهم، كما يصطدم بضلال القلوب والتواء النفوس. ويعاني من مقاومة الباطل وتشبثه بموضعه من الأرض ما لا يصبر عليه إلا من يتعامل مع وجود أكبر من هذه الحياة، وأوسع من هذه الأرض، وأبقى من ذلك الفناء.. إن مقاييس هذه الأرض وموازينها لا تمثل الحقيقة التي ينبغي أن تستقر في ضمير صاحب العقيدة. وما تبلغ من تمثيل تلك الحقيقة إلا بقدر ما يبلغ حجم الأرض بالقياس إلى حجم الكون؛ وما يبلغ عمر الأرض بالقياس إلى الأزل والأبد. والفارق هائل هائل لا تبلغ مقاييس الأرض كلها أن تحدده ولا حتى أن تشير إليه! ومن ثم يبقى صاحب العقيدة في أفق الحقيقة الكبيرة مستعلياً على واقع الأرض الصغير. مهما تضخم هذا الواقع وامتد واستطال. يبقى يتعامل مع تلك الحقيقة الكبيرة الطليقة من قيود هذا الوقع الصغير. ويتعامل مع الوجود الكبير الذي يتمثله في الأزل والأبد. وفي ملك الآخرة الواسع العريض. وفي القيم الإيمانية الثابتة التي لا تهتز لخلل يقع في موازين الحياة الدنيا الصغيرة الخادعة.. وتلك وظيفة الإيمان في حياة أصحاب العقائد المختارين لتعديل قيم الحياة وموازينها، لا للتعامل بها والخضوع لمقتضياتها... ثم تجيء اللمسة الرابعة في إيقاع عميق، عن قدر الله، الذي لا يكون سواه: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها. إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.. أن هذا الوجود من الدقة والتقدير بحيث لا يقع فيه حادث إلا وهو مقدر من قبل في تصميمه، محسوب حسابه في كيانه..لا مكان فيه للمصادفة. ولا شيء فيه جزاف. وقبل خلق الأرض وقبل خلق الأنفس كان في علم الله الكامل الشامل الدقيق كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور.. وفي علم الله لا شيء ماض، ولا شيء حاضر، ولا شيء قادم. فتلك الفواصل الزمنية إنما هي معالم لنا - نحن أبناء الفناء - نرى بها حدود الأشياء. فنحن لا ندرك الأشياء بغير حدود تميزها. حدود من الزمان وحدود من المكان. نحن لا نملك إدراك المطلق إلا في ومضات تتصل فيها أرواحنا بذلك المطلق، عن طريق غير الطريق الذي اعتدناه في إدراك الأشياء. فأما الله - سبحانه - فهو الحقيقة المطلقة التي تطلع جملة على هذا الوجود، بلا حدود ولا قيود. وهذا الكون وما يقع فيه من أحداث وأطوار منذ نشأته إلى نهايته كائن في علم الله جملة لا حدود فيها ولا فواصل من زمان أو مكان. ولكل حادث موضعه في تصميمه الكلي المكشوف لعلم الله. فكل مصيبة - من خير أو شر فاللفظ على إطلاقه اللغوي لا يختص بخير ولا بشر - تقع في الأرض كلها وفي أنفس البشر أو المخاطبين منهم يومها.. هي في ذلك الكتاب الأزلي من قبل ظهور الأرض وظهور الأنفس في صورتها التي ظهرت بها.. { إن ذلك على الله يسير}.. وقيمة هذه الحقيقة التي لا يتصور العقل غيرها حين يتصور حقيقة الوجود الكبرى. قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها. فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعاً وتذهب معه حسرات عند الضراء. ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء: { لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم}.. فاتساع أفق النظر، والتامل مع الوجود الكبير، وتصور الأزل والأبد، ورؤية الأحداث في مواضعها المقدرة في علم الله، الثابتة في تصميم هذا الكون.. كل أولئك يجعل النفس أفسح وأكبر وأكثر ثباتاً ورزانة في مواجهة الأحداث العابرة. حين تتكشف للوجود الإنساني وهي مارة به في حركة الوجود الكوني. إن الإنسان يجزع ويستطار وتستخفه الأحداث حين ينفصل بذاته عن هذا الوجود. ويتعامل مع الأحداث كأنها شيء عارض يصادم وجوده الصغير. فأما حين يستقر في تصوره وشعوره أنه هو والأحداث التي تمر به، وتمر بغيره، والأرض كلها.. ذرات في جسم كبير هو هذا الوجود.. وأن هذه الذرات كائنة في موضعها في التصميم الكامل الدقيق. لازم بعضها لبعض. وأن ذلك كله مقدر مرسوم معلوم في علم الله المكنون.. حين يستقر هذا في تصوره وشعوره، فإنه يحس بالراحة والطمأنينة لمواقع القدر كلها على السواء. فلا يأسى على فائت أسى يضعضعه ويزلزله، ولا يفرح بحاصل فرحاً يستخفه ويذهله. ولكن يمضي مع قدر الله في طواعية وفي رضى. رضى العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون! وهذه درجة قد لا يستطيعها الا القليلون. فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه الى الله، وذكره بهذه وبتلك، والاعتدال في الفرح والحزن. قال عكرمه - رضي الله عنه - " ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً".. وهذا هو اعتدال الإسلام الميسر للأسوياء.. {والله لا يحب كل مختال فخور. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل}.. ووجه الصلة بين الحقيقة السابقة وبين الاختيال والفخر، ثم بين هذا وذلك وبين البخل والأمر بالبخل، هو أن من يشعر بأن كل ما يصيبه هو من أمر الله، لا يختال ولا يفخر بما يعطاه. ولا يبخل ولا يأمر بالبخل في عطاء. فأما الذي لا يشعر بتلك الحقيقة فيحسب أن ما يؤتاه من مال وقوة وجاه هو من كسبه فيفخر ويختال به؛ ثم يبخل كذلك ببذل شيء منه، ويحث غيره على البخل ليحقق مبدأه ومنهجه! { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد}.. فمن ينفق فإنما ينفق لنفسه، ومن يستجب فإنما يستجيب لمصلحته. والله هو الغني فما به من حاجة إلى العباد المحاويج. والله هو الحميد بذاته فما يناله شيء من حمد الحامدين! وفي النهاية يجيء المقطع الأخير في السورة، يعرض باختصار خط سير الرسالة، وتاريخ هذه العقيدة، من لدن نوح وإبراهيم؛ مقرراً حقيقتها وغايتها في دنيا الناس؛ ملماً بحال أهل الكتاب وأتباع عيسى - عليه السلام. بصفة خاصة. {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب. إن الله قوي عزيز. ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم، وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب، فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون. ثم قفَّينا على آثارهم برسلنا، وقفَّينا بعيسى ابن مريم، وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم، إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون}.. فالرسالة واحدة في جوهرها، جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها، ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق. وبعضهم أنزل عليه كتاب. والنص يقول {وأنزلنا معهم الكتاب} بوصفهم وحدة. وبوصف الكتاب وحدة كذلك، إشارة إالى وحدة الرسالة في جوهرها. {والميزان}.. مع الكتاب. فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزاناً ثابتاً ترجع إليه البشرية، لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال؛ وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع. ميزاناً لا يحابي أحداً لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع، ولا يحيف على أحد لأن الله رب الجميع. هذا الميزان الذي أنزله الله في الرسالة هو الضمان الوحيد للبشرية من العواصف الزلازل والاضطرابات والخلخلة التي تحيق بها في معترك الأهواء ومضطرب العواطف، ومصطخب المنافسة وحب الذات. فلا بد من ميزان ثابت يثوب إليه البشر، فيجدون عنده الحق والعدل والنصفة بلا محاباة. { ليقوم الناس بالقسط}.. فبغير هذا الميزان الإلهي الثابت في منهج الله وشريعته، لا يهتدي الناس إلى العدل، وإن اهتدوا إليه لم يثبت في أيديهم ميزانه، وهي تضطرب في مهب الجهالات والأهواء! {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب}.. والتعبير {بأنزلنا الحديد} كالتعبير في موضع آخر بقوله:{أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}. تفسير : كلاهما يشير إلى إرادة الله وتقديره في خلق الأشياء والأحدث، فهي منزلة بقدره وتقديره. فوق ما فيه هنا من تناسق مع جو الآية، وهو جو تنزيل الكتاب والميزان، فكذلك ما خلقه الله من شيء مقدر تقدير كتابه وميزانه. أنزل الله الحديد {فيه بأس شديد}.. وهو قوة في الحرب والسلم {ومنافع للناس}.. وتكاد حضارة البشر القائمة الآن تقوم على الحديد {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب}. وهي إشارة الى الجهاد بالسلاح؛ تجيء في موضعها في السورة التي تتحدث عن بذل النفس والمال. ولما تحدث عن الذين ينصرون الله ورسله بالغيب، عقب على هذا بإيضاح معنى نصرهم لله ورسله، فهو نصر لمنهجه ودعوته، أم الله سبحانه فلا يحتاج منهم الى نصر: { إن الله قويٌ عزيز}.. ولما انتهى من تقرير وحدة الرسالة في جوهرها وكتابها وميزانها عاد يقرر وحدتها في رجالها، فهم من ذرية نوح وإبراهيم. {ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب}.. فهي شجرة واحدة باسقة، متشابكة الفروع، فيها النبوة والكتاب. ممتدة من فجر البشرية منذ نوح، حتى إذا انتهت إلى إبراهيم، تفرعت وامتدت وانبثقت النبوات من ذلك الفرع الكبير الذي صار أصلاً باسقاً ممتداً إلى آخر الرسالات. فأما الذرية التي جاءتها النبوات والكتب فلم تكن على شاكلة واحدة: {فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون}.. وهو تلخيص قصير لذلك الخط الطويل! وقرب نهاية الخط يجيء عيسى بن مريم: {ثم قفَّينا على آثارهم برسلنا وقفَّينا بعيسى ابن مريم}.. أي على آثار السابقين من ذرية نوح وإبراهيم. فكانت الرسالة ممتدة واحدة على إثر واحدة حتى جاء عيسى ابن مريم. ويذكر هنا صفة بارزة من صفات الذين اتبعوا عيسى بن مريم: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة}.. وهم الثمرة الطبيعية لدعوة المسيح - عليه السلام - وروحها السمحة وتطهرها الروحي، وشفافيتها الوضيئة والرأفة والرحمة ظاهرة واضحة في المؤمنين حقيقة برسالة عيسى عليه السلام، ممن أحسنوا اتباعه. وقد أشارت اليها آيات أخرى في القرآن الكريم، كما حفظ منها التاريخ صوراً يرويها الرواة عن النجاشي وعن وفد نجران وعن أفراد ممن وفدوا على دار الإسلام بعد ظهوره راغبين في الإسلام، بحكم ما استقر في قلوبهم من الحق، مذ كانوا أتباع عيسى بن مريم بحق. كذلك يذكر النص هنا ظاهرة أخرى عرفت في تاريخ أتباع المسيح عيسى بن مريم {ورهبانية ابتدعوها - ما كتبناها عليهم - إلا ابتغاء رضوان الله}.. والراجح في تفسير الآية أن هذه الرهبانية التي عرفها تاريخ المسيحية كانت اختياراً من بعض أتباع عيسى عليه السلام، ابتدعوها من عند أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وابتعاداً عن أوضار الحياة - ولم يكتبها الله عليهم ابتداء. ولكنهم حين اختاروها وأوجبوها على أنفسهم صاروا مرتبطين أمام الله بأ ن يرعوا حقوقها، ويحافظوا على مقتظياتها من تطهر وترفع، وقناعة وعفة، وذكر وعبادة.. مما يحقق في أنفسهم حقيقة التجرد لله، التي قصدوا إليها بهذه الرهبانية التي ابتدعوها. ولكنها انتهت إلى أن تصبح في الغالب طقوساً وشعائر خالية من الروح، وأن يتخذها الكثيرون مظهراً عارياً من الحقيقة. فلا يصبر على تكاليفها إلا عدد منهم قليل: {فما رعوها حق رعايتها. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون}.. والله لا يأخذ الناس بالمظاهر والأشكال، ولا بالطقوس والمسوح. إنما يأخذهم بالعمل والنية، ويحاسبهم على حقيقة الشعور والسلوك. وهو الذي يعلم خبايا القلوب وذوات الصدور. وبعد هذا العرض السريع يجيء الهتاف الأخير للذين آمنوا، وهم الحلقة الأخيرة في سلسلة المؤمنين برسالة الله في تاريخها الطويل؛ وورثة هذه الرسالة الذين يقومون عليها الى يوم الدين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تمشون به، ويغفر لكم، والله غفور رحيم. لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم}.. ونداؤهم على هذا النحو: {يا أيها الذين آمنوا} فيه لمسة خاصة لقلوبهم، واستحياء لمعنى الإيمان، وتذكير برعايته حق رعايته؛ واستجاشة للصلة التي تربطهم بربهم الذي يناديهم هذا النداء الكريم الحبيب. وباسم هذه الصلة يدعوهم الى تقوى الله والإيمان برسوله. فيبدو للإيمان المطلوب معنى خاص.. معنى حقيقة الإيمان وما ينبثق عنها من آثار. اتقوا الله وآمنوا برسوله.. {يؤتكم كفلين من رحمته}.. أي يعطيكم نصيبين من رحمته وهو تعبير عجيب. فرحمة الله لا تتجزأ، ومجرد مسها لإنسان يمنحة حقيقتها. ولكن في هذا التعبير زيادة امتداد للرحمة وزيادة فيض.. {ويجعل لكم نوراً تمشون به}.. وهي هبة لدنية يودعها الله القلوب التي تستشعر تقواه، وتؤمن حق الإيمان برسوله. هبة تنير تلك القلوب فتشرق، وترى الحقيقة من وراء الحجب والحواجز، ومن وراء الأشكال والمظاهر؛ فلا تتخبط، ولا تلتوي بها الطريق.. { نوراً تمشون به}.. {ويغفر لكم. والله غفور رحيم}.. فالإنسان إنسان مهما وهب من النور. إنسان يقصر حتى لو عرف الطريق. إنسان يحتاج إلى المغفرة فتدركه رحمة الله.. { والله غفور رحيم }.. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}.. لتنالوا كفلين من رحمة الله. ويكون لكم ذلك النور تمشون به. وتدرككم رحمة الله بالمغفرة من الذنب والتقصير.. {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله. وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء}.. فقد كان أهل الكتاب يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه: {أية : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا}.. {أية : وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}.. تفسير : فالله يدعو الذين آمنوا إلى استحقاق رحمته وجنته وهبته ومغفرته حتى يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على احتجاز شيء من فضله، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، غير مقصور على قوم، ولا محجوز لطائفة، ولا محدود ولا قليل: { والله ذو الفضل العظيم}. وهي دعوة فيها تحضيض واستجاشة واستشارة للسباق إلى الجنة والرحمة. تختم بها السورة ختاماً يتناسق مع سياقها كله، ومع الهتاف المكرر فيها لهذه القلوب كي تحقق إيمانها وتخشع لربها وتستجيب لتكاليف الإيمان في الأموال والأرواح. في تجرد وإخلاص. وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير. وهي في بدئها وسياقها وختامها؛ وفي إيقاعاتها وصورها وظلالها؛ وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة، وشوطاً بعد شوط.. هي في هذا كله درس بديع لأصحاب هذه الدعوة، يعلمهم كيف يخاطبون الناس. وكيف يوقظون الفطرة، وكيف يستحيون القلوب! إنها درس رباني من صانع القلوب، ومنزل القرآن، وخالق كل شيء بقدر. وفي هذه المدرسة الإلهية يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون..
ابن عاشور
تفسير : قد علم من صدر تفسير هذه السورة أن هذه الآية نزلت بمكة سنة أربع أو خمس من البعثة رواه مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلى {وكثير منهم فاسقون} إلا أرْبَعُ سنين. والمقصود من {الذين آمنوا}: إما بعض منهم ربما كانوا مقصرين عن جمهور المؤمنين يومئذٍ بمكة فأراد الله إيقاظ قلوبهم بهذا الكلام المجمل على عادة القرآن وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في التعريض مثل قوله: «حديث : ما بال أقوام يفعلون كذا» تفسير : وقوله تعالى: {أية : وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية}تفسير : [آل عمران: 154]. وليس ما قاله ابن مسعود مقتضياً أن مثله من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية ولكنه يخشى أن يكون منهم حذراً وحيطة. فالمراد بــــ {الذين آمنوا} المؤمنون حقاً لا من يُظهرون الإيمان من المنافقين إذ لم يكن في المسلمين بمكة منافقون ولا كان دَاع إلى نِفاق بعضهم. وعن ابن مسعود «لما نزلت جعل بَعضنا ينظر إلى بعض ونَقول: ما أحدثْنا». وإما أن يكون تحريضاً للمؤمنين على مراقبة ذلك والحذرِ من التقصير. والهمزة في {ألم يأن} للاستفهام وهو استفهام مستعمل في الإنكار، أي إنكار نفي اقتراب وقت فاعل الفعل. ويجوز أن يكون الاستفهام للتقرير على النفي، وفعل {يأن} مشتق من اسم جامد وهو الإِنَى بفتح الهمزة وكسرها، أي الوقت قال تعالى: {أية : غير ناظرين إناه}تفسير : [الأحزاب: 53]. وقريب من قوله: {ألم يأن} قولهم: أما آن لك أن تفعل، مثل ما ورد في حديث إسلام عمر بن الخطاب من قول النبي صلى الله عليه وسلم له «حديث : أَمَا آنَ لك يا ابنَ الخطاب أن تُسلم» تفسير : وفي خبر إسلام أبي ذر من أن علي بن أبي طالب وجده في المسجد الحرام وأراد أن يُضيفه وقال له: «أما آن للرجل أن يعرِف منزله» يريد: أن يعرف منزلي الذي هو كمنزله. وهذا تلطف في عرض الاستضافة، إلا أن فعل {يأن} مشتق من الإِنى وهو فعل منقوص آخره ألف. وفعل: آن مشتق من الأَين وهو الحين وهو فعل أجوف آخره نون. فأصل: أنى أَنِيَ وأصل آنَ: آوِن وآل معنى الكلمتين واحد. واللام للعلة، أي ألم يأن لأجل الذين آمنوا الخشُوع، أي ألم يحقَّ حضوره لأجْلهم. و{أن تخشع} فاعل {يأن}، والخشوع: الاستكانة والتذلل. و{ذِكْر الله} ما يذكرهم به النبي صلى الله عليه وسلم أو هو الصلاة. و{ما نزل من الحق} القرآن، قال تعالى: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 2]. ويجوز أن يكون الوصفان للقرآن تشريفاً له بأنه ذكر الله وتعريفاً لنفعه بأنه نزل من عند الله، وأنه الحق، فيكون قوله: {وما نزل من الحق} عطف وصف آخر للقرآن مثل قول الشاعر أنشده في «الكشاف»:شعر : إلى الملك القِرْم وابن الهمّام... البيت تفسير : واللام في {لذكر الله} لام العلة، أي لأجل ذكر الله. ومعنى الخشوع لأجله: الخشوع المسبب على سماعه وهو الطاعة والامتثال. وقرأ نافع وحفص عن عاصم {وما نزل} بتخفيف الزاي. وقرأه الباقون بتشديد الزاي على أن فاعل {نزل} معلوم من المقام، أي الله. و{لا يكونوا} قرأه الجمهور بياء الغائب. وقرأه رويس عن يعقوب {ولا تكونوا} بتاء الخطاب. و{لا} نافية على قراءة الجمهور والفعل معمول لــــ «أنْ» المصدرية التي ذكرت قبله، والتقدير: ألم يأن لهم أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب. وعلى قراءة رويس عن يعقوب فتاء الخطاب الالتفات و (لا) نافية، والفعل منصوب بالعطف كقراءة الجمهور، أو (لا) ناهية والفعل مجزوم والعطف من عطف الجُمل. والمقصود التحذير لا أنهم تلبسوا بذلك ولم يأن لهم الاقلاع عنه. والتحذير مُنْصَبٌّ إلى ما حدث لأهل الكتاب من قسوة القلوب بعد طول الأمد عليهم في مزاولة دينهم، أي فليحذر الذين آمنوا من أن يكونوا مثلهم على حدثان عهدهم بالدين. وليس المقصود عذر الذين أوتوا الكتاب بطول الأمد عليهم لأن طول الأمد لا يكون سبباً في التفريط فيما طال فيه الأمدُ بل الأمر بالعكس ولا قصدُ تهوين حصوله للذين آمنوا بعد أن يطول الأمد لأن ذلك لا يتعلق به الغرض قبل طول الأمد، وإنما المقصود النهي عن التشبه بالذين أوتوا الكتاب في عدم خشوع قلوبهم ولكنه يفيد تحذير المؤمنين بعد أن يطول الزمان من أن يقعوا فيما وقع فيه أهل الكتاب. ويستتبع ذلك الأنباءَ بأن مدة المسلمين تطول قريباً أو أكثر من مدة أهل الكتاب الذين كانوا قبل البعثة، فإن القرآن موعظة للعصور والأجيال. ويجوز أن تجعل (لا) حرف نهي وتعلق النهي بالغائب التفاتاً أو المراد: أَبْلِغْهم أن لا يكونوا. وفاء {فطال عليهم الأمد} لتفريع طول الأمد على قسوة القلوب من عدم الخشوع، فهذا التفريع خارج عن التشبيه الذي في قوله: {كالذين أوتوا الكتاب من قبل}، ولكنه تنبيه على عاقبة ذلك التشبيه تحذيراً من أن يصيبهم مثل ما أصاب الذين أوتوا الكتاب من قبل. والأمد: الغاية من مكان أو زمان والمراد به هنا: المدة التي أوصوا بأن يحافظوا على اتباع شرائعهم فيها المغيَّاةُ بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم المبشر في الشرائع {أية : وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه}تفسير : [آل عمران: 81]. والمعنى: أنهم نَسُوا ما أوصوا به فخالفوا أحكام شرائعهم ولم يخافوا عقاب الله يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً، وصار ديدناً لهم رويداً رويداً حتى ضرئوا بذلك، فقست قلوبهم، أي تمردت على الاجتراء على تغيير أحكام الدين. وجملة {وكثير منهم فاسقون} اعتراض في آخر الكلام. والمعنى: أن كثيراً منهم تجاوزوا ذلك الحَدَّ من قسوة القلوب فنبذوا دينهم وبدلوا كتابهم وحرفوه وأفسدوا عقائدهم فبلغوا حدّ الكفر. فالفسق هنا مراد به الكفر كقوله تعالى: {أية : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثرهم فاسقون}تفسير : [المائدة: 59]، أي غير مؤمنين بدليل المقابلة بقوله: {آمنا بالله} إلى آخره. وبين قوله: {فقَست} وقوله: {فاسقون} محسّن الجناس. وهذا النوع فيه مركب مما يسمى جناس القلب وما يسمى الجناس الناقص وقد اجتمعا في هذه الآية.
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا مراراً أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا فيه وجهان من التفسير معروفان. الأول منهما: هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتاً، فيكون بمعنى الماضي المثبت، لأن لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم فينفيه. ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه فالمعنى: {أَلَمْ يَأْذَنِ لِلَّذِينَ}: أي آن للذين آمنوا. والوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك للتقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بلى، وقوله: يأن: هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول كعب بن مالك رضي الله عنه: شعر : ولقد أنى لك أن تناهي طائعاً أو تستفيق إذا نهاك المرشد تفسير : فقوله: أنى لك أن تناهى طائعاً، أي جاء الإناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعاً، أي حضر وقت تناهيك، ويقال في العربية: آن يئين كباع يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر: شعر : ألماً يئن لي أن تجلى عمايتي وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا تفسير : والمعنى على كلا القولين أنه حان للمؤمنين، وأنى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه. وقوله تعالى: {أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ} المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن، والخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : رماد ككحل العين لأياً أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : فقوله: خاشع أي منخفض مطمئن، والخشوع في الشرع خشية من الله تداخل القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون، كما هو شأن الخائف. وقوله: {لِذِكْرِ ٱللَّهِ}، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر الله، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى:{أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الانفال: 2] أي خافت عند ذكر الله، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه، والخشية المذكورة هنا معناهما واحد. وقال بعض العلماء: المراد بذكر الله القرآن، وعليه فقوله: {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين، كقوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ}تفسير : [الأعلى: 1-3]، كما أوضحناه مراراً. وعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى:{أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23]، فالاقشعرار المذكور، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبرعنه بأحسن الحديث، يفسر معنى الخشوع لذكر الله، وما نزل من الحق هنا كما ذكر، وقوله تعالى: {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: {أية : ثُمَّ قًسَتْ قُلُوبُكُم}تفسير : [البقرة: 74] بعض أسباب قسوة قلوبهم، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد هذه، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين، من أهل الكتاب جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى {أية : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}تفسير : [آل عمران: 110] وقوله تعالى: {أية : فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}تفسير : [الحديد: 27] إلى غير ذلك من الآيات.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ألم يأن للذين آمنوا: أي ألم يحن الوقت للذين أكثروا من المزاح. أن تخشع قلوبهم لذكر الله: أي تلين وتسكن وتخضع وتطمئن لذكر الله ووعده ووعيده. وما نزل من الحق: أي القرآن وما يحويه من وعد ووعيد. ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل: أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى في الإِعراض والغفلة. فطال عليهم الأمد: أي الزمن بينهم وبين أنبيائهم. فقست قلوبهم: أي لعدم وجود من يذكرهم ويرشدهم فقست لذلك قلوبهم فلم تلن لذكر الله. وكثير منهم فاسقون: أي نتيجة لقساوة القلوب المترتبة على ترك التذكير والإِرشاد ففسق أكثرهم فخرج عن دين الله ورفض تعاليمه. اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها: أي بالغيث ينزل بها وكذلك يحيي القلوب بالذكر والتذكير فتلين وتخشع لذكر الله ووعد ووعيده. قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون: أي بينا لكم الآيات الدالة على قدرتنا وعلمنا ولطفنا ورحمتنا رجاء أن تعقلوا فتحفظوا أنفسكم مما يرديها ويوبقها. إن المصدقين والمصدقات: أي المتصدقين بفضول أموالهم والمتصدقات كذلك. وأقرضوا الله قرضا حسنا: أي وكانت صدقاتهم كالقرض الحسن الذي لا منة معه والنفس طيبة به وراجية من ربها جزاءه. يضاعف لهم: أي القرض الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى ألف ألف. والذين آمنوا بالله ورسله: أي صدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسله هداة ودعاة صادقين. أولئك هم الصديقون: أي الذين كتبوا عند الله صديقين وهي مرتبة شرف عالية. والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم: أي وشهداء المعارك في سبيل الله عند ربهم أي في الجنة لهم أجرهم العظيم ونورهم التام يوم القيامة. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا: أي كفروا بالله وتوحيده وكذبوا بالقرآن وبما حواه من الشرائع والأحكام. أولئك أصحاب الجحيم: أي أولئك البعداء هم أهل النار الذي لا يفارقونها أبداً. معنى الآيات: قوله تعالى {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي بالله ربّاً وإلهاً وبمحمد صلى الله عليه وسلم وبوعد الله ووعيده صدقا وحقا ألم يحن الوقت لهم أن تخشع قلوبهم فتلين وتطمئن إلى ذكر الله وتخشع كذلك {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} في الكتاب الكريم فيعرفون المعروف ويأمرون به ويعرفون المنكر وينهون عنه إنها لموعظة إلهية عظيمة وزادها عظمة أن تنزل في أصحاب رسول الله تستبطىء قلوبهم. فكيف بمن بعدهم. وقوله: {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ} أي من قبل البعثة المحمدية وهم اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد وهو الزمن الطويل بينهم وبين أنبيائهم فلم يذكروا ولم يرشدوا فقست قلوبهم من أجل ذلك وأصبح أكثرهم فاسقين عن دين الله خارجين عن شرائعه لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. وقوله تعالى {ٱعْلَمُوۤاْ} أي أيها المؤمنون المصابون ببعض الغفلة فكثر مزاحهم وضحكهم {أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يحييها بالغيث فتنبت وتزدهر فكذلك القلوب تموت بترك التذكير والتوجيه والإِرشاد وتحيا على التذكير والإِرشاد. وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ} أي وضحناها لكم في هذا الكتاب الكريم لعلكم تعقلون أي لنعدّكم بذلك لتعقلوا عنّا ما نُخاطبكم به وننصح لكم فيه فاذكروا هذا ولا تنسوه. وارجعوا قلوبكم وتعهدوها بذكر الله والدار الآخرة. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ} أي المتصدقين بفضول أموالهم في سبيل الله والمصدقات أي والمتصدقات كذلك وأقرضوا الله قرضاً حسناً بما أنفقوه في الجهاد طيبة به نفوسهم لا منة فيه ولا رياء ولا سمعة هؤلاء يضاعف لهم أي ثواب صدقاتهم وإقراضهم ربهم إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف ولهم أجر كريم وهو الجنة والذين آمنوا بالله ورسله فصدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسل الله المصطفين هداة إلى الله ودعاة إليه هؤلاء هم الصديقون ففازوا بمرتبة الصديقية والشهداء الذين استشهدوا في معارك الجهاد هم الآن عند ربهم لهم أجرهم ونورهم أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة. هؤلاء الأصناف الثلاثة مثلهم مثل السابقين وأصحاب اليمين. والذين كفروا أي بالله ورسله وكذبوا بآياتنا أي بآيات ربهم الحاوية لشرائعه وعبادته فلم يعبدوه بها هؤلاء الأدنون هم أصحاب الجحيم الذين يلازمونها وتلازمهم أبداً نعوذ بالله من حالهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التحذير من الغفلة ونسيان ذكر الله وما عنده من نعيم وما لديه من نكال وعذاب. 2- وجوب التذكير للمؤمنين والوعظ والإِرشاد والتعليم خشية أن تقسو قلوبهم فيفسقوا كما فسق أهل الكتاب ويكفروا كما كفروا. 3- تقرير حقيقة وهي أن الأرض تحيا بالغيث والقلوب تحيا بالعلم والمواعظ والتذكير بالله. 4- بيان أصناف المؤمنين ورتبهم وهم المتصدقون والمقرضون في سبيل الله أموالهم والمؤمنين بالله ورسله حق الإِيمان والصديقون وشهداء الجهاد في سبيل الله جعلنا الله منهم.
القطان
تفسير : الم يأنِ: الم يَحِنْ، والفعلُ الماضي أنى يأْني أنياً وأناةً وأنىً: حانَ وقَرُب. وما نزل من الحق: من القرآن. فطالَ عليهم الأمد: طال عليهم الزمان وبعُد العهد بينهم وبين انبيائهم. قَسَت قلوبهم: اشتدّت فكفروا. المصّدِّقين والمصدقات: بالتشديد هم المنفقون في سبيل الله. الصدّيق: المداوم على الصدق. الشهداء: من قُتلوا في سبيل الله. في هذه الآيات عتابٌ لقومٍ من المؤمنين فترت همَّتُهم قليلاً عن القيام بما نُدِبوا اليه. روي عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال: "لما قَدِم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأصابوا من لِين العَيش ما أصابوا بعْدَ أن كانوا في جَهدٍ، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوقبوا بهذه الآية...." الم يَحِن الوقتُ للذين آمنوا أن ترقَّ قلوبُهم لذِكر الله والقرآن الكريم، ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أُوتوا الكتابَ من قبلهم، فعملوا به مدةً ثم طال عليهم الزمنُ فجمدت قلوبهم وغيّروا وبدّلوا {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} خارجون عن حدودِ دينهم. اعلموا أيها المؤمنون ان الله يحيي الأرضَ ويهيئها للإنباتِ بنزول المطر بعد يُبْسِها وجفافها {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} وضربْنا لكم الأمثالَ لعلكم تعقلون ما فيها، فتخشعَ قلوبكم لذِكر الله. والله سبحانه يجازي كلَّ انسانٍ بعمله، فالمتصدّقون والمتصدقات الذين ينفقون في سبيل الله بنفوس سخيّة طيبة، يضاعفُ الله لهم ثوابَ ذلك، وفوق المضاعَفة لهم أجرٌ كريم عنده يوم القيامة. والعاملون أقسامٌ عند الله، فمنهم النبيّون والصدّيقون والشهداءُ والصالحون. فالذين آمنوا بالله ورسُلِه ولم يفرقوا بين احدٍ منهم - أولئك هم الصدّيقون والشهداءُ، لهم أجرُهم العظيم، ونورٌ يهديهم يومَ القيامة، لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون. وبالمقابلِ يقفُ الذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله، أولئك هم أصحابُ النار خالدين فيها. قراءات: قرأ نافع وحفص: وما نَزَل من الحق بفتح النون والزاي من غير تشديد. والباقون: وما نزّل بتشديد الزاي. وقرأ ابن كثير وابو بكر: ان المصَدقين والمصدقات بفتح الصاد من غير تشديد. والباقون: بالتشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُوۤاْ} {ٱلْكِتَابَ} {فَاسِقُونَ} (16) - أَلَمْ يَحِنِ الوَقْتُ الذِي تَرِقُّ فِيهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، وَتَخْضَعُ حِينَ سَمَاعِهِمْ القُرْآنَ وَالمَوَاعِظَ، فَتَأْخُذُ بِمَا أَمَرَ اللهُ، وَتَنْتَهِي عَمَّا نَهَى عَنْهُ؟ فَلاَ يُشَابِهُ المُؤْمِنُونَ أَهْلَ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصَارَى الذِينَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، وَأَمَرَهُمْ بِالالْتِزَامِ بِمَا جَاءَ فِيهِمَا، وَلَمَّا بَعُدَ العَهْدُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِمْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ تَعُدْ تُؤَثِّرُ فِيهَا المَوَاعِظُ التِي وَرَدَتْ فِي كُتُبِ اللهِ، وَعَلَى أَلْسِنَةِ أَنْبِيَائِهِمْ، وَتَفَرَّقُوا شِيَعاً وَاخْتَلَفُوا، وَحَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَخَرَجَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ عَنِ الحُدُودِ التِي شَرَعَهَا اللهُ لَهُمْ. أَلَمْ يَأْنِ - أَلَمْ يَحِنِ الوَقْتُ. الأَمَدُ - الأَجَلُ أَوِ الزَّمَانُ.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} [الآية: 16]. يقول: طال عليهم الدهر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم،، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} [الآية: 19]. قال: يشهدون على أَنفسهم بالإِيمان بالله، عز وجل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الآية: 25]. قال: يقول: فيه جُنَّة وسلاح. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الآية: 28]. يعني: ضعفين من الأَجر. أَنبا عبد الرحمن، قال ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا إِسرائيل عن ابي اسحق الهمذاني، عن أَبي الأَحوص، عن أَبي موسى الأَشعري في قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [الآية: 28]. قال: ضعفين. وهو بلسان الحبشة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً} [الآية: 28]., يعني: هدى تهتدون به.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى اغترار المنافقين والكافرين بالحياة الدنيا، نبَّه المؤمنين ألا يكونوا مثلهم، أو مثل أهل الكتاب بالاغترار بدار الفناء، ثم ضرب مثلاً للحياة الدنيا وبهرجها الخادع الكاذب، وختم السورة الكريمة ببيان فضيلة التقوى والعمل الصالح، وأرشد المؤمنين إِلى مضاعفة الأجر والنور باتباعهم هدي الرسول صلى الله عليه وسلم. اللغَة: {يَأْنِ} يحن يقال: أني يأْني مثل رمى يرمي أي حان، قال الشاعر: شعر : ألم يأنِ لي يا قلب أن أترك الجهلا وأن يُحدث الشيب المبينُ لنا عقلاً تفسير : {تَخْشَعَ} تذل وتلين {ٱلأَمَدُ} الأجل أو الزمان {يَهِيجُ} هاج الزرع إِذا جف ويبس بعد خضرته ونضارته {حُطَاماً} فُتاتاً يتلاشى بالرياح {قَفَّيْنَا} ألحقنا وأتبعنا {كِفْلَيْنِ} مثنى كفل وهو النصيب. سَبَبُ النّزول: لما قدم المؤمنون المدينة، أصابوا من لين العيش ورفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت هذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} قال ابن مسعود: "ما كان بين إِسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إِلا أربع سنوات". التفسِير: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ} أي أما حان للمؤمنين أن ترقَّ قلوبهم وتلين لمواعظ الله؟ {وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ} أي ولما نزل من آيات القرآن المبين؟ {وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ} أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي فطال عليهم الزمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، حتى صلبت قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة قال ابن عباس: {قست قلوبهم} مالوا إِلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن وقال أبو حيان: أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعة والغرض أن الله يحذِّر المؤمنين أن يكونوا مع القرآن كاليهود والنصارى حين قست قلوبهم لما طال عليهم الزمان {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي وكثير من أهل الكتاب خارجون عن طاعة الله، رافضون لتعاليم دينهم، من فرط قسوة القلب قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الزمن بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ونبذوه وراء ظهورهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي اعلموا يا معشر المؤمنين أن الله يحيي الأرض القاحلة المجدبة بالمطر، ويخرج منها النبات بعد يبسها، وهو تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر وتلاوة القرآن، كما تحيا الأرض المجدبة بالغيث الهتان قال ابن عباس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتةً منيبة، وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة قال في البحر: ويظهر أنه تمثيلٌ لتليين القلوب بعد قسوتها، ولتأثير ذكر الله فيها، فكما يؤثر الغيث في الأرض فتعود بعد إِجدابها مخصبة، كذلك تعود القلوب النافرة مقبلةً يظهر فيها أثر الخشوع والطاعات {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ} أي وضحنا لكم الحجج والبراهين الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لكي تعقلوا وتتدبروا ما أنزل الله في القرآن {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي الذين تصدقوا بأموالهم على الفقراء ابتغاء وجه الله، والذين أنفقوا في سبيل الله وفي وجوه البر والإِحسان طيبة بها نفوسهم {يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي يضاعف لهم ثوابهم بأن تكتب الحسنة بعشر أمثالها، ولهم فوق ذلك ثواب حسن جزيل وهو الجنة قال المفسرون: أصل {ٱلْمُصَّدِّقِينَ} المتصدقين أدغمت التاء في الصاد فصارت المصدّقين، ومعنى القرض الحسن هو التصدق عن طيب النفس، وخلوص النية للفقير، فكأن الإِنسان بإِحسانه إِلى الفقير قد أقرض اللهَ قرضاً يستحق عليه الوفاء في دار الجزاء {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي صدَّقوا بوحدانية الله ووجوده، وآمنوا برسله إِيماناً راسخاً كاملاً، لا يخالجه شك ولا ارتياب {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} أي أولئك الموصوفون بالإِيمان بالله ورسله، هم الذين جمعوا أعلى المراتب فحازوا درجة الصديقية والشهادة في سبيل الله قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صدِّيقٌ وشهيد {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي لهم في الآخرة الثواب الجزيل، والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي والذين جحدوا بوحدانية الله وكذبوا بآياته أولئك هم المخلدون في دار الجحيم قال البيضاوي: فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار، من حيث أن الصيغة تشعر بالاختصاص {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} والصحبة تدل على الملازمة.. ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين، ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة فقال {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ} أي اعلموا يا معشر السامعين أن هذه الحياة الدنيا ما هي إِلا لعبٌ يُتعب الناس فيها أنفسهم كإِتعاب الصبيان أنفسهم باللعب {وَلَهْوٌ} أي وشغل للإِنسان يشغله عن الآخرة وطاعة الله {وَزِينَةٌ} أي وزينة يتزين بها الجهلاء كالملابس الحسنة، والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} أي ومباهاة وافتخار بالأحساب والأنساب والمال والولد كما قال القائل: شعر : أرى أهل القُصور إِذا أُميتوا بنوا فوق المقابر بالصخور أبوا إِلا مباهاةً وفخراً على الفقراء حتى في القبور تفسير : {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} أي مباهاة بكثرة الأموال والأولاد قال ابن عباس: يجمع المال من سخط الله، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلماتٌ بعضها فوق بعض {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} أي كمثل مطرٍ غزير أصاب أرضاً، فأعجب الزُرَّاع نباتُه الناشىء عنه {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي ثم ييبس بعد خضرته ونُضرته فتراه مصفر اللون بعد أن كان زاهياً ناضراً {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} أي ثم يتحطم ويتكسر بعد يبسه وجفافه فيصبح هشيماً تذروه الرياح كذلك حال الدنيا قال القرطبي: والمراد بالكفار هنا الزُرَّاع لأنهم يغطون البذر، ومعنى الآية أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إِليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً كأن لم يكن، وإِذا أعجب الزراع فهو في غاية الحسن {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي والجزاء في الآخرة إِما عذاب شديد للفجار، وإِما مغفرة من الله ورضوانٌ للأبرار {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} أي وليست الحياة الدنيا في حقارتها وسرعة انقضائها إِلا متاعٌ زائل، ينخدع بها الغافل، ويغتر بها الجاهل قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغُرور إِن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إِذا دعتك إِلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم الوسيلة.. ولما حقَّر الدنيا وصغَّر أمرها، وعظَّم الآخرة وفخَّم شأنها، حثَّ على المسارعة إِلى نيل مرضاة الله، التي هي سبب للسعادة الأبدية في دار الخلود والجزاء فقال {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي تسابقوا أيها الناس وسارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم قال أبو حيان: وجاء التعبير بلفظ {سَابِقُوۤاْ} كأنهم في ميدان سباق يجرون إِلى غاية مسابقين إِليها، والمعنى سابقوا إِلى سبب مغفرة وهو الإِيمان، وعملُ الطاعات {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي وسارعوا إِلى جنةٍ واسعة فسيحة، عرضها كعرض السماوات السبع مع الأرض مجتمعة قال السدي: إِن الله تعالى شبَّه عرض الجنة بعرض السماوات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك وقال البيضاوي: إِذا كان العرض كذلك فما ظنك بالطول، {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} أي هيأها الله وأعدها للمؤمنين المصدّقين بالله ورسله قال المفسرون: وفي الآية دلالة على أن الجنة مخلوقة وموجودة لأن ما لم يُخلق بعد لا يوصف بأنه أُعدَّ وهُيءَ {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي ذلك الموعود به من المغفرة والجنة هو عطاء الله الواسع، يتفضل به على من يشاء من عباده من غير إِيجاب {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي ذو العطاء الواسع والإِحسان الجليل {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ} أي ما يحدث في الأرض مصيبةً من المصائب كقحطٍ، وزلزلةٍ، وعاهة في الزروع، ونقصٍ في الثمار {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} أي من الأمراض، والأوصاب، والفقر، وذهاب الاولاد {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي إِلاَّ وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلقها ونوجدها قال في التسهيل: المعنى أن الأمور كلها مقدَّرة في الأزل، مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل أن تكون، وفي الحديث "حديث : إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء"تفسير : {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي إن إثبات ذلك على كثرته سهلٌ هيّنٌ على الله عز وجل وإِن كان عسيراً على العباد.. ثم بيَّن تعالى لنا الحكمة في إِعلامنا عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر فقال {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي أثبت وكتب ذلك كي لا تحزنوا على ما فاتكم من نعيم الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي ولكي لا تبطروا بما أعطاكم الله من زهرة الدنيا ونعيمها قال المفسرون: والمراد بالحزن الحزنُ الذي يوجب القنوط، وبالفرح الفرحُ الذي يورث الأشر والبطر، ولهذا قال ابن عباس: "ليس من أحدٍ إِلا وهو يحزن ويفرح، ولكنَّ المؤمن يجعل مصيبته صبراً، وغنيمته شكراً" ومعنى الآية: لا تحزنوا حزناً يخرجكم إِلى أن تهلكوا أنفسكم، ولا تفرحوا فرحاً شديداً يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ولهذا قال بعض العارفين : "من عرف سرَّ الله في القدر هانت عليه المصائب" وقال عمر رضي الله عنه: "ما أصابتني مصيبة إِلا وجدت فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يعطي عليها الثواب العظيم والأجر الكبير {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ * ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ}تفسير : [البقرة: 155-157] {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي لا يحب كل متكبر معجبٍ بما أعطاه الله من حظوظ الدنيا، فخور به على الناس.. ثم بيَّن تعالى أوصاف هؤلاء المذمومين فقال {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} أي يبخلون بالإِنفاق في سبيل الله، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويرغبوهم في الإِمساك {وَمَن يَتَوَلَّ} أي ومن يعرض عن الإِنفاق {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} أي فإِن الله مستغنٍ عنه وعن إِنفاقه، محمودٌ في ذاته وصفاته، لا يضره الإِعراض عن شكره، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وفيه وعيدٌ وتهديد {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} اللام موطئة لقسم محذوف أي والله لقد بعثنا رسلنا بالحجج القواطع والمعجزات البينات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ} أي وأنزلنا معهم الكتب السماوية التي فيها سعادة البشرية، وأنزلنا القانون الذي يُحكم به بين الناس، وفسَّر بعضهم الميزان بأنه العدلُ وقال ابن زيد: هو ما يُوزن به ويُتعامل {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي ليقوم الناس بالحق والعدل في معاملاتهم {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي وخلقنا وأوجدنا الحديد فيه بأس شديد، لأن آلات الحرب تُتخذ منه، كالدروع، والرماح، والتروس، والدبابات وغير ذلك {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي وفيه منافع كثيرة للناس كسكك الحراثة، والسكين، والفأس وغير ذلك وما من صناعةٍ إِلا والحديدُ آلة فيها قال أبو حيان: وعبَّر تعالى عن إيجاده بالإِنزال كما قال {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6] لأن الأوامر وجميع القضايا والأحكام لما كانت تُلقى من السماء جعل الكل نزولاً منها، وأراد بالحديد جنسه من المعادن قاله الجمهور {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} عطفٌ على محذوف مقدر أي وأنزلنا الحديد ليقاتل به المؤمنون أعداءهم ويجاهدوا لإِعلاء كلمة الله، وليعلم الله من ينصر دينه ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر الأسلحة مؤمناً بالغيب قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ثم قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي قادر على الانتقام من أعدائه بنفسه، عزيزٌ أي غالب لا يُغالب فهو غني بقدرته وعزته عن كل أحد قال البيضاوي: أي قويٌ على إِهلاك من أراد إِهلاكه، عزيزٌ لا يفتقر إِلى نصرة أحد، وإِنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا الثواب وقال ابن كثير: معنى الآية أنه جعل الحديد رادعاً لمن أبى الحقَّ وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة سنة تُوحى إِليه السور، ويقارعهم بالحجة والبرهان، فلما قامت الحجة على من خالف أمر الله، شرع الله الهجرة وأمر المؤمنين بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب، ولهذا قال عليه السلام "حديث : بُعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجُعل رزقي تحت ظل رُمحي، وجعل الذل والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقومٍ فهو منهم" تفسير : ثم قال تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي هو قوي عزيز ينصر من شاء من غير احتياج منه إِلى الناس، وإِنما شرع الجهاد ليبلو بعضهم ببعض {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} لما ذكر بعثة الرسل ذكر هنا شيخ الأنبياء نوحاً عليه السلام، وأبا الأنبياء إِبراهيم عليه السلام وبيَّن أنه جعل في نسلهما النبوة والكتب السماوية أي وباللهِ لقد أرسلنا نوحاً وإِبراهيم وجعلنا النبوة في نسلهما، كما أنزلنا الكتب الأربعة وهي "التوراة والزبور والإِنجيل والقرآن" على ذريتهما، وإِنما خصَّ نوحاً وإِبراهيم بالذكر تشريفاً لهما وتخليداً لمآثرهما الحميدة {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي فمن ذرية نوح وإِبراهيم أناس مهتدون، وكثيرٌ منهم عصاةٌ خارجون عن الطاعة وعن الطريق المستقيم {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} أي ثم أتبعنا بعدهم برسلنا الكرام، أرسلناهم رسولاً بعد رسول، موسى، وإِلياس، وداود، وسليمان، ويونس وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي وجعلناه بعد أولئك الرسل لأن كان آخر الأنبياء من بني إِسرائيل {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} أي وأنزلنا عليه الإِنجيل الذي فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي وجعلنا في قلوب أتباعه الحواريين الشفقة واللين قال في التسهيل: هذا ثناء من الله عليهم بمحبة بعضهم في بعض كما وصف تعالى أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم {أية : رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29] {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ورهبانيةً ابتدعها القسسُ والرهبان وأحدثوها من تلقاء أنفسهم، ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها قال أبو حيان: والرهبانيةُ رفضُ النساء وشهوات الدنيا، واتخاذ الصوامع ومعنى {ٱبتَدَعُوهَا} أي أحدثوها من عند أنفسهم {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} أي ما أمرناهم إِلا بما يرضي الله، والاستثناء منقطع والمعنى ما كتبنا عليهم الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بها حقَّ القيام، ولا حافظوا عليها كما ينبغي قال ابن كثير: وهذا ذمٌ لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به اللهُ والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إِلى الله عز وجل، وفي الحديث "حديث : لكل أمة رهبانية، ورهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله"تفسير : {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} أي فأعطينا الصالحين من أتباع عيسى الذين ثبتوا على العهد وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ثوابهم مضاعفاً {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي وكثير من النصارى خارجون عن حدود الطاعة منتهكون لمحارم الله كقوله تعالى {أية : إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 34] {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} أي يا من صدقتم بالله اتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ودوموا واثبتوا على الإِيمان {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} أي يعطكم ضعفين من رحمته {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} أي ويجعل لكم في الآخرة نوراً تمشون به على الصراط {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ويغفر لكم ما أسلفتم من المعاصي {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي عظيم المغفرة واسع الرحمة {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} أي إِنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بهم، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة فيهم، فلا في قوله {لِّئَلاَّ} زائدة والمعنى ليعلم قال المفسرون: إن أهل الكتاب كانوا يقولون الوحي والرسالة فينا، والكتابُ والشرع ليس إِلا لنا، والله خصنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين، فردَّ الله عليهم بهذه الآية الكريمة {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي وأن أمر النبوة والهداية والإِيمان بيد الرحمن يعطيه لمن يشاء من خلقه {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي والله واسع الفضل والإِحسان. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} وبين {ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ} وبين {ٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ}. 2- المقابلة بين {أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}تفسير : [الحديد: 4] وبين {أية : وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}تفسير : [الحديد: 4]. 3- رد العجز على الصدر {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}تفسير : [الحديد: 6] وهو وما سبقه من المحسنات البديعية. 4- حذف الإِيجاز {أية : لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وَقَاتَلَ}تفسير : [الحديد: 10] حذف منه جملة "ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل" وذلك لدلالة الكلام عليه ويسمى هذا الحذف بالإِيجاز. 5- الاستعارة اللطيفة {أية : لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [الحديد: 9] أي ليخرجكم من ظلمات الشرك إِلى نور الإِيمان، فاستعار لفظ {ٱلظُّلُمَاتِ} للكفر والضلالة ولفظ {ٱلنُّورِ} للإِيمان والهداية وقد تقدم. 6- الاستعارة التمثيلية {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [الحديد: 11] مثَّل لمن ينفق ماله ابتغاء وجه الله مخلصاً في عمله بمن يُقرض ربه قرضاً واجب الوفاء بطريق الاستعارة التمثيلية. 7- الأسلوب التهكمي {أية : مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ}تفسير : [الحديد: 15] أي لا ولي لكم ولا ناصر إِلا نار جهنم وهو تهكم بهم. 8- المقابلة اللطيفة بين قوله {أية : بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ}تفسير : [الحديد: 13] وقوله {أية : وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الحديد: 13]. 9- التشبيه التمثيلي {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً..} لأن وجه الشبه منتزع من متعدد. 10- الجناس الناقص {أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} لتغير الشكل وبعض الحروف. 11- السجع المرصَّع كأنه الدر المنظوم {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} وقوله تعالى {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الحديد: 13] وهو كثير في القرآن.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} معناه ألم يدركْ. وقوله تعالى: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} معناه الغَايةُ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل الحث والترغيب، والتمنن والتشويق: {أَلَمْ يَأْنِ} أي: لم يقرب الوقت، ولم يحضر الأوان {لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} بوحدة الحق، وبكمالات أسمائه وصفاته {أَن تَخْشَعَ} وتخضع وتلين وترق {قُلُوبُهُمْ} التي هي وعاء الإيمان والعرفان {لِذِكْرِ ٱللَّهِ} المستجمع لعموم الأسماء والصفات، المسقط لجميع الإضافات {وَمَا نَزَلَ} سبحانه في كتابه المبين لطريق توحيده {مِنَ ٱلْحَقِّ} الحقيق بالامتثال والاتباع من الأوامر والنواهي الموردة فيه، المتعلقة لتهذيب الظاهر والباطن، والرموز الإشارات المصفية للسر عن التفات إلى ما سوى الحق. {وَ} بالجملة: {لاَ يَكُونُواْ} - التفسير جرى على رواية رويس - (وَلاَ تَكُوْنُوْا) أيها المؤمنون في الإعراض عن كتاب الله، والانصراف عما فيه من الحكم والمصالح {كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلُ} وهم اليهود والنصارى {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} أي: مضى الزمان بينهم وبين أنبيائهم {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} عن الإيمان، مع أن الكتب بين أظهرهم {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] خارجون عن دينهم، تاركون ما في كتابهم من الأحكامم من فرط قساوتهم وغفلتهم، فلكم ألاَّ تكونوا أمثالهم مع نبيكم ودينكم وكتابكم. {ٱعْلَمُوۤاْ} أيها المؤمنون الموحدون {أَنَّ ٱللَّهَ} المطلع على قابليات عباده واستعداداتهم الفطرية {يُحْيِـي ٱلأَرْضَ} أي: أراضي استعداداتكم بماء المعارف الحقائق، والمكاشفات والمشاهدات {بَعْدَ مَوْتِهَا} بالجهل والغفلة الناشئة من ظلمات الطبيعة والهيولى، وبالجملة: {قَدْ بَيَّنَّا} وأوضحنا {لَكُمُ ٱلآيَاتِ} الدالة على هدايتكم وتكميلكم في القرآن العظيم {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد: 17] رجاء أن تتأملوا فيها، وتتعظوا بها، وتفهموا إشاراتها، وتعتبروا منها، وتتفطنوا بما فيها من السرائر المرموزة والحكم المكنونة. ومن علامات تعقلكم واتعاظكم: الصدق بمزخرفات الدنيا، والتقرب بها نحو المولى {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ} أي: المتصدقين {وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ} أي: المتصدقات {وَ} هم الذين {أَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} خالصاً عن شوب المن والأذى، طالباً لمرضاته سبحانه {يُضَاعَفُ لَهُمْ} صدقاتهم في النشأة الأولى {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18] في النشأة الأخرى. {وَ} بالجملة: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} وأخلصوا في إيمانهم، وأكدوه بصوالح أعمالهم وإحسانهم {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون {هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} المتبالغون في الصدق، والمقصورون على الإخلاص، المتمكنون في منهج حق اليقين {وَٱلشُّهَدَآءُ} الكشافون المشاهدون، الحاضرون {عِندَ رَبِّهِمْ} المستغرقون بمطالعة لقائه {لَهُمْ} في النشأة الأخرى {أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} الموعود لهم من قِبل الحق على وجه لا مزيد عليه {وَ} المسرفون المفرطون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بوحدة ذاتنا {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} الدالة على استقلالنا في تصرفاتنا عتواً وعناداً {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون هم {أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [الحديد: 19] أي: ملازموها وملاصقوها، لا نجاة لهم منها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر حال المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات في الدار الآخرة، كان ذلك مما يدعو القلوب إلى الخشوع لربها، والاستكانة لعظمته، فعاتب الله المؤمنين [على عدم ذلك]، فقال: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ }. أي: ألم يجئ الوقت الذي تلين به قلوبهم وتخشع لذكر الله، الذي هو القرآن، وتنقاد لأوامره وزواجره، وما نزل من الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا فيه الحث على الاجتهاد على خشوع القلب لله تعالى، ولما أنزله من الكتاب والحكمة، وأن يتذكر المؤمنون المواعظ الإلهية والأحكام الشرعية كل وقت، ويحاسبوا أنفسهم على ذلك، { وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ } أي: ولا يكونوا كالذين أنزل الله عليهم الكتاب الموجب لخشوع القلب والانقياد التام، ثم لم يدوموا عليه، ولا ثبتوا، بل طال عليهم الزمان واستمرت بهم الغفلة، فاضمحل إيمانهم وزال إيقانهم، { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } فالقلوب تحتاج في كل وقت إلى أن تذكر بما أنزله الله، وتناطق بالحكمة، ولا ينبغي الغفلة عن ذلك، فإن ذلك سبب لقسوة القلب وجمود العين. { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فإن الآيات تدل العقول على العلم بالمطالب الإلهية، والذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن يحيي الأموات بعد موتهم، فيجازيهم بأعمالهم، والذي أحيا الأرض بعد موتها بماء المطر قادر على أن يحيي القلوب الميتة بما أنزله من الحق على رسوله، وهذه الآية تدل على أنه لا عقل لمن لم يهتد بآيات الله و[لم] ينقد لشرائع الله.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [16] 588 - أخبرنا هارونُ بن سعيدٍ، قال: حدثنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عمرو [بن الحارث]، عن سعيد بن أبي هلالٍ، عن عون بن عبد الله [بن عتبة]، عن أبيهِ، أن ابن مسعودٍ، قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللهُ بهذه الآيةِ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ] إلاَّ أربعُ سنينَ.
همام الصنعاني
تفسير : 3158- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 16]، قال: كان شداد بن أوس يقول: أَوَّلُ ما يُرْفَع من الناسِ الخشوع. 3163- حدثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن الأعْمَش قال: لَمَّا قَدِمُوا المدينة أصابوا من لين العيش ورفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عَلَيْهِ، فعوتبوا، فَنَزَلَ في ذلك: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 16]،
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):