٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه وجهان الأول: أنه تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة، فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيـي الله الأرض بالغيث والثاني: أن المراد من قوله: {يحيي الأرض بعد موتها } بعث الأموات فذكر ذلك ترغيباً في الخشوع والخضوع وزجراً عن القساوة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱعْلَمُواْ } خطاب للمؤمنين المذكورين { أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } بالنبات فكذلك يفعل بقلوبكم يردّها إلى الخشوع و{قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاْيَٰتِ } الدالة على قدرتنا بهذا وغيره {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُحْىِ الأَرْضَ} يلين القلوب بعد قسوتها أو مثل ضربه لإحياء الموتى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا...} الآية، مخاطبة لهؤلاء المؤمنين الذين نُدِبُوا إلى الخشوع، وهذا ضرب مَثَلٍ، واستدعاء إلى الخير برفق وتقريب بليغ، أي: لا يبعد عندكم أَيُّها التاركون للخشوع رُجُوعُكُمْ إليه وتلبسكم به، فإنَّ اللَّه يحيي الأرضَ بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يرُدُّهَا إلى الخشوع بعد بُعْدِهَا عنه، وترجع هي إليه إذا وقعت الإنابةُ والتَّكَسُّبُ من العبد بعد نفورها منه، كما يحيي الأرضَ بعد أَنْ كانت ميتة، وباقي الآية بين، و{ٱلْمُصَّدِّقِينَ}: يعني به المتصدقين، وباقي الآية بين. * ت *: وقد جاءت آثار صحيحة في الحَضِّ على الصدقة، قد ذكرنا منها جملة في هذا المختصر، وأسند مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قال: «حديث : يَا نِسَاءَ المُؤْمِنَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ إحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقاً»تفسير : وفي «الموطأ» عنه صلى الله عليه وسلم «حديث : رُدُّواْ السَّائِلَ وَلَوْ بِظَلِفٍ مُحْْرَّقٍ» تفسير : قال ابن عبد البر في «التمهيد»: ففي هذا الحديث الحَضُّ على الصدقة بكل ما أمكن من قليل الأشياء وكثيرها، وفي قول اللَّه عز وجل: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : :[الزلزلة:7] أوضح الدلائل في هذا الباب، وتصدقت عائشةُ ـــ رضي اللَّه عنها ـــ بحبتين من عنب، فنظر إليها بَعْضُ أهل بيتها فقالت: لا تَعْجَبْنَ؛ فكم فيها من مثقال ذرة، ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»تفسير : وإِذا كان اللَّه عز وجل يُرْبي الصدقاتِ، ويأخذ الصدقةَ بيمينه فَيُرَبِّيَهَا، كما يُرَبِّي أَحَدُنَا فَلَوَّه أَوْ فَصِيلَهُ ـــ فما بالُ مَنْ عَرَفَ هذا يَغْفُلُ عنه! وما التوفيق إلاَّ باللَّه، انتهى من «التمهيد»، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حرملة بن عمران أَنَّهُ سَمِعَ يزيد بن أبى حَبِيبٍ يحدِّثُ أَنَّ أبا الخير حدثه: أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سَمِعْتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كُلُّ امْرِىءٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَل بَيْنَ النَّاسِ»تفسير : قال يزيد: فكان أبو الخير لا يخطئه يومٌ إلاَّ تصدق فيه بشيء، ولو كَعْكَةً أو بَصَلَةً أو كذا، انتهى، و{ٱلصِّدِّيقُونَ}: بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق؛ على ما ذكر الزَّجَّاج. وقوله تعالى: {وَٱلشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ}: اخْتُلِفَ في تأويله فقال ابن مسعود وجماعة: {وَٱلشُّهَدَاءُ}: معطوف على: {ٱلصِّدِّيقُونَ} والكلامُ متَّصل، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وَصَفَ اللَّه المؤمنين بأَنَّهم صديقون وشهداء، فَكُلُّ مؤمن شهيد؛ قاله مجاهد، وروى البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مُؤْمِنُو أُمَّتِي شُهَدَاءُ»، وَتَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآية وإنَّما خَصَّ صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً لهم؛ لأَنَّهُم في أعلى رتب الشهادة؛ أَلاَ ترى أَنَّ المقتولَ في سبيل اللَّه مخصوصٌ أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به، وقال بعضها: {ٱلشُّهَدَاءُ} هنا: من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، فكأَنَّه قال: هم أهل الصدق والشهداءُ على الأمم، وقال ابن عباس، ومسروق، والضحاك: الكلام تامٌّ في قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ}، وقوله: {وَٱلشُّهَدَاءُ}: ابتداءٌ مستأنف، ثم اختلفتْ هذه الفرقةُ في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها: معنى الآية: والشهداءُ بأنَّهم صديقون حاضرون عند ربهم، وعَنَى بالشهداء الأنبياء ـــ عليهم السلام ـــ.*ت*: وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية، وقال بعضها: قوله: {وَٱلشُّهَدَاءُ} ابتداء يريد به الشهداءَ في سبيل اللَّه، واستأنف الخبر عنهم بأَنَّهم: {عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} فكأَنَّه جعلهم صِنْفاً مذكوراً وحده. * ت *: وأبينُ هذه الأقوال الأوَّلُ، وهذا الأخيرُ، وإنْ صَحَّ حديث البَرَاءِ لم يُعْدَلْ عنه، قال أبو حيان: والظاهر أَنَّ {ٱلشُّهَدَاءُ} مبتدأ خبره ما بعده، انتهى. وقوله تعالى {وَنُورُهُمْ} قال الجمهور: هو حقيقة حسبما تقدم.
ابو السعود
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تمثيلٌ لإحياءِ القلوبِ القاسيةِ بالذكرِ والتلاوةِ بإحياءِ الأرضِ الميتةِ بالغيثِ للترغيبِ في الخشوعِ والتحذيرِ عن القساوةِ {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ} التي من جُمْلتِها هذهِ الآياتُ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} كي تعقلُوا ما فيهَا وتعملُوا بموجبِها فتفوزُوا بسعادةِ الدارينِ. {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ} أي المتصدقينَ والمتصدقاتِ وقد قُرِىءَ كذلكَ، وقُرِىءَ بتخفيفِ الصادِ من التصديقِ، أي الذينَ صدقُوا الله ورسولَه {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} قيلَ: هُو عطفٌ على ما في المصدقينَ من مَعْنى الفعلِ فإنَّه في حُكمِ الذين اصدَّقُوا أو صَدَقُوا عَلى القراءتينِ وعُقبَ بأنَّ فيهِ فصلاً بـين أجزاءِ الصلةِ بأجنبـيَ وهو المُصدِّقاتِ وأُجيبَ بأنَّ المَعْنى أنَّ الناسَ الذينَ تصدَّقُوا وتصدَّقنَ وأقرضُوا فهو عطفٌ على الصلةِ من حيثُ المَعْنى من غيرِ فصلٍ، وقيلَ إنَّ المُصدِّقاتِ ليسَ بعطفٍ على المُصدِّقينِ بل هُو منصوبٌ على الاختصاصِ كأنه قيلَ إنَّ المصدقينَ على العموم تغليباً وأخصُّ المصدقاتِ من بـينهُم كما تقولُ إنَّ الذينَ آمنُوا ولا سيَّما العلماء منهُم وعملُوا الصالحاتِ لهم كَذا لكنْ لا على أنَّ مدارَ التخصيصِ مزيدُ استحقاقِهنَّ لمضاعفةِ الأجرِ كما في المثالِ المذكورِ بل زيادةُ احتياجهنَّ إلى التصدقِ الداعيةُ إلى الاعتناءِ بحثهنَّ على التصدقِ لما رُويَ أنَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: « حديث : يا معشرَ النِّساءِ تصدَّقن فإنِّي أرُيتُكنَّ أكثرَ أهلِ النَّارِ »تفسير : ، وقيلَ: هو صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ معطوفٍ على المصدقينَ كأنَّه قيلَ والذينَ أقرضُوا. والقرضُ الحسنُ عبارةٌ عنِ التصدقِ من الطيبِ عن طيبةِ النفسِ وخلوصِ النيةِ على المستحقِّ للصدقةِ. {يُضَاعَفُ لَهُمُ} على البناءِ للمفعول مُسنداً إلى ما بعدَهُ من الجارِّ والمجرورِ، وقيلَ: إلى مصدرِ مَا في حيزِ الصِّلةِ على حذفِ مضافٍ أيْ ثوابُ التصدقِ. وقُرِىءَ على البناء للفاعل أي يُضاعِفُ الله تعالَى، وقُرِىءَ يُضعَّفُ بتشديدِ العينِ وفتحِها {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} مرَّ ما فيهِ من الكلامِ. {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} كافةً وقد مرَّ بـيانُ كيفيةِ الإيمانِ بهم في خاتمةِ سورةِ البقرةِ. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ الذي هُو مبتدأٌ وما فيهِ من مَعْنى البُعدِ مع قُربِ العهدِ بالمشارِ إليهِ قد مرَّ سرُّه مراراً، وهو مبتدأٌ ثانٍ. وقولُه تعالَى: {هُمْ} مبتدأ ثالث خبره {ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء} وهُو معَ خبرِه خبرٌ للثانِي وهو معَ خبره خبر للأول أو هم ضمير الفصل، وما بعده خبر لأولئك والجملة خبر للموصولِ أي أُولئكَ {عِندَ رَبّهِمْ} بمنزلة الصديقينَ والشهداءِ المشهورينَ بعلوِّ الرُّتبةِ ورفعةِ المحلِّ وهُم الذينَ سبقُوا إلى التصديقِ واستُشْهِدوا في سبـيلِ الله تعالى أو هم المبالغونَ في الصدقِ حيثُ آمنُوا وصدَّقُوا جميعَ أخبارهِ تعالَى ورسلِه والقائمونَ بالشهادةِ لله تعالى بالوحدانيةِ ولهم بالإيمانِ أو على الأممِ يومَ القيامةِ وقولُه تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} بـيانٌ لثمراتِ ما وُصفُوا بهِ من نعوتِ الكمالِ على أنَّه جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ محلُّها الرفعُ على أنَّه خبرٌ ثانً للموصولِ أو الخبرُ هو الجارُّ وما بعدَهُ مرتفع بهِ على الفاعليةِ والضميرُ الأولُ على الوجهِ الأولِ للموصولِ والأخيرانِ للصديقينَ والشهداءُ أيْ لَهُم مثلُ أجرِهم ونورِهم المعروفينِ. بغايةِ الكمالِ وعزةِ المنالِ وقد حذفَ أداةَ التشبـيةِ تنبـيهاً على قوةِ المماثلةِ وبلوغِها حدَّ الإتحادِ كما فعلَ ذلكَ حيثُ قيل هم الصديقونَ والشهداءُ، وليستِ المماثلةُ بـين ما للفريقِ الأولِ من الأجرِ والنورِ وبـينَ تمام ما للفريقين الأخيرين بل بـين تمام ما للأول من الأصل والأضعاف وبـين ما للآخرين من الأصل بدون الأضعافِ وأمَّا على الوجهِ الثاني فمرجعُ الكلّ واحدٌ والمَعْنى لهمُ الأجرُ والنورُ الموعودان لهم، هَذا هو الذي تقتضيِه جزالةُ النظمِ الكريمِ وقد قيلَ والشهداءُ مبتدأٌ وعندَ ربِّهم خبرُهُ وقيلُ: الخبرُ لَهُم أجرُهم الخ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا أُولَـئِكَ} الموصوفون بتلك الصفةِ القبـيحةِ {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} بحيثُ لا يفارقونَها أبداً.
القشيري
تفسير : يُحْيي الأرضَ بعد موتها بإنزال المطرِ عليها وإخراج النّبتِ منها. ويُحيي القلوبَ الميتةَ - بعد إعراضِ الحقِّ عنها - بحسن إقباله عليها.
اسماعيل حقي
تفسير : {اعلموا ان الله يحيى الارض بعد موتها} تمثيل لاحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة باحياء الارض الميتة بالغيث للترغيب فى الخشوع والتحذير عن القساوة (كاف الكاشفى) بدانيد اى منكران بعث ان الله يحيى الارض بعد موتها وبهمان منوال زنده خواهد ساخت امواترا {قد بينا لكم الآيات} التى من جملتها هذه الآيات {لعلكم تعقلون} كى تعقلوا ما فيها وتعلموا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدراين، سبب وبت فضيل بن عياض رحمه الله ميكويندكه سماع اين آيت يعنى الم يأن الخ بود دريده كار مردانه راه زدند وبر ناشايسته قدم نهادند وقتى سوداى عشق صاحب جمال درسروى افتاد باوى ميعادى نهاد درميانه شب بسرآن وعده باز شد بديوار برمى شد كه كوينده كفت ألم يأن للذين الخ اين آيت تيروار درنشانه دل وى نشست دردى وسوزى ازدرون وى سر برزد كمين عنايت برو كشادند اسير كمند توفيق كشت ازآنجا بازكشت وهمى ككفت بلى والله قد آن بلى والله قد آن ازآنجا بركست ودر خرابه شد جماعتى كاروانيان آنجا بودند وبا يكديكر ميكفتند فضيل در راهست اكر برويم راه بر مازند ورخت ببرد فضيل خودرا ملامت كرد كفت اى بد مرداكه منم اين جه شقاوتست كه روى بمن نهاده درميانه شب بقصد معصيت ازخانه بدر آمده وقومى مسلمانان ازبيم من درين كنج كريخته روى سوى آسمان كرد واز دلى صافى توبت نصوح كرد كفت اللهم انى تبت اليك وجعلت توبتى اليك جوار بيتك الحرام الهى ازبد سزايىء خود بدردم وازنا كسىء خود بفغان دردمرا درمان سازى درمان ساز همه درد مندان اى باك صفت از عيب اى عالى صفت زآشوب اى بى نياز ازخدمت من اى بى نقصان از خيانت من من بجاى رحمتم ببخشاى برمن اسير بند هواى خويشم بكشاى مرا ازين بند ا لله تعالى دعاء ويرا مستجاب كرد وبوى كرامتها كرد از آنجا بركشت وروى بخانه كعبه نهاد سالها آنجا مجاور شد واز جمله اوليا كشت شعر : كداى كوى تواز هشت خلد مستغنيست اسير عشق تو ازهر دون آزادست تفسير : وقال ابن المبارك رحمه الله كنت يوما فى بستان وانا شاب وكان معى اصحابى فأكلنا وشربنا وكنت مولعا بضرب العود فأخذت العود فى الليل لأضرب به فنطق العود وقال ألم يأن للذين الخ فضربته بالارض وكسرته وتركت الامور الشاغلة عن الله تعالى وعن مالك بن دينار رحمه الله انه سئل عن سبب توبته فقال كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر ثم انى اشتريت جارية نفيسة ووقعت منى أحسن موقع فولدت لى بنتا فشغفت بها فلما دبت على الارض ازدادت فى قلبى حبا وألفتنى وألفتها فكنت اذا وضعت المسكر جاءت الى وجاذبتنى اياه وأراقته على ثوبى فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدنى الحزن عليها فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت جمعة بت ثملا من الخمر ولم أصل صلاة العشاء فرأيت كأن أهل القبور قد خرجوا وحشر الخلائق وانا معهم فسمعت حسا من ورآئى فالتفت فاذا انا بتنين عظيم اعظم مايكون اسود ازرق قد فتح فاه مسرعا نحوى فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا فمررت فى طريق بشيخ نقىء الثياب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد على السلام فقلت له أجرنى وأغثنى فقال أنا ضعيف وهذا اقوى منى وما أقدر عليه ولكن مر وأسرع فلعل الله يسبب لك ماينجيك منه فوليت هاربا على وجهى فصعدت على شرف من شرف القيامة فاشرفت على طبقات النيران فنظرت الى اهلها فكدت اهوى فيها من فزع التنين وهو فى طلبى فصاح بى صائح ارجع فلست من أهلها فاطمأننت الى قوله ورجعت ورجع التنين فى طلبى فأتيت الشيخ فقلت ياشيخ سألتك ان تجيرنى من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال انا ضعيف ولكن سر الى هذا الجبل فان فيه ودآئع للمسلمين فان كان لك فيه وديعة فستنصرك فنظرت الى جبل مستدير فيه كوى مخرقة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الاحمر مفصلان باليواقيت مكللان بالدر وعلى كل مصراع ستر من الحرير فلما نظرت الى الجبل هربت اليه والتنين ورآئى حتى اذا قربت منه صاح بعض الملائكة ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه واذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف على اطفال بوجوه كالاقمار وقرب التنين منى فتحيرت فى امرى فصاح بعض الاطفال ويحكم اشرفوا كلكم فقد قرب منه فأشرفوا فوجا بعد فوج فاذا بابتنى التى ماتت قد أشرفت على معهم فلما رأتنى بكت وقالت أبى والله ثم وثبت فى كفة من نور كرمية السهم حتى مثلث بين يدى فمدت يدها الشمال الى يدى اليمنى فتعقلت بها ومدت يدها اليمنى قولى ها ربا ثم اجلستنى وقعدت فى حجرى وضربت بيدها اليمنى الى لحيتى وقالت ياأبت {أية : ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله}تفسير : فبكيت وقلت يا بنية وأنتم ترفعون القرءآن فقالت يا أبت نحن اعرف به منكم قلت فأخبرينى عن التنين الذى أراد أن يهلكنى قالت ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك فى نار جهنم قلت فاخبرينى عن الشيخ الذى مررت به فى طريقى قالت ياأبتى ذلك عملك الصالح اضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء قلت يابنية وما تصنعون فى هذا الجبل قالت نحن اطفال المسلمين قد اسكنا فيه الى أن تقوم الساعة ننتظر كم تقدمون علينا فنشفع لكم فانتبهت فزعا فلما اصبحت فارقت ما كنت عليه وتبت الى الله تعالى وهذا سبب توبتى شعر : سر از جيب غفلت بر آرر كنون كه فردا نماند بحجلت نكون كنون بايد اى خفته بيداربود جو مرك اندر آرد زخوابت جه سود زهجران طفلى كه درخاك رفت جه نالى كه باك آمد وباك رفت توباك آمدى بزحذر باش وياك كه ننكست ناباك رفتن بخاك
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قيل: يحييها بالنبات بعد يَبْسها وجدوبتها، فكذلك يحيي قلب الكافر بالهدى إلى الإيمان بعد موته بالضلال والكفر. وقيل: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وإنه يحييها كما يحيي الغيثُ الأرضَ. وقيل: معناه: إن الله يلين القلوب بعد قسوتها بالألطاف والتوفيقات. قد بينّا لكم الآيات -: من شواهد العقل والنقل، كالحجج الواضحات، والدلائل الباهرات - لعلكم تعقلون -: فتعلمون بمقتضاها وترجعون إلى العبودية التامة. مكاشفة إعلم أن مرجع هذه الأقوال الثلاثة إلى شيء واحد في المثال والممثل له جميعاً، فإن الأرض مثال للنفس الناطقة الإنسانية، المعبّر عنها بالقلب الحقيقي، لتقلّبها بالأحوال، لا الجسم الصَنَوبري الموجود في الحمير والبغال، وموتها مثال لكونها هيولانية ليس فيها شيء من المعارف والعلوم الحقّة التي بها تستتم حقيقة الإنسان، أو بتوسطها وإعدادها يستعد للحياة العقلية. والآيات المبينة له، إشارة إلى المقدمات اليقينيّة التي يتوسل بها في تحصيل الكمال العقلي، وهو صيرورته عقلاً وعاقلاً بالفعل، بتأييد من الحق الأول بواسطة بعض الملائكة العلاّمة الفعّالة للحقائق بإذنه تعالى. وهذه الحياة العقلية هي التي وقعت الإشارة إليها بقوله: {أية : وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} تفسير : [البقرة:154].{أية : عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [آل عمران:169 - 170]. وظاهر أن المراد من الحياة التي تكون عند الله، هي الحياة المعنوية دون الجسمية (الحسية). والمراد من رزق الله: أن يكون عنده رزق المعارف والعلوم التي بها تتغذّى وتتقوّى الأرواح المقدسة، لا الأغذية الجسمية التي تنمو بها الأجسام المحسوسة، كما في قوله: {أية : وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}تفسير : [طه:131]. وإن أردت حقيقة المقال في بيان النفس الإنسانية ومراتبها في الاستكمال، وبلوغها إلى حد الكمال، فعليك بمطالعة ما بيّناه في معرفة النفس في كتاب "المبدأ والمعاد"، فإنها من الغوامض التي قلّما يصل إليها - إلاّ من أيّده الله تعالى بنور الكشف والشهود -، ولا يذكر من علم النفس في كتب الحكماء إلا قدر يسير ومرتبة نازلة منه، مناسبة لمباحث الطبيعة وأحوال البدن، وذلك القدر اليسير أيضاً قرّة عين السالكين، وقد غفل عنه الجمهور كغفلتهم عن سائر المعارف الضرورية في سلوك سبيل الحق. ومما يجب لا أقلّ على كل عارف (عاقل - ن)، أن يعرف من أحوال نفسه التي هي مرقاة إلى معرفة الله سبحانه، إنها جوهر ملكوتي من شأنها أن تعرف ربها، ويتقرّب إلى الله تعالى، ويعلم أن من الله مبدأها، والى الله منتهاها، إذا سلكت طريق الحق، واكتسبت المعارف الحقيقية والعلوم، ويعلم أنها غير البدن الذي أوّله نطفة مَذِرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما حامل العذرة، ويعلم أيضاً أن جهلها موتها وهلاكها في الآخرة، - كما ذهب إليه كثير من الحكماء والعرفاء -، وان حياتها الأخروية عبارة عن وجود نور مستفاد هو مبدأ للتعقلات ومنشأ لفعل الخيرات، كا ان حياتها الدنيوية البدنية عبارة عن كونها منشأ الإحساس والتحريك، وهو نور يقذف من الحق الأول فيها فينفعل منه كما ينفعل من نور الشمس وجهُ الأرض، فأشرقت بها كما أشرقت الأرض بنور ربها، فعند ذلك تظهر بها الحقائق والماهيات التي ليست معقولة بذاتها، كما تظهر بضوء النهار الأجسامُ الأرضية المظلمة الذوات، المستنيرة بنور الشمس، وحينئذ يستعد للاتصال بالملأ الأعلى وعالم القُدس. ولما كان كل ما يخرج من القوة إلى الفعل، ومن الموت إلى الحياة، ومن الظلمات إلى النور، يخرج بسبب متوسط بينه وبين الله، لكونه تعالى في غاية الوحدة والإشراق والعظمة، لا يحتمل شدة نوريّته النافذة في العالم، ضعفاءُ البصائر والأبصار إلا بمتوسط عقلاني وعالم رباني، ورسول من الحق إلى الخلق - كالملائكة للأنبياء، والأنبياء للخلائق - فيجب أن يخرج هذه القوة الميّتة الهيولانية بشيء يكون كاملاً بالذات، فعّالاً للمعقولات، والأنوار العقلية كالشمس الفعّالة للأنوار المحسوسة، وليست فيه شائبة نقص وآفة وقوة إلاَّ الإمكان الذاتي الذي هو اعتبار ما في الذهن وقد صار مخفياً تحتي سطوع النور الأول الحق، بحيث يمتنع ظهوره من كتم الخفاء، لتحقق هذا الجوهر العقلي بالوجود الحقاني، واتصافه بالوجودِ الإرتباطي، ولكونه تعالى قهّاراً للعدم بالوجود والتحصيل، جبّاراً لما بالقوة بالفعل والتكميل، فما يفيض منه سبحانه على سنّة الإبداع، هي أوائل الموجودات والماهيات في ملاحظة جماله وجلاله، لا التفات لهم إلى ذواتهم النورية المنورة بنور الأول تعالى، فضلاً عن غيرهم من عالم الأجسام والظلمات. فتلك الطبقة العليا من الجواهر المفارقة، أنوار عقلية لا ظلام في عالمها، وصباحات ضوائية لا ليالي لها، وإنما توجد من الطبقة التالية العرضية التي هي في صف آخر من صفوف العقول والملائكة القادسة، وهم الأدنون في أسافل العالم الجسماني ليال عشر، من غير التفات منها إلى ما دونها، بل عند التفاتهم إلى ذواتهم المستنيرة بنور الحق الأول، المشاهدة له سبحانه، وقعت منهم ظلال الأجسام الكلية وليالي الهيوليات العشر - تسع للأفلاك، وواحدة للعناصر وما يتركب منها -، وكما يفيض مما يلينا منهم والأقرب بالقياس الينا هيولى هذا العالم السفلي، فكذلك يفيض منه على القوابل والأراضي العقلية والحسية بما فيه من آثار رحمة الله الصور والنفوس والهيآت والنقوش من كمالاتها الثانوية كما في قوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ}تفسير : [الروم:50]. {أية : وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} تفسير : [الروم:19]. فمن هناك تفيض على أرواحنا العلوم الحقة والمعارف اليقينيّة الحاصلة فيها من ذلك العالم، إذ من المتحقق أن صور جميع ما أوجده الله تعالى حاصلة في عالم الجبروت على وجه مقدس، لا يشاهد بهذه العين الداثرة، فذلك الفيّاض للعلوم والمعارف، المكمل للأرواح والنفوس، وهو المسمى بـ "روح القدس"، وهو المعلم الشديد القوي، والمؤيد بإلقاء الوحي والإلهام للأنبياء والأولياء الذي كتب في قلوبنا الإيمان والمعارف، إذا توجهنا شطر كعبة الحق والجَنَبة العالية، وإذا أعرضنا عنه بالتوجه إلى مشاغل الجَنَبة السافلة، انمحت تلك النقوش عن النفوس، كمرآة صقيلة إذا أقبلت إلى النيّر تشعشعت، وإذا أعرضت عنه تخلّت - من غير تغيّر في النيّر الأعظم بل في أحوال المرآة -. فإذا تحقق هذا المجمل الذي قد فصّل في مقامه، عُلم علماً يقينيّاً: ان الله تعالى يحيى أراضي النفوس القابلة والعقول الهيولانية بعد موتها - أي تعلقها بالبدن وغمودها في النشأة الحسية التي هي منبع الجهل والغفلة والموت - بتبيين الآيات العقلية، وإفاضة المعارف اليقينية التي بها تتنوّر نفس الإنسان وتحيى بروح المعارف، وتتخلص من موت الجهالة، وتستيقظ من نوم الغفلة، وتتنبّه من رقدة الطبيعة، وتصير معقولاً وعاقلاً بذاتها، فاعلة للصور المعقولة، وإليه أشار بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد:17].
الجنابذي
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} كأنّه بعد ما حذّرهم عن الوقوف ووبّخهم عليه يئس جمع من الواقفين عن الرّحمة وقالوا: فما لنا الاّ قساوة القلوب فقال رفعاً ليأسهم وترجيحاً بجانب الرّجاء: اعلموا انّ الله يحيى ارض قلوب المؤمنين بذكر الله فى الدّنيا او بنور الامام فى الآخرة فلا تيأسّوا من روح الله، عن الباقر (ع) انّه قال: يحييها الله تعالى بالقائم بعد موتها {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ} التّدوينيّة والآيات الآفاقيّة والانفسيّة {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تصيرون عقلاء، او تدركون ادراكاً عقلانيّاً، او تدركون بعقولكم انّ الوقوف مورث للقسوة، وانّ الذّكر جلاء للقلوب ومورثٌ للخشوع.
الهواري
تفسير : قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: فكذلك يقدر أن يحيي الموتى. وقال بعضهم: وكذلك يُلين القلوبَ بالذكر بعد قساوتها. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي: لكي تعقلوا عن الله بيانه لكم. قوله تعالى: {إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ} أي: المتصدّقين والمتصدّقات {وَأَقْرَضُواْ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} هذا في التطوّع، أي يقدمون لأنفسهم {يُضَاعَفُ لَهُمْ} أي: يضاعف لهم الثواب عليه {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي ثواب كريم، أي: الجنة. قال تعالى: {وَالذِينَ آمَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي: صدِّقوا بما جاء من عند الله، وعملوا بما صدّقوا به {وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: الذين يقاتلون في سبيل الله. وتفسير الشهداء: يشهدون كرامة الله، في تفسير الحسن. وقد ترجى الشهادة لأقوام لم يُقتلوا في سبيل الله سيُلحقهم الله بالشهداء. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً: حديث : ما الشهيد عندكم؟ قالوا: القتيل في سبيل الله. فقال: إن شهداء أمتى إذاً لقليل. ثم قال: القتيل في سبيل الله شهادة، والبطن شهادة، والطاعون شهادة، والغرق والحرق شهادة، النِّفاس شهادة، والسّلّ شهادة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما بين حياة الشهيد في الدنيا وحياته في الآخرة إلا كمضغ تمرة . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد القرصة . تفسير : ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من سأل الشهادة صادقاً من قِبَل نفسه فله أجر الشهيد وإن مات على فراشه . تفسير : ذكروا عن الحسن أنه قرأ هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّذِّيقُونَ وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} فقال: كل مُّؤمن شهيد وإن مات على فراشه. [وتفسير مجاهد في قوله: (وَالشُّهَدَاءُ): يشهدون على أنفسهم بالإِيمان]. قال تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.
اطفيش
تفسير : {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تمثيل لأحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة أو لأحياء الموتى ترغيبا في الخشوع وزجراً عن القسوة والاول لابن عباس وفي الاية ترجية واسقاط للاياس. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَاِت لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي لتعقلوا عن الله بيانه أو ليكمل عقولكم.
الالوسي
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فهو تمثيل ذكر استطراداً لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث للترغيب في الخشوع والتحذير عن القساوة {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الأَيَـٰتِ } التي من جملتها هذه الآيات {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } كي تعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها فتفوزوا بسعادة الدارين.
ابن عاشور
تفسير : افتتاح الكلام بــــ {اعلموا} ونحوه يؤذن بأن ما سيلقى جدير بتوجه الذهن بشراشره إليه، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه} تفسير : في سورة [البقرة: 235] وقوله: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خُمسَهُ} تفسير : الآية في سورة [الأنفال: 41]. وهو هنا يشير إلى أن الكلام الذي بُعده مغزى عظيم غير ظاهرِ، وذلك أنه أريد به تمثيل حال احتياج القلوب المؤمنة إلى ذكر الله بحال الأرض الميتة في الحاجة إلى المطر، وحالِ الذكر في تزكية النفوس واستنارتها بحال الغَيث في إحياء الأرض الجدبة. ودل على ذلك قوله بعده: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون}، وإلا فإن إحياء الله الأرض بعد موتها بما يصيبها من المطر لا خفاء فيها فلا يقتضي أن يفتتح الإخبار عنه بمثل {اعلموا} إلاّ لأن فيه دلالة غير مألوفة وهي دلالة التمثيل، ونظيره حديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود البَدري وقد رآه لَطم وجه عبدٍ له «اعلَمْ أبا مسعود، اعلَمْ أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا»تفسير : . فالجملة بمنزلة التعليل لجملة {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} إلى قوله: {أية : فقست قلوبهم}تفسير : [الحديد: 16] لما تتضمنه تلك من التحريض على الخشوع لذكر الله، ولكن هذه بمنزلة العلة فَصلت ولم تعطف، وهذا يقتضي أن تكون مما نزل مع قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم} الآية. والخطاب في قوله: {اعلموا} للمؤمنين على طريقة الالتفات إقبالاً عليهم للاهتمام. وقوله: {أن الله يحي الأرض بعد موتها} استعارة تمثيلية مصرّحة ويتضمن تمثيلية مَكْنية بسبب تضمنه تشبيه حال ذِكر الله والقرآن في إصلاح القلوب بحال المطر في إصلاحه الأرض بعد جدبها. وطُوي ذكر الحالة المشبه بها ورُمز إليها بلازمها وهو إسناد إحياء الأرض إلى الله لأن الله يحيي الأرض بعد موتها بسبب المطر كما قال تعالى: {أية : والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها}تفسير : [النحل: 65]. والمقصود الإِرشاد إلى وسيلة الإِنابة إلى الله والحث على تعهد النفس بالموعظة، والتذكير بالإِقبال على القرآن وتدبره وكلامِ الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليمه وأن في اللجأ إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نجاة وفي المفزع إليهما عصمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : تركتُ فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتابَ الله وسنتي»تفسير : . وقال: «حديث : مَثَل ما بَعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نَقَيّة قبِلت الماء فأنبتت الكلأ والعُشْب، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوْا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثَل من فَقُهَ في دين الله وَنَفَعه ما بعثني الله به فَعلِم وعلَّم، ومثلُ من لم يرفع لذلك رأساً ولم يقبَل هدى الله الذي أرسلتُ به»تفسير : . وقوله: {قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون} استئناف بياني لجملة {أن الله يحي الأرض بعد موتها} لأن السامع قولَه: {اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها} يتطلب معرفة الغرض من هذا الإعلام فيكون قوله: {قد بينا لكم الآيات} جواباً عن تطلبه، أي أعلمناكم بهذا تبييناً للآيات. ويفيد بعمومه مُفاد التذييل للآيات السابقة من أول السورة مكيّها ومدنيها لأن الآية وإن كانت مدنيّة فموقعها بعد الآيات النازلة بمكة مراد لله تعالى، ويدل عليه الأمر بوضعها في موضعها هذا، ولأن التعريف في الآيات للاستغراق كما هو شأن الجمع المعرّف باللام. والآيات: الدلائل. والمراد بها: ما يشمل مضمون قوله: {أية : ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد}تفسير : [الحديد: 16] إلى قوله: {بعد موتها}، وهو محل ضرب المثل لأن التنظير بحال أهل الكتاب ضرب من التمثيل. وبيان الآيات يحصل من فصاحة الكلام وبلاغته ووفرة معانيه وتوضيحها، وكل ذلك حاصل في هذه الآيات كما علمت آنفاً. ومن أوضح البيان التنظير بأحوال المشابهين في حالة التحذير أو التحضيض. و{لعلكم تعقلون}: رجاء وتعليل، أي بيّنا لكم لأنكم حالكم كحال من يرجى فهمه، والبيان علة لفهمه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- اعلموا - أيها المؤمنون - أن الله يصلح الأرض ويهيئها للإنبات بنزول المطر بعد يبسها، قد وضَّحنا لكم الآيات، وضربنا لكم الأمثال لعلكم تعقلون ما فيها، فتخشع قلوبكم لذكر الله. 18- إن المتصدقين والمتصدقات وأنفقوا فى سبيل الله نفقات طيبة بها نفوسهم يُضاعف الله لهم ثواب ذلك، ولهم فوق المضاعفة أجر كريم يوم القيامة. 19- والذين آمنوا بالله ورسله ولم يُفَرِّقُوا بين أحد منهم أولئك هم الصديقون والشهداء منزلة وعلو مرتبة، لهم ثواب ونور يوم القيامة. مثل ثواب الصديقين والشهداء ونورهم، والذين كفروا وكذبوا بآيات الله أولئك هم أصحاب النار لا يفارقونها أبداً. 20- اعلموا - أيها المغرورون بالدنيا - أنَّما الحياة الدنيا لعب لا ثمرة له، ولهو يشغل الإنسان عما ينفعه، وزينة لا تحصل شرفاً ذاتياً، وتفاخر بينكم بأنساب زائلة وعظام بالية، وتكاثر بالعدد فى الأموال والأولاد. مثلها فى ذلك مثل مطر أعجب الزراع نباته، ثم يكمل نضجه ويبلغ تمامه، فتراه عقب ذلك مصفراً آخذاً فى الجفاف، ثم يصير بعد فترة هشيماً جامداً متكسراً، لا يبقى منه ما ينفع، وفى الآخرة عذاب شديد لمن آثر الدنيا وأخذها بغير حقها، ومغفرة من الله لمن آثر آخرته على دُنياه، وليست الحياة الدنيا إلا متاع هو غرور لا حقيقة له لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة للآخرة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلآيَاتِ} (17) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ أَنَّهُ يُلَيِّنُ القُلُوبَ بَعْدَ قَسْوَتِهَا، وَيَهْدِي القُلُوبَ الحَائِرَةَ بَعْدَ ضَلاَلِهَا، وَيُفَرِّجُ الكُرَبَ بَعْدَ شِدَّتِهَا. وَكَمَا أَنَّهُ تَعَالَى يُحْيِي الأَرْضَ المُجْدِبَةَ اليَابِسَةَ بِالمَطَرِ، كَذَلِكَ يُحْيِي القُلُوبَ القَاسِيَةَ بِالقُرْآنِ، وَمَوَاعِظِهِ، وَحُجَجِهِ وَدَلاَئِلِهِ، وَيُدْخِلُ إِلَيها النُّورَ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُحْكَمَةَ الإِغْلاَقِ، لاَ يَصِلُ إِلَيهَا شَيءٌ.
الثعلبي
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ}. قرأ ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر والمفضل بتخفيف الصادين من التصديق مجازه: إن المؤمنين والمؤمنات. وقرأ الباقون: بتشديدهما بمعنى أن المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد كالمزمل والمدثر، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً لقراءة أُبي: (إن المتصدقين والمتصدقات واقرضوا الله قرضاً حسناً) بالصدقة والنفقة في سبيله. قال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع وإنما عطف بالفعل على الاسم لأنه في تقدير الفعل، مجازه: إن الذين صدقوا وأقرضوا يضاعف لهم أمثالها. قراءة العامة: بالألف وفتح العين. وقرأ الأعمش: (يضاعفه) بكسر العين وزيادة هاء. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو جعفر (يضعّف) بالتشديد. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} وهو الجنة {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} واحدهم: صديق وهو الكثير الصدق. قال الضحاك: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد وحمزة بن عبد المطلب، تاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نبيّه. {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} اختلف العلماء فى نظم هذه الآية وحكمها، فقال قوم: تمام الكلام عند قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ} ثم ابتدأ فقال: {وَٱلشُّهَدَآءُ} وأراد بهم شهداء المؤمنين خاصة، والواو فيه واو الاستثناء، وهذا قول ابن عباس ومسروق وجماعة من العلماء. وقال الآخرون: هي متصلة بما قبلها، والواو فيه واو النسق. ثم اختلفوا في معناها، فقال الضحّاك: نزلت في قوم مخصوصين من المؤمنين، وكانوا كلّهم شهداء، وقد مرّ ذكرهم. وقال غيره: نزلت في المؤمنين المخلصين كلّهم. أخبرني عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا عبد الله ابن غنام النخعي قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن أبي قيس، عن الهرمل، عن عبد الله قال: إنّ الرجل ليقاتل الناس ليرى مكانه، وإنّ الرجل ليقاتل على الدنيا، وإنّ الرجل ليقاتل ابتغاء وجه الله، وإنّ الرجل ليموت على فراشه فيكون شهيداً، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ}. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان بن ليث، عن مجاهد قال: كلّ مؤمن صدّيق شهيد، ثم قرأ هذه الآية، يعني موصولة. وقال ابن عباس في بعض الروايات: أراد بالشهداء الأنبياء خاصّة. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} في ظلمة القيامة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ * ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}: {ما} صلة مجازه {ٱعْلَمُوۤا}. {لَعِبٌ} باطل لا حاصل له {وَلَهْوٌ}: فرح ثم ينقضي {وَزِينَةٌ} منظر يتزيّنون به، {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}: يفخر به بعضكم على بعض، {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} أي يُتاه بكثرة الأموال والأولاد. وقال بعض المتأوّلين من المتأخّرين: لعب كلعب الصبيان، ولهو كلهو الفتيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدهقان. وقال عليّ بن ابي طالب لعمار بن ياسر: "لا تحزن على الدنيا، فإن الدنيا ستّة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكوح. فأكبر طعامها العسل وهي بزقة ذبابة، وأكبر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأكبر الملبوس الديباج وهي نسجة دود، وأكبر المشموم المسك، وهي دم فأرة ظبية، وأكبر المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأكبر المنكوح النساء وهو مبال في مبال. والله إن المرأة ليزيَّن أحسنها يراد به أقبحها". ثم ضرب جلّ ذكره لها مثلا فقال عزّ من قائل: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي الزّرّاع {نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} فيبلى ويفنى { وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ}، يعني: أو مغفرة {مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ * سَابِقُوۤاْ}: سارعوا {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا}: سعتها {كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} لوصل بعضها ببعض. وقال ابن كيسان: عنى به جنّة واحدة من الجنان. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ * مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ} بالجدب والقحط وذهاب الزرع والثمر {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} بالأوصاب والأسقام. وقال الشعبي: المصيبة: ما يكون من خير وشرّ وما يسيء ويسرّ. ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ } فذكر الحالتين جميعاً: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} يعني: اللوح المحفوظ {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}: من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. وقال ابن عباس: يعني المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النسَمَة {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} إن خلق ذلك وحفظه على الله هيّن. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن مخلد قال: أخبرنا داود قال: حدّثنا عبيد قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر فبكى رجل من القوم، فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه. قال: فلا تبكِ، فإنّه كان في علم الله سبحانه أن يكون، ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} الآية. {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ}: تحزنوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من الدنيا، {وَلاَ تَفْرَحُواْ}: تبطروا {بِمَآ آتَاكُمْ} . قراءة العامّة بمدّ الألف، أي (أعطاكم)، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو بقصر الألف أي: (جاءكم)، واختاره أبو عبيد، قال: لقوله سبحانه: {فَاتَكُمْ} ولم يقل: (أفاتكم) فجعل له، فكذلك (أتاكم) جعل الفعل له ليوافق الكلام بعضه بعضاً. قال عكرمة: ما من أحد إلاّ وهو يفرح ويحزن فاجعلوا للفرح شكراً وللحزن صبراً. {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}: متكبّر بما أُوتي من الدنيا، فخور به على الناس. وقال ابن مسعود: لأن ألحسَ جمرة أحرقت ما أحرقت، وأبقت ما أبقت، أحبّ إليّ من أن أقول لشيء كان: ليته لم يكن، أو لشيء لم يكن: ليته كان. قال جعفر الصادق: "يا بن آدم، مالك تأسّف على مفقود لا يردّه إليك الفوت؟ ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟". وقيل لبزرجمهر: ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ فقال: لأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة. وقال الفضيل في هذا المعنى: الدنيا مفيد ومبيد فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد فقد أذن بالرحيل. وقال الحسين بن الفضل: حمل الله سبحانه بهذه الآية المؤمنين على مضض الصبر على الفائت، وترك الفرح بالآتي، والرضا بقضائه في الحالتين جميعاً. وقال قتيبة بن سعيد: دخلت بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء من الأرض مملوء من الإبل الموتى والجيف بحيث لا أُحصي عددها، فسألت عجوزاً: لمن كانت هذه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تلّ يغزل صوفاً، فقلت له: يا شيخ ألك كانت هذه الإبل؟ قال: كانت باسمي. قلت: فما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها. قلت: وهل قلت في ذلك شيئاً؟ قال: نعم: شعر : لا والذي أخذ [...] من خلائقه والمرء في الدهر نصب الرزء والمحنِ ما سرّني أنّ إبْلي في مباركها وما جرى في قضاء الله لم يكنِ تفسير : وقال سلم الخوّاص: من أراد أن يأكل الدارين فليدخل في مذهبنا عامين؛ ليضع الله سبحانه الدنيا والآخرة بين يديه. قيل: وما مذهبكم؟ قال: الرضا بالقضا، ومخالفة الهوى. وأنشد: شعر : لا تطل الحزن على فائت فقلّما يجدي عليك الحزنْ سيّان محزون على ما مضى ومظهرٌ حزناً لما لم يكنْ تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ}، قيل: هو في محل الخفض على نعت (المختال)، وقيل: هو رفع بالابتداء وخبره ما بعده. {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} قرأ أهل المدينة والشام بإسقاط {هُوَ} وكذلك هو في مصاحفهم. الباقون بإثباته. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ} يعني له يعدل. وقال ابن زيد: ما يوزن به. {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}: ليعمل الناس بينهم بالعدل {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}، قال ابن عباس: نزل آدم من الجنّة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان، والكلبتان، والمنقعة، والمطرقة، والأُبرة. وقال أهل المعاني: يعني أنه أخرج لهم الحديد من المعادن، وعلمهم صنيعته بوحيه. وقال قطرب: هذا من النُزُل كما تقول: أنزل الأمر على فلان نزلا حسناً، فمعنى الآية أنه جعل ذلك نزلا لهم، ومثله قوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6]. ودليل تأويل السلف من المفسرين ما أخبرنا أبو سفيان الحسن بن عبد الله الدهقان قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل بن خلف الخيّاط قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الفرج المعدّل قال: حدّثنا محمّد بن عبيد بن عبد الملك قال: حدّثنا سفيان بن محمّد أبو محمّد (ابن أخت سفيان الثوري) عن عبد الملك بن ملك التميمي عن عبد الله بن خليفة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنّ الله عزّ وجلّ أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: فأنزل الحديد، والنّار، والماء والملح ". تفسير : {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}، قوّة شديدة، يعني: السلاح والكراع، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} ممّا يستعملونها في مصالحهم ومعايشهم؛ إذ هو آلة لكلّ صنعة. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ}، يعني: أرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم هذه الأشياء؛ ليعامل الناس بالحقّ والعدل وليرى سبحانه {مَن يَنصُرُهُ} أي دينه {وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
الأندلسي
تفسير : {يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يظهر أنه تمثيل لتليين القلوب بعد قسوتها ولتأثير ذكر الله تعالى فيها كما يؤثر الغيث في الأرض فتعود بعد إجدابها مخصبة كذلك تعود القلوب النافرة مقبلة يظهر فيها أثر الطاعات والخشوع. قال الزمخشري: فإِن قلت علام عطف قوله وأقرضوا قلت على معنى الفعل من المصدقين لأن اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى أصدقوا كأنه قيل أن الذين أصدقوا وأقرضوا "انتهى". واتبع في ذلك أبا على الفارسي ولا يصح أن يكون معطوفاً فأعلى المصدّقين لأن المعطوف على الصلة صلة وقد فصل بينهما بمعطوف وهو قوله والمصدّقات ولا يصح أيضاً أن يكون معطوفاً على صلة أل في المصدّقات لاختلاف الضمائر إذ ضمير المصدّقات مؤنث وضمير وأقرضوا مذكر فيتخرج هذا على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل والذين أقرضوا فيكون مثل قول الشاعر: شعر : فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء تفسير : يريدون ومن يمدحه. {كَمَثَلِ} في موضع رفع صفة لما تقدم وصورة المثال أن الإِنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك فيشب ويقوى ويكسب المال والولد ويغشاه الناس ثم يأخذ بعد ذلك في انحطاط فينشف ويضعف ويسقم وتصيبه النوائب في ماله وذريته ويموت ويضمحل أمره ويصير ماله لغيره فأمره مثل مطر أصاب أرضاً عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق ثم هاج أي يبس واصفر ثم تحطم ثم تفرق بالرياح واضمحل قيل الكفار الزراع من كفر الحب أي ستره في الأرض وخصوا بالذكر لأنهم أهل البصر بالنبات والفلاحة فلا يعجبهم إلا المعجب حقيقة وقيل من الكفر بالله لأنهم من أشد الناس تعظيماً للدنيا وإعجاباً بمحاسنها وحطام بناء مبالغة كعجاب وقرىء مصفاراً ولما ذكر ما يؤول إليه أمر الدنيا من الفناء ذكر ما هو ثابت دائم من أمر الآخرة من العذاب الشديد ومن رضاه الذي هو سبب النعم. {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية لما ذكر تعالى ما في الآخرة من المغفرة بالمسابقة إليها والمعنى سابقوا إلى سبب مغفرة وهو الإِيمان وعمل الطاعات. {عَرْضُهَا} أي مساحتها في السعة والعرض خلاف الطول فإِذا وصف العرض بالبسطة عرف أن الطول أبسط وأمد. {أُعِدَّتْ} يدل على أنها مخلوقة وتكرر ذلك في القرآن. {فَضْلُ ٱللَّهِ} عطاؤه. {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} وهم المؤمنون. {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} أي مصيبة وذكر فعلها وهو جائز التذكير والتأنيث ومن التأنيث ما تسبق من أمة أجلها ولفظة مصيبة تدل على الشر لأن عرفها ذلك وخصها بالذكر لأنها أهم على البشر والمصيبة في الأرض مثل القحط والزلزلة وعاهة الزرع وفي الأنفس الاسقام والموت. {إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ} هو اللوح المحفوظ أي مكتوبة فيه. {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي نخلقها ولا خلق والضمير في نبرأها الظاهر أنه يعود على المصيبة لأنها هي المحدث عنها وذكر الأرض والأنفس هو على سبيل ذكر محل المصيبة. {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي سهل وإن كان عسيراً على العباد ثم ذكر تعالى الحكمة في اعلامنا بذلك الذي فعله من تقدير وذلك سبق قضائه به فقال: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} أي تحزنوا على ما فاتكم لأن العبد إذا علم ذلك سلم وعلم أن ما فاته لم يكن ليصيبه وما أصابه لم يكن ليخطئه فلذلك لا يحزن على فائت لأنه ليس بصدد أن يناله ويظهر أن المراد بقوله لكيلا تحزنوا أن يلحق الحزن الشديد على ما فات من الخير فيحدث عنه السخط وعدم الرضاء بالمقدور. {وَلاَ تَفْرَحُواْ} الفرح المؤدي إلى البطر المنهي عنه في قوله: {أية : لاَ تَفْرَحْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ}تفسير : [القصص: 76]. فإِن الحزن ينشأ عنه السخط والفرح قد ينشأ عنه البطر ولذلك ختم بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فالفرح بما ناله من حطام الدنيا يلحقه في نفسه الخيلاء والافتخار والتكبر على الناس فمثل هذا هو المنهي عنه وأما الحزن على ما فات من طاعة الله تعالى والفرح بنعم الله والشكر عليه والتواضع فهو مندوب إليه. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل من كل مختال أو على إضمارهم أو إضمار أذم. {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن ما أمر إلٰهه به. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج والمعجزات. {مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} إسم جنس ومعهم حال مقدرة أي وأنزلنا الكتاب صائراً معهم. {مَن يَنصُرُهُ} قال ابن عباس: يترَتب على معنى الآية بأن الله تعالى أخبر بأنه أرسل رسلاً وأنزل كتباً وعدلاً مشروعاً وسلاحاً يحارب به من عاند ولم يهتد بهدي الله تعالى فلم يبق عذر وفي الآية على هذا التأويل حض على القتال. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ} الآية لما ذكر تعالى إرسال الرسل جملة أفرد منهم في هذه الآية نوحاً وإبراهيم تشريفاً لهما بالذكر والظاهر أن الضمير في منهم عائد على الذرية. {ثُمَّ قَفَّيْنَا} أي اتبعنا وجعلناهم يقفون من تقدّم. {عَلَىٰ آثَارِهِم} أي آثار الذرية. {بِرُسُلِنَا} وهم الذين جاؤوا بعد الذرية. {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى} ذكره تشريفاً له ولانتشار أمته ونسبه لأمهِ على العادة في الإِخبار عنه. {وَجَعَلْنَا} يحتمل أن يكون المعنى وخلقنا ويحتمل أن يكون بمعنى صيرنا فيكون. {فِي قُلُوبِ} في موضع المفعول الثاني لجعلنا. {وَرَهْبَانِيَّةً} معطوف على ما قبله فهي داخلة في الجعل. {ٱبتَدَعُوهَا} جملة في موضع الصفة لرهبانية وخصت الرهبانية بالابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإِنسان فيها بخلاف الرهبانية فإِنها أفعال بدن مع شىء في القلب ففيها موضع للتكسب وجعل أبو علي الفارسي ورهبانية منقطعة من العطف ما قبلها من رأفة ورحمة وانتصب عنده ورهبانية على إضمار فعل يفسره ما بعده فهو من باب الاشتغال أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها وتبعه الزمخشري فقال: وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر وتقديره وابتدعوا رهبانية ابتدعوها يعني وأحدثوها من عند أنفسهم "انتهى". وهذا إعراب المعتزلة وكان أبو علي الفارسي معتزلياً وهم يقولون ما كان مخلوقاً لله تعالى لا يكون مخلوقاً للعبد فالرأفة والرحمة من خلق الله تعالى والرهبانية من ابتداع الإِنسان فهي مخلوقة له وهذا الاعراب الذي لهم ليس بجيد من جهة صناعة العربية لأن مثل هذا هو مما لا يجوز فيه الرفع بالابتداء ولا يجوز الابتداء هنا بقوله: {وَرَهْبَانِيَّةً} لأنها نكرة لا مسوغ لها من المسوغات للابتداء بالنكرة والظاهران. {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} استثناء متصل ما هو مفعول من أجله وصار المعنى أنه تعالى كتبها عليهم ابتغاء مرضاته والضمير في. {رَعَوْهَا} عائد على ما عاد عليه في ابتدعوها وهو الضمير الذي اتبعوه أي لم يرعوها كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله تعالى لا يحل نكثه. {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهم أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} وهم الذين لا يحافظون على نذورهم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} نداء لمن آمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمعنى آمنوا: دوموا، وأثبتوا. {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} أي نصيبين في إيمانه بنبيه وإيمانه بمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [القصص: 54]. {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} لا زائدة وان واجبة الذكر وإن كانت ناصبة للفعل كراهة اجتماع لام الجر ولا الزائدة وتتعلق اللام بيؤتكم أو على إضمار فعل تقديره فعلنا ذلك أي إيتاء الكفلين وجعل النور والغفران والمعنى ان هذا كله من فضل الله تعالى وان المؤتون ذلك لا يقدرون على ذلك بل ذلك كله من فضل الله تعالى وبيد الله كناية عن القدرة عن ما يؤتيه من الفضل لمن يشاء.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد: 17]؛ لئلا يقنطوا من رحمته وبترك الاشتغال بمداومة القلب الميت؛ لأن الله يحيي الأرض البشرية بعد موتها بداء الغفلة عن الذكر بمطر ذكر الحق، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد: 17]؛ كما أريكم في أنفسكم آيات الأحياء {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد: 17] أنه هو المحيي، فترجعوا إلى حضرته وتشتغلوا بذكره حتى يحيي بمطر الذكر أرضكم الميتة، ويخرج منها نباتات المعارف لتتمتعوا بها. {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ} [الحديد: 18]؛ يعني: القوى الفاعلة والقابلة المؤمنة المصدقة اللطيفة الخفية، {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [الحديد: 18] من استعداداتهم وتصديقهم على القوى القالبية والنفسية بأوقاتهم الشريفة؛ ليتمتعوا من الذِّكر اللساني، {يُضَاعَفُ لَهُمْ} [الحديد: 18]؛ يعني: يضاعف الله لهم المعرفة بإنفاقهم وقتهم على القوى القالبية والنفسية المؤمنة المبتدئة في السلوك، وحظ المسلك أن يؤثر أوقاته على مريدية، والقوى القالبية والسرية، والروحية والخفية، أن يختاروا ذكر اللسان على أذكارهم للقوى المبتدئة في السلوك من القوى القالبية والنفسية، وأن يدفعوا بهم ويداووهم ولا يأمرهم بالمجاهدة فوق طاقتهم، {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18] من النظر إلى جمال الرب الرءوف الرحيم. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19]؛ يعني: من آمن بالله وبلطيفته الخفية أولئك من الصديقين الذين مرتبتهم قريبة من النبيين والشهداء؛ يعني: المقربين إلى الحضرة شهداء الله على جميع الأمم، {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} [الحديد: 19]؛ يعني: أجر أعمالهم، {وَنُورُهُمْ} [الحديد: 19]؛ يعني: نور ذكرهم، به يعبرون الصراط، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} [الحديد: 19] يعني من القوى القالبية والنفسية الكافرة بالله المكذبة باللطيفة الخفية والآيات الأنفسية {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [الحديد: 19]؛ لأنهم عمروا في دار الكسب جحيم أنفسهم بإشعال نيران الحقد والحسد والكبر والشهوة {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 20] لمن اشتغل بمتاع الحياة الدنيا الدنية الفانية التي هي لعب ولهو لا حقيقة لها، وزينة عاجلة وتفاخر بينكم بالجهل، وتكاثر في الاستعدادات أو النتائج الفكرية؛ {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} [الحديد: 20]؛ ليربى النبات فترى النبات {مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً} [الحديد: 20] يعني: منكسراً وحصول الحطمة من هذا الحكم؛ فلأجل هذا يكون للقوى الكافرة المنافقة {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 20] من جميع الحطام الذي هو حطمته في دار البقاء {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ} [الحديد: 20] للقوى المؤمنة في دار البقاء لإعراضها عن الحياة الدنيوية التي هي اللعب واللهو بترك الاشتغال بالشهوات العاجلة على وفق الهوى، ويعلمها أن الدنيا مرحلة لا دار إقامة {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ} [الحديد: 20] يعني: حياة الدنيا مدرجة في إناء الماضي والمستقبل مثل: متاع الذي يبقى على حواشي الإناء بعد أكل صاحبه وإضافته إلى الغرور. إشارة إلى سرعة نفادها لا يتوقف نفس إلا وقد يخرج، فالنفس الذي يخرج ولا يرجع؛ فهو ميت، والنفس الداخل لو لم يخرج؛ فهو ميت فليس له حظ في الحياة إلا القليل الذي يصحب النفس الداخل والخارج {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ}تفسير : [العنكبوت: 64] لأنه حال مجرد عارض لباس الماضي والمستقبل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):