٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة فقال: الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر، ولا شك أن هذه الأشياء أمور محقرة، وأما الآخرة فهي عذاب شديد دائم أو رضوان الله على سبيل الدوام، ولا شك أن ذلك عظيم. المسألة الثانية: اعلم أن الحياة الدنيا حكمة وصواب، ولذلك لما قال تعالى: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً... قَال إِنّي أعلم مَا لا تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] ولولا أنها حكمة وصواب لما قال ذلك، ولأن الحياة خلقه، كما قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] وأنه لا يفعل العبث على ما قال: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنين: 115] وقال: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } ولأن الحياة نعمة بل هي أصل لجميع النعم، وحقائق الأشياء لا تختلف بأن كانت في الدنيا أو في الآخرة، ولأنه تعالى عظم المنة بخلق الحياة فقال: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] فأول ما ذكر من أصناف نعمه هو الحياة، فدل مجموع ما ذكرنا على أن الحياة الدنيا غير مذمومة، بل المراد أن من صرف هذه الحياة الدنيا لا إلى طاعة الله بل إلى طاعة الشيطان ومتابعة الهوى، فذاك هو المذموم، ثم إنه تعالى وصفها بأمور: أولها: أنها {لَعِبٌ } وهو فعل الصبيان الذين يتعبون أنفسهم جداً، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة وثانيها: أنها {لَهُوَ } وهو فعل الشبان، والغالب أن بعد انقضائه لا يبقى إلا الحسرة، وذلك لأن العاقل بعد انقضائه يرى المال ذاهباً والعمر ذاهباً، واللذة منقضية، والنفس ازدادت شوقاً وتعطشاً إليه مع فقدانها، فتكون المضار مجتمعة متوالية وثالثها: أنها {زِينَةُ } وهذا دأب النساء لأن المطلوب من الزينة تحسين القبيح، وعمارة البناء المشرف على أن يصير خراباً، والاجتهاد في تكميل الناقص، ومن المعلوم أن العرضي لا يقاوم الذاتي، فإذا كانت الدنيا منقضية لذاتها، فاسدة لذاتها، فكيف يتمكن العاقل من إزالة هذه المفاسد عنها، قال ابن عباس: المعنى أن الكافر يشتغل طول حياته بطلب زينة الدنيا دون العمل للآخرة، وهذا كما قيل:شعر : حياتـك يـا مغـرور سـهو وغفلـة تفسير : ورابعها: {تفاخر بينكم } بالصفات الفانية الزائلة، وهو إما التفاخر بالنسب، أو التفاخر بالقدرة والقوة والعساكر وكلها ذاهبة وخامسها: قوله: {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ } قال ابن عباس: يجمع المال في سخط الله، ويتباهى به على أولياء الله، ويصرفه في مساخط الله، فهو ظلمات بعضها فوق بعض، وأنه لا وجه بتبعية أصحاب الدنيا يخرج عن هذه الأقسام، وبين أن حال الدنيا إذا لم يخل من هذه الوجوه فيجب أن يعدل عنها إلى ما يؤدي إلى عمارة الآخرة، ثم ذكر تعالى لهذه الحياة مثلاً، فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ } يعني المطر، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَاء } تفسير : [الكهف: 45] والكاف في قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ } موضعة رفع من وجهين أحدهما: أن يكون صفة لقوله: {لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ }، والآخر: أن يكون خبراً بعد خبر قاله الزجاج، وقوله: {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } فيه قولان: الأول: قال ابن مسعود: المراد من الكفار الزراع قال الأزهري: والعرب تقول للزارع: كافر، لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، وإذا أعجب الزراع نباته مع علمهم به فهو في غاية الحسن الثاني: أن المراد بالكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين، لأنهم لا يرون سعادة سوى سعادة الدنيا، وقوله: {نَبَاتُهُ } أي ما نبت من ذلك الغيث، وباقي الآية مفسر في سورة الزمر. ثم إنه تعالى ذكر بعده حال الآخرة فقال: {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } أي لمن كانت حياته بهذه الصفة، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، وذلك لأنه لما وصف الدنيا بالحقارة وسرعة الانقضاء، بين أن الآخرة إما عذاب شديد دائم، وإما رضوان، وهو أعظم درجات الثواب، ثم قال: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } يعني لمن أقبل عليها، وأعرض بها عن طلب الآخرة، قال سعيد بن جبير: الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} وجه الاتصال أن الإنسان قد يترك الجهاد خوفاً على نفسه من القتل، وخوفاً من لزوم الموت؛ فبين أن الحياة الدنيا منقضِية فلا ينبغي أن يترك أمر الله محافظة على ما لا يبقى. و «ما» صلة تقديره: ٱعلموا أنّ الحياة الدنيا لعِب باطل ولهو فرحٍ ثم ينقضي. وقال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. وقيل: إنه على المعهود من ٱسمه؛ قال مجاهد: كل لعب لهو. وقد مضى هذا المعنى في «الأنعام» وقيل: الَّلعب ما رَغَّب في الدنيا، واللَّهو ما ألهى عن الآخرة؛ أي شَغل عنها. وقيل: اللعب الاقتناء، واللهو النساء. {وَزِينَةٌ} الزينة ما يتزين به؛ فالكافر يتزين بالدنيا ولا يعمل للآخرة، وكذلك من تزين في غير طاعة الله. {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} أي يفخر بعضكم على بعض بها. وقيل: بالخلقة والقوة. وقيل: بالأنساب على عادة العرب في المفاخرة بالآباء. وفي صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد» تفسير : وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : أربع في أمتي من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب» تفسير : الحديث. وقد تقدم جميع هذا. {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأبناء والأموال، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعة. قال بعض المتأخرين: «لَعِبٌ» كلعب الصبيان «ولَهْوٌ» كلهو الفتيان «وَزِينَةٌ» كزينة النسوان «وَتَفَاخُرٌ» كتفاخر الأقران «وَتَكَاثُرٌ» كتكاثر الدُّهقان. وقيل: المعنى أن الدنيا كهذه الأشياء في الزوال والفناء. وعن عليّ رضي الله عنه قال لعمّار: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء: مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح؛ فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأفضل المشموم المِسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأما المنكوح فالنساء وهو مبال في مبال؛ والله إن المرأة لتزين أحسنها يراد به أقبحها. ثم ضرب الله تعالى لها مثلاً بالزرع في غيث فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} الكفّار هنا: الزرّاع لأنهم يغطّون البذر. والمعنى أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار، ثم لا يلبث أن يصير هشِيماً كأن لم يكن، وإذا أعجب الزراع فهو غاية ما يستحسن. وقد مضى معنى هذا المثل في «يونس» و«الكهف». وقيل: الكفّار هنا الكافرون بالله عز وجل؛ لأنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا من المؤمنين. وهذا قول حسن؛ فإن أصل الإعجاب لهم وفيهم، ومنهم يظهر ذلك، وهو التعظيم للدنيا وما فيها. وفي الموحدين من ذلك فروع تحدث من شهواتهم، وتتقلل عندهم وتدِق إذا ذكروا الآخرة. وموضع الكاف رفع على الصفة. {ثُمَّ يَهِيجُ} أن يجفّ بعد خضرته {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي متغيراً عما كان عليه من النضرة. {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} أي فُتاتاً وتِبْناً فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي للكافرين. والوقف عليه حسن، ويبتدىء {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} أي للمؤمنين. وقال الفراء: {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ} تقديره إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على «شَدِيدٌ». {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} هذا تأكيد ما سبق؛ أي تغر الكفار، فأما المؤمن فالدنيا له متاع بلاغ إلى الجنة. وقيل: العمل للحياة الدنيا متاع الغرورِ تزهيداً في العمل للدنيا، وترغيباً في العمل للآخرة. قوله تعالى: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي سارعوا بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم. وقيل: سارعوا بالتوبة؛ لأنها تؤدي إلى المغفرة؛ قاله الكلبي. وقيل التكبيرة الأولى مع الإمام؛ قاله مكحول. وقيل: الصف الأول. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} لو وصل بعضها ببعض. قال الحسن: يعني جميع السموات والأرضين مبسوطتان كل واحدة إلى صاحبتها. وقيل: يريد لرجل واحد أي لكل واحد جنة بهذه السعة. وقال ٱبن كيسان: عنى به جنّة واحدة من الجنّات. والعرض أقل من الطول؛ ومن عادة العرب أنها تعبِّر عن سِعَةِ الشيء بعرضه دون طوله. قال:شعر : كَأَنّ بِلاَدَ اللَّهِ وَهْيَ عَرِيضَةٌ على الْخَائِفِ المطْلوبِ كِفَّةُ حابِلِ تفسير : وقد مضى هذا كله في «آل عِمران». وقال طارق بن شهاب: قال قوم من أهل الحيرة لعمر رضي الله عنه: أرأيت قول الله عز وجل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم الليل إذا وَلَّى وجاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: لقد نزعت بما في التوراة مثله. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} شرط الإيمان لا غير، وفيه تقوية الرجاء. وقد قيل: شرط الإيمان هنا وزاد عليه في «آل عمران» فقال: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران:133-134]. {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} أي إن الجنة لا تُنال ولا تُدخل إلا برحمة الله تعالى وفضله. وقد مضى هذا في «الأعراف» وغيرها. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.
البيضاوي
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأوْلْـٰدِ } لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا أعني ما لا يتوصل به إلى الفوز الآجل، بأن بين أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جداً إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم وزينة كالملابس الحسنة والمواكب البهية والمنازل الرفيعة، وتفاخر بالأنساب أو تكاثر بالعدد والعدد، ثم قرر ذلك بقوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها يحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث، أو الكافرون بالله لأنهم أشداء إعجاباً بزينة الدنيا ولأن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجاباً، ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاماً، ثم عظم أمور الآخرة الأبدية بقوله: {وَفِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } تنفيراً عن الانهماك في الدنيا وحثاً على ما يوجب كرامة العقبى، ثم أكد ذلك بقوله: {وَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰنٌ } أي لمن أقبل عليها ولم يطلب إلا الآخرة. {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } أي لمن أقبل عليها ولم يطلب بها الآخرة. {سَابِقُواْ } سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار. {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } إلى موجباتها. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } أي عرضها كعرضهما وإن كان العرض كذلك فما ظنك بالطول، وقيل المراد به البسطة كقوله: {فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ} فيه دليل على أن الجنة مخلوقة وأن الإِيمان وحده كاف في استحقاقها. {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } ذلك الموعود يتفضل به على من يشاء من غير إيجاب. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } منه التفضل بذلك وإن عظم قدره. {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ } كجدب وعاهة. {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كمرض وآفة. {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى. {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } نخلقها والضمير للـ {مُّصِيبَةٍ } أو {ٱلأرْضِ } أو للأنفس. {إِنَّ ذٰلِكَ } أي إثباته في كتاب. {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة. {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ } أي أثبت وكتب كي لا تحزنوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من نعم الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } بما أعطاكم الله منها فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر، وقرأ أبو عمرو {بِمَا ءاتَـٰكُمْ } من الإِتيان ليعادل ما فاتكم، وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذ خليت وطباعها، وأما حصولها وإبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها، والمراد نفي الآسي المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاحتيال، ولذلك عقبه بقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} إذ قل من يثبت نفسه في حالي الضراء والسراء. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بدل من كل مختال فإن المختال بالمال يضن به غالباً أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإِعراض عن شكره ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه، وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإِنفاق لمصلحة المنفق وقرأ نافع وابن عامر {فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِىُّ }. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى الأمم. {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالحجج والمعجزات. {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } ليبين الحق ويميز صواب العمل. {وَٱلْمِيزَانَ} لتسوى به الحقوق ويقام به العدل كما قال تعالى: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } وإنزاله إنزال أسبابه والأمر باعداده، وقيل أنزل الميزان إلى نوح عليه السلام، ويجوز أن يراد به العدل. {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } فإن آلات الحروب متخذة منه. {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} إذ ما من صنعة إلا والحديد آلاتها. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلاً، أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله. {بِٱلْغَيْبِ } حال من المستكن في ينصره. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ }، على إهلاك من أراد إهلاكه. {عَزِيزٌ } لا يفتقر إلى نصرة وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى موهناً أمر الحياة الدنيا ومحقراً لها: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ} أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا؛ كما قال تعالى: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ} تفسير : [آل عمران: 14]. ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية، ونعمة زائلة، فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} وهو المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} تفسير : [الشورى: 28]. وقوله تعالى: {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت بالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك، كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار؛ فإنهم أحرص شيء عليها، وأميل الناس إليها، {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} أي: يهيج ذلك الزرع، فتراه مصفراً بعد ما كان خضراً نضراً، ثم يكون بعد ذلك كله حطاماً، أي: يصير يبساً متحطماً، هكذا الحياة الدنيا، تكون أولاً شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزاً شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضاً طرياً لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة، فتتغير طباعه، ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى، قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير؛ كما قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْقَدِيرُ} تفسير : [الروم: 54] ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها، ورغب فيما فيها من الخير فقال: {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا، وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان. وقوله تعالى: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} أي: هي متاع فانٍ غارٌّ لمن ركن إليه؛ فإنه يغتر بها، وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة. قال ابن جرير: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ}» تفسير : وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع، كلاهما عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : للجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري في الرقاق من حديث الثوري عن الأعمش به. ففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإنسان، وإذا كان الأمر كذلك، فلهذا حثه الله تعالى على المبادرة إلى الخيرات؛ من فعل الطاعات، وترك المحرمات التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، فقال تعالى: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} والمراد جنس السماء والأرض؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133] وقال ههنا: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} أي: هذا الذي أهلهم الله له، هو من فضله، ومنه عليهم، وإحسانه إليهم؛ كما قدمناه في الصحيح: أن فقراء المهاجرين قالوا: يارسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال: «حديث : وما ذاك؟» تفسير : قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. قال: «حديث : أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين» تفسير : قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال مافعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء».
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ } تزيين {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ } أي الاشتغال فيها، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة {كَمَثَلِ } أي هي في إعجابها لكم واضمحلالها كمثل {غَيْثٍ } مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ } الزرّاع {نَبَاتُهُ } الناشىء عنه {ثُمَّ يَهِيجُ } ييبس {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } فتاتاً يضمحل بالرياح {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } لمن آثر عليها الدنيا {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰنٌ } لمن لم يؤثر عليها الدنيا {وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } ما التمتع فيها {إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني، وما وقع منهم من الكفر والتكذيب، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا وتأثيرها، بيّن لهم حقارتها وأنها أحقر من أن تؤثر على الدار الآخرة، واللعب: هو الباطل، واللهو: كل شيء يتلهى به ثم يذهب. قال قتادة: لعب ولهو: أكل وشرب. قال مجاهد: كلّ لعب لهو، وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا، واللهو: ما ألهى عن الآخرة وشغل عنها، وقيل: اللعب: الاقتناء، واللهو: النساء، وقد تقدّم تحقيق هذا في سورة الأنعام، والزينة: التزين بمتاع الدنيا من دون عمل للآخرة {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } قرأ الجمهور بتنوين {تفاخر} والظرف صفة له، أو معمول له، وقرأ السلمي بالإضافة، أي: يفتخر به بعضكم على بعض، وقيل: يتفاخرون بالخلقة والقوّة، وقيل: بالأنساب والأحساب، كما كانت عليه العرب {وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأمْوٰلِ وَٱلأوْلْـٰدِ } أي: يتكاثرون بأموالهم وأولادهم، ويتطاولون بذلك على الفقراء. ثم بيّن سبحانه لهذه الحياة شبهاً، وضرب لها مثلاً فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } أي: كمثل مطر أعجب الزراع نباته، والمراد بالكفار هنا: الزراع لأنهم يكفرون البذر، أي: يغطونه بالتراب، ومعنى نَبَاتُهُ: النبات الحاصل به {ثُمَّ يَهِـيجُ } أي: يجفّ بعد خضرته وييبس {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً } أي: متغيراً عما كان عليه من الخضرة والرّونق إلى لون الصفرة والذبول {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } أي: فتاتاً هشيماً متكسراً متحطماً بعد يبسه، وقد تقدّم تفسير هذا المثل في سورة يونس والكهف، والمعنى: أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه، لخضرته وكثرة نضارته. ثم لا يلبث أن يصير هشيماً تبناً كأن لم يكن. وقرىء: (مصفارّاً) والكاف في محل نصب على الحال، أو في محل رفع على أنها خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. ثم لما ذكر سبحانه حقارة الدنيا، وسرعة زوالها، ذكر ما أعدّه للعصاة في الدار الآخرة فقال: {وَفِى ٱلأخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } وأتبعه بما أعدّه لأهل الطاعة، فقال: {وَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوٰنٌ }، والتنكير فيهما للتعظيم. قال قتادة: عذاب شديد لأعداء الله، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته. قال الفراء: التقدير في الآية إما عذاب شديد وإما مغفرة، قلا يوقف على شديد. ثم ذكر سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا، فقال: {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } لمن اغترّ بها ولم يعمل لآخرته. قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه. وهذه الجملة مقرّرة للمثل المتقدّم ومؤكدة له. ثم ندب عباده إلى المسابقة إلى ما يوجب المغفرة من التوبة والعمل الصالح، فإن ذلك سبب إلى الجنة، فقال: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي: سارعوا مسارعة السابقين بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم، وتوبوا مما وقع منكم من المعاصي، وقيل: المراد بالآية التكبيرة الأولى مع الإمام، قاله مكحول، وقيل: المراد الصفّ الأوّل، ولا وجه لتخصيص ما في الآية بمثل هذا، بل هو من جملة ما تصدّق عليه صدقاً شمولياً أو بدلياً {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ } أي: كعرضهما، وإذا كان هذا قدر عرضها، فما ظنك بطولها. قال الحسن: يعني جميع السمٰوات والأرضين مبسوطات كل واحدة إلى صاحبتها، وقيل: المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة. وقال ابن كيسان: عنى به جنة واحدة من الجنات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب كفة حابل تفسير : وقد مضى تفسير هذا في سورة آل عمران. ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى، فقال: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة. وفي هذا دليل على أن استحقاق الجنة يكون بمجرّد الإيمان بالله ورسله، ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلاّ من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نهاه الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما وعد به سبحانه من المغفرة والجنة، وهو مبتدأ وخبره {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } أي: يعطيه من يشاء إعطاءه إياه تفضلاً وإحساناً {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } فهو يتفضل على من يشاء بما يشاء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل. ثم بيّن سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب قد سبق بذلك قضاؤه وقدره، وثبت في أمّ الكتاب، فقال: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأرْضِ } من قحط مطر، وضعف نبات، ونقص ثمار. قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار، وقيل: الجوائح في الزرع {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } قال قتادة: بالأوصاب والأسقام. وقال مقاتل: إقامة الحدود. وقال ابن جريج: ضيق المعاش {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } في محل نصب على الحال من مصيبة، أي: إلاّ حال كونها مكتوبة في كتاب، وهو اللوح المحفوظ، وجملة: {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } في محل جر صفة لكتاب، والضمير في نبرأها عائد إلى المصيبة، أو إلى الأنفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ذلك، ومعنى {نَّبْرَأَهَا }: نخلقها {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } أي: أن إثباتها في الكتاب على كثرته على الله يسير غير عسير. {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } أي: اختبرناكم بذلك، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } منها أي: أعطاكم منها، فإن ذلك يزول عن قريب، وكلّ زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا يحزن على فواته، ومع أن الكل بقضاء الله وقدره، فلن يعدو امرأ ما كتب له، وما كان حصوله كائناً لا محالة، فليس بمستحقّ للفرح بحصوله، ولا للحزن على فوته، قيل: والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز، وإلاّ فليس من أحد إلاّ وهو يحزن ويفرح. قرأ الجمهور: {بما آتاكم} بالمدّ، أي: أعطاكم، وقرأ أبو العالية، ونصر بن عاصم، وأبو عمرو بالقصر، أي: جاءكم، واختار القراءة الأولى أبو حاتم، واختار القراءة الثانية أبو عبيد {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } أي: لا يحبّ من اتصف بهاتين الصفتين، وهما الاختيال والافتخار، قيل: هو ذمّ للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وقيل: إن من فرح بالحظوظ الدنيوية، وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها، وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاستحقار. والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ثم اللغوي، فمن حصلتا فيه فهو الذي لا يحبه الله. {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } الموصول في محل رفع بالابتداء، وهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، والخبر مقدّر، أي: الذين يبخلون فالله غنيّ عنهم، ويدل على ذلك قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ }. وقيل: الموصول في محل جرّ بدل من مختال، وهو بعيد، فإن هذا البخل بما في اليد، وأمر الناس بالبخل ليس هو معنى المختال الفخور، لا لغة ولا شرعاً. وقيل: هو في محل جرّ نعت له، وهو أيضاً بعيد. قال سعيد بن جبير: الذين يبخلون بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل به لئلا يعلموا الناس شيئًا. وقال زيد بن أسلم: إنه البخل بأداء حق الله، وقيل: إنه البخل بالصدقة، وقال طاووس: إنه البخل بما في يديه، وقيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد في كتبهم لئلا يؤمن به الناس، فتذهب مآكلهم، قاله السدّي والكلبي، قرأ الجمهور: {بالبخل} بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس، وعبيد بن عمير، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، وحميد، وابن محيصن، وحمزة، والكسائي بفتحتين، وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية، وابن السميفع بفتح الباء وإسكان الخاء. وقرأ نصر بن عاصم بضمهما، وكلها لغات {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } أي: ومن يعرض عن الإنفاق، فإن الله غنيّ عنه محمود عند خلقه لا يضره ذلك. قرأ الجمهور {هو الغني} بإثبات ضمير الفصل. وقرأ نافع، وابن عامر: (فإن الله الغني الحميد) بحذف الضمير. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } يقول: في الدين والدنيا {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } قال: نخلقها {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } منها. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ الأنفس. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه أيضاً في قوله: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } الآية قال: ليس أحد إلاّ وهو يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبراً، ومن أصابه خير جعله شكراً. وأخرج ابن المنذر عنه في الآية قال: يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب الدين، إنه قال: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } وليس هذا من مصائب الدين، أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة.
الماوردي
تفسير : {اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} فيه وجهان: أحدهما: أكل وشرب، قاله قتادة. الثاني: أنه على المعهود من اسمه، قال مجاهد: كل لعب لهو. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أن اللعب ما رغَّب في الدنيا، واللهو ما ألهى عن الآخرة. ويحتمل رابعاً: أن اللعب الاقتناء، واللهو النساء. {وَزِينَةٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الدنيا زينة فانية. الثاني: أنه كل ما بوشر فيها لغير طاعة. {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: بالخلقة والقوة. الثاني: بالأنساب على عادة العرب في التنافس بالآباء. {وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} لأن عادة الجاهلية أن تتكاثر بالأموال والأولاد، وتكاثر المؤمنين بالإيمان والطاعات. ثم ضرب لهم مثلاً بالزرع {كَمَثَلٍ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمََّ يَهِيْجُ} بعد خضرة. {فَتَرَاهُ مُصْفَرَّاً ثُمَّ حُطَاماً} بالرياح الحطمة، فيذهب بعد حسنه، كذلك دنيا الكافر. {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَبِّكُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: النبي صلى الله عليه وسلم، قاله أبو سعيد. الثاني: الصف الأول، قاله رباح بن عبيد. الثالث: إلى التكبيرة الأولى مع الإمام، قاله مكحول. الرابع: إلى التوبة: قاله الكلبي. {وَجَنَةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ} ترغيباً في سعتها، واقتصر على ذكر العرض دون الطول لما في العرض من الدلالة على الطول، ولأن من عادة العرب أن تعبر عن سعة الشيء بعرضه دون طوله، قال الشاعر: شعر : كأن بلاد الله وهي عريضة على الخائف المطلوب حلقة خاتم. تفسير : {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مِن يَشَآءُ} فيه وجهان: أحدهما: الجنة، قاله الضحاك. الثاني: الدين، قاله ابن عباس. وفي {مَن يَشَآءُ} قولان: أحدهما: من المؤمنين، إن قيل إن الفضل الجنة. الثاني: من جيمع الخلق، إن قيل إنه الدين.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وعظ وتبيين لأمر الدنيا وضعة منزلتها و: {إنما} سادة مسد المفعولين للعلم بأنها تدخل على اثنين وهي وإن كفت عن العمل، فالجملة بعدها باقية. و: {الحياة الدنيا} في هذه الآية عبارة عن الأشغال والتصرفات والفكر التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأما ما كان من ذلك في طاعة الله وسبيله وما كان من الضرورات التي تقيم الأود وتعين على الطاعات فلا مدخل له في هذه الآية. وتأمل حال الملوك بعد فقرهم بين لك أن جميع نزوتهم {لعب ولهو}. والزينة: التحسين الذي هو خارج من ذات الشيء، والتفاخر: هو بالأنساب والأموال وغير ذلك والتكاثر: هو الرغبة في الدنيا، وعددها لتكون العزة للكفار على المذهب الجاهلي. ثم ضرب تعالى مثل الدنيا، فالكاف في قوله: {كمثل} في رفع صفة لما تقدم، وصورة هذا المثال: أن الإنسان ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك فيشب ويقوى ويكسب المال والولد ويغشاه الناس، ثم يأخذ بعد ذلك في انحطاط، فيشيب ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموت ويضمحل أمره، وتصير أمواله لغيره، وتغير رسومه، فأمره مثل مطر أصاب أرضاً فنبت عن ذلك الغيث نبات معجب أنيق. ثم هاج: أي يبس واصفر، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل. واختلف المتأولون في لفظة {الكفار} هنا، فقال بعض أهل التأويل: هو من الكفر بالله، وذلك لأنهم أشد تعظيماً للدنيا وأشد إعجاباً بمحاسنها. وقال آخرون منهم: هو من كفر الحب، أي ستره في الأرض، فهم الزراع وخصهم بالذكر، لأنهم أهل البصر بالنبات والفلاحة فلا يعجبهم إلا المعجب حقيقة، الذي لا عيب له. وهاج الزرع: معناه: يبس واصفر، وحطام: بناء مبالغة، يقال حطيم وحطام بمعنى محطوم، أو متحطم، كعجيب وعجاب، بمعنى معجب ومتعجب منه. ثم قال تعالى: {وفي الآخرة} كأنه قال: والحقيقة هاهنا، ثم ذكر العذاب أولاً تهمماً به من حيث الحذر في الإنسان ينبغي أن يكون أولاً، فإذا تحرر من المخاوف مد حينئذ أمله. فذكر الله تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه وهو المغفرة والرضوان. وروي عن عاصم: ضم الراء من: "رُضوان". و: {متاع الغرور} معناه: الشيء الذي لا يعظم الاستمتاع به إلا مغتر. وقال عكرمة وغيره: {متاع الغرور} القوارير، لأن الفساد والآفات تسرع إليها، فالدنيا كذلك أو هي أشد.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَعِبٌ وَلَهْوٌ} على ظاهره أو أكل وشرب.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} هذه الآيةُ وعظ، وتبيين لأمر الدنيا وَضَعَةِ منزلتها، والحياة الدنيا في هذه الآية: عبارة عن الأشغال والتصرفاتِ والفكرِ التي هي مختصة بالحياة الدنيا، وأَمَّا ما كان من ذلك في طاعة اللَّه تعالى، وما كان في الضرورات التي تقيم الأود وتعينُ على الطاعات ـــ فلا مدخلَ له في هذه الآية، وتأملْ حالَ الملوك بعد فقرهم، يَبِنْ لك أَنَّ جميعَ ترفهم لَعِبٌ ولهو، والزينة: التحسين الذي هو خارج عن ذات الشيء، والتفاخرُ بالأموال والأنساب وغيرُ ذلك على عادة الجاهلية، ثم ضرب اللَّه عز وجل مَثَلَ الدنيا، فقال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ...} الآية: وصورة هذا المثالِ أَنَّ الإنسانَ ينشأ في حجر مملكة فما دون ذلك، فيشُبُّ في النعمة، ويقوى، ويكسب المال والولد، ويغشاه الناسُ، ثم يأخذُ بعد ذلك في انحطاطٍ، ويشيب، ويضعف ويسقم، وتصيبه النوائب في ماله وذريته، ويموتُ، ويضمحلُّ أَمرهُ، وتصيرُ أمواله لغيره، وتتغير رُسُومُه؛ فأمره مِثْلُ مطر أصاب أرضاً، فنبت عن ذلك الغيثِ نباتٌ معجب أنيق، ثم هاج، أي: يبس، واصْفَرَّ، ثم تحطم، ثم تفرق بالرياح واضمحل. وقوله: {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي: الزراع؛ فهو من كَفَرَ الحَبَّ، أي: ستره، وقيل: يحتمل أَنْ يعني الكفار باللَّه، لأَنَّهم أَشَدُّ إعجاباً بزينة الدنيا، ثم قال تعالى: {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ...} الآية: كأنَّه قال: والحقيقة هاهنا، وذكر العذابَ أَوَّلاً؛ تَهَمُّمَاً به من حيث الحذر في الإنسان، ينبغي أَنْ يكونَ أولاً، فإذا تحرز من المخاوف مَدَّ حينئذ أمله، فذكر تعالى ما يحذر قبل ما يطمع فيه، وهو المغفرة والرضوان، وعبارة الثعلبيِّ: {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي: يجفُّ {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}: لأعداء اللَّه {وَمَغْفِرَةٌ}: لأوليائه، وقال الفَرَّاءُ {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ} أي: إمَّا عذاب شديد، وإمَّا مغفرة {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ}: هذا تزهيد في العمل للدنيا، وترغيبٌ في العمل للآخرة، انتهى، وهو حسن، وعن طارق قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : نِعْمَتِ الدَّارُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا لآِخِرَتِهِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَّتْهُ عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا رَبِّهِ، فَإذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيا قَالَتِ الدُّنْيَا: قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِرَبِّهِ»تفسير : رواه الحاكم في «المستدرك»، انتهى من «السلاح»، ولا يشك عاقل أَنَّ حُطَامَ الدنيا مُشْغِلٌ عنِ التأهب للآخرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم»: وقد رُوِيَ مرفوعاً: «حديث : لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةٌ، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ»تفسير : قال أبو عمر: ثم نقول: إنَّ الزهد في الحلال، وترك الدنيا مع القدرة عليها ـــ أفضلُ من الرغبة فيها في حلالها، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً، والآثار الواردة عنِ الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء المسلمين في فضل الصبر والزهد فيها، وفَضْل القناعة، والرضا بالكفاف، والاقتصارِ على ما يكفي دون التكاثر الذي يُلْهِي ويُطْغِي ـــ: أكثر من أَنْ يحيط بها كتاب، أو يشمل عليها باب، والَّذِينَ زوى اللَّه عنهم الدنيا من الصحابة، أكثرُ من الذين فتحها عليهم أضعافاً مضاعفةً، وقد روينا عن عبد الرحمن بن عوف أَنَّهُ لما حضرته الوفاةُ بَكَى بُكَاءً شديداً، وقال: كان مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ خيراً مِنِّي؛ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَتْرُكْ ما يُكَفَّنُ فيه، وَبَقِيتُ بعده حتى أَصَبْتُ من الدنيا وأصابت مِنِّي، ولا أحسبني إلاَّ سَأُحْبَسُ عن أصحابي بما فتح اللَّهُ عليَّ من ذلك، وجعل يبكي حتى فاضتْ نفسه، وفارق الدنيا رحمة اللَّه عليه، فإنْ ظَنَّ ظانٌّ جاهل أَنَّ الاستكثار من الدنيا ليس به بأس، أو غلب عليه الجهل؛ فَظَنَّ أَنَّ ذلك أفضل من طلب الكفاف منها، وشُبِّهَ عليه بقول اللَّه تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ }تفسير : [الضحى:8] فيما عَدَّده سبحانه على نبيِّه صلى الله عليه وسلم من نعمه عنده ـــ فَإنَّ ذلك ليس كما ظَنَّ؛ بل ذلك غنى القلب، دَلَّتْ على ذلك الآثارُ الكثيرة؛ كقوله عليه السلام: «حديث : لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَإنَّما الغِنَى غِنَى النَّفْسِ»تفسير : انتهى.
ابو السعود
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ} بعدَ ما بُـيِّنَ حالُ الفريقينِ في الآخرةِ، شُرحَ حالُ الحياةِ الدُّنيا التي اطمأنَّ بها الفريقُ الثَّاني، وأُشيرَ إلى أنَّها من محقرات الأمورِ التي لا يركنُ إليها العقلاءُ فضلاً عن الاطمئنانِ بَها وأنَّها مع ذلكَ سريعةُ الزوالِ وشيكةُ الاضمحلالِ حيثُ قيلَ: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي الحُرَّاثَ {نَبَاتُهُ} أي النباتُ الحاصلُ بهِ {ثُمَّ يَهِـيجُ} أي يجفُّ بعدَ خضرتِه ونضارتِه {فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً} بعدَ ما رأيتَهُ ناضراً مُونِقاً. وقُرىءَ مُصفارَّاً وإنما لم يقلْ فيصفرُّ إيذاناً بأنَّ اصفرارَهُ مقارنٌ لجفافِه وإنما المترتبُ عليه رؤيتُه كذلكَ {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} هشيماً مُتكسراً ومحلُّ الكافِ. قيلَ: النصبُ على الحاليةِ من الضميرِ في لعبٌ لأنَّه في معنى الوصف، وقيل الرفع على أنه خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف أي مثل الحياةِ الدُّنيا كمثلِ الخ وبعدَ ما بُـيِّنِ حقارةُ أمرِ الدُّنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوفِ عليها أُشيرَ إلى فخامة شأنِ الآخرةِ وعظمِ ما فيها من اللذاتِ والآلامِ ترغيباً في تحصيلِ نعيمِها المقيمِ وتحذيراً من عذابِها الأليمِ، وقُدِّمَ ذكرُ العذابِ فقيلَ {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لأنَّه من نتائجِ الانهماكِ فيما فُصِّلَ من أحوالِ الدُّنيا {وَمَغْفِرَةٌ} عظيمة {مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} عظيمٌ لا يُقَادرُ قَدرُه. {وَما ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ} أي لمن اطمأنَّ بها ولم يجعلْها ذريعةً إلى الآخرةِ. عن سعيدِ بنِ جُبـيرٍ: الدُّنيا متاعُ الغرورِ إنْ ألهتكَ عن طلب الآخرةِ فأمَّا إذَا دعتكَ إلى طلبِ رضوانِ الله تعالَى فنعمَ المتاعُ ونعمَ الوسيلةُ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}[20] قال: الدنيا نفس نائمة، والآخرة نفس يقظانة. قيل: فما النجاة منها؟ قال: أصل ذلك العلم، ثم ثمرته مخالفة الهوى في اجتناب المناهي، ثم مكابدة النفس على أداء الأوامر على الطهارة من الأدناس، فيورث السهولة في التعبد والحلول بعده في مقامات العابدين، ثم يذيقه الله ما أذاق أولياءه وأصفياءه وهي درجة المذاق. قال: وذكر لنا أن إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام أصابه يوماً عطش شديد في مفازة يوم شديد الحر، فنظر إلى حبشي يرعى الإبل فقال: هل عندك ماء؟ فقال: يا إبراهيم أيما أحب إليك الماء أو اللبن؟ فقال: الماء. قال: فضرب بقدمه على صخرة فنبع الماء، فتعجب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فأوحى الله إلى إبراهيم: لو سألني هذا الحبشي أن أزيل السماوات والأرض لأزلتهما. فقال: ولم ذلك يا رب؟ قال: لأنه ليس يريد من الدنيا والآخرة غيري. وقال عامر بن عبد القيس: وجدت الدنيا أربع خصال فأما خصلتان فقد طابت نفسي عنهما: النساء وجمع الماء، وأما الخصلتان فلا بد منهما وأنا مصرفهما ما استطعت: النوم والطعام.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الآية: 20]. قال ذو النون: خلق الدنيا مذمومة وأكثر منها ذمّاً من طلبها وركن إليها وافتخر بها وأرغب الناس فيها من أخفى طلبها وأكثر ذمها عند طلابها ولا سيما إذا كان ذمه للدنيا حرفة وهو الذى لا دواء لرأيه. سمعت أبا الحسين الفارسى يقول: سمعت أحمد بن مزاحم يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: الدنيا دار بلاء ودار تعب وهوى فمن أفنى مراده منها سلم من كل شىء. سمعت أبا الحسين يقول: سمعت أحمد يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: الدنيا ما يفنى والآخرة ما يبقى ولا يفنى. وقال سهل: أصل الدنيا وفرعها المأكل والمشرب وحب اللباس والنوم والراحة والنساء والطيب والأموال وثمرتها المعاصى وهى التى تورث العقوبة وقسوة القلب وحب المعصية. وقال عمر المكى: ذكر الله الزهد فى الدنيا تعريضاً بالمدح والذم وأشار إليه تعريفاً بالترغيب والترهيب والتشويق والتحذير فقال: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ...} الآية. قوله تعالى: {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} [الآية: 20]. سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: ما شغل العبد عن الآخرة فهو الدنيا ومنهم من دنياه ضيعة عامرة ومنهم من دنياه تجارة دارَّة ومنهم من دنياه عزّة وسلطانه ومنهم من دنياه عمله والمفاخرة به ومنهم من دنياه مجلسه ومختلفيه ومنهم من دنياه نفسه وشهوته كل أحد من الخلق مربوط منها بحظ. وقال ذو النون: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا فإن طلبتموها فلا تحبُّوها فإن الزاد منها والمقيل فى غيرها. وقال ابن عطاء: وضعت سياسة الدنيا على القوة والتدبير وسياسة الدين على ملازمة الأمر والنهى والقصد إلى الله على التبرى من الحول والقوة. قال سهل: الدنيا نفس نائمة والآخرة نفس يقظانة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ}. الحياةُ الدنيا مُعَرَّضَةٌ للزوال، غيرُ لابثةٍ ولا ماكثة، وهي في الحال شاغلةٌ عن الله، مُطْمِعةٌ وغير مُشْبِعة، وتجري على غير سَنن الاستقامة كجريان لَعِب الصبيان، فهي تُلْهي عن الصوابِ واستبصار الحقِّ، وهي تفاخرٌ وتكاثرٌ في الأموال والأولاد. {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً}. الكفار: الزُّرَّاع. هو في غاية الحُسْنِ ثم يهيج فتراه يأخذ في الجفاف، ثم ينتهي إلى أنْ يتحطّم ويتكسَّر. {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. لأهله من الكفَّار. {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ}. لأهله من المؤمنين. {وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ}. الدنيا حقيرةٌ - وأحقرُ منها قَدْراً طالبُها وأقلُّ منه خَطَراً المزاحم فيها، فما هي إلا جيفة؛ وطالِبُ الجيفةِ ليس له خطرٌ. وأخس أهل الدنيا مَنْ بَخِلَ بها. وهذه الدنيا المذمومة هي التي تَشْغَلُ العبدَ عن الآخرة!
اسماعيل حقي
تفسير : {اعلموا} بدانيد اى طالبان دنيا {انما الحياة الدنيا} لفظ الحياة زآئدة والمضاف مضمر اى امور الدنيا ويجوز أن تجعل الحياة الدنيا مجازا عن امورها بعلاقة اللزوم وفى كشف الاسرار الحياة القربى فى الدار الاولى وبالفارسية زندكانىء اين سراى، وماصلة فان المقصود الحياة فى هذه الدار فكل ماقبل الموت دنيا وكل ماتأخر عنه اخرى {لعب} اى عمل باطل تتعبون فيه أنفسكم اتعاب اللاعب بلا فائدة شعر : بازبجه ايست طفل قريب اين متاع دهر بى عقل مرد مانكه بد ومبتلا شوند تفسير : {ولهو} تلهون به أنفسكم وتشغلونها عما يهمكم من اعمال الآخرة {وزينة} من الملابس والمراكب والمنازل الحسنة تزينون بها {وتفاخر بينكم} بالانساب والاحساب تتفاخرون بها والفخر المباهاة فى الاشياء الخارجة عن الانسان كالمال والجاه ويعبر عن كل نفيس بالفاخر كما فى المفردات {وتكاثر فى الاموال والاولاد} بالعدد والعدد يعنى ومباهاتست بكثرت اموال واولاد لاسيما التطاول بها على اولياء الله، وبدانيد كه در اندك زمانى آن بازى برطرف شود ولهو وفرح يغم وترح مبدل كردد وريشها از همه فروريزد وتفاخر وتكاثر جون شراره آتش نابود شودت، وقيل لعب كلعب الصبيان وزينة كزينة النسوان وتفاخر كتفاخر الاقران وتكاثر كتكاثر الدهقان قال على لعمار رضى الله عنهما لاتحزن على الدنيا فان الدنيا ستة اشياء مطعوم ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح فأكبر طعامها العسل وهو ريقة ذبابة واكبر شرابها الماء ويستوى فيه جميع الحيوان واكبر الملبوس الديباج وهو نسج دودة واكبر المشموم المسك وهو دم ظبية واكبر المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال واكبر المنكوح النساء وهو مبال فى مبال وفى الحديث "حديث : مالى وللدنيا انما مثلى ومثل الدنيا كمثل راكب قام فى ظل شجرة فى يوم صائف ثم راح وتركها" شعر : جهان اى بسر ملك جاويد نيست زدنيا وفادار اميد نيست تفسير : {كمثل غيث} محل الكاف النصب على الحالية من الضمير فى لعب لان فيه معنى الوصف اى تثبت لها هذه الاوصاف مشبهة غيثا او خبر متبدأ محذوف اى هى كمثل او خبر بعد خبر للحياة الدنيا والغيث مطر محتاج اليه بغيث الناس من الجدب عند قوله المياه فهو مخصوص بالمطر النافع بخلاف المطر فانه عام {اعجب الكفار} اى الحراث قال الازهرى العرب تقول للزراع كافر لانه يكفر اى يستر بذره بتراب الارض والكفر فى اللغة التغطية ولهذا يسمى الكافر كافر لانه يغطى الحق بالباطل والكفر القبر لسترها الناس وفى الحديث "حديث : اهل الكفور اهل القبور"تفسير : والليل كافر لستره الاشخاص {نباته} اى النبات الحاصل منه والمراد الكافرون بالله لانهم اشد اعجابا بزينة الدنيا ولان المؤمن اذا رأى معجبا انتقل فكره الى قدرة صانعه فأعجب بها والكافر لايتخطى فكره عما احسن به فيستغرق فيه اعجابا وقد منع فى بعض المواضع عن اظهار الزينة صونا لقلوب الضعفاء كما فى الاعراس ونحوها {ثم يهيج} اى يجف بعد خضرته ونضارته بآفة سماوية او ارضية يقال هاج النبت يهيج هيجا وهياجنا وهياجا بالكسر يبس والهائجة ارض يبس بقلها او اصفر واهاجه أيبسه وأهيجها وجدها هائجة للنبات {فتراه مصفرا} بعد ما رأيته ناضرا مونقا وانما لم يقل فيصفر ايذانا بأن اصفراره مقارن وانما المرتب عليه رؤيته كذلك {ثم يكون} بس كردد بعد از زردى {حطاما} درهم شكسته وكوفته وريزه ريزه شده: قال فى القاموس الحطم الكسر او خاص باليابس فالآية تحقير لامور الدنيا اعنى مالا يتوصل به الى الفوز الآجل ومنه المثل وببيان انها امور خيالية اى باطلة لاحقيقة لها وعن على رضى الله عنه الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا قليلة النفع سريعة الزوال لايركن اليها العقلاء فضلا عن الاطمئنان بها وتمثيل لحالها فى سرعة تقضيها وقلة نفعها بحال النبات المذكور زينة الحياة الدنيا هى زينة الله الا انها تختلف بالقصد وهى محبوبة بالطبع فاذا تحرك العبد اليها بطبعه كانت زينة الحياة الدنيا فذم بذلك وان كانت غير محرمة شرعا واذا تحرك اليها بأمر من ربه كانت زينة الله وحمد بها وذلك لان أمر الله وكل مايرجع اليه جد كله والحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر وفخر الانسان على مثله انما هو من جهله بحقيقته فهذا سبب الذم قال بعض الكبار الشهوات سبع وهى ماذكر فى قوله تعالى {أية : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث}تفسير : وقد انزلها الله الى خمس فى هذه الآية وهى {اعلموا انما الحياة الدينا} الخ ثم أنزل هذه الخمس الى أمرين فى آية اخرى كما قال فى سورة محمد {أية : انما الحياة الدنيا لعب ولهو}تفسير : ثم جعل هذين الامرين امرا واحدا فى قوله تعالى {أية : فأما من خاف ماقم ربه ونهى النفس عن الهوى}تفسير : فالهوى جامع لانواع الشهوات فمن تخلص من الهوى من كل قيد وبرزخ بلغ مسالك الوصول الى المطلب الا على والمقصد الاقصى {وفى الآخرة عذاب شديد} لمن أقبل عليها ولم يطلب بها الآخرة وقدم ذكر العذاب لانه من نتائج الانهماك فيما فصل من احوال الحياة الدنيا {ومغفرة} عظيمة كائنة {من الله ورضوان} كثير يقادر قدره لمن أعرض عنها وقصد بها الآخرة بل الله تعالى فان الدنيا والآخرة حرامان على اهل الله شعر : اى طلب دنيا توبسى مغرورى وى مائل عقبى تويكى مزدورى وى آنكه زميل هردو علام دروى تو طالب نور بلكه عين نورى تفسير : وفيه اشارة الى فضل النية الحسنة وانها تحيل المباح ونحوه طاعة قال بعض الكبار من استقامت سريرته وصلحت نيته أدرك جميع ماتمناه من الاعمال الصالحة وفى الخبر "حديث : من نام على طهارة وفى عزمه انه يقوم من الليل فأخذ الله بنفسه الى الصباح كتب الله له قيام ليله"تفسير : وورد مثل ذلك فيمن خرج لجهاد او حج وتأمل الطباخ والخباز يقوم من الليل يهيىء الطعام والخبز للأكلين وهم نائمون وهو طالب للربح ناسيا حاجة الناس ولو كان ذا بصيرة لفعل ذلك بقصد مصالح العباد وجعل ربحه ونفعه بحكم البيع والحاصل ان اهل الكسب سواء كانوا من اهل السوق او من غيرهم ينبغى أن تكون نيتهم السعى فى مصالح العباد والتقوى بكسبهم على طاعة الله حتى يكونوا مأجورين فى ذلك ومن استرقه الكون بحكم مشروع كالسعى فى مصالح العباد والشكر لاحد من المخلوقين من جهة نعمة اسداها اليه فهو لم يبرح عن عبوديته لله تعالى لانه فى ادآء واجب اوجبه الحق عليه وتعبد العبد لمخلوق عن أمر الله لايقدح فى العبودية بخلاف من استرقه الكون لغرض نفسى ليس للحق فيه رآئحة امر فان ذلك يقدح عبوديته لله ويجب عليه الرجوع الى الحق تعالى قال بعض الكبار من ذم الدنيا فقد عق امه لان جميع الانكاد والشرور التى ينسبها الناس الى الدنيا ليس هو فعلها وانما هو فعل اولادها لان الشر فعل المكلف لا فعل الدنيا فهى مطية العبد عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر فهى تحب أن لايشقى أحد من اولادها لانها كثيرة الحنو عليهم وتخاف أن تأخذهم الضرة الاخرى على غير أهبة مع كونها ماولدتهم ولا تعبت فى تربيتهم فمن عقوق اولادها كونهم ينسبون جميع افعال الخير الى الآخرة ويقولون اعمال الآخرة والحال انهم ماعملوا تلك الاعمال الا فى الدنيا فللدنيا أجر المصيبة التى فى اولادها ومن اولادها فمن أنصف من ذمها بل هو جاهل بحق امه ومن كان كذلك فهو بحق الآخرة اجهل وفى الحديث "حديث : اذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لربه"تفسير : وقال بعضهم طلب الثواب على الاعمال بحسن النيات والرغبة فيه لايختص بالعامة بل لايتحاشى عنه الكمل لعلمهم ان الله تعالى أنشأهم على امور طبيعية وروحانية فهم يطلبون ثواب ماوعد الله به ويرغبون فيه اثباتا للحكم الالهى فان المكابرة بالربوبية غير جائزة فهم مشاركون للعامة فى طلب الرغبة ويتميزون فى الباعث على ذلك فكان طلب العارفين ذلك لاعطاء كل ذى حق حقه ليخرجوا عن ظلم أنفسهم اذا وفوها حقها فمن لم يوف نفسه حقها فقد نزل عن درجة الكمال وكان غاشا لنفسه {وماالحياة الدنيا الا متاع الغرور} اى كالمتاع الذى يتخذ من نحو الزجاج والخزف مما يسرع فناؤه يميل اليه الطبع اول مارآه فاذا أخذه وأراد أن ينتفع به ينكسر ويفنى (حكى) انه حمل الى بعض الملوك قدح فيروزج مرصعا بالجواهر لم ير له نظير وفرح به الملك فرحا شديدا فقال لمن عنده من الحكماء كيف ترى هذا قال أراه فقرا حاضرا ومصيبة عاجلة قال وكيف ذلك قال ان انكسر فهو مصيبة لاجبر لها وان سرق صرت فقيرا اليه وقد كنت قبل أن يحمل اليك فى امن من المصيبة والفقر فاتفق انه انكسر القدح يوما فعظمت المصيبة على الملك وقال صدق الحكيم ليته لم يحمل الينا ثم كونها متاع الغرور والخدعة انما هو لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة الى الآخرة واما من اشتغل فيها بطلب الآخرة فهى له متاع بلاغ الى ماهو خير منها وهى الجنة فالدنيا غير مقصودة لذاتها بل لأجر الآخرة وفى الحديث "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح"تفسير : (وفى المثنوى) شعر : مال راكذ بهر حق باشى حمول نعم مال صالح كفتش رسول تفسير : فما شغل العبد عن الآخرة فهو من الدنيا ومالا فهو من الآخرة قال بعض الكبار ورد خطاب الهى يقول فيه خلقت الخلق لينظروا الى مفاتيح الدنيا ومحاسن الناس فيؤديهم النظر فى مفاتيح الدنيا الى الزهد فيها ويؤديهم النظر فى محاسن الناس الى حسن الظن بهم فعكسوا القضية فنظروا الى محاسن الدنيا فرغبوا فيها ونظروا الى مساوى الناس فاغتابوهم (حكى) ان الشيخ أ الفوارس شاهين بن شجاع الكرمانى رحمه الله خرج للصيد وهو ملك كرمان فأمعن فى الطلب حتى وقع فى برية مقفرة وحده فاذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع لما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا اليه سلم عليه وقال له يا شاه ماهذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك انما أعطاك الله الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة الى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه اذ خرجت عجوز وبيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيه الى الشاه فشربه فقال ماشربت شيأ ألذ منه ولا أبرد ولا اعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله الى خدمتى فما احتجت الى شىء الا أحضرته الى حين يخطر ببالى اما بلغك ان الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها يادنيا من خدمنى فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه فلما رأى ذلك تاب واجتهد الى ان كان من اهل الله تعالى فان قلت ان الله تعالى خلق للانسان جميع مافى الارض ولا ينبغى للعروس أن تجمع مانثر عليها بطريق الاعزاز والاكرام فمن عرف شأنه الجليل مانظر الى الامر الحقير القليل بل كان من اهل المروءة والهمة العالية فى الاعراض عما سوى الله تعالى والاقبال والتوجه الى الله تعالى
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {اعْلَموا أنما الحياةُ الدنيا لَعِبٌ} كلعب الصبيان، {وَلَهوٌ} كلهو الفتيان، {وزِينَةٌ} كزينة النسوان، {وتفاخر بينكم} كتفاخر الأقران، {وتكاثرٌ} كتكاثر الدهقان - أي الفلاحين - {في الأموال والأولاد} أي: مباهاة بهما. والتكاثر: الاستكثار، والحاصل: أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء، فضلاً عن الاطمئنان بها، وأنها مع ذلك سريعة الزوال، وشيكة الاضمحلال، ولذلك قال: {كَمَثَل غيثٍ أعجَبَ الكفَّارَ} أي: الحُرّاث، من: كَفَرَ الحبَ: ستره، ويقال: كفرت الغمامُ النجومَ: سترتها، أي: أعجب الزراع {نباتُه} أي: النبات الحاصل منه، {ثم يَهيجُ} أي: يجف بعد خضرته ونضارته، {فتراه مُصْفراً} بعد ما رأيته ناضراً مونِعاً، وإنما لم يقل: ثم تراه؛ إيذاناً بأنّ اصفراره مقارن لجفافه. {ثم يكون حُطاماً} متفتتاً متكسراً، شبَّه حالَ الدنيا وسرعة تقضّيها مع قلة جدواها بنباتٍ أنبته الغيث، فاستوى وقوي، وأعجب به حُرّاثه، أو: الكفار الجاحدون لنعمة الله تعالى فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة، فهاج، واصفرّ وصار حطاماً. وهذا المثل هو لمَن اشتغل بالدنيا، والجري عليها، وأمّا ما كان منها في طاعة الله، أو في الضرورات التي تُقيم الأولاد، وتُعين الطاعات، فلا يدخل في هذا المثل، وهذا مثال للإنسان ينشأ شابّاً قويّاً، حَسن المنظر والهيئة، ثم يأخذ في النقص والهرم، ثم يموت، ويضمحل أمره، وتصير الأموال لغيره. قال القشيري: الدنيا حقيرة، وأحقرُ منها قَدْراً: طالبُها، وأقلُّ منها خَطَراً: المُزاحِم فيها، فما هي إلاّ جيفة، وطلاب الجيفةِ ليس لهم خطر، وأخسُّهم مَن يبخل بها. وهذه الدنيا المذمومة هي ما شَغَل العبد عن الآخرة، فكل ما شغله عن الآخرة فهي الدنيا. هـ. {وفي الآخرةِ عذابٌ شديدٌ} لمَن أعرض عن الله، {ومغفرةٌ من الله ورضوانٌ} لمَن أقبل على الله، وزهد فيما سواه. والحاصل: أنّ الدنيا ليست إلاَّ محقراتٍ من الأمور، وهي اللعب، واللهو، والزينة، والتفاخر، والتكاثر، وأمّا الآخرة؛ فما هي إلا أمورٌ عِظام، وهي العذاب الشديد، والمغفرة، والرضوان من الله الحميد. والكاف في "كَمَثَلِ" في محل رفع، خبر بعد خبر، {وما الحياةُ الدنيا إِلا متاعُ الغُرور} لمَن ركن إليها، واعتمد عليها، ومتاع الغرور: هو الذي يظهر ما حسن منه، ويبطن ما قبح، يفعله مَن يغر الناس ويغشهم، وكذلك الدنيا تُظهر لطلابها حلاوةً ووَلُوعاً، وتزداد عليهم شيئاً فشيئاً، فينهمكون في حلاوة شهواتها وبهجتها، ويغفلون عن الاستعداد، والعمر يفنى من يدهم في البطالة، فهي تغرهم وتخدعهم حتى تسوقهم إلى الموت مفلسين. قال ذو النون: يا معشر المريدين؛ لا تطلبوا الدنيا، وإن طلبتموها فلا تحبوها، فإنّ الزاد منها، والمَقيل في غيرها. ولمَّا حقَّر الدنيا، وصغّ أمرها، وعظّم أمر الآخرة، حَثَّ عبادَه على المسارعة إلى نيل ما وَعَد من ذلك، وهي المغفرة والرضوان، فقال: {سابِقوا} بالأعمال الصالحة {إِلى مغفرة من ربكم} أو: سارِعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار، {وجنةٍ عرضها كعرض السماء والأرض} أي: كعرض سبع سموات، وسبع أرضين، إذا مدت إحداها حَذْو الأخرى، وذَكَر العرض دون الطول؛ لأنّ كل ما له عرض وطول فعَرضه أقلّ من طوله، فإذا وصف عَرضه بالبسط عُرف أن طوله أبسط، وهذا تقريب لأفهام العرب، وإلاَّ فالجنة أعظم من ذلك مراراً، كيف لا والمؤمن الواحد يُعطي قدر الدنيا عشر مرات! {أُعِدَّتْ} تلك الجنة {للذين آمنوا بالله ورسله} وهو دليل أنها مخلوقة، {ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء} وهم المؤمنون، وفيه دليل أنه"حديث : لا يدخل الجنة أحدٌ بعمله"تفسير : كما في الحديث: {والله ذو الفضل العظيم} وبذلك يؤتي من شاء ذلك الفضل، الذي لا غاية وراءه. الإشارة: قد شبّه بعضُ الحكماء الدنيا بسبعة أشياء، شبّهها بالماء المالح، يغرق ولا يروي، ويضر ولا ينفع، وشبهها بظل الغمام، يغر ويخذل، وشببها بالبرق الخاطف في سرعة الذهاب والإضرار، وبسحاب الصيف، يضر ولا ينفع، وبزهر الربيع، يغر بزهرته، ثم يصفر فتراه هَشيماً، بأحلام النائم، يرى السرورَ في منامه، فإذا استيقظ لم يجد في يديه شيئاً إلاّ الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الرعاف، يغر ويقتل. هـ. قال حفيده: فتأملت هذه الحروف سبعين سنة، ثم زِدتُ فيها حرفاً واحداً فشبهتها بالغول التي تهلك مَن أجابها، وتترك مَن أعرض عنها. هـ. وفي كتاب قطب العارفين، لسيدي عبد الرحمن اللجائي، قال: فأول درجة الذاهبين إلى الله تعالى: بغض الدنيا، التي هي ظلمة القلوب، وحجاب لوائح الغيوب، والحاجزة بين المحب والمحبوب، فبقدر رفضها يستعد للسفر، ويصح للقلوب النظر، فإن كانت الدنيا من قلب العبد مرفوضة، حتى لا تعدل عنده جناح بعوضة، فقد وضع قدمه في أول درجة من درجات المريدين، فينظر العبد بعد ذلك ما قدّمت دنياه، ويقبل على أخراه. هـ. وذكر القشيري في إشارة الآية: أنها إشارة إلى أطوار النفس والقلب والروح والسر، فقال بعد كلام: وأيضاً يُشير إلى تعب صِبا النفس الأمّارة بملاعب المخالفات الشرعية، والموافقات الطبيعية، وإلى لهو شاب القلب بالصفات القلبية، مثل الزهد، والورع، والتوكُّل والتقيُّيد بها، وإلى زينة كهل السر بالأحوال السرية، والمنازلات الغيبية، مثل الكشوفات والمشاهدات والمعاينات، وإلى تفاخر شيخ الروح بإنبات التجليات والتنزلات، وإلى تكاثر سر السر بالفناء عن ناسوتيته، والبقاء بلاهوتيته الجامع. هـ. إلاّ أنه قدّم السر على الروح، والمعهود العكس، فانظره. قوله: {سابِقوا...} الآية، فيه إغراء على النهوض إلى الله، وسرعة السير إلى الحق تعالى، التنافس في السبق، كما قال الشاعر: شعر : السباقَ السباقَ قولاً وفعلاً حَذَّر النفسَ حسرةَ المسبوق تفسير : حُكي عن أبي خالد القيرواني، وكان من العُبّاد، المجتهدين: أنه رأى خيلاً يسابقَ بها، فتقدمها فَرَسان، ثم تقدم أحدهما الآخر، ثم جدّ الثاني حتى سبق الأول، فتخلّل أبو خالد، حتى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقبّله، ويقول: بارك الله فيك، صبرت فظفرت، ثم سقط مغشيّاً. هـ. قال الورتجبي: دعا المريدين إلى مغفرته بنعت الإسراع، يعني في قوله: {سارِعوا} ودعا المشتاقين إلى جماله بنعت الاشتياق، وقد دخل الكل في مظنة الخطاب؛ لأنّ الكل قد وقعوا في بحار الذنوب، حين لم يعرفوه حقّ معرفته، فدعاهم إلى التطهير برحمته من الغرور بأنهم عرفوه. هـ. أي: دعاهم إلى التطهير من الاغترار بمعرفته، وهي لم تحصل. والله تعالى أعلم. ثم سلَّى عباده عما يصيبهم، ومن جملة ذلك: الاغترار بالدنيا، فقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : زهّد الله سبحانه الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا، ورهّبهم عن التورط في مشتهياتها بأبلغ وجه وآكده، حيث بيّن ان محقّرات مشتهياتها ومختصرات لذاتها ليست في الواقع وعند أولياء الله الذين نظرهم على حقائق الأمور وبواطنها، إلاَّ أمورا وهمية باطلة زائلة، وهي اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، إلاَّ أنها كذلك من باب التجوّز والتشبيه لعلاقة الاشتراك بينهما في عدم البقاء - كما وقع في بعض التفاسير -، فإن ذلك بحسب النظر الجليل وإدراك أهل الحجاب. ولا انها كذلك بحسب المبالغة والتخييل كما هو عادة الشعراء وأهل القصص - أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين -، بل هي بحسب التحقيق ليست إلاَّ هذه المذكورات وليست إلاَّ متاع الغرور، كما مثّل الله تعالى: {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً}تفسير : [النور:39]. وكما أن أمور الدنيا ليست إلاَّ أوهام محضة وخيالات صرفة، فأمور الآخرة بعكس ذلك، إذ ليست إلاَّ أموراً عظيمة ثابتة إلهيّة. لأنها بواطن الأشياء وحقائقها التي لا تبيد ولا تنقص. وقيل: "اللعب" ما رغّب في الدنيا، و "اللهو" ما الهى عن الآخرة، و"الزينة" ما يتنزينون به في الدنيا ويتحلّون في أعين أهلها ثم يتلاشى. ومنشأ التفاخر بين الناس، هو القوة الغضبيّة والهيئة السَّبُعِيَّة التي لا تزال توجب التفوق على الأقران، والترفع على الأشباه، ومنشأ التكاثر هو القوة الشهويّة والصفة البهيميّة التي لا تزال تطلب تزايد المشتهيات. ثم إنه تعالى مثّل حال الدنيا وسرعة انقضائها وفنائها مع قلّة جدواها بنبات أنبته المطر فاستوى واستكمل وأعجب الكفّار نباته - دون غيرهم -، لأنهم هم المُغْتَرّون بالأمور الباطلة الواهية، بسبب ما يخيل ويروق لهم من ظواهر زينتها بما ينكرون الآخرة ولا يعرفونها، فهم بها أعلق، وهي لهم أروق وألمع، لا لأهل الله والمؤمنين حقاً. وليس المراد منه المبالغة في وصف النبات وبيان حسنه بأنه يعجب الكفّار، مع جحودهم لنعمة الله فيما رزقهم - كما قيل -، بل إعجاب الكافر بيان للواقع في الحكاية التي مثّل بها الحياة الدنيا. ويجوز أن يكون إشارة إلى القصة المذكورة في القرآن لصاحب الجنّة والجنتين. وقيل: الكفّار: الزرّاع، ثم بعث عليه الآفة فهاج، أي يبس واصفرّ وصار حطاماً، أي: ما ينحطم وينكسر بعد يبسه عقوبة لهم على جحودهم وكفرانهم، وفي الآخرة عذاب شديد، أي: لمن رغب في الدنيا فيشغله ذلك عن الآخرة - ومغفرة من الله ورضوان، أي: لمن تزوّد منها للآخرة. وما الحياة الدنيا، لمن ركن إليها وتَطَمْئَن بها، - إلاّ متاع الغرور - كلامع السراب للظمآن حيث يتخيّل له لغاية ظمئه ان له حقيقة. كذلك حكم الدنيا للناقصين وضعفاء العقل، يتخيّل لهم ما فيها لذة وكمالاً فيغترّون بها. إعلم أن ما يوجب عقوبة أهل الجحيم في الآخرة، وتعذيبهم بالعذاب الأليم، هو بعينه موجود معهم في الدنيا، يعذب باطنهم بنيرانه، وذلك هو الاعتقادات الفاسدة والأخلاق الرديّة التي كلها نيرانات ملتهبة وحرقات مشتعلة تؤذي صاحبها وتوجب العداوة والبغضاء له مع أبناء الدنيا، الذين سيصيرون من أصحاب الجحيم، والخصومة معهم في مقاصدهم ومآربهم الخسيسة الدنيوية، وهذه الجهالات وذمائم الملكات، كما توجب التعذب بها لصاحبها في الأولىٰ، فهي بعينها التي توجب التعذب بها لهم في الآخرة على وجه أشد وأبقى، لقوله تعالى: {أية : وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [طه:127]. فإن أمور البدن وأشغال الدنيا ها هنا تلهي وتغفل الروح عن دركها كما هي، بخلاف النشأة الثانية، فإن البدن الأخروي لا يلهي الروح عن إدراك الآلام - ان كانت شقيّة - كما لا يلهيها عن إدراك اللذّات الأخروية ان كانت سعيدة. فأهل النار - إذا دخلوها - تسلط النار على ظواهرهم وبواطنهم، لأن ظواهرهم عين بواطنهم - كما حققناه في بعض كتبنا عند إثباتنا المعاد الجسماني بالاستبصار العقلي أيضاً، كما هو ثابت عند الجمهور من الملّيين والحكماء الإسلاميين بالنص النقلي -، وليس لحقيقة العذاب تسلط ها هنا على ظواهر الأشقياء، لكن ظواهرهم مبائنة لبواطنهم - إلاَّ نحواً ضعيفاً لم يتنبهوا عليه لخدر الطبيعة وسكر البدن وجهل المادة -. فإذا تسلط عذاب النار على ظاهرهم وباطنهم، وأحاط بهم سرادقها، ملكهم الجزع والاضطراب، فيكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً، متخاصمين متقاولين، كما نطق به كلام الله في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا}تفسير : [الأعراف:38]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ}تفسير : [ص:64]. وكما ان هيآت أمراض الجهل وغيره من الصفات، إذا كانت راسخة مقرونة مع العناد والاستكبار، لا يمكن أن تزول أصلاً، فكذلك الأشقياء المردودون من الكفرة والمتجبرين، لا يُخَفّف عنهم العذاب ولا هم يُنصرون، فكلما طلبوا أن يُخفف عنهم العذاب وأن يقضى عليهم، واستغاثوا أن يرجعوا إلى الدنيا لم يجابوا إلى طلباتهم، كما حكى الله تعالى عن اقتراحهم واستغاثتهم بقوله تعالى: {أية : يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف:77] وعن عدم إجابتهم بل منعهم عن السؤال وطردهم عن الاقتراح بمثل قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ}تفسير : [الزخرف:77]. {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون:108]. فلمَّا يئسوا وَطّنوا أنفسهم على العذاب والمكث على ممر السنين والأحقاب، وتعللوا بالأعذار، ومالوا إلى الاصطبار وقالوا: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم:21]. فإن قلت: كيف حكم الله على الحياة الدنيا بأنها لهو ولعب - أي باطل موهوم لا حقيقة لها - مع أنها ثابتة في الواقع، والثابت في الواقع لا يكون باطلاً موهوماً؟ قلنا: يمكن الجواب عن هذا بحسب جليل النظر انه ليس المراد مما ذكره سبحانه ان الحياة الدنيا - التي هي القوة على الحس والحركة - أمر موهوم، إذ لا شك في أنها أمر ثابت في بعض الأوقات - وإن لم يكن دائمياً -، بل الغرض منه إن هذه الحياة ليست حقيقية يمكن ثبوتها في حق الإنسان بما هو إنسان - أي ذو جوهر روحاني هو محل معرفة الله -، لأن حياته حياة علمية نطقية أخروية والحياة الحسية الدنيوية هي حياة تتصف بها الحيوانات بما هي كذلك - أي ذو جوهر حسّاس -، وإذا اتّصف بها الإنسان في بعض الأوقات، فإنما يكون بما هو به حيوان، لا بما هو به إنسان. فاتصاف الإنسان بتلك الحياة الحسية باعتبار أن له قلباً حقيقياً هو محل معرفة الله أمر وهمي، إذ لا وجود لها للإنسان إلاَّ مجازاً لعلاقة الارتباط بين حقيقة الإنسان - الذي هو روحه المشار إليها بـ "أنا" - والجسد الحيواني الواقع تحت جنس الحيوان عند أخذه لا بشرط شيء، أي بالاعتبار الذي به حيوان - لا بما هو به بُنْيَة ومادة -، وقد تبيّن الفرق بينهما في علم الميزان. ويمكن أن يقال بحسب دقيق النظر: إن المراد من الحياة الدنيا نفس الإدراك الحسي للأمور الدنيوية - تسمية للشيء باسم ما ينبعث عنه ويتم به -، فإن الحياة الحيوانية إنما تتم بالحس والحركة. وغاية الحركة أيضاً هي الحس في غير الإنسان. والإحساس بالشيء لا يتم إلاَّ بالتوهم والتخيل، والموهوم أو المتخيل - بما هو موهوم أو متخيل - لا وجود له في الخارج - بل في الذهن -، وكل ما لا وجود له في الخارج فهو لهو ولعب، أي باطل. ولو تفطن متفطّن، لَعَلم أن كل من يلتذ بأمر من الأمور الدنيوية أو يتألم به، فإنما يلتذّ ويتألم بما هو حاضر في ذهنه - مع قطع النظر عن الخارج - حتى لو جزم إنسان بوجود أمر ملائم له لكانت لذته بذلك الملائم متحققة وإن عُدِم في الواقع. وذلك كمن عشق واحداً واعتقده في غاية الحسن والجمال، إذ ربما كان التذاذه بوجوده وتشوقه لِجماله ثابت مدة مديدة يظن أنه موجود في موضع كذا من داره - وهو قد مات منذ أول تلك المدة -، فعلم أن وجوده الخارجي ليس موضوع هذه المحبوبية لفقده، فقِس عليه حال جميع المحبوبات والمعشوقات الدنيوية في أنها أوهام محضة لا وجود لها في الخارج، والحياة الدنيا ليست إلاَّ حالتك قبل الموت بالقياس إلى هذه المحسوسات. ومما ينبغي لك أن تعلم، انه ليس حصول التعقلات الكلية، وادراك المعارف الإلهية، ونيل الحقائق الكونية على النحو التي هي عليه للإنسان من جملة الحياة الدنيا الحسيّة أصلاً، بل إنما هي له لأجل ما به من النشأة الأخروية والحياة الإدراكية العقلية. وقد علم مما ذكر أن ها هنا حكمين: إحدهما: كون الأمور الدنيوية من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، في أنفسها وبحسب جواهرها وذواتها أموراً وهمية. وثانيهما: ان وجود الأشياء للإنسان وهمي. وكلا الحكمين حق وصواب. أما الثاني: فلِما أشرنا إليه، من أن وجود الذهب في نفسه ليس ملذاً للإنسان، بل الاعتقاد بوجوده له مما يتلذ به. وأما الأول: فلما حققناه في موضعه، موافقاً لما عليه المحقّقون من العلماء فضلاً عن الأولياء والعرفاء، من أن المركّبات المحسوسة الجزئية لا وجود لها منفرداً عن الحقائق البسيطة المعقولة التي تتقوم بها تلك الجزئيات، وقد صرحوا بأن مناط وجود الجزئيات المادية محسوسيتها، ومناط المحسوسية وجود الشيء للجوهر الحاس، وقد علمت أن الإحساس لا يتم إلاَّ بالتوهم، أي الوجود للقوة الوهمية التي هي من جنود الشيطان. واعلم أن لذّات الحياة الدنيا إنما هي لعب ولَهْوٌ لأنها من فعل الشيطان، وإلاَّ فليست أمور الدنيا بما هي هي - أي بالحيثية التي هي بها ثابتة وحق - لذيذة، لأن لكل شيء حقيّة، وحقية أمور الدنيا، تجددها وزوالها وانصرامها وفناؤها، لأنها أكوان ناقصة واقعة في جهة السلوك إلى الله تعالى والارتقاء إليه. والسالك بما هو سالك ليس له في حدود سلوكه كمال، فإن الحركة هي نفس الخروج من القوة إلى الفعل، فهي ما بين صرافة القوة والفاقة ومُحُوضة الفعل، والوجود واللذة الحقة من توابع الوجود الحق الذي تتوجه إليه الموجودات، والتوجه إلى الحق إنما هو بقطع الحجب الظلمانية الساترة للحق لأجل الوجود الموهوم، ينسب إليها بحسب القوة الوهمية، فعالم الكون كله خيال في خيال كما يقال: شعر : كل ما في الكون وهم أو خيال أو عكوس في المرايا أو ظلال تفسير : فحقيّة العكس أو الخيال أو الظل إذا أخذ من حيث كونه عكساً أو خيالاً أو ظلاً، وأما إذا أُخذ العكس أصلاً، والخيال عَيناً، والظل شخصاً، فيكون كل منها باطلاً، كما في قول لبيد: شعر : ألاَ كُلُّ شيء ما خلا الله باطلُ وكلُ نعيم لاَ مَحَالَةَ زائُلُ تفسير : لان ما خلا الحق تعالى معلول ممكن، والمعلول إذا أُخذ منسوباً إلى الحق كان حقاً بحقيّة الحق وواجباً بوجوبه، وإذا أُخذ غير منسوب إليه - بل منفرداً عنه - كان باطلاً، فالعالم بما هو عالم وسوى الحق باطل، لكنه موهوم الوجود، كما ان الظل موهوم الوجود، والوهم من فعل الشيطان، والواهمة من جنوده، وكذا كل متوهم من حيث هو مُتَوَهّم - أي مذعن لأحكام الوهم - من جنود الشيطان. كما ان العقل من جنود الحق، وكذا كل عاقل - أي مذعن لأحكام العقل -. وقد علمت أن التطارد بينهما في معركة القلب الإنساني قائم كما مرّ، والمعقولات جنّة العقل وجنوده، يلتذّ بها وَيَتَبَوءُ فيها حيث يشاء، كما ان الموهومات جنّة الوهم وجنوده، يستلذّ بها وينسرح فيها حيث يشاء. قال بعض العلماء: إن إبليس لمّا تمّت حيلته على آدم، ووصل بالأذية إليه، ونال بغيته وبلغ أمنيته، وسأل ربه الإنظار إلى يوم يبعثون، فاجيب إلى يوم الوقت المعلوم، اتخذ لنفسه جنّة غرس فيها أشجاراً وأجرى فيها أنهاراً ليشاكل بها الجنة التي أسكنها آدم، وقاس عليها وهندس على مثالها هندسة فانية مضمحلة لا بقاء لها، وجعلها مسكن أهله وولده وذريته وهي كمثل السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، وذلك انه من الجن، وقد قيل: إن للجن التخيّل والتمثل لما لا حقيقة له، كذلك فعل إبليس وجنوده، إنما هو تمويه وتزويق ومخاريق لا حقيقة لها ولا حق عندها، ليصدّ بها الناس عن الطريق القويم والصراط المستقيم، وبذلك وعد ذريّة آدم إذ قال: {أية : لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف:17]. والجنة التي غرسها إبليس لذريّته ليصدوا بها ذريّة آدم عن الجنة التي كان فيها، هي الأمور الدنيوية والشهوات الدنيّة الوهمية وفعل الخطايا والمآثم، وارتكاب المحارم، وحب القِنية الفانية، والخروج عن طاعة الله، ومتابعة الذين أخلدوا إلى الأرض ورغبوا في الدنيا وعاجلها، ودَعَوا الآخرة وآجلها، التي هي دار القرار ومحل الأخيار ومقام الأبرار، وجميع هذه الأمور لعب ولهو كما وصفها الله تعالى به، فالعاقل هو الذي وفّق للخروج من جنّة إبليس فيرجع إلى جنّة أبيه وذريّته الطاهرين، ويتخلص من أدناس ذرية إبليس أجمعين وأتباعهم، وهم المعتكفون على الأمور الدنيوية، المكبّون على اللذات والشهوات الدنيّة التي ستنقلب بعينها في الدار الآخرة إلى ألوان العقوبات وأنواع الآلام والمحن الشديدة، كما أشار سبحانه بقوله في هذه الآية: {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الحديد:20]، فهم في العذاب مشتركون، وبذلك وعد ربهم إذ قال لإبليس: {أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص:85].
الجنابذي
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ} ابتداء كلامٍ منقطع عن سابقه وتزهيد عن الحياة الدّنيا ولوازمها، وترغيب فى الآخرة والانفاق وتسهيل له {أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} اللّعب ما له غاية خياليّة غير عقليّةٍ، واللّهو ما لم يكن له غاية خياليّة مدركة مشعوراً بها وان كان لا يجوز ان يكون فعل المختار بلا غايةٍ، والتّقدير اعلموا انّ متاع الحياة الدّنيا او حاصل الحياة الدّنيا لعب ولهو {وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} اى تغالب فى ذلك ولا يبقى للعاقلة شيءٌ من ذلك {كَمَثَلِ غَيْثٍ} مفعول ثان لاعلموا او انّما وما بعده قائم مقام المفعولين او هو خبر مبتدءٍ محذوف {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} اى نبات الغيث الّذى نبت بسبب الغيث وقال تعالى: اعجب الكفّار لانّ الكفّار لكفرهم بالله اشدّ اعجاباً بصورة النّبات بخلاف غير الكفّار فانّهم يفرحون بالمنعم وانعامه {ثُمَّ يَهِيجُ} ييبس ببلوغه الى غايته او بعاهةٍ {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} لائقاً للنّار {وَفِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} مثّل الحياة الدّنيا ونزول ماء الحياة من سماء الارواح بنزول المطر من السّماء وصورة الانسان فى بدو الامر بنبات النّبات فى اوّل الامر ضعيفاً ثمّ استواء الانسان باستواء النّبات فى خضرته وطراوته واعجابه للغافل عن الآخرة ثمّ انحطاطه بانحطاط النّبات ثمّ موته بيبس النّبات واصفراره وتكسّره ثمّ العذاب فى الآخرة للمفتون بالحياة باحتراق النّبات اليابس {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَانٌ} لمن لم يفتتن او للكلّ بشرط الاستعداد والاستحقاق {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} اى التّمتّع المسبّب من الغرور او متاع سبب للغرور. 57
الهواري
تفسير : قوله: {اعْلَمَُواْ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} أي: إنما أهل الدنيا أهل لعب ولهو، [يعني المشركين] {وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي: مطر {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} يعني ما أنبتت الأرض من ذلك المطر {ثُمَّ يَهِيجُ} ذلك النبات {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} أي: يصفار {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} [أي: متكسّراً ذاهباً] كقوله: (أية : هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) تفسير : [الكهف:45] {وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: للكافرين {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ} أي: للمؤمنين. {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي: يغترّ بها أهلها. ذكروا عن أبي عبد الله قال: سمعت أبا الدرداء يقول: الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما أوى إليه ذكر الله. ذكرو عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر . تفسير : قوله: {سَابِقُوا} أي: بالأعمال الصالحات {إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} يعني جميع السماوات وجميع الأرضين مبسوطات كل واحدة إلى جانب صاحبتها. هذا عرضها، ولا يصف أحد طولها. وقال في آية أخرى: (أية : عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ) تفسير : [آل عمران:133] أي: الأرضين السبع. قال تعالى: {أُعِدَّت لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ}. ذكروا عن الحسن قال: أرض الجنة رخام من فضة، وترابها مسك أذفر أشد بياضاً من جواريكم هذه، وحيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وبلاطها المسك الأذفر. وجذوع نخلها ذهب، وسعفها حلل، ورطبها مثل قلال هجر، أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وإن أدنى أهل الجنة منزلاً آخرهم دخولاً، فيعطى فيقال له: انظر ما أعطاك الله، فيفسح له في بصره فينظر إلى مسيرة خمسمائة سنة كله له، ليس فيه شبر إلا وهو عامر قصور الذهب والفضة وخيام الياقوت، فيه أزواجه وخدمه، يغدى عليه كلَّ يوم بسبعين ألف صحفة من ذهب، ويُراح عليه بمثلها، في كل واحدة منها لون ليس في صاحبتها، يأكل من آخرها كما يأكل من أولها. لو نزل به الجن في غداء واحد لوسعهم، ولا ينقص ذلك مما عنده شيئاً. بلغنا أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} قال: حديث : هي مائة درجة كل درجة منها عرضها السماوات والأرض . تفسير : قال: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشآءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
اطفيش
تفسير : {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَٰوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَولادِ} لما ذكر حال الفريقين في الآخرة امرهم تأكيدا ان يعلموا انحصار أمر الدنيا التي لا يتوصل بها الى الفوز في أمور كالخيال قليلة النفع سريعة الزوال فمن لعب باطل لا حاصل له كلعب الصبيان ومن لهو أي فرح ساعة ينقضي قريبا يلهون به عن الآخرة ومن منظر يتزينون به كالمراكب والمنازل والملابس الحسنات ومن تفاخر بالانساب وتكاثر بالاموال والاولاد فالاولاد عدد بفتح العين والاموال عدد بضمها وقيل: يجمعون مالا يحل فيتطاولون بالمال والخدم والولد على اولياء الله والدنيا نفس نائمة والآخرة نفس يقظانه فالنجاة من النائمة العلم وثمرتها مخالفة الهوى في اجتناب المناهي ثم مكابدة النفس على اداء الفرائض والطهارة من الادناس فيورث السهولة في التعبد والحول في مقامات العابدين فيذيقه ما اذاق أولياءه واصفياءه من درجة المذاق. كما ذُكر عن سيدنا ابراهيم خليل الرحمن انه اصابه عطش شديد في يوم شديد الحر في مفازة فنظر الى حبشي يرعى الابل فقال له هل عندك ماء فقال يا ابراهيم: أيما أحب إليك الماء أو اللبن؟ قال: الماء فضرب بقدمه على صخرة فنبع الماء فتعجب ابراهيم عليه السلام فاوحى الله عز وجل يا ابراهيم لو سألني هذا الحبشي ان ازيل السماوات والارض لأزلتهما فقال ولِم ذلك يا رب فقال ليس يريد من الدنيا والآخرة غيري ثم ضرب لهذه الحياة الدنيا مثال بقوله {كَمَثَلِ غَيْثٍ} مطر {أَعْجَبَ الكُفَّارَ} أي الزراع لانهم يكفرون البذر أي يسترونه في الارض لينبت أو الكفار بالله لانهم أشد أعجابا بزينة الدنيا ولان المؤمن اذا رأى معجبا انتقل فكره الى قدره صانعه فاعجب بها والكافر يستغرق فكره فيه. {نَبَاتُهُ} الناشىء عنه {ثُمَّ يَهِيجُ} ييبس {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} ويبسه بساقه أو عقوبة لهم أو بلوغ أوانه.{ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً} مفتتاً متكسراً وذلك مثال في سرعة التقضي وقلة الجدوى وعظم أمر الآخرة. {وَفِى الأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} للمنافقين والمشركين {وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ} للمؤمنين لايثارهم الآخرة على الدنيا.{وَمَا الحَيَٰوةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ} يتمتع به الكافر وأما المؤمن فهي له بلاغ إلى الآخرة.
الالوسي
تفسير : {ٱعْلَمُواْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ } بعدما بين حال الفريقين في الآخرة شرح حال الحياة التي اطمأن بها الفريق الثاني، وأشير إلى أنها من محقرات الأمور التي لا يركن إليها العقلاء فضلاً عن الاطمئنان بها بأنها لعب لا ثمرة فيها سوى التعب ولهو تشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه وزينة لا يحصل منها شرف ذاتي كالملابس الحسنة والمراكب البهية والمنازل الرفيعة {وَتَفَاخُرٌ } بالأنساب والعظام البالية وتكاثر بالعدد والعدد. وقرأ السلمي {وتفاخر بينكم } بالإضافة، ثم أشير إلى أنها مع ذلك سريعة الزوال وشيكة الاضمحلال بقوله سبحانه: {كَمَثَلِ غَيْثٍ } مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي راقهم {نَبَاتُهُ} أي النبات الحاصل به، والمراد بالكفار إما الحراث على ما روي عن ابن مسعود لأنهم يكفرون أي يسترون / البذر في الأرض ووجه تخصيصهم بالذكر ظاهر، وأما الكافرون بالله سبحانه ووجه تخصيصهم أنهم أشد إعجاباً بزينة الدنيا فإن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة موجده عز وجل فأعجب بها، ولذا قال أبو نواس في النرجس: شعر : عيون من لجين شاخصات على أطرافها ذهب سبيك على قضب الزبرجد شاهدات (بأن الله ليس له شريك) تفسير : والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق إعجاباً {ثُمَّ يَهِـيجُ } يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له، وقيل: أي يجف بعد خضرته ونضارته {فَتَرَٰهُ} يا من تصح منه الرؤية {مُصْفَـرّاً } بعد ما رأيته ناضراً مونقاً، وقرىء {مصفاراً} وإنما لم يقل فيصفر قيل: إيذاناً بأن اصفراره غير مقارن لهيجانه وإنما المترتب عليه رؤيته كذلك، وقيل: للإشارة إلى ظهور ذلك لكل أحد {ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } هشيماً متكسراً من اليبس، ومحل الكاف قيل: النصب على الحالية من الضمير في {لَعِبٌ } لأنه في معنى الوصف، وقيل: الرفع على أنه خبر بعد خبر للحياة الدنيا بتقدير المضاف إليه أي مثل الحياة كمثل الخ، ولتضمن ذلك تشبيه جميع ما فيها من السنين الكثيرة بمدة نبات غيث واحد يفنى ويضمحل في أقل من سنة جاءت الإشارة إلى سرعة زوالها وقرب اضمحلالها. وبعد ما بين حقارة أمر الدنيا تزهيداً فيها وتنفيراً عن العكوف عليها أشير إلى فخامة شأن الآخرة وعظم ما فيها من اللذات والآلام ترغيباً في تحصيل نعيمها المقيم وتحذيراً من عذابها الأليم، وقدم سبحانه ذكر العذاب فقال جل وعلا: {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا {وَمَغْفِرَةٌ } عظيمة {مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } عظيم لا يقادر قدره. وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب «لن يغلب عسر يسرين». وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضاً ورمز إلى أن الخير هو المقصود بالقصد الأولي. {وَما ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ } لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة للآخرة ومطية لنعيمها، روي عن سعيد بن جبير الدنيا متاع الغرور إن ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله تعالى وطلب الآخرة فنعم المتاع ونعم الوسيلة.
ابن عاشور
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلْـٰدِ}. أعقب التحريض على الصدقات والإِنفاقِ بالإِشارة إلى دحض سبب الشح أنه الحرص على استبقاء المال لإِنْفَاقَه في لذائذ الحياة الدنيا، فضُرب لهم مثلُ الحياة الدنيا بحالٍ محقَّرة على أنها زائلة تحقيراً لحاصلها وتزهيداً فيها لأن التعلق بها يعوق عن الفَلاَح قال تعالى: {أية : ومن يوق شحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9]، وقال: {أية : وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}تفسير : [النساء: 128]. كل ذلك في سياق الحث على الإنفاق الواجب وغيره، وأشير إلى أنها ينبغي أن تتخذ الحياة وسيلة للنعيم الدائم في الآخرة، ووقاية من العذاب الشديد، وما عدا ذلك من أحوال الحياة فهو متاع قليل، ولذلك أعقب مثل الحياة الدنيا بالإِخبار عن الآخرة بقوله: «في الآخرة عذاب» الخ. وافتتاح هذا بقوله تعالى: {اعلموا} للوجه الذي بيناه آنفاً في قوله: {أية : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها}تفسير : [الحديد: 17]. و{أَنَّمَا} المفتوحةُ الهمزة أخت (إنما) المكسورة الهمزة في إفادة الحصر، وحصر الحياة الدنيا في الأخبار الجارية عليها هو قصر أحوال الناس في الحياة على هذه الأمور الستة باعتبار غالب الناس، فهو قصر ادعائي بالنظر إلى ما تنصرف إليه همم غالب الناس من شؤون الحياة الدنيا، والتي إن سلم بعضهم من بعضها لا يخلو من ملابسة بعض آخر إلا الذين عصمهم الله تعالى فجعل أعمالهم في الحياة كلها لوجه الله، وإلا فإن الحياة قد يكون فيها أعمال التقى والمنافع والإحسان والتأييد للحق وتعليم الفضائل وتشريع القوانين. وقد ذكر هنا من شؤون الحياة ما هو الغالب على الناس وما لا يخلو من مقارفة تضييع الغايات الشريفة أو اقتحام مساوٍ ذميمة، وهي أصول أحوال المجتمع في الحياة، وهي أيضاً أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم، فإن اللعب طور سِنّ الطفولة والصبا، واللهوَ طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخرَ طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة. وذكر هنا خمسة أشياء. فاللعب: اسم لقول أو فعل يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة وحشة الوحدة، أو السكون، أو السكوت، أو لجلب فرح ومسرة للنفس، أو يجلب مثل ذلك للحبيب، أو يجلب ضده للبغيض، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعاً لوحشة السكون، والهذيان المقصود لدفع وحشة السكوت، ومنه العبث، وكالمزح مع المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحبباً أو إرضاء له. واللعب: هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب ويتفاوت غيرهم في الإِتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإِنسان وفي رجاحة العقول وضعفها. والإِفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قوم إبراهيم له: {أية : أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين}تفسير : [الأنبياء: 55]. واللعب يكثر في أحوال الناس في الدنيا فهو جزء عظيم من أحوالها وحسبك أنه يَعمُر معظم أحوال الصبا. واللهو: اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس به وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه. قال امرؤ القيس: شعر : وبيضة خدر لا يرام خِباؤها تمتعتُ من لَهْو بها غيرَ معجَل تفسير : وقال النابغة يذكر حجه: شعر : حيَّاكِ ربي فإنا لا يحل لنا لَهْوُ النساء وإن الدِّين قد عَزَما تفسير : ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب. والزينة: تحسين الذات أو المكان بما يجعل وقعه عند ناظره مُسراً له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم وذلك في طباع النساء أشد، وربّما كان من أسباب شدته فيهن كثرةُ إغراء الرجال لهن بذلك. ويكثر التزين في طور الفتوة لأن الرجل يشعر بابتداء زوال محاسن شبابه، والمرأة التي كانت غانية تحب أن تكون حالِيَة، وليس ذلك لأجل تعرضها للرجال كما يتوهمه الرجال فيهن غروراً بأنفسهم بل ذلك لتكون حسنة في الناس من الرجال والنساء. ويغلب التزين على أحوال الحياة فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة، وهي ذاتية ومعنوية، ومن المعنوية ما يسمى في أصول الفقه بالتحسيني. والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل. وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف {بينكم}. والناس يتفاخرون بالصفات المحمودة في عصورهم وأجيالهم وعاداتهم، فمن الصفات ما الفخر به غير باطل. وهو الصفات التي حقائقها محمودة في العقل أو الشرع. ومنها ما الفخر به باطل من الصفات والأعمال التي اصطلح قوم على التمدح بها وليست حقيقة بالمدح مثل التفاخر بالإِغلاء في ثمن الخمور وفي الميسر والزنى والفخر بقتل النفوس والغارة على الأموال في غير حق. وأغلب التفاخر في طور الكهولة واكتمال الاشُدَّ لأنه زمن الإِقبال على الأفعال التي يقصد منها الفخر. والتفاخر كثير في أحوال الناس في الدنيا، ومنه التباهي والعُجب، وعنه ينشأ الحسد. والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء، فإنه يكون أحرص على أن يكون الأكثر منه عنده فكان المرء ينظر في الكثرة من الأمر المحبوب إلى امرىء آخر له الكثرة منه، ألا ترى إلى قول طرفة: شعر : فلو شاء ربي كنت قيس بن عاصم ولو شاء ربي كنت عمرو بن مَرثد فأصبحت ذا مال كثير وطافَ بي بنونَ كرامٌ سَادة لمسوَّد تفسير : ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه، قال تعالى: {أية : ألهاكم التكاثر}تفسير : [التكاثر: 1]. و{في} من قوله: {في الأموال والأولاد}: إما مستعملة في التعليل، وإما هي الظرفية المجازية، فإن جُعلت الأموال كالظرف يحصل تكاثر الناس عنده كمن ينزع في بئر. والمعنى: أن الله أقام نظام أحوال الناس في الحياة الدنيا على حكمة أن تكون الحياة وسيلة لبلوغ النفوس إلى ما هيّأَها الله له من العروج إلى سمو المَلَكِيَّة كما دل عليه قوله: {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]، فكان نظام هذه الحياة على أن تجري أمور الناس فيها على حسب تعاليم الهدى للفوز بالحياة الأبدية في النعيم الحق بعد الممات والبعث، فإذا الناسُ قد حرفوها عن مهيعها، وقد تضمن ذلك قوله تعالى: {أية : من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}تفسير : [النحل: 97]. {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمًا}. يجوز أن يكون في موضع خبر من مبتدأ محذوف، أي هي كمثلِ غيث فتكون الجملة استئنافاً، وحَذفُ المسند إليه من النوع الذي سماه السكاكي «متابعةَ الاستعمال». ويجوز أن يكون الكاف في موضع الحال و{كمثل} معناه كحال، أي حال الحياة الدنيا كحال غيث الخ، فشبهت هيئة أهل الدنيا في أحوالهم الغالبة عليهم والمشار إلى تنويعها بقوله: {لعب ولهو} إلى آخره بهيئة غيث أنبت زرعاً فأينع ثم اصفر ثم اضمحلّ وتحطم، أي تشبيه هيئة هذه الأحوال الغالبة على الناس في الحياة في كونها محبوبة للناس مزهية لهم وفي سرعة تقضيها بهيئةِ نبات جديد أنبته غيث فاستوى واكتمل وأُعجب به من رآه فمضت عليه مدة فيبس وتحطم. والمقصود بالتمثيل هو النبات، وإنما ابتدىء بغيث تصويراً للهيئة من مبادئِها لإِظهار مواقع الحسن فيها لأن ذلك يكتسب منه المشبه حُسناً كما فعل كعب بن زهير في تحسين أوصاف الماء الذي مُزجت به الراح في قوله: شعر : شُجت بذي شَيم من ماء مَحنية صافٍ بأبطحَ أضحَى وهو مشمول تَنفي الرياحُ القَذى عنه وأفرطَه من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يعاليل تفسير : وعن ابن مسعود «أن الكفار: الزُرَّاع، جمع كافر وهو الزارع لأنه يَكفر الزريعة بتراب الأرض، والكفر بفتح الكاف الستر، أي ستر الزريعة، وإنما أوثر هذا الاسم هنا وقد قال تعالى في سورة [الفتح: 29]: {أية : يعجب الزُرَّاع}تفسير : ، قصدا هنا للتورية بالكفار الذين هم الكافرون بالله لأنهم أشد إعجاباً بمتاع الدنيا إذ لا أمل لهم في شيء بعده. وقال جمع من المفسرين: الكفار جمع الكافر بالله لأنهم قصروا إعجابهم على الأعمال ذات الغايات الدنيا دون الأعمال الدينية، فذكر الكفار تلويح إلى أن المثل مسوق إلى جانبهم أوّلاً. والنبات: اسم مصدر نَبت قال تعالى: {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً}تفسير : [نوح: 17]، وهو هنا أطلق على النابت من إطلاق المصدر على الفاعل وهو كثير، وأصله أن يراد به المبالغة، وقد يشيع فيزول قصد المبالغة به. وقوله: {ثم يهيج} تضافرت كلمات المفسرين على تفسير يهيج بــــ (ييبس) أو يجف، ولم يستظهروا بشاهد من كلام العرب يدل على أن من معاني الهياج الجفاف، وقد قال الراغب: يقال: هاج البقل، إذا اصفَرّ وطاب، وفي «الأساس»: من المجاز هاج البقل، إذا أخذ في اليبس. وهذان الإِمامان لم يجعلا (هاج) بمعنى (يبس) وكيف لفظ الآية {ثم يهيج فتراه مصفراً}، فالوجه أن الهياج: الغلظ ومقاربة اليبس، لأن مادة الهياج تدل على الاضطراب والثوران وسميت الحرب الهيجاء، وقال النابغة: شعر : أهاجك من سُعداك مغنى المعاهد تفسير : والزرع إذا غلظ يكون لحركته صوت فكأنه هائج، أي ثائر وذلك ابتداء جفافه، وذلك كقوله تعالى: {أية : كزرع أخرج شطأه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع}تفسير : في سورة [الفتح: 29]. وعطفت جملة {يهيج} بــــ (ثم) لإِفادة التراخي الرتبي لأن اصفرار النبات أعظم دلالة على التهيّؤ للزوال، وهذا هو الأهم في مقام التزهيد في متاع الدنيا. وعطف {فتراه مصفراً} بالفاء لأن اصفرار النبت مقارب ليبسه، وعطف {ثم يكون حطاماً} بــــ (ثم) كعطف {ثم يهيج}. والحُطام: بضم الحاء ما حطم، أي كُسر قطعاً. فضرب مثل الحياة الدنيا لأطوار ما فيها من شباب وكهولة وهرم ففناء، ومن جدة وتبذّل وبلى، ومن إقبال الأمور في زمن إقبالها ثم إدبارها بعد ذلك، بأطوار الزرع. وكلُّهَا أعراض زائلة وآخرها فناء. وتندرج فيها أطوار المرء في الحياة المذكورة في قوله: {لعب ولهو} إلى {والأولاد} كما يظهر بالتأمل. وهذا التمثيل مع كونه تشبيه هيئة مركّبة بهيئةٍ مثلها هو صالح للتفريق ومقابلة أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها، فيشبَّه أول أطوار الحياة وإقبالها بالنبات عقب المطر، ويشبّه الناس المنتفعون بإقبال الدنيا بناس زُراع، ويشبّه اكتمال أحوال الحياة وقوة الكهولة بهياج الزرع، ويشبّه ابتداء الشخوخة ثم الهرم وابتداء ضعف عمل العامل وتجارة التاجر وفلاحة الفلاح باصفرار الزرع وتهيئه للفناء، ويشبه زوال ما كان للمرء من قوة ومال بتحطم الزرع. ويفهم من هذا أن ما كان من أحوال الحياة مقصوداً لوجه الله فإنه من شؤون الآخرة فلا يدخل تحت هذا التمثيل إلا ظاهراً. فأعمال البِر ودراسة العلم ونحو ذلك لا يعتريها نقصٌ ما دام صاحبها مقبلاً عليها، وبعضها يزداد نماء بطول المدة، وتقدم نظير هذه الآية في سورة الزمر. {وَفِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌ وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ}. كان ذكر حال الحياة الدنيا مقتضياً ذكر مقابلة على عادة القرآن، والخبرُ مستعمل في التحذير والتحريض بقرينة السياق، ولذلك لم يبين أصحاب العذاب وأصحاب المغفرة والرضوان لظهور ذلك. وكنِيَ عن النعيم بمغفرة من الله ورضوان لأن النعيم قسمان مادي وروحاني، فالمغفرةَ والرضوان أصل النعيم الروحاني كما قال تعالى: {أية : ورضوان من الله أكبر}تفسير : [التوبة: 72] وهما يقتضيان النعيم الجسماني لأن أهل الجنة لما ركبت ذواتهم من أجسام وأودعت فيها الأرواح كان النعيمان مناسبين لهم تكثيراً للذات، وما لذة الأجسام إلا صائرة إلى الأرواح لأنها المدركة اللذات، وكان رضوان الله يقتضي إعطائهم منتهى ما به التذاذهم، ومغفرته مقتضية الصفح عما قد يعوق عن بعض ذلك. وعطف {وما الحياة الدنيا إلاَّ متاع الغرور} على {وفي الآخرة عذاب شديد} للمقابلة بين الحالين زيادة في الترغيب والتنفير. والكلام على تقدير مضاف، أي وما أحوال الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. والحصر ادعائي باعتبار غالب أحوال الدنيا بالنسبة إلى غالب طالبيها، فكونها متاعاً أمر مطرد وكون المتاع مضافاً إلى الغرور أمر غالب بالنسبة لما عدا الأعمال العائدة على المرء بالفوز في الآخرة. والغُرور: الخديعة، أي إظهار الأمر الضار الذي من شأنه أن يحترز العاقل منه في صورة النافع الذي يرغب فيه. وإضافة {متاع} إلى {الغرور} على معنى لام العاقبة، أي متاع صائر لأجل الغرور به، أي آيل إلى أنه يغرّ الناظرين إليه فيسرعون في التعلق به.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً}تفسير : [الزمر: 21]، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو: أي إن الحياة الدنيا أشبه بالأمور الخيالية قليلة النفع سريعة الزوال. وزينة: أي ما يتزين به المرء من أنواع الزينة والزينة سريعة التغير والزوال. وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد: أي أنها لا تخرج عن كونها لهواً ولعباً وزينة وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد. كمثل غيث أعجب الكفار نباته: أي مثلها في سرعة زوالها وحرمان صاحبها من الدار الآخرة ونعيمها كمثل مطر أعجب الكفار أي الزراع أجبهم نباته أي ما نبت به من الزرع. ثم يهيج فتاره مصفراً: أي يبس فتراه مصفراً آن أوان حصاده. ثم يكون حطاما: ثم يتحول بسرعة إلى حطام يابس يتفتت. إلا متاع الغرور: أي وما الحياة الدنيا في التمتع بها إذ الحياة نفسها غرور لا حقيقة لها. سابقوا إلى مغفرة من ربكم: أي سارعوا بالتوبة مسابقين غيركم لتغفر لكم ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: أي الموعود به من المغفرة والجنة. والله ذو الفضل العظيم: أي فلا يبعد تفضله بذلك الموعود به وإن كان عظيماً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يزيد في كمالهم وسعادتهم في الحياتين فخاطبهم قائلا: اعلموا أيها المؤمنون الذين استبطانا قلوبهم أي خشوعها إذ الإِقبال على الدنيا هو سبب الغفلة عن الآخرة ومتطلباتها من الذكر والعمل الصالح {أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ} هذه حقيقتها وهي أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال. فلا تغتروا بها ولا تقبلوا بكلكم عليها أنصح لكم بذلك. فاللهو كاللعب لا يُخلِفان منفعة تعود على اللاهي اللاعب، والزينة سرعان ما تتحول وتتغير وتزول والتفاخر بين المتفاخرين مجرد كلام ما وراءه طائل أبداً والتكاثر لا ينتهي إلى حد ولا يجمع إلا بالشقاء والنصب والتعب ثم يذهب أو يُذهب عنه فلا بقاء له ولا دوام وله تبعات لا ينجو منها صاحبها إلا برحمة من الله وإليكم مثل الحياة الدنيا إنها {كَمَثَلِ غَيْثٍ} أي مطر {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي الفلاحين الذين كفروا بذرة بالتربة {نَبَاتُهُ} الذي نبت به أي المطر {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ} بعد أيام {مُصْفَرّاً} ثم يهيج أي ييبس {ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً} يتفتت هذه هي الدنيا من بدايتها إلى نهايتها المؤلمة أما الآخرة ففيها عذاب شديد لأهل الشرك والمعاصي لا بد لهم منه يفارقونه، ومغفرة من الله ورضوان لأهل التوحيد وصالح الأعمال وما الحياة الدنيا وقد عرَضنا عليكم مثالها فما هي إلا متاع الغرور أي إنها لا حقيقة لها وكل ما فيها من المتع التي يتمتع بها إلا غرور باطل. وعليه فأنصح لكم سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي سارعوا بالتوبة مسابقين بعضكم بعضا لتغفر ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم التي عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للذين آمنوا بالله ورسوله أي هُيئت وأحضرت فهي مُعدة مهيأة. ذلك فضل الله أي المغفرة ودخول الجنة يؤتيه من يشاء ومن سارع إلى التوبة فآمن وعمل صالحاً وتخلى عن الشرك والآثام فهو ممن شاء له فضله ولذلك وفقه للإِيمان وصالح الأعمال. والله ذو الفضل العظيم فلا يستبعد منه ذلك المطلوب المرغوب من النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا. 2- الدعوة إلى المسابقة في طلب مغفرة الذنب ودخول الجنة. 3- بيان الجنة وبيان ما يُكسبها وهو الإِيمان بالله ورسله ومستلزماته من التوحيد والعمل الصالح.
القطان
تفسير : الكفار: هنا الزرّاع، يقال: كفر الزارعُ البذرَ بالتراب، غطاه. يهيج: ييبس ويصفرّ، وفعلُ هاجَ له معنى آخر، يقال: هاج القومُ هَيْجا وهيَجانا: ثاروا لمشقة او ضرر. وللفعل هاجَ معانٍ اخرى. حطاما: هشيما متكسرا. متاع الغرور: الخديعة. في كتاب: في اللوح المحفوظ. نبرأها: نخلقها. لا تأسوا: لا تحزنوا. كل مختال: متكبر. فخور: المتباهي بنفسه. يبين الله تعالى هنا حقارة الدنيا وسرعة زوالها. اعلموا أيها الناس أنما الحياة الدنيا لعبٌ لا ثمرة له، ولهوٌ يشغَل الانسانَ عما ينفعه، وزينةٌ لا بقاء لها، وتفاخرٌ بينكم بأنساب زائلة وعظامٍ باليةٍ، وتكاثرٌ بالعَدد في الأموال والأولاد. مِثْلُها في ذلك مثل مطرٍ نزل في أرضِ قومٍ وأنبت زرعاً طيباً اعجبَ الزّراع، ثم يكمُل ويهيج ويبلغ تمامه، فتراه بعدَ ذلك مصفرّا ثم يصير حطاماً منكسرا لا يبقى منه ما ينفع. فمن آمن وعملَ في الدنيا عملاً صالحاً واتخذ الدنيا مزرعةً للآخرة نجا، ودخل الجنة. وفي الآخرة عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا وأخذها بغير حقها، وفيها مغفرة لمن عمل صالحاً وآثر آخرته على دنياه. {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ} متاع زائل وخديعة باطلة لا تدوم. ثم بعد ان بين الله أن الآخرة قريبة، فيها العذابُ والنعيم - حثَّ إلى المبادرة الى فعل الخيرات فقال: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ....} تسابَقوا أيها المؤمنون في عملِ الخير، حتى تنالوا مغفرة من ربكم، وتدخلوا جنةً سعتُها كسعة السماء والارض، هُيئت للذين آمنوا واتقَوا ربهم، {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} فهو واسعُ العطاء عظيم الفضل، يُعطي من يشاء بغير حساب. ما أصابكم أيها الناس من مصائبَ في الأرض من قحطٍ او جَدْبٍ وفسادِ زرعٍ او كوارث عامة كالزلازل وغيرها، او في أنفسِكم من مرضٍ او موتٍ او فقر او غير ذلك - إنما هو مكتوبٌ عندنا في اللوحِ المحفوظ، مثْبَتٌ في علم الله من قبل ان يبرأ هذه الخليقة. وما اثبات هذه الأمور والعلم بها الا أمر يسير على الله. {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} وحيث علمتم ان كل ما يجري هو بعلم الله وقضائه وقدَره - عليكم ألا تحزنوا على ما لم تحصَلوا عليه حزناً مفرطاً يجرّكم الى السخط، ولا تفرحوا فرحاً مبطِرا بما أعطاكم، فاللهُ لا يحب كلّ متكبرٍ فخور على الناس بما عنده. قال عكرمة: ليس أحدٌ الا وهو يحزَن او يفرح، ولكنِ اجعلوا الفرحَ شُكرا والحزنَ صبراً. وما من إنسان الا يحزن ويفرح، ولكنّ الحزنَ المذمومَ هو ما يخرجُ بصاحبه الى ما يُذهِبُ عنه الصبرَ والتسليم لأمرِ الله ورجاءِ الثواب، والفرحَ المنهيَّ عنه هو الذي يطغى على صاحبه ويُلهيه عن الشكر. ثم بين الله اوصافَ المختالين الذين يَفْخرون على الناس فقال: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} هؤلاء لا يحبّهم الله، ولا ينظر إليهم يومَ القيامة. {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} ومن يُعرِض عن طاعة الله، فإن الله غنيٌّ عنه، وهو المحمودُ من خلقه لما أنعم عليهم من نعمه، لا تضرّه معصية من عصى، ولا تنفعه طاعة من اطاع. قراءات: قرأ ابو عمرو: بما أتاكم بغير مد. والباقون: بما آتاكم بمد الهمزة. وقرأ الجمهور: بالبُخْل بضم الباء واسكان الخاء. وقرأ مجاهد وابن مُحَيصن وحمزة والكسائي: بالبَخَل بفتحتين وهما لغتان. والبخل بفتحتين لغة الانصار. وقرأ نافع وابن عامر: ان الله الغني الحميد، بحذف هو، والباقون: ان الله هو الغني الحميد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْحَيَاةُ} {ٱلأَمْوَالِ} {وَٱلأَوْلاَدِ} {فَتَرَاهُ} {حُطَاماً} {رِضْوَانٌ} {ٱلْحَيَاةُ} {مَتَاعُ} (20) - وَاعْلَمُوا يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الحَيَاةَ الدُّنْيَا لَيْسَتْ إِلاَّ مَتَاعاً لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَالزِّينَةِ والتَّفَاخُرِ وَالمُبَاهَاةِ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، وَمَا مَثَلُهَا فِي نَضْرَتِهَا، وَسُرْعَةِ زَوَالَهَا، وَانْقِضَائِهَا إِلاَّ مَثَلُ أَرْضٍ أَصَابَهَا مَطَرٌ غَزِيرٌ فَأَخْرَجَتْ مِنَ النَّبَاتَاتِ مَا أَعْجَبَ الزُّرَّاعَ وَسَرَّهُمْ، وَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى تِلْكَ الحَالِ إِذْ بِهَذَا النَّبَاتِ قَدْ صَوَّحَ وَاصْفَرَّ وَأَخَذَ فِي اليَبَسِ وَالجَفَافِ، ثُمَّ يَصِيرُ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ. وَفِي الآخِرَةِ يَجِدُ النَّاسُ أَمَامَهُمْ إِمَّا عَذَاباً أَلِيماً جَزَاءً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، إِنْ كَانُوا قَدْ آثَرُوا الدُّنْيَا، وَعَمِلُوا لَهَا، وَانْهَمَكُوا فِي مَلَذَّاتِهَا، وَإِمَّا ثَوَاباً كَرِيماً، وَرِضْوَاناً مِنَ اللهِ، إِنْ كَانُوا قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا، وَعَمِلُوا فِي دُنْيَاهُمْ لآِخِرَتِهِمْ، وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعٌ زَائِلٌ خَادِعٌ يَغُرُّ مَنْ رَكَنَ إِلَيْهِ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لاَ دَارَ سِوى هَذِهِ الدَّارِ الدُّنْيَا. تَكَاثُرٌ - مُبَاهَاةٌ وَتَطَاوُلٌ بِالعَدَدِ وَالعُدَدِ. أَعْجَبَ - رَاقَ. يَهِيجُ - يَيْبَسُ. يَكُونُ حُطَاماً - يُصْبحُ فَتَاتاً مُتَنَاثِراً مُتَكَسِّراً.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ يَهِيجُ} معناه ييبسُ.
الجيلاني
تفسير : {ٱعْلَمُوۤاْ} أيها المكلفون المعتبرون {أَنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا} أي: ما الحياة المستعارة الدنيوية، وما حاصلها وجلّ متاعها إلاَّ {لَعِبٌ} مزخرف باطل في نفسها، يلعب بها أهل الغفلة والحجاب، ويتعبون بها أنفسهم بلا طائل {وَلَهْوٌ} يلهيهم عما يهمهم ويعينهم من الحياة الأزلية الأبدية ولوازمها {وَزِينَةٌ} زيَّنها لهم شياطين قواهم وأمانيهم من المطاعم الشهية، والملابس البهية، واللذات الوهمية، والشهوات البهيمية {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ} بالمال والجاه والثروة، والسيادة بالأنساب والأحساب {وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ} بالمظاهرة والمعاونة، وتكثير العدد والعدَدد والعُدد، والعقارات والتجارات، والمواشي والزراعات إلى غير ذلك من المزخرفات الفانية التي لا قراره لها ولا مدار، بل مَثَلُها {كَمَثَلِ غَيْثٍ} نزل وأنبت إنباتاً {أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ} أي: الزرَّاع {نَبَاتُهُ} من كثرته ونضارته وكثفاته {ثُمَّ يَهِيجُ} يجف وييبس بآفة وعاهة {فَتَرَٰهُ مُصْفَرّاً} بعدما كان مخضراً في كمال البهجة والنضارة {ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً} هشيماً تذروه الرياح حيث شاءت بلا فائدة ولا عائدة. {وَ} مع هذه الخسارة الحرمان في النشأة الأولى لأهل الغفلة والخذلان يكون لهم {فِي ٱلآخِرَةِ} المعدة للجزاء {عَذَابٌ شَدِيدٌ} لاشتغالهم بالدنيا وما فيها {وَ} بالجملة: {مَغْفِرَةٌ} سترٌ ومحوٌ لذنوب أصحاب المعاملات، ناشئة {مِّنَ ٱللَّهِ} الغفور الرحيم بمقتضى لطفه، وسعة رحمته وجوده {وَرِضْوَٰنٌ} منه سبحانه لأرباب القلوب والمكاشفات خير من الدنيا وما فيها بأضعافها وآلافها عند من تحقق تربية الإنسان، وسعة قلبه المصور على صور عرش الرحمن {وَ} بالجملة: {مَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ} عند الأحرار البالغين بدرجة الاعتبار والاستبصار {إِلاَّ مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ} [الحديد: 20] ومخائل الخديعة والزور، ومن اغتر بها ولعب بما فيها فقد استحق الويل والثبور، وحرم عليه الحضور والسرور. ومتى سمعتم أيها المؤمنون المعتبرون حال الدنيا ومآلها، وحال العقبى وما يترتب عليها {سَابِقُوۤاْ} سارعوا، وبادروا بوفور الرغبة والرضا {إِلَىٰ} تحصيل أسباب {مَغْفِرَةٍ} مرجوة {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي ربَّاكم على فطرة الهداية والتوحيد {وَ} وسائل دخول {جَنَّةٍ} وسيعه فسيحة {عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} بحسب متفاهم العرف، وإلاَّ فلا يكاد سعة الجنة وعرش الرحمن قلب الإنسان الكامل، كما يشهد به قلب العارف المحقق، المتحقق بمقام القلب الذي هو وعاء الحق، المنزه عن مطلق المقادير والتقادير {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} على وجه الإخلاص، وأكدوا إيمانهم وإخلاصهم بالرضا والتسليم بعموم ما جرى عليهم من القضاء، وفوضوا أمورهم كلها إلى المولى حتى صار علمهم منتهياً إلى العين، وعينهم إلى الحق. {ذَلِكَ} التحقق والانتهاء {فَضْلُ ٱللَّهِ} بلا سبق شيء يوجبه ويجبله، وعبودية يستحقه، بل {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} عنايةً منه سبحانه، وإحساناً ناشئاً عن محض الإرادة والاختيار، وكيف {وَٱللَّهُ} الغني في ذاته، المستغني مطلقاً عن عبادة مظاهره وأظلاله {ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الحديد: 21] والكرم العميم، يمن على من يشاء من عباده بمقتضى سعة رحمته وجوده حسب علمه المحيط باستعداداتكم وقابلياتهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي. [وقوله:] { وَزِينَةً } أي: تزين في اللباس والطعام والشراب، والمراكب والدور والقصور والجاه. [وغير ذلك] { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } أي: كل واحد من أهلها يريد مفاخرة الآخر، وأن يكون هو الغالب في أمورها، والذي له الشهرة في أحوالها، { وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ } أي: كل يريد أن يكون هو الكاثر لغيره في المال والولد، وهذا مصداقه، وقوعه من محبي الدنيا والمطمئنين إليها. بخلاف من عرف الدنيا وحقيقتها، فجعلها معبرا ولم يجعلها مستقرا، فنافس فيما يقربه إلى الله، واتخذ الوسائل التي توصله إلى الله وإذا رأى من يكاثره وينافسه بالأموال والأولاد، نافسه بالأعمال الصالحة. ثم ضرب للدنيا مثلا بغيث نزل على الأرض، فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وأعجب نباته الكفار، الذين قصروا همهم ونظرهم إلى الدنيا جاءها من أمر الله [ما أتلفها] فهاجت ويبست، فعادت على حالها الأولى، كأنه لم ينبت فيها خضراء، ولا رؤي لها مرأى أنيق، كذلك الدنيا، بينما هي زاهية لصاحبها زاهرة، مهما أراد من مطالبها حصل، ومهما توجه لأمر من أمورها وجد أبوابه مفتحة، إذ أصابها القدر بما أذهبها من يده، وأزال تسلطه عليها، أو ذهب به عنها، فرحل منها صفر اليدين، لم يتزود منها سوى الكفن، فتبا لمن أضحت هي غاية أمنيته ولها عمله وسعيه. وأما العمل للآخرة فهو الذي ينفع، ويدخر لصاحبه، ويصحب العبد على الأبد، ولهذا قال تعالى: { وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } أي: حال الآخرة، ما يخلو من هذين الأمرين: إما العذاب الشديد في نار جهنم، وأغلالها وسلاسلها وأهوالها لمن كانت الدنيا هي غايته ومنتهى مطلبه، فتجرأ على معاصي الله، وكذب بآيات الله، وكفر بأنعم الله. وإما مغفرة من الله للسيئات، وإزالة للعقوبات، ورضوان من الله، يحل من أحله به دار الرضوان لمن عرف الدنيا، وسعى للآخرة سعيها. فهذا كله مما يدعو إلى الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، ولهذا قال: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } أي: إلا متاع يتمتع به وينتفع به، ويستدفع به الحاجات، لا يغتر به ويطمئن إليه إلا أهل العقول الضعيفة الذين يغرهم بالله الغرور. ثم أمر بالمسابقة إلى مغفرة الله ورضوانه وجنته، وذلك يكون بالسعي بأسباب المغفرة، من التوبة النصوح، والاستغفار النافع، والبعد عن الذنوب ومظانها، والمسابقة إلى رضوان الله بالعمل الصالح، والحرص على ما يرضي الله على الدوام، من الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى الخلق بجميع وجوه النفع، ولهذا ذكر الله الأعمال الموجبة لذلك، فقال: { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } والإيمان بالله ورسله يدخل فيه أصول الدين وفروعها، { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } أي: هذا الذي بيناه لكم، وذكرنا لكم فيه الطرق الموصلة إلى الجنة، والطرق الموصلة إلى النار، وأن فضل الله بالثواب الجزيل والأجر العظيم من أعظم منته على عباده وفضله. { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } الذي لا يحصى ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):