٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي: قرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر: {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } بالتخفيف، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } بتشديد الصاد فيهما، فعلى القراءة الأولى يكون معنى المصدق المؤمن، فيكون المعنى: إن الذين آمنوا وعملوا الصـالحـات لأن إقراض الله من الأعمال الصالحة، ثم قالوا: وهذه القراءة أولى لوجهين الأول: أن من تصدق لله وأقرض إذا لم يكن مؤمناً لم يدخل تحت الوعد، فيصير ظاهر الآية متروكاً على قراءة التشديد، ولا يصير متروكاً على قراءة التخفيف والثاني: أن المتصدق هو الذي يقرض الله، فيصير قوله: {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } وقوله: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ } شيئاً واحداً وهو تكرار، أما على قراءة التخفيف فإنه لا يلزم التكرار، وحجة من نقل وجهان أحدهما: أن في قراءة أبي: {إن ٱلْمُتَصَدّقِينَ وَٱلْمُتَصَدّقَـٰتِ } بالتاء والثاني: أن قوله: {وَأَقْرَضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، والاعتراض بمنزلة الصفة، فهو للصدقة أشد ملازمة منه للتصديق، وأجاب الأولون: بأنا لا نحمل قوله: {وَأَقْرَضُواُ } على الاعتراض، ولكنا نعطفه على المعنى، ألا ترى أن المصدقين والمصدقات معناه: إن الذين صدقوا، فصار تقدير الآية: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله. المسألة الثانية: في الآية إشكال وهو أن عطف الفعل على الاسم قبيح فما الفائدة في التزامه ههنا؟ قال صاحب الكشاف قوله: {وَأَقْرَضُواُ } معطوف على معنى الفعل في المصدقين، لأن اللام بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى صدقوا، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، واعلم أن هذا لا يزيل الإشكال فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ إلى هذا اللفظ، والذي عندي فيه أن الألف واللام في المصدقين والمصدقات للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذا الوصف ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة وهو الإتيان بالقرض الحسن، ثم ذكر الخبر بعد ذلك وهو قوله: {يُضَاعَفُ لَهُمُ } فقوله: {وَأَقْرَضُواُ ٱللَّهَ } هو المسمى بحشو اللوزنج كما في قوله:شعر : إن الثمانين وبلغتها (قد أحوجت سمعي إلى ترجمان) تفسير : المسألة الثالثة: من قرأ: {ٱلْمُصَدّقِينَ } بالتشديد اختلفوا في أن المراد هو الواجب أو التطوع أو هما جميعاً، أو المراد بالتصدق الواجب وبالإقراض التطوع لأن تسميته بالقرض كالدلالة على ذلك فكل هذه الاحتمالات مذكورة، أما قوله: {يُضَـٰعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } فقد تقدم القول فيه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ} قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من التصديق، أي المصدّقين بما أنزل الله تعالى. الباقون بالتشديد أي المتصدقين والمتصدقات فأدغِمت التاء في الصاد، وكذلك في مصحف أُبيّ. وهو حثٌّ على الصدقات، ولهذا قال: {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} بالصدقة والنفقة في سبيل الله. قال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع. وقيل: هو العمل الصالح من الصدقة وغيرها محتسباً صادقاً. وإنما عطف بالفعل على الاسم، لأن ذلك الاسم في تقدير الفعل، أي إن الذين صدّقوا وأقرضوا {يُضَاعَفُ لَهُمْ} أمثالها. وقراءة العامة بفتح العين على ما لم يسم فاعله. وقرأ الأعمش «يُضَاعِفُه» بكسر العين وزيادة هاء. وقرأ ٱبن كثير وٱبن عامر ويعقوب «يُضَعَّفُ» بفتح العين وتشديدها. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني الجنة. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} ٱختلف في {وَٱلشُّهَدَآءُ} هل هو مقطوع مما قبل أو متصل به. فقال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصدّيقين هم المؤمنون وأنه متصل؛ وروي معناه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فلا يوقف على هذا على قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ} وهذا قول ٱبن مسعود في تأويل الآية. قال القشيري قال الله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [النساء:69] فالصدّيقون هم الذين يتلون الأنبياء، والشهداء هم الذين يتلون الصدّيقين، والصالحون يتلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدّق بالرسل؛ أعني {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ}. ويكون المعنى بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، فيكون صدّيق فوق صدّيق في الدرجات؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنات العلا ليراهم من دونهم كما يرى أحدكم الكوكب الذي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنْعَمَا» تفسير : وروي عن ٱبن عباس ومسروق أن الشهداء غير الصدّيقين. فالشهداء على هذا منفصل مما قبله والوقف على قوله: {ٱلصِّدِّيقُونَ} حسن. والمعنى {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم. وفيهم قولان أحدهما ـ أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب؛ قاله الكلبي؛ ودليله قوله تعالى: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء:41]. الثاني ـ أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة، وفيما يشهدون به قولان: أحدهما ـ أنهم يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية. وهذا معنى قول مجاهد. الثاني ـ يشهدون لأنبيائهم بتبليغهم الرسالة إلى أممهم؛ قاله الكلبي. وقال مقاتل قولاً ثالثاً: إنهم القتلى في سبيل الله تعالى. ونحوه عن ٱبن عباس أيضاً قال: أراد شهداء المؤمنين. والواو واو الابتداء. والصدّيقون على هذا القول مقطوع من الشهداء. وقد ٱختلف في تعيينهم؛ فقال الضحاك: هم ثمانية نفر؛ أبو بكر وعليّ وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة. وتابعهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم؛ ألحقه الله بهم لما صدق نبيّه صلى الله عليه وسلم. وقال مقاتل بن حيان: الصدّيقون هم الذين آمنوا بالرسل ولم يكذبوهم طرفة عين، مثل مؤمن آل فرعون، وصاحب آل ياسين، وأبي بكر الصديق، وأصحاب الأخدود. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي بالرسل والمعجزات {أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} فلا أجر لهم ولا نور.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون جزاءً ممن أعطوه ولا شكوراً، ولهذا قال: {يُضَاعَفُ لَهُم} أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزداد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب كريم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} هذا تمام الجملة، وصف المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون. قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} هذه مفصولة {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} وقال أبو الضحى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} ثم استأنف الكلام فقال: {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم. وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني: المصدقين، والصديقين، والشهداء؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [النساء: 69] ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان، ولا شك أن الصديق أعلى مقاماً من الشهيد؛ كما رواه الإمام مالك بن أنس، رحمه الله، في كتابه "الموطأ" عن صفوان بن سليم، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل مابينهم» تفسير : قالوا: يارسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: «حديث : بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» تفسير : . اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك، به. وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} فأخبر عن المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال ابن جرير: حدثني صالح بن حرب أبو مَعْمَر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مؤمنو أمتي شهداء» تفسير : قال: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} هذا حديث غريب. وقال أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} قال: يجيئون يوم القيامة معاً كالأصبعين. وقوله تعالى: {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: في جنات النعيم؛ كما جاء في الصحيحين: «حديث : إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تريدون؟ فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل فيك فنقتل كما قتلنا أول مرة، فقال: إني قد قضيت أنهم إليها لا يرجعون»تفسير : . وقوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي: لهم عند الله أجر جزيل، ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال؛ كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار عن أبي يزيد الخولاني قال: سمعت فضالة بن عبيد يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان، لقي العدو فصدق الله فقتل، فذاك الذي ينظر الناس إليه هكذا» تفسير : ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقلنسوة عمر «حديث : والثاني مؤمن لقي العدو، فكأنما يضرب ظهره بشوك الطلح، جاءه سهم غرب فقتله، فذاك في الدرجة الثانية، والثالث رجل مؤمن، خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة، والرابع رجل مؤمن، أسرف على نفسه إسرافاً كثيراً، لقي العدو فصدق الله حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة» تفسير : وهكذا رواه علي بن المديني عن أبي داود الطيالسي عن ابن المبارك عن ابن لهيعة، وقال: هذا إسناد مصري صالح، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء وبين حالهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ } من التصدّق أدغمت التاء في الصاد: أي الذين تصدّقوا {وَٱلْمُصَّدِّقَٰتِ } اللاتي تصدقن وفي قراءة بتخفيف الصاد فيهما من التصديق والإِيمان {وَأَقْرَضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } راجع إلى الذكور والإِناث بالتغليب وعطف الفعل على الاسم في صلة أل لأنه فيها حل محل الفعل، وذكر القرض بوصفه بعد التصديق تقييد له {يُضَاعَفُ } وفي قراءة «يضعّف» بالتشديد أي قرضهم {لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ }.
الماوردي
تفسير : {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ} فيه وجهان: أحدهما: المصدقين لله ورسوله. الثاني: المتصدقين بأموالهم في طاعة الله. {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} أي المؤمنون بتصديق الله ورسله. {وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} فيه قولان: أحدهما: أن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء عند ربهم، قاله زيد بن أسلم. الثاني: أن قوله: {أَوْلئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} كلام تام. وقوله: {وَالشُّهَدَآءُ عِنَدَ رَبِّهِمْ} كلام مبتدأ وفيهم قولان: أحدهما: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب، قاله الكلبي. الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة. وفيما يشهدون به قولان: أحدهما يشهدون على أنفسهم بما عملوا من طاعة ومعصية، وهذا معنى قول مجاهد. الثاني: يشهدون لأنبيائهم بتبليغ الرسالة إلى أممهم، قاله الكلبي. وقال مقاتل قولاً ثالثاً: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم يعني ثواب أعمالهم. {وَنُورُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: نورهم على الصراط. الثاني: إيمانهم في الدنيا، حكاه الكلبي.
ابن عطية
تفسير : قرأ جمهور القراء: "إن المصَّدقين" بشد الصاد المفتوحة على معنى المتصدقين، وفي مصحف أبيّ بن كعب: "إن المتصدقين"، فهذا يؤيد هذه القراءة، وأيضاً فيجيء قوله تعالى: {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} ملائماً في الكلام للصدقة. وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم "إن المصَدقين" بتخفيف الصاد على معنى: إن الذين صدقوا رسول الله فيما بلغ عن الله وآمنوا به، ويؤيد هذه القراءة أنها أكثر تناولاً، لأن كثيراً ممن لا يتصدق يعمه اللفظ في التصديق. ثم إن تقييدهم بقوله: {وأقرضوا} يرد مقصد القراءتين قريباً بعضه من بعض. وقوله: {أقرضوا} معطوف على المعنى، لأن معنى قوله: {إن المصدقين والمصدقات} إن الذين تصدقوا، ولا يصح هنا عطف لفظي، قاله أبو علي في الحجة. وقد تقدم معنى القرض، ومعنى المضاعفة التي وعد الله بها هذه الأمة. وقد تقدم معنى وصف الأجر بالكريم، كل ذلك في هذه السورة. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد عندي قراءة من قرأ: "إن المصّدقين" بشد الصاد. إن الله تعالى حض في هذه الآية على الإنفاق وفي سبيل الله تعالى. ثم ذكر في هذه أهل الصدقة ووعدهم، ثم ذكر أهل الإيمان والتصديق في قوله: {والذين آمنوا بالله ورسله} وعلى قراءة من قرأ: "إن المصَدقين" بتخفيف الصاد فذكر المؤمنين مكرر في اللفظ، وكون الأصناف منفردة بأحكامها من الوعد أبين. والإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بجميع الرسل، فلذلك قال: {ورسله}. و {الصديقون} بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق على ما ذكر الزجاج، وفعيل لا يكون فيما أحفظ إلا من فعل ثلاثي، وقد أشار بعض الناس إلى أنه يجيء من غير الثلاثي. وقال: مسيك من أمسك، وأقول إنه يقال: مسك الرجل وقد حكى مسك الشيء، وفي هذا نظر. وقوله تعالى: {والشهداء عند ربهم} اختلف الناس في تأويل ذلك، فقال ابن مسعود ومجاهد وجماعة: {والشهداء} معطوف على قوله: {الصديقون} والكلام متصل. ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاتصال، فقال بعضها: وصف الله المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء، فكل مؤمن شهيد، قاله مجاهد. وروى البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مؤمنو أمتي شهداء" تفسير : ،وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وإنما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الشهداء السبعة تشريفاً، ولأنهم في أعلى رتب الشهادة، ألا ترى أن المقتول في سبيل الله مخصوص أيضاً من السبعة بتشريف ينفرد به. وقال بعضها: وصف الله تعالى المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء لكن من معنى الشاهد لا من معنى الشهيد، وذلك نحو قوله تعالى: {أية : لتكونوا شهداء على الناس} تفسير : [البقرة: 143] فكأنه قال في هذه الآية: هم أهل الصدق والشهادة على الأمم عند ربهم، وقال ابن عباس ومسروق والضحاك: الكلام تام في قوله: {الصديقون}. وقوله: {والشهداء} ابتداء مستأنف. ثم اختلفت هذه الفرقة في معنى هذا الاستئناف، فقال بعضها معنى الآية: {والشهداء} بأنهم صديقون حاضرون {عند ربهم}. وعنى بـ {الشهداء}: الأنبياء عليهم السلام، فكأن الأنبياء يشهدون للمؤمنين بأنهم صديقون، وهذا يفسره قوله تعالى: {أية : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} تفسير : [النساء: 41]. وقال بعضها قوله: {والشهيد} ابتداء يريد به الشهداء في سبيل الله، واستأنف الخبر عنهم بأنهم: {عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} فكأنه جعلهم صنفاً مذكوراً وحده، وفي الحديث: "حديث : إن أهل الجنة العليا ليراهم من دونهم كما ترون الكوكب الدري، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". تفسير : وقوله تعالى: {لهم أجرهم ونورهم} خبر عن الشهداء فقط على الأخير من الأقوال، وهو خبر عن المؤمنين المذكورين في أول الآية على الأقوال الثلاثة. وقوله تعالى: {ونورهم} قال جمهور المفسرين: هو حقيقة حسبما روي مما تقدم ذكره في هذه السورة. وقال مجاهد وغيره: هو مجاز عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى التي حصلوا فيها. ولما فرع ذكر المؤمنين وأهل الكرامة، عقب ذكر الكفرة المكذبين ليبين الفرق، فذكرهم تعالى بأنهم {أصحاب الجحيم} وسكانه.
ابن عبد السلام
تفسير : {المُصَدِّقين} لله ورسوله أو {الْمُصَّدِّقِينَ} بأموالهم.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ}. خفف الصاد منهما ابن كثير، وثقلها باقي السَّبعة. فقراءة ابن كثير من التصديق، أي: صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، كقوله: {أية : وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} تفسير : [الزمر: 33]، وقراءة الباقين من الصدقة وهو مناسب لقوله: "وأقرضوا" والأصل: المتصدّقين والمتصدّقات، فأدغم، وبها قرأ أبي. وقد يرجح الأول بأن الإقْرَاض مُغنٍ عن ذكر الصدقة. قوله: "وأقْرَضُوا" فيه ثلاثة أوجه: [أحدها]: أنه معطوف على اسم الفاعل في "المصدّقين"؛ لأنه لما وقع صلة لـ "ال" حل محل الفعل، كأنه قيل: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وعليه جمهور المعربين، وإليه ذهب الفارسي، والزمخشري، وأبو البقاء. وهو فاسد؛ لأنه يلزم الفصل بين أبعاض الصِّلة بأجنبي، ألا ترى أنَّ "المصدقات" عطف على "المصدقين" قبل تمام الصِّلة، ولا يجوز أن يكون عطفاً على "المصدقات" لتغايُر الضمائر تذكيراً وتأنيثاً. الثاني: أنه معترض بين اسم "إن" وخبرها، وهو "يضاعف". قال أبو البقاء: "وإنما قيل ذلك لئلاَّ يعطف الماضي على اسم الفاعل". قال شهاب الدين: "ولا أدري ما هذا المانع؛ لأن اسم الفاعل متى وقع صلة لـ "ال" صلح للأزمنة الثلاثة، ولو منع بما ذكرته من الفصل بأجنبي لأصاب، ولكن خفي عليه كما خفي على الفارسي والزمخشري". الثالث: أنه صلةٌ لموصول محذوف لدلالة الأول عليه، كأنه قيل: "الذين أقرضوا"؛ كقوله: [الوافر] شعر : 4722- أمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّه مِنْكُمْ ويَنْصُرهُ ويمْدَحهُ سَوَاءُ؟ تفسير : أي: ومن ينصره، واختاره أبو حيان. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكال، وهو أن عطفه الفعل على الاسم قبيحٌ، فما فائدة التزامه هنا؟. وأجاب بأن الزمخشري قال: "وأقرضوا" معطوف على معنى الفعل في التصديق؛ لأن "اللام" بمعنى "الذين"، واسم الفاعل بمعنى "صدقوا وأقرضوا". قال: وهذا لا يزيل الإشكال، فإنه ليس فيه بيان أنه لم عدل عن ذلك اللفظ [إلى هذا اللفظ]. والذي عندي فيه أن الألف واللام في "المصدّقين والمصدّقات" للمعهود، فكأنه ذكر جماعة معينين بهذ الموصف، ثم قبل ذكر الخبر أخبر عنهم بأنهم أتوا بأحسن أنواع الصدقة، وهو القرضُ، ثم ذكر الخبر بعد ذلك فقال: "يُضَاعَفُ لَهُمْ". فقوله: "وأقرضوا"؛ كقوله: [السريع] شعر : 4723- إنَّ الثَّمَانينَ وبُلِّغْتَهَا ................... تفسير : قوله: {يُضَاعَفُ لَهُمْ} في القائم مقام الفاعل وجهان: أظهرهما: أنه الجار بعده. والثاني: أنه ضمير التصديق، ولا بد من حذف مضاف، أي: ثواب التصديق. وقرأ الأعمش؛ "يُضَاعِفُهُ" بكسر العين، وزيادة هاء. وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: "يُضَعَّفُ" بتشديد العين وفتحها. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} يعني: الجنة. قوله: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مبتدأ، و "أولئك" مبتدأ ثانٍ، و "هم" يجوز أن يكون مبتدأ ثالثاً، و "الصديقون" خبره، وهو مع خبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، ويجوز أن يكون "هم" فصلاً، و "أولئك" وخبره خبر الأول. "والصِّديق": هو الكثير الصِّدق. وقال مجاهد: من آمن بالله ورسوله فهو صديق، وتلا هذه الآية. وقال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه بهم لما عرف من صدق نيته. قوله: {وَٱلشُّهَدَآءُ}. يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على ما قبله، ويكون الوقف على "الشهداء" تامًّا، أخبر عن "الذين آمنوا" أنهم صديقون شهداء. فإن قيل: الشهداء مخصوصون بأوصاف أخر زائدة على ذلك كالتسعة المذكورين. أجيب: بأن تخصيصهم بالذكر لشرفهم على غيرهم لا للحصر. والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره وجهان: أحدهما: أنه الظرف بعده. والثاني: أنه قوله "ولهم أجرهم"، إما الجملة، وإما الجار وحده، والمرفوع فاعل به، والوقف لا يخفى على ما ذكرناه من الإعراب. والصِّدِّيق: مثال مبالغة، ولا يجيء إلا من ثلاثي غالباً. قال بعضهم: وقد جاء "مِسِّيك" من "أمسك"، وهو غلط؛ لأنه يقال: "مسك" ثلاثياً، فـ "مسّيك" منه. فصل في المراد بالصديقين والشهداء قال مجاهد وزيد بن أسلم: إن الشهداء والصديقين هم المؤمنون، وأنه متصل، وروي معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا قول ابن مسعود في تأويل الآية. قال القشيري: قال الله تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}. فـ "الصديقون" هم الذين يلون الأنبياء. و "الشهداء" هم الذين يلون الصديقين و "الصالحون" يلون الشهداء، فيجوز أن تكون هذه الآية في جملة من صدق بالرسل. والمعنى: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء، ويكون المعني بالشهداء من شهد لله بالوحدانية، أنهم شهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول في الآخرة الذين تقبل شهاداتهم. وقال الحسن: كل مؤمن فإنه شهيد كرامة. وقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء؛ لقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً} تفسير : [النساء: 41]. وقال ابن جرير: "الشهداء" هم الذين استشهدوا في سبيل الله. حديث : وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما تَعُدُّون الشُّهداء فيْكُمْ"؟ قالوا: المقتول، فقال: "إنَّ شُهَداء أمَّتِي إذاً لقَلِيلٌ" . تفسير : وعلى هذا يكون منقطعاً عما قبله، وتكون "الواو" في "والشهداء" واو الاستئناف، وهذا مروي عن ابن عباس ومسروق. وقوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} مما عملوا من العمل الصالح. و "نورهم" على الصراط. ثم لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بذكر حال الكافرين، فقال: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب الجحيم}. ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدلّ على حقارة الدنيا، وكمال حال الآخرة، فقال: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}. "ما" صلة، أي: حياة هذه الدار لعبٌ باطل لا حاصل له، وهو فرح ثم ينقضي، وزينة ومنظر تتزيَّنُون به. قوله: {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}. العامة على تنوين "تَفَاخُر" موصوف بالظرف، أو عامل فيه. والسلمي أضافه إليه، أي: يفخر به بعضكم على بعض. قال المفسرون: "اللّعب": الباطل، "واللَّهْو": الفرح. وقال قتادة: "لعب ولهو": أكل وشرب. وقال مجاهد: كل لعب لهو. وقيل: "اللعب": ما رغب في الدنيا، "واللّهو": ما ألْهى على الآخرة. قوله: {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ}. قال ابن عبَّاس: يجمع المال في سخطِ الله، ويباهي به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وكان من عادة الجاهلية أن يتكاثروا بالأموال والأولاد. قال بعض المتأخرين: "لعب" كلعب الصبيان، "ولهو" كلهو الفتيان "وزينة" كزينة النِّسْوان "وتفاخُر" كتفاخُر الأقران "وتَكاثُر" كتكاثُر الدُّهقان. وقال علي - رضي الله عنه لـ "عمار": لا تحزن على الدُّنيا، فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكُوح، فأحسن طعامها العسل، وهو بزقةُ ذبابة، وأكثر شرابها الماء، ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الدِّيباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المِسْك وهو دم فأرة، وأفضل مركوبها الفرس، وعليها يقتل الرِّجال، وأما المنكوح فهو النساء وهو مبال في مَبال، والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً، فقال: "كمثل غيثٍ" أي: مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ}. قال ابن مسعود: المراد بـ "الكُفَّار" هنا: الزُّرَّاع. وقال الأزهري: والعرب تقول للزَّارع: كافر؛ لأنه يكفرُ البَذْر [المبذور في الأرض] بتراب الأرض، أي: يغطّيه. والمعنى: أن الحياة الدُّنيا كالزَّرع يعجب النَّاظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً كأن لم يكن. وقيل: المراد بالكُفَّار هنا هم الكُفَّار بالله، وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين. وقوله: "نَبَاتُهُ" أي: ما ينبت من ذلك الغَيْث. قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ}. يجوز أن يكون في موضع نصب حالاً من الضمير في "لعب"؛ لأنه بمعنى الوصف، وأن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثل. وجوز ابن عطية: أن يكون في موضع رفع صفة لما تقدم، ولم يبينه، وقد بينه مكي، فقال: نعت لـ "تفاخر". وفيه نظر لتخصيصه له من بين ما تقدم، وجوز أن يكون خبراً بعد خبر للحياة الدنيا. وقوله: {ثُمَّ يَهِيجُ} أي: يجفّ بعد خضرته {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي: متغيراً عما كان عليه من النَّضارة. وقرىء: "مُصْفَارًّا" من "اصْفَارّ" وهو أبلغ من "اصْفَرّ". قوله: "وفي الآخِرةِ" خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، أخبر بأن في الآخرة عذاباً شديداً، ومغفرة منه ورضواناً، وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل العذاب بشيئين: بالمغفرة والرضوان، فهو من باب لن يغلب عُسْرٌ يُسرينِ. قال القرطبي: {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}، أي: للكافر، والوقف عليه حسن، ويبتدأ {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي: للمؤمنين. وقال الفراء: {وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة} تقديره: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة، فلا يوقف على "شديد". قوله: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ}. وهذا تأكيد لما سبق، أي: تغرّ الكافر، فأما المؤمن فإن الدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرور تزهيداً في العمل للدنيا، وترغيباً للعمل في الآخرة. وقال سعيد بن جبير: الدُّنيا متاع الغرور إذا ألْهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة، فنعم المتاع ونعم الوسيلة. قوله تعالى: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} الآية. أي: سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتَّوبةِ؛ لأنها تؤدِّي إلى المغفرة. قاله الكلبي. وقال مكحول: هي التكبيرة الأولى مع الإمام. وقيل: الصف الأول. فصل فيمن استدل بالآية على أن الأمر على الفور احتج القائلون بأن الأمر على الفور بهذه الآية؛ لأنها دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظوراً. قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. {عَرْضُهَا كَعَرْضِ}: مبتدأ وخبر، والجملة صفة، وكذلك "أعِدَّتْ"، ويجوز أن تكون "أعدت" مستأنفة. فصل في عرض الجنة قال مقاتل: إنَّ السَّموات السَّبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح، وألزق بعضها إلى بعض لكانت عرض جنة واحدة من الجنَّات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله؛ قال: [الطويل] شعر : 4724- كَأنَّ بِلادَ اللَّهِ وهْيَ عرِيضةٌ على الخَائفِ المطلُوبِ كفَّةُ حَابِلِ تفسير : وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنَّ لكل واحد من المطيعين جنَّة بهذه الصِّفة. وقال السُّدي: إنه - تعالى - شبّه عرض الجنة بعرض السَّموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طوله أزيد من عرضه. وقيل: هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، وأكبر ما في أنفسهم مقدار السموات والأرض. قاله الزجاج، وهو اختيار ابن عبَّاس. وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل "الحيرة" لعمر رضي الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} فأيْنَ النَّارُ؟ قال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا ولَّى وجاء النهار، فأين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. قوله: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} شرط الإيمان لا غير، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطَّاعات، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بالباء، فإنه باقٍ على مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يؤكّد ذلك قوله تعالى بعده: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} فبين أن الجنة فضل الله يؤتيها من يشاء، سواء أطاع أم عصى. فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العُصاة، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟ فالجواب: قلنا: نقطع بحصول الجنَّة، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم؛ لأنهم إذا عذّبوا مدة، ثم نقلوا إلى الجنة، وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنَّة معدة لهم. فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب إلاّ يدخل تحت هذه الآية. قلنا: فالجواب خص من العموم، فبقي العموم حجة فيما عداه. فصل في أن الجنة مخلوقة أم لا؟ احتجوا بهذه الآية على أن الجنة مخلوقة. قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: الأول: أن قوله تعالى {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا} تفسير : [الرعد: 35] يدل على أن من صفتها بعد وجودها ألا تفتى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. الثاني: أن المخلوقة الآن في السماء السَّابعة، ولا يجوز إذا كانت في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات والأرض، فثبت بهذين الوجهين أنه لا بُدَّ من التأويل، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه - تعالى - لما كان قادراً لا يصحّ المنع عليه، وإذا كان حكيماً لا يصحّ الخلف في وعده، ثم إنه - تعالى - وعد على الطَّاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدّة المهيّأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، كما يقول المرء لصاحبه: أعددت لك المكافأة إذا عزم عليها وإن لم يوجدها. والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدّها الله لهم، كقوله: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [الأعراف: 50] أي: إذا كان يوم القيامة نادى. والجواب: أن قوله: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} تفسير : [القصص: 88] عام. وقوله: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133] مع قوله: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ} تفسير : [الرعد: 35] خاص، والخاصّ مقدّم على العام. وأما قولهم: إنَّ الجنَّة مخلوقة في السماء السابعة كما قال - عليه الصلاة والسلام - في صفة الجنة: "حديث : سَقْفُهَا عرْشُ الرَّحْمنِ" تفسير : فأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة. قوله: {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي: أن الجنة لا تنال إلاَّ بفضل الله ورحمته، {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.
البقاعي
تفسير : ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ويضاعفه أضعافاً كثيرة على حسب زكاء الأرض، قال منتجاً مما مضى ما يعرف أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين أوتوا الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قرنه في أولها بالإيمان، وحث عليه في كثير من آياتها تنبيهاً على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه، معبراً عنه بما يرشد إلى أنه المصدق لدعواه، وأكده لمن يشك في البعث من إنكار بركة الصدقة عاجلاً أو آجلاً تقيداً بالمحسوسات: {إن المصدقين} أي العريقين في هذا الوصف من الرجال {والمصدقات} أي من النساء بأموالهم على الضعفاء الذين إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يرجى منه نفع دنيوي، ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة، وقراءة ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان، فكل من القراءات يدل عليهما، ومن التفصيل بذكر النوعين تعرف شدة الاعتناء. ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثاً على حمل النفس على التطبع بذلك حتى يصير لها خلقاً في غاية الخفة عليها فقال عاطفاً على صلة الموصول في اسم الفاعل معبراً بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل عطفاً على ما تقديره موقعاً ضميراً المذكر على الصنفين تغليباً الذين صدقوا إيمانهم بالتصدق: {وأقرضوا الله} الذي له الكمال كله بتصديقهم سواء كانوا من الذكور أو الإناث، وإنفاقهم في كل ما ندب إلى الإنفاق فيه، وأكد ووصف بقوله: {قرضاً حسناً} أي بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية في الصدقة والنفقة في سبيل الخير، وحسنه أن يصرف بصره إلى النظر إلى فعله والامتياز به وطلب العوض عليه، قال الرازي: {يضاعف} أي ذاك القرض {لهم} ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض له سبحانه حليم كريم ولا يرضى في الخير إلا بالفضل، وثقل في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير، وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه، وأنه عمل فيه عمل من يباري آخر ويغالبه، وبنى للمفعول دلالة على باهر العظمة اللازم عنه كونه بغاية السهولة {ولهم} أي مع المضاعفة {أجر كريم *} أي لا كدر فيه بانقطاع ولا قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلاً. ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها، بين الحامل عليها ترغيباً فيها، فقال عاطفاً بالواو، إشارة إلى التمكن في جميع هذه الصفات: {والذين آمنوا} اي أوجدوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم {بالله} أي الملك الأعلى الذي له الجلال والإكرام {ورسله} اي كلهم لما لهم من النسبة إليه، فمن كذب بشيء على أحد منهم أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمناً به {أولئك} أي الذين لهم الرتب العالية والمقامات السامية {هم} أي خاصة لا غيرهم {الصديقون} أي الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن يصدقه من سمعه، وقال القشيري: الصديق من استوى ظاهره وباطنه، ويقال: هو الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص، ولا يحتاج للتأويلات، ولما كان الصديق لا يكون عريقاً في الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة الشهادة قال تعالى: {والشهداء} معبراً بما مفرده شهيد عاطفاً بالواو إشارة إلى قوة التمكن في كل من الوصفين، قال القشيري: هم الذين يشهدون بقلوبهم بواطن الوصل ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، وزاد المر عظماً بقوله: {عند ربهم} أي الذي أحسن إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله بكل ما أرسل به رسله، والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ بالشهادة في سبيل الله، قال مجاهد: كل مؤمن صديق وشهيد - وتلا هذه الآية {لهم} أي جميع من مضى من الموصوفين بالخير {أجرهم} أي الذي جعله ربهم لهم {ونورهم} أي الذي زادهموه من فضله برحمته، أولئك أصحاب النعيم المقيم. ولما ذكر أهل السعادة جامعاً لأصنافهم، أتبعهم أهل الشقاوة لذلك قال: {والذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي فكرهم {وكذبوا بآياتنا} على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا في ذلك مساترين أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب {أولئك} أي المبعدون من الخير خاصة {أصحاب الجحيم *} أي النار التي هي غاية في توقدها، خالدون فيها من بين العصاة، وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه الصحبة الدالة على الملازمة، وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة عند ربهم، لهم عقابهم وعليهم ظلامهم، والآية من الاحتباك: ذكر الصديقية وما معها أولاً دليلاً على أضدادها ثانياً، والجحيم ثانياً دليلاً على النعيم أولاً، وسره أن الأول أعظم في الكرامة، والثاني أعظم في الإهانة. ولما ذكر سبحانه حال الفريقين: الأشقياء والسعداء، فتقرر بذلك أمر الآخرة، فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان، وكان الموجب للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة لغيابها، قال منتجاً مما مضى مبيناً لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على الشهوة من العاجلة بما نزهه فيه مصدّراً له بما يوجب غاية اليقظة والحضور: {اعلموا} أي أيها العباد المبتلون، وأكد المعنى بزيادة {ما} لما للناس من الغفلة عنه فقال قاصراً قصر قلب: {إنما الحيوة الدنيا} أي الحاضرة التي رغبت في الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن {لعب} أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان {ولهو} أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال: {وزينة} أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: {وتفاخر} أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض. ولما كان ذلك مخصوصاً بأهل الشهوات قال: {بينكم} أي يجر إلى الترفع الجارّ إلى الحسد والبغضاء، ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال: {وتكاثر} أي من الجانبين {في الأموال} أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها مائلة {والأولاد} الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء، وأن جميع ما ذكر زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة، وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها الشاكر من غيره، ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما كان عليه، فيكون أشد في الحسرة، ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في حجر وليه فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم أمور معجبة وأحوال ملهية مطربة، فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه وأشكاله وأترابه، أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم وتصيبه النوائب والقوارع والمصائب في ماله وجسمه وأولاده وأصحابه، ثم في آخر ذلك يموت، فإذا قد اضمحل أمره ونسي عما قليل ذكره، وصار ماله لغيره وزينته متمتعاً بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة، وطلاب الجيفة ليس لهم خطر، وأخسهم من بخل بها، قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا - انتهى. ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض هائل، وكان بعض الناس يتنبه فيشكر وبعضهم يعمى فيكفر، كان القسم الثاني أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر القلوب عن حقارتها، ضرب لذلك مثلاً مقرراً لما مضى من وصفها لأن للأمثال في تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس لغيرها فقال تعالى: {كمثل} أي هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل {غيث} أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال. ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا والتنفير عنها، عبر عن الزارع بما ينفر فقال: {أعجب الكفار} أي الزراع الذين حصل منهم الحرث والبذرة الذي يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من الجحد والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع إلى حد يلهي عن الله إلا مع الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك يتذكر به قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة، فيحمله ذلك على الطاعة، فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة إلى عظمة ذلك النبات فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له الذين لهم غاية الإقبال على تلك الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها نهاية في الإعجاب، وإلى أنه لا يعجب أحداً شيء من الدنيا إعجاباً يركن ويأنس به أنساً يؤدي إلى ما في الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر النعمة التي من شأنها أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر، وترك الشكر كفر {نباته} أي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في الغالب بسط الدنيا له استدراجاً من الله تعالى. ولما كان الزرع يشيخ بعد مُدَيدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال: {ثم يهيج} أي يسرع تحركه فيتم جفافه فيحين حصاده {فتراه مصفراً} أي عقب ذلك بالقرب منه على حالة لا ثمر معها بل ولا نبات، ولذلك قال معبراً بالكون لأن السياق للتزهيد في الدنيا وأنها ظل زائل لا حقيقة لها: {ثم} أي بعد تناهي جفافه وابيضاضه {يكون} أي كوناً كأنه مطبوع عليه، وأبلغ سبحانه في تقرير اضمحلاله بالإتيان مع فعل الكون هنا للمبالغة لأن السياق لتقرير أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ما مضى في الزمر فقال: {حطاماً} كأن الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه. ولما ذكر الظل الزائل، ذكر أثره الثابت الدائم مقسماً له على قسمين، فقال عاطفاً على ما تقديره هذا حال الدنيا في سرعة زوالها وتحقق فنائها واضمحلالها: {وفي} أي هذا الذي غر من حال الدنيا وهو في {الآخرة} على أحدهما {عذاب شديد} أي لمن أخذها بغير حقها معرضاً عن ذكر الله لأن الاغترار بها سببه، فكان كأنه هو. ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك، أتبعه الصنف الناجي. فقال: {ومغفرة} أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان {من الله} أي الملك الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ذنوبه، ورجع إليه في التطهير من عيوبه {ورضوان} لأهل الدرجة العليا وهم من أقبل عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه، فآخر الآية تقسيم للدنيا على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا تكون إلا كذلك، فالمعنى أن الذي ذكره أولاً هو الأغلب لأحوالها وعاقبته النار، وما كان منها من إيمان وطاعة ونظر توحيد لله وتعظيم ومعرفة تؤدي إلى أخذها تزوداً ونظرها اعتباراً وتعبداً، فهو آخره لا دنيا، وقد تحرر أن مثل الغيث المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم، فمن عمل في ذلك عمل الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في وقته وعمل فيه ما ينبغي ولم ينس حق الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته، ومن أهمل ذلك أعقبه الأسف، وذلك هو مثل الدنيا: من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سروراً دائماً، ومن أهمل ذلك أورثته حزناً لازماً، وكما كان التقدير: فما الآخرة لمن سعى لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور، عطف عليه قوله: {وما الحياة الدنيا} أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة {إلا متاع الغرور *} أي لهو في نفسه غرور لا حقيقة له إلا ذلك، لأنه لا يجوز لمن أقبل على التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر.
القشيري
تفسير : أي المتصدقين والمتصدقات. {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}: يعني في النوافل. {يُضَاعَفُ لَهُمْ} في الحسنات، الحسنةُ بعَشْر أمثالها.. إلى ما شاء اللهُ. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}: ثوابٌ كبيرٌ حَسَنٌ. والثوابُ الكريمُ أَنَّه لا يضن بأقصى الأجْرِ على الطاعةِ - وإنْ قَلَّتْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان المصدقين والمصدقات} اى المتصدقين والمتصدقات {واقرضوا الله قرضا حسنا} عطف على الصلة من حيث المعنى اى ان الناس الذين تصدقوا وتصدقن واقرضوا الله قرضا حسنا واقرضن والاقراض الحسن عبارة عن التصدق من الطيب عن طيبة النفس وخلوص النية على المستحق للصدقة ففيه دلالة على ان المعتبر هو التصدق المقرون بالاخلاص فيندفع توهم التكرار لان هذا تصدق مقيد ماقبله تصدق مطلق وفى الحديث "حديث : يامعشر النساء تصدقن فانى أريتكن اكثر أهل النار"تفسير : وفيه اشارة الى زيادة احتياجهن الى التصدق (روى) مسلم عن جابر رضى الله عنه انه قال شهدت مع رسول الله عليه السلام صلاة العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا اقامة ثم قام متوكئا على بلال رضى الله عنه فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى الى النساء فوعظن وذكرهن فقال "حديث : تصدقن فان اكثركن حطب جهنم"تفسير : قالت امرأة لم يارسول الله فقال "حديث : لانكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير"تفسير : أى المعاشر وهو الزوج فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين فى ثوب بلال حتى اجتمع فيه شىء كثير قسمه على فقراء المسلمين {يضاعف لهم} البناء للمعفول مسند الى مابعده من الجار والمجرور وقيل الى مصدر مافى حيز الصلة على حذف مضاف اى ثواب التصدق {ولهم اجر كريم} وهو الذى يقترن به رضى واقبال شعر : بدنيا توانى كه عقبى خرى بخرجان من ورنه حسرت خورى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {المصدقين} مَن قرأ بالتشديد فيهما فاسم فاعل، من: تصدّق، أدغمت التاء في الصاد، ومَن قرأ بتخفيف الصاد فاسم فاعل صدّق. و {أقرضوا}: عطف على الصلة، أي: إن الذين تصدّقوا وأقرضوا. يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المصدِّقين والمصدِّقات} أي: المتصدقين بأموالهم والمتصدقات أو: المصدقين بالله ورسوله والمصدقات، {وأقرضوا اللّهَ قرضاً حسناً} وهو أن تتصدّق من كسبٍ طيبٍ، بقلب طيب، {يُضاعف لهم} بأضعاف كثيرة إلى سبعمائة، {ولهم أجرٌ كريمٌ} الجنة وما فيها. وقد ورد في الصدقات أحاديث، منها: أنها تدفع سبعين باباً من السوء، وتزيد البركة في العمر. رُوي أن شابّاً وشابة دخلا على سليمان عليه السلام فعقد لهما النكاح، وخرجا من عنده مسرورين، وحضر ملك الموت، فقال: لا تعجب من سرورهما، فقد أُمرت أن أقبض روح هذا الشاب بعد خمسة أيام، فجعل سليمانُ يراعي حالَ الشاب، حتى ذهبت ستة أيام، ثم خمسة أشهر، فعجب من ذلك، فدخل عليه ملك الموت، فسأله عن ذلك، فقال: إني أُمرت أن أقبض روحه كما ذكرتُ لك، فلما خرج من عندك لقيه سائل، فدفع له درهماً، فدعا له بالبقاء، فأُمرت بتأخير الأمر عنه ببركة صدقته. هـ. وانظر عند قوله: {أية : يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ}تفسير : [الرعد: 38]، ومثله قضية الرجل الذي آذى جيرانَه، فدعا موسى عليه السلام عليه، ثم تصدَّق صبيحة اليوم برغيف، فنزل الثعبان، فلقيته الصدقة فسقط ميتاً على حزمة حطبه. {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون} المبالغون في التصديق، أو الصدق، وهو أولى؛ لأنّ وزن المبالغة لا يساغ من غير الثلاثي في الأكثر إلا نادراً، كمسّيك من أمسك. {و} هم أيضاً {الشهداءُ عند ربهم} وظاهره: أن كل مَن آمن بالله ورسله ينال درجة الصدّيقين، الذين درجتهم دون درجة الأنبياء، وفوق درجة الخواص، وأنَّ كل مَن آمن ينال درجة الشهداء، وليس كذلك، فينبغي حمل قوله: {آمَنوا} على خصوص إيمان وكماله، وهم الذين لم يشكّوا في الرسل حين أخبَروهم، ولم يتوقفوا ساعة، أي: سبقوا إلى الإيمان، واستشهدوا في سبيل الله. وسيأتي في الإشارة حقيقة الصدّيق. وقيل: كل مَن آمن بالله ورسله مطلق الإيمان فهو صدّيق وشهيد، أي: ملحق بهما، وإن لم يتساووا في النعيم، كقوله:{أية : وَمَن يُطِع اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ...}تفسير : [النساء: 69]. والحاصل على هذه العبارة: الترغيب في الإيمان والحث عليه، وهو وارد في كلام العرب في مبالغة التشبيه، تقول: فلان هو حاتم بعينه، إذا شابهه في الجود، ويؤيد هذا حديث البراء بن عازب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : مؤمنو أمتي شهداء"تفسير : قال مجاهد: (كل مؤمن صدّيق وشهيد)، أي: على ما تقدّم، وإنما خصّ النبي صلى الله عليه وسلم ذكرَ الشهداء السبعة تشريفاً على رتب الشهداء غيرهم، ألا ترى أنَّ المقتول في سبيل الله مخصوص أيضاً بتشريف ينفرد به، وقال بعضهم: معنى الشهداء هنا: أنهم يشهدون على الأمم. قال ابن عباس ومسروق والضحاك: الكلام تام في قوله: "الصدّيقون"، وقوله: "الشهداء" استئناف كلام، أي: والشهداء حاضرون عند ربهم، أو: والشهداء {لهم أجرهم ونورهم} عند ربهم، قال أبو حيان: والظاهر: أن "الشهداء" مبتدأ، خبره ما بعده. هـ. قلت: الظاهر: أنَّ الآية متصلة، فكل مؤمن حقيقي صدّيق وشهيد، أي: يلحق بهم، وقوله: {لهم أجرهم ونورهم} أي: لهم أجر الصدّيقين ونورهم، على التشبيه، ولا يبلغ المشبَّه درجة المشبَّه به. وإذا قيّدنا الإيمان بالسبق، فالمعنى لهم أجرهم كامل ونورهم تام، ويؤيد عدم التقييد: ذكر ضده عقبه، كما هو عادة التنزيل، بقوله: {والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم}. الإشارة: إنَّ المصدّقين والمصدّقات، وهم الذين بذلوا مهجهم وأرواحهم في مرضاة الله - ومَن كان في الله تلفه كان على الله خَلَفَه - وأقرضوا الله قرضاً حسناً، أي: قطعوا قلوبهم عن محبة ما سواه، وحصروه في حضرة الله، يُضاعف لهم أنوارهم وأسرارهم، ولهم أجر كريم، شهود الذات الأقدس، وهؤلاء هم الصدِّيقون المشار إليهم بقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون} فهذا الإيمان عند الصوفية مقيد، قال الورتجبي: هم الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة، وتبعوا رسولَه بنعت المحبة والمعرفة بشرفه وفضله، والانقياد بين يدي أمره ونهيه، فأولئك هم الصدّيقون؛ لأنهم معادن الإخلاص واليقين، وتصديق الله في قوله بعد أن شاهدوه مشاهدة الصديقية، التي لا اضطراب فيها من جهة معارضة النفس والشيطان، وهم شهداء الله المقتولون بسيوف محبته، مطروحون في بحر وصلته، يَحْيون بجماله، يَشهدون على وجودهم بفنائه في الله، وبفناء الكون في عظمة الله، وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله، يشهدون لهم وعليهم؛ لِصدق الفراسة؛ لأنهم أمناء الله، خصَّهم الله بالصديقية والسعادة والولاية والخلافة.هـ. وقال القشيري: الصدّيق مَن استوى ظاهرُه وباطنُه، ويقال: هو الذي يحمل الأمرَ على الأشَق، لا يَنْزلُ إلى الرُّخَصِ، ولا يجنح إلى التأويلات، والشهداء: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القُربة، ونُورهم: ما كحل الحق به بصائرهم من أنوار التوحيد. هـ. ولمّا كان الزهد شرطاً في هذا المقام؛ ذكر تحقير الدنيا؛ ليقع الزهد فيها، فقال: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد في اللفظين، والباقون بتشديدهما. فمن خفف كان الكلام عنده بمنزلة قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [البقرة:277]، لأن المُصَدِقين - بالتخفيف - مأخوذ من "صَدّق" بمعنى "آمن"، فهم الذين آمنوا واقرضوا - أي: عملوا الصالحات - إما لأن القرض الحسن من جملة الأعمال الصالحة، لأن معه أن يتصدق من المال الطيّب عن طيبة النفس وصحة النيّة على من استحق للصدقة، أو لأن المراد منه مطلق الفعل الحسن والعمل الصالح الذي له أجر كريم، سواء كان بإيتاء أمر عيني أو غيره، كما أن التصديق حينئذ يتضمن الصدقة. ومن شدّد، كان الوجه عنده أن قوله: أقرَضوا الله قرضاً حسناً - اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، فهو للصدقة أشدّ ملائمة منه للتصديق، ولأحد أن يمنع كونه اعتراضياً ألبتّة، لاحتمال أن يكون معطوفاً على معنى الفعل في المصدّقين، لأن اللام فيه بمعنى (الذين)، واسم الفاعل بمعنى اصدقوا أو صدقوا. وقرئ: "يضعّف" بالتشديد، و "يضاعِف" بكسر العين، أي: يضاعِف الله لهم من الجزاء أمثال ما أنفقوا في وجوه الخير - ولهم أجر كريم -، لأنه يترتب لذاته على فعل الخير، وكلما يترتب على فعل الخير يكون أجراً كريماً، لأن أمور الآخرة تكون شديدة قوية في الإلذاذ - إن كانت لذيذة -، وفي الإيلام، إن كانت أليمة -، لعدم الغشاوات والموانع عن الإدراك هناك، وكون المدرك قوياً، والمدرك مكشوفاً، وليست اللذة إلاَّ إدراك الملائم، ولا الألم إلاَّ إدراك المنافي. فالمدرك للملائم والمنافي إذا كان في غاية القوة والحدّة: {أية : فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ}تفسير : [ق:22]، والمدرك منهما إذا كان كنه حقيقة الشيء ولبّه وباطنه وسريرته: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ} تفسير : [الطارق:9] والإدراك أيضاً في غاية التحقيق واليقين حيث ينتهي إلى مشاهدة العين: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ}تفسير : [التكاثر:5 - 8]. - يكون الإلذاذ والإيلام في غاية القوة والشدة، وهذا هو البيان في كون أمور الآخرة في بابها عظيمة شددة. مكاشفة النكتة في ان فعل الحسنة يكون أجره مضاعفاً، وفعلَ السيئة يكون أجره مثله، - كما في قوله تعالى: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا}تفسير : [الأنعام:160] - وجهان: أحدهما من جهة القابل، والآخر من جهة الفاعل. أمّا الوجه الأول: فهو أن حقيقة النفس الإنسانية هي من عالم الأمر وعالم الآخرة وسنخ الروحانيات النوريّة، فوقعت في هذا العالم الجسماني الظلماني لجناية صدرت من أبي البشر آدم الأول، حيث أهبط من الجنة إلى الأرض غريباً وحيداً أسيراً في أيدي الظلمات، ملسوعاً بلسع حيّات الشهوات وموذيات اللذّات، مسحوراً بسحر الطبيعة ووساوس الشياطين، كما في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} تفسير : [التين:4 - 5]. ثم إن كل عمل وفعل صدر من الإنسان في هذا العالم، يحصل منه أثر في قلبه، لارتباط شديد بين النفس والبدن، فيحصل من تكرر الأفاعيل في النفس، أخلاق وملكات هي مواريث المعاملات، فإذا تكررت الأفاعيل الحسنة - من الصيام، والقيام، والإطعام، والصدقات بحسن النيّات وصِدق الطويّات -، ظهرت من دوام تكررها هيآت حسنة راسخة في النفس، فيتنوّر عندها بنور الصفات الملكية، ويسهل معها صدور الفضائل والخيرات، كما قال الله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ}تفسير : [الليل:5 - 7]. وكذلك إذا تكررت الأفعال الذميمة والسيئات - من البخل، والاستكبار، والكذب، وغيرها -، حصلت من دوام تكررها صفات ذميمة راسخة في النفس، فتنكدر عندها بكدورة المعاصي، فيسهل معها صدور القبائح منها مما لم يكن يصدر قبل ذلك بتلك السهولة، كما قال سبحانه: {أية : وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِٱلْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ} تفسير : [الليل:8 - 10]، ولو لم يكن تكرر الأفاعيل مورثاً لحصول الملكات في النفس، لم يحصل للإنسان الصناعات العلمية والعملية. ثم لمّا كانت الأفعال الحسنة مناسبة لعالم القدس وموطن النفس، مقرّبة لها من عالمها، مذكّرة لها عهدها القديم مع أقاربها وأوالفها. والأفعال القبيحة، مناسبة لعالم الجحيم، مبعدة لها عن عالمها - والمناسب للشيء يكون أسرع تأثيراً من المخالف الغريب في إخراج ذلك الشيء عما يقتضي طبعه -، فالأفعال الحسنة والخيرات أقوى تأثيراً في سعادة النفس وكمالها وتذكرها وقربها إليه تعالى من الأفعال القبيحة والشرور في شقاوتها ونقصها ونسيانها وبُعدها عنه تعالى. وثانيهما: إن رحمته تعالى فائقة على غضبه سابقة عليه، كما قال: "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : . حتى أن عين الغضب وماهيته إنما وجدت منه تعالى برحمته التي وسعت كل شيء. كيف والوجود الفائض منه على كل شيء، هو عين الرحمة عليه، فوجود الغضب إنما هو من رحمة الله على عين الغضب، فسبقت نسبة الرحمة إليه تعالى على نسبة الغضب، وذلك لأن الرحمة ذاتية للحق، وعين الغضب ناشئة من عدم قابلية بعض الأشياء للكمال المطلق والرحمة التامة، وإليه الإشارة في قوله سبحانه: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النساء:79] أي من سوء استعدادك، وإن كان الكل من عند الله، إذ لا استقلال لغيره في الإيجاد. وفي الحديث النبوي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : ان الخير كلّه بيديك، والشر ليس إليك . تفسير : ومن أمعن النظر في لوازم الغضب - من الأمراض والآلام والفقر والجهل والموت وغير ذلك -، يجدها كلها أموراً عدميّة، فالرحمة ذاتيّة للحق، والغضب حالة عرضية ناشئة من أسباب عرضية. فإذا كان كذلك، كان باعث الرحمة أسهل وجوداً وأقلّ أسباباً وأيسر تحققاً، إذ يكفيه إمكان القبول لها، وباعث الغضب بخلافه، إذ لا يكفي مجرد إمكان المحلّ، بل لا يتحصل إلاَّ من وجود المنافي للرحمة، المانع إيَّاها، فقابل الرحمة وداعيها لا يحتاج إلى تعمّل كثير، غير صفاء الذات، وخلوص الفطرة، وصقالة وجه القلب عن الكدورات، بخلاف داعية الغضب، فإنها لوجود المعاصي والقبائح الغريبة من الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، ولهذه الدقيقة عَبّر عن باعث الرحمة: "بالكَسْب"، وعن باعث الغضب: "بالاكتساب" لما في مفهومه من التعمّل الزائد على ما في الطبع في قوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ}تفسير : [البقرة:286]. فإن قلت: ما الوجه لخصوصية ذكر العشرة في التضعيف لا غيرها من الأعداد؟ قلنا: وجه ذلك، كون الإنسان معوقاً في الدنيا عن فعله الخاص به - الذي هو ذكر الله ومعرفة ملائكته ورسله والدار الآخرة -، لانغمار نفسه في الحسيات، واشتغاله بالجسمانيات، وهذا بخلاف فعل المعاصي والشهوات، فإنها مما يلائم البدن وقواه، فلا يزاحمها بل تعين عليها القوى البدنية. ولما كان المبدأ الإدراكي للأفاعيل العقلية والطاعات قوة واحدة - هي الناطقة -، والمبدأ الإدراكي للأفاعيل الحسيّة والمعاصي قوى عشرة - أي الحواس الخمس الظاهرة، والخمس الباطنة - فكل حسنة تصدر عن القوة العاقلة لا بد فيها - لكونها على خلاف طبائع القوى - من مجاهدة وقعت من العاقلة مع كل واحدة من تلك العشرة، وكل مجاهدة لها أجر واحد، فكل حسنة تستلزم عشر حسنات، مستدعية لعشرة أمثال أجر إحداها، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الأنفال:65].
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ} قرئ بتشديد الصّاد من التّفعّل بمعنى الّذين يعطون الصّدقات، وقرئ بتخفيف الصّاد من التّفعيل بمعنى الّذين صدقوا الله ورسوله {وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ} جملة حاليّة او معترضة او معطوفة على صلة الالف واللاّم، وعلى اىّ تقديرٍ هو تقييد للتّصدّق ان كان بمعنى الانفاق المطلق، او تأكيدٌ له ان كان بمعنى الانفاق لوجه الله، او يكون المراد بالتّصدّق الانفاق على الفقراء، وباقراض الله صلة الامام (ع)، وعلى قراءة تخفيف الصّاد يكون عطفاً وبمنزلة ان يقال: انّ الّذين آمنوا وانفقوا، وعلى قراءة تشديد الصّاد يكون قوله: انّ المصّدّقين والمصّدّقات واقرضوا الله {قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} بمنزلة انّ الّذين يعطون الزّكاة وبياناً لجزاء الانفاق ويكون قوله {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ} بياناً لجزاء الايمان وبعبارةٍ اخرى انّ المصدّقين بيان لجزاء القوّة العمّالة وانّ الّذين آمنوا بيانٌ لجزاء القوّة العلاّمة، وبعبارةٍ اخرى الاوّل بيان لجزاء الزّكاة، والثّانى بيان لجزاء الصّلاة وترجيح لجانب القوّة العلاّمة والصّلاة على القوّة العمّالة والزّكاة فانّ قوله تعالى اولئك هم الصّدّيقون {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} لحصر كمال الصّدق والشّهادة فيهم وقوله تعالى {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} تفخيمٌ لاجرهم ونورهم باضافتهما اليهم بمعنى انّ اجرهم لا يمكن معرفته الاّ باضافته اليهم، وقيل: انّ الشّهداء مبتدء وخبره لهم اجرهم، وعن الباقر (ع) انّه قال: العارف منكم هذا الامر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهدوا لله مع القائم (ع) بسيفه ثمّ قال: بل والله كمن جاهد مع رسول الله (ص) بسيفه، ثمّ قال الثّالثة: بل والله كمن استشهد مع رسول الله (ص) فى فسطاطه، وفيكم آية من كتاب الله قيل: واىّ آية؟ - قال: قول الله والّذين آمنوا بالله ورسله (الآية) ثمّ قال: صرتم والله صادقين شهداء عند ربّكم، والاخبار الواردة بهذا المضمون يعنى تخصيص الصّدّيقين والشّهداء بشيعتهم كثيرة، وفى هذا الخبر غنية عن نقلها، وروى عن امير المؤمنين (ع) انّه لمّا قتل يوم النّهر وان الخوارج قام اليه رجلٌ، فقال: يا امير المؤمنين (ع) طوبى لنا اذ شهدنا معك هذا الموقف وقتلنا معك هؤلاء الخوارج، فقال امير المؤمنين (ع): والّذى فلق الحبّة وبرأ النّسمة لقد شهدنا فى هذا الموقف اناس لم يخلق الله آباءهم ولا اجدادهم بعدُ، فقال الرّجل: وكيف شهدنا قوم لم يخلقوا؟ - قال: بل قوم يكونون فى آخر الزّمان يشركوننا فيما نحن فيه ويسلّمون لنا فاولئك شركاؤنا فيه حقّاً حقّاً {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} مقابل الّذين آمنوا بالله ورسله.
الأعقم
تفسير : {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله} أي أنفقوا في سبيله {قرضاً حسناً} قيل: هو التطوع، وقيل: الفرائض {يضاعف لهم} الثواب لأنه دائم {ولهم أجرٌ كريم} دائم لا ينقطع ولا يَمنّ به {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون} هو اسم تعظيم ومدح، وقيل: هم الذين سبقوا إلى الإِسلام مثل علي (عليه السلام) وعمّه حمزة وزيد وسعد وأبو بكر وعمر {والشهداء عند ربهم} هم الأنبياء، وقيل: العلماء، وقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين {لهم أجرهم} جزاؤهم عند ربهم في ظلمة القبور والقيامة {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} {اعلموا أنّما الحياة الدنيا لعبٌ ولهوٌ} يعني كاللعب في الزوال {وزينة} منظر يتزينون به لأنه يتحلى فيه أعين الناظرين {وتفاخر بينكم} يفتخر بعضكم على بعض {وتكاثر في الأموال والأولاد} يعني قسمتم همتكم بين لعب ولهو وزينة وهو طلب الملاذ والتفاخر والتكاثر وهو طلب المال وكل ذلك إلى زوال {كمثل غيث} أي سحاب، وقيل: مطر، وقيل: كمثل نبات أصابه غيث {أعجب الكفار} الزراع لأنه يغطي البذر بالتراب نباته من حسنه، وقيل: المراد به الكفار لأن مثلهم يركنون إلى الدنيا ويعجبهم حسنها ولا يرون زينة الآخرة بخلاف المؤمن فإنه لا ينظر إلى زينتها ويؤثر الآخرة عليها {ثم يهيج} أي ييبس، والهيج جفاف فيصفر بعد خضرته، هاج الزرع يهيج هيجاً {فتراه مصفراً} من يبسه بعد خضرته {ثم يكون حطاماً} متكسراً، وأصل الحطم الكسر {وفي الآخرة عذاب شديد} للمصرين {ومغفرة من الله ورضوانٌ} للمؤمنين والتائبين {وما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور} لأنها يغتر بها لما يرى من حسن ظاهرها إذا لم يتفكر في عاقبتها {سابقوا} أي بادروا {إلى مغفرة} أي إلى الأعمال الموجبة للمغفرة من الايمان والطاعات، وقيل: إلى التوبة، وقيل: إلى التكبيرة الأولى {وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض} قال السدي (رحمه الله): كعرض سبع سماوات وسبع أرضين، ومتى قيل: لم ذكر العرض دون الطول؟ قالوا: لأن عظم العرض يدل على الطول وعظم الطول لا يدل على عظم العرض، واختلفوا في هذه الجنة فقيل: جنة الخلد ولم تحلق لأنها لما صح فيها هذا الوصف، ومعنى أعدت أي ستعد، ولو كانت لفنيت عن أبي علي وابن هاشم، وقيل: بل مخلوقة ثم يفنيها ويعيدها الله تعالى يوم القيامة ويريد فيها طولاً وعرضاً عن الحسن، وقيل: أراد جنة واحدة من الجنان {أعدَّت} هيّئت {للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} وهم المؤمنون.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ} ابدل التاء صاداً وادغمها في الصاد أي المتصدقين والمتصدقات وقرىء بها على الاصل وقرأ ابن كثير وابو بكر بفتح الصاد بلا تشديد أي صدقوا الله ورسوله فهي في الايمان والاوليان في الصدقة. {وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرَضاً حَسَنَاً} عطفا على المصدقين أو المصدقات والضمير للكل تغليبا للذكور وانما عطف الفعل عليهما لانهما بمنزلة الفعل أي ان الذين تصدقوا واللائي تصدقن. {يُضَاعَفُ} قرضهم {لَهُمْ} وقرىء يضعف بالتشديد وقرىء يضاعف بالبناء للفاعل سبحانه وانما عطف الاقراض اعلاما بأن الصدقة باطلة ما لم تكن مخلصة وهذا الاضعاف زيادة من فضل الله على اجورهم. {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} فالتضعيف يلحقون بالشهداء كما قال.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ } أي المتصدقين والمتصدقات، وقد قرأ أبـيّ كذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر والمفضل وأبان وأبو عمرو في رواية هارون بتخفيف الصاد من التصديق - لا من الصدقة كما في قراءة الجمهور - أي الذين صدقوا واللاتي صدقن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، والقرءاة الأولى أنسب بقوله تعالى: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } وقيل: الثانية أرجح لأن الإقراض يغني عن ذكر التصدق، وأنت ستعلم إن شاء الله تعالى فائدته. وعطف {أَقْرِضُواُ } على معنى الفعل من {ٱلْمُصَّدّقِينَ} على ما اختاره أبو علي والزمخشري لأن أل بمعنى الذين، واسم الفاعل بمعنى الفعل فكأنه قيل: إن الذين اصدقوا أو صدقوا على القراءتين وأقرضوا / وتعقبه أبو حيان وغيره بأن فيه الفصل بين أجزاء الصلة إذ المعطوف على الصلة صلة بأجنبـي وهو {ٱلْمُصَّدّقِينَ}، وذلك لا يجوز، وقال صاحب «التقريب»: هو محمول على المعنى كأنه قيل: إن الناس الذين تصدقوا وتصدقن وأقرضوا فهو عطف على الصلة من حيث المعنى بلا فصل، وتعقب بأنه لا محصل له إلا إذا قيل: إن أل الثانية زائدة لئلا يعطف على صورة جزء الكلمة، وفيه بعد، ولا يخفى أن حديث اعتبار المعنى يدفع ما ذكر، ومن هنا قيل: إنه قريب ولا يبعد تنزيل ما تقدم عن أبـي علي والزمخشري عليه. وقيل: العطف على صلة أل في {ٱلْمُصَّدّقِينَ} واختلاف الضمائر تأنيثاً وتذكيراً لا يضر لأن أل تصلح للجميع فيراد بها معنى اللاتي عند عود ضمير جمع الإناث عليها ومعنى الذين عند عود ضمير جمع الذكور عليها وهو كما ترى، ومثله ما قيل: هو من باب كل رجل وضيعته أي إن المصدقين مقرونون مع المصدقات في الثواب والمنزلة، أو يقدر خبر أي إن المصدقين والمصدقات يفلحون {وَأَقْرِضُواُ } في الوجهين ليس عطفاً على الصلة بل مستأنف و{يُضَاعَفُ} بعد صفة {قَرْضاً} أو استئناف ومن أنصف لم ير ذلك مما ينبغي أن يخرج عليه كلام أدنى الفصحاء فضلاً عن كلام رب العالمين، واختار أبو حيان تخريج ذلك على حذف الموصول لدلالة ما قبله عليه كأنه قيل: والذين أقرضوا فيكون مثل قوله: شعر : فمن يهجو رسول الله منكم (ويمدحه وينصره) سواء تفسير : وهو مقبول على رأي الكوفيين دون رأي البصريين فإنهم لا يجوزون حذف الموصول في مثله، وبعض أئمة المحققين بعد أن استقرب توجيه «التقريب» ولم يستبعد تنزيل ما سمعت عن الزمخشري وأبـي علي عليه قال: وأقرب منه أن يقال: إن المصدقات منصوب على التخصيص كأنه قيل: إن المتصدقين عاماً على التغليب وأخص المتصدقات منهم كما تقول: إن الذين آمنوا ولا سيما العلماء منهم وعملوا الصالحات لهم كذا. ووجه التخصيص ما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار » تفسير : يحضهن على الصدقة بأنهن إذا فعلن ذلك كان له تعالى أقبل وجزاؤه عنه سبحانه أوفر وأفضل، ثم قال: ولما لم يكن الإقراض غير ذلك التصدق قيل: وأقرضوا أي بذلك التصدق تحقيقاً لكينونته وأنهم مثل ذلك ممثلون عند الله تعالى بمن يعامل مع أجود الأجودين معاملة برضاه، ولو قيل: والمقرضين لفاتت هذه النكتة انتهى. ولا يخفى أن نصب {ٱلْمُصَّدّقَـٰتِ} على التخصيص خلاف الظاهر، وأما ما ذكره في نكتة العدول عن المقروضين فحسن وهو متأت على تخريج أبـي علي والزمخشري، وعلى تخريج أبـي حيان، وقال الخفاجي: القول ـ أي قول أبـي البقاء ـ بأن {أَقْرِضُواُ } الخ معترض بين اسم {إن} وخبرها أظهر وأسهل، وكأن النكتة فيه تأكيد الحكم بالمضاعفة، وزعم أن الجملة حال بتقدير قد أو بدونها من ضميري {ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ} لا يخفى معنى وعربية فتدبر. {يُضَاعَفُ لَهُمُ } الضمير لجميع المتقدمين الذكور والإناث على التغليب كضمير {أَقْرِضُواُ}، والجار والمجرور نائب الفاعل، وقيل: هو ضمير التصدق أو ضمير القرض على حذف مضاف أي يضاعف ثواب التصدق أو ثواب القرض لهم. وقرأ ابن كثير وابن عامر ـ يضعف ـ بتشديد العين، وقرىء (يضاعِفُ) بالبناء للفاعل أي يضاعف الله عز وجل لهم ثواب ذلك {وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } قد مر الكلام فيه.
ابن عاشور
تفسير : يشبه أن تكون هذه الآية من المدني وأن تكون متصلة المعنى بقوله تعالى: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم}تفسير : [الحديد: 11] وأن آية {أية : ألم يأن للذين آمنوا}تفسير : [الحديد: 16] وما بعدها معترض. وقد تخلل المكي والمدني كل مع الآخر في هذه السورة ألاَ ترى أن ألفاظ الآيتين متماثلة إذ أريد أن يعاد ما سبق من التحريض على الإِنفاق فيُؤتى به في صورة الصلة التي عُرف بها الممتثلون لذلك التحريض. وعطف {والمصدقات} كما تقدم في قوله: {أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات}تفسير : [الحديد: 12]، ولأن الشُحَّ يكثر في النساء كما دلت عليه أشعار العرب. وقرأ الجمهور {والمصّدقين} بتشديد الصاد على أن أصله المتصدقين فأدغمت التاء في الصاد بعد قَلْبِهَا صاداً لقرب مخرجيهما تطلباً لخفة الإِدغام، فقوله: {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} من عطف المرادف في المعنى لما في المعطوف من تشبيه فِعلهم بقرض لله تنويهاً بالصدقات. وقرأه ابن كثير وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد على أنه من التصديق، أي الذين صدَّقوا الرسول صلى الله عليه وسلم أي آمنوا وامتثلوا أمره فأقرضوا الله قرضاً حسناً. وقرأ الجمهور {يضاعف لهم} بألف بعد الضاد. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب {يضعّف} بدون ألف وبتشديد العين. وعطف {وأقرضوا} وهو جملة على {المصدقين} وهو مفرد لأن المفرد في حكم الفعل حيث كانت اللام في معنى الموصول فقوة الكلام: إن الذين اصَّدَّقوا واللائي تصدقْنَ وأقرضوا، على التغليب ولا فَصْلَ بأجنبي على أن الفصل لا يمنع إذا لم يفسد المعنى. ووجه العدول عن تماثل الصلتين فلم يقل: إن المصدقين والمقرضين، هو تصوير معنى كون التصدق إقراضاً لله. وتقدم معنى {يضاعف لهم ولهم أجر كريم} في قوله: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له}تفسير : [الحديد: 11] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُصَّدِّقَاتِ} {يُضَاعَفُ} (18) - إِنَّ المُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى المُحْتَاجِينَ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَهُمْ لاَ يَبْتَغُونَ مِنْ وَرَاءِ عَمَلِهِمْ هَذَا إِلاَّ رِضْوَانَ اللهِ وَثَوَابَهُ وَجَنَّتَهُ، يُضَاعِفُ اللهُ لَهُُمُ الحَسَنَاتِ، وَيَتَجَاوَزُ لَهُمْ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيُجْزِلُ لَهُمُ الأَجْرَ يَوْمَ الحِسَابِ فِي الآخِرَةِ. المُصَّدَّقِينَ - المُتَصَدَّقِينَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } بالتشديد أي: الذين أكثروا من الصدقات الشرعية، والنفقات المرضية، { وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } بأن قدموا من أموالهم في طرق الخيرات ما يكون مدخرا لهم عند ربهم، { يُضَاعَفُ لَهُمُ } الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعده الله لهم في الجنة، مما لا تعلمه النفوس. { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } والإيمان عند أهل السنة: هو ما دل عليه الكتاب والسنة، هو قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، فيشمل ذلك جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، فالذين جمعوا بين هذه الأمور هم الصديقون أي: الذين مرتبتهم فوق مرتبة عموم المؤمنين، ودون مرتبة الأنبياء. [وقوله:] { وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } كما ورد في الحديث الصحيح: { إن في الجنة مائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله } وهذا يقتضي شدة علوهم ورفعتهم، وقربهم الله تعالى. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } فهذه الآيات جمعت أصناف الخلق، المتصدقين، والصديقين، والشهداء، وأصحاب الجحيم، فالمتصدقون الذين كان جل عملهم الإحسان إلى الخلق، وبذل النفع إليهم بغاية ما يمكنهم، خصوصا بالنفع بالمال في سبيل الله. والصديقون هم الذين كملوا مراتب الإيمان والعمل الصالح، والعلم النافع، واليقين الصادق، والشهداء هم الذين قاتلوا في سبيل الله [لإعلاء كلمة الله، وبذلوا أنفسهم وأموالهم] فقتلوا، وأصحاب الجحيم هم الكفار الذين كذبوا بآيات الله. وبقي قسم ذكرهم الله في سورة فاطر، وهم المقتصدون الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، إلا أنهم حصل منهم تقصير ببعض حقوق الله وحقوق عباده، فهؤلاء مآلهم الجنة، وإن حصل لهم عقوبة ببعض ما فعلوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):