٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية قولان: الأول: أن هذا بدل من قوله: {أية : كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } تفسير : [الحديد: 23] كأنه قال: لا يحب المختال ولا يحب الذين يبخلون يريد الذين يفرحون الفرح المطغى فإذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبهم له وعزته عندهم يبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا به بل يأمرون الناس بالبخل به، وكل ذلك نتيجة فرحهم عند إصابته، ثم قال بعد ذلك: {وَمَن يَتَوَلَّ } عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته عما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه القول الثاني: أن قوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، وهو في صفة اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ويخلوا ببيان نعته، وهو مبتدأ وخبره محذوف دل عليه قوله: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } وحذف الخبر كثير في القرآن كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31]. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي: قرأ نافع وابن عامر {فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ }، وحذفوا لفظ {هُوَ } وكذلك {هُوَ } في مصاحف أهل المدينة والشأم، وقرأ الباقون {هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } قال أبو علي: ينبغي أن هو في هذه الآية فصلاً لا مبتدأ، لأن الفصل حذفه أسهل، ألا ترى أنه لا موضع للفصل من الإعراب، وقد يحذف فلا يخل بالمعنى كقوله: {أية : إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } تفسير : [الكهف: 39]. المسألة الثالثة: قوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } معناه أن الله غني فلا يعود ضرر عليه ببخل ذلك البخيل، وقوله: {ٱلْحَمِيدِ } كأنه جواب عن السؤال يذكر ههنا، فإنه يقال: لما كان تعالى عالماً بأنه يبخل بذلك المال ولا يصرفه إلى وجوه الطاعات، فلم أعطاه ذلك المال؟ فأجاب بأنه تعالى حميد في ذلك الإعطاء، ومستحق للحمد حيث فتح عليه أبواب رحمته ونعمته، فإن قصر العبد في الطاعة فإن وباله عائد إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ } بما يجب عليهم {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } به لهم وعيد شديد {وَمَن يَتَوَلَّ } عما يجب عليه {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ } ضمير فصل وفي قراءة بسقوطه {ٱلْغَنِىُّ } عن غيره {ٱلْحَمِيدُ } لأوليائه.
ابن عطية
تفسير : اختلف النحاة في إعراب: {الذين} فقال بعضهم: هم في موضع رفع على الابتداء، والخبر عنهم محذوف معناه الوعيد والذم، وحذفه على جهة الإبهام كنحو حذف الجواب في قوله تعالى: {أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض} تفسير : [الرعد: 32] الآية، وقال بعضهم هم رفع على خبر الابتداء تقديره هم الذين {يبخلون}. وقال بعضهم في موضع نصب صفة لـ {كل} [الحديد: 23]، لأن كلاًّ وإن كان نكرة فهو يخصص نوعاً ما فيسوغ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهب الأخفش. و: {يبخلون} معناه: بأموالهم وأفعالهم الحسنة من إيمانهم وغير ذلك. وقوله تعالى: {ويأمرون الناس} يحتمل أن يصفهم بحقيقة الأمر بألسنتهم، ويحتمل أن يريد أنهم يقتدى بهم في البخل فهم لذلك كأنهم يأمرون. وقرأ الحسن: "بالبَخَل" بفتح الباء والخاء. وقرأ جمهور القراء وأهل العراق: "فإن الله هو الغني الحميد" بإثبات: "هو"، وكذلك في "إمامهم". وقرأ نافع وابن عامر: "فإن الله الغني الحميد" بترك "هو"، وهي قراءة أهل المدينة، وكذلك في "إمامهم"، وهذا لم يثبت قراءة إلا وقد قرئ على النبي صلى الله عليه وسلم بالوجهين. قال أبو علي، فـ "هو" في القراءة التي ثبت فيها يحسن أن يكون ابتداء، لأن حذف الابتداء غير سائغ. و: {الكتاب} اسم جنس لجميع الكتب المنزلة. {والميزان}: العدل في تأويل أكثر المتأولين. وقال ابن زيد وغيره من المتأولين: أراد الموازين المصرفة بين الناس، وهذا جزء من القول الأول. وقوله: {ليقوم الناس بالقسط} يقوي القول الأول. وقوله تعالى: {وأنزلنا الحديد} عبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال كما قال في الثمانية الأزواج من الأنعام، وأيضاً فإن الأمر بكون الأشياء لما تلقى من السماء، جعل الكل نزولاً منها. وقال جمهور كثير من المفسرين: {الحديد} هنا: أراد به جنسه من المعادن وغيرها. وقال ابن عباس: نزل آدم من الجنة ومعه السندان والكلبتان والميقعة، قال حذاق من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأن الله أخبر أنه أرسل رسله وأنزل كتباً وعدلاً مشروعاً وسلاحاً يحارب به من عند ولم يهتد بهدي الله فلم يبق عذر، وفي الآية على هذا التأويل حض على القتال وترغيب فيه. وقوله: {وليعلم الله من ينصره} يقوي هذا التأويل، ومعنى قوله: {ليعلم} أي ليعلمه موجوداً فالتغير ليس في علم الله، بل في هذا الحدث الذي خرج من العدم إلى الوجود. وقوله: {بالغيب} معناه: بما سمع من الأوصاف الغائبة فآمن بها لقيام الأدلة عليها. ثم وصف تعالى نفسه بالقوة والعزة ليبين أنه لا حاجة به إلى النصرة، لكنها نافعة من عصم بها نفسه من الناس. ثم ذكر تعالى رسالة "نوح وإبراهيم" تشريفاً لهما بالذكر، ولأنهما من أول الرسل. ثم ذكر تعالى نعمه على {ذريتهما}. وقوله تعالى: {والكتاب} يعني الكتب الأربعة، فإنها جميعاً في ذرية إبراهيم عليه السلام. وذكر أنهم مع ذلك منهم من فسق وعند، فكذلك بل أحرى جميع الناس، ولذلك يسر السلاح للقتال.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بالعلم {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ} بأن لا يعلموا شيئاً، أو بما في التوراة من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، أو بحقوق الله في أموالهم، أو بالصدقة والحقوق، أو بما في يديه.
الثعالبي
تفسير : وقوله: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} قال بعضهم: هو خبر مبتدإ محذوف تقديره: هم الذين يبخلون، وقال بعضهم: هو في موضع نصب؛ صِفَةً لـ{كُلٌّ}، وإنْ كان نكرةً فهو يُخَصَّصُ نوعاً ما؛ فيسوغُ لذلك وصفه بالمعرفة، وهذا مذهبُ الأخفش، و{ٱلْكِتَـٰبَ} هنا: اسم جنس لجميع الكتب المُنَزَّلَةِ، {وَٱلْمِيزَانَ}: العدل في تأويل الأكثرين. وقوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} عَبَّرَ سبحانه عن خلقه الحديدَ بالإنزال؛ كما قال: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ } تفسير : [الزمر:6] الآية، قال جمهورٌ من المفسرين: الحديد هنا أراد به جِنْسَهُ من المعادن وغيرها، وقال حُذَّاقٌ من المفسرين: أراد به السلاح، ويترتب معنى الآية بأَنَّ اللَّه أخبر أَنَّهُ أرسل رُسُلاً، وأنزل كتباً، وعدلاً مشروعاً، وسلاحاً يُحَارَبُ به مَنْ عاند، ولم يقبل هدى اللَّه؛ إذْ لم يبقَ له عذر، وفي الآية ـــ على هذا التأويل ـــ حَضٌّ على القتال في سبيل اللَّه وترغيبٌ فيه. وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} يقوِّي هذا التأويل. وقوله: {بِٱلْغَيْبِ} معناه: بما سمع من الأَوصاف الغائبة عنه فآمن بها، وباقي الآية بين. وقوله سبحانه: و{قَفَّيْنَا} معناه: جئنا بهم بعد الأولِينَ، وهو مأخوذ من القفا، أي: جيء بالثاني في قَفَا الأَوَّلِ، فيجيء الأول بين يدي الثاني، وقد تقدم بيانه. وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً}: الجعل في هذه الآية بمعنى الخلق. وقوله: {ٱبتَدَعُوهَا}: صفة لرهبانية، وخَصَّها بِأَنَّها ابْتُدِعَتْ؛ لأََنَّ الرأفة والرحمةَ في القلب، لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها، وَأَمَّا الرهبانيةُ فهي أفعال بدن مع شيء في القلب، ففيها موضعٌ لِلتَّكَسُّبِ، ونحو هذا عن قتادة، والمراد بالرأفة والرحمة حُبُّ بعضهم في بعض وتوادُّهُم، والمراد بالرهبانية: رَفْضُ النساء، واتخاذ الصوامع والديارات، والتفردُ للعبادات، وهذا هو ابتداعهم، ولم يَفْرِضِ اللَّه ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك؛ ابتغاءَ رضوان اللَّه؛ هذا تأويل جماعة، وقرأ ابن مسعود: «مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ لَكِنِ ٱبْتَدَعُوهَا» وقال مجاهد: المعنى: كتبناها عليهم ابتغاءَ رضوان اللَّه، فالاستثناء على هذا مُتَّصِلٌ، واخْتُلِفَ في الضمير الذي في قوله: {فَمَا رَعَوْهَا} مَنِ المراد به؟ فقال ابن زيد وغيره: هو عائد على الذين ابتدعوا الرهبانِيَّة، وفي هذا التأويل لزومُ الإتمام لِكُلِّ مَنْ بدأ بتطوُّعٍ ونَفْلٍ، وأَنَّهُ يلزمُه أَنْ يرعاه حَقَّ رعيه، وقال الضَّحَّاكُ وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين لها، ورُوِّينَا في « كتاب الترمذيِّ» عن كثير بن عبد اللَّه المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جدِّه: «حديث : أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لبِلال بن الحارث: اعْلَمْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اعْلَمْ يَا بِلاَلُ! قَالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَّهُ مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنِ ٱبْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ، لاَ يَرْضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهَا ـــ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئاً»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما كان من جملة صفات المختال المكاثر بالمال البخل، وكان قد تقدم الحث على الإنفاق، وكان ما يوجبه لذة الفخار والاختيال التي أوصل إليها المال حاملة على البخل خوفاً من الإقتار الموجب عند أهل الدنيا للصغار، قال تعالى واصفاً للمختال أو {لكل}: {الذين يبخلون} أي يوجدون هذه الحقيقة مع الاستمرار {ويأمرون الناس} أي كل من يعرفونه {بالبخل} إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة فيحامون عنهم أو أنهم يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال التي حصلها لهم البخل استدراجاً من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رآهم عظموا بالمال بخل ليكثر ماله ويعظم، وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم عند إصابته، فكانوا آمرين بالبخل لكونهم أسباباً له والسبب كالآمر في إيجاد شيء. ولما كان التقدير: فمن أقبل على ما ندب إليه من الإقراض الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم، عطف عليه قوله ذاماً للبخل محذراً منه: {ومن يتول} أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ما في فطرته من محبة الخير والإقبال على الله {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {هو} أي وحده {الغني} أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله مفتقر {الحميد *} أي المستحق للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا، وقراءة نافع وابن عامر بإسقاط هو مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت قراءة الجماعة آكد. ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة، وانتشر نورها حتى ملأ الأكوان، وعلا علواً تضاءل دون عليائه كيوان، وكان فيما تقدم شرح مآل الدنيا وبيان حقيقتها، وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من التفاخر وما شاكله وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلاً منه وانقياداً مع طبعه، وكان ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة، قال تعالى نافياً ذلك في جواب من توقع الإخبار عن سائر الأنبياء: هو أوتوا من البيان ما أزال اللبس، مؤكداً لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات الحاضرة والكتب الباقية، معلماً أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف، فإن الحكيم العظيم تأبى عظمته وحكمته أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه، وقسر يكفيه عما يطغيه: {لقد أرسلنا} أي بما لنا من العظمة {رسلنا} أي الذين لهم نهاية الإجلال بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام، ومن الأنبياء إلى الأمم {بالبينات} أي الموجبة للإقبال في الحال لكونها لا لبس فيها أصلاً، ودل على عظمة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم بالإرسال كأنهم أتوا إلى العباد من موضع عال جداً فقال: {وأنزلنا} بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها {معهم الكتاب} أي الحافظ في زمن الاستقبال في الأحكام والشرائع. ولما كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل، وصبر كبير وعلم كثير - قال الرازي: وبهذا قيل: لولا الكتاب لأصبح العقل حائراً ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب، عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير، والجاهل والنحرير، وهو أقرب الأشياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع لما يراد فقال: {والميزان} أي العدل والحكمة، ولعله كل ما يقع به التقدير حساً أو معنى، وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه، فمن حكم الكتاب خالياً عن حظ نفس وصل إلى المقصود {ليقوم الناس} أي الذين فيهم قابلية التحرك إلى المعالي كلهم {بالقسط} أي العدل الذي لا مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم، هذا لمن أذعن للبينات لذات من أقامها أو للرغبة فيها عنده. ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في الإيضاح موجباً للرد عن الفساد بأنواع الجهاد، قال مهدداً وممتناً ترغيباً وترهيباً معبراً عن الخلق بالإنزال تشريفاً وتعظيماً: {وأنزلنا} أي خلقنا خلقاً عظيماً بما لنا من القدرة {الحديد} أي المعروف على وجه من القوة والصلابة واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض، فلذلك سمي إيجاده إنزالاً، ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على أيدي الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار، والبدائع والأسرار، لأن الماء الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة الرحمن للنطفة. ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله، قال: {فيه بأس} أي قوة وشدة وعذاب {شديد} لما فيه من الصلابة الملائمة للمضاء والحدة {ومنافع للناس} بما يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك، قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها. ولما كان التقدير: ليعلم الله من يعصيه ويخذل أولياءه، بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه، عطف عليه قوله: {وليعلم الله} أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم، وأوقع ضمير الدين عليه سبحانه تعظيماً له لأنه شارعه فقال: {من ينصره} أي يقبل مجداً على الاستمرار على نصر دينه {ورسله} بالذب عنهم والدعاء إليهم، كاثناً ذلك النصر {بالغيب} من الوعد والوعيد، أي بسبب تصديق الناصر لما غاب عنه من ذلك، أو غائباً عن كل ما أوجب له النصرة، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ينصرونه ولا يبصرونه - انتهى. فلم يدع سبحانه في هذه الآية لأحد عذراً بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي عنهم اللبس، والكتاب العالي عن كلام الخلق، والعقل الذي عرف العدل، والسلاح الذي يرد أولي الجهل، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : بعثت بين يدي الساعة بالسيف"تفسير : فبيان الشرائع بالكتاب، وتقويم أبواب العدل بالميزان، وتنفيذ هذه المعاني بالسيف، فإن مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها، فالملك والدين توأمان، فالدين بلا ملك ضائع، والملك من غير دين باطل، والسلطان ظل الله في الأرض، فظواهر الكتاب للعوام، ووزن معارفه لأهل الحقائق بالميزان، ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف، لأن تشويش الدين منه - نبه عليه الرازي. ولما كان طالب النصرة مظنة لتوهم الضعف، قال نافياً لذلك مؤكداً قطعاً لتعنت المتعنتين مظهراً للاسم الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات الكمال لا يمكن أن تطرقه حاجة: {إن الله} أي الذي له العظمة كلها. ولما لم يكن هنا داع إلى أكثر من هذا التأكيد: بخلاف ما أشير إليه من الإخراج من الديار المذكورة في الحج ونحوه، قال معلماً بأنه غني عن كل شيء معرياً الخبر من اللام: {قوي} أي فهو قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أولياءه {عزيز *} فهو غير مفتقر إلى نصر أحد، وإنما دعا عباده إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم من أراد بامتثال المأمور، ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي، ببنائه هذه الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب.
ابو السعود
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} بدلٌ من كلِّ مختالٍ، فإنَّ المختالَ بالمالِ يضنُّ به غالباً ويأمرُ غيرَهُ به. أو مبتدأٌ خبرُهُ محذوفٌ يدلُّ عليه قولُه تعالَى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ} فإنَّ معناهُ ومَنْ يُعرضُ عن الإنفاقِ فإنَّ الله غنيٌّ عنْهُ وعنْ إنفاقه محمودٌ في ذاتِه لا يضرُّه الإعراضُ عن شكرهِ بالتقربِ إليهِ بشيءٍ من نعمهِ، وفيه تهديدٌ وإشعارٌ بأنَّ الأمرَ بالإنفاقِ لمصالحةِ المُنفقِ. وقُرِىءَ فإنَّ الله الغنيُّ. {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} أي الملائكةَ إلى الأنبـياءِ أو الأنبـياءَ إلى الأممِ وهُو الأظهرُ {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي الحججِ والمعجزاتِ {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} أي جنسَ الكتابِ الشاملِ للكُلِّ {وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدلِ. رُويَ (أنَّ جبريلَ عليهِ السَّلامُ نزلَ بالميزانِ فدفعَهُ إلى نوحٍ عليهِ السَّلامُ وقالَ مُرْ قومَكَ يزنُوا بهِ)، وقيلَ أُريدَ به العدلُ ليقامَ بهِ السياسةُ ويدفعَ به العُدوانُ. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} قيلَ: نزلَ آدمُ عليهِ السلام من الجنَّةِ ومعَهُ خمسةُ أشياءَ منْ حديدٍ: السندانُ والكلبتانِ والميقعةُ والمطرقةُ والإبرةُ، ورُويَ ومعَهُ المرُّ والمِسحاتُ. وعنِ الحسنِ: وأنزلنَا الحديدَ خلقنَاهُ كقولِه تعالَى وأنزلَ لكُم من الأنعامِ وذلكَ أنَّ أوامرَهُ تعالَى وقضايَاهُ وأحكامَهُ تنزل من السماءِ. وقولُه تعالى: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} لأنَّ آلاتِ الحروبِ إنَّما تتخذُ منْهُ {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} إذْ مَا من صنعةٍ إلاَّ والحديدُ أو ما يُعملُ بالحديدِ آلتُها. والجملةُ حالٌ من الحديدِ. وقولُه تعالَى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ} عطفٌ على محذوفٍ يدلُّ عليه ما قبلَهُ فإنَّه حالٌ متضمنةٌ للتعليلِ كأنَّه قيلَ ليستعملُوه وليعلمَ الله علماً يتعلقُ به الجزاءُ من ينصرُه ورسلَهُ باستعمالِ السيوفِ والرماحِ وسائِر الأسلحةِ في مجاهدةِ أعدائِه أو متعلقٌ بمحذوفٍ مؤخرٍ والواوُ اعتراضيةٌ أي وليعلمَ الله مَنْ ينصرُه ورسلَهُ أنزلَه وقيلَ عطفٌ على قولِه تعالَى ليقومَ النَّاسُ بالقسطِ. وقولُه تعالى: {بِٱلْغَيْبِ} حالٌ من فاعلِ ينصرُ أو مفعولِه أي غائباً عنْهم أو غائبـينَ عنه. وقولُه تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} اعتراضُ تذيـيليٌّ جىءَ به تحقيقاً للحقِّ وتنبـيهاً على أنَّ تكليفَهُم الجهادَ وتعريضَهُم للقتالِ ليسَ لحاجتِه في إعلاءِ كلمتِه وإظهارِ دينِه إلى نصرتِهم بلْ إنَّما هُو لينتفعُوا بهِ ويصلُوا بامتثال الأمر فيه إلى الثوابِ وإلاَّ فهُو غنيٌّ بقدرتِه وعزتِه عنهُم في كلِّ ما يريدُه. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ} نوعُ تفصيلٍ لَما أُجملَ في قولِه تعالَى لقد أرسلنَا رسلنَا إلخ. وتكريرُ القسمِ لإظهار مزيدِ الاعتناءِ بالأمر أيْ وبالله لَقْد أرسلناهُمَا {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} يأنِ استنبأناهُم وأوحينَا إليهم الكتبَ وقيلَ المرادُ بالكتابِ الخطُّ بالقلمِ {فَمِنْهُمْ} أي من الذرية أو من المرسل إليهم المدلولِ عليهم بذكر الإرسالِ والمرسلينَ {مُّهْتَدٍ} إلى الحقِّ {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجونَ عن الطريق المستقيمِ، والعدولُ عن سنن المقابلةِ للمبالغةِ في الذمِّ والإيذانِ بغلبةِ الضُّلالِ وكثرتِهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ} [الآية: 24]. قال الحريرى: البخل الذى يستأثر بشىء دون أخيه. وقال أبو عبيد البسرى: البخل أن ترى لنفسك ملكًا. وقال الجنيد: البخيل من كتب اسمه على خاتمه فقد أظهر بخله لأنه أخبر بذلك أنه ليس لأحد فيه رفق. وقال أبو عثمان: البخل سجية النفس والسخاء تكلف فيها. سئل أبو حفص: من البخيل؟ قال: الذى لا يعطى عند السؤال والحاجة. قال محمد بن الفضل: البخيل من يلتذ بالإمساك كما يلتذ السخى بالبذل.
القشيري
تفسير : بخلوا بكتمان صفة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وأمروا أتْباعَهم بذلك، وذلك لما خافوا من كسادِ سُوقِهم وبطلان رياستهم. {وَمَن يَتَوَلَّ} عن الإيمان، أو إعطاء الصَدَقة {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ}. والبخلُ - على لسان العلم - مَنْعُ الواجب، فأمَّا على بيان هذه الطائفة فقد قالوا: البخلُ رؤية قَدْر للأشياء، والبخيلُ الذي يُعْطِي عند السؤال، وقيل: مَنْ كَتَبَ على خاتمه اسمه فهو بخيل.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} بدل من كل مختل فان المختال بالمال يضن به غالبا ويأمر غيره به وهذا غاية الذم انه يبخل الانسان ويأمر غيره بالبخل والمعنى يمسكون أموالهم ولا يخرجون منها حق الله فان البخل امساك المقتنيات عما يحق اخراجها فيه ويقابله الجود يقال بخل فهو باخل واما البخيل فالذى يكثر منه البخل كالرحيم من الراحم والبخل ضربان بخل بقنيات نفسه وبخل بقنيات غيره وهو اكثرهما وعلى ذلك قوله تعالى {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} كما فى المفردات وبالفارسية مختال وفخور آنانندكه باوجود دنيا دارى وجمع اسباب آن بخل كنند ومال خود در راه خدا صرف ننمايد وباوجود بخل خود امر نمايند مرد مانرا به بخيلى كردن، وعن النبى عليه السلام انه قال لبنى سلمة "حديث : من سيدكم"تفسير : قالوا الجد بن قيس وانا لنبخله فقال "حديث : واى دآء ادوأ من البخل بل سيدكم الجعد الابيض عمرو بن الجموح"تفسير : وفى الحديث "حديث : اربعة لايجدون ريح الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام البخيل والمنان ومدمن الخمر والعاق للوالدين"تفسير : {ومن} وهركه {يتول} يعرض عن الانفاق {فان الله هو الغنى} عنه وعن انفاقه {الحميد} المحمود فى ذاته لايضره الاعراض عن شكره ولاينفعه التقرب اليه بشىء من نعمه وفيه تهديد واشعار بأن الامر بالانفاق لمصلحة المنفق واشارة الى ان من أعرض عن الاقبال على الله والادبار عن الانفاق فان الله غنى بحسب ذاته عن اقباله وبحسب صفاته عن ادباره بل هو حميد فى ذاته وصفاته لاينفعه اقباله ولايضره ادباره اذا الضار النافع هو لاغيره وايضا الى النفوس البشرية الامارة بالسوء بالتقاعد عن الاقدام على الطاعة والعبادة ودعوة القلوب والارواح الى الارتكاب للمعاصى والاجتناب عن الطاعات بحسب الغلبة فى بعض الاوقات لاستهلاك القوى الروحانية بحسب ظلمات القوى الجسمانية قال بعض الكبار الانسان من حيث نشأته الطبيعية سعيد وكذلك من حيث نفسه الناطقة مادامت كل نشأة منفردة عن صاحبتها فما ظهرت المخالفة الا بالمجموع ولما جبل الانسان على الامساك لان اصله التراب وفيه يبس وقبض لم يرض بذهاب مال نفسه وغيره فلذا بخل وامر بالبخل شعر : زر از بهر خوردن بود اى بدر زبهر نهادن جه سنك وجه زر
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر: {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} وهو في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك، والباقون بإثبات {هُوَ} لوجوده في مصاحفهم. والضمير ينبغي أن يكون فصلاً، لا مبتدأ، لأن حذف الفصل أسهل - إذ لا موضع له من الأعراب - بخلاف المبتدأ، ألا ترى أنه قد يحذف فلا يخل بالمعنى. وقرئ: "بالبخل". وقوله: {ٱلَّذِينَ} بدل من قوله: {أية : كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}تفسير : [الحديد:23] كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون. وفيه دلالة على أن ذا الفرح المطغي متكبر بما أوتي، فخور على الناس. وإذا رزق هو وأشباهه مالاً وحظاً من الدنيا فلابتهاجهم به والتذاذهم منه وعزته لديهم، وعظمته في أعينهم - لاجل قصور عقلهم ونقص فطرتهم وخلل جوهرهم - يَزوونه عن حقوق الله ويبخلون به، ولا يكفيهم ذلك حتى يأمروا الناس بالبخل ويحملوهم عليه، ويرغبوهم بالإمساك ويزيّنونه لهم، وذلك كله من نتائج فرحهم به وبطرهم عند إصابته، والفرح بالمحقرات الدنيّة الدنيويّة من لوازم قصور الذات وخسّة الجوهر وقلة العقل، حيث لم يتنبّه بدثورها وفنائها، ولما كان الابتهاج بمتاع الحياة الدنيا، والبخل عن أداء الحقوق الواجبة وغير ذلك من ذمائم الأخلاق، ناشئة عن التوجه إلى الجنبة السافلة المستلزم للإعراض عن الحق والتولي عن قبول أوامره - كالإنفاق - ونواهيه - كالبخل -، أشار إلى أنه غنيّ عن العباد وانفاقهم، محمود في ذاته، لا يقدح في كمال ذاته ووجوب وجوده الإعراض عن شكره. مكاشفة إن في قوله: "هو الغني الحميد" من التهديد ما لا يخفى، للإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة تعود إلى المنفق، فإذا فات عنه ما هو المصلح لذاته، المذكي له عن ذمائم الأخلاق - كالبخل وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة -، كانت عاقبته السوء. وليس في بخل العبد وإمساكه ضرر على الله تعالى، بل الأمر بالإنفاق والتأكيد فيه، إنما وقع من الله تعالى لغاية رحمته على عباده، حيث هداهم طريق التخلص عن عذاب الأخلاق الذميمة في الدنيا والآخرة، مع كونه غنياً عن العالمين فكيف عن العبد وانفاقه. وقد بالغ في الحث على الإنفاق، حتى طلب الصدقات منهم بقوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة:245] وقال: {أية : وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة:104]. وقد سلكت طائفة من المخذولين طريق الإباحة وقالوا: إن الله غنيّ عن إنفاقنا، وغنيّ عن أن يستقرض منا، فأي معنى لقوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة:245] ولو شاء اطعام المساكين لأطعمهم، فلا حاجة لنا إلى صرف أموالنا إليهم. كما قال الله تعالى حكاية عن الكفّار بقوله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ} تفسير : [يس:47]. وقال تعالى أخباراً عنهم: {أية : لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا}تفسير : [الأنعام:148]. فانظر كيف كانوا صادقين في كلامهم، وكيف هلكوا بصدقهم. فسبحان من إذا شاء أهلك بالصدق، وإذا شاء أصعد بالجهل. شعر : كه آدم راز ظلمت صد مدد شد زنور ابليس ملعون أبد شد تفسير : رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه. رُبَّ رجل فقيه متعبّد، يكون فقهه وتعبّده سبباً لهلاكه، ورُبّ جاهل مُذنب يكون تحسّره وحزنه على قصوره وعصيانه سبباً لنجاته {أية : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} تفسير : [البقرة:26]. فهؤلاء لما ظنوا أنهم استخدموا لأجل المساكين أو لأجل الله، تحيرت عقولهم وضلّت أفهامهم فقالوا: لا حظّ لنا في المساكين، ولا حظّ لله فينا وفي أموالنا أنفقنا أو أمسكنا ولم يعلموا أن المسكين الآخذ لمالك، يزيل - أو يقلل - حب البخل وحب الدنيا من باطنك، فإنه مهلك لك، فهو كالحجّام يستخرج الدم من عروقك ليخرج العلة المهلكة من باطنك. ولما كانت الصدقات مَطْهَرةً للبواطن ومَزْكَاةً لها عن خبائث الصفات، وغسّالة لذنوبهم - لأن بالمال يتمكن الإنسان من المعاصي -، امتنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أخذها وانتهى عنها، كما نهى عن كسب الحجّام، وسمى الصدقات أوساخ أموال الناس، وشرّف أهل بيته بالصيانة عنها. فهذا هو القول الكلي والسبب العقلي في وجوب الإنفاق، وقد سبق أن الأعمال مؤثّرات في القلب، والقلب بحسب تأثيرها يستعد إما لقبول الهداية ونور المعرفة والإلهام، وإما لقبول الغواية وظلمة الجهل والوسواس، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى: {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ * لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ} تفسير : [الحاقة:36 - 37]. إشارة إلى حال عاقبة عمال الزكاة ومتولي الأوقاف الذين يأكلون حقوق المساكين من غير استيهال ولا اضطرار.
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} باموالهم واعراضهم وقويهم وانانيّاتهم فلا ينفقون ولا ينقصون من انانيّاتهم فلا ينقادون لله ورسوله (ص) {وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ} عن الانفاق والايمان فلا يضرّ الله شيئاً {فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِيُّ} الّذى لا حاجة له الى اموالكم واعراضكم وانفاقكم ممّا ينبغى ان ينفق منه {ٱلْحَمِيدُ} الّذى لا حاجة له الى ايمانكم وتصديقكم وتعظيمكم والمقصود من يتولّ عن علىٍّ (ع) او عن الله والرّسول (ص) فى ولاية علىٍّ (ع) فانّ عليّاً (ع) الّذى هو مظهر الله هو الغنىّ عنه وعن انفاقه الحميد فى نفسه صدّقه مصدّقٌ او كذّبه ولمّا كان هناك مظنّة ان يسأل احدٌ: بما يصير الانسان مؤمناً ومنفقاً حتّى لا يتولّى عن الايمان وعن علىٍّ (ع)؟ - فقال تعالى جواباً لهذا السّؤال.
الهواري
تفسير : قوله: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} يعني اليهود يأمرون إخوانهم بالبخل، أي: بكتمان ما في أيديهم من نعت محمد عليه السلام، وبالإِسلام وبالزكاة. قال: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ} أي عن خلقه {الْحَمِيدُ} أي المستحمد إلى خلقه، أي: أوجب عليهم أن يحمدوه. قوله عز وجل: {لَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ} أي: وجعلنا معهم الميزان، وهو العدل. كقوله: (أية : وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)تفسير : [الرحمن:7] أي: وضع الميزان في الأرض {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ} أي: بالعدل. {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} أي: وجعلنا الحديد، أخرجه الله من الأرض {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني السلاح من السيوف والدروع وغيرها. وقال في الدروع، (أية : لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ) تفسير : [الأنبياء:80] والبأس: القتال، وجعل فيه أيضاً جُنَّة من القتل والدروع وما حرمته. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} يعني ما ينتفعون به من الحديد في معايشهم. قال: {وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} أي بالإيمان بالغيب. والغيب: البعث والحساب والجنة والنار. فإنما ينصر الله ورسلَه من يؤمن بهذا، وهذا علم الفعال. قال: وليعلمنكم الله ناصرين دينه ورسله أو تاركين نصرتهما. قال: {إِنَّ اللهَ قَوِيُّ} أي: في سلطانه {عَزِيزٌ} أي: في نقمته.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَاْمُرُونَ النَّاسَ بِالبُخْلِ} بدل من كل مختال فإن المختال بالمال يضربه غالبا فانهم لشدة فرحهم وتعظيمهم له يبخلون به ولا يخرجون منه الحق ويأمرون بالبخل وقيل خبر لمحذوف أي هم الذين وقيل نعت لكل لأن كلا ولو كانت نكرة لكنه يخصص نوعاً ما وهذا على مذهب الاخفش ولا النافية لعموم السلب هنا ولو تقدمت على كل وقيل: مبتدأ خبره محذوف أي الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل الله غني عنهم دل عليه. {وَمَن يَتَوَلَّ} يعرض {فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَنِىُّ الحَمِيدُ} أي ومن يتول عن الانفاق فالله غني عنه محمود في ذاته أو الى اوليائه لا يضره الكفر ولاينفعه الشكر بل الشكر والانفاق مصلحة لهم وقيل: من يتول عن أمر الله ولم ينته عن نواهيه من التأسي على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه وقال ابن عباس يتول عن الايمان وقرأ غير ابن عامر ونافع فإن الله هو الغني وقيل: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل هم اليهود كمواصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلوا ببيان نعته.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ } بدل من { أية : كُلَّ مُخْتَالٍ } تفسير : [الحديد: 23] بدل كل من كل، فإن المختال بالمال يضن به غالباً ويأمر غيره بذلك، والظاهر أن المراد أنهم يأمرون حقيقة، وقيل: كانوا قدوة فكأنهم يأمرون أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين الخ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره يعرضون عن الإنفاق الغني عنه الله عز وجل، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ } فإن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله سبحانه غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإعراض عن شكره بالتقرب إليه بشيء من نعمه جل جلاله، وقيل: تقديره مستغني عنهم، أو موعودون بالعذاب أو مذمومون. وجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني أو على أنه نعت ـ لكل مختال ـ فإنه مخصص نوعاً مّا من التخصيص فساغ وصفه بالمعرفة وهذا ليس بشيء، وقال ابن عطية: جواز مثل ذلك مذهب الأخفش. ولا يخفى ما في الجملة من الإشعار بالتهديد لمن تولى. وقرأ نافع وابن عامر ـ فإن الله الغني بإسقاط هو وكذا في مصاحف المدينة والشام وهو في القراءة الأخرى ضمير فصل، قال أبو علي: ولا يحسن أن يكون مبتدأ وإلا لم يجز حذفه في القراءة الثانية لأن ما بعده صالح لأن يكون خبراً فلا يكون هناك دليل على الحذف وهذا مبني على وجوب توافق القراءتين إعراباً وليس بلازم.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن يكون {الذين يبخلون} ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله: {أية : والله لا يحب كل مختال فخور}تفسير : [الحديد: 23] فيكون {الذين يبخلون} مبتدأ وخبره محذوفاً يدل عليه جواب الشرط وهو {فإن الله هو الغني الحميد}. والتقدير: فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين. ويجوز أن يكون متصلاً بما قبله على طريقة التخلص فيكون {الذين يبخلون} بدلاً من {كل مختال فخور}، أو خبراً لِمبتدأ محذوف هو ضمير {كل مختال فخور}. تقديره: هم الذين يبخلون، وعلى هذا الاحتمال الأخير فهو من حذف المسند إليه اتّباعا للاستعمال كما سماه السكاكي، وفيه وجوه أخر لا نطوِّل بها. والمراد بــــ {الذين يبخلون}: المنافقون، وقد وصفهم الله بمثل هذه الصلة في سورة النساء، وأمرهم الناس بالبخل هو الذي حكاه الله عنهم بقوله: {أية : هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا}تفسير : [المنافقون: 7]، أي على المؤمنين. وجملة {ومن يتولَّ فإن الله هو الغني الحميد} تذييل لأن {من يتولّ} يعم {الذين يبخلون} وغيرهم فإنّ {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي في سبيل الله وفي النفقات الواجبه قد تولوا عن أمر الله و(مَن) شرطية عامة. وجملة {فإن الله هو الغني الحميد} قائمة مقام جواب الشرط لأن مضمونها علة للجواب، فالتقدير: ومن يتولّ فلا يضر الله شيئاً ولا يضر الفقير لأن الله غني عن مال المتولّين، ولأن له عباداً يطيعون أمره فيحمدهم. والغنيّ: الموصوف بالغنى، أي عدم الاحتياج. ولما لم يذكر له متعلق كان مفيداً الغنى العام. والحميد: وصف مبالغة، أي كثير الحمد للمنفقين على نحو قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] الآية. ووصفه بــــ {الحميد} هنا نظير وصفه بــــ «الشكور» وفي قوله: {أية : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم}تفسير : [التغابن: 17]، فإن اسمه {الحميد} صالح لمعنى المحمود فيكون فعيلاً بمعنى مفعول، وصالح لمعنى كثير الحمد، فيكون من أمثلة المبالغة لأن الله يثيب على فعل الخير ثواباً جزيلاً ويُثني على فاعله ثناء جميلاً فكان بذلك كثير الحمد. وقد حمله على كلا المعنيين ابن يَرَّجَان الأشبيلي في «شرحه لأسماء الله الحسنى» ووافقه كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» في سورة الأعراف، وهو الحق. وقصره الغزالي في «المقصد الأسنى» على معنى «المحمود». وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر {فإن الله الغني الحميد} بدون ضمير فصل، وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام. وقرأه الباقون {فإن الله هو الغني الحميد} بضمير فصل بعد اسم الجلالة وكذلك هو مرسوم في مصاحف مكة والبصرة والكوفة، فهما روايتان متواترتان. والجملة مفيدة للقصر بدون ضمير فصل لأن تعريف المسند إليه والمسند من طرق القصر، فالقراءة بضمير الفصل تفيد تأكيد القصر.
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - الذِينَ يُمْسِكُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِعَدَمِ الإِنْفَاقِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَضُرُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ، وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ فِعْلِ الخَيْرِ، وَعَنِ الإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ النَّاسِ جَمِيعاً، وَعَنْ عِبَادَتِهِمْ، وَصَدَقَاتِهمْ، وَإِنْفَاقِهِمْ، وَهُوَ المَحْمُودُ عِنْدَ خَلْقِهِ لِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):