٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } والمراد كأنه تعالى قال: لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة. واعلم أنه تعالى أمر بالمسارعة في قوله: {سَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } ثم شرح ههنا كيفية تلك المسارعة، فقال: {سارعوا} مسارعة المسابقين لأقرانهم في المضمار، وقوله: {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: لا شك أن المراد منه المسارعة إلى ما يوجب المغفرة، فقال قوم المراد سابقوا إلى التوبة، وقال آخرون: المراد سابقوا إلى سائر ما كلفتم به فدخل فيه التوبة، وهذا أصح لأن المغفرة والجنة لا ينالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي والاشتغال بكل الطاعات. المسألة الثانية: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية دلت على وجوب المسارعة، فوجب أن يكون التراخي محظوراً، أما قوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } وقال: في آل عمران {أية : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 133]، فذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكانت الجنة في عرضها، هذا قول مقاتل وثانيها: قال: عطاء (عن) ابن عباس يريد أن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه الصفة، وثالثها: قال السدي: إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات السبع والأرضين السبع، ولا شك أن طولها أزيد من عرضها، فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك، ورابعها: أن هذا تمثيل للعبادة بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم، وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض وهذا قول الزجاج، وخامسها: وهو اختيار ابن عباس أن الجنان أربعة، قال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 46] وقال: {أية : وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمٰن: 62] فالمراد ههنا تشبيه واحدة من تلك الجنان في العرض بالسموات السبع والأرضين السبع. ثم قال تعالى: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج جمهور الأصحاب بهذا على أن الجنة مخلوقة، وقالت المعتزلة هذه الآية: لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجهين: الأول: أن قوله تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَائِمٌ } تفسير : [الرعد: 35] يدل على أن من صفتها بعد وجودها أن لا تفنى، لكنها لو كانت الآن موجودة لفنيت بدليل قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] الثاني: أن الجنة مخلوقة وهي الآن في السماء السابعة، ولا يجوز مع أنها في واحدة منها أن يكون عرضها كعرض كل السموات، قالوا: فثبت بهذين الوجهين أنه لا بد من التأويل، وذلك من وجهين: الأول: أنه تعالى لما كان قادراً لا يصح المنع عليه، وكان حكيماً لا يصح الخلف في وعده، ثم إنه تعالى وعد على الطاعة بالجنة، فكانت الجنة كالمعدة المهيأة لهم تشبيهاً لما سيقع قطعاً بالواقع، وقد يقول المرء لصاحبه: (أعدت لك المكافأة) إذا عزم عليها، وإن لم يوجدها، والثاني: أن المراد إذا كانت الآخرة أعدها الله تعالى لهم كقوله تعالى: {أية : وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 50] أي إذا كان يوم القيامة نادى الجواب: أن قوله: {كُلُّ شَيْء هَالِكٌ } عام، وقوله: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } مع قوله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ } خاص، والخاص مقدم على العام، وأما قوله ثانياً: الجنة مخلوقة في السماء السابعة قلنا: إنها مخلوقة فوق السماء السابعة على ما قال عليه السلام في صفة الجنة: «حديث : سقفها عرش الرحمن» تفسير : وأي استبعاد في أن يكون المخلوق فوق الشيء أعظم منه، أليس أن العرش أعظم المخلوقات، مع أنه مخلوق فوق السماء السابعة. المسألة الثانية: قوله: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله } فيه أعظم رجاء وأقوى أمل، إذ ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله؛ ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، والمعتزلة وإن زعموا أن لفظ الإيمان يفيد جملة الطاعات بحكم تصرف الشرع، لكنهم اعترفوا بأن لفظ الإيمان إذا عدي بحرف الباء، فإنه باق على مفهومه الأصلي وهو التصديق، فالآية حجة عليهم، ومما يتأكد به ما ذكرناه قوله بعد هذه الآية: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } يعني أن الجنة فضل لا معاملة، فهو يؤتيها من يشاء من عباده سواء أطاع أو عصى، فإن قيل: فيلزمكم أن تقطعوا بحصول الجنة لجميع العصاة، وأن تقطعوا بأنه لا عقاب لهم؟ قلنا: نقطع بحصول الجنة لهم، ولا نقطع بنفي العقاب عنهم، لأنهم إذا عذبوا مدة ثم نقلوا إلى الجنة وبقوا فيها أبد الآباد، فقد كانت الجنة معدة لهم، فإن قيل: فالمرتد قد آمن بالله، فوجب أن يدخل تحت الآية قلت: خص من العموم، فيبقى العموم حجة فيما عداه. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } زعم جمهور أصحابنا أن نعيم الجنة تفضل محض لا أنه مستحق بالعمل، وهذا أيضاً قول الكعبي من المعتزلة، واحتجوا على صحة هذا المذهب بهذه الآية، أجاب القاضي عنه فقال: هذا إنما يلزم لو امتنع بين كون الجنة مستحقة وبين كونها فضلاً من الله تعالى، فأما إذا صح اجتماع الصفتين فلا يصح هذا الاستدلال، وإنما قلنا: إنه لا منافاة بين هذين الوصفين، لأنه تعالى هو المتفضل بالأمور التي يتمكن المكلف معها من كسب هذا الاستحقاق، فلما كان تعالى متفضلاً بما يكسب أسباب هذا الاستحقاق كان متفضلاً بها، قال: ولما ثبت أن قوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } لا بد وأن يكون مشروطاً بما يستحقه، ولولا ذلك لم يكن لقوله من قبل: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } معنى. واعلم أن هذا ضعيف لأن كونه تعالى متفضلاً بأسباب ذلك الكسب لا يوجب كونه تعالى متفضلاً بنفس الجنة، فإن من وهب من إنسان كاغداً ودواة وقلماً، ثم إن ذلك الإنسان كتب بذلك المداد على ذلك الكاغد مصحفاً وباعه من الواهب، لا يقال: إن أداء ذلك الثمن تفضيل، بل يقال: إنه مستحق، فكذا ههنا، وأما قوله أولاً إنه لا بد من الاستحقاق، وإلا لم يكن لقوله من قبل: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } معنى، فجوابه أن هذا الاستدلال عجيب، لأن للمتفضل أن يشرط في تفضله أي شرط شاء، ويقول: لا أتفضل إلا مع هذا الشرط. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } والمراد منه التنبيه على عظم حال الجنة، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه وأثنى بسببه على نفسه، فإنه لا بد وأن يكون ذلك العطاء عظيماً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ } لو وصلت إحداهما بالأخرى والعرض :السعة {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.
ابن عطية
تفسير : لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حجة عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقد استدل بها بعضهم على أن أول أوقات الصلوات أفضل، لأنه يقتضي المسارعة والمسابقة، وقد ذكر بعضهم في تفسير هذه الآية أشياء هي على جهة المثال، فقال قوم من العلماء منهم ابن مسعود: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} معناه: كونوا في أول صف في القتال. وقال آخرون، منهم أنس بن مالك معناه: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقال آخرون منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كن أول داخل في المسجد، وآخر خارج منه، وهذا كله على جهة المثال. وذكر العرض من الجنة، إذ المعهود أنه أقل من الطول، وقال قوم من أهل المعاني: عبر عن الساحة بالعرض ولم يقصد أن طولها أقل ولا أكثر. وقد ورد في الحديث: "حديث : إن سقف الجنة العرش". تفسير : وورد في الحديث: "حديث : إن السماوات السبع في الكرسي كالدرهم في الفلاة، وإن الكرسي في العرش كالدرهم في الفلاة ". تفسير : وقوله تعالى: {أعدت} ظاهرة أنها مخلوقة الآن معدة، ونص عليه الحسن في كتاب النقاش. وقوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة} قال ابن زيد وغيره المعنى: ما حدث من حادث خير وشر، فهذا على معنى لفظ: {أصاب} لا على عرف المصيبة، فإن عرفها في الشر. وقال ابن عباس ما معناه: أنه أراد عرف المصيبة وخصها بالذكر، لأنها أهم على البشر، وهي بعض من الحوادث تدل على أن جميع الحوادث خيرها وشرها كذلك. وقوله تعالى: {في الأرض} يعني بالقحوط والزلازل وغير ذلك. وقوله: {في أنفسكم} يريد بالموت والأمراض وغير ذلك. وقوله تعالى: {إلا في كتاب} معناه: إلا والمصيبة في كتاب. و: {نبرأها} معناه: نخلقها، يقال: برأ الله الخلق: أي خلقهم، والضمير عائد على المصيبة، وقيل: على {الأرض}، وقيل: على الأنفس، قاله ابن عباس وقتادة وجماعة وذكر المهدوي جواز عود الضمير على جميع ما ذكر، وهي كلها معان صحاح، لأن الكتاب السابق أزلي قبل هذه كلها. وقوله تعالى: {إن ذلك على الله يسير} يريد تحصيل الأشياء كلها في الكتاب. وقوله تعالى: {لكي لا تأسوا} معناه: فعل الله ذلك كله وأعلمكم به ليكون سبب تسليمكم وقلة اكتراثكم بأمر الدنيا، فلا تحزنوا على ما فات، ولا تفرحوا الفرح المبطر بما آتاكم منها. قال ابن عباس: ليس أحد إلا يفرح ويحزن، ولكن من أصابته مصيبة يجعلها صبراً، من أصاب خيراً يجعله شكراً. وقرأ أبو عمرو وحده: "أتاكم" على وزن مضى، وهذا ملائم لقوله: {فاتكم}. وقرأ الباقون من السبعة: "آتاكم"، على وزن أعطاكم، بمعنى آتاكم الله تعالى، وهي قراءة الحسن والأعرج وأهل مكة. وقرأ ابن مسعود: "أوتيتم"، وهي تؤيد قراءة الجمهور. وقوله تعالى: {والله لا يحب كل مختال فخور} يدل على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى الاختيال، والفخر بنعم الله المقترن بالشكر والتواضع فأمر لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه ولا حرج فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلَى مَغْفِرَةٍ} التوبة، أو الصف الأول، أو التكبيرة الأولى مع الإمام، أو الرسول صلى الله عليه وسلم {كَعَرْضِ السَّمَآءِ} نبّه بذكر العرض على الطول ويعبرون عن سعة الشيء بعرضه دون طوله {فَضْلُ اللَّهِ} الجنة أو الدين "ع".
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} معناه لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة والمعنى سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار إلى مغفرة أي إلى ما يوجب المغفرة وهي التوبة من الذنوب وقيل سابقوا إلى ما كلفتم به من الأعمال فتدخل فيه التوبة وغيرها، {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} قيل إن السموات السبع والأرضين السبع لو جعلت صفائح وألزق بعضها ببعض لكان عرض الجنة في قدرها جميعاً وقال ابن عباس إن لكل واحد من المطيعين جنة بهذه السعة وقيل إن الله تعالى شبه عرض الجنة بعرض السموات والأرضين ولا شك أن الطول يكون أزيد من العرض فذكر العرض تنبيهاً على أن طولها أضعاف ذلك وقيل إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه ويقع في نفوسهم وأفكارهم وأكثر ما يقع في نفوسهم مقدار السموات والأرض فشبه عرض الجنة بعرض السموات والأرض على ما يعرفه الناس، {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} فيه أعظم رجاء وأقوى أمل لأنه ذكر أن الجنة أعدت لمن آمن بالله ورسله ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر يدل عليه قوله في سياق الآية {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} فبين أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله تعالى لا بعمله، {والله ذو الفضل العظيم} (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته" تفسير : وقد تقدم الكلام على معنى هذا الحديث والجمع بينه وبين قوله ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون في تفسير سورة النحل. قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض} يعني عدم المطر وقلة النبات ونقص الثمار، {ولا في أنفسكم} يعني الأمراض وفقد الأولاد {إلا في كتاب} يعني في اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها} أي من قبل أن نخلق الأرض والأنفس وقال ابن عباس من قبل أن نبرأ المصيبة {إن ذلك على الله يسير} أي إثبات ذلك على كثرته هين على الله عز وجل: {لكيلا تأسوا} أي تحزنوا {على ما فاتكم} من الدنيا {ولا تفرحوا} أي لا تبطروا {بما آتاكم} أي أعطاكم قال عكرمة ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً قال صاحب الكشاف: إن قلت ما من أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ولا عند منفعة ينالها أن لا يحزن ولا يفرح قلت المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين والفرح المطغي الملهي عن الشكر فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما والله أعلم وقال جعفر بن محمد الصادق يا ابن آدم ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت، {والله لا يحب كل مختال} أي متكبر بما أوتي من الدنيا {فخور} أي بذلك الذي أوتي على الناس {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} قيل هذه الآية متعلقة بما قبلها والمعنى والله لا يحب الذين يبخلون يريد إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم يبخلون به ولا ينفقونه في سبيل الله ووجوه الخير ولا يكفيهم أنهم بخلوا به حتى يأمروا الناس بالبخل وقيل إن الآية كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله وإنها في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبخلوا ببيان نعته {ومن يتول} قال ابن عباس عن الإيمان {فإن الله هو الغني} أي عن عباده {الحميد} أي إلى أوليائه. قوله عز وجل: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} أي بالدلالات والآيات والحجج {وأنزلنا معهم الكتاب} أي المتضمن للأحكام وشرائع الدين {والميزان} يعني العدل أي وأمرنا بالعدل وقيل المراد بالميزان هو الآلة التي يوزن بها وهو يرجع إلى العدل أيضاً وهو قوله {ليقوم الناس بالقسط} أي ليتعاملوا بينهم بالعدل، {وأنزلنا الحديد} قيل إن الله تعالى أنزل مع آدم عليه الصلاة والسلام لما أهبط إلى الأرض السندان والمطرقة والكلبتين وروي عن ابن عمر يرفعه "إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض الحديد والنار والماء والملح" وقيل أنزلنا هنا بمعنى أنشأنا وأحدثنا الحديد وذلك أن الله تعالى أخرج لهم الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه وإلهامه، {فيه بأس شديد} أي قوة شديدة فمنه جنة وهي آلة الدفع ومنه سلاح وهي آلة الضرب {ومنافع للناس} أي ومنه ما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحو ذلك، إذ الحديد آلة لكل صنعة فلا غنى لأحد عنه {وليعلم الله} أي وأرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليرى الله {من ينصره} أي من ينصر دينه {ورسله بالغيب} أي الذين لم يروا الله ولا الآخرة وإنما يحمد ويثاب من أطاع بالغيب وقال ابن عباس ينصرونه ولا يبصرونه {إن الله قوي} في أمره {عزيز} في ملكه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...} الآية: لما ذكر تعالى المغفرة التي في الآخرة، ندب في هذه الآية إلى المسارعة إليها والمسابقة، وهذه الآية حُجَّةٌ عند جميع العلماء في الندب إلى الطاعات، وقدِ استدلَّ بها بعضُهم على أَنَّ أَوَّلَ أوقات الصلوات أَفضلُ؛ لأَنَّهُ يقتضي المسارعةَ والمسابقةَ، وذكر سبحانه العَرْضَ من الجنة؛ إذِ المعهودُ أَنَّهُ أَقَلُّ من الطول، وقد ورد في الحديث: «حديث : أَنَّ سَقْفَ الجَنَّةِ الْعَرْشُ»تفسير : وورد في الحديث: «حديث : أَنَّ السَّمٰوَاتِ السَّبْعَ في الكُرْسِيِّ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ، وَأَنَّ الْكُرْسِيَّ في الْعَرْشِ كَالدِّرْهَمِ في الْفَلاَةِ». تفسير : * ت *: أيها الأخ، أَمَرَكَ المولى سبحانه بالمسابقة والمسارعة؛ رحمةً منه وفضلاً، فلا تغفلْ عن امتثال أمره وإجابة دعوته: [الخفيف] شعر : السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلاً وَفِعْلاً حَذَرَ النَّفْسِ حَسْرَةَ الْمَسْبُوقِ تفسير : ذكر صاحبُ «معالم الإيمان، وروضات الرضوان» في مناقب صلحاء القيروان، قال: ومنهم أبو خالد عبد الخالق المتعبد، كان كثيرَ الخوف والحزن، وبالخوف مات؛ رأى يوماً خَيْلاً يسابق بها، فتقدمها فرسان، ثم تقدم أَحَدُهُمَا على الآخر، ثم جَدَّ التالي حتى سَبَقَ الأول، فتخلَّلَ عبد الخالق الناسَ حَتَّى وصلَ إلى الفرس السابق، فجعل يُقَبِّلُهُ ويقول: بارك اللَّه فيك، صَبَرْتَ فظفرت، ثم سقط مغشيًّا عليه، انتهى. وقوله سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ...} الآية: قال ابن زيد وغيره: المعنى: ما حدث من حادث، خيرٍ وشَرٍّ، فهذا على معنى لفظ أصاب، لا على عُرْفِ المصيبة؛ فإنَّ عُرْفَهَا في الشر، وقال ابن عباس ما معناه: أَنَّه أراد عرف المصيبة، فقوله: {فِى ٱلأَرْضِ} يعني: بالقحوط، والزلازل، وغير ذلك و{فِى أَنفُسِكُمْ}: بالموت، والأمراض، وغير ذلك. وقوله: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} معناه: إلاَّ والمصيبة في كتاب و{نَّبْرَأَهَا} معناه: نخلقها؛ يقال: برأ اللَّهُ الخلق، أي: خلقهم، والضميرُ عائد على المصيبة، وقيل: على الأرض، وقيل: على الأنفس؛ قاله ابن عباس وجماعة، وذكر المهدويُّ جوازَ عود الضمير على جميع ما ذُكِر، وهي كُلُّها معانٍ صِحَاحٌ. {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}: يريد تحصيلَ الأشياءِ كلها في كتاب، وقال الثعلبي: وقيل المعنى: إنَّ خَلْقَ ذلك وحِفْظَ جميعه، على اللَّه يسير، انتهى. وقوله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} معناه: فَعَلَ اللَّهُ هذا كُلَّه، وأَعلمكم به؛ ليكونَ سَبَبَ تسليتكم وقِلَّةَ اكتراثكم بأمور الدنيا، فلا تحزنوا على فائت، ولا تفرحوا الفَرَحَ المبطر بما آتاكم منها، قال ابن عباس: ليس أحد إلاَّ يحزنُ أو يفرحُ، ولكن مَنْ أصابته مصيبةٌ فليجعلها صبراً، ومَنْ أصابه خير فليجعله شكراً؛ وفي«صحيح مسلم» عن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ، وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ، حَتَّى الهَمِّ يَهُمُّهُ ـــ إلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»تفسير : ، وفي «صحيح مسلم» عن عائِشَةَ قالت: سمعتُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خِطِيئَةٌ»تفسير : ، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرةَ قال: لَمَّا نَزَلَتْ: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء:123] بَلَغَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَبْلَغاً شَدِيداً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا وَالشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»تفسير : ، انتهى، وقد تقدم كثير في هذا المختصر من هذا المعنى، فاللَّه المسؤول أَنْ ينفع به كُلَّ مَنْ حَصَّله أو نظر فيه. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}: يدلُّ على أَنَّ الفرحَ المنهيَّ عنه إنَّما هو ما أَدَّى إلى الاختيال والفخر، وأَمَّا الفَرَحُ بنعم اللَّه المقترن بالشكر والتواضع، فَإنَّه لا يستطيع أَحَدٌ دَفْعَهُ عن نفسه، ولا حرجَ فيه، واللَّه أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها وحقارتها، وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها، أنتج ذلك قوله تعالى: {سابقوا} أي افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل من يسابق شخصاً فهو يسعى ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه، ولكن ربما كان قرينه بطيئاً فسار هويناً، وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف، فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها للحث على التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلاً ورأساً، ولذلك كانت جنتها للمتقين الموصوفين. وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن فضول الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا. ولما كان المقام عظيماً، والإنسان - وإن بذلك الجهد - ضعيفاً، لا يسعه إلا العفو سواء كان سابقاً أو لاحقاً من الأبرار والمقربين، نبه على ذلك بقوله في السابقين؛ {إلى مغفرة} أي ستر لذنوبكم عيناً وأثراً {من ربكم} أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أسباب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب زواجره. ولما كان المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال: {وجنة} أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله. ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال: {عرضها} أي فما ظنك بطولها. ولما كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال: {كعرض السماء والأرض} أي لو وصل بعضها ببعض، فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها، ويحتمل أن يكون ذلك على تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة برأس الأخرى، وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك، وهذه الآية ظاهرها عرض واحد وأرض واحدة {أعدت} أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ من أمرها بأيسر أمر {للذين آمنوا} أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم من هذه الأمة إيقاعاً لا ريب معه ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من السابقين، وهذا يدل على أن الجنة موجودة الآن في آيات كثيرة، وأن الإيمان كاف في استحقاقها، وأحاديث الشفاعة مؤيدة لذلك {بالله} أي الذي له جميع العظمة لأجل ذاته مخلصين له بالإيمان {ورسله} فلم يفرقوا بين أحد منهم، فهذه الجنة غير مذكورة في آل عمران، وإن قيل: إن السماء هنا للجنس لكون السياق فيه الصديقون والشهداء كانت أبلغته تلك بالتصريح بالجمع وعدم التصريح بالعرض لكونها في سياق صرح فيه بالجهاد، وقد جرت السنة الإلهية بإعظام للمجاهدين لشدة الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج عنها وعن جميع المألوفات. ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيماً لا سيما لمن آمن ولو كان إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال، عظمه بقوله رداً على من يوجب عليه سبحانه شيئاً من ثواب أو عقاب: {ذلك} أي الأمر العظيم جداً {فضل الله} أي الملك الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه {يؤتيه من يشاء} ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا خاص بهذه الأمة التي هي أقل عملاً وأكثر أجراً، فإذا حسدهم أهل الكتاب قال تعالى: هل ظلمتكم من أمركم شيئاً، فإذا قالوا: لا، لأن المصروف من الأجر لجميع الطوائف على حسب الشرط، قال: ذلك فضلي أوتيه من أشاء. {والله} أي والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله {ذو الفضل العظيم *} أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول.
ابو السعود
تفسير : {سَابِقُواْ} أي سارِعُوا مسارعةَ المسابقينَ لأقرانِهم في المضمار {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ} عظيمةٍ كائنةٍ {مّن رَّبّكُمْ} أي إلى موجباتِها من الأعمال الصَّالحةِ {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} أي كعرضِهما جميعاً وإذا كانَ عرضُها كذلكَ فما ظنُّك بطولِها، وقيلَ: المرادُ بالعرضِ البسطةُ. وتقديمُ المغفرةِ على الجنةِ لتقديم التخليةِ على التحليةِ. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} فيه دليلٌ على أنَّ الجنَة مخلوقةٌ بالفعلِ وأنَّ الإيمانَ وحدَهُ كافٍ في استحقاقها {ذٰلِكَ} الذي وعدَ من المغفرةِ والجنةِ {فَضَّلَ ٱللَّهُ} عطاؤُه {يُؤْتِيهُ} تفضلاً وإحساناً {مَن يَشَآء} إيتاءَهُ إيَّاهُ من غيرِ إيجابِ {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} ولذلكَ يُؤتى مَن يشاءُ مثلَ ذلكَ الفضلِ الذي لا غايةَ وراءَهُ. {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ} كجدبٍ وعاهةٍ في الزرعِ والثمارِ {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ} كمرضٍ وآفةٍ {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} أي إلا مكتوبةً مثبتةً في علمِ الله تعالى أو في اللَّوحِ {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} أي نخلقَ الأنفسَ أو المصائبَ أو الأرضَ {إِنَّ ذٰلِكَ} أي إثباتَها في كتابٍ {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} لاستغنائِه فيهِ عن العُدَّةِ والمدةِ. {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} أي أخبرناكُم بذلكَ لئلاَّ تحزنُوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من نعمِ الدُّنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَـٰكُمْ} أي أعطاكُم الله تعالَى منها، فإنَّ من علمَ أنَّ الكلَّ مقدرٌ يفوتُ ما قُدِّرَ فواتُه ويأتي ما قُدِّرَ إتيانُه لا محالةَ لا يعظُم جزعُه على ما فاتَ ولا فرحُه بما هُو آتٍ، وقُرِىءَ بما أَتاكُم من الإتيانِ. وفي القراءةِ الأُولى إشعارٌ بأنَّ فواتَ النعمِ يلحقُها إذا خُلِّيتْ وطباعَها وأمَّا حصولُها وبقاؤُها فلا بُدَّ لهما من سببٍ يُوجدها ويُبقيها، وقُرِىءَ بما أُوتيتُم. والمرادُ بهِ نفيُ الأَسَى المانعِ عن التسليم لأمر الله تعالى والفرحِ الموجبِ للبطرِ والاختيالِ، ولذلكَ عقبَ بقولِه تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} فإنَّ من فرحَ بالحظوظ الدنيويةِ وعظُمتْ في نفسه اختالَ وافتخَر بها لا محالةَ، وفي تخصيص التذيـيلِ بالنَّهي عن الفرح المذكورِ إيذانٌ بأنَّه أقبحُ من الأَسَى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 21]. سمعت محمد بن شاذان يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطى يقول: سمعت الجنيد قال: هذا الخطاب لما باشرته العقول نهضت مستحثة للجوارح بحسن التوجه لإقامة ما به يحظون عند من استجابوا لدعوته وفطنوا لإشارته وأقاموا تحت العلم بقربه وقرّت عيونهم بما ورد على قلوبهم بالسرور بالخلوة جلاسًا أناسًا أكياسًا لا يرهبون فى الطريق غيره ولا يتوسلون إليه إلاَّ به ولا يسألونه شيئاً غير التمتع بخدمته وحسن المعرفة على موافقته. سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعيد القرشى يقول فى قوله: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} قال: سارعوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم يوجب لكم المغفرة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ}. أي سارِعوا إلى عَمَلٍ يوجب لكم مغفرةً من ربِّكم، وذلك العملُ هو التوبة. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا} ذَكر عَرْضها ولم يذكرْ طولها؛ فالطول على ما يوافيه العَْرضُ. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ}: وفي هذا دليلٌ على أنَّ الجنةََ مخلوقة. {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. وفي ذلك ردٌّ على من يقول: "إن الجنة مُسْتَحقَّةٌ على الطاعات، ويجب على الله إِيصالُ العبدِ إليها".. لأن الفضلَ لا يكون واجباً. ويقال: لمَّا سمعت أسرار المؤمنين هذا الخطاب ابتدرت الأرواحُ مُقْتَضِيةً المسارعة من الجوارح، وصارت الجوارحُ مستجيبةً للمُطالَبةِ، مُستبشرة برعاية حقوق الله؛ لأنها علمت أن هذا الاستدعاءَ من جانب الحقِّ سبحانه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} دعا المريدين الى مغفرته بنعت الاسرار ودعا المشتاقين الى جماله بنعت الاشتياق والاشواق وقد دخل الكل فى مظنة الخطاب لان الكل قد وقعوا فى بحار الذنوب حين لم يعرفوه حق معرفته ولم يعبدوه حق عبادته دعاهم جميعا الى التظهير فى بحر رحمته حتى صاروا متطهرين من غرورهم بانهم عرفوه فاذا وصلوا عرفوا انهم لم يعرفوه فياخذ الله بايديهم بعد ذلك ويكرمهم بكشف جنان قربه وفراد ليس مشاهدته ولولا رحمته وغفر انه لهلكوا جميعا فى اول بوادى سطوة عزته لكن اغفلهم عند فيه حتى يبقوا ولو رفع عنهم غطاء الغفلة والجهل به فى مشاهدته لهلكوا جميعا حسرة من فقدان الحق والحقيقة قال الحسين فى هذه الأية لما باشرت هذه المخاطبة العقول نهضت مستحصنة للجوارح بحسن التوحدي لاقامة مائة يحطون عند من استجابوا لدعوته فظنوا لاشارته واقاموا تحت العلم بقربه وقرت عيونهم بما اورد على قلوبهم بالسر وبالخلوة جلاسا اناسا اكياسا لا يرهبون فى الطريق اليه غيره ولا يتوسلون اليه الابد ولا يسالونه شيئا غير التمتع بخدمته وحسن المعرفة على موافقته.
اسماعيل حقي
تفسير : {سابقوا} اى سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم فى المضمار وهو الميدان {الى مغفرة} عظيمة كائنة {من ربكم} اى الى اسبابها وموجباتها كالاستغفار وسائر الاعمال الصالحة اى بحسب وعد الله والا فالعمل نفسه غير موجب وفى دعائه عليه السلام "حديث : أسألك عزآئم مغفرتك"تفسير : اى أن توفقنى للاعمال التى تغفر لصاحبها لا محالة ويدخل فيها المسابقة الى التكبيرة الاولى مع الامام ونحوها، سلمى قدس سره ككفت كه وسيله معفرت حضرت رسالت است عليه السلام بس حق سبحانه وتعالى ميفرمايدكه ستاب نماييد بمتابعت اوكه سبب آمر زش است شعر : بيمبركسى را شفاعت كرست كه بر جاده شرع بيغمبرست تفسير : قال الشيخ الشهير بافتاده قدس سره ان الله تعالى أرسلنا من عالم الامر الى عالم الارواح ثم منه الى عالم الاجساد وخلقنا فى أحسن تقويم واعطانا اختيارا جزيئا وقال ان كنتم صرفتم ذلك الاختيار الى جانب العبادات والطاعات والى طريق الوصول الى الحسنات أدخلكم الجنة وأيسر لكم الوصال ورؤية الجمال وأمرنا بالاسراع الى تلك الطريق على وجه المبالغة فان صيغة المفاعلة للمبالغة وانما امر بمبالغة الاسراع لقلة عمر الدنيا وقد ذهب الانبياء والاولياء ونحن نذهب ايضا فينبغى أن نسرع فى طريق الحق لئلا يفوت الوصول الى الدرجات العالية بالاهمال والتكاسل وطريق الاسراع فى مرتبة الطبيعة الامتثال بالاوامر والاجتناب عن النواهى وفى مرتبة النفس تزكيتها عن الاخلاق الرديئة كالكبر والرياء والعجب والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه وتحليتها بالاخلاق المحمودة كالتواضع والاخلاص ورؤية التوفيق من الله والحلم والصبر والرضى والتسليم والعشق والارادة نحوها وفى مرتبة الروح بتحصيل معرفة الله تعالى وفى مرتبة السر ينفى ماسوى الله تعالى وقال البقلى قدس سره دعا المريدين الى مغفرته بنعت الاسراع ودعا المشتاقين الى جماله بنعت الاشتياق وقد دخل الكل فى مظنة الخطاب لان الكل قد وقعوا فى بحار الذنوب حين لم يعرفوه حق معرفته ولم يعبدوه حق عبادته فدعاهم جميعا الى التطهير فى بحر رحمته حتى صاروا متطهرين من غرورهم بانهم عرفوه فاذا وصلوا الى الله عرفوا انهم لم يعرفوه فيأخذ الله بأيديهم بعد ذلك ويكرمهم بأنواع ألطافة ثم ان المسابقة انما تكون بعد القصد والطلب (وفى المثنوى) شعر : كركران وكر شتابنده بود آنكه كوينده است يابنده بود تفسير : {وجنة عرضها كعرض السماء والارض} اى كعرض سبع سموات وسبع ارضين لو وصل بعضها ببعض على أن يكون اللام فى السماء والارض للاستغراق واذا كان عرضها كذلك فما ظنك بطولها فان طول كل شىء اكثر من عرضه قال اسماعيل السدى رحمه الله لو كست السموات والارض وصرن خردلا فبكل خردلة لله جنة عرضها كعرض السموات والارض ويقال هذا التشبيه تمثيل للعباد بما يعقلون ويقع فى نفوسهم مقدار السموات والارض وتقديم المغفرة على الجنة لتقديم التخلية على التحلية {اعدت} هيئت {للذين آمنوا بالله ورسله} فيه دليل على ان الجنة مخلوقة بالفعل كما هو مذهب اهل السنة وان الايمان وحده كاف فى استحقاقها اذ لم يذكر مع الايمان شىء آخر ولكن الدرجات باعمال وفيه شىء فان الايمان بالرسل انما يكمل بالايمان بما فى ايديهم من الكتب الالهية والعمل بما فيها {ذلك} الذى وعد من المغفرة والجنة {فضل الله} وعطاؤه وهو ابتدآء لطف بلا علة {يؤتيه} تفضلا واحسانا {من يشاء} ايتاءه اياه من غير ايجاب لاكما زعمه اهل الاعتزال {والله ذو الفضل العظيم} ولذلك يؤتى من يشاء من ذلك الفضل الذى لاغاية ورآءه والمراد منه التنبيه على عطاء ان العظيم عظيم والاشارة الى ان أحدا لايدخل الجنة الا بفضل الله نبيا او وليا قال عليه السلام "حديث : خرج من عندى خليلى جبرآئيل عليه السلام آنفا فقال يا محمد والذى بعثك بالحق ان عبدا من عباد الله عبد الله خمسمائة سنة على رأس جبل يحيط به بحر فأخرج الله له عينا عذبة فى اسفل الجبل وشجرة رمان كل يوم تخرج رمانة فاذا أمسى نزل وأصاب من الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها ثم قام للصلاة فسأل ربه أن يقبض روحه ساجدا وأن لايجعل للارض ولا لشىء على جسده سبيلا على ان يبعثه الله وهو ساجد ففعل ونحن ونمر عليه اذا هبطنا واذا عرجنا وهو على حاله فى السجود قال جبريل فنحن نجد فى العلم انه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدى الله فيقول له الرب ادخلوا عبدى الجنة برحمتى فيقول العبد بل بعملى فيقول الله قايسوا عبدى بنعمتى عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت عليه النعم الباقية بلا عبادة فى مقابلتها فيقول الله ادخلوا عبدى النار فيجر الى النار فينادى ويقول برحمتك ادخلنى الجنة فيقول الله ردوه الى فيوقف بين يديه فيقول عبدى من خلقك ولم تك شيئا فيقول أنت يارب فيقول أكان ذلك بعملك او برحمتى فيقول بل برحمتك فيقول من قواك على عبادة خمسمائة سنة فيقول أنت يارب فيقول من أنزلك فى الجبل وسط البحر وأخرج الماء العذب من بين المالح وأخرج لك رمانة كل ليلة وانما تخرج فى السنة مرة واحدة وسألتنى أن أقبضك ساجدا من فعل بك ذلك كله فيقول أنت يارب قال فذلك كله برحمتى وبرحمتى ادخلك الجنة" شعر : جورويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثنا كوى وخودرا مبين اميدى كه دارم بفضل خداست كه برسعى خود تيكه كردن خطاست همين اعتمادم بيارىء حق اميدم بآمر زكارىء حق
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو {بما أتاكم} مقصور يعني بما جاءكم. الباقون بالمد يعني بما اعطاكم وقرأ اهل المدينة واهل الشام {فإن الله الغني الحميد} بلا فصل لانهم وجدوا فى مصاحفهم كذلك، والباقون بأثبات {هو} وكذلك هو فى مصاحفهم فمن اسقط (هو) جعل {الغني} خبر (ان) و {الحميد} نعته ومن زاد (هو) احتمل شيئين: احدهما - ان يجعل (هو) عماداً أو صلة زائدة. والثاني - أن يجعله ابتداء، و {الغني} خبره، والجملة فى موضع خبر (إن) مثل قوله {أية : إن شانئك هو الأبتر} تفسير : يقول الله تعالى آمراً للعقلاء المكلفين وحاثاً لهم على الطاعات {سابقوا إلى مغفرة من ربكم} والمسابقة طلب العامل التقدم فى عمله قبل عمل غيره بالاجتهاد فيه فعلى كل مكلف الاجتهاد في تقديم طاعة الله على كل عمل كما يجتهد المسابق لغيره والمسابقة إلى المغفرة بأن يتركوا المعاصي ويفعلوا الطاعات وقوله {وجنة} معناه سابقوا إلى جنة أي الى استحقاق ثواب جنة {عرضها كعرض السماء والأرض} في السعة. وقال الحسن: ان الله تعالى يفني الجنة ويعيدها على ما وصفه في طولها وعرضها، فبذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء والارض. وقال غيره إن الله تعالى قال {عرضها كعرض السماء} الدنيا {والأرض} والجنة المخلوقة في السماء السابعة فلا تنافي بين ذلك، وإذا كان العرض بهذه السعة فالطول اكثر منه او مثله. قوله {أعدت} اشتقاقه من العدد والاعداد، وضع الشيء لما يكون في المستقبل على ما يقتضيه من عدد الأمر الذي له، والمعنى أن هذه الجنه وضعت وادخرت للذين آمنوا بالله ورسوله، فيوحدوا الله ويصدقوا رسله. ثم قال {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} أي هذا الذي ذكره بأنه معد للمؤمن فضل من الله يؤتيه من يشاء اي يعطيه من يشاء {والله ذو الفضل العظيم} فالفضل والافضال والتفضل واحد وهو النفع الذى كان للقادر ان يفعله بغيره وله ان لا يفعله. ثم قال تعالى {ما أصاب من مصيبة} اى ليس يصيب احداً مصيبة {في الأرض} فى ماله {ولا في أنفسكم إلا} وهو مثبت مذكور {في كتاب} يعني اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها}، فالضمير راجع الى النفس كأنه قال: من قبل ان نبرء النفس ويحتمل أن يكون راجعاً الى المصائب من الأمراض والفقر والجدب والغم بالثكل. ثم قال {إن ذلك} يعني اثبات ذلك على ما ذكره {على الله يسير} أى سهل غير يسير. بين تعالى لم فعل ذلك فقال {لكيلا تأسوا} أى لا تحزنوا {على ما فاتكم} من لذات الدنيا وزينتها {ولا تفرحوا بما آتاكم} منها على وجه البطر والاشر، فمن قصر أراد بما جاءكم، ومن مدّ اراد بما اعطاكم. ثم قال {والله لا يحب كل مختال} أى متجبر {فخور} على غيره على وجه التكبر عليه، فان من هذه صفته لا يحبه الله. وفرح البطر مذموم. وفرح الاغتباط بنعم الله محمود. كما قال تعالى {فرحين بما آتاهم الله من فضله} والتأسي تخفيف الحزن بالمشاركة فى حاله. ثم بين صفة المختال الفخور، فقال {الذين يبخلون} بما اوجب الله عليهم من الحقوق فى أموالهم {ويأمرون الناس بالبخل} ايضاً. وقيل: نزلت فى اليهود الذين بخلوا بذكر صفة النبي على ما وجدوه فى كتبهم وأمروا غيرهم بذلك. والبخل والبخل لغتان، وقرىء بهما. وهو منع الواجب. ثم قال {ومن يتول} يعني ومن يعرض عما ذكره الله وخالف {فإن الله هو الغني الحميد} ومعناه إنه تعالى الغني عن جميع خلقه محمود فى جميع افعاله، فمنع هؤلاء حقوق الله لا يضره، وإنما ضرر ذلك عليهم. ثم اقسم تعالى فقال {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} يعني الدلائل والحجج الواضحة {وأنزلنا معهم الكتاب} أي مكتوباً فيه ما يحتاج الخلق اليه كالتوراة والانجيل والقرآن {والميزان} أي وانزلنا الميزان وهو ذو الكفتين. وقيل: المراد به العدل {ليقوم الناس بالقسط} يعني بالعدل فى الامور {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} إخبار من الله تعالى انه الذي انزل الحديد. وروي ان الله تعالى أنزل مع آدم العلاءة - يعني السندان والمطرقة والكليتين - من السماء، وهذا صحيح ولا بد منه، لان الواحد منا لا يمكنه أن يفعل آلات من حديد وغيرها إلا بآلات قبلها، وينتهي إلى آلات يتولى الله صنعها تعالى الله علواً كبيراً. وقوله {فيه بأس شديد} أي يمتنع به ويحارب به {ومنافع للناس} أي وفيه منافع للناس كأدواتهم وآلاتهم وجميع ما يتخذ من الحديد من آلات ينتفع بها كالسكين وغيرها {وليعلم الله من ينصره ورسله} أي فعلت ذلك لما لهم فيه من النفع به، وليعلم الله من ينصره بنصرة موجودة، ومن يجاهد مع نبيه جهاداً موجوداً {بالغيب} أي ينصر الله ورسله ظاهراً وباطناً {إن الله قوي عزيز} أي قادر على ما يصح أن يكون مقدوراً له لا يقدر احد على قهره ولا على منعه. وقيل: فى جواب قوله {الذين يبخلون} قولان: أحدهما - إنه محذوف كما حذف فى قوله {أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال} تفسير : وتقديره الذين يبخلون فهم يستحقون العذاب والعقوبة. وقيل: أيضاً جوابه جواب قوله {ومن يتولى} فعطف بجزاءين على جزاء واحد، وجعل جزاءيهما واحد، كما تقول: إن تقم وتحسن آتك إلا انه حذف الجواب
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الإعداد: التهيئة. أي: وضع الشيء لما يكون في المستقبل على ما يقتضيه أو يناسبه. و"الفضل" و"الإفضال" و"التفضّل" واحد، وهو: النفع. وهو إما المعنى الحدثي المصدري، أو الأمر الحاصل به، والثاني هو المراد ها هنا. ومعنى الآية: انه تعالى بعدما بيّن ان الحياة أمر لا حقيقة لها سوى كونها خيالاً موهوماً - بالوجه الذي مرّ بيانه -، ومثّلها بمثال ينبّه العاقل على دثورها وزوالها، وأشار إلى أن الحياة الآخرة أمر محقق ثابت في نفس الأمر، لكنها إما عذاب شديد، وإما غفران ورضوان، أحدهما للسعداء والآخر للأشقياء، ثم كرر الإشارة إلى أنها لمن لم يعمل لآخرته في متاع الغرور، فرغّب سبحانه في المسابقة إلى طلب أحد الأمرين الأخرويين - المشار إليهما في الآية السابقة -، وهو الذي يترتب على استعمال الحياة الدنيا في طلب التوصل إلى لقاء الله واليوم الآخر قائلاً: سابقوا - أي سارعوا مسارعة المسابقين لأقرانهم ونظرائهم في المضمار، واردعوا العوارض القاطعة عن السلوك إلى البغية بالأعمال الصالحة العلمية والعملية، مقبلين إلى ما يوجب الفوز بمغفرة من ربكم. قال الكلبي: إلى التوبة. وقيل: إلى الصف الأول للصلاة، وقيل: إلى النبي. وفي معناه: إلى كل هاد ودليل من الأئمة وبعدهم من المشايخ والمعلمين، والى - جنّة عرضها كعرض السماء والأرض -، أي: وسابقوا إلى استحقاق ثواب جنّة هذه سعتها وعظمتها. وفي ارتكاب حذف المضاف، أو ما في حكمه في الموضعين، نظر كشفي لا يسع المقام. قال السدي: كعرض سبع سموات وسبع أرضين. وفي ذكر العرض دون الطول وجوه: أحدها: إن كل ما له امتدادان مختلفان فإن عرضه يكون أقل من طوله، فإذا وصف عرضه بالبسطة، عرف أن طوله أبسط وأَمَدّ. وثانيها: ان الطول قد يكون بلا عرض، بخلاف العكس. وثالثها: الإشعار بأن طولها لا يمكن أن يقاس إلى شيء من هذا العالم. ورابعها: ان المراد منه مطلق البسطة، كقوله تعالى: {أية : فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ}تفسير : [فصّلت:51]. وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غزوة أحد: "يا عثمان ذهبتُ عريضاً". قال الحسن: إن الله يفني الجنّة ويعيدها على ما وصفه، فلذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء والأرض. وقال بعضهم: إن الله قال: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}، والجنة المخلوقة هي فوق السماء السابعة فلا تنافي. وقوله: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: ادُّخِرَت للمؤمنين بالله ورسله، وفيه ما لا يخفى من التمحّل، وذلك - أي الفوز بالمغفرة والجنة - من فضل الله - لكونه موجوداً كاملاً تاماً فوق التمام، فيفضل منه الوجود، وكمال الوجود على غيره ممن يشاء - والله ذو الفضل العظيم - لأن العالم وما فيه من فضل وجوده وفيضه، فلا استبعاد في أن يجزي الدائم الباقي على العمل القليل الفاني، ولو اقتصر على قدر ما يستحق بالأعمال كان عدلاً، لكنه تفضّل بالزيادة. كما انه لو أمسك عن إفاضة الوجود على العالم كان تاماً في واجبيّته ومملكته وسلطانه، لكنه، تفضّل بوجود العالم نافلة من غير ضرورة زائدة على ذاته، وداعية مستولية عليه، وأن أحداً لا ينال خيراً في الدنيا والآخرة إلاَّ بفضل الله، فإنه لو لم يَدْعُنا إلى الطاعة، ولم يبيّن لنا الطريق، ولم يوفقنا للعمل الصالح لما اهتدينا إليه، فذلك كله من فضل الله. وقال أبو القاسم البلخي: إن الله سبحانه لو اقتصر لعباده في طاعتهم على مجرد إحسانه السابق إليهم لكان عدلاً، فلهذا جعل سبحانه الثواب والجنة فضلاً. قيل: وفي هذه الآية أعظم رجاء لاهل الإيمان، لأنه ذكر أن الجنة معدّة للمؤمنين، ولم يذكر مع الإيمان شيئاً آخر، وانت علمت مما سبق، ان الإيمان بالله والرسول وما جاء هو به أجلّ مراتب الكمالية للإنسان، وبه يستحق السعادة العظمى، والغرض من الأعمال الصالحة هو خلاص النفس عن العلائق الدنيّة، المكدّرة لمرآة القلب، المانعة عن إدراك الحقائق والمعارف الإيمانية، فالعقيدة الحقة الإلهية لا تتيسر إلاَّ بقطع الأغراض الدنيوية بالأعمال الصالحة المقرّبة للقدس، ولا يتيسر الإخلاص في العمل إلاَّ بالعقيدة الإيمانية، فالإيمان هو المبدأ والغاية في كل خير وكمال، على وجه لا يدور على نفسه دوراً مستحيلاً، ويحتاج بيانه إلى كلام مشبع لا يناسب المقام. مكاشفة في أن الجنة والنار حق إعلم أن قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} [الحديد:21]، وكذا قوله: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [آل عمران:133]، دليل واضح على أن الجنة مخلوقة الآن، موجودة للمؤمنين والمتقين، لأنها نتيجة أعمالهم (وان فيها جزاء لهم ونتائج لأعمالهم - ن) وأفعالهم. ومن جملة الآراء السخيفة، رأي من زعم أن الجنة والنار لم توجدا بعد، ولا توجدان إلاَّ بعد بوار العالم وتهافت السمٰوات والأرضين، واشير إلى فساد هذا الرأي في قوله: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً}تفسير : [المعارج:6 - 7]. وفي قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصّلت:44]. ومن الآراء السخيفة أيضاً؛ اعتقاد أكثر الناس أن أجسام أهل الجنة أجساد لحمية كثيفة، مركّبة من أخلاط أربعة قابلة للاستحالات معرّضة للآفات. وإذا تأمل أحد فيما وصف الله تعالى من صفات أهل الجنة، ظهر له فساد هذا الرأي، وذلك قوله سبحانه: {أية : لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} تفسير : [الحجر:48]، و: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ}تفسير : [الدخان:56]. وأنهم {أية : فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة:25]. و: {أية : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة:62]. ومن علامات حقية الاعتقادات؛ أن لا يقع فيها تناقض وتخالف، وهرج ومرج، وأكثر آراء المجادلين والمتشبهين بالعلماء - كأكثر الكلاميين -، يكون بحيث إذا عرضه صاحبه على عقله أنكره ضميراً - وان أقرّ به لساناً -، ويجده مناقضاً لسائر اعتقاداته وأصوله، فيقع عند ذلك في شك وحيرة وسوء ظن بربه، كما قال الله تعالى: {أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ}تفسير : [فصّلت:23]. ولا بد لكل أحد أن يعلم أن الجنة والنار الجسمانيتين غير معلومتي الكُنْه إلاَّ للمكاشفين، الذين اكتحلت عيونهم بنور الله، وغلب عليهم ظهور سلطان الآخرة، فصاروا بحيث تكون أبدانهم في الدنيا ساكنة، وأرواحهم في الآخرة سائرة، فهم من أهل الاطلاع على حقائق الأمور الأخروية، ولا بد للمحجوبين ومن لم يقف على أسرارهم ولم يصل بعد إلى مقامهم، أن يعتقدوا - إيماناً بالغيب - أن الجنة التي عَرْضُها السموات والأرض موجودة في عالم الغيب، بحيث لا يمكن مشاهدتها بهذه العين، وليست أجسام الآخرة من هذه الأجسام حتى يقع بينها تزاحم وتضائق، بل التزاحم والتضائق من خواصّ هذه الأجساد التي تشاهد بهذه الحواس الداثرة المستحيلة، وتلك الأجساد لا تشاهد إلاَّ بالبصيرة الباطنية. ولا بد أيضاً أن يعلم كل من آمن باليوم الآخر، أن للأعمال والأفعال الدنيوية - باعتبار تأثيرها في عادات النفس ومَلَكاتها - علاقة طبيعية مع أعيان الأمور الأخروية. فكما أن الأمر المسمّى "بالمعصية" في الدينا، يؤدي بصاحبها في الآخرة إلى الاحتراق بالنار، والتعذيب بالحميم والزقوم، والتصلية للجحيم، فكذا المسمى "بالطاعة" يظهر في الآخرة بصورة الجنة والرضوان، والتنعم بالفواكه والحُور والغلمان، والولدان، فهذه الأفعال المحمودة التي هي الطاعات، إنما تراد لأجل اكتساب الأخلاق الحسنة، وكذا الأفعال المذمومة إنما تترك لأجل أنها ستنجر إلى الأخلاق السيئة. فالغرض من الأوامر الشرعية - أفعالاً كانت أو تروكاً - إنما هو تحسين العادات، وتقويم المَلَكات، وتبديل السيئات منها إلى الحسنات، بتوفيق من الله وتأييد منه، كما قال سبحانه في حق المخلَصين من عباده: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} تفسير : [الفرقان:70]. وكما ان كل صفة في الدنيا تغلب على باطن الإنسان وتستولي على نفسه، بحيث تصير ملكة له توجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة، ويصعب عليه صدور أضدادها غاية الصعوبة، وربما يبلغ ضرب من الأولى حد اللزوم، وضرب من الثانية حد الامتناع. فهكذا حال الملكات والأخلاق في الآخرة، إذ كل صفة بقيت في النفس ورسخت فيها وانتقلت معها إلى تلك الدار، صارت كأنها لزمتها ولزمت لها الآثار والأفعال الناشية منها بصور تناسبها، وليست الأفعال والآثار الدنيوية في لزومها لمصادرها التي هي الملكات بتلك المثابة، إذ الدنيا دار اكتساب، وللعلل الاتفاقية فيها تداول وجَوَلان، وللدواعي والصوارف الخارجية تسلّط ودَوَرَان، فالشقيّ ربما يصير بالاكتساب سعيداً، وبالعكس، - بخلاف الدار الآخرة -، فإن باب الاكتساب والتحصيل فيها مسدود، ولكل نفس فيها حد محدود، كما اشير إليه في قوله تعالى: {أية : لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} تفسير : [الأنعام:158]. ولأن الدنيا دار تعارض الأضداد وتفاسد المتمانعات بخلاف الآخرة، لكونها دار الجمع والاتفاق من غير تزاحم ولا تضادّ، فالأسباب هناك لا تكون إلاَّ عللاً ذاتية كالفواعل الحقيقية والغايات الذاتية دون العَرَضية، فكل ما يصلح أثراً لصفة نفسانية لا يتخلّف عنها هناك - كما يتخلف عنها ها هنا - فلا سلطنة هناك للعلل العَرَضية والأسباب الاتفاقية، بل المُلك لله الواحد القهّار كما في قوله: {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}تفسير : [سبأ:23]. أي لا تأثير هناك للعلل الاتفاقية، بل للذاتية. وكذا في قوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة:255]. وقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر:48]. أي العلل الاتفاقية دون المأذونين في الشفاعة كالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأجل حصول الاستعداد والمناسبة الحاصلة من دعوته لأمته، التي كانت خيرَ أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وهذا القدر من المعرفة، أقل ما يكفي المستبصر لأن يؤمن بجميع ما وعده الله ورسوله أو توعد عليه بلسان الشرع من الصور الأخروية المترتبة على الاعتقادات والأخلاق المستتبعة للّذات والآلام، إن لم يكن من أهل المكاشفة الباطنية والمشاهدة الأخروية. وأما معرفة التفاصيل في نتيجة كل صفة وعمل وَعَدَ به أو تَوَعّد عليه الشرع الأنور بحكومة أخروية، فيتوقف على كشف تام ومعرفة كاملة، واتصال قوي بعالم الغيب، وتجرّد بالغ من علائق هذا العالم، فكل من له تحدّث في العلوم، يجب عليه أن يتأمل في الصفات النفسانية والأخلاق الباطنية، وكيفية منشأيتها للآثار والأفعال الظاهرة منها، ليجعل ذلك ذريعة لأن يفهم كيفية استتباع الأخلاق المكتسبة في الدنيا من تكرر الأفاعيل للآثار المخصوصة في الآخرة، تحقيقاً لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : الدنيا مزرعة الآخرة ". تفسير : فكما ان شدة الغضب والغيظ في رجل غضبان يوجب ثوران دمه، واحمرار وجهه، وحرارة جسده، واحتراق مواده الرطبة - التي أرطب من الحطب اليابس - على ان الغضب صفة نفسانية موجودة في عالم الروح الإنساني وملكوته، والحركة والحمرة والحرارة والاحتراق من صفات الأجسام، وقد صارت هذه الصفة الواحدة النفسانية مصورة بهذه الهيآت والعوارض الجسمانية في هذا العالم، فلا عجب من أن يكون رسوخ هذه الصفة المذمومة مما يلزمها في النشأة الآخرة نار جهنم التي تطّلع على الأفئدة فيحرق صاحبها. وكما يعرض أيضاً له بسببها ها هنا أمور مستنكرة وأفعاله مستكرهة - إذا لم يكن له صارف عقلي - من ضربان العروق واضطراب الأعضاء وقبح المنظر، وربما يؤدي بصاحبها إلى الضرب الشديد والقتل لغيره - بل لنفسه -، وربما يموت غيظاً، فكذا القياس فيما يعرض هناك على وجه أشد وأبقى. وبهذه الموازنة بين النشأتين يُشعر قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة:62]، فإذا تأمل أحد في استتباع هذه الصفة المذمومة الواحدة لتلك الآثار واللوازم الذميمة، فيمكن له أن يقيس عليها باقي الصفات المؤذيات، والاعتقادات المهلكات، وكيفية انبعاث نتائجها ولوازمها منها يوم الآخرة من النيران وغيرها، كما في قوله تعالى: {أية : سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ}تفسير : [الأنعام:139]. وكذا حال أضدادها من حسنات الأخلاق وحقائق الاعتقادات، وكيفية استتباعها للنتائج والثمرات - من الجنان والرضوان، والوجوه الحسان - فعلى هذا يثبت القول بوجود الجنة والنار بالحقيقة، ولا يحتاج إلى تجوز في قوله: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران:133]. وقوله: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة:49].
الجنابذي
تفسير : {سَابِقُوۤاْ} هذا بمنزلة النّتيجة او جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ ناشٍ من سابقه كأنّه قيل: ان كان الحياة الدّنيا متاع الغرور وفى الآخرة عذابٌ لاهلها او مغفرة فما نفعل؟ - فقال: سابقوا {إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} قد مضى فى سورة آل عمران بيان تشبيه عرض الجنّة بعرض السّماوات والارض {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} هذه صفة او حال او مستأنفة {ذَلِكَ} الايمان بالله ورسله او ذلك المذكور من المغفرة والجنّة {فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} فانّ مبدء التّوفيق للايمان الّذى هو سبب المغفرة والجنّة منه تعالى فلا يدخل الجنّة احد بنفسه ولا بعمله {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ مَآ أَصَابَ} منقطعة عن سابقها او جوابٌ لسؤالٍ ناش من السّابق كأنّه قيل: ان كان الله ذا الفضل بعباده فممّ يكون هذه المصائب والبلايا؟ - فقال فى الجواب: ما اصاب {مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ} فى العالم الكبير من البلايا العامّة الواردة على اموال اهل الارض {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} اى من قبل ان نبرأ الأنفس او من قبل ان نبرأ الارض والانفس والمراد بالكتاب كتاب اللّوح المحفوظ والمقصود انّه ليست المصائب الاّ بعلمنا وقدرتنا واصابتنا {إِنَّ ذَلِكَ} الثّبت فى الكتاب {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} متعلّق بقوله فى كتاب او متعلّق بمحذوفٍ والتّقدير اخبرناكم بذلك لتعلموا انّ ما يقع فى الارض هو ثابت فى اللّوح وبعلمنا وارادتنا لكيلا تأسوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} ولكى تصبروا وترضوا عند ما فاتكم وتشكروا الله عند ما آتيكم وهذا هو غاية الزّهد فانّ عدم التّغيّر فى فوت ما فى اليد وفى اتيان ما ليس فى اليد كمال الزّهد كما روى عن امير المؤمنين (ع) انّه قال: الزّهد كلّه بين كلمتين من القرآن قال الله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}، ومن لم يأس على الماضى ولم يفرح بالآتى فقد اخذ الزّهد بطرفيه، وعن الباقر (ع): نزلت فى ابى بكرٍ واصحابه واحدة مقدّمة وواحدة مؤخّرة لا تاسوا على ما فاتكم ممّا خصّ به علىّ بن ابى طالبٍ (ع) ولا تفرحوا بما اتيكم من الفتنة الّتى عرضت لكم بعد رسول الله (ص) {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} عطف على قوله ما اصاب والمقصود انّ عدم الحزن على الفائتة وعدم الفرح قد يكون للاختيال والفخر وليس هذا ممدوحاً انّما المدح على ذلك اذا كان للزّهد فى الدّنيا، او المعنى انّ المصّدّقين المنفقين والمؤمنين كذلك وغير المصّدّقين الّذين يختالون ولا ينقصون من انانيّاتهم، والّذين يفخرون ولا يؤمنون بالله ورسوله مبغوضون لله فانّه قد تكرّر فيما سبق انّ مفهوم هذه العبارة وان كان اعمّ من كونهم مبغوضين لكنّ المراد بحسب المقام ذلك.
فرات الكوفي
تفسير : {سابِقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ 21} [تقدم في ذيل الآية 56/ الزمر في حديث أمير المؤمنين ذكر هذه الآية].
اطفيش
تفسير : {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} سارعوا مسارعة السابقين في المضمار ومن ذلك التسارع الى قتال المنافقين والمشركين ولا سيما في هذا الزمان الذي انتشرت في الكفرة واختل فيه النظام وفي الحديث: "حديث : مابين حياة الشهيد في الدنيا وحياته في الآخرة إلا كمضغ تمرة"تفسير : وفي الحديث: "حديث : إن الشهيد لايجد ألم القتل إلا كما يجد ألم القرصه"تفسير : ونعم ما روي انه قال لاصحابه: "حديث : ماالشهيد عندكم؟" قالوا: القتيل في سبيل الله، فقال: "إن شهداء أمتي إذاً لقليل" ثم قال: "القتل في سبيل الله شهادة لكل مسلم والبطن شهادة والطاعون شهادة والغرق شهادة والحرق شهادة والنفاس شهادة والسيل شهادة وكل مؤمن شهيد وشتان ما بين الشهادة الحربية والايمانية"تفسير : امرهم بالسبق إلى أسباب المغفرة من التوبة والأعمال الصالحة في مقابلة مسارعة الكفار إلى أمور الدنيا. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} لو وصلت إحداهما بالاخرى فما ظنك بالطول فإن ماله عرض وطول فإن طوله أبسط وأوسع وهذه جنة الواحد، أي ليسارع كل منكم إلى جنة هي كذلك وقيل أن الجنس الشامل للأراضين والسماوات أو المراد تمثيل للواسع بما يعلمه البشر والحقيقة أكثر من ذلك وقد ورد أن سقف الجنة العرش وأن السماوات في الكرسي كالدرهم في الفلاة والكرسي في العرش كالدرهم في الفلاة وأن الجنة مائة درجة كل درجة عرضها السماوات والأرض. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} وطرحوا الدنيا جيفة واقبلوا الى الآخرة وترك الدنيا أفضل من الرغبة في حلالها وانفاقه لما فيها من الخطر وقيل بالعكس ولما حضرت الوفاة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بكى بكاء شديد وقال: كان مصعب بن عمير خيراً مني توفي ولم يترك ما يكفن فيه وبقيت بعده حتى أصبت من الدنيا وأصابت مني ولا أحسبني إلا سأحبس عن اصحابي بما فتح الله علي من الدنيا وبكى حتى فارق الدنيا. وأما الاغناء في {أية : ووجدك عائلا فأغنى}تفسير : فإغناء القلب فرحم الله قوماً عملوا بالآية فكانوا يتسارعون إلى الصلاة أول وقتها أجابة لدعاء الله وكان رجل من أهل القيروان متعبداً اسمه عبد الخالق كثير الخوف والحزن وبالخوف مات رأى فرساناً تتسابق ورأى فرساً تقدم وجد التالي حتى لحقه وسبقه فتخلل الناس حتى وصل الى السابق فجعل يقبله ويقول بارك الله فيك صبرت فظفرت ثم سقط مغشياً عليه تذكر سبق الآخرة. {ذَلِكَ} الموعود به {فَضْلُ اللهِ} من غير إيجاب {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} وهم المؤمنون {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} فلا يبعد منه التفضل بذلك للوعود به وإن عظم قدره أو فاعل وأصاب لازم بمعنى حدث.
اطفيش
تفسير : {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ} عظيمة {مِن رَّبِّكُمْ} إِلى موجبات المغفرة وهى أنواع العبادات وترك المعاصى، أى ليجتهد كل واحد منكم أن يكون أكثر عبادة من غيره وأشد إِخلاصاً بلا حسد ولا منافسة وذلك أن يكون أول داخل وآخر خارج، وأول صف فى القتال، وأن لا تفوته تكبيرة الإِحرام مع الإِمام، وأول من يصلى أول الوقت إِذا صلى وحده وأول راجع إِلى الصلح إِذا فاتن أحدا، وأول عاف إِذا أمكن العفو من الجانبين، وأن يزكى أول الوقت ولا يؤخر زكاة أو حجاً أو غيره مما لزمه وهكذا والكلام استعارة تمثيلية فى أمر المتسابقين على الخيل على شئ يؤخذ، أو مجاز مرسل تعبير بالملزوم عن اللازم يلزم من الأَعمال الفوز بالجنة، وقيل سابقوا الموت بالعمل قبل مجيئه. ويقال سابقوا إِبليس وأعوانه عن أن يصدكم عن الأَعمال. وفى قوله من ربكم تعظيم للمغفرة {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ} السماوات السبع {وَالأَرْضِ} الأَرضين السبع متصلات مبسوطات كرقة الورقة، ولو أن الجنة مسحت بماء البحور كلها لم تعمها، وإِذا كان العرض كذلك فكيف الطول أو ذلك تمثيل بما يعرف الناس أو العرض البسطة والوسعة كقوله تعالى {أية : فذو دعاء عريض} تفسير : [فصلت: 51] وقدم المغفرة لأَنها سبب الجنة ومتقدمة فى الوجود على دخول الجنة، ولأَنها تخلية والجنة تحلية. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ} إِيمانا مستتبعاً للأَعمال الصالحة وترك الإِصرار والأَطفال والمجانين قبل البلوغ يدخلونها بلا عمل، وكذا من مات قبل أن يلزمه عمل من وحد والتوحيد عمل والآية والأَحاديث تدل أن الجنة والنار موجودتان الآن وهو الصحيح {ذَلِكَ} الموعود من المغفرة والجنة {فَضْلُ اللهِ} عطاؤه غير الواجب ولا واجب عليه تعالى {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} أن يؤتيه إِياه {واللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} فى الجملة وعموما فلا يبعد عنه التفضل بالمغفرة والجنة للتائب وهذا تذييل لما قبله. {مَا أصابَ} إِنسيا أو جنيا أو حيوانا {مِن مُّصِيبَةٍ} فاعل أصاب ومن صلة وأصل المصيبة فى اللغة أن تكون فى الخير والشر ثم خص فى اللغة أيضاً بالشر وهو عرف لها ولغيرها وأصاب يستعمل فيهما. قال الله تعالى: {أية : ولئن أصابكم فضل من الله} تفسير : [النساء: 73]. وما قيل من أن مصيبة للشر لأَنه مأْخوذ من أصاب السهم الرمية، وأصاب إِذا كان فى الخير يعتبر بالصوب أى المطر لا عبرة به بل الإِصابة بمعنى ملاقاة الشئ أصل مطلقا. وقد قيل المصيبة هنا تعم الخير والشر ويدل له قوله: لئلا تأسوا. وقوله: ولا تفرحوا. وذكر الفعل لأَن الفاعل ظاهر مجازى التأْنيث والأَصل فيه التأْنيث كما هو ظاهر، وكما نص عليه السعد وللفصل {فِي الأَرْضِ} كقحط وعاهة زرع وثمار وعدم الثمار وقلتها وزلزلة وغير ذلك {وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ} كمرض وجرح وكسر وحزن وقدر بعض: وما أتت من نعمة لقوله تعالى: ولا تفرحوا بما آتاكم فيكون ذلك من باب الاكتفاء كقوله تعالى: "أية : سرابيل تقيكم الحر"تفسير : [النحل: 81]، أى والبرد {إِلاَّ في كِتَابٍ} وهو كون عام كثابتة أو مكتوبة وهو كون خاص والكتاب هو اللوح المحفوظ، أو علم الله تعالى فيقدر ثابتة لا مثبتة ولا مكتوبة. {مِن قبْلِ أَن نَّبْرَأهَا} من قبل أن يخلق المصيبة والضمير لها لأَن الكلام عليها بالذات وذكر الأَرض والأَنفس بالتبع لها لبيان المحل وعن ابن عباس الضمير للأَنفس وقيل للأَرض وقيل للأَرض والأَنفس والمصيبة، وقيل عائد للمخلوقات وإِن لم يجر لها ذكر، وهو بعيد فى التفسير. ولو كان المعنى حقا وفى الأَرض متعلق بمحذوف مرفوع نعت لمصيبة تبعا للمحل أو مجرور تبعا للفظ أو متعلق بأَصاب أو بمصيبة وذكر الأَرض والأَنفس لأَنهما المشاهدان عندنا ولأَن أهل السماوات لا مصيبة لهم سوى الموت أو ما شذ كعتاب ملك أو إِسقاطه عن رتبته، ولم يطلق الحوادث لأَنها لا تتناهى واللوح المحفوظ متناه لا يسعها وإِذا فسرنا الكتاب بعلم الله تعالى فالتقييد بالأَرض والأَنفس لمشاهدتهما ولقلة المصيبة فى أهل السماء، وعلمه تعالى محيط بما لا يتناهى. {إِنَّ ذَلِكَ} الإِثبات لها فى الكتاب المحفوظ أو ثبوتها فى علم الله تعالى {عَلَى اللهِ} لا على غيره قدم للحصر وللفاصلة. {يَسِيرٌ} لأَنَّ أفعاله بلا علاج ولا آلة فى الإِثبات فى اللوح المحفوظ، وإِذا فسرنا الكتاب بعلم الله، فمعنى يُسْرِ ذلك أن ثبوته ذاتى لا فعل له ولا حدوث، وذكر هشام بن الحكم لعنه الله ولعن أتباعه أنه تعالى لا يعلم الشئ حتى يخلقه، وذلك فى المعنى شرك لأَنه وصف الله بالجهل - تعالى عنه علوا كبيرا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : سيفتح على أُمتي باب من القدر آخر الزمان لا يسده شيء يكفيكم منه أن تلقوه بهذه الآية: وما أصاب من مصيبة.." تفسير : الآية. وروى أن رجلين دخلا على عائشة رضى الله عنها فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبى الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إِنما الطيرة فى المرأة والدابة والدار فقالت: والذى أنزل القرآن على أبى القاسم - صلى الله عليه وسلم - ما هكذا كان يقول ولكن كان رسول الله يقول كان أهل الجاهلية يقولون إِنما الطيرة فى المرأة والدابة والدار وقرأت الآية: {لِكَيْلاَ تَأْسَوا} لكيلا تحزنوا متعلق بمحذوف أى أخبرناكم بذلك لكيلا تأسوا {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من نعيم الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} منها لأَن من علم أن الموجود من خير أو شر بقضاء وقدر لا يتخلف لا يعظم جزعه بفوت ولا فرحة بإِتيان، ومن علم أن ما بيده ولو دام سيفقده بالموت أو أنه عارية لا يحزن بفوته ومن علم أن الله يرزقه لم يعظم عنده الفرح عند وجوده، وذكر الخير والفرح هنا مع أن المتقدم الإِصابة بالسوء فقط لأَنه لا قائل بالفرق بين الخير والشر ولو عند الكفار فى أنهما من الله عز وجل، فلا حاجة إِلى تقدير بعض بعد قوله تعالى: ولا فى أنفسكم وما أتت من نعمة، ولا سيما إِذا قيل المصيبة تشمل النعمة فأَولى أن لا تقدير وأسند فات إِلى ضمير ما لأَن الفوت والعدم ذاتى للمخلوقات فلو لم يبقها الله تعالى لفنيت وعدمت بخلاف بقائها فغير ذاتى بل بإِبقاء موجدها تعالى، فأَسند الإِيتاء إِلى الله عز وجل ولم يقل بما آتاكم بهمزة بلا مد كما قرأ أبو عمرو بن العلاء فيكون الإِسناد فى الموضعين إِلى ضمير ما، و (لا) فى الموضعين نافية، والمراد الزجر عن حزن يؤدى إِلى عدم الرضا بقضاء الله تعالى أو غالب مفوت للعبادة أو موصل إِلى الشكوى، اللهم إِلا لأَخ أو لضرورة والزجر عن فرح بطر والهاء عن الطاعة وأما الحزن الطبيعى وما لا يخلو منه إِنسان فلا بأس وكذا الفرح والمسلم يشكر على النعمة ويصبر على المصيبة فيثاب وقد يفرح بالمصيبة. قال ابن عباس رضى الله عنهما فى الآية لا أحد إِلا يفرح ويحزن لكن من أصابته مصيبة فليجعلها صبرا ومن أصابه خير فليجعله شكرا، وعن جعفر بن محمد الصادق من آل البيت: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إِليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه فى يديك الموت. {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} هذه كلية عامة السلب ولو تقدم السلب على كل كما كثر فى القرآن، والغالب فى مثل ذلك سلب العموم والمعنى هنا لا يحب هذا ولا هذا، وهكذا حتى يفرغوا وهذا تذييل لقوله تعالى: {ولا تفرحوا بما آتاكم} مشيرا إِلى أن الفرح المذموم هو المؤدى إِلى الاختيال والفخر والفجر المباهاة فى الأَشياء الخارجة عن ذات الإِنسان كالمال والجاه، والاختيال التكبر لفضيلة فى ذاته وقيل الاختيال فى الفعل والفخر فيه وفى غيره، وحب الله الشئ هو لازم الحب وهو النفع بالإِثابة وبغضه الانتقام اللازم للبغض وقومنا يثبتون الحب والبغض لله تعالى بلا تأويل ويقولون بلا كيف {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل من كل أو من مختال فخور لا نعت لأَحدهما، لأَنهما نكرتان والذين معرفة أو يقدر هم الذين أو الذين يبخلون لا ينفقون، والله غنى عن الإِنفاق أو منصوب على الذم والتحذير. {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} يقولون بلسان الحال لا تنفقوا فتبقوا أنتم وأولادكم فقراء أو لا تنفقوا على الأَجانب ويقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله والمختال بالمال يبخل به غالبا بالبخل كأَنه ناصح لمأموره أو يقولون بلسان الحال إِذ حالهم البخل فيتبعهم غيرهم فيه فهم قدوة فيه كأَنهم يأمرون به والمراد بالبخل الإِمساك عن الإِنفاق لا البخل بالطبع لأَنه لا يؤمر به، إِذ ليس بكسب. والآية متعلقة بما قبلها كما رأيت وقيل مستأنفة فى صفة اليهود الذين كتموا صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبخلوا ببيانها {وَمَن يَتَوَلَّ} يعرض عن الإِنفاق، الجواب محذوف أى لم يضره توليه أو فهو مستغن ثابت عنه علته فى قوله عز وجل {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أى لأَن الله هو الغنى عن إِنفاقهم أو عن إِنفاق كل أحد أو عن كل شئ فيدخل أولا وبالذات ولا يقدر، فهو مذموم أو فهو معذب لأَن ذمهم وتعذيبهم لا يعللان بغنى الله وحمده. {لَقَدْ أرْسَلْنَا رُسُلَنَا} كآدم ونوح وهود وصالح وإِبراهيم {بِالْبَيِّنَاتِ} الحجج ومن لم ينزل عليه فقد أنزل على رسول قبله وأمر باتباعه والجرى عليه واتباع الكتاب مصاحبته له فالكتاب مصاحب لمن أنزل عليه ومن اتبعه، ويجوز أن يراد بالرسل هنا الرسل الذين أنزل عليهم الكتب لا مطلق الرسل، بل يترجح هذا وعلى كل حال يتعلق مع بأَنزلنا بمعنى أثبتنا أو بمحذوف حال من الكتاب والميزان بقى أن الكتاب ليس متصفا بالمعية حال الإِنزال بل بعده فنقول الحال مقدرة أو ينزل شدة القرب منزلة المقارنة {وَالْمِيزَانَ} معنى إِنزاله الأَمر بتجويده والعمل به وهو شامل للمكيال أو يقدر بالعطف أى والميزان والمكيال وهما مفعال للآلة وياء ميزان عن واو. {لِيَقُومَ} متعلق بأَنزل {النَّاسُ بِالْقِسْطِ} بالعدل فى أُمورهم الدينية والدنيوية. {وَأنْزَلْنَا الْحَدِيدَ} أثبتناه فى اللوح المحفوظ وإِثبات الشئ فى اللوح ملزوم لإِنزاله وسبب له فذلك تعبير باللازم والمسبب عن الملزوم والسبب وفسره الحسن بخلقناه تفسيرا باللازم والمسبب وأنت خبير بأَن اللزوم بيانى، وقال قطرب أنعمنا به عليكم من نزل الضيف {فِيهِ بَأْسٌ} عذاب {شَدِيدٌ} لأَن آلات الحرب تتخذ منه والكتاب والميزان يقومان بالسيف وهو من الحديد وكذا السهام وسنان الرمح وشيم النفوس السبعة والظلم فتقهر بالسيف ونحوه والقيام بالقسط يحتاج إِلى السيف {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} مصالحهم ولا صنعة إِلا بالحديد أو ما يعمل بالحديد وقيل الرسل الملائكة أنزلوا بالوحى والمعجزات وأن جبريل نزل بالميزان على نوح عليه السلام وقال مر قومك يزنوا به، وقيل الميزان العدل. وعن ابن عباس نزل على آدم الميقعة والسندان والكلبتان وقيل الأَربعة والمطرقة وعن ابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : إِن الله عز وجل أنزل أربع بركات من السماء إِلى الأَرض: الحديد والنار والماء والملح"تفسير : ، وقيل أنزلنا أنشأنا مثل إِخراج الحديد من المعادن وشملت الآية الفأس والسلاح وقيل المر والمسحاة والسندان والكلبتان والإِبرة والمطرقة والميقعة وهى المسن وقيل ما تحدد به الرحاء. وعن ابن عباس نزل آدم بآلة الصنائع. {وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ} عطف على محذوف والمحذوف متعلق بأَنزل أى أنزلنا الحديد لينفع الناس وليعلم الله وجملة فيه بأس إِلخ. معترضة أو حال أو يقدر وأنزله ليعلم الله أو يقدر مؤخرا أى وليعلم الله من ينصره ورسله أنزله ويجوز تقدير أنزلناه وتقدير أنزله الله وعلم الله أزلى، والمراد بالعلم هنا مسببه ولازمه وهو الجزاء {بِالْغَيْبِ} حال من المستتر فى ينصر أو من الهاء فى ينصره أو من رسله والمعنى غائبا عنهم لا يرونه أو الرسل غائبون عن النصر، والنصر يكون باستعمال آلات الحديد بالقتال وغيبة الرسل أن لا يدرك الناصر رسولا أو يدركه ولا يلتقى معه {إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} لا يحتاج إِلى نصر ناصر وإِنما أمرهم بالقتال تكليفا لهم ليجازيهم بالخير على الامتثال وبالعقاب على المخالفة. {وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ} بعض تفصيل لقوله عز وجل: لقد أرسلنا رسلنا. وكرر القسم للتأكيد أى وبالله لقد أرسلنا والباء القسمية تكون فى غير الاستعطاف كما هنا وتكون فى الاستعطاف نحو بك لأَتوبن وسائر حروف القسم تكون فى غيره ويجوز تقدير الواو هنا ولو تجتمع واوانِ، لأَن فى اللفظ واو واحدة هى واو العطف ولا يخفى أن الباء أولى للسلامة من اجتماع الواوين {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ} جعلنا النبوة وأكثر الأَنبياء من ذرية ابراهيم لكنه ابن نوح فهم راجعون إِلى نوح {وَالْكِتَابَ} كصحف إِبراهيم وموسى والتوراة والإِنجيل والزبور وقد قيل غير ذلك أيضا. وعن ابن عباس الكتاب الخط بالقلم {فَمِنْهُمْ} من الذرية وقيل من الأُمم المدلول عليها بذكر الرسل والإِرسال {مُّهْتَدٍ} إِلى التوحيد وحكم الشرع {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} لم يقل ضالون كما هو المطابق لمهتد لأَن المقام لذمهم وذمهم بالفسق وهو الخروج عن الدين بالإِشراك أو الكبائر بعد التمكن منه أعظم من ذمهم على الضلال عن الطريق وللإِشعار بغلبة أهل الضلال على غيرهم فهم أكثر من الفاسقين بالمعنى الذى هو أقبح من الضلال. وفى قوله: منهم مهتد دلالة على قلة فهؤلاء ثلاثة: مهتد ومبالغ فى الكفر وكافر. {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} أرسلنا بعدهم كجعل الشئ خلف قفا غيره والهاء لنوح وإِبراهيم وقومهما، وقيل لمن عاصرهما من الرسل ويبحث بأَنا لا نعرف رسولا على عهد نوح عليه السلام، ولو كان على عهده رسول، فإِما أن يرسل إِلى قوم نوح كهارون مع موسى أو إِلى غيرهم كلوط مع إِبراهيم وشعيب مع موسى إِلا أن شعيبا سبق موسى فى النبوة ولا يخفى أنه لم يرسل أحد مع نوح وأنه لا قوم على عهد نوح غير قومه وأُجيب بما يذكر فى الأَخبار أن نوحا لم يرسل إِلى غير قومه المخصوصين، وأن الغرق لم يعم الأَرض وأن الكافرين الذين دعا عليهم هم قومه المخصوصون ولكن ليس هذا مشهورا مصححا وأيضا يحتاج إِلى حجة فى إِثبات رسول أو رسل معه، وأُجيب أيضا بأَن ذلك توجيه لضمير الجمع وكون لوط مع إِبراهيم مثلاً كاف فيه، وقيل الهاء للذرية ويبحث بأَن الرسل المقفى بهم من الذرية فلو عاد الضمير عليهم لزم أنهم غيرهم أو اتحاد المقفى والمقفى به وأُجيب بأَن المراد بالذرية أوائلهم فلا يلزم أنهم غيرهم ولا الاتحاد المذكور، ورد بأَن هذا خلاف الظاهر بلا دليل يدل عليه. {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} على آثار هؤلاء الرسل رسول ثم رسول إِلى عيسى عليهم السلام {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ} بإِيحائه إِليه مرة واحدة على لسان جبريل كتبه إِسرافيل لجبريل من اللوح المحفوظ بإِذن الله وحرفه النصارى بالنقص والزيادة والتبديل ومما زادوه وافتروه قصة صلبه كما هو موجود {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} رحمة شديدة {وَرَحْمَةً} مطلقة كما قال الله جل وعلا فى شأن الصحابة رحماء بينهم فيكون ذلك ذكرا للخاص قبل العام وحكمته شدة الاعتناء بالمدح والتعظيم وكذلك إِذا فسرت برحمة مشتملة على دفع الشر وإِصلاح الفساد وفسرت الرحمة بما فيه جلب الخير مطلقا يكون ذكرا للخاص قبل العام وهذا راجع إِلى أن الرأفة الرحمة الشديدة، وعبارة بعض أن الرأفة إِذا ذكرت مع الرحمة فإِنها ما فيه دفع الشر وإِصلاح الفساد، والرحمة جلب الخير فتقدم الرأفة على الرحمة لأَنها تخلية وهى قبل التحلية ودفع المفاسد أشد من جلب المصالح. {وَرَهْبَانِيَّةً} نسب إِلى رهبان بفتح هائها. ورهبان مفرد بوزن عطشان من الرهبة وهو وصف والرهبة الخوف الشديد أو هى المبالغة فى العبادة بالرياضة والانقطاع من الناس، وذلك خلق من الله عز وجل ولهم فيها اختيار كما سمعت وكما يخلق الله الأَفعال الطبعية يخلق الاختيارية ولا خالق سواه والعطف على رأفة. {ابْتَدَعُوهَا} نعت رأفة على حذف مضاف أى وحب رهبانية مبتدعة أو بلا تقدير مضاف لأَن مبدأ فعلها من القلب فهى فى القلب بجعل الله تعالى وهم ابتدعوا آثارها وأعمالها وحذف المضاف كما رأيت أو هاء عائد إِلى الرهبانية بمعنى آخر هو تلك الأَفعال من رفض الدنيا وترك اللذات وترك اللباس اللين وترك التزوج ومن سائر ما يشق بطريق الاستخدام أو رهبانية منصوب على الاشتغال لجواز أن يرفع على الابتداء فى العربية لوجود المسوغ للابتداء بالنكرة وهو التعظيم فإِن التنوين والتنكير فيه للتعظيم كقولهم شرا هو ذا ناب ولأَن النسب كالوصف تقول قريشى جاء كأَنك تقول جاء رجل من قريش جاء وكأَنه قيل خصلة منسوبة إِلى رهبان وقال بعض إِنه يجوز النصب على الاشتغال ولو لما لا يصلح الابتداء به كما أجاز بعضهم جعل اسم كان أو إن أو المفعول الأَول من باب ظن أو الثانى من باب اعلم مما لا يصلح للابتداء لعدم المسوغ والمشهور غير ذلك، وقيل انقطع الكلام عند قوله تعالى ورحمة {مَا كَتَبْنَاهَا} ما فرضناها {عَلَيْهِمْ} الجملة نعت ثان أو حال من مفعول ابتدع أو مستأنفة {إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ} أى رضاه والاستثناء منقطع أى فرضوها على أنفسهم ولم نفرضها عليهم ويجوز أن يكون متصلا أى ما وفقناهم إِليها وقضينا بها لشئ ما من الأَشياء إِلا ليبتغوا بها رضوان الله فمعنى نفى الكتابة نفى تيسيرها لهم بعد ما طلبوها فلا منافاة بين ابتداعهم ونفى الكتابة وإن قلنا أمرهم الله بها بعد ابتداعهم لم تحصل منافاة أيضا وكذا إن قلنا معنى ابتدعوها أنهم أول من فعلها بعد الأَمر بها {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} ما أعطوها ما تستحق من المحافظة كمن نذر أمراً عظيماً ولم يف به لِلَّهِ عز وجل. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم"تفسير : ، فإِن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم فى الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وهذا الحديث يدل على أن معنى ما كتبناها ما فرضناها عليهم رأسا ولكن ألزموها أنفسهم فلا منافاة بين ابتدعوها وما كتبناها حيث أن ابتدعوها يقتضى أنهم لم يؤمروا وما كتبناها يقتضى أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله، يبقى أن مبتغى الرضوان هم المبتدعون لها والكاتب الله فيختلف فاعل المفعول من أجله وفاعل عامله فقيل بالجواز والمشهور المنع وعليه فنقول الابتغاء على هذا الوجه فعل الله أى ابتغى الله لهم الرضوان فى أمره بها، والذين لم يراعوها هم المبتدعون لها والمراد ما رعوها كلهم بل بعضهم رعاها وبعض لم يراعها فهم قسمان كما قال الله جل وعلا: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا} حق الإِيمان وراعوها أو اقتصروا على بعضها أو على الواجب ولم يفسقوا {مِنْهُمْ أجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ارتدوا أو فعلوا الكبائر وأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء وغسل الجنابة والختان وكل ذلك قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن يراد بالذين ابتدعوها مبتدعوها أولا ومن اتبعهم عليها إِلى عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن اتبع بدعة من قبله صح أنه ابتدعها فآتينا الذين آمنوا وأخلصوا قبله - صلى الله عليه وسلم - أو على عهده فآمنوا به وتركوها فيكون الإِسناد إِلى المجموع كقولك أكرم بنو تميم فلانا وإِنما أكرمه بعضهم، وقال الضحاك الذين لم يراعوها الأَخلاف وهو خلاف الظاهر فإِما أن يكون استخداما بأَن رد الضمير للذين ابتدعوها ويراد به الأَخلاف وإِما أن يكون استخداما بأَن رد الضمير للذين ابتدعوها ويراد به الأَخلاف وإِما أن يكون الحكم على المجموع والمراد الأَخلاف ومن آمن به صلى الله عليه وسلم - على عهده ودام عليها بعد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها فهو كافر، ومن لم يؤمن به فكافر لم يراعها كما فسر الزجاج وغيره الكثير الفاسقين بمن أدركه ولم يؤمن به والظاهر أن المقصود هنا ليس الإِيمان به - صلى الله عليه وسلم - ومن عدم مراعاتهم قولهم بالتثليث والصليب وتحريف التوراة والإِنجيل والقول بالإِلحاد والسفه والرشوة وغير ذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : فرقة قاتلت الملوك على دين الله عز وجل وهو دين عيسى عليه السلام وفرقة لم يقدروا على القتال فأَمروا ونهوا فقتلتهم الملوك، وفرقة لم تقدر على ذلك فابتدعوا رهبانية وساحوا في الجبال وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ورهبانية.. الآية فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم الذين آمنوا بي وصدقونى وكثير منهم فاسقون الذين كفروا بي" تفسير : وهذا يقوى قول الزجاج المتقدم، وعن ابن مسعود رضى الله عنه، عنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن لكل أُمة رهبانية، ورهبانية أُمتي الجهاد في سبيل الله" تفسير : وكذا روى عن أنس والبدعة واجبة وهى تعلم علم الكلام للرد على المشركين وأهل البدع، ومندوب إِليها كتأليف العلم وبناء المدارس ومباحة كالتبسط فى أنواع الأكل واللباس ومكروهة ومحرمة فحديث كل بدعة ضلالة عام مخصوص، وقد قال عمر رضى الله عنه فى كيفية صلاة التراويح نعمت البدعة وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث، فرقة قاتلت الملوك على دين عيسى ولم يحرفوه، فقتلهم الملوك وفرقة خافوا ولا طاقة لهم فهربوا وترهبوا ولم يحرفوا، وطائفة أدركوني وآمنوا بي"تفسير : . وعنه - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ظهر الجبابرة بعد عيسى عليه السلام فهزموا أهل الإِيمان في ثلاث حروب فتفرق الباقون وهم قليل في الغيران والجبال ينتظرون النبي الذي وعدهم به عيسى فمنهم من فسق ومنهم من آمن بي حين أدركني"تفسير : . وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : "أن ملكا جمع من بقي على دين عيسى وقال إِما أن تتبعونا على ما حرفنا أو نقتلكم". فقالت طائفة: ابنوا لنا محلاً ترفعون إِلينا فيه قوتنا ولا نخالطكم، وقالت طائفة: أسكنونا في الفيافي نحفر الأَبيار ونحرث، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأَرض وجاء مَنْ بعدهم جاهلين فاتبعوهم في ذلك الاعتزال وخالفوا دينهم"تفسير : {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} من أُمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالله ورسوله وما أنزل عليه {اتَّقُوا اللهَ} احذروا المعاصى أو دوموا على ما أنتم عليه من تركها {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} محمد - صلى الله عليه وسلم -، أى دوموا على الإِيمان به {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} نصيبين وقيل ضعفين وقيل الكل الحظ الذى فيه الكفاية كالمتكفل لصاحبه بمقصوده والقول بأَن كفلين بمعنى ضعفين لغة الحبشة خطأ، والمراد أجر على الإِيمان بما آمنتم به من الكتب السابقة والأَنبياء وأجر على الإِيمان بالنبى - صلى الله عليه وسلم - وما أُنزل عليه والأَجران فى الآخرة وقيل هما قوله تعالى: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} [البقرة: 201]. روى عن ابن عباس أنه أتى أربعون رجلا من نصارى الحبشة مؤمنين وشهدوا أُحدا مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فرأوا احتياج المسلمين بها فأَنزل الله تعالى: {أية : الذين آتيناهم الكتاب} تفسير : [القصص: 52] إِلى قوله تعالى: {أية : أُولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} تفسير : [القصص: 54] فقالوا يا معشر المؤمنين من آمن منا بكتابكم فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر واحد كأَجر أحدكم فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله..} الخ. ردا عليهم وجعل للمؤمنين أجرين وزاد لهم النور كما أن لمن آمن به - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب أجرين، وقوله: من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل، وقيل لما نزلت الأُولى افتخر بها من لم يؤمن من أهل الكتاب فنزل خطابا لهم ردا عليهم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا} إِلخ، أى يا أيها الذين اتصفوا بالإِيمان اتقوا الله وآمنوا برسوله الذى كفرتم به وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - يؤتكم كفلين من رحمته كفلا على إيمانكم به، وكفلا على إِيمانكم برسلكم، روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : من كانت له أمة علمها فأَحسن تعليمها وأدبها فأَحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران" تفسير : وإِثابة من آمن من اليهود والنصارى على إيمانهم به ألم ينسخ من مللهم وبأَنبيائهم وبما نسخ لأَنه من الله تعالى، ولهم أجر على ذلك وأجر بالإِيمان به - صلى الله عليه وسلم-. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يوم القيامة وهو فى قوله تعالى: {أية : يسعى نورهم بين أيديهم..} تفسير : [الحديد: 12] الخ {وَيَغْفِرْ لَكُمْ} ذنوبكم {وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} عظيم الغفران والرحمة فلا يدع فى إِيتائه الكفلين وإِثبات النور والمغفرة لهم.
الالوسي
تفسير : {سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } أي سارعوا مسارعة السابقين لأقرانهم في المضمار إلى أسباب مغفرة عظيمة كائنة {مّن رَّبّكُمْ } والكلام على الاستعارة أو المجاز المرسل واستعمال اللفظ في لازم معناه، وإنما لزم ذلك لأن اللازم أن يبادر من يعمل ما يكون سبباً للمغفرة ودخول الجنة لا أن يعمله أو يتصف بذلك سابقاً على آخر؛ وقيل: المراد سابقوا ملك الموت قبل أن يقطعكم بالموت عن الأعمال الموصلة لما ذكر؛ وقيل: سابقوا إبليس قبل أن يصدكم بغروره وخداعه عن ذلك وهو كما ترى. والمراد بتلك الأسباب الأعمال الصالحة على اختلاف أنواعها، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في الآية: كن أوّل داخل المسجد وآخر خارج، وقال عبد الله: كونوا في أول صف القتال، وقال أنس: اشهدوا تكبيرة الإحرام مع الإمام وكل ذلك من باب التمثيل، واستدل بهذا الأمر على أن الصلاة بأول وقتها أفضل من التأخير. {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } أي كعرضهما جميعاً لو ألصق أحدهما بالآخر، وإذا / كان العرض وهو أقصر الامتدادين موصوفاً بالسعة دل على سعة الطول بالطريق الأولى فالاقتصار عليه أبلغ من ذكر الطول معه، وقيل: المراد بالعرض البسطة ولذا وصف به الدعاء ونحوه مما ليس من ذوي الأبعاد وتقدم قول آخر في تفسير نظير الآية من سورة آل عمران [133] وتقديم المغفرة على الجنة لتقدم التخلية على التحلية. {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ } أي هيئت لهم، واستدل بذلك على أن الجنة موجودة الآن لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ } بصيغة الماضي والتأويل خلاف الظاهر، وقد صرح بخلافه في الأحاديث الصحيحة وتمام الكلام في علم الكلام، وعلى أن الإيمان وحده كاف في استحقاق الجنة لذكره وحده فيما في حيز ما يشعر بعلة الإعداد وإدخال العمل في الإيمان المعدّى بالباء غير مسلم كذا قالوا، ومتى أريد بالذين آمنوا المذكورين من لهم درجة في الإيمان يعتد بها، وقيل: بأنها لا تحصل بدون الأعمال الصالحة على ما سمعته منا قريباً انخدش الاستدلال الثاني في الجملة كما لا يخفى. وذكر النيسابوري في وجه التعبير هنا ـ بسابقوا ـ وفي آية آل عمران ـ بسارعوا ـ وبالسماء هنا، بالسماوات هناك ـ وبكعرض ـ هنا ـ وبعرض ـ بدون أداة تشبيه ثمّ كلاماً مبنياً على أن المراد بالمتقين هناك السابقون المقربون، وبالذين آمنوا هنا من هم دون أولئك حالاً فتأمل. {ذٰلِكَ } أي الذي وعد من المغفرة والجنة {فَضْلُ ٱللَّهُ } عطاؤه الغير الواجب عليه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } إيتاءه {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } فلا يبعد منه عز وجل التفضل بذلك على من يشاء وإن عظم قدره، فالجملة تذييل لإثبات ما ذيل بها.
ابن عاشور
تفسير : فذلكة لما تقدم من قوله تعالى: {أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم}تفسير : [الحديد: 12] إلى هنا فذلك مسوق مساق الترغيب فيما به تحصيل نعيم الآخرة والتحذير من فواته وما يصرف عنه من إيثار زينة الدنيا، ولذلك فُصلت الجملة ولم تُعطف، واقتُصر في الفذلكة على الجانب المقصود ترغيبه دون التعرض إلى المحذر منه لأنه المقصود. وعبر عن العناية والاهتمام بفعل السابقة لإِلهاب النفوس بصرف العناية بأقصى ما يمكن من الفضائل كفعل من يسابق غيره إلى غاية فهو يحرص على أن يكون المجلِّي، ولأن المسابقة كناية عن المنافسة، أي واتركوا المقتصرين على متاع الحياة الدنيا في الآخريات والخوالف. وتنكير {مغفرة} لقصد تعظيمها ولتكون الجملة مستقلة بنفسها، وإلا فإن المغفرة سبق ذكرها في قوله: {ومغفرة من الله}، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: سابقوا إلى المغفرة، أي أكثروا من أسبابها ووسائلها: فالمسابقة إلى المغفرة هي المسابقة في تحصيل أسبابها. والعَرْض: مستعمل في السعة وليس مقابل الطُول لظهور أنه لا طائل في معنى ما يقابل الطول، وهذا كقوله تعالى: {أية : وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض}تفسير : [فصلت: 51]، وقول العُديل لما فَرَّ من وعيد الحجاج: شعر : ودون يد الحجاج من أن تنالني بساط بأيدي الناعجات عَريض تفسير : وتشبيه عَرْض الجنة بعَرْض السماء والأرض، أي مجموع عرضيهما لقصد تقريب المشبه بأقصى ما يتصوره الناس في الاتساع، وليس المراد تحديد ذلك العرض ولا أن الجنة في السماء حتى يقال: فماذا بقي لمكان جهنم. وهذا الأمر شامل لجميع المسابقات إلى أفعال البر الموجبة للمغفرة ونعيم الجنة، وشامل للمسابقة الحقيقية مع المجازية على طريقة استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهي طريقة شائعة في القرآن إكثاراً للمعاني، ومنه الحديث: «حديث : لو يعلم الناس ما في الصف الأول لاستبقوا إليه أو استهموا إليه»تفسير : . وليس في الآية دليل على أن الجنة غير مخلوقة الآن إذ وجه الشبه في قوله: {كعرض السماء والأرض} هو السعة لا المقدار ولا على أن الجنة في السماء الموجودة اليوم ولا عدمه، وتقدم من معنى هذه الآية قوله: { أية : سارعوا إلى مغفرة من ربكم }تفسير : الآية في سورة [آل عمران: 133]. وظاهر قوله: {أعدت} أن الله خلقها وأعدّها لأن ظاهر استعماله الفعل في الزمان الماضي إن حصل مصدره فيه، فقد تمسك بهذا الظاهر الذين قالوا: إن الجنة مخلوقة الآن، وأما الذين نفوا ذلك فاستندوا إلى ظواهر أخرى وتقدم ذلك في سورة آل عمران. وعُلم من قوله: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} أن غيرهم لاحظَ لهم في الجنة لأن معنى اعداد شيء لشيء قصره عليه. وجَمْع الرسل هنا يشمل كل أمة آمنوا بالله وبرسولهم الذي أرسله الله إليهم، وليس يلزمها أن تؤمن برسول أرسل إلى أمة أخرى ولم يَدْع غيرها إلى الإِيمان به. والإِشارة في {ذلك فضل الله} إلى المذكور من المغفرة والجنة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 21- سارعوا فى السبق إلى مغفرة من ربكم إلى جنة فسيحة الأرجاء، عرضها مثل عرض السموات والأرض هُيِّئت للذين صدقوا بالله ورسله. ذلك الجزاء العظيم فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، والله - وحده - صاحب الفضل الذى جل أن تحيط بوصفه العقول. 22- ما نزل من مصيبة فى الأرض من قحط أو نقص فى الثمرات أو غير ذلك، ولا فى أنفسكم من مرض أو فقر أو موت أو غير ذلك إلا مكتوبة فى اللوح مثبتة فى علم الله من قبل أن نوجدها فى الأرض أو فى الأنفس. إن ذلك الإثبات للمصيبة والعلم بها على الله سهل لإحاطة علمه بكل شئ. 23- أعْلمناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما لم تحصلوا عليه حزناً مفرطاً يجركم إلى السخط، ولا تفرحوا فرحاً مُبطراً بما أعطاكم. والله لا يحب كل متكبر فخور على الناس بما عنده. 24- الذين يضنون بأموالهم عن الإنفاق فى سبيل الله، ويأمرون الناس بالبخل بتحسينه لهم، ومَن يعرض عن طاعة الله فإن الله - وحده - الغنى عنه، المستحق بذاته للحمد والثناء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} (21) - سَابِقُوا يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ أَقْرَانَكُمْ فِي مِضْمَارِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَقُومُوا بِمَا كَلَّفَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنَ الوَاجِبَاتِ، يُدْخِلْكُمْ رَبُّكُمْ جَنَّةً وَاسِعَةً عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ أَعَدَّهَا اللهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بِهِ. وَهَذَا الذِي أَهَّلَهُمُ اللهُ لَهُ هُوَ مِنْ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، وَاللهُ وَاسِعُ الفَضْلِ كَثِيرُ العَطَاءِ، فَيُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا شَاءَ كَرَماً وَتَفُضُّلاً. سَابِقُوا - سَارِعُوا مُسَابِقِينَ غَيْرَكُمْ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [الحديد: 21] أيتها القوى المؤمنة {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [الحديد: 21] وهي جنة طور من أطوار قلبكم {أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21] يعني: القوى المؤمنة بجميع اللطائف {ذَلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [الحديد: 21] فحظ السالك أن يعرف هذه الآية أن الجنة موجودة اليوم، وهي لا في السماء في كتابه بعين اليقين إن شاء الله {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} [الحديد: 22] يعني: ينبغي للسالك أن يعلم أن كل شيء يصيبه في الشهادة والغيب في الآفاق والأنفس كان في كتابه المبين في عالم الجبروت من قبل خلق الآفاق والأنفس {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} [الحديد: 23] يعني: لكيلا تأسى على الماضي ولا تفرح بالمستقبل على ما يأتيك، ويكون أين الوقت مراتب النفس صاحب الحال ليكون من أولياء الله {أية : وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}تفسير : [البقرة: 227] من المستقبل {أية : وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 227] على الماضي للتمتع بالحياة الأخروية الطيبة، ويطلع على حقيقة الحياة الدنيوية بأنها {مَتَٰعُ ٱلْغُرُورِ} [الحديد: 20] {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد: 23] فسبيل السالك ألا يفرح بالبسط ولا يحزن على القبض ولا يكون مختالاً متكبراً بالمعارف الوهبية مفتخراً بها متفوقاً على الأقران {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} [الحديد: 24] يعني: يأمرون القوى الخفية والسرية والروحية والقلبية ببخل المعارف والأذكار للقوى المبتدئة المؤمنة المسترشدة النفسية والقالبية، والقوى القالبية والنفسية بالبخل بالأعمال الصالحة الظاهرة إن الله غني عن أعمالهم وأذكارهم {وَمَن يَتَوَلَّ} [الحديد: 24] يعني: عن الحق وعن ذكر الحق {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ} [الحديد: 24] يعني: غني عن أعمال الخلق حميد في ذاته من غير أن يحمده أحد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):