٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سبباً لآخره، كما تقول: قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: «حديث : من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» تفسير : وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضاً لأسباب أربعة أحدها: أن الله تعالى علم وقوعه، فلو لم يقع انقلب العلم جهلاً ثانيها: أن الله أراد وقوعه، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنياً ثالثها: أنه تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزاً، رابعها: أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذباً، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص، ومن قدمها إلى الحدوث، ولما كان ذلك ممتنعاً علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع، وحينئذ يزول الغم والحزن، عند ظهور هذه الخواطر وهانت عليه المحن والمصائب، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة والإرادة، ولكنهم يوافقون في العلم والخير، وإذا كان الجبر لازماً في هاتين الصفتين، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم، وذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية، ثم ربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة، ويمتنع وقوع ما يخالفها، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئاً من المؤثرات فهم لا بد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي، وإذا كان اتفاقياً لم يكن اختيارياً، فيكون الجبر لازماً، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء، سواء أقروا به أو أنكروه، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية، قالت المعتزلة: الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكناً مختاراً، وذلك من وجوه الأول: أن قوله: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن والفرح، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة: إن الله تعالى أراد كل ذلك منهم والثالث: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } وهذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء، فهو خلاف قول المجبرة: إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع: أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله: {لّكَيْلاَ } وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض، وأقول: العاقل يتعجب جداً من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده: {بِمَا ءَاتَـٰكُمْ } قصراً، وقرأ الباقون: {ءَاتَـٰكُمُ } ممدوداً، حجة أبي عمرو أن: {آتَـاكُمُ } معادل لقوله: {فَاتَكُمْ } فكما أن الفعل للغائب في قوله: {فَاتَكُمْ } كذلك يكون الفعل للآني في قوله: {بِمَا ءَاتَـٰكُمْ } والعائد إلى الموصول في الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوباً إلى الله تعالى وهو المعطي لذلك، ويكون فاعل الفعل في: {ءَاتَـٰكُمُ } ضميراً عائداً إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه. المسألة الثالثة: قال المبرد: ليس المراد من قوله: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا آتاكم } نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزناً يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم، ولا تفرحوا فرحاً شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم، وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبراً وللخير شكراً. واحتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيراً من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال: المحبة إرادة مخصوصة، وهي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لّكَيْلاَ } كي ناصبة للفعل بمعنى أن أي أخبر تعالى بذلك لئلا {تَأْسَوْاْ } تحزنوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ } فرح بطر بل فرح شكر على النعمة {بِمَا ءاتَٰكُمْ } بالمدّ أعطاكم وبالقصر جاءكم منه {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } متكبر بما أوتي {فَخُورٌ } به على الناس.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَاتَكُمْ} من الدنيا "ع"، أو العافية والخصب قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ {لِّكَيْلا تَأْسَوْاْ} ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن من جعل المصيبة صبراً والخير شكراً.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}[23] قال: في هذه الآية دليل على الرضا في الشدة والرخاء.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} [الآية: 23]. قال سهل رحمة الله عليه فى هذه الآية دلالة على حال الرضا فى الشدة والرخاء. قال القاسم: ما عند الله للعبد فيما يكره خيراً له مما يختاره فيما يحب. وقال: لكى لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم من توبتكم وطاعتكم فإنك لا تدرى ما قدر الله فيك وما قضى. قال الواسطى: تسليمًا للاقتدار ورضًا بما قسم. قال بعضهم: لا تأسوا على القوم الذين تولى الله إضلالهم وصرف قلوبهم عن إدراك حقائق الحكمة. قال بعضهم فى قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ} إى قبل أن نخلق المصيبة ونظهرها على العبد فإنما أخبركم بذلك لكى لا تأسو على ما فاتكم من المصائب فى الأهل والمال ولا تفرحوا بما آتاكم من نعمة وصحة نفس وزيادة مال فإن الخيرة فيما اختار الله لكم وأنتم لا تدرون ما فيه الخيرة لكم فكم من نعمة تجلت عن غمة وكم ترحة انفرجب عن فرحة وأنشد فى أثره: شعر : كم فرحة مطوية لك بين أثناء المصائب ومسرَّة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب تفسير : قال الواسطى فى قوله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} لأن ذلك من عظم المطالبة ولو طالعوا النعوت طبعاً لما حزنوا لحظة، وأن الله كشفها لنا لكى نعتبر بذلك ونعلم أن النواصى بيد القائم عليهم فى كل نفس. وقال السوسى: معناه لا تغتموا بمصائب الدنيا وتركنوا إلى سرورها فإنها فانية. وقال الواسطى: الفرح بالكرامات من الاغترارات والجهالات والتوسل بالأفضال نوع من الابتهال والخمود تحت جريان الأمور زين لكل مأمور. وقال: العارف مستهلك فى كنه المعروف فإذا حصل بمقام المعرفة لا يبقى عليه فضل فرح ولا إساءة. قال الله: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ...} الآية.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ}. عَدَمُ الفرحة بما آتاهم هو من صفات المتحررين من رِقِّ النَّفْس، فقيمةُ الرجالِ تتبين بتغيُّرِهم - فَمَنْ لم يتغيَّرْ بما يَرِدُ عليه - مما لا يريده - من جفاءٍ أو مكروهٍ أو محنة فهو كاملٌ، ومَنْ لم يتغيَّرْ بالمسارّ كما لا يتغير بالمضارِّ، ولا يَسُرُّه الوجودُ كما لا يُحْزِنُه العَدَمُ - فهو سَيِّد وقته. ويقال: إذا أردْتَ أن تعرفَ الرجلَ فاطلبْه عند الموارد؛ فالتغيُّرُ علامةُ بقاء النَّفْس بأيّ وجهٍ كان: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}. فالاختيال من علامات بقاء النفس ورؤيتها، والفخرُ (ناتجٌ) عن رؤيةِ ما به يفتخر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ليكلا تأسوا} يقال أسى على مصيبته يأسى أسى من باب علم اى حزن اى اخبرنا كم باثباتها وكتابتها فى كتاب كيلا يحصل لكم الحزن والألم {على مافاتكم} من نعم الدنيا كالمال والخصب والصحة العافية {ولا تفرحوا بما آتاكم} اى أعطاكم الله فان من علم أن كلا من المصيبة والنعمة مقدر يفوت ما قدر فواته ويأتى ما قدر اتيانه لامحالة لايعظم جزعه على مافات ولا فرحه بما هو آت اذ يجوز أن يقدر ذهابه عن قريب وقيل لبرز جمهر أيها الحكيم مالك لاتحزن على مافات ولا تفرح بما هو آت قال لان الفائت لا يتلافى بالعبرة والآتى لايستدام بالحبرة اى بالحبور والسرور لا التأسف يرد فائتا ولا الفرح يقرب معدوما قال ابن مسعود رضى الله عنه لأن امس جمرة احرقت ما أحرقت وابقت ماابقت احب الى من أن اقول لشىء لم يكن ليته كان (قال الكاشفى) اخبارست بمعنى نهى يعنى ازادبار دنيا ملول واز اقبال او مسرور مشويد كه نه آنرا قر اريست ونه اين را اعتبارى كردست شعر : دهد كراى شادى نكند ورفوت شود نير نير زد بغمى تفسير : واز مرتضى رضى الله عنه منقولست كه هركه بدين آيت كار كند هرآيينه فرا كيردزهد اورا بهردو طرف او يعنى تمام باشد وجه زيبا كفته اند شعر : مال اربتور ونهد مشوشاد ازان ورفوت شود مشو بفرياد ازان بندست بسنديده بكن ياد ازان تادنيى ودينت شود آباد ازان تفسير : والمراد بالآية نفى الأسى المانع عن التسليم لامر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال ولذا عقب بقوله تعالى {والله لايحب كل مختال فخور} فان من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت فى نفسه اختال وافتخر بها لامحالة والمختال المتكبر المعجب وهو من الخيلاء وهو التكبر من تخيل فضيلة تترآءى للانسان من نفسه ومنها يتأول لفظ الخيل لما قيل انه لايركب أحد فرسا الا وجد فى نفسه نخوة وبالفارسية وخداى تعالى دوست ندارد هر متكبرى را كه برنعمت دنيا برديكرى تطاول كند فخور نازنده بدنيا وفخر كننده بدان برا كفاه واقران. قال فى بحر العلوم المختال ذو الخيلاء والكبر وهو من العام المخصوص بدليل قول النبى عليه السلام "حديث : ان من الخيلاء مايحبها الله ومنها مايبغضها الله اما الخيلاء التى يحبها الله فالاختيال عند الصدقة واختيال الرجل بنفسه عند اللقاء واما الخيلاء التى يبغضها الله فالاختيال فى البغى والفجور"تفسير : اى لايحب كل متكبر بما أوتى من الدنيا فخور مبالغ فى الفخر به على الناس انتهى وصف بعض البلغاء متكبرا فقال كأن كسرى حامل غاشيته وقارون وكيل نفقته وبلقيس احدى دايانه وكأن يوسف لم ينظر الا بمقلته ولقمان لم ينطق الا بحكمته وكأن الخضرآء له عرشت والغبرآء باسمه فرشت وفى تخصيص التذييل بالنهى عن الفرح المذكور ايذان بأنه اقبح من الأسى وفى الآية اشارة الا انه يلزم أن يثبت الانسان على حال فى السرآء والضرآء فان كان لابد له من فرح فليفرح شكرا على عطائه لا بطرا وان كان لابد من حزن فليحزن صبرا على قضائه لاضجرا قال قتيبة بن سعيد دخلت على بعض احياء العرب فاذا أنا بفضاء مملوء من الابل الميتة بحيث لاتحصى ورأيت شخصا على تل يغزل صوفا فسألته فقال كانت باسمى فارتجعها من أعطاها ثم أنشأ يقول شعر : لاو الذى انا عبد من خلائقه والمرء فى الدهر نصب الرزء والمحن ماسرنى أن ابلى فى مباركها وما جرى من قضاء الله لم يكن تفسير : قال البقلى قدس سره طالب الله بهذه الآية اهل معرفته بالاستقامة والاتصاف بصفاته اى كونوا فى المعرفة بأن لايؤثر فيكم الفقدان والوجدان والقهر واللطف والاتصال والانفصال والفراق والوصال لان من شرط الاتصاف أن لايجرى عليه احكام التلوين والاضطراب فى اليقين والاعوجاج فى التمكين قال القاسم رحمه الله ولا تأسوا على مافاتكم من اوقاتكم و لاتفرحوا بما آتاكم من توبتكم وطاعتكم فانك لاتدرى ماقدر الله فيك وقضى وقال الواسطى رحمه الله الفرح بالكرامات من الاغترارات والتلذذ بالافضال نوع من الاغفال والخمود تحت جريان الامور زين لكل مأمور وقال شيخى وسندى رحمه الله فى كتاب اللائحات والبرقيات لاتحزنوا بمافاتكم مما سوى الله ولا تفرحوا بما آتاكم مما عدا الله حتى لاتظلموا الحزن والفرح بوضعهما فى غير موضعهما واحزنوا بما فاتكم من الله وافرحوا بماآتاكم من الله حتى تعدلوا فيهما بوضعهما فى موضعهما لان الله تعالى حق وماخلاه باطل فكما ان الحزن والفرح بالحق حق وعدل لهما والفاعل للحق محق وعادل فكذلك ان الحزن والفرح بالباطل باطل وظلم لهما والفاعل بالباطل مبطل وظالم ولايفرح ولا يحزن بالله الا المهاجرون الى الله ولايحزن ولا يفرح بما سوى الله الا المعرضون عن الله فعليك بسبيل العادلين فى جميع احوالك واياك وطريق الظالمين ومما سوى الله المال والملك قال الحسن رضى الله عنه لصاحب المال فى ماله مصيبتان لم يسمع الاولون والآخرون بمثلهما بسلب عن كله ويسأل عن كله شعر : همه تخت وملكى بذيرد زوال بجز ملك فرمان ده لايزال هنر بايد وفضل ودين وكمال كه كاه أيدوكه رود جاه ومال تفسير : (حكى) ان طيرا فى عهد سليمان عليه السلام كان له صورة حسنة وصوت حسن اشتراه رجل بألف درهم وجاء طير آخر فصاح صيحة فوق قفصه وطار فسكت الطير وشكا الرجل الى سليمان فقال احضروه فلما حضروه وقال سليمان لصاحبك عليك حق فقد اشتراك بثمن غال فلم سكت قال يانبى الله قل له حتى يرفع قلبه عنى انى لا أصيح ابدا مادمت فى القفص قال لم قال لان صياحى كان من الجزع الى الوطن والاولاد وقد قال لى ذلك الطير انما حبسك لاجل صوتك فاسكت حتى تنجو فقال سليمان للرجل ماقال الطير فقال الرجل ارسله يانبى الله فانى كنت احبه لصوته فأعطاه سليمان ألف درهم ثم أرسل الطير فطار وصاح سبحان من صورنى وفى الهواء طيرنى ثم فى القفص صيرنى ثم قال سليمان ان الطير مادام فى الجزع لم يفرج عنه فلما صبر فرج عنه وبسببه خلص الرجل من التعلق به ففيه اشارة الى الفناء عن اوصاف النفس فاذا فنى العبد عنها تخلص من الاضطراب وجاز الىعالم السكون ومعرفة سر القدر وفى الحديث "حديث : الايمان بالقدر يذهب الهم والحزن"تفسير : قال الشيخ ابو عبدالله محمد بن على الترمذى الحكيم قدس سره ولقد مرضت فى سالف ايامى مرضة فلما شفانى الله منها مثلت نفسى بين مادبر الله لى من هذه العلة فى مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين فى مقدار ايام علتى فقلت لو خيرت بين هذه العلة وبين أن تكون لى عبادة الثقلين فى مقدار الى أيهما تميل اختيارا فصح عزمى ودام يقينى ووقعت بصيرتى على ان مختار الله تعالى لى اكثر شرفا واعظم خطرا وأنفع عاقبة وهى العلة التى دبرها لى ولا شوب فيه اذ كان فعله فشتان بين فعله بك لتنجو به وبين فعلك لتنجو به فلما رأيت هذا دق فى عينى عبادة الثقلين مقدار تلك المدة فى جنب ما آتانى الله فصارت العلة عندى نعمة وصارت النعمة منه وصارت المنة املا وصار الامل عطفا فقلت فى نفسى بهذا كانوا يستمرون فى البلاء على طيب النفوس مع الحق وبهذا الذى انكشف كانوا يفرحون بالبلاء انتهى (قال الصائب) شعر : تر كهتسى كن كه آسودست از تاراج سيل هركه بيش از سيل رخت خود برون از خانه ريخت
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وقرأ أبو عمرو: {بِمَآ آتَاكُمْ} - بالقصر -، ويكون الفاعل الضمير الراجع إلى الموصول. والآخرون بالمد ليكون هو الضمير العائد إلى اسم الله، و"الهاء" محذوفة من الصلة، تقديره: بما آتاكُمُوه. لمّا ذكر سبحانه أن جميع ما أوجده الله تعالى مثبت في كتاب سابق، أراد أن يعلّل ذلك ويبيّن حكمته فيه، فقال: لكيلا تأسوا ولا تفرحوا. أي: فعلنا ذلك لئلا تحزنوا على ما يفوتكم من نعم الدنيا، ولا تفرحوا بما أعطاكم الله منها، والذي يوجب نفي الأسى والفرح، أن الإنسان إذا علم أن كلّما حكم عليه في القضاء السابق الأزلي ليس إلاَّ من مقتضيات ذوات الأشياء التي لا يمكن التفصي عنها، يحصل له الاطمينان الكلّي والراحة الكلّية بأن كل كمال تقتضيه حقيقته، وكل رزق صوري أو معنوي يطلبه عينه، لا بد أن يصل إليه. كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : أَلاَ إن الروح الأمين نفث في رَوعي: أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأَجْمِلوا في الطلب ". تفسير : فيستريح عن تعب الطلب، وان طلب أَجْمَلَ ولا يخاف من الفوات ولا ينتظر، لعلمه بأن الله سبحانه في كل حين يعطيه من خزائنه ما يناسب وقته واستعداده، فهو واجد دائماً من مقصوده شيئاً فشيئاً، وما لا يقدّر له لا يراه من الغير، فلا يبقى له حزن على فوات شيء. وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. فإن قلت: بعض بني الإنسان ربما كان مقتضى ذاته أموراً لا تلائم نفسه كالفقز، وسوء المزاج، وقلة الاستعداد، ولا يرى سبباً للخلاص، إذ مقتضى الذات لا يزول، فيحصل له غاية الأسىٰ من هذا الوجه ولذلك قيل: "العلم بسر القدر يعطي النقيضين: الراحة الكلية والعذاب الدائم"، فكيف يستقيم الحكم بعدم الأسى والحزن على فوات الأمور؟ قلنا: ليس المراد نفي الأسى والفرح الصادرين عن الشخص بحسب الطبع، بل المراد نفي صدورهما من العاقل على سبيل الاختيار المنبعث عن تصور الفائدة والنفع، وليس للحزن فائدة فيما ذكر. ويمكن أن يقال: إن العالِم بسرّ القدر لا يكون شقياً، والشقي لا يكون عالماً به، فمن قال: "ان العلم بسر القدر يعطي النقيضين" فلا وجه له ظاهراً. وأما ما قيل في بيان عدم الأسىٰ والفرح: ان الإنسان إذا علم أن ما فات منه ضمن الله تعالى العوض عليه في الآخرة، فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أن ما ناله كُلّف الشكر عليه والحقوق الواجبة، فلا ينبغي أن يفرح لذلك، فكلام حسن محمود في المواعظ. فإن قلت: إذا كان عدم الحزن والفرح عند المضرّة والمنفعة الواصلتين للإنسان ليس مقدوراً له إذ لا يملك أحد نفسه عند ورود أحدهما عن أحدهما - فكيف يلائم ويحسن هذا التعليل؟ والعلة الغائية أو الغاية الذاتية للشيء ينبغي أن يكون بينها وبينه علاقة سببية، أو أن تكون الغاية مترتبة على الفعل. قلنا: المراد نفي الأثر المذهل صاحبَه عن الصبر، المانع له عن التسليم لأمر الله، والفرح المُطْغي الملهي عن الشكر، الموجب للبطر والاختيال، فأما الحزن الذي لا يكاد أحد يخلو منه مع الاستسلام لحكم الله والسرور بنعمة الله مع إعطاء حقه - من الشكر - والتفطن لما يلزمه من الانتقال والدثور، والعمل بموجبه فلا بأس بهما. وللإشعار بأن المراد من الفرح المذكور هو الذي يوجب البطر والخيلاء عقّبه بقوله: والله لا يحب كل مختال فخور -، أي: معجب بما أوتي، متكبر على الناس بالدنيا، فإن الفرق بين "الخُيلاء" "والفخر" كالفرق بين "العُجْب" "والتكبر" في أن أحدهما بحسب نفس الموصوف به، والآخر له بالقياس إلى غيره دون مقابله، لأن النكتة في ذكر شقاوة الموصوف بأحد المتقابلين دون الآخر، أن هذا أشقى منه ولأن الإتّصاف بأحد هذين الوصفين يستلزم الإتصاف بالآخر، إذ قلّ من يكون له الفرح المُطْغي عند حظ دنيوي ولا يضطرب عند المصيبة، بل الغالب أن لا تثبت نفسه حالة الضراء، كما لا تثبت نفسه حالة السرّاء، فكل مختال فخور يكون جزوعاً غير صبور، وكلا الأمرين نقص وخِسّة، والله لا يحب كل ناقص خسيس. ففي هذه الآية إشارة إلى أربعة أشياء: أحدها: حسن الخلق. لأن من استوى عنده وجود الدنيا وعدمها لا يَحْسد، ولا يعادي، ولا يشاحّ، لأن جميعها من أسباب سوء الخُلُق، وهي من نتائج النقص والخُسّة. وثانيها: استحقار الدنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن بعدمها، وإليه أشار - عليه وآله والسلام - بقوله: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس أمثال الأباعر". يعني لا يحفل بوجودهم ولا يُغيره ذلك ما لا يَغير بوجود بعير عنده وتمام الخبر: "ثم هو يرجع إلى نفسه فيكون أعظمَ حاقرٍ لها". وثالثها: تعظيم الآخرة لِما سئل فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب، لأنه لما يئس من وجدان اللذة والنعيم في الدنيا، توجه إلى طلبهما في الآخرة، وأهل الدنيا بعكس ذلك، لأنهم لمّا يئسوا من الآخرة ولذّاتها ونعيمها، انكبّوا إلى الدنيا واطمأنّوا بها ويئسوا من الآخرة: {أية : كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الممتحنة:13]. ورابعها: الافتخار بالحق والتشبث به دون أسباب الدنيا، ويروى أن عليَّ بن الحسين (عليهما السلام) جاءه رجل فقال: ما الزهد؟ قال: الزهد عشرة اشياء، فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، أَلاَ وان الزهد في آية من كتاب الله عزّ وجلّ: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} [الحديد:23]. وقيل: لبزرجمهر: مالك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ فقال: لأن الفائت لا يُتلاقى بالعبرة، والآتي لا يُستدام بالخبرة. مكاشفة قد وضح من هذه الآية إن كل ما وقع أو سيقع في هذا العالم مقدّر بهيآته وزمانه، مكتوب بوصفه وخصوصيته في عالم آخر قبل وجوده، فإن اشتبه عليك الحال في الأفعال المنسوبة إلى الاختيار، وتخيّل لك انها على هذا التقدير يلزم أن يكون بالاضطرار، فما بالنا نجد الفرق بين المضطر والمختار؟ ولماذا نتصرف فيها بالتدبير والتغيير ونصرّفها بالتقديم والتأخير؟ ثم إذا كان الكل بالقضاء والقدر، فلماذا يؤاخذ بها ويعاقب عليها، أو يؤجر ويثاب بقصدها؟ وما الفرق بين سَهْوِنا وعَمْدِنا؟ فكيف يتجّه المدح والذم لنا؟ وأي فائدة للتكليف بالطاعات والعبادات، ودعوة الأنبياء بالآيات والمعجزات؟ وأي تأثير للسعي والجهد؟ وأي توجيه للوعيد والوعد؟ وما معنى الابتلاء في قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [الملك:2] وما لا يحصى من الآيات الدالّة على أن مدار التكليف هو الاختيار، وبناء الأمر في الاختبار على الاختيار؟ فتأمل جريان الأمر والنهي في مجاري القضاء والقدر، وتفكّر في سلسلة الأسباب والعلل، وتدبّر في مباني الأمور حق التدبر، ومعاني الآيات بقوة التفكر - ان كنت من أهله وخُلقت لاجله -، عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وينكشف لك ما ينكشف لأهل اليقين والراسخين في العلم، وتتخلص عن الشرك الخفي، فبادِرْ عند التفطن بما يتفطن به العرفاء الكاملون إلى الاعتذار والتوجه والاستغفار. واعلم أن القضاء والقدر إنما يوجبان ما يوجبان بتوسط أسباب وعلل مترتبة منتظمة، بعضها فاعلات مقتضيات كالمبادئ العالية من الجواهر العقلية، وبعضها مدبّرات ومُعِدّات كالنفوس السماوية والحركات والأوضاع الفلكية والصور واللواحق والأمور الجارية مجرى الأشياء الاتفاقية - التي هي لزومية من وجه -، وغيرها من الإدراكات والإرادات الإنسانية، والحركات والسكنات الحيوانية، وبعضها قوابل واستعدادات ذاتية، أو عارضية تختص بسببها بحال دون حال، وصورة دون صورة - ترتيباً وانتظاماً متقناً معلوماً في القضاء السابق -، فاجتماع تلك الأمور من الأسباب والشرائط، مع ارتفاع الموانع، علة تامة يجب عند وجودها ذلك الأمر المدبّر والمقضيّ المقدر، وعند تخلّف واحد منها، أو حصول مانع يبقى وجوده في حيّز الامتناع. ومع قطع النظر عن وجود جميع الأسباب وعدمه يبقى في حيّز الإمكان. فإذا كان من جملة الأسباب - وخصوصاً القريبة منها - وجود هذا الشخص المكلف الإنساني، وادراكه، وعلمه وارادته، وقبوله التكليف بتفكره وتخيّله اللذين يختار بهما أحد طرفي الفعل والترك، كان ذلك الفعل اختيارياً واجباً وقوعه بجميع تلك الأمور المسمّاة علة تامة، ممكناً بالنسبة إلى بعض منها، فوجوبه لا ينافي إمكانه، ومجبوريته لا تنافي كونه بالاختيار، كيف وانه ما وجب إلاَّ بعد كونه ممكناً، وما جبر عليه إلاَّ بعد كونه مختاراً. فمن نظر إلى بعض الأسباب قاصراً نظره إلى القريبة منها، ورآها مؤثرة بالاستقلال قال بالقدر والتفويض - أي بكونها واقعة بقدرتنا الاستقلالية مفوضة الينا -، ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : القدرية مَجُوسُ هذه الأمة" تفسير : لأنها تثبت مبدأين قادرين مستقلّين كالمجوس القائلين بيزدان وأَهْرِمَن، وان أحدهما فاعل الخير، والآخر فاعل الشر بالاستقلال. ومن نظر إلى السبب الأول، وكون تلك الأسباب والوسائط مستندة بأسرها على الترتيب المعلوم في سلسلة العلل والمعلولات إلى الله تعالى استناداً واجباً وترتيباً معلوماً على وفق القضاء والقدر، وقطع النظر عن الأسباب القريبة، أو نفى التأثير مطلقاً في العلل والمعلولات، وأبطل حكمة الله في نظم الأسباب وتقدمها على المسببات قال بالجبر وخَلْق الأفعال، ولم يفرّق بين أفعال الأحياء وأفعال الجمادات. وكلاهما أعور دجّال لا يبصر بإحدى عينيه. أما القدري فبالعين اليمنى - أي النظر الأقوى - الذي به يدرك الحقائق. وأما الجبري فباليسرى - أي الأضعف - الذي به يدرك الظواهر. وأما من نظر حق النظر فأصاب، فقلبه ذو عينين، يبصر الحق باليمنى فيضيف الأفعال إليه - خيرها بالذات وشرّها بالعَرَض -، ويبصر الخلق باليسرى فيثبت تأثيرهم في الأفعال به سبحانه لا بالاستقلال، وبالإعداد لا بالإيجاد، ويتحقق بمعنى قول الصادق (عليه السلام): "لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين" فيتخذه مذهباً، وذلك هو الفضل الكبير. وأما من أضاف الأفعال إلى الله تعالى بنظر التوحيد، وإسقاط الإضافات، ومحو الأسباب والمسببات - لا بمعنى خلق الأفعال فينا أو خلق قدرة وإرادة جديدتين متبائنتين لقدرته وإرادته عند صدور الفعل عنا -، فهو الذي طوى بساط الكون، وخلص عن مضيق البون، وخرج من البين والأين، وفني في العين، لكنه بقي في المحو ولم يجئ إلى الصحو، ما زاغ بصره عن مشاهدة جماله وسبحات وجهه وجلاله، فاضمحلت الكثرة في شهوده، واحتجب التفصيل عن وجوده، وذلك هو الفوز العظيم. فإذا رجع إلى الصحو بعد المحو، ونظر إلى التفصيل في عين الجمع، غير محتجب برؤية الحق عن الخلق، ولا بالخلق عن الحق، ولا مشتغل بوجود الصفات عن الذات، ولا بالذات عن الصفات، فهو الوليّ المحقّ الصِدّيق، صاحب التمكين والتحقيق، ينسب الأفعال إلى الله تعالى بالإيجاد، ولا يسلب عن العباد بالإعداد، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} تفسير : [الأنفال:17]. تكميل وتوضيح فعُلم ممّا ذكر، أن الدعوة والتكليف، والإرشاد والتهذيب، والوعد والترغيب، والإيعاد والتهديد، أمور جعلها الله تعالى مهيّجات الأشواق، ودواعي إلى خيرات وطاعات، واكتساب فضائل وكمالات، ومحرّضات على أعمال حسنة، وعادات محمودة، وأخلاق جميلة، ومَلَكات فاضلة مرضية نافعة في معاشنا ومعادنا، يحسن بها حالنا في دنيانا، وتحصل لنا سعادة عقبانا، أو محذرات عن أضدادها من الشرور والقبائح، والذنوب والرذائل، مما يضرنا في العاجل، ويشقى بنا في الآجل، لم يحصل لنا شيء من الطرفين إلاَّ بتلك الأسباب ونقائضها، حديث : وكانت تلك الوسائط أيضاً مقدّرة لنا، واجبة باختيارنا كما قال - عليه وآله السلام - لمن سأله: هل يغني الدواء والرُّقيَة من قَدَر الله؟ قال: "الدواء والرقية أيضاً من قدر الله..." . تفسير : ولما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : "جف القلم بما هو كائن" قيل: ففيم العمل؟" فقال: "اعملوا، فكلُّ مُيَسّر لما خُلِق له". ولمّا سئل: "أنحن في أمر فُرغَ منه أو أمر مستأنَف"؟ قال: "في أمر فُرغ منه، وفي أمر مستأنف ". تفسير : ومن هذا عُلم أن كل ما يصدر عنّا من الحركات والإرادات، والحسنات والسيئات، محفوظة مكتوبة علينا، واجب صدورها عنّا، مع كونها باختيارنا، كما قال تعالى: {أية : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ* وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} تفسير : [القمر:52 - 53]. وقال: {أية : وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يس:12]. فيه مُعَرّفات لسعادتنا وشقاوتنا في العقبى، وليست بموجبات لهما، وكذلك ما يصل الينا من الرغائب والمكاره، كما قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضرّوك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفّت الصحف ". تفسير : وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "اعلموا علماً يقينياً، أن الله لم يجعل للعبد - وإن اشتد جهده وعَظُمت حيلته وكثرت مكابدته - أن يسبق ما سمّي له في الذكر الحكيم" - أي اللوح المحفوظ - والشواهد في هذا الباب أكثر من أن تحصى. وأما الابتلاء: فهو إظهار ما كتب علينا في القدر، وابراز ما أودع فينا وغرز في طباعنا بالقوة، بما يظهره من الشواهد، ويخرجه إلى الفعل من الوقائع والحوادث والتكاليف الشاقّة، بحيث يترتب عليه الثواب والعقاب، فإنها ثمرات ولوازم وتبعات وعوارض لأمور موجودة فينا بالقوة، فإذا لم تصدر عنّا مباديها في الدنيا، لم تخرج هي إلى الفعل في العقبى، فكما أن المثوبات الأخروية ليست بقصد وإرادة جزافية واقعة من الحق المقدس من النقص والشَين، والتفات حاصِل من العالي بالقياس إلى السافل، بل من باب الاستجرار ونظم الأسباب وترتيب المسببات عليها بحكمة المدبر العليم، وإرادة الصانع الحكيم، الذي له المُلْك والمَلَكوت، وبذاته التامة الفاعلية يفيض الأشياء ويخلق ما يشاء من غير مصلحة زائدة وإرادة متجددة فكذلك العقوبات الإلهية والتعذيبات الأخروية، ليست من باب الانتقام من فاعل يحدث فيه انفعال غضبي ينتقم لأجل التشفّي والتخلّص من حُرقة الغضب وشدة اللهب، بل النفس الشقية العاصية إنما هي حمّالة حطب نيرانها، لسوء أفعالها ورداءة أخلاقها كمن به مرض أدّت نهمته السابقة إلى المحن الشديدة والأوجاع والآلام على سبيل اللزوم والانجرار، لا لمنتقم خارجي، فكيف تحصل الأسباب والمقدمات لشيء ولا تحصل ثمراتها وتبعاتها التي هي عوارضها ولوازمها، والجميع معلومة لله تعالى قبل وجودها ومعه وبعده، من غير تغيّر في ذاته ولا في صفاته، بل باعتبار تجدد الأشياء وتعاقبها في مرتبة حضورها وشهودها التجددي، والتي هي آخر مرتبة من مراتب علمه بالأشياء، التي هي عين الأشياء. فقوله تعالى: {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [محمد:31] وأمثالها، معناه: نعلمهم موصوفين بهذه الصفة، بحيث يترتب عليها الجزاء، وأمّا قبل ذلك الابتلاء، فإنه عَلِمَهُمْ مستعدين للمجاهدة والصبر، صائرين إليها بعد حين. فإن رجعت وقلت: إذا كانت الأسباب والمقدمات - وبالجملة الفضائل والرذائل، والطاعات والمعاصي، والخيرات والشرور - كلها مقدّرة مكتوبة علينا قبل صدورها منّا، معجونة فينا مربوطة بأوقاتها، فما بالنا لا نتساوى في الفضيلة والنقص؟ ولا نتعادل في الخيرات والشرور؟ ولِمَ لا نتشاكل في الطاعات والمعاصي ولا نتماثل؟ وكيف نحترز عمّا يجب الاحتراز عنه فننجو من وباله وتبعاته؟ وبأي شيء يتفضل السعيد على الشقي وقد تساويا فيما قُدّر لهما؟ وأين عَدْلُ الله فينا وقد قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق:29]. {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل:118]. فنجيبك يا أخا الجَدَل بمثل ما قال الشاعر: شعر : هوّن على بصري ما شق منظره فإنما يقظات العين أحلام تفسير : اصبر واستمع ما يشفيك من غيضك، ويكفيك في إزالة ريبك، واعلم أن الأعيان والماهيات متنوعة، والصفات والاستعدادات متفنّنة، والأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الأولى مختلفة في الصفاء والكدورة، والضعف والقوة، مرتبة في درجات القرب والبعد من الله، والمواد السفلية بأزائها بحسب الخلقة متباعدة في اللطافة والكثافة، ومزاجاتها متبائنة في القرب والبعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليتها لما يتعلق بها من الأرواح متفاوتة، وقد قدّر بازاء كل روح ما يناسبه من المواد بحسب الفيض الأقدس، فحصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم والأخلاق والصفات والكمالات، موافق لبعض الأعمال والصناعات دون بعض، على ما قدّر لها في العناية الأولى والقضاء السابق، كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ". تفسير : وتتفاوت العقول والإدراكات والأشواق والإرادات بحسب اختلاف الطبائع والغرائز فيسرع بعضهم بطبعه إلى ما ينفر عنه الآخر، ويستحسن أحدهم بهواه ما يستقبحه الثاني، والعناية الإلهية تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن ويتصور. على أن الموجودات مظاهر لصفاته العليا، ومجالي لأسمائه الحسنى، وهي متخالفة في المفهوم، متباعدة في المعنى، مع أحدية ذاته الحقة وبساطة حقيقته المقدسة، فكل واحد من الممكنات مبدؤه ومعاده إلى اسم من الأسماء الإلهية، محكوم بحكمه، ملائم لما يتوجه إليه، مناسب لما يبتدأ منه "وكلُّ مُيَسّر لما خُلِقَ له"، {أية : سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} تفسير : [إبراهيم:2]. كيف؛ ولو تساوت الأشياء في الاستعدادات، لفات الحسن في ترتيب النظام، وارتفع الصلاح عن العالم، ولبقوا كلهم في طبقة واحدة، على حالة واحدة، في مرتبة واحدة، ولا تتمشى أمورهم، ولبقيت في كتم العدم المراتب الباقية - مع إمكان وجودها -، فكان حيفاً عليها وَجَوْراً، لا عدلاً وقسطاً، وبقي الاحتياج إليها في العالم مع فقدها، فالعدل هو تسوية المواد والأشباح بحسب الصور والأرواح، وتعديل الأمزجة بحسب الأنواع، وتوزيعها على الأصناف والأشخاص، وتوجيه الأفراد من الأجناس إلى ما يناسبها من الأمور والأشغال. فمن أساء عمله، وأخطأ في اعتقاده، فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره وكثافة طبعه وقصور استعداده، وكان أهلاً للشقاوة في معاده، ينادى على لسان المالك: مهلاً "فيداك أو كتاوفوك نفخ" {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:118 - 119] واختلاف الغرائز كاختلاف الأشكال والطبائع. وأمّا أنه كيف السبيل إلى الاحتراز عمّا يجب الاحتراز عنه: فإن شريف النفس بحسب الجوهر الطيّب الأصل، قلّما يهمّ بشيء خسيس مما ليس في فطرته، ولم يقدر له من الفواحش والرذائل لعدم المناسبة، وإذا همّ نادراً لغلبة صفة من صفات نفسه وقواه، واستيلاء هواه، وهيجان شهوة أو غضب فيه بأمر قبيح، ينزجر بأقلّ زاجر من عقله وهداه، وربما يعود قبل صدور الفعل وامضاء الهمّ النفساني إلى عقله وتقواه من غير عزم على الفعل، كما قال تعالى في يوسف: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}تفسير : [يوسف:24]. وإذا كان دون ذلك في صفاء الفطرة والاستعداد، فلا ينزجر بزاجر من الشرع والسياسة والناصح والأديب، لخسّة نفسه وخبث جوهره ودناءة طبعه، وكل يشتاق إلى ما يفعله بطبعه، ويحبه ويستحسنه، وان كان الآخر يعلم أن ضدّه أجود وأحسن، كمحبة الزنجي ولده مع قبحه، دون الغلام التركي مع علمه بحسنه. ولكل من القسمين مرتبة خالصة عن الآخر، وطبقات متفاوتة متفاضلة يكون في كل منها نصيب من الآخر المقابل له، وتكون النجاة ومقابلها بحسب الغلبة لصفات الخير على صفات الشر أو بالعكس. وبالجملة، فأعظم السعادات مطلقاً لأجود الاستعدادات، وأكمل الكمالات لأشرف الأرواح الذي هو القطب الحقيقي، والحقيقة المحمّدية - وهو القطب المطلق -، لا القطب الإضافي بحسب كل وقت وزمان - كسائر الأنبياء سابقاً وسائر الأولياء لاحقاً. سيّما أولاده المعصومين - سلام الله عليهم أجمعين -، كما قال الله تعالى: {أية : تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة:253] - إلى قوله تعالى - {أية : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}تفسير : [البقرة:253]. وقوله: {أية : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} تفسير : [آل عمران:34]. فله المرتبة العظمى في الاستعداد، والسعادة الكبرى في المعاد، المعبر عنها "بأعلى علِّيّين"، وكلما قصر الاستعداد نقصت السعادة، وقصر العرض بينها وبين الشقاوة القصوى المعبر عنها "بأسفل سافلين"، فلكل صفو كدر، ولكل صاف عَكَر، وتقابل كل نور ظلمة، وبإزاء كل حُسْن قبح. والسعادة قسمان: دنيوية واخروية: والدنيوية قسمان: بدنية كالصحة والسلامة، ووفور القوة والشهامة. وخارجية كترتب أسباب المعاش، وحصول ما يحتاج إليه من المال. والأخروية أيضاً قسمان: علمية كالمعارف والحقائق. وعملية كالطاعات. والأولىٰ جنّة المقربين. والثانية جنّة أصحاب اليمين، وكما أن الحُسْنَ والجمال من عوارض القسم الأول من الدنيوية، فالفضائل والأخلاق الجميلة من عوارض القسم الأول من الأخروية. وتتعدد أقسام الشقاوة بازائها. قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): "صف العالم"؟ فوصفه. فقيل: "صف الجاهل"؟ قال: قد فعلت. فالسعادة والشقاوة بحسب العلم والجهل ذاتيان أزلاً وأبداً، مخلدتان دائماً وسرمداً. وبحسب الأعمال الحسنة والسيئة تترتب عليهما المكافآت والمجازاة، وتتقدر بحسبهما المثوبات والعقوبات، كقوله تعالى: {أية : جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [التوبة:82]. ولا تكون هذه الشقاوة مخلّدة إلاَّ ما شاء الله، وقد يتركب بعضها مع بعض وينفرد، إلاَّ أن أكثر السيئات وأكبرها يتبع الجهل، وأغلب الحسنات وأعظمها يتبع العلم. اللهم اجعلنا من السعداء المقبولين، ولا تجعلنا من الأشقياء المردودين. ولقد أشبعنا في الكلام، ونقلنا شطراً من كتب الكرام، لكثرة تحيّر الناس في هذا المقام، وقد بقي بعدُ خبايا من الخفايا بها يتم المرام، تركناها في سنبله مخافة شنعة اللئام، الذين آرادوا أن يَعْرُجُوا إلى كنه المعارف بعلم الكلام، الموضوع لحراسة عقائد العوام من إفساد المجالدين الخصام، وقطّاع طريق النجاة في الإسلام، وقد فرّقنا كثيراً من المكاشفات المتكررة المتعلقة بهذا المقصد في كتبنا ورسائلنا، سيّما ما يتعلق بتعذيب الجاحدين والكافرين مؤبداً، وبقائهم في الجحيم مخلداً. وفيما ذكرناه كفاية لمن تيسّر له، ولا ينجع أكثر من لمن تعسر عليه، فليرجع من أراد الوقوف والاطّلاع إليه، وبالله العياذ من التقصير، وبه يتيسر كل عسير.
اطفيش
تفسير : {لِّكَيْلا تَأَسَوْا} أي اثبت ذلك وكتبه لكيلا تحزنوا حزناً يخرج عن الرضى بالقدر.{عَلَى مَافَاتَكُمْ} من نعم الدنيا. {وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} أعطاكم وقرىء بالقصر أي جاءكم أي ولكيلا تفرحوا فرح بطر فإن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يشتد جزعه عند فقده لانه وطن نفسه على ذلك ومن علم ان بعض الخير واصل اليه وان وصوله لا يفوته مجال لم يعظم فرحه عند نيله وأصل الحزن والفرح ضروري لا يخلو منه أحد لكن المراد بالحزن والفرح المنفيين الحزن المذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله ورجاء ثواب الصابرين والفرح المطغي الملهي عن الشكر ولا بأس بفرح الشكر عن النعمة وفي قراءة القصر وهي لأبي عمر معادلة لفاتكم وفي الاول أشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت واطباعها واما حصولها وبقاءها فلا بد لها من سبب يوجدها ويبقيها. وقرأ ابن مسعود بما أوتيتم وهي مثل هذه قال ابن عباس وعكرمة: ليس احداً لا يفرح ويحزن لكن اجعلوا الحزن صبرا والفرح شكراً وعن جعفر بن محمد الصادق يا بان آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده اليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت وفي الحديث "حديث : ما يصيب المسلم من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته"تفسير : وفي الحديث "حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له فيها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"تفسير : ولما نزل من يعمل سوء يجزيه بلغت من المسلمين مبلغاً شديدا فقال رسول الله "حديث : سددوا وقاربوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها ". تفسير : وعن ابن عمر ما أبالي على أي حال رجعت إلى أهلي لئن كانوا على عسر اني لانتظر اليسر ولئن كانوا على يسر إني لانتظر العسر وعن حذيفة رضي الله عنه أن أقر أيامي لعيني يوم أرجع إلى أهلي وهم يشكون إلي الحاجة وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: "ما أبالي أي حال سبق إلى يسر أم عسر لان احدهما يتلوا صاحبه" قالت كمس امرأة مسروق ما قلت لمسروق قط ما أصبح لعيالك اليوم رزق إلا تبسم وقال أيم الله ليأتينهم الله برزق. {وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ} مكتبر بما أوتي {فَخُورٍ} به على الناس دليل على ان الفرح المذكور هو الموجب للبطر والاختيال.
الالوسي
تفسير : {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ } أي أخبرناكم بذلك لئلا تحزنوا {عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من نعم الدنيا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتَـٰكُمْ } أي أعطاكموه الله تعالى منها فإن من علم أن الكل مقدر يفوت ما قدّر فواته ويأتي ما قدّر إتيانه لا محالة لا يعظم جزعه على ما فات ولا فرحه بما هو آت. وعلم كون الكل مقدراً مع أن المذكور سابقاً المصائب دون النعم وغيرها لأنه لا قائل بالفرق وليس في النظم الجليل اكتفاء كما توهم، نعم إن حملت المصيبة على الحوادث من خير وشر كان أمر العلم أوضح كما لا يخفى، وترك التعادل بين الفعلين في الصلتين حيث لم يسندا إلى شيء واحد بل أسند الأول إلى ضمير الموصول والثاني إلى ضميره تعالى، لأن الفوات والعدم ذاتي للأشياء فلو خليت ونفسها لم تبق بخلاف حصولها وبقائها فإنه لا بد من استنادهما إليه عز وجل كما حقق في موضعه، وعليه قول الشاعر: شعر : فلا تتبع الماضي سؤالك لم مضى وعرج على الباقي وسائله لم بقي تفسير : ومثل هذه القراءة قراءة عبد الله ـ أوتيتم ـ مبنياً للمفعول أي أعطيتم، وقرأ أبو عمرو ـ أتاكم ـ من الإتيان أي جاءكم وعليها بين الفعلين تعادل، والمراد نفي الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى ورجاء ثواب الصابرين ونفي الفرح المطغي الملهي عن الشكر، وأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة الله تعالى والاعتداد بها مع الشكر فلا بأس بهما. أخرج جماعة منهم الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه قال في الآية: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبراً ومن أصابه خير جعله شكراً. وقوله تعالى: / {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تذييل يفيد أن الفرح المذموم هو الموجب للبطر والاختيال، والمختال المتكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه، والفخور المباهي في الأشياء الخارجة عن المرء كالمال والجاه. وذكر بعضهم أن الاختيال في الفعل، والفخر فيه وفي غيره، والمراد من لا يحب يبغض إذ لا واسطة بين الحب والبغض في حقه عز وجل وأُوِّلا بالإثابة والتعذيب، ومذهب السلف ترك التأويل مع التنزيه، ومن لا يحب كل مختال لا يحب كل فرد فرد من ذلك لا أنه لا يحب البعض دون البعض ويرد بذلك على الشيخ عبد القاهر في قوله: إذا تأملنا وجدنا إدخال كل في حيز النفي لا يصلح إلا حيث يراد أن بعضاً كان وبعضاً لم يكن، نعم إن هذا الحكم أكثري لا كلي.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَاكُمْ} (23) - وَقَدْ أَعْلَمَكُمُ اللهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ بِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ لِمَا سَيَقَعُ مِنَ الأَحْدَاثِ، وَبِسَبْقِ كِتَابَتِهِ كُلَّ مَا سَيَقَعُ قَبْلَ حُدُوثِهِ، لِتَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَصَابَكُمْ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكُمْ، فَلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَتَحَسَّرُوا، وَلِكَيْلاَ تَقُولُوا: لَوْ فَعَلْنَا كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَلَوْ لَمْ نَفْعَلْ كَذَا لمَا كَانَ كَذَا. وَلِكَيْلاَ تَفْخَرُوا عَلَى النَّاسِ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسَعْيِكُمْ، وَلاَ بِكَدِّكُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ قَدَرِ اللهِ وَرِزْقِهِ، فَلاَ تَتَّخِذُوا نِعْمَةَ اللهِ أَشَرَاً وَبَطَراً، وَتَفْخَرُوا بِهَا عَلَى النَّاسِ. المُخْتَالُ - المُتَكَبِّرُ بِسَبَبِ فَضْلَةٍ يَرَاهَا فِي نَفْسِهِ. الفَخُورُ - المُبَاهِي بِالأَشْيَاءِ العَارِضَةِ كَالمَالِ وَالجَمَالِ. لِكَيْلاَ تَأْسَوْا - لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا حُزْنَ قُنُوطٍ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} أي لا تَحزَنوا {وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} ليس من أحدٍ إلاّ ويَحزنُ ويَفرحُ. ولكن من أصابهُ خيرٌ فليجعلهُ شكراً. ومن أصابتهُ مصيبةٌ فَليَجْعَلْها صبراً. وقوله تعالى: {لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} معناه مُتكبرٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):