٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الزجاج: إنه تعالى لما قال: {أية : سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ } تفسير : [الحديد: 21] بين أن المؤدي إلى الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر، فقال: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، والمصيبة في الأرض هي قحط المطر، وقلة النبات، ونقص الثمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوع، والمصيبة في الأنفس فيها قولان: الأول: أنها هي: الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها والثاني: أنها تتناول الخير والشر أجمع لقوله بعد ذلك: {أية : لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَـٰكُمْ } تفسير : [الحديد: 23] ثم قال: {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ } يعني مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ. قال المتكلمون: وإنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها: تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها: ليعرفوا حكمة الله فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي ورابعها: ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته إياهم من المعاصي. وقالت الحكماء: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبرات أمراً، وهم المقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى: {إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ }. المسألة الثانية: استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالماً بها بأسرها. المسألة الثالثة: قوله: {وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ } يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ، ومثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالاً، لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها، والجمع بين المتنافيين محال، فلما حصل العلم بوجودها، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم الله بوجودها محالاً. المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يقل: إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال، وأيضاً خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السموات، وأيضاً خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس، وفي كل هذه الرموز إشارات وأسرار، أما قوله: {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: من قبل أن نخلق هذه المصائب، وقال بعضهم: بل المراد الأنفس، وقال آخرون: بل المراد نفس الأرض، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم، وإن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود، وقال آخرون: المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات، والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما في قوله: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَـٰهُ } تفسير : [يوسف: 2]. ثم قال تعالى: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } وفيه قولان: أحدهما: إن حفظ ذلك على الله هين، والثاني: إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على الله وإن كان عسيراً على العباد، ونظير هذه الآية قوله: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } تفسير : [فاطر: 11].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ} قال مقاتل: القحط وقلة النبات والثمار. وقيل: الجوائح في الزرع. {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} بالأوصاب والأسقام؛ قاله قتادة. وقيل: إقامة الحدود؛ قاله ٱبن حيان. وقيل: ضيق المعاش؛ وهذا معنى رواه ٱبن جريج. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} يعني في اللوح المحفوظ. {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} الضمير في «نَبْرَأَهَا» عائد على النفوس أو الأرض أو المصائب أو الجميع. وقال ٱبن عباس: من قبل أن يخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن يخلق الأرض والنفس. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي خَلْق ذلك وحِفْظ جميعه {عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} هيّن. قال الربيع بن صالح: لما أخِذ سعيد ابن جبير رضي الله عنه بَكَيت؛ فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه. قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} الآية. وقال ٱبن عباس: لما خلق الله القلم قال له ٱكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ولقد ترك لهذه الآية جماعةٌ من الفضلاء الدواء في أمراضهم فلم يستعملوه ثقة بربهم وتوكّلاً عليه، وقالوا قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا؛ قال الله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}. وقد قيل: إن هذه الآية تتصل بما قبل، وهو أن الله سبحانه هوّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتلٍ وجرح. وبيّن أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدّر لا مدفع له، وإنما على المرء ٱمتثال الأمر، ثم أدبهم فقال هذا: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق؛ وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فُرِغ منه لم يأسوا على ما فاتهم منه. وعن ٱبن مسعود أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه»ثم قرأ {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} تفسير : أي كي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا فإنه لم يقدر لكم ولو قدر لكم لم يفتكم {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي من الدنيا؛ قاله ٱبن عباس. وقال سعيد بن جبير: من العافية والخصب. وروى عِكرمة عن ٱبن عباس: ليس مِن أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً، وغنيمته شكراً. والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز؛ قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس. وقراءة العامة «آتَاكُمْ» بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا. وٱختاره أبو حاتم. وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو «أَتَاكُمْ» بقصر الألف وٱختاره أبو عبيد. أي جاءكم، وهو معادل لـ«ـفَاتَكُمْ» ولهذا لم يقل أفاتكم. قال جعفر بن محمد الصادق: يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يردّه عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل لبرزجمهر: أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالْعَبْرَةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرَةِ. وقال الفضيل بن عِياض في هذا المعنى الدنيا مُبِيد ومُفِيد؛ فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد آذن بالرحيل. وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار، وكلاهما شِرك خفيّ. والفخور بمنزلة المُصَرَّاةِ تُشَدّ أخلافهما ليجتمع فيها اللبن، فيتوهم المشتري أنّ ذلك معتاد وليس كذلك؛ فكذلك الذي يرى من نفسه حالاً وزينةً وهو مع ذلك مدّع فهو الفخور. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} أي لا يحب المختالين «ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ» فـ«ـالَّذِينَ» في موضع خفض نعتاً للمختال. وقيل: رفع بابتداء أي الذين يبخلون فالله غنيٌّ عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين يبخلون ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في كتبهم؛ لِئلا يؤمن به الناس فتذهب مأكلتهم؛ قاله السدي والكلبي. وقال سعيد بن جبير: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} يعني بالعلم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} أي بألاّ يعلِّموا الناس شيئاً. زيد ابن أسلم: إنه البخل بأداء حقّ الله عز وجل. وقيل: إنه البخل بالصدقة والحقوق؛ قاله عامر بن عبد الله الأشعريّ. وقال طوس: إنه البخل بما في يديه. وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى. وفرّق أصحاب الخواطِر بين البخل والسخاء بفرقين: أحدهما أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك. والسخيّ الذي يلتذ بالإعطاء. الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخيّ الذي يعطي بغير سؤال. {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الإيمان {فَإِنَّ ٱللَّهَ} غنيّ عنه. ويجوز أن يكون لما حثّ على الصدقة أعلمهم أن الذين يبخلون بها ويأمرون الناس بالبخل بها فإن الله غنيّ عنهم. وقراءة العامة {بِٱلْبُخْلِ} بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيـى بن يعمر ومجاهد وحميد وَٱبن محيصن وحمزة والكسائي «بِالْبَخَلِ» بفتحتين وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وٱبن السَّمَيْقع «بِالْبَخْل» بفتح الباء وإسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم «الْبُخُلِ» بضمتين وكلها لغات مشهورة. وقد تقدّم الفرق بين البخل والشحّ في آخر «آل عمران». وقرأ نافع وٱبن عامر {فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} بغير «هُوَ». والباقون «هُوَ الْغَنِيُّ» على أن يكون فصلاً. ويجوز أن يكون مبتدأ و«الْغَنِيُّ» خبره والجملة خبر إن. ومن حذفها فالأحسن أن يكون فصلاً؛ لأن حذف الفصل أسهل من حذف المبتدأ.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِىۤ أَنفُسِكُمْ} أي: في الآفاق وفي نفوسكم {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي: من قبل أن نخلق الخليقة، ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}، عائد على النفوس، وقيل: عائد على المصيبة، والأحسن عوده على الخليقة والبرية؛ لدلالة الكلام عليها؛ كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً مع الحسن، فقال رجل: سله عن قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِىۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} فسألته عنها، فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة بين السماء والأرض، ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة. وقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض قال: هي السنون، يعني: الجدب، {وَلاَ فِىۤ أَنفُسِكُمْ} يقول: الأوجاع والأمراض، قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود، ولا نكبة قدم، ولاخلجان عرق، إلا بذنب، وما يعفوالله عنه أكثر. وهذه الآية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق ــــ قبحهم الله ــــ وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانىء الخولاني: أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة»تفسير : . ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد، وثلاثتهم عن أبي هانىء به، وزاد ابن وهب: «حديث : وكان عرشه على الماء» تفسير : ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وقوله تعالى: {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها، وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها، سهل على الله عز وجل؛ لأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون. وقوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَـٰكُمْ} أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها؛ لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم؛ لأنه لو قدر شيء، لكان. {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَـٰكُمْ} أي: جاءكم، وتفسير آتاكم، أي: أعطاكم، وكلاهما متلازم، أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: مختال في نفسه، متكبر فخور، أي: على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكراً، والحزن صبراً. ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} أي: يفعلون المنكر، ويحضون الناس عليه {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن أمر الله وطاعته {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} كما قال موسى عليه السلام: {أية : إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ} تفسير : [إبراهيم: 8].
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ } بالجدب {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كالمرض وفقد الولد {إِلاَّ فِى كِتَٰبٍ } يعني اللوح المحفوظ {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } نخلقها، ويقال في النعمة كذلك {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ }.
الماوردي
تفسير : {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: الجوائح في الزرع والثمار. الثاني: القحط والغلاء. {وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ} فيه أربعة أوجه: أحدها: في الدين، قاله ابن عباس. الثاني: الأمراض والأوصاب، قاله قتادة. الثالث: إقامة الحدود، قاله ابن حبان. الرابع: ضيق المعاش، وهذا معنى رواية ابن جريج. {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} يعني اللوح المحفوظ. {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} قال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق المصائب ونقضيها. {لِكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: من الرزق الذي لم يقدر لكم، قاله ابن عباس، والضحاك. الثاني: من العافية والخصب الذي لم يقض لكم، قاله ابن جبير. {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَاكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: من الدنيا، قاله ابن عباس. الثاني: من العافية والخصب، وهذا مقتضى قول ابن جبير. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَاكُمْ} قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً، والخير شكراً. {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: الذين يبخلون يعني بالعلم، ويأمرون الناس بالبخل بألا يعلموا الناس شيئاً، قاله ابن جبير. الثاني: أنهم اليهود بخلوا بما في التوارة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، قاله الكلبي، والسدي. الثالث: أنه البخل بأداء حق الله من أموالهم، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنه البخل بالصدقة والحقوق، قاله عامر بن عبد الله الأشعري. الخامس: أنه البخل بما في يديه، قال طاووس. وفرق أصحاب الخواطر بين البخيل والسخي بفرقين: أحدهما: أن البخيل الذي يلتذ بالإمساك، والسخي الذي يلتذ بالعطاء. الثاني: أن البخيل الذي يعطي عند السؤال، والسخي الذي يعطي بغير سؤال.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُّصِيبَةٍ فِى الأَرْضِ} بالجوائح في الثمار والزرع، أو القحط والغلاء {أَنفُسِكُمْ} الدَّين، أو الأمراض والأوصاب، أو إقامة الحدود، أو ضيق المعاش {كِتَابٍ} اللوح المحفوظ {نَّبْرَأَهَآ} نخلق الأنفس والأرض.
ابن عادل
تفسير : قوله: {مِن مُّصِيبَةٍ} فاعل "أصاب"، و "من" مزيدة لوجود الشرطين، وذكر فعلها؛ لأن التأنيث مجازي قوله: {فِي ٱلأَرْضِ} يجوز أن يتعلق بـ "أصاب"، وأن يتعلق بنفس "مصيبة"، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة لـ "مصيبة"، وعلى هذا فيصلح أن يحكم على موضعه بالجر نظراً إلى لفظ موصوفه، وبالرفع نظراً إلى محله، إذ هو فاعل. والمصيبة غلبت في الشَّر. وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول يقال: لم ذكرت دون الخير؟ وأجيب: بأنه إنما خصها بالذكر؛ لأنها أهمّ على البشر. قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} حال من "مصيبة"، وجاز ذلك وإن كانت نكرة لتخصصها إما بالعمل، أو بالصفة، أي: إلا مكتوبة. قوله: "مِنْ قَبْلِ" نعت لـ "كتابٍ"، ويجوز أن يتعلق به. قاله أبو البقاء. لأنه هنا اسم للمكتوب، وليس بمصدر. والضمير في "نَبْرأها" الظاهر عوده على المصيبة. وقيل: على الأنفس. وقيل: على الأرض، أي على جميع ذلك. قاله المهدوي، وهو حسن. فصل في مناسبة الآية لما قبلها قال الزجاج: إنه - تعالى - لما قال: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} تفسير : [الحديد: 21] وبين أن المؤدي إلى الجنة لا يكون إلا بقضاء الله تعالى وقدره، فقال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ}. والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله، والمصيبة في الأرض قَحْط المطر، وقلّة النبات، ونقص الثِّمار، وغلاء الأسعار، وتتابع الجوائح. وأما المصيبة في الأنفس فقيل: هي الأمراض، والفقر، وذهاب الأولاد، وإقامة الحدود عليها. وقيل: ضيق المعاش وقيل: الخير والشَّر أجمع، لقوله بعد ذلك: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}. وقوله: {إلا في كتابٍ} يعني: مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله: {من قبل أن نَبْرَأها}. قال ابن عباس: من قبل أن نخلق المصيبة. وقال سعيد بن جبير: من قبل أن نخلق الأرض والنفس. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي: خلق ذلك، وحفظه على الله يسير أي: هيّن. قال الربيع بن صالح: لما أُخذ سعيد بن جبيرٍ - رضي الله عنه - بَكَيْتُ، قال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك ولما تذهب إليه، قال: فلا تَبْكِ، فإنه كان في علم الله - تعالى - أن يكون، ألم تسمع قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} الآية. قال ابن عباس: لما خلق الله القلم، قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وقد ترك جماعة من السلف الدواء في أمراضهم، فلم يستعملوه ثقةً بربهم وتوكلاً عليه، وقالوا: قد علم الله أيام المرض وأيام الصِّحة، فلم حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال الله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} الآية، ويؤيد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ عَرَفَ يُسْرَ اللَّهِ في القَدَر هَانَتْ عليْهِ المَصَائِبُ ". تفسير : فصل في اتصال الآية بسياق الآيات قبلها قيل: إن هذه الآية نزلت متّصلة بما قبلها، وهو أن الله - تعالى - هوَّن عليهم ما يصيبهم في الجهاد من قتل وجرح، وبين أن ما يخلفهم عن الجهاد من المحافظة على الأموال، وما يقع فيها من خسران، فالكل مكتوب مقدر لا مدفع له، وإنما على المرء امتثال الأمر، ثم أدبهم فقال: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي: حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الرزق، وذلك أنهم إذا علموا أن الرزق قد فرغ منه لم ييأسوا على ما فاتهم منه. وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لاَ يَجِدُ أحَدكُمْ طَعْمَ الإيمانِ حتَّى يعْلمَ أنَّ ما أصابهُ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئَهُ، ومَا أخطَأهُ لَمْ يَكُنْ ليُصِيبَهُ"تفسير : ، ثمَّ قرأ: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} أي من الدنيا. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. فصل في أن ما كان وما يكون مكتوب في اللوح المحفوظ قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللَّوح المحفوظ. قال المتكلمون: وإنما كتب ذلك لوجوه: أحدها: ليستدلّ الملائكة بذلك المكتوب على كونه - تعالى - على علم بجميع الأشياء قبل وقوعها. وثانيها: ليعرفوا حكمة الله، فإنه - تعالى - مع علمه بأنهم يقدمون على المعاصي خلقهم ورزقهم. وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي. ورابعها: ليشكروا الله - تعالى - على توفيقه إياهم للطَّاعات، وعصمته إياهم عن المعاصي. فصل في كيفية حدوث الأحداث قال ابن الخطيب: إن الحكماء قالوا: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبِّرات أمراً، والمقسمات أمراً، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية، وتغيراتها هي الأسباب لتلك المسببات، وهذا هو المراد من قوله: {أية : إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 3]. فصل في مصائب الأنفس قوله تعالى: {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} يتناول جميع مصائب الأنفس، فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبةٌ في اللوح المحفوظ مثبتة في علم الله تعالى، فكان الامتناع من تلك الأعمال محال؛ لأن علم الله بوجودها مُنَافٍ لعدمها والجمع بين المتنافيين محال، وخصص مصائب الأرض والأنفس لتعلّقها بنا، ولم يقل: جميع الحوادث لشمولها حركات أهل الجنة والنار؛ لأنها غير متناهية، فإثباتها في الكتاب محال. قال ابن الخطيب: وفي الآية دليلٌ على أن الله - تعالى - يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لـ "هشام بن الحكم". قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ}. هذه "اللام" متعلقة بقوله "ما أصَابَ"، أي: أخبرناكم بذلك لكيلا يحصل لكم الحزن المقنط والمفرح المطغي فأما ما دون ذلك فالإنسان غير مؤاخذ به، و "كي" هنا ناصبة بنفسها، فهي مصدرية فقط لدخول لام الجر عليها. وقرأ أبو عمرو: "بما أتاكم" مقصوراً من الإتيان، أي: بما جاءكم. قال أبو علي الفارسي: لأن "أتاكم" معادل لقوله "فَاتَكُم"، فكما أنَّ الفعل للفائت في قوله: "فاتكم"، فكذلك الفعل الثاني في قوله: "بما أتاكم". وقرأ باقي السبعة: "آتاكم" ممدوداً من "الإيتاء"، أي: بما أعطاكم الله إياه. والعائد إلى الموصول في الكلمتين في الذكر المرفوع بأنه فاعل، و "الهاء" محذوفة من الصِّلة، أي: بما آتاكموه. وقرأ عبد الله: "بما أوتيتم". فصل في أن حزن المؤمن صبر وفرحه شكر قال ابن عبَّاس: ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبراً وغنيمته شكراً، والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز. وقال جعفر بن محمد: يا ابن آدم ما لك تأسف على مقدر لا يردّه عليك الفَوْت، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت. وقيل لـ "بزرجمهر": أيها الحكيم، ما لك لا تحزن على ما فات، ولا تفرح بما هو آتٍ؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالعبرةِ، والآتي لا يستدام بالحَبْرةِ. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: متكبر بما أوتي من الدنيا. "فخور" به على النَّاس، قيل: الفخور الذي ينظر الناس بعين الاحتقار. فصل فيمن قالوا بالإرادة والجبر قال ابن الخطيب: المعتزلة وإن نازعوا في القدرة والإرادة، فهم مسلمون في العلم والجبر، فيلزمهم الجبر باعتبارهما. والفلاسفة مذهبهم الجَبْر؛ لأن سبب الحوادث عندهم الاتصالات الفلكية. والقدرية قالوا: بأن الحوادث اتفاقية، فجميع فرق العقلاء يلزمهم الجبر، سواء أقروا به أو أنكروه. فصل في إرادة العبد الحزن والفرح قالت المعتزلة: قوله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} يدل على أنه إنما أخبرهم بكتبها ليحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا قدرتهم عليه لم يكن لذلك فائدة، ويدل على أنه لا يريد أن يقع منهم الفرح والحزن، وهو خلاف قول المجبرة؛ لأنه قال: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} والمحبة هي الإرادة. وأجيبوا بأن المحبة هي إرادة خاصة وهي إرادة الثواب، ولا يلزم من نفيها نفي الإرادة. قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ}. تقدم نظيره في سورة "النساء". قال القرطبي: "الذين" في موضع خفض نعتاً للمختال. وقال ابن الخطيب: بدل من قوله: "كل مُخْتَال". وقيل: رفع بالابتداء، فهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله. والمعنى: الذين يبخلون فالله غني عنهم. قيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم لئلا يؤمن به النَّاس، فتذهب مأكلتهم. قاله السُّدي والكلبي. فيكون "الذين" مبتدأ، وخبره محذوف يدلّ عليه قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. وقال سعيد بن جبير: "الذين يَبْخَلُون" يعني بالعلم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بألاَّ يعلموا الناس شيئاً. وقال زيد بن أسلم: إنه البُخْل بأداء حق الله تعالى. وقال عبد الله بن عامر الأشعري: هو البخل بالصدقة والحقوق. وقال طاوس: وهو البُخْل بما في يديه. فصل في قراءات البخل "بالبخل". قرأ العامة: "بالبُخْل" بضم الباء وسكون الخاء. وقرأ أنس وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وابن محيصن وحمزة والكسائي "بالبَخَل" بفتحتين، وهي لغة الأنصار. وقرأ أبو العالية وابن السَّميفع: "بالبَخْل" بفتح الباء وإسكان الخاء. وعن نصر بن عاصم: "البُخُل" - بضمتين - وكلها لغات مشهورة. وقال قوم: الفرق بين البخل والسخاء من وجهين: أحدهما: أن البخيل الذي لا يعطي عند السؤال، والسَّخي الذي يعطي بغير سؤال. وتقدم الفرق بين البُخْل والشُّحِّ في آخر آل عمران. قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي: عن الإيمان {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. قرأ نافع وابن عامر: {فإن الله الغني الحميد} بإسقاط "هو"، وهو ساقط في مصاحف "المدينة" و "الشام"، والباقون: بإثباته، وهو ثابت في مصاحفهم، فقد وافق كل مصحفه. قال أبو علي الفارسي: من أثبت "هو" يحسن أن يكون فصلاً، ولا يحسن أن يكون ابتداء؛ لأن الابتداء لا يسوغ حذفه. يعني أنه رجح فصليّته بحذفه في القراءة الأخرى، إذ لو كان مبتدأ لضعف حذفه لا سيما إذا صلح ما بعده أن يكون خبراً لما قبله. ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً هو القائم يحسن حذف "هو" لصلاحية "القائم" خبراً، وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يحذف العائد المرفوع بالابتداء بشروط: منها: ألاَّ يكون ما بعده صالحاً للصِّلة نحو: "جاء الذي هو في الدَّار، وهو قائم أبوه" لعدم الدلالة. إلا أن للمنازع أن ينازع أبا عليٍّ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى، وكم من قراءتين تغاير معناهما، كقراءتي: {أية : وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} تفسير : [آل عمران: 36] إلا أن توافق القراءتين في معنى واحد أولى، هذا مما لا نزاع فيه. ومن أثبت "هو" فعلى أن يكون فصلاً، ويجوز أن يكون مبتدأ، و "الغَنِيّ" خبره والجملة خبر "إن". قال ابن الخطيب: وقوله "الحميد" كأنه جواب من يقول: إذا كان الله عالماً بأنه يبخل، فلم أعطاه المال؟. فأجاب: بأنه محمود حيث فتح أبواب الرحمة مع تقصير العبدِ في الطاعة. قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ}. يعني المعجزات البينة، والشرائع الظاهرة. وقيل: الإخلاص لله - تعالى - في العبادة. {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي الكتب التي أوحينا إليهم فيها خبر من كان قبلهم. "والمِيزَانَ"، قال ابن زيد: هو ما يُوزَنُ به، ويتعامل. روي أن جبريل - عليه السلام - نزل بالميزان فدفعه إلى نوح - عليه الصلاة والسلام - وقال: مُرْ قَوْمكَ يَزِنُوا بِهِ ليقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ، أي: بالعدل في معاملاتهم. وقيل: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان وهو من باب: [الرجز] شعر : 4725- عَلَفْتُهَا تِبْناً ومَاءً بَارِداً تفسير : ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7]. قوله: "مَعَهُمُ" حال مقدرة، أي: صائراً معهم، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأن الرسل لم ينزلوا، ومقتضى الكلام أن يصحبوا الكتاب في النزول. وأما الزمخشري فإنه فسّر الرسل بالملائكة الذين يجيئون بالوحي إلى الأنبياء، فالمعية متحققة. قوله: {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}. روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ اللَّهَ تعَالَى أنْزلَ أرْبَعَ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ: الحَديْدَ والمَاءَ والنَّارَ والثَّلْجَ ". تفسير : وروى عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل ثلاثة أشياء مع آدم - عليه الصلاة والسلام - الحَجَر الأسود وكان أشد بياضاً من الثَّلج، وعصا موسى، وكانت من آسِ الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السَّنْدَان، والكَلْبتَان، والميْقَعَة، وهي المِطْرقَة ذكره الماوردي. وروى الثعلبي عن ابن عبَّاس قال: نزل آدم من الجنَّة، ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين: السَّندان، والكلْبتَان، والمِيْقعَة، والمِطْرقَة والإبْرَة. وحكاه القشيري قال: والمِيْقعَة: [ما يحدد به، يقال: وقعت الحديدة أقعها، أي حددتها. وفي "الصحاح"]: "المِيْقَعَة" الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه، وخشبة القصَّار التي يدقّ عليها، والمِطْرقَة، والمِسَنّ الطويل. وروي أن الحديد أنزل يوم الثلاثاء. {فيه بأس شديدٌ} أي: لإهراق الدِّماء، ولذلك نهي عن الفَصْد والحِجَامة يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدَّم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ فِي يَوْمِ الثلاثاءِ ساعةً لا يُرَاقُ فِيْهَا الدَّمُ ". تفسير : وقيل: "أنزلنا الحديد" أي: أنشأناه وخلقناه، كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلأَنْعَامِ} تفسير : [الزمر: 6] وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن، وعلمهم صنعته بوحيه. وقوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} جملة حالة من "الحديد"، والمراد بالحديد يعني: السلاج والجُنَّة. وقيل: إن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} قال مجاهد: يعني جُنَّة. وقيل: انتفاع النَّاس بالماعون: الحديد كالسِّكين والفأس ونحوه. قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ}. عطف على قوله: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ}، أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس، وليعلم الله. وقال أبو حيان: علّة لإنزال الكتاب والميزان والحديد. والأول أظهر؛ لأن نصرة الله ورسوله مناسبة للإرسال. قوله: "ورُسُلَهُ" عطف على مفعول "ينصره"، أي: وينصر رسله. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون معطوفاً على "من" لئلا يفصل به بين الجار، وهو "بالغيب"، وبين ما يتعلق به وهو "ينصر". قال شهاب الدين: وجعله العلة ما ذكره من الفصل بين الجار، وبين ما يتعلق به يوهم أن معناه صحيح لولا هذا المانع، وليس كذلك؛ إذ يصير التقدير: وليعلم الله من ينصره بالغيب، وليعلم رسله، وهذا معنى لا يصح ألبتة، فلا حاجة إلى ذكر ذلك، و "بالغيب" حال وقد تقدم مثله أول "البقرة". فصل في معنى الآية المعنى: وليعلم الله من ينصره، أي: أنزل الحديد ليعلم من ينصره، أو ليقوم الناس بالقسط؛ أي: أرسلنا رسلنا. {وأنزلنا معهم الكتاب} وهذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق، وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله بالغيب، أي: وهم لا يرونهم. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} قوي في أخذه عزيز أي: منيع غالب. وقيل: بالغيب أي: بالإخلاص. فصل في الرد على من قال بحدوث علم الله احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: "وليعلم الله". وأجيب: بأنه - تعالى - أراد بالعلم المعلوم، فكأنه - تعالى - قال: ولتقع نُصْرة الرسول ممن ينصره. فصل في الرد على الجبرية قال الجبائي: قوله: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} يدل على أنه - تعالى - أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط، وأن ينصروا رسله، وإذا أراد هذا من الكل بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك. وأجيب: بأنه كيف يمكن أن يريد من الكُلِّ ذلك مع علمه بأن ضدّه موجود، والجمع بين الضِّدين محال، والمحال غير المراد. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ} الآية. لما أجمل الرسل في قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} فصل ها هنا ما أجمل من إرسال الرسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحاً وإبراهيم، وجعل النبوة في نسلهما، لقوله: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ}، أي: جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمماً يتلون الكتب المنزلة من السماء كالتوراة والإنجيل والزَّبُور والفُرقَان. وقال ابن عبَّاس: الخَطّ بالقَلم. قوله: {فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ}. والضمير يجوز عودهُ على الذُّرِّية، وهو أولى لتقدم ذكره لفظاً. وقيل: يعود على المرسل إليهم لدلالة رسلنا والمرسلين إليهم. والمعنى: منهم مهتد ومنهم فاسق، والمراد بالفاسق هاهنا، قيل: الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن لإطلاق هذا الاسم، وهو يشمل الكافر وغيره. وقيل: المراد بالفاسق ها هنا الكافر؛ لأنه جعل الفُسَّاق ضد المهتدين.
البقاعي
تفسير : ولما كانت الدنيا مانعة عن العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها، وكانت كما أنها منزل رخاء هي دار بلاء، وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة على الأول لأن السياق للإنفاق والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة إلى السعادة نتيجة الزهد فيها، تحركت النفس إلى السؤال عما يعوق عن الخير من الضرب بسياط البلاء فقال مسلياً عنه لأن النفوس أشد تأثراً بالمكاره وأسرع انفعالاً بالمقارع ومحققاً ومغرياً بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ولا شر إلا بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ووجب حين لم يكن غيره شيء عز وجل، وذكر فعل المؤنث الجائز التذكير لكون التأنيث غير حقيقي إشارة إلى عظم وقع الشر: {ما أصاب} وأكد النفي فقال: {من مصيبة} وهي في الأصل لكل آت من خير أو شر إلا أن العرف خصها بالشر، وعم الساكن والمتحرك بقوله: {في الأرض} أي من منابتها ومياهها ونحو ذلك {ولا في أنفسكم} أي بموت ومرض وعين وعرض {إلا} هي كائنة {في كتاب} أي مكتوب لأنه مقدر مفروغ من القدم، وبين أن الكتابة حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء معه بإدخال الجارّ فقال: {من قبل أن نبرأها} أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة والأرض والأنفس، وهذا دليل على أن اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره. ولما كان ذلك متعذراً على المخلوق فهو أشد شيء تكرهاً له وقوفاً مع الوهم قال مؤكداً: {إن ذلك} أي الأمر الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل كونه، ثم سوقه النفوس والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين على مقدار ما سبق علمه به وكتبه له {على الله} أي على ما له من الإحاطة بالكمال {يسير *} لأن علمه محيط بكل شيء وقدرته شاملة لا يعجزها شيء. ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له سبحانه من الكبرياء والعظمة، بين ثمرة أعماله بقوله: {لكيلا} أي أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة قد فرغنا من التقدير، فلا يتصور فيه تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير، لأن الحزن لا يدفعه، ولا السرور يجلبه ويجمعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : يا معاذ ليقلّ همك ما قدر يكن"تفسير : لأجل أن لا {تأسوا} أي تحزنوا حزناً كبيراً زائداً {على} ما في أصل الجبلة، يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه والتمادي فيها ليتأثر عنها السخط وعدم الرضا بالقضاء، فربما جر ذلك إلى أمر عظيم {ما فاتكم} من المحبوبات الدنيوية {ولا تفرحوا} أي تسروا سروراً يوصل إلى البطر بالتمادي مع ما في أصل الجبلة {بما آتاكم} أي جاءكم منها على قراءة أبي عمرو بالقصر، وأعطاكم الله على قراءة الباقين بالمد، وهي تدل على أن النعم لا بد في إيجادها وإبقائها من حافظ، ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت لأنه ليس من ذاته إلا العدم، وقد بين سبحانه أن في تقديره هذا وكتبه من السر أن من وطن نفسه على فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم والوجدان، فلم يغيره ذلك عن المسابقة المذكورة، فالمنهي عنه التمادي مع الحزن حتى يخرج عن الصبر ومع الفرح حتى يلهي عن الشكر، لا أصل المعنى لأنه ليس من الأفعال الاختيارية، قال جعفر الصادق: ما لك تأسف على مفقود ولا يرده إليك الفوت، وما لك تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت - انتهى، ولقد عزى الله المؤمنين رحمة لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيدهم، ولأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بادخاره عند الله، وذلك بأن يقول في المصيبة: قدر الله وما شاء الله فعل ويصير في النعمة هكذا قضى، وما أدري ما مثله {أية : هذا من فضل ربي ليبلوني أشكر أم أكفر}تفسير : [النمل: 40] فلا يزال خائفاً عند النقمة راجياً أثر النعمة، قائلاً في الحالين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسروراً بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال القائل: شعر : سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابة معهدا تفسير : وهذه صفة المتحررين من رق النفس، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة، فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته، أشار إليه القشيري. ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان النعم وزيادة الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح، وكان في أوصاف أهل الدنيا التفاخر، قال تعالى مبيناً أن المنهي عنه سابقاً التمادي مع الجبلة في الحزن والفرح، عاطفاً على ما تقديره: {فإن الله لا يحب كل يؤوس كفور} {والله لا يحب} أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم {كل مختال} أي متكبر نظر إلى ما في يده في الدنيا {فخور *} قال القشيري: الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها، والفخر من رؤية خطر ما به يفتخر.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} يقول: في الدنيا ولا في الدين {إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} قال: نخلقها {لكي لا تأسوا على ما فاتكم} من الدنيا {ولا تفرحوا بما آتاكم منها} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ما أصاب من مصيبة} الآية قال: هو شيء قد فرغ منه من قبل أن تبرأ الأنفس. وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي حسان أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في الدابة والمرأة والدار، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول: ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار، ثم قرأت {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عنه هذه الآية فقال: سبحان الله من يشك في هذا كل مصيبة في السماء والأرض ففي كتاب من قبل أن تبرأ النسمة. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم} الآية قال: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن إن أصابته مصيبة جعلها صبراً وإن أصابه خير جعله شكراً. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} يريد مصائب المعاش ولا يريد مصائب الدين أنه قال: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحو بما آتاكم} وليس عن مصائب الدين أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة. وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال: إنه ليقضي بالسيئة في السماء وهو كل يوم في شأن، ثم يضرب لها أجل فيحسبها إلى أجلها فإذا جاء أجلها أرسلها فليس لها مردود أنه كائن في يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا في بلد كذا من المصيبة من القحط والرزق والمصيبة في الخاصة والعامة حتى إن الرجل يأخذ العصا يتوكأ بها، وقد كان لها كارهاً، ثم يعتادها حتى ما يستطيع تركها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر، فبكى رجل من القوم، فقال: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه، قال: فلا تبك فإنه كان في علم الله أن يكون ألا تسمع إلى قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب} قال: الأوجاع والأمراض {من قبل أن نبرأها} قال: من قبل أن نخلقها. وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: أنزل الله المصيبة ثم حبسها عنده ثم يخلق صاحبها فإذا عمل خطيئتها أرسلها عليه. وأخرج الديلمي عن سليم بن جابر النجيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسده شيء يكفيكم منه أن تقوهم بهذه الآية {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب} الآية ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وعبد بن أحمد في زوائد الزهد عن قزعة قال: رأيت على ابن عمر ثياباً خشنة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إني قد أتيتك بثوب لين مما يصنع بخراسان وتقر عيني أن أراه عليك، فإن عليك ثياباً خشنة، قال: إني أخاف أن ألبسه فأكون مختالاً فخوراً {والله لا يحب كل مختال فخور} .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} [الآية: 22]. قال الجنيد: الصبر على درجات فصابر ما مسه من البلاء عين التدبير مخرجه ومن حقيقة الحكمة فى الأزل كونه فلم يراجع لعلمه بما فى القضاء لا محالة قبل أن ينسى أباه آدم عليه السلام إذ هو جزء من ذريته التى برأهم على مشيئته وأجرى عليهم ما شاء من نفاذ قدرته على ما سبق لهم منهم حيث قال: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}. فسمع هذا من ربه وشهد بقلبه فوقع فى الروح والراحة وانشرح صدره وهان عليه ما يصيبه.
القشيري
تفسير : المصيبة حَصْلةٌ تقع وتحصل. فيقول تعالى: لا يحصل في الأرض ولا في أنفسكم شيءٌ إلى وهو مُثْبَتٌ في اللوح المحفوظ على الوجه الذي سبق به العِلْم، وحقَّ فيه الحكم؛ فقبل أن نخلق ذلك أثبتناه في اللوح المحفوظ. فكلُّ ما حصل في الأرض من خصبٍ أو جدبٍ، من سعة أو ضيق، من فتنة أو استقامة وما حصل في النفوس من حزن أو سرور، من حياةٍ أو موت كلُّ ذلك مُثبت في اللوح المحفوظ قبل وقوعه بزمان طويل. وفي قوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} دليلٌ على أن أكساب العباد مخلوقة لله سبحانه. وللعبدِ في العلم بأنَّ ما يصيبه: من بسطٍ وراحةٍ وغير ذلك من واردات القلوب من اللَّهِ - أشدُّ السرور وأتمُّ الإنْسِ؛ حيث عَلِمَ أنه أُفْرِدَ بذلك بظهر غيبٍ منه، بل وهو في كنز العَدَم، ولهذا قالوا: شعر : سقيــاً لمعــهدك الــذي لــو لـــم يكــــن مـا كــان قلبـــي للصبــابـة معهــدا
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} يا عجبا من كان قادرا ان يوصل العباد اليه بلا مصيبة ولا تعب فكيف يصيبهم المصيبة اراد ان يعرفهم بامتحان القهر حقائق الربوبية ان يعرفهم غرائب الطريق اليه حق عرفوه بجميع الصفات وشاهدوا جميع النعوت ولولا ذلك لما عرفوه بالحقيقة فى معرفة غيره فمن سمع هذا الخطاب ينصرف نظره من المصيبة الى سوابق الامتحان حتى يكون برؤية السبق شاهد الحق ارضايا بقضائه صابرا فى بلائه لانه هناك يحتمل البلاء بروية المبلى قال الجنيد من عرف الله بالربوبية وافتقر اليه فى اقامة العبودية وشهد بسره ما كشف الله له من اثار القدرة بقوله ما اصاب من مصيبة الاية فسمع هذا من ربه وشهد بقلبه وقع فى الروح والراحة وانشرح صدره وهان عليه ما يصيبه ثم زاد سبحانه فى تاكيد طلب الرضا من عباده ويفينهم باختياره لهم والصبر فى بلائه بقوله {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} طالبا لله بهذه الاية اهل معرفته بالاستقامة والانصاف بصفاته اى كونوا فى المعرفة بان لا يوثر فيكم الفقدان والوجدان والقهر واللطف والاتصال والانقصال والفراق والوصال والكفر والايمان والطاعة والعصيان لان من شرط الاتصاف ان لا تجرى عليه احكام التلوين والاضطراب فى اليقين والاعوجاج فى التمكين لا تاسوا على ما فاتكم من معرفة الازل فان الازل للازل لا لانفسكم فاذا سقط الاسف ولا تفرحوا بما تجدون من الابد فان الابد للابد وانتم معزولون من كلا الطرفين فان الحقيقة يرجع الى العلة قال سهل فى هذه الأية دلالة على حال الرضا فى لاشدة والرخاء قال القاسم ما فاتكم من اوقاتكم ولا تفرحوا بما اتاكم من توبتكم وطاعتكم فانك لا تدرى ما قدر الله فيك وقضى وقال الواسطى الروح من الكرامات من الاغترارات والتلذذ بالافعال نوع من الافعال والخمود تحت جريان الامور زين لكل مامور قال الله لكيلا تاسوا الخ وقال العارف مستهلك فى كنه المعروف فاذا حصل مقام المعرفة لا يبقى عليه فضل فرح ولا اساء قال الله تعالى تاسوا على ما فاتكم الخ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما أصاب من مصيبة فى الأرض} ما نافية والمصيبة اصلها فى الرمية يقال أصاب السهم اذا وصل الى المرمى بالصواب ثم اختص بالنائبة اى ماحدث من حادثة كائنة فى الارض كجدب وعاهة فى الزروع والثمار {ولا فى أنفسكم} كمرض وآفة وموت ولد وخوف عدو وجوع {الا فى كتاب} اى الا مكتوبة مثبتة فىعلم الله او فى اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها} نخلق الانفس او المصائب او الارض فان البرء فى اللغة هو الخلق والبارىء الخالق وذكر الربيع بن صالح الاسلمى قال دخلت على سعيد بن جبير حين جيىء به الى الحجاج حين أراد قتله فبكى رجل من قومه فقال سعيد مايبكيك قال ماأصابك قال فلا تبك قد كان فى علم الله أن يكون هذا ألم تسمع قول الله تعالى {ما أصاب من مصيبة فى الارض ولا فى أنفسكم الا فى كتاب من قبل أن نبرأها}. قال فى الروضة رؤى الحجاج فى المنام بعد وفاته فقيل مافعل الله بك فقال قتلنى بكل قتيل قتلة وبسعيد بن جبير سبعين قتلة وفى الآية دليل على ان جميع الحوادث الارضية قبل دخولها فى الوجود وكذا جميع اعمال الخلق بتفاصيلها مكتوبة فى اللوح المحفوظ ليستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه تعالى عالما بجمع الاشياء قبل وجودها وليعرفوا حلمه فانه تعالى مع علمه انهم يقومون على المعاصى خلقهم ورزقهم وأملهم وليحذروا من امثال تلك المعاصى وليشكروا الله على توفيقه اياهم للطاعات وعصمته اياهم من المعاصى وفيها دليل ايضا على انه تعالى يعلم الاشياء قبل وقوعها لان اثباتها فى الكتاب محال ولو سأل سائل ان الله تعالى هل يعلم عدد أنفاس اهل الجنة يقال له ان الله يعلم انه لاعدد لأنفاسهم {ان ذلك} اى اثباتها فى كتاب مع كثرتها {على الله} متعلق بقوله {يسير} لاستغنائه فيه عن العدة والمدة وان كان عسيرا على العباد قال الجنيد قدس سره من عرف الله بالربوبية وافتقر اليه فى اقامة العبودية وشهد بسره ماكشف الله له من آثار القدرة بقوله ماأصاب الخ فسمع هذا من ربه وشهد بقلبه وقع فى الروح والراحة وانشرح صدره وهان عليه مايصيبه فان قلت كان الله قادرا علىأن يوصل العباد اليه بلا تعب ولا مصيبة فيكف اوقعهم فى المحن والبلايا قلت أراد أن يعرفهم بامتحان القهر حقائق الربوبية وغرآئب الطرق اليه حتى يصلوا اليه من طريق الجلال والجمال ففى الآية توطين للنفوس على الرضى بالقضاء والصبر على البلاء وحمل لها على شهود المبتلى فى عين البلاء فان به يسهل التحمل والا فمن كان غافلا عن مبدأ اللطف والقهر فهو غافل فى اللطف والقهر ولذا تعظم عليه المصيبة بخلاف حال أهل الحضور فانهم يلتذون بالبلاء التذاذهم بالعافية بل ولذة البلاء فوق لذة العافية شعر : ازدست تومشت بردهائم خوردن خوشتركه بدست خويش تانم خوردن تفسير : ومن امثال العرب ضرب الحبيب زبيب اى لذيذ
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {في الأرض}: نعت لمصيبة، أي: كائنة في الأرض، و(في كتاب): حال. يقول الحق جلّ جلاله: {ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض} من الجدب وآفات الزروع والفواكه، {ولا في أنفُسِكُم} من الأمراض والأوصاب وموت الأولاد {إِلاَّ} مكتوب {في كتابٍ} اللوح {من قبل أن نبرأها} أي: مِن قبل أن تخلق الأنفس أو المصائب، {إِنّ ذلك على الله يسير} أي: إن إثباتها في اللوح سهل على قدرته كلحظة، وكما كُتبت المصائب، كُتبت المسرات والمواهب، وقد يدلّ عليها قوله تعالى: {لِكَيْلا تأسَوا} أي: أخبرناكم بذلك لِكيلا تحزنوا {على ما فاتكم} من الدنيا حزناً يقنطكم، {ولا تفرحوا} فرح المختال الفخور {بما آتاكم} من الدنيا وسعتها، ومن العافية وصحتها، فإنَّ مَنْ عَلِمَ أنَّ الكل مقدر، يفوت ما قدر فواته، ويأتي ما قدّر إتيانه، لا محالة، لا يعظم جزعه على ما فات، ولا فرحه بما هو آت، ومع هذا كل ما ينزل بالنفس من المصائب زيادة في درجاته، وتطهير من سيئاته، ففي صحيح مسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ما يُصيب المسلم من وَصَبٍ، ولا نَصَب، ولا سقم، ولا حَزَنٍ، حتى الهمَّ يَهُمُّه، إلاَّ كفّر به من سيئاته"تفسير : . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:"حديث : عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن: إن قضى له بالسراء رضي وكان خيراً، وإن قضى له بالضراء ورضي كان خيراً لهتفسير : ، وقال أيضاً:"حديث : ما من مسلم يُشاكُ بشوكةٍ فما فوقها، إلاَّ كُتبتْ له درجةٌ، ومُحيتْ عنه بها خَطيئةٌ ". تفسير : وليس أحد إلاَّ وهو يفرح بمنفعةٍ تُصيبه، ويحزن عند مضرةٍ تنزل به، لأنه طبع بشري، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا أوتي بغنيمة أو خير يقول: (اللهم إنا لا نستيطع إلاَّ أن نفرح بما آتيتنا)، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكراً، والحزن صبراً، وإنما يُذم مِن الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المُطغي المُلهي عن الشكر، والمؤدّي إلى الفخر، {واللّهُ لا يُحب كلَّ مختال فخور} فإنَّ مَن فرح بحظوظ الدنيا، وعظمت في نفسه، اختال وافتخر بها، لا محالة. وفي تخصيص التنزيل الذم بالفرح المذكور إيذان بأنه أقبح من الأسى. ثم أبدل من "كل مختال" تفسيراً له فقال: {الذين يبخلون ويأمرون الناسَ بالبخل} أي: لا يُحب الذين يفرحون الفرحَ المُطغي إذا رُزقوا مالاً أو حظّاً من الدنيا، فلأجل فرحهم به عزّ في نفوسهم، فبخلوا به، وأَمروا غيرهم بإمساكه، ويحضُّونهم على البخل والادخار، {ومَن يتولَ} يُعرض عن الإنفاق، أو عن أوامر الله تعالى ونواهيه، ولم ينتهِ عما نهى عنه من الأسى على الفائت، والفرح بالآتي، {فإِنَّ الله هو الغنيُّ الحميدُ} أي: غني عنه وعن أنفاقه، محمودٌ في ذاته، لا يضره إعراضُ مَن أعرض عن شكره، بالتقرُّب إليه بشيء من نعمه. وفيه تهديد وإشعار بأنَّ الأمر بالإنفاق إنما هلو لمصحلة المنفق فقط. وقرأ المدنيان وابن عامر بغير "هو" الذي يفيد الحصر، اكتفاء عنها بتعريف الجُزأين، مع تأكيد "إنّ"، وقرأ الباقون بزيادتها؛ للتنصيص على الحصر والتأكيد، وهو ضمير فصل عن البصريين، أي: الفرق؛ لأنه يفرق بين الخبر والصفة، وعماد عند الكوفيين، ورابطة عند المنطقيين. الإشارة: ما أصاب من مصيبة في أرض البشرية، من غلبة الطبع، والميل إلى الحظوظ النفسانية، ولا في أنفسكم؛ ولا في باطن أنفسكم، مما يُصيب القلبَ من الأمراض، كالعجب والرياء والكبر والحسد، وغيرها، وما يُصيب الروح من الوقوف مع المقامات، أو الكرامات، أو الكشوفات، إلاَّ في كتاب سابق، وهو العلم القديم، والقضاء المحتوم، فمَن وافقته رياح القضاء نهض رغماً عن أنفه، ومَن انتكبته نكس على عقبيه، أو وقف عن سيره، فالرجوع إلى الله واجب في الحالتين، عبودية وأدباً، فعلنا ذلك لكيلا تأسَوا على ما فاتكم. فمَن تحقّق بالعبودية لا يفوته شيء، ولا تفرحوا بما آتاكم مما شأنه يزول. قال القشيري: هذه صفة المتحررين من رِقِّ النفس، وقيمة الرجال إنما تتبين بتغيُّرهم، فمَن لم يتغير بما يَرِدُ عليه مما لا يريده من جفاءٍ أو مكروهٍ أو محبةٍ فهو كامل، ومَن لم يتغير بالمضار، ولا يَسُرُّه الوجد، كما لا يُحْزِنْه العَدَم، فهو سَيِّد وقته. هـ. قلت: وهذه كانت سيرة الصحابة رضي الله عنهم كما قال كعب بن زهير في وصفهم: شعر : لا يَفرحونَ إذا نالت رِماحُهُمُ قَوْماً وليسوا مجازيعاً إذا نِيلوا تفسير : ثم قال: ويُقال: إذا أردْتَ أن تعرفَ الرجلَ فاطلبْه عند الموارد، والتغيراتُ من علامات بقاء النفْس بأيّ وجهٍ كان. هـ. وقال الورتجبي عن الواسطي: العارف مستهلك في كُنه المعروف، فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه قصد فرح ولا أسى، قال الله تعالى: {لِكَيلا تأسوا...} الآية. هـ. قلت: وإليه أشار في الحِكَم بقوله: "ما تجده القلوب من الأحزان فلِما منعت من الشهود والعيان"، وقال ابن الفارض، في شان الخمرة إذا دخلت القلب: شعر : وإن خطرتْ يوماً على خاطر امرىءٍ أقامتْ به الأفراحُ وارتحلَ الهمّ تفسير : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: "يا داود، قُل للصدِّيقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا". واحتجّ الغزالي بهذه الآية على أن الرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه، ولو كان يزيد بالطلب وينقص بالترك لكان للأسى والفرح موضع، إذ هو قصَّر وتوانى حتى فاته، وشمَّر وجدّ حتى حصَّله، وقد قال صلى الله عليه وسلم للسائل:"حديث : ما لك، لو لم تأتها لأتتك"تفسير : ، ثم أورد كون الثواب والعقاب مكتوبيْن، ويزيد بالطلب وينقص بتركه، ثم فرّق بأنّ المكتوب قسمان: قسم مكتوب مطلقاً، من غير شرط وتعليقٍ بفعل العبد، وهو الأرزاق والآجال، وقسم معلّق بفعل العبد، وهو الثواب والعقاب. هـ. قلت: في تفريقه نظر، والحق: التفصيل في النظر، فمَن نظر لعالم الحكمة، وهو عالم التشريع، وجدهما معاً مقيدين بفعل العبد، أمّا الرزق الحسي فيأتي بسبب الفعل، إن توجه للأسباب ونقص من التقوى، وبغير سبب إن تجرّد من الأسباب، وحصل مقام التقوى؛ لقوله تعالى:{أية : وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً...}تفسير : [الطلاق: 2] الآية، فالمُتَّقِي المنقطع إلى الله ناب اللّهُ عنه في الفعل، ومَن نظر لعالم القدرة، وهو عالم الحقيقة، وجد الفعل كله من الله بلا واسطة {لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون} وكذلك أمر الرزق المعنوي، وهو الطاعة واليقين، التي يتربت عليهما الثواب والعقاب، فمَن نظر لعالَم الحكمة وجده مقيداً بسبب العبد واجتهاده، وبها جاءت الشريعة، ومَن نظر لعالَم القدرة امتحى العبد ووجوده، فضلاً عن فعله وتسبُّبه، فتأمّله. قوله تعالى: {والله لا يُحب كل مختال فخور} قال القشيري: لأنّ الاختيال من بقاء النفس، والفخر رؤية خطر ما به يفتخر. هـ. {الذين يبخلون} بما عندهم من الأرزاق الحسية والمعنوية، والبخل بها علامة الفرح بها، والوقوف معها، وأمّا مَن وصل إلى شهود مُعطيهما ومُجريها فلا يبخل بشيء؛ لغناه بالله عن كل شيء، ومَن يتولّ عن هذا كله، فإِنَّ الله الغني عنه وعن جميع الخلق، المحمود قبل وجود الخلق. والله تعالى أعلم. ثم ذكر مِنَّةَ الواسطة؛ إذ لا تُعرف هذه الأحكام إلاَّ من جهتها، فقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "المصيبة في الأرض": نحو الجدب، وقلة النبات، وآفات الزروع ونقص الثمار، وتلف الحيوانات، وموت الإنسان. "والمصيبة في الأنفس" نحو الأدواء والأمراض والأوجاع والثُّكْل بالأولاد والموت وغيرها من الشرور والآفات الخارجية والداخلية، وربما كان بعض أنواع الوجودات والخيرات لطائفة من الناس، - هي بعينها -، مصائب وآفات لجماعة أخرى منهم بالاستجرار. إلاَّ في كتاب - يعني: إلاَّ وهو مُثْبَتٌ مذكور في لوح محفوظ من الألواح العالية المحفوظة عن التحريف والفساد والبطلان. من قَبْلِ أن نبْرَأَها - يعني: المصائب، أو الأرض، أو الأنفس. ان ذلك - أي: إثبات ذلك على كثرته وتفصيله هيّن على الله سهل يسير، وان كان عسيراً على غيره. مكاشفة إعلم أن حقائق الأشياء مسطورة أولاً في العالم المسمّى باللوح المحفوظ، بل في قلوب الملائكة المقرّبين المحفوظين بحفظ الله وتبقيته وحراسته إياهم عن الخلل والنقصان والنسيان، وكما أن المهندس يُسَطّر صورة أبنية الدار في نسخة، بل في خياله أولاً، ثم يُخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة المسطورة أولاً في الخيال، - سطراً لا يشاهد بهذه العين -، فكذلك فاطر السموات والأرض، كتب نسخة العالم من أوّله إلى آخره في العالم الأعلى العقلي، ثم النفسي، ثم الخيالي، ثم أخرجه على وفق تلك النسخة إلى الوجود الحسي المدرك بإحدى الحواس. فعلمه تعالى بالأشياء الكائنة على هذا الترتيب بالوجه العقلي، بخلاف علمنا الانفعالي بها، الذي يحصل منها على عكس هذا الترتيب، فإن العالم الموجود الذي خرج إلى الوجود بصورته، تتادّى منه صورة أخرى إلى الحواس، ثم إلى الخيال، ثم إلى النفس، ثم إلى العقل المنفعل المتحد بالعقل الفعّال. فترتيب الصعود العَوْدي، على عكس ترتيب النزول البَدْوي، فالحاصل في العقل الإنساني، موافق للعالم الموجود قبله على التعاكس في أنحاء الحصول. وتوضيح ذلك: ان من ينظر إلى السماء والأرض ثم يغض بصره، يرى صورة السماء والأرض في خياله كأنه ينظر إليهما، ولو انعدمت السماء والأرض في أنفسهما كأنه شاهدهما أو ينظر إليهما. ثم يتأدى من خياله أثر إلى العقل، فتحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس والخيال، فالعالم الموجود في اللوح العقلي، وهو سابق على وجوده في القدر والصور المثالية، وهو سابق على وجوده الجسماني، ويتبعه وجوده الخارجي الكوني، ويتبع وجوده الخارجي وجوده الخيالي، ويتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي - أعني وجوده في القوة العاقلة الإنسانية المتحدة بالعقل الفعّال -، وكما أن تلك الصور ومحالّها نازلة من الله تعالى في سلسلة البَدْو، فكذلك صاعدة إلى الله تعالى في سلسلة العَوْد، فالله تعالى منه البَدْوُ وإليه الرُّجعىٰ. ثم لمّا كانت بعض هذه الموجودات روحانية عقلية، وبعضها مثالية، وبعضها حسيّة، فكان الموجود الصادر من الحق عقلاً، ثم نفساً، ثم حسّاً، فدار على نفسه فصار حسّانياً، ثم نفسانياً، ثم عقلانياً. وان اشتهيت زيادة الاطلاع على حكمة الله تعالى في خلق العالم، وعجائب صنعه في الموجودات، حيث أبرز مكنونات المكوّنات بقدرته وارادته أولاً في قضائه وقدره، ثم أظهر مستورات الحقائق وخفيّات المخلوقات ثانياً بتوسط القلم الأعلى واللوح الأعظم، على منصّات الأكوان في عالم الزمان والمكان، فاستمِع لشرحه اليسير الذي يتيسر سماعه للمحدق البصير: فنقول: إن الباري تعالى، لمّا شرع في الإفاضة والجود، فأول ما أفاد وجودَه هو العالم العقلي المشتمل على صور روحانية، هي جواهر مجردة عن الأجسام والمواد، منزهة عن العوائق الخارجية والفساد، مدركة لذواتها ولما عداها بذواتها - على ما بيّن بالبرهان، ونُص عليه في الحديث والقرآن، وصرح به في كتب أهل العرفان -، وهي من عالم الأمر كما قال: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]. وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الله كتب كتاباً قبل أن يَخْلق الخَلْق: إنَّ رحمتي سبقت غضبي. فهو مكتوب عنده فوق العرش ". تفسير : وهذا العالم، عالم الملائكة الموكلين بعالم السموات والأرضين على وجه الإفاضة والتأثير، وأعلى منهم الكروبيّون، وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الأجسام، بل لا التفات لهم إلى غير الله، لاستغراقهم بشهود جمال الحضرة الربوبية وجلالها، ولا يستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الحق عن الإلتفات إلى غيره. وقد وقع في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن لله أرضاً بيضاء مشحونة خلقاً لا يعلمون أن الله يُعصى في الأرض، ولا يعلمون أن الله خلق آدم وابليس ". تفسير : وهذا الصنف من المفارقات التي ليست واقعة في سلسلة علل الأجسام، وليست فيها جهة نقص يكون بإزائها قصور في معلولاتها القريبة الجسمانية، فعبر عن تلك الجهة بعدم علمها بعصيان العصاة لأن علومها فعلية، فَتَدَبّر. وبالجملة، الجميع أنوار محضة عقلية، إلاَّ أن بعضهم المهيّمون - وهم الأعلَون - وبعضهم الأدنون في الصنف الأخير، وهم أنوار قاهرة فيما تحتها من النفوس والأجرام بتأثير الله تعالى، وقاهريتها صورة صفة قاهرية الله تعالى وجبّاريته، كما أن نوريتها من سَبَحات وجهه وجماله تعالى، وبهذه الاعتبار تسمى "الملائكة المقرّبون". وعالمها عالم القدرة، وعالم الجبروت، إذ يفيض فيها صور الأشياء وحقائقها بإفاضة الحق سبحانه، وكذا يفيض عنها صفاتها وكمالاتها التي بها يجبر نقائصها، فعلم أن جميع الحقائق بأعيانها وكمالاتها منتقشة فيها، وبهذا الاعتبار تسمى: "عقولاً". وذلك الانتقاش هو صورة القضاء الإلهي، فالقضاء عبارة عن ثبوت صور جميع الأشياء في العالم العقلي على الوجه الكلي، ومحله عالم الجبروت لتقدسه تعالى عن شوب الكثرة، وهو المسمى "بأم الكتاب"، الذي أشار إليه قوله تعالى: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد:39]. وكل ما يفيض علينا من العلوم الحقة الموسومة بالعلوم اللَّدُنية تفيض عنه كما قال تعالى: {أية : ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ}تفسير : [العلق:3 - 4]. وتلك الجواهر خزائن غيبه كما قال: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر:21]. وكما أن العالم الروحاني بجوهره المجرد محل القضاء، فالعالم النفساني بجرمه السماوي محل القَدَر، إذ الصور العقلية الكلية في عالم القضاء في غاية الصفاء والوحدة، لا يتراءى ولا يتمثل لغيرها لشدة نوريتها، كمرآة مضيئة تردّ البصر عن إدراك ما فيها من الصور بشعاعها، فتنتسخ تلك الصور منه في النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم، كما تنتسخ بالقلم في اللوح صور معلومة مضبوطة منوطة بعللها وأسبابها على وجه كلي، كما يظهر في قلوبنا عند استحضارنا للمعلومات الكلية كالصور النوعية - مثلاً - وكبريات القياس عند الطلب للرأي الجزئي المنبعث عنه العزم على الفعل، وهو "اللوح المحفوظ"، ومحل القضاء، لانضباط تلك الصور فيه وانحفاظها عن التغير والزوال. ثم ينتقش منه في النفوس الحيوانية الجزئية السماوية، التي هي قوى نفوسها الناطقة، منبعثة منها، منطبعة في أجرامها نقوش جزئية مشخصة بأشكال وهيآت معينة، مقارنة لأوقات معينة، مقدرة لمقادير وأوضاع معينة من لواحق المادة - على ما يظهر في الخارج -، كما تنتقش في قوتنا الخيالية المعلومات الجزئية كالصور الشخصية وصغريات القياس مثلاً، ليحصل بانضمامها إلى تلك الكبريات رأي جزئي ينبعث عنه القصد الجازم إلى الفعل المعين، فيجب عنه ذلك الفعل بعينه، وذلك العالم هو: "لوح القدر". "فالقَدَر" عبارة عن حصول جميع الموجودات في العالم النفسي على الوجه الجزئي، مطابقة لما في المواد الخارجية، مستندة إلى أسبابها، واجبة بها، لازمة لأوقاتها. وعالمه: "عالم المثال"، لأنه خيال العالم وسماء الدنيا التي تنزل إليها الكائنات أولاً من غيب الغيوب، ثم تظهر في عالم الشهادة - كما ورد في الحديث -. وتلك النفوس من قوى نفوسه الناطقة، بمثابة قوانا الخيالية من نفوسنا، وكل منها "كتاب مبين"، كما أشير إليه بقوله تعالى: {أية : وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام:59]. وقوله: {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [هود:6]. وحصول تلك الصور المعينة المقيدة بوقتها المعين هو "قَدَر الشيء" المعيّن الخارجي كما قال: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر:21]. ومحل هذا القدر هو الهيولى الأولىٰ، التي هي بعينها "لوح ذلك القدر" الذي محله الملكوت العمّالة بإذن الله، كما أن محل القدر ولوح القضاء هو: "العالَم النفسي"، ومحل القضاء هو: "عالم الجبروت". وهذه التي ذكرناها جملة تحتاج إلى التفصيل والتدقيق في غير هذا الموقف، وقد فصّلناها وبسطنا القول فيها وفي نظائرها من المقاصد الربوبيات في كتابنا الكبير المسمى بـ "الأسفار الأربعة". ومن عجائب صنع الله سبحانه، أنه أبدع نظائر جملة هذه الحقائق المتعلقة بذاته المقدسة من القلم، واللوح، والقضاء، والقدر، وعالمي الخلق والأمر، والشهادة والغيب، والدنيا والآخرة. وأودع من كل واحد من تلك المعاني أنموذجاً ومثالاً في فطرة الآدمي وروحه، لتصير صورة الإنسان مثالاً له ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً، وان لم يكن مِثْلاً له لتعإليه عن الشبه والمثل. فكما أن لأفعال الإنسان - عند إرادة صدورها منه وبروزها من مكامن غيبها إلى مظاهر شهادتها - أربعة مراتب: لكونها أولاً في مكمن روحه العقلي، الذي هو غيب غيوبه في غاية الخفاء، كأنها غير مشعور بها ثم تنزل إلى حيّز قلبه الحقيقي ونفسه الناطقة عند استحضارها وإخطارها بالبال كلّية. ثم تنزل إلى مخزن خياله ونفسه الحيوانية مشخصة جزئية. ثم تتحرك أعضاؤه عند إرادة إظهاره فيظهر في الخارج. فكذلك الحال فيما يحدث في العالم بعناية الله تعالى وارادته من الحوادث، إذ الأولى بمثابة القضاء، ومحله بمثابة القلم. والثانية بمثابة نقش اللوح المحفوظ، ومحله اللوح المحفوظ من الفساد، لأنه جوهر روحاني ناطق لا يفسد بفساد البدن. والثالثة بمثابة الصورة في السماء الدنيا، ونقش لوح القدر على ما نراه، ومحله اللوح المقدر والجسم الصيقل البخاري الدخاني المشابه للسماء وهي دخان، والرابعة بمثابة الصور الحادثة في المواد العنصرية. ولا شك أن النزول الأول لا يكون إلاَّ بارادة كلية، والنزول الثاني بارادة جزئية خفيّة تنظم إلى الإرادة الأولى الكلية، فتتخصص بها وتصير جزئية، فينبعث بحسب ملائمتها ومنافرتها رأي جزئي يستلزم إرادة جازمة داعية إلى إظهاره، فتتحرك الأعضاء والجوارح ويظهر الفعل، فحركة الأعضاء، بمثابة حركة السماء، وظهور الفعل هو القَدَر على المذهب الثاني. وكما أن سلطان الروح - الذي هو التعقل والإدراك في البدن - لا يظهر إلاَّ في الدماغ - لمكان الروح الدماغي النفساني -، فكذلك سلطان الروح الكلي - الذي هو روح العالم -، لا يكون إلاَّ في العرش لمكان القوة المحركة السارية فيه، فهو من العالم بمنزلة الدماغ من الإنسان. وكما أن مظهر الأول فينا هو "القلب" الذي هو منبع الحياة، فكذلك مظهره الأول فيه هو "الفَلَك الرابع" الذي هو فلك الشمس، ووسط العالم، ومنبع حياة العالم، ومنشأ تدبير الكائنات ومنوّرها بالنور الحسي المظهر لكل شيء من الأجرام، والمعطي لها حقها من الحياة الحيوانية الحسية، كما أن الباري تعالى منبع الحياة العقلية للذوات العقلية النورية، والمنوّر لذواتها، والمكمل لها بافاضة العشق والنور والوجود على ذواتها التي أبدعت على كمالها الأتَمّ وعشقها وتألهها منذ أول الفطرة، من الله مبدؤها وإليه منتهاها. فالشمس: مثال الله الأعظم، وخليفته في عالم الأجسام بروحها وقوتها الساريتين في كل جسم من العالم، وكذلك القلب مثاله وخليفته في عالم البدن الإنساني بروحه الحيواني وقوتها الساريتين في كل عضو من الإنسان. فروح الفلك بمثابة الروح الحيواني الذي في القلب، إذ به تحيى جميع الأعضاء. وهو "البيت المعمور" المشهور في الشريعة انه في السماء الرابعة، المُقْسَم به في التنزيل حيث قال: {أية : وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مُّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} تفسير : [الطور:1 - 6]. ولهذا جعلت مقام عيسى روح الله - على نبيّنا وآله وعليه السلام -، و"الكتاب المسطور" هو نقش القضاء الأول الثابت في الروح الأول العقلي، وذلك الروح هو "الرق المنشور"، "والسقف المرفوع" هو السماء الدنيا المذكورة، وقريب بالبيت المعمور، لنزول الصورة منها ونفخ الروح منه، فيتم بهما خلق الحيوان، و"البحر المسجور" هو بحر الهيولى السيّالة المملوّة بالصور، وهي الهاوية والجحيم عند ظهور القيامة - والله أعلم -.
الأعقم
تفسير : {ما أصاب من مصيبة في الأرض} القحط وقلة الزرع والضرع والنبات، والمصيبة في النفس الأمراض والعلل والموت {إلا في كتاب} في اللوح المحفوظ {من قبل أن نبرأها} يعني الأنفس والمصيبات {إن ذلك} أي تقدير ذلك وإثباته في كتاب {على الله يسير} وإن كان عسير على العباد، ثم علل ذلك وبيَّن الحكمة فقال: {لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا} يعني أنكم إذا علمتم إن كل شيء مقدر مكتوبٌ عند الله قلّت إساءتكم على الفائت وفرحكم بالآتي، وقيل: لأن ما فات ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة فلا ينبغي أن تحزن عليه وما بالها كلفت الشكر في الحقوق الواجبة {والله لا يحب كل مختال فخور} أي يتكبر بما أوتي فخور على الناس {الذين يبخلون} بمنع الواجبات {ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول} أعرض عما دعا الله إليه {فإن الله هو الغني الحميد} في جميع أفعاله {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} بالحجج {وأنزلنا معهم الكتاب والميزان} وروي أن جبريل (عليه السلام) نزل بالميزان ودفعه إلى نوح (عليه السلام) وقال: مرْ قومكم أن يزنوا به، وقيل: هو الميزان الذي يوزن به، وقيل: المراد به العدل {وأنزلنا الحديد} قيل: نزل آدم (عليه السلام) ومعه خمسة أشياء من حديد الجنة: السندان والكلبتان والمنفعة والمطرقة والإِبرة، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : إن الله تعالى أنزل من السماء أربع بركات من السماء إلى الأرض، أنزل الحديد والنار والماء والملح"تفسير : ، وعن الحسن: {وأنزلنا الحديد} خلقناه {فيه بأس شديد} وهو القتال به {ومنافع للناس} في مصالح ومعائشهم وصناعتهم فما من صناعة إلا والحديد أو ما يعمل بالحديد له فيها {وليعلم الله من ينصره} أي ليظهر المعلوم ليعلم الله وجود النصرة منهم في الحال ويظهر المعلوم نصره، أي ينصر دينه وأولياءه {إن الله قوي عزيز} أي قادر لا يغالب {ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم} عطفاً على ما تقدم {وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم} أي من الذرية {مهتد} أي اتبع الحق {وكثير} من الذرية {فاسقون} {ثم قفينا على آثارهم} أي اتبعنا بالإِرسال على آثارهم، أي بآثار الأنبياء {برسلنا} وأرسلنا رسولاً بعد رسول {وقفينا بعيسى ابن مريم} أي أرسلناه بعدهم {وآتيناه الإِنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} أي اتبعوا عيسى في دينه، والرأفة أشد الرحمة، ومتى قيل: لما أضاف الرأفة والرحمة إلى نفسه؟ قالوا: بالأمر والترتيب ووعد الثواب عليه، لأنه أمرهم بالترحّم فأطاعوه، وقيل: باللطف الذي قوّى دواعيهم فصارت قلوبهم بهذه الصفة، وقيل: بالاختيار والتعريف كما يقال: فلان عدله القاضي ورعاه {ابتدعوها} أحدثوها {ما كتبناها عليهم} أي ما فرضناها عليهم تلك الرهبانية برفض النساء واتخاذ الصوامع، وقيل: لحاقهم بالبراري والجبال، وقيل: الانقطاع والانفراد بالعبادة {إلا ابتغاء رضوان الله} قيل: معناه ما كتبناه عليهم البتة لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، وقيل: اتبعوا بتلك الرهبانية رضوان الله، وقيل: ما كتبناها عليهم ولكن لما دخلوا فيها أوجبنا ذلك ابتغاء رضوان الله، وقيل: الاستثناء منقطع، أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فبدلوا ولم يفعلوا ما أمروا به {فما رعوها حق رعايتها} فيه قولان: إذا حملت الأمَّة على أنه لم كتب الرهبانيَّة عليهم اتباع الله فما رعوا ما كتب عليهم من أمر الدين والملة فيكون كناية عن غير مذكور، وإذا حملت على أن الرهبانية طاعة فما رعوا تلك الرهبانية، يعني ما حفظوا ذلك، وقيل: فما رعوا حق رعايتها لكن كفروا بعيسى وتهودوا وتنصروا وشربوا الخمر وأكلوا الخنزير، وقيل: فما رعوها لتكذيبهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن من آمن بمحمد فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن فأولئك هم الهالكون، وقيل: اتخذوا الترهب والتزهد شوقاً ومكيدة ولم يتبعوا به رضى الله لمد هذه زماننا هذا {فآتينا الذين آمنوا منهم} يريد أهل الرأفة والرحمة {أجرهم} جزاء أعمالهم {وكثير منهم فاسقون} كافرون عاصون.
الهواري
تفسير : قوله: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ} يعني الجدوبة ونقص الثمار {وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ} يعني الأمراض والبلايا في الأجساد {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي: من قبل أن نخلقها. تفسير الحسن: من قبل أن يخلق الله تلك النفوس. وبعضهم يقول: من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض. {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ} أي: هيّن. تفسير الحسن: إن الله كتب عنده كتاباً: إن ذنب كذا وكذا عقوبته كذا وكذا. فيعفو عن أكثر ذلك ويعاقب من ذلك ما يشاء؛ وهو قوله: (أية : وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ).تفسير : [الشورى:30]. قال تعالى: {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا} أي: لكي لا تحزنوا {عَلَى مَا فَاتَكُمْ} أي: من الدنيا، أي فيما أصابكم في الأرض وفي أنفسكم. أي: فيعلمون أن ذلك بذنب، فيعتبرون ويتوبون. {وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَآ آتَاكُمْ} أي: من الدنيا. ذكروا عن الحسن عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما أبالي على أي حال رجعت إلى أهلي؛ لئن كانوا على عسر إني أنتظر اليسر، وإن كانوا على يسر إني لأنتظر العسر. وبلغنا أن حذيفة قال: إن أقرّ أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي وهم يشكون إلي الحاجة. ذكروا أن... امرأة مسروق، قالت: ما قلت لمسروق قط: ما أصبح لعيالك اليوم رزق إلا تبسّم ضاحكاً وقال: أما والله ليأتينهم الله برزق. وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال: والله ما أبالي أي حال سبق إلي: يسر أم عسر، لأن أحدهما يتلو صاحبه، ثم تلا هذه الآية: (أية : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) تفسير : [الشرح:5-6]. قال تعالى: {وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}.
اطفيش
تفسير : {مَا أَصَابَ} مفعوله محذوف أي احدا أو شيئا. {مِن مُّصِيبَةٍ} فاعل ومن صلة أو فاعل أصاب الله ومصيبة مفعول به أي ما أحدثها {فِى الأَرْضِ} من جدب وعاهة في الشجر والنبات {وَلا فِى أَنفُسِكُمْ} كمرض وموت {إِلا فِى كِتَابٍ} اللوح المحفوظ مكتوبة فيه مشيئة في علم الله عز وجل {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا} نخلقها والضمير للمصيبة والارض والانفس وقيل للانفس والمصيبة وقال ابن عباس: للمصيبة أو قيل: لاحدى ذلك وقيل: للانفس وقيل: للارض وقيل: للسماوات والارض. {إِنَّ ذَلِكَ} على كثرته وعسره عند الخالق أي اثبات ذلك في اللوح وتصريفه وقيل خلق ذلك وحفظه {عَلَى اللهِ يَسيِرٌ} هين سهل لأنه غني عن عدة ومدة.
الالوسي
تفسير : {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } أي نائبة أيّ نائبة وأصلها في الرمية وهي من أصاب السهم إذا وصل إلى المرمى بالصواب ثم خصت بها. وزعم بعضهم أنها لغة عامة في الشر والخير وعرفاً خاصة بالشر. و {مِنْ } مزيدة للتأكيد، وأصاب جاء في الشر كما هنا، وفي الخير كقوله تعالى: { أية : وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله } تفسير : [النساء: 73] وذكر بعضهم أنه يستعمل في الخير اعتباراً بالصوب أي بالمطر وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم، وكلاهما يرجعان إلى أصل وتذكير الفعل في مثل ذلك جائز كتأنيثه، وعليه قوله تعالى: { أية : مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } تفسير : [الحجر: 5] والكلام على العموم لجميع الشرور أي مصيبة أيّ مصيبة {فِى ٱلأَرْضِ } كجدب وعاهة في الزرع والثمار وزلزلة وغيرها {وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كمرض وآفة كالجرح والكسر {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } أي إلا مكتوبة مثبتة في اللوح المحفوظ، وقيل: في علم الله عز وجل. {مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } أي نخلقها، والضمير على ما روي عن ابن عباس وقتادة والحسن وجماعة للأنفس، وقيل: للأرض، واستظهر أبو حيان كونه للمصيبة لأنها هي المحدث عنها، وذكر الأرض والأنفس إنما هو على سبيل ذكر محلها، وذكر المهدوي جواز عوده على جميع ما ذكر، وقال جماعة: يعود على المخلوقات وإن لم يجر لها ذكر. وقيل: المراد بالمصيبة هنا الحوادث من خير وشر وهو خلاف الظاهر من استعمال المصيبة إلا أن فيما بعد نوع تأييد له وأياً مّا كان ففي الأرض متعلق بمحذوف مرفوع أو مجرور صفة لمصيبة على الموضع أو على اللفظ، وجوز أن يكون ظرفاً لأصاب أو للمصيبة، قيل: وإنما قيدت المصيبة بكونها في الأرض والأنفس لأن الحوادث المطلقة كلها ليست مكتوبة في اللوح لأنها غير متناهية، واللوح متناه وهو لا يكون / ظرفاً لغير المتناهي ولذا جاء « حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ». تفسير : وفي الآية تخصيص آخر وهو أنه سبحانه لم يذكر أحوال أهل السماوات لعدم تعلق الغرض بذلك مع قلة المصائب في أهلها بل لا يكاد يصيبهم سوى مصيبة الموت، وما ذكره في وجه التخصيص الأول لا يتم إذا أريد بالكتاب علمه سبحانه، وقيل: بأن كتابة الحوادث فيه على نحو كتابتها في القرآن العظيم بناءاً على ما يقولون: إنه ما من شيء إلا ويمكن استخراجه منه حتى أسماء الملوك ومددهم وما يقع منهم ولو قيل في وجهه ـ إن الأوفق بما تقدم من شرح حال الحياة الدنيا إنما هو ذكر المصائب الدنيوية فلذا خصت بالذكر ـ لكان تاماً مطلقاً. {إِنَّ ذٰلِكَ } أي إثباتها في كتاب {عَلَى ٱللَّهِ } لا غيره سبحانه {يَسِيرٌ } لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة، وإن أريد بذلك تحققها في علمه جل شأنه فيسره لأنه من مقتضيات ذاته عز وجل. وفي الآية رد على هشام بن الحكم الزاعم أنه سبحانه لا يعلم الحوادث قبل وقوعها. وفي «الإكليل» أن فيها رداً على القدرية، وجاء ذلك في خبر مرفوع، أخرج الديلمي عن سليم بن جابر الجهيمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : سيفتح على أمتي باب من القدر في آخر الزمان لا يسدّه شيء يكفيكم منه أن تلقوه بهذه الآية {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} » تفسير : .وأخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه عن أبـي حسان « حديث : أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالا: إن أبا هريرة يحدث أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فقالت: والذي أنزل القرآن على أبـي القاسم صلى الله عليه وسلم ما هكذا كان يقول، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار )تفسير : ، ثم قرأت {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } الآية.
ابن عاشور
تفسير : لما جرى ذكر الجهاد آنفاً بقوله: {أية : لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل}تفسير : [الحديد: 10] وقوله: {أية : والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم}تفسير : [الحديد: 19] على الوجهين المتقدمين هنالك، وجرى ذكر الدنيا في قوله: {أية : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}تفسير : [الحديد: 20] وكان ذلك كله مما تحدُث فيه المصائب من قتل وقطع وأسر في الجهاد، ومن كوارث تعرض في الحياة من فقد وألم واحتياج، وجرى مَثَل الحياة الدنيا بالنّبات، وكان ذلك ما يعرض له القحط والجوائح، أُتبع ذلك بتسلية المسلمين على ما يصيبهم لأن المسلمين كانوا قد تخلقوا بآداب الدنيا من قبلُ فربما لحقهم ضر أو رزء خارج عن نطاق قدرتهم وَكسبهم فأعلموا أن ذلك مما اقتضاه ارتباط أسباب الحوادث بعضها ببعض على ما سيرها عليه نظام جميع الكائنات في هذا العالم كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}تفسير : [الحديد: 22] كما ستعلمه، فلم يملكهم الغم والحزن، وانتقلوا عن ذلك إلى الإقبال على ما يهمهم من الأمور ولم يلهمهم التحرق على ما فات على نحو ما وقع في قوله: {أية : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}تفسير : [البقرة: 154 ـــ 156]، ولعل المسلمين قد أصابتهم شدة في إحدى المغازي أو حبس مطر أو نحو ذلكم مما كان سبب نزول هذه الآية. و(ما) نافية و(من) زائدة في النفي للدلالة على نفي الجنس قصداً للعموم. ومفعول {أصاب} محذوف تقديره: ما أصابكم أو ما أصاب أحداً. وقوله: {في الأرض} إشارة إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول وموتان الأنعام وتلف الأموال. وقوله: {ولا في أنفسكم} إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من الأمراض وقطع الأعضاء والأسر في الحرب وموت الأحباب وموت المرء نفسه فقد سماه الله مصيبة في قوله: {أية : فأصابتكم مصيبة الموت}تفسير : [المائدة: 106]. وتكرير حرف النفي في المعطوف على المنفي في قوله: {ولا في أنفسكم} لقصد الاهتمام بذلك المذكور بخصوصه فإن المصائب الخاصة بالنفس أشد وقعاً على المصاب، فإن المصائب العامة إذا اخْطأَتْه فإنما يتأثر لها تأثراً بالتعقل لا بالحسّ فلا تدوم ملاحظة النفس إياه. والاستثناء في قوله: {إلا في كتاب} استثناء من أحوال منفية بــــ (ما)، إذ التقدير: ما أصاب من مصيبة في الأرض كائنة في حال إلا في حال كونها مكتوبة في كتاب، أي مثبتة فيه. والكتاب: مجاز عن علم الله تعالى ووجه المشابهة عدم قبوله التبديل والتغيير والتخلف، قال الحارث بن حلزة: شعر : حذر الجور والتطاخي وهل ينْقض ما في المهارق الأهواء تفسير : ومن ذلك علمه وتقديره لأسباب حصولها ووقت خلقها وترتب آثارها والقصر المفاد بــــ (إلاّ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي، أي إلا في حال كونها في كتاب دون عدم سبق تقديرها في علم الله ردّاً على اعتقاد المشركين والمنافقين المذكور في قوله تعالى: {أية : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قُتلوا}تفسير : [آل عمران: 156] وقوله: {أية : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا}تفسير : [آل عمران: 168]. وهذا الكلام يجمع الإِشارة إلى ما قدمناه من أن الله تعالى وضع نظام هذا العالم على أن تترتب المسببات على أسبابها، وقدر ذلك وعلمه، وهذا مثل قوله: { أية : وما يعمَّر من معمّر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب} تفسير : [فاطر: 11] ونحو ذلك. والبرءُ: بفتح الباء: الخَلْق ومن أسمائه تعالى البارىء، وضمير النصب في {نبرأها} عائد إلى الأرض أو إلى الأنفس. وجملة {إن ذلك على الله يسير} ردّ على أهل الضلال من المشركين وبعض أهل الكتاب الذين لا يثبتون لله عموم العلم ويجوّزون عليه البَداء وتمشّي الحِيَل، ولأجل قصد الرد على المنكرين أكد الخبر بــــ (إنّ). والتعليل بلام العلة و (كي) متعلق بمقدر دل عليه هذا الإِخبار الحكيم، أي أعلمناكم بذلك لكي لا تأسوا على ما فاتكم الخ، أي لفائدة استكمال مدركاتكم وعقولكم فلا تجزعوا للمصائب لأن من أيقَنَ أن ما عنده من نعمة دنيوية مفقود يوماً لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه قد وطّن نفسه على ذلك، وقد أخذ هذا المعنى كُثّير في قوله: شعر : فقلت لها يا عزّ كل مصيبة إذا وُطِّنت يوماً لها النفس ذَلّتِ تفسير : وقوله: {ولا تفرحوا بما آتاكم} تتميم لقوله: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم} فإن المقصود من الكلام أن لا يأْسَوْا عند حلول المصائب لأن المقصود هو قوله: {ما أصاب من مصيبة... إلا في كتاب} ثم يعلم أن المسرات كذلك بطريق الاكتفاء فإن من المسرات ما يحصل للمرء عن غير ترقب وهو أوقع في المسرة كَمُل أدبه بطريق المقابلة. والفرح المنفي هو الشديد منه البالغ حدّ البطر، كما قال تعالى في قصة قارون {أية : إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}تفسير : [القصص: 76]. وقد فسره التذييل من قوله: {والله لا يحب كل محتال فخور}. والمعنى: أخبرتكم بذلك لتكونوا حكماء بُصراء فتعلموا أن لجميع ذلك أسباباً وعللاً، وأن للعالم نظاماً مرتبطاً بعضه ببعض، وأن الآثار حاصلة عقب مؤثراتها لا محالة، وإن إفضاءها إليها بعضه خارجِ عن طوق البشر ومتجاوز حد معالجته ومحاولتِه، وفعل الفوات مشعر بأن الفائتَ قد سعى المفوتُ عليه في تحصيله ثم غُلب على نواله بخروجه عن مِكنته، فإذا رسخ ذلك في علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما يسره إذا كان مما يسره، ومن لم يتخلق بخلُق الإسلام يتخبط في الجزع إذا أصابه مصاب ويُستطار خُيلاء وتطاولاً إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في الحالين. والمقصود من هذا التنبيهُ على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها مصيبة. واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة. وصلة الموصول في {بما آتاكم} مشعرة بأنه نعمة نافعة، وفيه تنبيه على أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة، هو أن لا يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات، وليس معنى ذلك أن يترك السعي لنوال الخير واتقاء الشر قائلاً: إن الله كتب الأمور كلها في الأزل، لأن هذا إقدام على إفساد ما فَطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا أفلا نَتَّكِل «حديث : اعمَلوا فكل ميسَّر لما خُلق له»تفسير : . وقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرءَ ثابت في كتاب، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر. والمعنى: والله لا يحب أحداً مختالاً وفخوراً ولا تتوهمْ أن موقع (كل) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصُده أهل اللسان، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : والله لا يحب كل كفار أثيم}تفسير : في سورة البقرة (276) ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإِعجاز. وقرأ الجمهور {آتاكم} بمدّ بعد الهمزة مُحول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة، أي ما جعله آتياً لكم، أي حاصلاً عندكم، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان، والتقدير: بما آتاكموه. والإِتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ساوَى الحقيقة، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، والتقدير: بما آتاكموه، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيراً بأن الخيرات من فضل الله. وقرأه أبو عمرو وَحدَه بهمزة واحدة على أنه من (أتى)، إذا حَصل، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع بــــ (آتى)، وفي هذه القراءة مقابلة {آتاكم} بــــ (فاتكم) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسّن.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار وفي الأنفس، من الأمراض والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس، وقبل وجود المصائب، فقوله: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ}، الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة في ضمن قوله: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [الذاريات: 21] أو إلى المصيبة، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله. وقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي سهل هين لإحاطة علمه وكمال قدرته. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من المصائب إلا وهو مكتوب عند الله قبل ذلك، أوضحه الله تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {أية : قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}تفسير : [التوبة: 51] وقوله تعالى {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [التغابن: 11] وقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة: 155]، لأن قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ} قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له جل وعلا قبل وقوعها، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع، ليكونوا مستعدين لها وقت نزولها بهم، لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها، ونقص الأموال والثمرات مما أصاب من مصيبة، ونقص الأنفس في قوله: والأنفس، مما أصاب من مصيبة في الأنفس، وقوله في آية الحديد هذه {أية : لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}تفسير : [الحديد: 23] أي بينا لكم أن الأشياء مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق، وأن ما كتب واقع لا محالة لأجل ألا تحزنوا على شيء فاتكم، لأن فواته لكم مقدر، وما لا طمع فيه قل الأسى عليه، ولا تفرحوا بما آتاكم، لأنكم إذا علمتم أن ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد أن يأتيكم قل فرحكم به، وقوله: تأسوا، مضارع أسى بكسر السين يأسى بفتحها أسى بفتحتين على القياس، بمعنى حزن ومنه قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [المائدة: 68] وقوله: من مصيبة مجرور في محل رفع لأنه فاعل أصاب جر بمن المزيدة لتوكيد النفي، وما نافية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما أصاب من مصيبة في الأرض: أي بالجدب وذهاب المال. ولا في أنفسكم: أي بالمرض وفقد الولد. إلا في كتاب من قبل أن نبرأها: أي في اللوح المحفوظ قبل أن نخلقها. إن ذلك على الله يسير: أي سهل ليس بالصعب. لكيلا تأسوا على ما فاتكم: أي لكيلا تحزنوا على ما فاتكم أي مما تحبون من الخير. ولا تفرحوا بما آتاكم: أي بما أعطاكم فرح البطر أما فرح الشكر فهو مشروع. والله لا يحب كل مختال فخور: أي مختال بتكبره بما أعطى، فخور أي به على الناس. الذين يبخلون: أي بما وجب عليهم أن يبذلوه. ويأمرون الناس بالبخل: أي بمنع ما وجب عليهم عطاؤه. ومن يتول: أي عن الإِيمان والطاعة وقبول مواعظ ربهم. فإن الله غني: أي غني عن سائر خلقه لأن غناه ذاتي له لا يستمده من غيره. حميد: أي محمود بجلاله وجماله وآلائه ونعمه على عباده. بالبينات: أي بالحجج والبراهين القاطعة على صدق دعوتهم. وأنزلنا معهم الكتاب: أي وأنزل عليهم الكتب الحاوية للشرائع والأحكام. والميزان: أي العدل الذي نزلت الكتب بالأمر به وتقريره. ليقوم الناس بالقسط: أي لتقوم حياتهم فيما بينهم على أساس العدل. فيه بأس شديد: أي في الحديد بأس شديد والمراد آلات القتال من سيف وغيره. ومنافع للناس: أي ينتفع به الناس إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها. وليعلم الله من ينصره ورسله: أي وأنزلنا الحديد وجعلنا فيه بأساً شديداً ليعلم الله من ينصره في دينه وأوليائه وينصر رسله المبلغين عنه. بالغيب: أي وهم لا يشاهدونه بأبصارهم في الدنيا. إن الله قوي عزيز: أي لا حاجة إلى نصرة أحد وإنما طَلَبهَا يَتَعَبَّدُ بها عباده. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في إرشاد المؤمنين وتوجيههم إلى ما يكملهم ويسعدهم فقال تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} أي ما أصابكم أيها المؤمنون من مصيبة في الأرض بالجدب والقحط أو الطوفان أو الجوائح تصيب الزرع {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ} بالمرض وفقد الولد إلاَّ وهي في كتاب أي في كتاب المقادير، اللوح المحفوظ مكتوبة بكميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} أي وذلك قبل خلق الله تعالى لها وإيجادها. وقوله: {إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي علمه بها وكتابته لها قبل خلقها وإيجادها في وقتها سهل على الله يسير. وقوله {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} أي أعلمناكم بذلك بعد قضائنا وحكمنا به أزلاً من أجل ألا تحزنوا على ما فاتكم مما تحبون في دنياكم من الخير، ولا تفرحوا بما آتاكم فرح الأشر والبطر فإنه مضر أما فرح الشكر فلا بأس به فقد ينعم الله على العبد ليشكره. وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} يحذر أولياءه من خصلتين ذميمتين لا تنبغيان للمؤمن وهما الاختيال أي التكبر والفخر على الناس بما أعطاه الله وَحَرَمَهَم. وقوله {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} هذا بيان لمن لا يحبهم الله وهم أهل الكبر والفخر بذكر صفتين قبيحتين لهم وهما البخل الذي هو منع الواجب والأمر بالبخل والدعوة إليه فهم لم يكتفوا ببخلهم فأمروا غيرهم بالبخل الذي هو منع الواجب وعدم بذله والعياذ بالله من هذه القبائح الأربع. وقوله: {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الإِيمان والطاعة وعدم قبول وعظ الله وإرشاده {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} عن سائر خلقه لأن غناه ذاتي له لا يستمده من غيره {ٱلْحَمِيدُ} أي محمود بجلاله وجماله وإنعامه على سائر عباده. وقوله تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج القواطع وأنزلنا معهم الكتاب الحاوي للشرائع والأحكام التي يكمل عليها الناس ويسعدون وأنزلنا الميزان وذلك ليقوم الناس بالعدل أي لتقوم حياتهم على أساس العدالة والحق. وقوله تعالى {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي وكما أنزلنا الكتاب للدين والعدل للدنيا أنزلنا الحديد لهما معاً للدين والدنيا فيما فيه من البأس الشديد في الحروب فهو لإقامة الدين بالجهاد {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إذْ سائر الصناعات متوقفة عليه فهو للدنيا. وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي من الحكمة في إنزال الحديد أن يعلم الله من ينصره أي ينصر دينه ورسله بالجهاد معهم والوقوف إلى جانبهم وهم يبلغون دعوة ربهم بالغيب أي وهم لا يشاهدون الله تعالى بأعينهم وإن عرفوه بقلوبهم. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} إعلام بأنه لا حاجة به إلى نصرة أحد من خلقه وذلك لقوته الذاتية وعزته التي لا ترام، وإنما كلف عباده بنصرة دينه ورسله وأوليائه تشريفاً لهم وتكريماً وليرفعهم بذلك إلى مقام الشهداء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة القضاء والقدر. 2- بيان الحكمة في معرفة القضاء والقدر والإِيمان بهما. 3- حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل. 4- بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه من منافع للناس وبأس شديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابٍ} (22) - مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مَصَائِبَ فِي آفَاقِ الأَرْضِ كَقَحْطٍ وَجَدْبٍ وَقِلَّةِ رِزْقٍ... وَمَا أَصَابَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ أَمْرَاضٍ وَأَسْقَامٍ وَنَكَبَاتٍ.. إِلاَّ وَهُوَ مَسْطُورٌ فِي أَمِّ الكِتَابِ عِنْدَ اللهِ، قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ اللهُ هَذِهِ الخَلِيقَةَ (أَوْ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ اللهُ هَذِهِ النُّفُوسَ)، وَعِلْمُ اللهِ السَّابِقُ بِمَا سَيَقَعُ مِنْ أَحْدَاثٍ فِي الأَرْضِ أَوْ فِي السَّمَاءِ، وَإِثْبَاتُهُ فِي كِتَابٍ، هُوَ سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَيهِ، لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ. نَبْرَأَهَا - نَخْلُقَ هَذِهِ الكَائِنَاتِ أَوِ النُّفُوسَ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} معناه نَخلُقُها.
الجيلاني
تفسير : إذ {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ} أي: ما حدث من حادثة مفرحة أو موحشة، كائنة {فِي ٱلأَرْضِ} أي: في أقطار الآفاق من الخصب والرخاء، والزلزلة والوباء إلى غير ذلك من المفرحات والموحشات الحادثة في الأنحاء والأرجاء {وَلاَ} كائنة {فِيۤ أَنفُسِكُمْ} من العوارض المسرة، والشهوات الملذة، أو من الأمراض والملمات المؤلمة {إِلاَّ} ثبت حدوثها في ساعة كذا، في آن كذا، على وجه كذا {فِي كِتَٰبٍ} أي: في حضرة العلم الإلهي ولوح قضائه على اختلاف العبارات {مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} نخلقها ونظهرها؛ أي: ثبت حدوث الحادثة في وقتها في كتابنا قبل أن تخلق الحادثة بزمان لا يعلم أحد مقداره إلاَّ نحن، ولا تستبعدوا من قدرتنا أمثال هذا {إِنَّ ذَٰلِكَ} الثبت والتقدير السابق، وإن كان عندكم عسير {عَلَى ٱللَّهِ} القادر المقتدر، الغالب على عموم المقدورات {يَسِيرٌ} [الحديد: 22] سهل في جانب قدرته وإرادته. والسر في ثبتها قبل خلقها: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ} ولا تحزنوا أيها المجبولون على فطرة الكفران {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من اللذات والشهوات المرغوبة {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} منها؛ ليكون فرحكم سبباً لكبركم وخيلائكم على ضعفاء الأنام، وفقراء الإسلام {وَ} بالجملة: {ٱللَّهُ} المطلع على ما في استعدادات عباده من النخوة والاستكبار {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} ذو كبر وخيلاء منهم {فَخُورٍ} [الحديد: 23] مخافر مباهٍ؛ بسبب المال والجاه والثروة، والسيادة على أقرانه وأبناء زمانه. وإذا كان الأمر كذلك فلا تسندوا الأمور إلى أنفسكم، بل فوضوا أموركم كلها إلى الله، وأسندوها إليه سبحانه بالأصالة، فلا تفرحوا ولا تحزنوا، بل افنوا في الله وابقوا؛ لتتمكنوا {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]. والمختالو المفتخرون هم {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} ويمسكون أنفسهم عن التصدق والإنفاق، ويجمعون من حطام الدنيا مقدار ما يفتخرون بها، ويتفوقون على أقرانهم بسببها {وَ} من غاية بخلهم وإمساكهم: {يَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ} أيضاً {بِٱلْبُخْلِ} لئلا يلحق العار عليهم خاصة؛ وليعرضوا ويصرفوا ضعفاء الأنام عن امتثال أمر الله بالإنفاق؛ حتى لا ينالوا بالمثوبة العظمى، والكرامة الكبرى في النشأة الأخرى من عنده سبحانه {وَ} بالجملة: {مَن يَتَوَلَّ} ويعرض عنه الله، ولم يشكر لنعمه، ولم يواظب على أداء حقوق كرمه فلا يضره سبحانه، ولا ينقص من علو شأنه وسمو برهانه {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء {هُوَ ٱلْغَنِيُّ} بذاته عن إطاعة عباده، وإنفاقهم وشكرهم وكفرانهم {ٱلْحَمِيدُ} [الحديد: 24] حسب أسمائه وصفاته الذاتية بلا افتقار له إلى محامد مظاهره ومصنوعاته. ثمَّ قال سبحانه على سبيل الامتنان لعموم عباده، وإرشاداً لهم إلى سبل السلامة والسلام، وحثاً لهم إلى الطاعات والعبادات: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا} من مقام عظيم جودنا {رُسُلَنَا} المبعوثين إلى هداية العباد وإرشادهم إلى سبيل الرشاد، وأيدناهم {بِٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات والواضحات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} المشتمل على الآيات الدالة على وحدة ذاتنا، وكمالات أسمائنا وصفاتنا {وَ} أنزلنا معهم {ٱلْمِيزَانَ} الموضوع؛ للقسط والعدالة، كل ذلك {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ} المجبولون على الغفلة والنسيان {بِٱلْقِسْطِ} والعدل فيصيرون مستقيمين على صراط الله الأعدل الأقوم الذي هو الشرع القويم، والدين المستقيم المنزَّل على الرسول المبعوث بالخلق العظيم {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ} لزجر المنحرف العنيد؛ إذ {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} للمائلين عن جادة الشريعة، والمتمردين عن الدين القويم. {وَ} إن كان أيضاً فيه {مَنَافِعُ} كثيرة {لِلنَّاسِ} لتوقف عموم الجرف والصنائع عليه {وَ} إنما أرسل سبحانه من أرسل، وأنزل معه ما أنزل {لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ} أي: يظهر ويميز من عباده {مَن يَنصُرُهُ} سبحانه {وَ} ينصر {رُسُلَهُ} المرسلين من لدنه؛ أي: من ينصر دينه المنزل على كل واحد من رسله المعبوثين من عنده؛ لإظهاره وترويجه {بِٱلْغَيْبِ} أي: قبل قيام الساعة وانكشاف السرائر؛ وما ذلك الإرسال والإنزال منه سبحانه إلاَّ لابتلاء العباد واختبارهم، وإلاَّ فهو منزه في ذاته عن إعانتهم ونصرهم {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على أنواع الإنعام والانتقام {قَوِيٌّ } على إهلاك من أراد إهلاكه {عَزِيزٌ} [الحديد: 25] غالب غلى عموم مقدوراته بلا مظاهرة ومعاونة. وإنما أمر سبحانه عباده بالجهاد؛ لينالوا بامتثاله أعظم المثوبات.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مخبرا عن عموم قضائه وقدره: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ } وهذا شامل لعموم المصائب التي تصيب الخلق، من خير وشر، فكلها قد كتبت في اللوح المحفوظ، صغيرها وكبيرها، وهذا أمر عظيم لا تحيط به العقول، بل تذهل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسير، وأخبر الله عباده بذلك لأجل أن تتقرر هذه القاعدة عندهم، ويبنوا عليها ما أصابهم من الخير والشر، فلا يأسوا ويحزنوا على ما فاتهم، مما طمحت له أنفسهم وتشوفوا إليه، لعلمهم أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، لا بد من نفوذه ووقوعه، فلا سبيل إلى دفعه، ولا يفرحوا بما آتاهم الله فرح بطر وأشر، لعلمهم أنهم ما أدركوه بحولهم وقوتهم، وإنما أدركوه بفضل الله ومنه، فيشتغلوا بشكر من أولى النعم ودفع النقم، ولهذا قال: { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } أي: متكبر فظ غليظ، معجب بنفسه، فخور بنعم الله، ينسبها إلى نفسه، وتطغيه وتلهيه، كما قال تبارك وتعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بل هي فتنة }. تفسير : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } أي: يجمعون بين الأمرين الذميمين، اللذين كل منهما كاف في الشر البخل: وهو منع الحقوق الواجبة، ويأمرون الناس بذلك، فلم يكفهم بخلهم، حتى أمروا الناس بذلك، وحثوهم على هذا الخلق الذميم، بقولهم وفعلهم، وهذا من إعراضهم عن طاعة ربهم وتوليهم عنها، { وَمَنْ يَتَوَلَّ } عن طاعة الله فلا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } الذي غناه من لوازم ذاته، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو الذي أغنى عباده وأقناهم، الحميد الذي له كل اسم حسن، ووصف كامل، وفعل جميل، يستحق أن يحمد عليه ويثنى ويعظم.
همام الصنعاني
تفسير : 3159- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ}: [الآية: 22]، قال: هي السنون، قال: {وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 22]، يقول الأوجاع والأمراض. قال: لغنا أنه ليس أحد يصيبه خدع عُودٍ ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق إلا بذنب، ومَا يعفو الله أكبر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):