Verse. 5094 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

وَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا بِاللہِ وَرُسُلِہٖۗ اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الصِّدِّيْقُوْنَ۝۰ۤۖ وَالشُّہَدَاۗءُ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۭ لَہُمْ اَجْرُہُمْ وَنُوْرُہُمْ۝۰ۭ وَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَكَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَاۗ اُولٰۗىِٕكَ اَصْحٰبُ الْجَحِيْمِ۝۱۹ۧ
Waallatheena amanoo biAllahi warusulihi olaika humu alssiddeeqoona waalshshuhadao AAinda rabbihim lahum ajruhum wanooruhum waallatheena kafaroo wakaththaboo biayatina olaika ashabu aljaheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون» المبالغون في التصديق «والشهداء عند ربهم» على المكذبين من الأمم «لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا» الدالة على وحدانيتنا «أولئك أصحاب الجحيم» النار.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية حال المؤمنين والمنافقين، وذكر الآن حال المؤمنين وحال الكافرين، ثم في الآية مسألتان: المسألة الأولى: الصديق نعت لمن كثر منه الصدق، وجمع صدقاً إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله وفي هذه الآية قولان: أحدهما: أن الآية عامة في كل من آمن بالله ورسله وهو مذهب مجاهد قال: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق ثم قرأ هذه الآية، ويدل على هذا ما روي عن ابن عباس في قوله: {هُمُ ٱلصّدّيقُونَ } أي الموحدون الثاني: أن الآية خاصة، وهو قول المقاتلين: أن الصديقين هم الذين آمنوا بالرسل حين أتوهم ولم يكذبوا ساعة قط مثل آل ياسين، ومثل مؤمن آل فرعون، وأما في ديننا فهم ثمانية سبقوا أهل الأرض إلى الإسلام أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. المسألة الثانية: قوله: {وَٱلشُّهَدَاءُ } فيه قولان: الأول: أنه عطف على الآية الأولى والتقدير: إن الذين آمنوا بالله ورسله هم الصديقون وهم الشهداء، قال مجاهد: كل مؤمن فهو صديق وشهيد وتلا هذه الآية، جذا القول اختلفوا في أنه لم سمي كل مؤمن شهيد؟ فقال بعضهم لأن المؤمنين هم الشهداء عند ربهم على العباد في أعمالهم، والمراد أنهم عدول الآخرة الذي تقبل شهادتهم، وقال الحسن: السبب في هذا الاسم أن كل مؤمن فإنه يشهد كرامة ربه، وقال الأصم: كل مؤمن شهيد لأنه قائم لله تعالى بالشهادة فيما تعبدهم به من وجوب الإيمان ووجوب الطاعات وحرمة الكفر والمعاصي، وقال أبو مسلم: قد ذكرنا أن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وجمع صدقاً إلى صدق في الإيمان بالله تعالى ورسله فصاروا بذلك شهداء على غيرهم القول الثاني: أن قوله: {وَٱلشُّهَدَاء } ليس عطفاً على ما تقدم بل هو مبتدأ، وخبره قوله: {عِندَ رَبّهِمْ } أو يكون ذلك صفة وخبره هو قوله: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } وعلى هذا القول اختلفوا في المراد من الشهداء، فقال الفراء والزجاج: هم الأنبياء لقوله تعالى: {أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] وقال مقاتل ومحمد بن جرير: الشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما تعدون الشهداء فيكم؟ تفسير : قالوا: المقتول، فقال: حديث : إن شهداء أمتي إذاً لقليل، ثم ذكر أن المقتول شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد» تفسير : الحديث. واعلم أنه تعالى لما ذكر حال المؤمنين، أتبعه بذكر حال الكافرين فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ }. ولما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين ذكر بعده ما يدل على حقارة الدنيا وكمال حال الآخرة فقال:

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ ٱلصّدِّيقُونَ } المبالغون في التصديق {وَٱلشُّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ } على المكذبين من الأمم {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا } الدالة على وحدانيتنا {أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ } النار.

ابن عبد السلام

تفسير : {الصِّدِّيقُونَ} هم الصديقون وهم الشهداء، أو الشهداء مبتدأ الرسل تشهد على أمتها بالتصديق والتكذيب، أو الأمم تشهد لرسلها بتبليغ الرسالة، أو تشهد على أنفسهم بما عملوا، أو القتلى في سبيل الله تعالى {وَنُورُهُمْ} على الصراط، أو إيمانهم في الدنيا.

الخازن

تفسير : {والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون} أي الكثير والصدق قال مجاهد كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية فعلى هذا الآية عامة في كل من آمن بالله ورسوله وقيل إن الآية خاصة في ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته، {والشهداء عند ربهم} قيل أراد بالشهداء المؤمنين المخلصين قال مجاهد كل مؤمن صديق شهيد وتلا هذه الآية وقيل هم التسعة الذين تقدم ذكرهم وقيل تم الكلام عند قوله هم الصديقون ثم ابتدأ والشهداء عند ربهم وهم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يروى ذلك عن ابن عباس وقيل هم الذين استشهدوا في سبيل الله، {لهم أجرهم} أي بما عملوا من العمل الصالح {ونورهم} يعني على الصراط {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} لما ذكر حال المؤمنين أتبعه بحال الكافرين. قوله عز وجل: {اعلموا أنما الحياة الدنيا} أي مدة الحياة في هذه الدار الدنيا وإنما أراد من صرف حياته في غير طاعة الله فحياته مذمومة ومن صرف حياته في طاعة الله فحياته خير كلها ثم وصفها بقوله {لعب} أي باطل لا حاصل له كلعب الصبيان {ولهو} أي فرح ساعة ثم ينقضي عن قريب {وزينة} أي منظر يتزينون به {وتفاخر بينكم} يعني إنكم تشتغلون في حياتكم بما يفتخر به بعضكم على بعض {وتكاثر في الأموال والأولاد} أي مباهاة بكثرة الأموال والأولاد وقيل بجمع ما لا يحل له فيتطاول بماله وخدمه وولده على أولياء الله تعالى وأهل طاعته ثم ضرب لهذه الحياة مثلاً فقال تعالى: {كمثل غيث أعجب الكفار} أي الزراع إنما سمي الزراع كفاراً لسترهم الأرض بالبذر {نباته} أي ما نبت بذلك الغيث {ثم يهيج} أي ييبس {فتراه مصفرّاً} أي بعد خضرته {ثم يكون حطاماً} أي يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى {وفي الآخرة عذاب شديد} أي لمن كانت حياته بهذه الصفة قال أهل المعاني زهد الله بهذه الآية في العمل للدنيا وهذه صفة حياة الكافرين وحياة من يشتغل باللعب واللهو ورغب في العمل للآخرة بقوله: {ومغفرة من الله ورضوان} أي لأوليائه وأهل طاعته وقيل عذاب شديد لأعدائه ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه لأن الآخرة إما عذاب وإما جنة {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} أي لمن عمل لها ولم يعمل للآخرة فمن اشتغل في الدنيا بطلب الآخرة في له بلاغ إلى ما هو خير منه وقيل متاع الغرور لمن لم يشتغل فيها بطلب الآخرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً، فإذا مات قبضه الله شهيداً، وتلا هذه الآية ‏{‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم‏}‏ ثم قال‏:‏ والفارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب رضي الله عنه‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حديث : مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم‏}‏ ‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد ثم تلا ‏ {‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال يوماً وهم عنده‏:‏ كلكم صديق وشهيد، قيل له‏:‏ ما تقول يا أبا هريرة‏؟‏ قال‏:‏ أقرأوا ‏ {‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ إنما الشهيد الذي لو مات على فراشه دخل الجنة يعني الذي يموت على فراشه ولا ذنب له‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا ‏ {‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ كل مؤمن صديق ثم قرأ ‏ {‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون‏}‏ قال‏:‏ هذه مفصولة ‏{‏والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏ {‏والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون‏}‏ قال‏:‏ هذه مفصولة سماهم صديقين ثم قال‏:‏ ‏ {‏والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم‏}‏ ‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن مسروق قال‏:‏ هي للشهداء خاصة‏.‏ وأخرج ابن حبان عن عمرو بن ميمون الجهني قال‏:‏ ‏"‏حديث : جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا‏؟‏ قال‏:‏ من الصديقين والشهداء ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ {‏وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان‏}‏ قال‏:‏ صار الناس إلى هذين الحرفين في الآخرة‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ}. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا على الجوزجانى يقول: الصديقون حزب الله خواصهم أهل المعرفة وأوساطهم العقلاء. قال: وسمعت أبا على يقول: قلوب الأبرار معلقة فى الملكوت مقبلين ومدبرين وقلوب الصديقين معلقة بالعرش مقبلين بالله ولله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}. الصدِّيقون: مبالغة في الصدق، والشهداء: الذين استشهدوا في سبيل الله، فالمؤمنون بمنزلة الصديقين والشهداء - لهم أجرهم في الجنة ونورهم في القيامة. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}. والصدِّيق مَنْ استوى ظاهرُه وباطنُه. ويقال: هو الذي يحمل الأمرَ على الأشَقِّ، ولا ينْزلُ إلى الرُّخَصِ، ولا يجنح للتأويلات. والشهداءُ: الذين يشهدون بقلوبهم مواطن الوصلة، ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة، {وَنُورُهُمْ}: ما كحل الحقُّ به بصائرهم من أنوار التوحيد.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ} اى الذين شاهدوا الله بالله بنعت المعرفة والمحبة وتابعوا رسوله بالصحبة والمعرفة بشرفه وفضله والانقياد بين يدى امره ونهيه اولئك هم الصديقون لانهم معادن الاخلاص واليقين وتصديق الله فى قوله بعد ان شاهدوه مشاهده الصديقة التى لا اضطراب فيها من جهته معارضة النفس والشيطان وهم شهداء الله تعالى مقتولون بسيوف محبته مطرحون فى حجر وصلته يحيون بجماله يشهدون على وجودهم بفنائه فى الله وبفناء الكون فى عظمة الله وهم قوم يستشرفون على هموم الخلائق بنور الله يشهدون لهم وعليهم بصدق الفراسة لانهم مناؤ الله خصهم الله بالصديقية والشهادة والولاية والخلافة قال ابو على الجوزجانى الصديقون حزب الله خواصهم اهل المعرفة واوساطهم العقلاء وقال قلوب الابرار معلقة بالملكوت مقبلين ومدبرين وقلوب الصديقين معلة بالرب مقبلين بالله ولله.

اسماعيل حقي

تفسير : {والذين آمنوا بالله ورسله} كافة وهو مبتدأ {اولئك} مبتدأ ثان {هم} مبتدأ ثالث خبره قوله {الصديقون والشهداء} وهو مع خبره خبر للاول او هم ضمير الفصل ومابعده خبر لاولئك والجملة خبر للموصول اى اولئك {عند ربهم} بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو المرتبة ورفعة المحل وهم الذين سبقوا الى التصديق واستشهدوا فى سبيل الله قال فى فتح الرحمن الصديق نعت لمن كثر منه الصدق وهم ثمانية نفر من هذه الامة سبقو اهل الارض فى زمانهم الى الاسلام ابو بكر وعلى وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضى الله عنهم الحقه الله بهم وان تم به الاربعون لما عرف من صدق نيته وقيل الشهدآء على ثلاث درجات الدرجة الاولى الشهيد بين الصفين وهو اكبرهم درجة ثم كل من قضى بقارعة او بلية وهى الدرجة الثانية مثل الغرق والحرق والهالك فى الهدم والمطعون والمبطون والغريب والميتة بالوضع والميت يوم الجمعة وليلة الجمعة والميت على الطهارة والدرجة الثالثة مانطقت به هذه الآية العامة للمؤمنين وقال بعضهم فى معنى الآية هم المبالغون فى الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع اخباره تعالى ورسله والقائمون بالشهادة لله بالوحدانية ولهم بالايمان او على الامم يوم القيامة وقال بعض الكبار يعنى الذين آمنوا بالله ايمانا حقيقيا شهوديا عيانيا لاعلميا بيانيا وذلك بطريق الفناء فى الله نفسا وقلبا وسرا وروحا والبقاء به وآمنوا برسله بفناء صفات القلب والبقاء بصفات الروح اولئك هم المتحققون بصفة الصديقية البالغون اقصى مراتب الصدق والشهدآء مختص بهم لابمن آمن بالتقليد وصدق وشهد باللسان من غير العيان والعيان يترتب على الفناء وفرقوا بين الصادق والصديق بأن الصادق كالمخلص بالكسر من تخلص من شوآئب الصفات النفسانية مطلقا والصديق كالمخلص بالفتح من تخلص ايضا عن شوآئب الغيريه والثانى اوسع فلكا واكثر احاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس قال أبو على الجرجانى قدس سرة قلوب الابرار متعلقة بالكمون مقبلين ومدبرين وقلوب الصديقين معلقة بالعرش مقبلين بالله لله {لهم اجرهم ونورهم} مبتدأ وخبر والجملة خبر ثان للموصول والضمير الاول على الوجه الاول للموصول والاخيران للصديقين والشهدآء ولا بأس بالفك عند الامن اى لهم مثل اجرهم ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال وقد حذف اداة التشبيه تنبيها على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ذلك حيث قيل هم الصديقون والشهدآء ولست المماثلة بين ما للفريق الاول من الأجر و النور وبين تمام ماللأخيرين من الاصل بدون الاضعاف ليحصل التفاوت واما على الوجه الثانى فمرجع الكل واحد والمعنى لهم الأجر والنور الموعود ان لهم قال بعض الكبار لايكون الأجر الا مكتسبا فان اعطاك الحق تعالى ماهو خارج عن الكسب فهو نور وهبات ولا يقال له أجر ولهذا قال تعالى لهم {اجرهم ونورهم} فان أجرهم ما اكتسبوه ونورهم ماوهبه الحق لهم من ذلك حتى لاينفرد الأجر من غير أن يختلط به الوهب لان الأجر فيه شائبة الاستحقاق اذ هو معاوضة عن عمل ما تقدم يضاف الى العبد فماتم أجر الا ويخالطه نور وذلك لتكون المنة الالهية مصاحبة للعبد حيث كان فان تسمية العبد أجيرا مشعر بأن له نسبة فى الطاعات والاعمال الصادرة عنه فتكون الاجارة من تلك النسبة ولذلك طلب العبد العون على خدمة سيده فان قلت من اى جهة قيل العبد الاجرة والبعد واجب عليه الخدمة لسيده من غير أن يأخذ اجرة وان جعلناه أجنبيا فمن اى جهة تعين الفرض عليه ابتدآء قيل الاجر والأجير لا يفترض عليه الا حين يؤجر نفسه قلت الانسان مع الحق تعالى على حالين حالة عبودية وحالة اجارة فمن كونه عبدا فهو مكلف بالفرض كالصلاة والزكاة وجميع الفرائض ولا أجر له على ذلك جملة واحدة ومن كونه أجيرا له الاجرة بحكم الوعد الالهى ولكن ذلك مخصوص بالأعمال المندوبة لا المفروضة فعلى تلك الأعمال التى ندب الحق اليها فرضت الاجور فان تقرب العبد بها الى سيده أعطاه اجارته وان لم يتقرب لم يطلب بها ولا عوتب عليها ومن هنا كان العبد حكمه حكم الأجنبى فى الاجارة للفرض الذى يقابله الجزآء اذ هو العهد الذى بين الله وبين عباده واما النوافل فلها الاجور المنتجة للمحبة الالهية كما قال "حديث : لايزال عبدى يتقرب الي بالنوافل حتى احبه"تفسير : والحكمة فى ذلك ان المتنفل عبد اختيارى كالأجير فاذا اختار الانسان أن يكون عبدالله لاعبد هواه فقد آثر الله على هواه وهو فى الفرآئض عبد اضطرار لاعبد اختبار وبين عبودية الاضطرار وعبودية الاختيار مابين الأجير والعبد المملوك اذا العبد الاصلى ماله على سيده استحقاقا الا مالا بد منه من مأكل وملبس ثم يقوم بواجبات مقام سيده ولايزال فى دار سيده لايبرح ليلا ولانهارا الا اذا وجهه فى شغل آخر فهو فى الدنيا مع الله وفى القيامة مع الله وفى الجنة مع الله لانها جمعيا ملك لسيده فيتصرف فيما تصرف الملاك والاجير ماله سوى ماعين له من الاجرة منها نفقته وكسوته وماله دخول على حرم سيده وموجره ولا له اطلاع على اسراره ولاتصرف فى ملكه الا بقدر مااستؤجر عليه فاذا انقضت مدة اجارته وأخذ أجرته فارق مؤجره واشتغل بأهله وليس له من هذا الوجه حقية ولا نسبة تطلب ممن استأجره الا أن يمن عليه رب المال بأن يبعث خلفه ويجالسه ويخلع عليه فذلك من باب المنة وقد ارتفعت عنه فى الآخرة عبودية الاختيار فان تفطنت لهذا نبهك على مقام جليل تعرف منه من اى مقام قالت الانبياء عليهم السلام مع كونهم عبيدا خلصا لم يملكهم هوى نفوسهم ولا أحد من خلق الله ومع هذا قالوا ان اجرى الا على الله وذلك لان قولهم هذا راجع الى تحققهم بدخولهم تحت حكم الاسماء الالهية بخلاف غيرهم ومن هناك وقعت الاجارة فهم فى حال الاضطرار والاختيار عبيد للذات وهم لها ملك فان الاسماء الالهية تطلبهم لنظهر اثارها فيهم وهم مخيرون فى الدخول تحت اى اسم الهى شاؤا وقد علمت الاسماء الالهية ذلك فعينت لهم الاجور وكل اسم يناديهم ادخلوا تحت أمرى وانا أعطيكم كذا وكذا فلا يزال أحدهم فى خدمة ذلك الاسم حتى يناديه السيد من حيث عبودية الذات فيترك كل اسم الهى ويقوم لدعوة سيده فاذا فعل ما أمر به حينئذ رجع الى اى اسم شاء ولهذا يتنفل الانسان ويتعبد بما شاء حتى يسمع اقامة الصلاة المفروضة فيؤمر بها ويترك النافلة فهو دائما مع سيده بحكم عبودية الاضطرار كذا فى كتاب الجواهر للامام الشعرانى قدس سره. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك} الموصوفون بالصفات القبيحة {اصحاب الجحيم} بحيث لايفارقونها ابدا وفيه دليل على ان الخلود فى النار مخصوص بالكفار من حيث ان التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفا وأراد بالكفر الكفر بالله فهو فى مقابلة الايمان بالله وبتكذيب الآيات تكذيب مابأيدى الرسل من الآيات الالهية وتكذيبها تكذيبهم فهو فى مقابلة الايمان والتصديق بالرسل وفيه وصف لهم بالوصفين القبيحين اللذين هما الكفر والتكذيب وفيه اشارة الى أن الذين كفروا بذاتنا وكذبوا بصفاتنا الكبرى كفرا صريحا بينا قلبا وسرا وروحا اولئك اصحاب جحيم البعد والطرد واللعن المخصوص بالخلود وعبر عن الصفات بالآيات لان الكتب الالهية صفات الله تعالى وايضا الانبياء عليهم السلام صفات الله من حيث انهم مظاهر اسمائه الحسنى وصفاته العليا وقس عليهم سائر المجالى والمرآئى لكنهم متفاوتون فى الظهور بالكمال واذا كان تكذيب الانبياء وآياتهم مما يوجب الوعيد فكذا تكذيب الاولياء وآياتهم فان العلماء العاملين ورثة الانبياء والمرسلين والمراد بآيات الاولياء الكرامات العلمية والكونية فالذين من معاصريهم وغير معاصريهم صدقوهم اولئك اصحاب النعيم والذين كذبوهم اولئك اصحاب الجحيم وهذه الآيات واصحابها لاتنقطع الى قيام الساعة فان باب الولاية مفتوح نسأل الله سبحانه أن يتولانا بعميم افضا له بحرمة النبى وآله

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ...} الصَدّيق: الكثير الصدق المبالغ فيه. وهو اسم مدح وتعظيم. قال الزمخشري: "أي: هم عند الله بمنزلة الصِدّيقين والشهداء، وهم الذين سبقوا إلى التصديق، واستشهدوا في سبيل الله - لهم أجرهم ونورهم - أي مثل أجر الصدّيقين والشهداء ومثل نورهم". ثم استشكل بعض المفسرين في هذه المماثلة بينهم في الأجر والجزاء مع تفاوت قدرهم. فأجاب عنه بعضهم بإعطاء الله تعالى أجر المؤمنين مضاعفاً بفضله ورحمته، حتى يساوي أجرهم مع المضاعفة أجر أولئك. وفيه نظر بعد، لأن باب الرحمة والتضعيف كما انفتحت لهؤلاء، انفتحت لأولئك، لأن الله تعالى واحد لا تغيّر فيه، فيّاض على الجميع، ولو كان المراد أن أجر هؤلاء مع التضعيف مثل أجرهم - لا معه -، يفوت مدح المؤمنين، - والمقام مما يقتضيه -. والأوْلىٰ أن يراد من الإيمان بالله والرسول مرتبة كاملة من المعرفة التي لا تتحقق إلاَّ في العلماء، أو يراد منه الإيمان الحقيقي الباطني الكشفي، وهو الذي يكون للأولياء والعرفاء خاصة، فإنهم هم الصِدّيقون والشهداء لغاية تصديقهم الحاصل بالكشف، وفنائهم عن ذاتهم الحاصل بسبب المجاهدة الباطنية مع النفس وقواها الأمّارة. قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صِدّيق شهيد - وقرأ هذه الآية. لهم أجرهم ونورهم: أي لهم ثواب طاعتهم ونور إيمانهم، وهو النور الذي يهتدون به إلى طريق الجنة، وهذا قول عبد الله بن مسعود، ورواه البراء بن عازب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وروى العياشي: بالاسناد عن منهال القصّاب، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أدعُ الله أن يرزقني الشهادة. فقال (عليه السلام): إن المؤمن شهيد - وقرأ هذه الآية -. وعن الحارث بن المغيرة، قال: كنا عند أبي جعفر (عليه السلام) فقال: العارف منكم هذا الأمر، المنتظر له، المحتسب فيه الخير، كمن جاهد والله مع قائم آل محمّد بسيفه. ثم قال: بل والله كمن جاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسيفه. ثم قال الثالثة: بلى والله كمن استشهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فسطاطه، وفيكم آية من كتاب الله - وقرأ هذه الآية، ثم قال: - صرتم والله صادقين شهداء عند ربّكم. وقيل: إن "الشهداء" منفصل عمّا قبله مُستأنَف، والمراد بالشهداء: الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم - وهو قول ابن عباس ومسروق ومقاتل بن حيان، واختاره الفراء والزجاج. وقيل: هم الذين استشهدوا في سبيل الله - عن مقاتل بن سليمان وابن جرير. مكاشفة إعلم - أيها السالك -، أن لفظ "الإيمان بالله والرسول"، يطلق بالاشتراك والمجاز العرفي بين مراتب متفاوتة في المعرفة: إحداها: ما تلقفه العامي تقليداً أو تسليماً من غير بصيرة كشفية ولا معرفة كسبية، سواء كانت برهانية أو جدلية -، وهو الإيمان باللسان، وفائدته: العصمة لصاحبه في الدنيا عن السيف والسنان. وثانيتها: ما يستفاد من صناعة الجدل وطريق المتكلمين، وفائدتها: حراسة العقيدة عن الجاحدين والمفسدين وقطّاع طريق الحق للسالكين، وليس فيه انشراح وانفتاح، ولكنه يحفظ صاحبه من العذاب في الآخرة خالداً - ان كان مع شرائطه -. والثالثة: ما يستفاد من البرهان اليقيني - كما في طريقة الحكماء - وفائدتها: حصول المعرفة الحقيقية للمبدأ القيّوم وصفاته وأفعاله. والرابعة: ما يستفاد من الرياضات والمجاهدات، وترك التعلقات، والزهد الحقيقي في الدنيا وطيباتها، وفائدتها: الوصول إلى جناب الحق ومشاهدة صفاته وأسمائه وأفعاله من حيث هي أفعاله. فالإيمان ينقسم إلى قشر، وقشر القشر، ولبّ، ولبّ اللبّ، كالجوز مثلاً فإن له قشرين ولَبيّن. فالمرتبة الأولى أن يقول: "لا إله إلاَّ الله"، وربما كان مع الغفلة أو مع الإنكار القلبي، كما في المنافقين. والثانية: أن يصدّق بمعنى اللفظ ضميراً، كما يصدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد بوجه له مناسبة إلى ما هو الحقيقة، بخلاف الأول، فإنه تقليد محض. والثالثة: أن يشاهد ذلك بالنظر إلى طبيعة العالم وإمكانها وافتقارها إلى ما يرجّح وجودها على عدمها، ثم بما يلزم الوجوب الذاتي من الرحمة والجود، وهداية الحق بارسال الرسل وإنزال الكتب، والجزاء لهم يوم المعاد، والثواب للمحسن، والعقاب للمسيء أو العفو عنه، إلاّ أن يكون فيه ما ينافيه من الكفر والإصرار والجهل والاستكبار. الرابعة: أن يشاهد ذلك مشاهدة الموجود الحقيقي وصفاته وآثاره، ولا يرى للأفعال والآثار وجوداً استقلالياً، فلا ينظر إلى شيء إلاَّ ويرى الحق فيه مع تفاوت المرائي صفاءً وكدورة، وتفاوت ظهور الحق فيها جلاءً وخفاءً. وهذا عبد قد استولت عليه الأنوار الأحَدية، وظهرت له سواطع العظمة الإلهية، فجعله هباءٍ منثوراً، ويندك عنده جبل إنّيته، فيخرّ له خروراً، وفي هذا المقام يستهلك في نظره الأغيار، وتحترق بنوره الحجب والأستار، فينادي الحق: لمن الملك اليوم؟ ويجيب بنفسه لنفسه: لله الواحد القهار. والمؤمن بهذه المرتبة يقال له: "الولي" و "الصدّيق" و "الشهيد". أما كونه ولياً؛ فلأنه لا يحب الله أحداً غيره وهو لا يحب غير الله، أما الأول: فلأن غيره لا يعرف الله، والمحبة تتبع المعرفة بل عينها - لأنها إدراك الملائم من حيث هو ملائم، والملائم لكل أحد سَلِمَ مذاقه عن الأمراض النفسانية، ولم يخدّر طبعه بالمعاصي الجسمانية، هو المعبود الحق الذي به وجود كل شيء وكماله -. وأما الثاني: فلأن غير الله لا وجود له عند الولي، والمحبة تتبع الوجود للشيء عند المحب. وأما كونه صِدّيقاً: فلكون كمال رتبة الصِدّيق يكون بكمال رتبة المعرفة، وأكمل مراتب المعرفة هي المشاهدة، فمن شاهد الوجود الحقيقي ومرتبته في الكمال وشمول الإفاضة وعموم الرحمة منه على كل شيء، بحيث لا مشارك له - لا في الوجود ولا في الإيجاد -، فهو الصدّيق الأعظم لا غيره ممّن لا يعرف الحق وفيضه إلاَّ بالدليل أو التقليد من غير بصيرة وكشف. واما كونه شهيداً: فلشهادة نفسه في طريق الحق، وعدم التفاته إلى هذه الحياة الدنيا، إذ الشهادة عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في القلب سوى حب الله، وخرج حب جميع الملاذّ والشهوات عن القلب، لأن من يهجم على صف القتال فهو يوطّن نفسه على الموت حباً لله، وطلباً لرضاه، وبائعاً دنياه بآخرته، راضياً بالبيع الذي بايعه الله، إذ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تفسير : [التوبة:111]، والبائع راغب عن المبيع لا محالة، ومثل هذه الحالة تحصل للقلب في بعض الأحوال في غير العرفاء، ولكن لا يتّفق زهوق الروح فيها، فالوقوع في صف القتال سبب لزهوق الروح على مثل هذه الحال، هذا فيمن ليس يقصد الغلبة والغنيمة والصِّيت بالشجاعة، فإن من هذا حاله - وان قتل في المعركة - فهو ليس بشهيد، لبعده عن مثل هذه الرتبة، كما دلّت عليه الأخبار. فقد علم أن رتبة الشهداء إنما تحصل لأجل أنهم جرّدوا أنفسهم عن التعلق بالحياة الجسمانية ابتغاء لوجه الله ونصرة لأوليائه في نيّة اظهار شريعته وخرجوا عن الدنيا عند تكلف هذه الحالة، ففازوا بالنعيم الأبدي. وأما العرفاء فقد خرجوا عن التعلقات بما سوى الله تعالى، وقصروا النظر على وجه الله، من غير التفات إلى ذواتهم فضلا عن غيرها، وحصل لهم الموت الإرادي عن هذه النشأة الدنيوية، وهذه الحالة هجّيراهم من غير تعمّل وكِلْفة، فهم الشهداء بالحقيقة قبل حصول الموت الطبيعي أو القتل لهم، لأنهم قبل انقضاء هذه الحياة الدنيوية، وانهدام بناء هذه الجثة الطبيعية - أحياء عند ربهم - حياة طيبة عقليّة، يرزقون - بالأرزاق المعنوية والأغذية العلميّة - فرحين بما آتاهم الله من فضله - فحينئذ يستقيم معنى الآية من غير تَمَحُّل. قوله عز وجل: {... وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}. الكفر: هو عدم الإيمان عمّا من شأنه أن يكون مؤمناً، والإيمان - كما علمت -: هو المعرفة بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالكفر هو الجهل بهذه المعارف، سواء كان مع الجحود والاستكبار وتكذيب الرسول وما أتى به، أم لا، والأول يستلزم الخلود في النار قطعاً، والثاني يحتمل النجاة ولو بعد المكث طويلاً أو قصيراً، ويدل على خلود الكفّار المكذبين في النار، التعبير عنهم والحكم عليهم بأصحاب الجحيم. مكاشفة كما ان مجامع سعادات الإنسان ترجع إلى تحلية قوته العلميّة بالعلوم الحقيقية وحقائق الإيمان بالله واليوم الآخر، وتخلية قوته العملية من ذمائم الأخلاق ورذائل المَلَكات، كذلك جوامع الشقاوات ترجع إلى انتقاش النفس بنقائض المعارف الحقة، واتصافها بنقائص الصفات الذميمة. وإنما صار الجهل الراسخ - المعبَّر عنه بالكفر -، والخلق الكريه - المؤدي إلى تكذيب الرسول المؤيَّد بالمعجرات -، موجباً للخلود في النار، لأن الجنسية علة للضم، والمرء يُحشر مع محبوبه، والجحيم إنما هي من حقيقة هذه الدار، لكن ظهورها في هذه الدنيا بصورة الشهوات واللذات، وفي الآخرة بصورة النيران والجحيم والزقّوم، فإذا رسخت محبة الدنيا في النفس ونسيت ذكر الله، صارت في الآخرة محجوبة عن لقاء الله ولقاء أوليائه الصالحين، وبقيت في كرب السعير وعذاب الجحيم، لرسوخ محبتها إياها في هذه النشأة، وارتكان [ارتكاز - ن) تعلقها بها. وإنما لم تتألم النفس بعذاب الشهوات، ولم تتأذ بلسع حيّات ملاذ الدنيا وعقاربها قبل الموت - مع كونها متصلة محيطة بها غير مفارقة عنها لقوله تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة:49] - لخدر الطبيعة وسكرها الحاصل بسبب قلة المعرفة، وكثرة الاشتغال باكتساب أسباب الدنيا وجمع حُطامها. وربما يوجد من الناس من يجد الألم عين الراحة، والراحة عين الألم، فيأكل الحميم والزقوم في هذه الحياة الفانية، مشتهياً لذيذاً عند إدراكه، ويعوّق عن إدراك العقائد الحقة التي هي العسل المصفى، واللبن الذي لم يتغير طعمه، لكونه محجوباً عن إدراك كل من القبيلين بصورته الظاهرة، فالشهوات لذيذة حلوة عنده، والموعظة الحسنة والكلمات الحقة كريهة مُرّة لديه. وهذا لأجل مرضه الواقع بسوء العادات، كما يلتذّ بعض الناس بأكل الطين، وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة، ويستحلي الأشياء المرة، كمن به مرض "بوليموس" حيث يَأْوَفُ حسه لغلبة الخلط السوداوي، وتخدر ذائقته عن إدراك الطعوم على وجهها، فيجد المُرَّ حلواً مُراً، كما قيل شعراً: شعر : فمن يك ذا فمٍ مُرٍّ مريض يجد مُرَّاً به الماء الزلالا تفسير : وإلاَّ فالقلب السليم والعقل الصحيح لا يلتذ إلاَّ بذكر الله ومعرفته ولقائه، لأن ذلك كماله وغذاؤه وقوته، لا الأمور المحسوسة الدنيوية من المال والبنين وغيرهما من الأمور التي خلقت لأجل الانتفاع بها في طلب الآخرة والسلوك إلى الله تعالى، لا للالتذاذ والتعشق، ولمّا كان الكمال الحقيقي والخير المحض هو معرفة الحق الأول وملكوته التي ستقلب في الآخرة مشاهدة له، وهو إنما يتأتى بالقلب السليم من مرض العادات السيّئة من مؤانسة المحسوسات، قال سبحانه: {أية : يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء:88 - 89].

اطفيش

تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} وهم المتصدقون والمتصدقات اعادهم بالذين ليصفهم بالايمان الذي هو سبب اعمال البر وقيل غيرهم. {أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ} الكثيرو الصدق {وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ} أي بمنزلة الصديقين والشهداء أو هم انفسهم صديقون لتصديقهم بجميع اخبار الله ورسله وشهداء أي قائمون بالشهادة لله ولانفسهم وعلى الامم السالفة قال مجاهد كل من آمن بالله ورسله فهو صديق وتلا الآية فقيل اراد الله ابا بكر وعمر وحمزة ونحوهم وعمر ملحق بمن سبق اسلامه ولو تأخر اسلامه لصدقه والصديق بالتشديد مبالغة من الصدق لا من التصديق كما قيل وفي الحديث "حديث : مؤمنوا أمتي شهداء"تفسير : وقال ابن عباس والضحاك ومسروق: تم الكلام في {الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ} استئناف فقيل عند ربهم خبر وهم الانبياء يشهدون عن الأمم وروي هذا عن ابن عباس قيل: وهو بعيد عن لفظ الآية وقيل: كل مؤمن من الأمة وقيل: الذين قتلوا في سبيل الله أو الخبر. {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ} أي مثل أجرهم ونورهم بلا تضعيف ليحصل التفاوت والاجر والنور الموعود ان لهم على الصراط وقيل النور ثواب عمهلم فهو مرادف للاجر وفي الحديث حديث : يا نساء المؤمنات لا تحقرن إِحداكن لجارتها ولو كراع شاة محرقا وقال: ردوا السائل ولو بظلف محرق تفسير : وقال ابن عبد البر: ففي الحديث الحث على قليل الصدقة وكثيرها وفي قوله تعالى {أية : من يعمل مثقال ذرة خيرا يره}تفسير : أوضح دليل في هذا الباب، وقال: "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة"تفسير : فإذا كان الله يربي الصدقة فما بالنا نغفل ولقد تصدقت عائشة بحبتين من عنب فنظر إليها بعض أهل بيتها فقالت: لا تعجبن فكم فيهما من مثقال ذرة وفي الحديث "حديث : الرجل في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس"تفسير : قال يزيد بن حبيب فكان أبو الخير لما حدثه به عقبة بن عامر الصحابي لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو ببصلة. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِأيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} النار لا يقال في الآية دليل على اختصاص الخلود بالمشركين من حيث الحصر بتعريف الطرفين ودلالة الصحبة عرفا على الملازمة لانا نقول الاضافة يكفي فيها أدنى ملابسة عرفا وغيره وتطلق لصحبة على غير الملازمة كما يطلق على الملازمة.

الالوسي

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } قد بين كيفية إيمانهم في خاتمة سورة البقرة، والموصول مبتدأ أول، وقوله تعالى: {أُوْلَٰئِكَ} مبتدأ ثان، وهو إشارة إلى الموصول، وما فيه من معنى البعد لما مر مراراً، وقوله سبحانه: / {هُمُ } مبتدأ ثالث، وقوله عز وجل: {ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء } خبر الثالث، والجملة خبر الثاني وهو مع خبره خبر الأول أو {هم} ضمير فصل وما بعده خبر الثاني، وقوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ } متعلق على ما قيل: بالثبوت الذي تقتضيه الجملة أي أولئك عند ربهم عز وجل وفي حكمه وعلمه سبحانه هم الصديقون والشهداء. والمراد أولئك في حكم الله تعالى بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل وهم الذين سبقوا إلى التصديق ورسخوا فيه واستشهدوا في سبيل الله جل جلاله، وسمي من قتل مجاهداً في سبيله تعالى شهيداً لأن الله سبحانه وملائكته عليهم السلام شهود له بالجنة، وقيل: لأنه حي لم يمت كأنه شاهد أي حاضر، وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده، وقيل: لأنه شهد ما أعد الله تعالى له من الكرامة، وقيل: غير ذلك فهو إما فعيل بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول على اختلاف التأويل. وقوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } خبر ثان للموصول، على أنه جملة من مبتدأ وخبر، أو {لَهُمْ } الخبر وما بعده مرتفع به على الفاعلية وضمير {لَهُمْ } للموصول، والضميران الأخيران للصديقين والشهداء، والغرض بيان ثمرات ما وصفوا به من نعوت الكمال أي أولئك لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ونورهم المعروفين بغاية الكمال وعزة المنال، وقد حذف أداة التشبيه تنبيهاً على قوة المماثلة وبلوغها حد الاتحاد كما فعل ذلك أولاً حيث قيل: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ} وليست المماثلة بين ما للفريق الأول من الأجر والنور وبين تمام ما للفريقين الأخيرين، بل بين تمام ما للأول من الأصل والإضعاف وبين ما للأخيرين من الأصل بدون الإضعاف، فالإضعاف هو الذي امتاز به الفريقان الأخيران على الفريق الأول وقد لا يعتبر تشبيه بليغ في الكلام أصلاً ويبقى على ظاهره والضمائر كلها للموصول أي أولئك هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله تعالى وأخبار رسله عليهم الصلاة والسلام والقائمون بالشهادة لله سبحانه بالوحدانية وسائر صفات الكمال ولهم بما يليق بهم من ذلك لهم الأجر والنور الموعودان لهم، وقال بعضهم: وصفهم بالشهادة لكونهم شهداء على الناس كما نطق به قوله تعالى: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 143] فعند ربهم متعلق بالشهداء، والمراد والشهداء على الناس يوم القيامة، وجوز تعلقه بالشهداء أيضاً على الوجه الأول على معنى الذين شهدوا مزيد الكرامة بالقتل في سبيل الله تعالى يوم القيامة أو في حظيرة رحمته عز وجل أو نحو ذلك. ويشهد لكون الشهداء معطوفاً على الصديقين آثار كثيرة. أخرج ابن جرير عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( حديث : إن مؤمني أمتي شهداء )تفسير : ، ثم تلا النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء عِندَ رَبّهِمْ }، وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة أنه قال يوماً لقوم عنده: كلكم صديق وشهيد قيل له: ما تقول يا أبا هريرة؟ قال: اقرءوا {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } الآية، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: كل مؤمن صديق وشهيد ثم تلا الآية، وأخرج عبد بن حميد نحوه عن عمرو بن ميمون، وأخرج ابن حبان عن عمرو بن مرة الجهني قال: « حديث : جاء رجل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات الخمس وأديت الزكاة وصمت رمضان وقمته فممن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء".تفسير : وينبغي أن يحمل {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} على من لهم كمال في ذلك يعتدّ به ولا يتحقق إلا بفعل طاعات يعتدّ بها وإلا فيبعد أن يكون المؤمن المنهمك في الشهوات الغافل عن الطاعات صديقاً شهيداً، / ويستأنس لذلك بما جاء من حديث عمر رضي الله تعالى عنه: حديث : ما لكم إذا رأيتم الرجل يخرق أعراض الناس أن لا تعيبوا عليه؟ قالوا: نخاف لسانه قال: ذلك أحرى أن لا تكونوا شهداءتفسير : ، قال ابن الأثير: أي إذا لم تفعلوا ذلك لم تكونوا في جملة الشهداء الذين يستشهدون يوم القيامة على الأمم التي كذبت أنبياءها، وكذا بقوله عليه الصلاة والسلام: حديث : اللعانون لا يكونون شهداء تفسير : بناءاً على أحد قولين فيه. وفي بعض الأخبار ما ظاهره إرادة طائفة من خواص المؤمنين، أخرج ابن مردويه عن أبـي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً فإذا مات قبضه الله شهيداً وتلا هذه الآية: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ وَٱلشُّهَدَاء } ثم قال: هذه فيهم ثم قال: والفرّارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة » تفسير : ويجوز أن يراد من قوله: « حديث : هذه فيهم » تفسير : أنها صادقة عليهم وهم داخلون فيها دخولاً أولياً، ويقال: في قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : مع عيسى في درجته » تفسير : المراد معه في مثل درجته وتوجه المماثلة بما مر والخبر إذا صح يؤيد الوجه الأول في الآية. وروي عن الضحاك أنها نزلت في ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وطلحة والزبير وسعد وزيد رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا لا يضر في العموم كما لا يخفى، وقيل: الشهداء مبتدأ و {عِندَ رَبّهِمْ } خبره، وقيل: الخبر {لَهُمْ أَجْرُهُمْ } والكلام عليهما قد تم عند قوله تعالى: {ٱلصّدّيقُونَ }، وأخرج هذا ابن جرير عن ابن عباس والضحاك قالا: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلصّدّيقُونَ } هذه مفصولة سماهم صديقين، ثم قال: والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم. وروى جماعة عن مسروق ما يوافقه، واختلفوا في المراد بالشهداء على هذا فقيل: الشهداء في سبيل الله تعالى. وحكي ذلك عن مقاتل بن سليمان، وقيل: الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون للأمم عليهم، وحكي ذلك عن مسروق ومقاتل بن حيان واختاره الفراء والزجاج، وزعم أبو حيان أن الظاهر كون الشهداء مبتدأ وما بعده خبر، ومن أنصف يعلم أنه ليس كما قال، وأن الذي تقتضيه جزالة النظم الكريم هو ما تقدم. ثم النور على الجميع الأوجه على حقيقته، وعن مجاهد وغيره أنه عبارة عن الهدى والكرامة والبشرى. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } أي بجميعها على اختلاف أنواعها وهو إشارة إلى كفرهم بالرسل عليهم السلام جميعهم {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بتلك الصفة القبيحة {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } بحيث لا يفارقونها أبداً.

ابن عاشور

تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ}. لما ذكر فضل المتصدقين وكان من المؤمنين من لا مال له ليتصدق منه أعقب ذكر المتصدقين ببيان فضل المؤمنين مطلقاً، وهو شامل لمن يستطيع أن يتصدق ومن لا يستطيع على نحو التذكير المتقدم آنفاً في قوله: {أية : وكلاًّ وعد الله الحسنى}تفسير : [النساء: 95]. وفي الحديث: «حديث : إن قوماً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُثور بالأجور يصلّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم ولا أموال لنا، فقال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون به، إن لكم في كل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة»تفسير : . و{الذين آمنوا} يعم كل من ثبت له مضمون هذه الصلة وما عطف عليها. وفي جمع {ورسله} تعريض بأهل الكتاب الذين قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فاليهود آمنوا بالله وبموسى، وكفروا بعيسى وبمحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالله وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنوا برسل الله كلهم، ولذلك وصفوا بأنهم الصدّيقون. والصدّيق بتشديد الدال مبالغة في المُصَدِّق مثل المسِّيك للشحيح، أي كثير الإِمساك لماله، والأكثر أن يشتق هذا الوزن من الثلاثي مثل: الضلّيل، وقد يشتق من المزيد، وذلك أن الصيغ القليلة الاستعمال يتوسعون فيها كما توسع في السّميع بمعنى المُسْمِع في بيت عمرو بن معد يكرب، والحكيم بمعنى المحكم في أسماء الله تعالى، وإنما وصفوا بأنهم صدّيقون لأنهم صدّقوا جميع الرسل الحقِّ ولم تمنعهم عن ذلك عصبية ولا عناد، وقد تقدم في سورة يوسف وصفه بالصدّيق ووصفت مريم بالصدّيقة في سورة العقود. وضمير الفصل للقصر وهو قصر إضافي، أي هم الصدّيقون لا الذين كذّبوا بعضَ الرسل وهذا إبطال لأن يكون أهل الكتاب صدّيقين لأن تصديقهم رسولهم لا جدوى له إذ لم يصدّقوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم واسم الإِشارة للتنويه بشأنهم وللتنبيه على أن المشار إليهم استحقوا ما يرد بعد اسم الإِشارة من أجل الصفات التي قبل اسم الإِشارة. {وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}. يجوز أن يكون عطفاً على {الصدّيقون} عطفَ المفرد على المفرد فهو عطف على الخبر، أي وهم الشهداء. وحكي هذا التأويل عن ابن مسعود ومجاهد وزيد بن أسلم وجماعة. فقيل: معنى كونهم شهداء: أنهم شهداء على الأمم يوم الجزاء، قال تعالى: {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكُونوا شهداء على الناس}تفسير : [البقرة: 143]، فالشهادة تكون بمعنى الخبر بما يُثبت حقاً يجازى عليه بخير أو شر. وقيل معناه: أن مؤمني هذه الأمة كشهداء الأمم، أي كقتلاهم في سبيل الله وروي عن البراء بن عازب يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكون جملة {عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} استئنافاً بيانياً نشأ عن وصفهم بتينك الصفتين فإن السامع يترقب ما هو نَوَالهم من هذين الفضلين. ويجوز أن يكون قوله: {والشهداء} مبتدأ وجملة {عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} خبر عن المبتدأ، ويكون العطف من عطف الجمل فيوقَف على قوله: {الصدّيقون}. وحكي هذا التأويل عن ابن عباس ومسروق والضحاك فيكون انتقالاً من وصف مزية الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى وصف مزية فريق منهم استأثروا بفضيلة الشهادة في سبيل الله، وهذا من تتمة قوله: {أية : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} تفسير : [الحديد: 10] إلى قوله: {أية : والله بما تعملون خبير}تفسير : [الحديد: 10] فإنه لما نوّه بوعد المؤمنين المصدقين المعفيين من قوله: {أية : وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم}تفسير : [الحديد: 8] الخ فأوفاهم حقهم بقوله: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصدّيقون} أقبل على وعد الشهداء في سبيل الله الذين تضمن ذكرهم قوله: {أية : وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله}تفسير : [الحديد: 10] الآيات، فالشهداء إذن هم المقتولون في الجهاد في سبيل الله. والمعنيَانِ من الشهداء ممكن الجمع بينهما فتحمل الآية على إرادتهما على طريقة استعمال المشترك في معنييه. وقد قررنا في مواضع كثيرة أنه جرى استعمال القرآن عليه. وضميرا {أجرهم} و{نورهم} يعودان إلى الصدّيقين والشهداء أو إلى الشهداء فقط على اختلاف الوجهين المتقدمين آنفاً في العطف. و{عند ربهم} متعلق بالاستقرار الذي في المجرور المخبر به عن المبتدأ، والتقدير: لهم أجرهم مستقر عند ربهم، والعندية مجازية مستعملة في العناية والحظوة. والظاهر في عود الضمير إلى أن يكون عائداً إلى مذكور في اللفظ بمعناه المذكور فظاهر معنى {أجرهم ونورهم} أنه أجر أولئك المذكورين، ومعنى إضافة أجر ونور إلى ضميرهم أنه أجر يعرَّف بهم ونور يعرف بهم. وإذ قد كان مقتضى الإضافة أن تفيد تعريف المضاف بنسبته إلى المضاف إليه وكان الأجر والنور غير معلومين للسامع كان في الكلام إبهام يكنى به عن أجر ونور عظيمين، فهو كناية عن التنويه بذلك الأجر وذلك النور، أي أجر ونور لا يوصفان إلا أجرهم ونورهم، أي أجراً ونوراً لائقَيْن بمقام، مع ضميمة ما أفادته العندية التي في قوله: {عند ربهم} من معنى الزلفى والعناية بهم المفيد عظيم الأجر والنور. ويجوز أن يكون ضميرا {أجرهم ونورهم} عائدين إلى لفظي {الصدّيقون} و{الشهداء} أو إلى لفظ {الشهداء} خاصة على ما تقدم لكن بمعنى آخر غير المعنى الذي حمل عليه آنفاً بل بمعنى الصدّيقين والشهداء ممن كانوا قبلهم من الأمم، قاله في «الكشاف». ومعنى الصديقين والشهداء حينئذٍ مغاير للمعنى السابق بالعموم والخصوص على طريقة الاستخدام في الضمير. وطريقة التشبيه البليغ في حمل الخبر على المبتدأ في قوله: {لهم أجرهم ونورهم} بتقدير: لهم مثل أجرهم ونورهم، ولا تأويل في إضافة الأجر والنور إلى الضميرين بهذا المحمل فإن تعريف المضاف بَيّن لأنه قد تقرر في علم الناس ما وُعد به الصدّيقون والشهداء من الأمم الماضية قال تعالى في شأنهم: {أية : وكانوا عليه شهداء}تفسير : [المائدة: 44] وقال: {أية : فأولئك مع الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً}تفسير : [النساء: 69]. وفائدة التشبيه على هذا الوجه تصوير قوة المشبه وإن كان أقوى من المشبه به لأن للأحوال السالفة من الشهرة والتحقق ما يقرِّب صورة المشبه عند المخاطب، ومنه ما في لفظ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من التشبيه بقوله: «حديث : كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»تفسير : . {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَآ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ}. تتميم اقتضاه ذكر أهل مراتب الإيمان والتنويه بهم، فأتبع ذلك بوصف أضدادهم لأن ذلك يزيد التنويه بهم بأن إيمانهم أنجاهم من الجحيم. والمراد بالذين كفروا بالله وكذّبوا بالقرآن ما يشمل المشركين واليهودَ والنصارى على تفاوت بينهم في دركات الجحيم، فالمشركون استحقوا الجحيم من جميع جهات كفرهم، واليهود استحقوه من يوم كذبوا عيسى عليه السلام، والنصارى استحقّه بعضُهم حين أثبتوا لله ابناً وبعضهم من حين تكذيبهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي استحضارهم بتعريف اسم الإشارة من التنبيه على أنهم جديرون بذلك لأجل الكفر والتكذيب نظيرُ ما تقدم في قوله: {أولئك هم الصديقون}. ولم يؤت في خبرهم بضمير الفصل إذ لا يظن أن غيرهم أصحاب الجحيم. والتعبير عنهم بأصحاب مضاف إلى الجحيم دلالة على شدة ملازمتهم للجحيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {أُوْلَـٰئِكَ} {بِآيَاتِنَآ} {أُوْلَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} (19) - وَالذِينَ آمَنُوا بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى، وَأَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ، وَآمَنُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، فَهَؤُلاَءِ عِنْدَ اللهِ فِي مَنْزِلَةِ الصِّدِّيقِينَ الذِينَ أَلِفُوا الصِّدْقَ حَتَّى صَارَ لَهُمْ خُلُقاً وَسَجِيَّةً، وَالذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَفِي سَبِيلِ نَصْرِ دِينِهِ، لَهُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَهُمْ نُورٌ عَظَيمٌ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيَسِيرُوا عَلَى هُدَاهُ، وَهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي مَرَاتِبِهِمْ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا. أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، وَجَحَدُوا بِآيَاتِهِ، وَحُجَجِهِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَصِدْقِ رُسُلِهِ، فَهَؤُلاَءِ يَكُونُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَيَبْقَوْنَ فِيهَا خَالِدِينَ أَبَداً لاَ يَحُولُونَ عَنْهَا وَلاَ يَزُولُونَ.

همام الصنعاني

تفسير : 3164- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ}: [الآية: 19]، قال: كل مؤمن شهيد، ثم تلا: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ وَٱلشُّهَدَآءُ}: [الآية: 19]. 3165- عبد الرزاق، عن الثَّوري، عن منصورٍ، عن أبي الضحى، عَنْ مَسْرُوق قال: هيَ خاصة للشهداءِ.