Verse. 5100 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

لَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنٰتِ وَاَنْزَلْنَا مَعَہُمُ الْكِتٰبَ وَالْمِيْزَانَ لِيَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ۝۰ۚ وَاَنْزَلْنَا الْحَدِيْدَ فِيْہِ بَاْسٌ شَدِيْدٌ وَّمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللہُ مَنْ يَّنْصُرُہٗ وَ رُسُلَہٗ بِالْغَيْبِ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ قَوِيٌّ عَزِيْزٌ۝۲۵ۧ
Laqad arsalna rusulana bialbayyinati waanzalna maAAahumu alkitaba waalmeezana liyaqooma alnnasu bialqisti waanzalna alhadeeda feehi basun shadeedun wamanafiAAu lilnnasi waliyaAAlama Allahu man yansuruhu warusulahu bialghaybi inna Allaha qawiyyun AAazeezun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد أرسلنا رسلنا» الملائكة إلى الأنبياء «بالبينات» بالحجج القواطع «وأنزلنا معهم الكتاب» بمعنى الكتب «والميزان» العدل «ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد» أخرجناه من المعادن «فيه بأس شديد» يقاتل به «ومنافع للناس وليعلم الله» علم مشاهدة، معطوف على ليقوم الناس «من ينصره» بأن ينصر دينه بآلات الحرب من الحديد وغيره «ورسوله بالغيب» حال من هاء ينصره، أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه «إن الله قوي عزيز» لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ } وفي تفسير البينات قولان: الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان إنها هي المعجزات الظاهرة والدلائل القاهرة والثاني: وهو قول مقاتل بن حيان: أي أرسلناهم بالأعمال التي تدعوهم إلى طاعة الله وإلى الإعراض عن غير الله، والأول هو الوجه الصحيح لأن نبوتهم إنما ثبتت بتلك المعجزات. ثم قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ }. واعلم أن نظير هذه الآية قوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ وَٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الشورى: 17] وقال: {أية : وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الرحمٰن: 7] وههنا مسائل: المسألة الأولى: في وجه المناسبة بين الكتاب والميزان والحديد وجوه. أحدها: وهو الذي أقوله أن مدار التكليف على أمرين: أحدهما: فعل ما ينبغي فعله والثاني: ترك ما ينبغي تركه، والأول هو المقصود بالذات، لأن المقصود بالذات لو كان هو الترك لوجب أن لا يخلق أحد، لأن الترك كان حاصلاً في الأزل، وأما فعل ما ينبغي فعله، فإما أن يكون متعلقاً بالنفس، وهو المعارف، أو بالبدن وهو أعمال الجوارح، فالكتاب هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال النفسانية، لأن يتميز الحق من الباطل، والحجة من الشبهة، والميزان هو الذي يتوسل به إلى فعل ما ينبغي من الأفعال البدنية، فإن معظم التكاليف الشاقة في الأعمال هو ما يرجع إلى معاملة الخلق، والميزان هو الذي يتميز به العدل عن الظلم والزائد عن الناقص، وأما الجديد ففيه بأس شديد، وهو زاجر للخلق عما لا ينبغي، والحاصل أن الكتاب إشارة إلى القوة النظرية، والميزان إلى القوة العملية، والحديد إلى دفع مالا ينبغي، ولما كان أشرف الأقسام رعاية المصالح الروحانية، ثم رعاية المصالح الجسمانية، ثم الزجر عما لا ينبغي، روعي هذا الترتيب في هذه الآية وثانيها: المعاملة إما مع الخالق وطريقها الكتاب أو مع الخلق وهم: إما الأحباب والمعاملة معهم بالسوية وهي بالميزان، أو مع الأعداء والمعاملة معهم بالسيف والحديد وثالثها: الأقوام ثلاثة: أما السابقون وهم يعاملون الخلق بمقتضى الكتاب، فينصفون ولا ينتصفون، ويحترزون عن مواقع الشبهات، وإما مقتصدون وهم الذين ينصفون وينتصفون، فلا بد لهم من الميزان، وإما ظالمون وهم الذين ينتصفون ولا ينصفون ولا بد لهم من الحديد والزجر ورابعها: الإنسان، إما أن يكون في مقام الحقيقة وهو مقام النفس المطمئنة ومقام المقربين، فههنا لا يسكن إلا إلى الله، ولا يعمل إلا بكتاب الله، كما قال: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] وإما أن يكون في مقام الطريقة وهو مقام النفس اللوامة، ومقام أصحاب اليمين، فلا بد له من الميزان في معرفة الأخلاق حتى يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، ويبقى على الصراط المستقيم وإما أن يكون في مقام الشريعة وهو مقام النفس الأمارة، وههنا لا بد له من حديد المجاهدة والرياضات الشاقة وخامسها: الإنسان إما أن يكون صاحب المكاشفة والوصول فلا أنس له إلا بالكتاب، أو صاحب الطلب والاستدلال فلا بد له من ميزان الدليل والحجة أو صاحب العناد واللجاج، فلا بد وأن ينفى من الأرض بالحديد وسادسها: أن الدين هو إماالأصول وإما الفروع، وبعبارة أخرى: إما المعارف وإما الأعمال، فالأصول من الكتاب، وأما الفروع: فالمقصود الأفعال التي فيها عدلهم ومصلحتهم وذلك بالميزان فإنه إشارة إلى رعاية العدل، والحديد لتأديب من ترك ذينك الطريقين وسابعها: الكتاب إشارة إلى ما ذكر الله في كتابه من الأحكام المقتضية للعدل والإنصاف، والميزان إشارة إلى حمل الناس على تلك الأحكام المبنية على العدل والإنصاف وهو شأن الملوك، والحديد إشارة إلى أنهم لو تمردوا لوجب أن يحملوا عليهما بالسيف، وهذا يدل على أن مرتبة العلماء وهم أرباب الكتاب مقدمة على مرتبة الملوك الذين هم أرباب السيف، ووجوه المناسبات كثيرة، وفيما ذكرناه تنبيه على الباقي. المسألة الثانية: ذكروا في: إنزال الميزان وإنزال الحديد، قولين: الأول: أن الله تعالى أنزلهما من السماء، روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، وقال: مر قومك يزنوا به، وعن ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من الحديد السندان والكلبتان والمقمعة والمطرقة والإبرة، والمقعمة ما يحدد به، ويدل على صحة هذا ما روى ابن عمر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إن الله تعالى أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد والنار والماء والملح»تفسير : . والقول الثاني: أن معنى هذا الإنزال الإنشاء والتهيئة، كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [لزمر: 6] قال قطرب: {أية : أَنزَلْنَـٰهَا } تفسير : [النور: 1] أي هيأناها من النزل، يقال: أنزل الأمير على فلان نزلاً حسناً، ومنهم من قال هذا من جنس قوله: علفتها تبناً وماء بارداً، وأكلت خبزاً ولبناً. المسألة الثالثة: ذكر في منافع الميزان أن يقوم الناس بالقسط، والقسط والإقساط هو الإنصاف وهو أن تعطى قسط غيرك كما تأخذ قسط نفسك، والعادل مقسط قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } تفسير : [الحجرات: 9] والقاسط الجائر قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } تفسير : [الجن: 15] وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، وفيه أيضاً منافع كثيرة منها قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 80] ومنها أن مصالح العالم، إما أصول، وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض، وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد، وذلك في كرب الأراضي وحفرها، ثم عند تكون هذه الحبوب وتولدها لا بد من خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم إلا بالحديد، ثم لا بد من خبزها ولا يتم إلا بالنار، ولا بد من المقدحة الحديدية، وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها، وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم ذلك إلا بالحديد، وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، ويظهر أيضاً أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر، جعل وجدانه أسهل، ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم الأمور حاجة إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع وصوله إلى القلب لحظة لمات الإنسان في الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء وجداناً، وهيأ أسباب التنفس وآلاته، حتى إن الإنسان يتنفس دائماً بمقتضى طبعه من غير حاجة فيه إلى تكلف عمل، وبعد الهواء الماء، إلا أنه لما كانت الحاجة إلى الماء أقل من الحاجة إلى الهواء جعل تحصيل الماء أشق قليلاً من تحصيل الهواء، وبعد الماء الطعام، ولما كانت الحاجة إلى الطعام أقل من الحاجة إلى الماء، جعل تحصيل الطعام أشق من تحصيل الماء، ثم تتفاوت الأطعمة في درجات الحاجة والعزة فكل ما كانت الحاجة إليه أشد، كان وجدانه أسهل، وكل ما كان وجدانه أعسر كانت الحاجة إليه أقل، والجواهر لما كانت الحاجة إليها قليلة جداً، لا جرم كانت عزيزة جداً، فعلمنا أن كل شيء كانت الحاجة إليه أكثر كان وجدانه أسهل، ولما كانت الحاجة إلى رحمة الله تعالى أشد من الحاجة إلى كل شيء فنرجو من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجداناً، قال الشاعر:شعر : سبحان من خص العزيز بعزه والناس مستغنون عن أجناسه وأذل أنفاس الهواء وكل ذي نفس فمحتاج إلى أنفاسه تفسير : ثم قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى وليعلم الله من ينصره، أي ينصر دينه، وينصر رسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين بالغيب أي غائباً عنهم. قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه، ويقرب منه قوله تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } تفسير : [محمد: 7]. المسألة الثانية: احتج من قال بحدوث علم الله بقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } والجواب عنه أنه تعالى أراد بالعلم المعلوم، فكأنه تعالى قال: ولتقع نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام ممن ينصره. المسألة الثالثة: قال الجبائي: قوله تعالى: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } فيه دلالة على أنه تعالى أنزل الميزان والحديد، ومراده من العباد أن يقوموا بالقسط وأن ينصروا الرسول، وإذا كان هذا مراده من الكل فقد بطل قول المجبرة أنه أراد من بعضهم خلاف ذلك جوابه: أنه كيف يمكن أن يريد من الكل ذلك مع علمه بأن ضده موجود، وأن الجمع بين الضدين محال، وأن المحال غير مراد. المسألة الرابعة: لما كانت النصرة قد تكون ظاهرة، كما يقع من منافق أو ممن مراده المنافع في الدنيا، بين تعالى أن الذي أراده النصرة بالغيب، ومعناه أن تقع عن إخلاص بالقلب، ثم بين تعالى أنه قوي على الأمور عزيز لا يمانع.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالمعجزات البيّنة والشرائع الظاهرة. وقيل: الإخلاص لله تعالى في العبادة، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؛ بذلك دعت الرسل: نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} أي الكتب؛ أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم {وَٱلْمِيزَانَ} قال ٱبن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل في معاملاتهم. وقوله: {بِٱلْقِسْطِ} يدل على أنه أراد الميزان المعروف. وقال قوم: أراد به العدل. قال القشيري: وإذا حملناه على الميزان المعروف، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب:شعر : * عَلَفْتُهَـا تِبناً ومـاءً بـارداً تفسير : ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمٰن:7] ثم قال: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [الرحمٰن:9] وقد مضى القول فيه. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح»تفسير : . وروى عكرمة عن ٱبن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام: الحجر الأسود وكان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مع طول موسى، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان والكَلْبَتَان والمِيقَعة وهي المِطرقة؛ ذكره الماوردي. وقال الثعلبي: قال ٱبن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدّادين: السَّنْدَان، والْكَلْبَتَان، والمِيقَعة، والمِطْرقة، والإبرة. وحكاه القشيريّ قال: والمِيقَعة ما يحدّد به؛ يقال وَقَعْتُ الحديدةَ أقعها أي حددتها. وفي الصحاح: والمِيقَعة الموضع الذي يألفه البازِي فيقع عليه، وخشبة القَصّار التي يَدقّ عليها، والمِطْرقة والمِسنّ الطويل. وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء. {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي لإهراق الدماء. ولذلك نهى عن الفصد والحِجامة في يوم الثلاثاء؛ لأنه يوم جرى فيه الدم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : في يوم الثلاثاء ساعةً لا يرقأ فيها الدم»تفسير : . وقيل: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} أي أنشأناه وخلقناه؛ كقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} تفسير : وهذا قول الحسن. فيكون من الأرض غير منزل من السماء. وقال أهل المعاني: أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه. {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني السلاح والكُرَاع والجُنة. وقيل: أي فيه من خشية القتل خوف شديد. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} قال مجاهد: يعني جُنَّة. وقيل: يعني ٱنتفاع الناس بالماعون من الحديد، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه. {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره. وقيل: هو عطف على قوله تعالى: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب، وهذه الأشياء؛ ليتعامل الناس بالحق، {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} وليرى الله من ينصر دينه {وَ} ينصر {رُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} قال ٱبن عباس: ينصرونهم لا يكذبونهم، ويؤمنون بهم «بِالْغَيْبِ» أي وهم لا يرونهم. {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} «قَوِيُّ» في أخذه «عَزِيزٌ» أي منيع غالب. وقد تقدّم. وقيل: {بِٱلْغَيْبِ} بالإخلاص. قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ} فصّل ما أجمل من إرسال الرّسل بالكتب، وأخبر أنه أرسل نوحاً وإبراهيم وجعل النبوّة في نسلهما {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} أي جعلنا بعض ذريتهما الأنبياء، وبعضهم أمماً يتلون الكتب المنزلة من السماء: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. وقال ٱبن عباس: الكتاب الخط بالقلم {فَمِنْهُمْ} أي من ٱئتمّ بإبراهيم ونوح {مُّهْتَدٍ}. وقيل: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} أي من ذريتهما مهتدون. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } كافرون خارجون عن الطاعة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات، {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ} وهو النقل الصدق {وَٱلْمِيزَانَ} وهو العدل، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة؛ كما قال تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} تفسير : [هود: 17] وقال تعالى: {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] وقال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7] ولهذا قال في هذه الآية: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاؤوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق؛ كما قال: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوؤوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 43]. وقوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي: وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وبينات ودلالات، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن، وكذب به وعانده. وقد روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية عن أبي المنيب الجرشي الشامي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» تفسير : ولهذا قال تعالى: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} يعني: السلاح؛ كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها، {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ} أي: في معايشهم؛ كالسكة والفأس والقدوم والمنشار والإزميل والمجرفة والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه وغير ذلك. قال علباء بن أحمد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندان، والكلبتان، والميقعة، يعني: المطرقة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وقوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} أي: من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسوله، {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } الملائكة إلى الأنبياء {بِٱلْبَيِّنَٰتِ } بالحجج القواطع {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } بمعنى الكتب {وَٱلْمِيزَانَ } العدل {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } أخرجناه من المعادن {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } يقاتل به {وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ } علم مشاهدة معطوف على ليقوم الناس {مَن يَنصُرُهُ } بأن ينصر دينه بآلاتِ الحرب من الحديد وغيره {وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ } حال من هاء «ينصره» أي غائبا عنهم في الدنيا، قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } لا حاجة له إلى النصرة لكنها تنفع من يأتي بها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيّنَـٰتِ } أي: بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } المراد الجنس، فيدخل فيه كتاب كلّ رسول {وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } قال قتادة، ومقاتل بن حيان: الميزان: العدل: أمرناهم بالعدل، كما في قوله: {أية : وَٱلسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }تفسير : [الرحمٰن: 7] وقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ وَٱلْمِيزَانَ } تفسير : [الشورى: 17] وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل به، ومعنى: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ }؛ ليتبعوا ما أمروا به من العدل، فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة، والقسط: العدل، وهو يدل على أن المراد بالميزان العدل، ومعنى إنزاله: إنزال أسبابه وموجباته. وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها، فيكون إنزاله بمعنى: إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب:شعر : علفتها تبناً وماء بارداً تفسير : {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } أي: خلقناه، كما في قوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} تفسير : [الزمر: 6] والمعنى: أنه خلقه من المعادن، وعلم الناس صنعته، وقيل: إنه نزل مع آدم {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } لأنه تتخذ منه آلات الحرب. قال الزجاج: يمتنع به ويحارب، والمعنى: أنه تتخذ منه آلة للدفع، وآلة للضرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح، ومعنى {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ }: أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين، والفأس، والإبرة، وآلات الزراعة، والنجارة، والعمارة {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ } معطوف على قوله: {ليقوم الناس} أي: لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت، ليقوم الناس وليعلم، وقيل: معطوف على علة مقدّرة، كأنه قيل: ليستعملوه وليعلم الله، والأوّل أولى. والمعنى: أن الله أمر في الكتاب الذي أنزل بنصره دينه ورسله، فمن نصر دينه ورسله علمه ناصراً، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، و{بالغيب} في محلّ نصب على الحال من فاعل ينصره، أو من مفعوله أي: غائباً عنهم، أو غائبين عنه {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } أي: قادر على كل شيء غالب لكل شيء، وليس له حاجة في أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك؛ لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ } لما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالاً أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم، وكرّر القسم للتوكيد {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } أي: جعلنا فيهم النبوّة والكتب المنزلة على الأنبياء منهم، وقيل: جعل بعضهم أنبياء، وبعضهم يتلون الكتاب {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ } أي: فمن الذرية من اهتدى بهدي نوح وإبراهيم، وقيل: المعنى فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } خارجون عن الطاعة. {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا } أي: اتبعنا على آثار الذرية، أو على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى، وإلياس، وداود، وسليمان، وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } أي: أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه {وآتيناه الإنجيل} وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه، وقد تقدّم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران. قرأ الجمهور {الإنجيل} بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بفتحها {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } الذين اتبعوه هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودّة لبعضهم البعض، ورحمة يتراحمون بها، بخلاف اليهود، فإنهم ليسوا كذلك، وأصل الرأفة: اللين، والرحمة: الشفقة، وقيل: الرأفة: أشدّ الرحمة {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا } انتصاب {رهبانية} على الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وليس بمعطوفة على ما قبلها، وقيل: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة، ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم. والأوّل أولى، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره، وجملة: {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } صفة ثانية لرهبانية، أو مستأنفة مقرّرة؛ لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى: ما فرضناها عليهم، والرهبانية بفتح الراء وضمها، وقد قرىء بهما، وهي بالفتح: الخوف من الرهب، وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة، وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح، وتعلقوا بالكهوف والصوامع؛ لأن ملوكهم غيروا وبدلوا، وبقي منهم نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك، وقتادة، وغيرهما {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها نحن عليهم رأساً، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله. وقال الزجاج: ما كتبناها عليهم معناه لم نكتب عليهم شيئًا ألبتة، قال: ويكون {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } بدلاً من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى: ما كتبنا عليهم إلاّ ابتغاء رضوان الله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي: لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم، بل صنعوها وكفروا بدين عيسى، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدّلوا، وتركوا الترهب، ولم يبق على دين عيسى إلاّ قليل منهم، وهم المرادون بقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى، وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ }: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ووجه الذمّ لهم على تقدير أن الاستثناء منقطع أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه ديناً. وأما على القول بأن الاستثناء متصل، وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلاّ ليبتغوا بها رضوان الله بعد أن وفقناهم لابتداعها، فوجه الذم ظاهر. ثم أمر سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدّمين بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك ما نهاكم عنه {وآمنوا برسوله} محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } أي: نصيبين من رحمته بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، وأصل الكفل: الحظ والنصيب، وقد تقدّم الكلام على تفسيره في سورة النساء {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } يعني: على الصراط كما قال: {نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } [التحريم: 8] وقيل: المعنى ويجعل لكم سبيلاً واضحاً في الدين تهتدون به {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ما سلف من ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: بليغ المغفرة والرحمة {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } اللام متعلقة بما تقدّم من الأمر بالإيمان والتقوى، والتقدير: اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا؛ ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب {أَن لا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّن فَضْلِ ٱللَّهِ } و"لا" في قوله: {لّئَلاَّ } زائدة للتوكيد، قاله الفراء، والأخفش، وغيرهما، و"أن" في قوله: {أَن لا يَقْدِرُونَ } هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وخبرها ما بعدها، والجملة في محل نصب على أنها مفعول يعلم، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئًا من فضل الله الذي تفضل به على من آمن بمحمد، ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له، وجملة: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ } معطوفة على الجملة التي قبلها، أي: ليعلموا أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل بيد الله سبحانه، وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } خبر ثان لأنّ، أو هو الخبر، والجارّ والمجرور في محل نصب على الحال {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، والمراد بالفضل هنا: ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا برسوله من الأجر المضاعف. وقال الكلبي: هو رزق الله، وقيل: نعم الله التي لا تحصى، وقيل: هو الإسلام، وقد قيل: إن «لا» في {لئلا} غير مزيدة، وضمير {لا يقدرون} للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه. والمعنى: لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبيّ والمؤمنون على شيء من فضل الله الذي هو عبارة عما أوتوه، والأوّل أولى. وقرأ ابن مسعود: (لكيلا يعلم) وقرأ خطاب بن عبد الله: (لأن يعلم) وقرأ عكرمة: (ليعلم) وقرىء: (ليلا) بقلب الهمزة ياء، وقرىء بفتح اللام. وقد أخرج عبد بن حميد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق [عن] ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا عبد الله"تفسير : ، قلت: لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: "حديث : هل تدري أيّ عرى الإسلام أوثق؟"تفسير : قلت: الله، ورسوله أعلم، قال: "حديث : أفضل الناس أفضلهم عملاً إذ فقهوا في دينهم؛ يا عبد الله هل تدري أيّ الناس أعلم؟"تفسير : قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها: فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك، فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى، فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها، وهم الذين قال الله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَـئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } هم الذين آمنوا بي وصدقوني {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } الذين جحدوني وكفروا بي». وأخرج النسائي، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئًا أشدّ من شتم يشتمناه هؤلاء، إنهم يقرءون {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } تفسير : [المائدة: 45] {أية : فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [المائدة: 47] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلاّ ما بدلوا منهما، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش، ونشرب مما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دوراً في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحرث البقول، فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم، وليس أحد من القبائل إلاّ له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي، ولم يبق منهم إلاّ القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السياح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدّقوه، فقال الله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } أجرين: بإيمانهم بعيسى وتصديقهم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم به {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } القرآن واتباعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبيّ قال: «حديث : إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعريّ في قوله: {كِفْلَيْنِ } قال: ضعفين وهي بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } قال: الكفل ثلثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله.

الماوردي

تفسير : {وَأنزَلْنَا الْحَدِيدَ} فيه قولان: أحدهما: أن الله أنزله مع آدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: ثلاث أشياء نزلت مع آدم: الحجر الأسود، كان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع مثل طول موسى، والحديد، أنزل معه ثلاثة أشياء: السندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة. الثاني: أنه من الأرض غير منزل من السماء، فيكون معنى قوله: {وَأَنزَلْنَا} محمولاً على أحد وجهين: أحدهما: أي أظهرناه. الثاني: لأن أصله من الماء المنزل من السماء فينعقد في الأرض جوهره حتى يصير بالسبك حديداً. {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} فيه وجهان: أحدهما: لأن بسلاحه وآلته تكون الحرب التي هي بأس شديد. الثاني: لأن فيه من خشية القتل خوفاً شديداً. {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} يحتمل وجهين: أحدهما: ما تدفعه عنهم دروع الحديد من الأذى وتوصلهم إلى الحرب والنصر. الثاني: ما يكف عنهم من المكروه بالخوف عنه. وقال قطرب: البأس السلاح، والمنفعة الآلة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ} نزل مع آدم: الحجر الأسود أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى من آس الجنة طولها عشرة أذرع كطول موسى، والسندان والكلبتان والميقعة وهي المطرقة، أو ما ينزل من السماء وإنزاله إظهاره وإثارته، أو لأن ما ينعقد من جوهره في الأرض أصله من ماء السماء {بَأْسٌ شَدِيدٌ} الحرب تكون بآلته وسلاحه، أو خوف شديد من خشية القتل به {وَمَنَافِعُ} الآلة.

النسفي

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } يعني أرسلنا الملائكة إلى الأنبياء {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } بالحجج والمعجزات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } أي الوحي. وقيل: الرسل الأنبياء. والأول أولى لقوله {مَعَهُمْ } لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب {وَٱلْمِيزَانَ } رُوي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ } ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل ولا يظلم أحد أحداً {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة. ورُوي ومعه المرّ والمسحاة. وعن الحسن: وأنزلنا الحديد خلقناه {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } وهو القتال به {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } في مصالحهم ومعايشهم وصنائعهم فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها أو ما يعمل بالحديد {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين. وقال الزجاج: ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله {بِٱلْغَيْبِ } غائباً عنهم {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ } يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته {عَزِيزٌ } يربط بعزته جأش من يتعرض لنصرته. والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة أن الكتاب قانون الشريعة ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد والعهود ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان، واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان. ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعنَدَ، ونزع عن صفقة الجماعة اليد. وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد. {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ } خصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا } أولادهما {ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } الوحي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الخط بالقلم. يقال: كتب كتاباً وكتابة {فَمِنْهُمْ } فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين {مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } هذا تفصيل لحالهم أي فمنهم من اهتدى باتباع الرسل، ومنهم من فسق أي خرج عن الطاعة والغلبة للفساق. {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم } أي نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء {بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً } مودة وليناً {وَرَحْمَةً } تعطفاً على إخوانهم كما قال في صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {أية : رُحَمَاء بَيْنَهُمْ }تفسير : [الفتح: 29] {وَرَهْبَانِيَّةً } هي ترهبهم في الجبال فارّين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف. فعلان من رهب كخشيان من خشي. وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية {ٱبتَدَعُوهَا } أي أخرجوها من عند أنفسهم ونذروها {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } لم نفرضها نحن عليهم {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه {فَئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} أي أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام و الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } الكافرون. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } الخطاب لأهل الكتاب {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ } الله {كِفْلَيْنِ } نصيبين {مّن رَّحْمَتِهِ } لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن قبله {وَيَجْعَل لَّكُمْ } يوم القيامة {نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } وهو النور المذكور في قوله {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم }تفسير : الآية {وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لّئَلاَّ يَعْلَمَ } ليعلم {أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } الذين لم يسلموا و «لا» مزيدة {أَلاَّ يَقْدِرُونَ } «أن» مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون يعني أن الشأن لا يقدرون {عَلَىٰ شَىْءٍ مّن فَضْلِ ٱللَّهِ } أي لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة لأنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله ولم يكسبهم فضلاً قط {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ } عطف على {أَن لا يَقْدِرُونَ } {بِيَدِ ٱللَّهِ } أي في ملكه وتصرفه {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } من عباده {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }، والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا معهم الكتاب والميزان‏}‏ قال‏:‏ العدل‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس‏} ‏ قال‏:‏ جنة وسلاح‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله‏:‏ ‏ {‏وأنزلنا الحديد‏}‏ الآية قال‏:‏ إن أول ما أنزل الله من الحديد الكلبتين والذي يضرب عليه الحديد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الأيام فقال‏:‏ السبت عدد، والأحد عدد، والاثنين يوم تعرض فيه الأعمال، والثلاثاء يوم الدم، والأربعاء يوم الحديد ‏ {‏وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد‏}‏ والخميس يوم تعرض فيه الأعمال، والجمعة يوم بدأ الله الخلق وفيه تقوم الساعة‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه‏}‏ الآية‏.‏ أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر من طرق حديث : عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"‏قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: ‏يا عبد الله‏:‏ قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال‏: هل تدري أي عرا الإِيمان أوثق‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏: أوثق عرا الإِيمان الولاية في الله بالحب فيه والبغض فيه، قال‏:‏ هل تدري أي الناس أفضل‏؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏: أفضل الناس عملاً إذا تفقهوا في الدين، يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم؟‏ قلت‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فِرْقةً نجا منها ثلاث وهلك سائرها فُرْقَةً، وزت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهبوا فيها وهم الذين قال الله‏:‏ ‏{‏ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم‏}‏ الذين آمنوا بي وصدقوني ‏{‏وكثير منهم فاسقون‏}‏ الذين كفروا بي وجحدوني"‏‏ ‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإِنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإِنجيل فقيل لملوكهم‏:‏ ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتمنا هؤلاء انهم يقرؤون ‏{أية : ‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون‏}تفسير : ‏ ‏[‏المائدة: 44‏] {أية : ‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة: 45‏]‏ ‏{أية : ‏ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون‏}‏ تفسير : ‏[‏المائدة: 47‏]‏ مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإِنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا‏:‏ ما تريدون إلى ذلك‏؟‏ دعونا، فقالت طائفة منهم‏:‏ ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً ترفع به طعامنا وشرابنا، ولا ترد عليكم، وقالت طائفة‏:‏ دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا وقالت طائفة‏:‏ ابنوا لنا ديوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول، فلا نَرِد عليكم ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله ‏ {‏ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها‏}‏ قال‏:‏ والآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفني من قد فني منهم قالوا‏:‏ نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان ونتخذ ديوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإِيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله تعالى‏:‏ ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته‏}‏ أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإِنجيل، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم ‏{‏ويجعل لكم نوراً تمشون به‏} ‏ القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج أبو يعلى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات ‏{‏رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن جبير عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : لا تشددوا على أنفسكم فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه وابن نصر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال‏:‏ إن الله كتب عليكم صيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة فعابهم الله بتركها وتلا هذه الآية ‏ {‏ورهبانية ابتدعوها‏}‏ ‏. وأخرج أحمد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏ورهبانية ابتدعوها‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهم رفضوا النساء واتخذوا الصوامع‏"‏‏.‏

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} [الآية: 25]. قال بعضهم: ليبين الله للناس من ينصره. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الآية: 25]. عن حاجته إلى أحد لتمام قدرته وغير بصير من ظن أن نصره من المخلوقين.

القشيري

تفسير : قوله جل ذكره: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}. أي أرسلناهم مُؤيَّدين بالحُجَجِ اللائحة والبراهين الواضحة، وأزَحْنا العِلَّةَ لِمَنْ أراد سلوكَ الحُجَّةِ المُثْلى، ويَسَّرنا السبيل على مَنْ آثَرَ اتّباعَ الهُدَى. وأنزلنا معهم الكُتَبَ المُنَزّلةَ، و{وَٱلْمِيزَانَ}: أي الحُكْمَ بالقرآن، واعتبار العَدْلِ والتسويةِ بين الناس. {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}: فلا يَظْلِمُ أحدٌ أحداً. قوله جل ذكره: {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}. {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ}: أي خلقنا الحديد. ونصرة الله هي نصرةُ دينه، ونصرةُ الرسولِ باتِّباعِ سُنَّتِه. {إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ عَزيزٌ}: أقوى من أن يُنَازَعَه شريكٌ، أو يضارِعَه في المُلْكِ مليك، وأعزُّ من أن يحتاج إلى ناصر. قوله جل ذكره: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ}. أي أرسلنا نوحاً، ومن بعده إبراهيم، وجعلنا في نَسْلِهما النبوَّةَ والكتاب. {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ}. أي: مستجيبٌ. {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}. خرجوا عن الطاعة. قوله جل ذكره: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً}. أي: أرسلنا بعدهم عيسى ابن مريم. {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}. بيَّن أنَّه لم يأمرهم بالرهبانيَّة بل هم الذين ابتدعوها ثم قال: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}. هم الذين انفردوا بما عقدوه معنا أن يقوموا بحقِّنا. {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد أرسلنا رسلنا} اى الملائكة الى الانبياء او الانبياء الى الامم وهو الاظهر كما فى الارشاد {بالبينات} بحجتهاى روشن كه معجزاتست باشريعتهاى واضحه، فان قلت لمعجزات يخلقها الله على يدى مدعى النبوة كاحياء الموتى وقلب العصا واليد البيضاء وشق القمر من غير نزول الملك بها نعم معجزة القرءآن نزل بها الملك ولكن نزوله بها على كل رسول غير ثابت قلت معنى نزول الملك بها ان الله يخبره على لسانه بوقوع تلك المعجزة على يده {وانزلنا معهم الكتاب} اى جنس الكتب الشامل للكل لتبيين الحق وتمييز صواب العمل اى لتكميل القوة النظرية والعملية، قوله معهم يجعل على تفسير الرسل بالانبياء حالا مقدرة من الكتاب اى مقدرا كونه معهم والا فالانبياء لم ينزلوا حتى ينزل معهم الكتاب فالنزول مع الكتاب شأن الملائكة والانزال اليهم شأن الانبياء ولذا قدم الوجه الاول اذ لو كان المعنى لقد أرسلنا الانبياء الى الامم لكان الظاهر أن يقال وانزلنا اليهم الكتاب {والميزان} بالفارسية ترازو {ليقوم الناس بالقسط} ليتعاملوا بينهم بالعدل ايفاء واستيفاء ولا يظلم احد أحدا فى ذلك وانزاله انزال اسبابه والامر باعداده والا فالميزان من مصنوعات البشر وليس بمنزل من السماء (روى) ان جبريل عليه السلام نزل بالميزان نفسه فدفعه الى نوح عليه السلام وقال مر قومك يزنوا به يعنى تاتسويه حقوق كنند بدان درميان يكديكر بوقت معاملات، وقال الامام الغزالى رحمه الله أتظن ان الميزان المقرون بالكتاب هو ميزان البر والشعير والذهب والفضة ام تتوهم انه هو االطيار والقبان ما أبعد هذا الحسبان واعظم هذا البهتان فاتق الله ولاتتعسف فى التأويل واعلم يقينا ان هذا الميزان هو ميزان معرفة الله ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله وملكه وملكوته ليتعلم كيفية الوزن به من انبيائه كما تعلموا من ملائكته فالله هو المعلم الاول والثانى جبرآئيل والثالث الرسول والخلق كلهم يتعلمون من الرسول مالهم طريق فى المعرفة سواه والكل عبارته بلا تغيير وليت شعرى ما دليله على ماذهب اليه من العدول عن الظاهر كذا فى بحر العلوم. يقول الفقير لعل دليله قوله تعالى {أية : شهد الله انه لا اله الاهو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط}تفسير : اى حاكما بالعدل او مقيما للعدل فى جميع اموره فاذا كان الله قائما بالعدل فى جميع الامور كان الواجب على العباد أن يقوموا به ايضا ولن يقوموا به حقيقة الا بعد العلم الشامل والمعرفة الكاملة وهى معرفة اللة فهى الميزان الكلى وماعداه من جميع الامور مبنى عليه وموزون به {وانزلنا الحديد} قيل نزل آدم عليه السلام من الجنة ومعه خمسة اشياء من حديد الاول السندان وهو سندان الحداد بالفتح كما فى القاموس واياه عنى الشيخ سعدى فى قوله شعر : جو سندان كسى سخت رويى تبرد كه خايسك تأديب بر سر نخورد تفسير : والثانى الكلبتان وهو ما يأخذ به الحداد الحديد المحمى كما فى القاموس والثالث الميقعة بكسر الميم بعدها ياء مثناة تحتانية اصله موقعة قال فى القاموس الميقعة خشبة القصار يدق عليها والمطرقة والمسن الطويل وقد وقعته بالميقعة فهو وقيع حددته بها والرابع المطرقة وهى آلة الطرق اى الضرب والخامس الابرة وهى مسلة الحديد وروى ومعه المر والمسحاة قال فى القاموس المر بالفتح المسحاة وهى ماسحى به اى قشر وجرف وفى الحديث "حديث : ان الله أنزل اربع بركات من السماء الى الارض أنزل الحديد والنار والماء والملح"تفسير : عن ابن عباس رضى الله عنهما ثلاثة اشياء نزلت مع آدم عليه السلام الحجر الاسود كان اشد بياضا من الثلج وعصا موسى وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع والحديد وعن الحسن رحمه الله وانزلنا الحديد خلقناه كقوله تعالى {أية : وأنزل لكم من الأنعام}تفسير : وذلك ان اوامره وقضاياه واحكامه تنزل من السماء قال بعضهم واخرجنا الحديد من المعادن لان العدل انما يكون بالسياسة والسياسة مفتقرة الى العدة والعدة مفتقرة الى الحديد واصل الحديد ماء وهو منزل من السماء {فيه} اى فى الحديد {بأس شديد} وهو القتال به او قوة شديدة يعنى السلاح للحرب لان آلات الحرب انما تتخذ منه وبالفارسية كارزار سخت يعنى آلتها كه دركار زار بكار آيداز وسازند خواه از براى دفع دشمن جون سنان ونيزه وشمشبر وبيكان وخنجر وامثال آن وخواه براى حفظ نفس خود جون زره وخود وجوشن وغير آن. وفيه اشارة الى ان تمشية قوانين الكتاب واستعمال آلة التسوية يتوقفان على دال صاحب سيف ليحصل القيام بالقسط وان الظلم من شيم النفوس والسيف حجة الله على من عنده ظلم {ومنافع للناس} كالسكين والفأس والمر والابرة ونحوها وما من صنعة الا والحديد او مايعمل بالحديد آلتها وفيه اشارة الى ان القيام بالقسط كما يحتاج الى القائم بالسيف يحتاج ايضا الى مابه قوام التعايش من الصنائع وآلات المحترقة والى سيف الجذبة المتخذ من حديد القهر اذ لابد لكل تجلى جلالى من كون التجلى الجمالى فيه وبالعكس وهم الاولياء وهم يميلون الى الحق بكثرة الالطاف والاعطاف الربانية كما قال تعالى {أية : يابنى اسرئيل اذكروا نعتمى التى انعمت عليكم وانى فضلتكم على العالمين}تفسير : {وليعلم الله من ينصره ورسله} عطف على محذوف يدل عليه ماقبله فانه حال متضمنة للتعليل كانه قيل ليستعملوه وليعلم الله علما يتعلق به الجزآء من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر الاسلحة فى مجاهدة اعدآئه {بالغيب} حال من فاعل ينصر اى غائبين عنه تعالى كما قال ابن عباس رضى الله عنهما ينصرونه ولايبصرونه وانما يحمد ويثاب من أطاع بالغيب من غير معاينة للمطاع او من مفعوله اى حال كونه تعالى غائبا عنهم غير مرئى لهم {ان الله قوى} على هلاك من اراد اهلاكه {عزيز} لايقتصر الى نصرة الغير وانما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستجيبوا ثواب الامتثال فيه والقوة عبارة عن شدة البنية وصلابتها المضادة للضعف وهى فى حق الله بمعنى القدرة وهى الصفة التى بها يتمكن الحى من الفعل وتركه بالارادة والعزة الغلبة على كل شىء قال الزروقى رحمه الله القوى هو الذى لايلحقه ضعف فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله فلا يمسه نصب ولا تعب ولايدركه قصور ولا عجز فى نقض ولا ابرام وخاصية هذا الاسم ظهور القوة فى الوجود فما تلاه ذو همة ضعيفة الا وجد القوة ولا ذو جسم ضعيف الا كان له ذلك لو ذكره مظلوم بقصد اهلاك الظالم ألف مرة كان له ذلك وكفى أمره وخاصية الاسم العزيز وجود الغنى والعز صورة او معنى فمن ذكره اربعين يوما فى كل يوم اربعين مرة اعانه الله واعزه فلم يحوجه لأحد من خلقه وفى الاربعين الادريسية ياعزيز المنيع الغالب ملى امره فلا شىء يعادله قال السهرودى رحمه الله من قرأه سبعة أيام متواليات كل يوم ألفا اهلك خصمه وان ذكره فى وجه العسكر سبعين مرة ويشير اليهم بيده فانهم ينهزمون

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {لقد أرسلنا رسلنا} من البشر {بالبينات} الحُجج والمعجزات، أو: لقد أرسلنا الملائكة إلى الإنبياء، والأنبياء إلى الأمم، ويؤيده قوله تعالى: {وأنزلنا معهم الكتابَ} أي: جنس الكتاب الشامل للكل؛ لأنّ الكتاب من شأنه أن ينزل مع الملائكة، ويُجاب: بأن التقدير: وأنزلنا عليه الكتاب مصحوباً معهم لا تُفارقهم أحكامه، {و} أنزلنا {الميزانَ} أي: الشرع؛ لأنه عِيار الأحكام الصحيحة والفاسدة، {ليقوم الناسُ بالقسط} أي: العدل، وقيل المراد: الميزان الحسي. رُوي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان، فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: "مُرْ قومَك يَزِنوا به". {وأنزلنا الحديدَ} قال ابن عباس: " نزل آدم من الجنة ومعه آلة الحدادين، خمسة أشياء: السندان، والكَلْبتانِ، والمِيقَعَةُ، والمِطرقة، والإبرة". أو: {أنزلنا الحديد} أخرجناه من المعادن، والمعادن تتكون من الماء النازل في الأرض، فينعقد في عروق المعادن، وقيل: المراد به السلاح. وحاصل مضمن الآية: أرسلنا الرسلَ وأنزلنا الكتابَ، فمَن تبع طوعاً نجا، ومَن أعرض فقد أنزلنا الحديد يُحارب به حتى يستقيم كرهاً. {فيه بأس شديد} أي: قوة وشدة يتمنّع بها ويحارب، {ومنافعُ للناس} يستعملونه في أدواتهم، فلا تجد صنعة تستغني عن الحديد، {وليعلم اللّهُ} علم ظهور {مَن ينصُرُه ورسُلَه} باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين، {بالغيبِ} غائباً عنهم في مقام الإيمان بالغيب، {إِنَّ الله قويٌّ عزيزٌ} فيدفع بقوته مَن يُعرض عن ملته، وينصر بعزته مَن ينصر دينه، فيقوى جأشه على الثبوت في مداحض الحرب. قال النسفي: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة: أنّ الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية، يُبين سبيل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن البغي والطغيان، والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة بها يقع التعامل، ويحصل بها التساوي والتعادل، وهي الميزان. ومن المعلوم: أنَّ الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للتعامل بالتسوية، إنما يُحافظ العوامّ على اتباعها بالسيف، الذي هو حجة الله على مَن جحد وعَنَد، ونزع من صفقة الجماعة اليد، وهو الحديد، الذي وصف بالبأس الشديد. هـ. {ولقد أرسلنا نوحاً وإِبراهيم} خُصّا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام {وجعلنا في ذريتهما} أولادهما {النبوةَ} الوحي {والكتابَ} جنس الكتاب. وعن ابن عباس: "الخطّ بالقلم". يقال: كتب كتاباً وكتابة. {فمنهم} من الذرية، أو: مِن المرسَل إليهم، المدلول عليه من الإرسال، {مُهتدٍ} إلى الحق، {وكثيرٌ منهم فاسقون} خارجون عن الطريق المستقيم، والعدول عن سبيل المقابلة للمبالغة في الذم، والإيذان بكثرة الضلاّل والفسّاق. {ثم قَفِّينا على آثارهم} أي: نوح وإبراهيم، ومَن مضى من الأنبياء، أو: مَن عاصروهم من الرسل، {برسلنا وقَفِّينا بعيسى ابن مريم} أي: أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم. والتقفية: من القفا، كأنّ كل واحد جاء في قفا صاحبه من ورائه، {وآتيناه} أي: عيسى {الإِنجيلَ} وفيه لغتان كسر الهمزة وفتحه، وهو عجمي لا يلزم فيه أبنية العرب، {وجعلنا في قلوب الذين ابتَعوه} وهم النصارى {رأفةً} مودةً وليناً، {ورحمةً} تعطُّفاً على إخوانهم، وهذا ظاهر في النصارى دون اليهود، فأتباع عيسى أولاً كانوا الحواريين، وطائفة من اليهود، وكفرت به الطائفة الباقية، فالنصارى أشياع الحواريين، فما زالت الرحمة فيهم، وأما اليهود فقلوبهم أقسى من الحجر. {ورهبانيةً ابتدعوها} من باب الاشتغال، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها من عند أنفسهم. أو: معطوفة على ما قبلها، أي: وجعلنا في قلوبهم رهبانيةً مبتدَعةً مِن عندهم، أي: وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهابنية واستحداثها، وهي: المبالغة في الرهبة بالعبادة، والانقطاع عن الناس، وهي منسوبة إلى الرَهْبان، وهو الخائف، فعلان من: رَهَبَ، كخشيان، من خشي. وقرئ بضم الراء، نسبة إلى الرُّهْبان جمع راهب، كراكب وركبان. وسبب ابتداعهم إياها: أنَّ الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى عليه السلام، فقاتلوهم ثلاث مرات، فقُتل المؤمنون حتى لم يبقَ منهم إلاَّ القليل، فخافوا أن يفتونهم في دينهم، فاختاروا الرهبانية في قُلَل الجبال، فارين بدينهم، مختلِّصين أنفسهم. انظر الثعلبي فقد نقله حديثاً. {ما كتبناها عليهم} أي: لم نفرضها عليهم، ولكن نذروها على أنفسهم. ما فعلوا ذلك {إِلاَّ ابتغاءَ رِضْوانِ الله} عليهم، قيل: الاستثناء منقطع، أي: ما كتبناها عليهم لكن فعلوها ابتغاء رضوان الله، وقيل: متصل من أعم الأحوال، أي: ما كتبناها عليهم في حال من الأحوال إلاّ ابتغاء الرضوان، {فما رَعَوْها حقَّ رعايتها} كما يجب على الناذر رعاية نذره؛ لأنه عهد مع الله، لا يحلّ نكثه، وقيل: في حق مَن أدرك البعثة فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أي: فما رَعَوا تلك الرهبانية حقها، حيث لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويؤيده قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم} إيماناً صحيحاً، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم {أجرَهم} ما يخصهم من الأجر، {وكثيرٌ منهم فاسقون} خارجون عن حد الاتباع، كافرون بالله ورسوله. الإشارة: كل زمان يبعث اللّهُ رُسلاً يدعون إلى الله، وهم الأولياء العارفون، خلفاء الرسل، بالبينات الواضحة على ولايتهم، لمَن سبقت له العناية، وأنزلنا معهم الكتاب، أي: الواردات الإلهية، والميزان، وهو إلهام اصطلاح التربية المناسبة لذلك الزمان، فيزن بها أحوالَ المريدين، ويعطي كل واحد ما يناسبه من الأوراد، والأعمال، والأحوال، ليقوم الناس في أنفسهم بالقسط، من غير إفراط ولا تفريط، وأنزلنا الحديد، إشارة إلى الجذب، الذي في قلوب العارفين، فيه بأس شديد، يذهب العقول، ومنافع للناس، لأنه هو النور الذي يمشي به الوليّ في الناس، إذ بذلك الجذب يجذب قلوبَ المريدين، ومَن لم يكن له ذلك الجذب، فلا يصلح للتربية؛ لأنه ظاهري محض، ولا بُد لهذا الجذب أن يصحبه سلوك في الظاهر، وإلاَّ فلا يصلح أيضاً للتربية كالمصطلمين. خصّ هذا النور بأوليائه لِيعلم مَن ينصُر دينَه وسنةَ رسوله منهم، بالغيب، أي: مع غيب المشيئة عنهم، فهم يجتهدون في نصر الدين، وينظرون ما يفعل الله، وما سبق به القدر، وأمّا أمر الربوبية فهم في مقام العيان منها، إنَّ الله قوي، يُقوي قلوب المتوجهين، عزيز يُعز من يجتهد في نصر الدين. ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم، خصّ هذين الرسولين؛ لأنّ نوحاً عليه السلام كان في غاية القوة والشدة، وإبراهيم كان في غاية الليونة، وهكذا أولياء كل زمان، بعضهم يميل للقوة جدّاً، وبعضهم يميل للرطوبة، فإذا أراد الله أن يُظهر طريقةً أ مِلةً جعل فيها هذين الضدين، من الأولياء مَنْ يميل لليونة ومَنْ يميل للقوة، ليعتدل الأمر في الوجود، فإن انفرد صاحبُ القوة احترق الوجود، أو غرق، كما جرى في زمان نوح عليه السلام، حين انفرد بالقوة، وإن انفرد صاحب الليونة وقعت برودة في الدين، كما وقع في زمن إبراهيم عليه السلام إذ لم تكن أمته كثيرة، ولمّا اجتمعا في زمان موسى كثرت أتباعه؛ لأنَّ موسى عليه السلام كان قوياً، وهارون كان ليناً، فكثرت أتباعه. وعظمت هذه المة المحمدية لدوام اجتماعهما في أمته، فكان عليه الصلاة والسلام سهلاً ليناً، وكان في مقابلته عمر من وزرائه قوياً صلباً في دين الله، ثم استخلف أبو بكر على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم فقابله عمر رضي الله عنه، فلما استخلف عمر ولان؛ قابله عليّ رضي الله عنه، وهكذا كل طائفة كثرت أتباعها تجد فيها هذين الضدين. سبحان المدبِّر الحكيم، الجامع للأضداد. وقوله تعالى: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفةً ورحمةً} هي صفة المريدين المتوجهين، ورهبانيةُ هذه الأمة: المساجد والزوايا، كما في الحديث. وليس من شأن العارفين الانفراد في الجبال والفيافي، إنما شأنهم خلط الناس وإرشادهم. قال الورتجبي: وصف الله تعالى هنا أهل السنة وأهل البدعة، أهل السنة: أهل الرحمة والرأفة، وأهل البدعة: أهل الرهبانية المبتدعة من أنفسهم. وصف الله قلوب المتمسكين بسنّة الأنبياء بالمودة والشفقة في دينه ومتابعة رسله، فتلك المودة من مودة الله إياهم، وتلك الرحمة من رحمة الله عليهم، حيث اختارهم في الأزل؛ لأنهم خلفاء الأنبياء، وقادة الأمة، ووصف المتكلفين الذي ابتدعوا رهبانية من أنفسهم، مثل ترك أكل اللحم، والجلوس في الزوايا للأربعين، عن الإتيان إلى الجمعة والجماعات، لأجل قبول العامة، فإنهم ليسوا على الطريق المستقيم، بل هم يتبعون شياطينهم، الذي غوتهم في دينهم، بل زيّنوا في قلوبهم المحالات والمزخافات، وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، ورضوان الله هو في الشريعة والطريقة الأحمدية صلى الله عليه وسلم. هـ. وقوله: "الأربعين" كان العبّاد ينذرون خُلوة أربعين يوماً، فيتخلّفون عن الجمعة والجماعة، والأمر كما قيل: إذا ثبت عدالة المرء فليترك وما فعل، فهو أسلم. والله تعالى أعلم. ثم أمر أهلَ الكتاب بالدخول في الإسلام، أو: أهل الإيمان بدوامه، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : أقسم سبحانه أنه أرسل الرسل المبعوثين منه - وهم الملائكة والأنبياء عليهم التقديس والتسليم - بالحجج والمعجزات الباهرة، وأنزل معهم الوحي والميزان. والأول للهداية إلى العلوم والتعليمات، والثاني للإرشاد إلى الأعمال والمعاملات، ولهذا عقّبه بقوله: ليقومَ الناس بالقسط - أي: في معاملتهم بالعدل. روي أن جبرائيل (عليه السلام) نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: "مُرْ قَوْمَكَ يَزِنُوا به". وعن ابن زيد والجبائي. ومقاتل بن سليمان معناه: وأنزلنا معهم من السماء الميزان ذا الكفّتين يوزن به - وفيه سر -. وعن قتادة ومقاتل بن حيان: معناه أنزلنا صفة الميزان، أي أمرنا الناس بالعدل، كقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الشورى:17]. وأنزلنا الحديد - الذي يتخذ منه آلات الحروب للذبّ عن بيضة الإسلام، ولبأس أهل الفساد ومنفعة الناس، إذ ما من منفعة به الناس ديناً ودنياً إلاَّ والحديد آلتها كالكتابة والزراعة وغيرهما. روى ابن عمر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: حديث : إن الله - عز وجل - أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: أنزل الحديد والماء والنار والملح . تفسير : ومعنى الإنزال عند أهل المعنى: الإنشاء منها، لأن الحوادث الكونية إنما تخلق من الله بتوسط الأسباب الفاعلة السماوية، والمواد القابلة الأرضية، فمعنى قوله: أنزلنا الحديد: أنشأناه وأحدثناه، كقوله: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر:6]. وعلى هذا المعنى أيضاً يُحمل أمثال قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}تفسير : [الفرقان:48] فإن السموات ليست حياضاً وغدراناً للمياه ولا اصطبلاً للدواب، وإلى شبه هذا ذهب مقاتل فقال: "معناه: بأمرنا كان الحديد". وقال قطرب: معنى "أنزلنا" ها هنا "هيّأنا" من النُزل، وهو ما يُهيّأ للضيف، أي: أنعمنا بالحديد وهيأنا، لكم. وقيل: "نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة". وروي: ومعه المرّ والمسحاة. وقوله: ليعلم الله من ينصره ورسوله -، معطوف على قوله: ليقوم الناس بالقسط - أي: ليعاملوا بالعدل، وليعلم الله نصرة من ينصره ورسلَه باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح. ويحتمل أن يكون معطوفاً على محذوف دلّ عليه ما قبله، فإنه حال متضمن تعليلاً، واللام صلة لمحذوف، أي: أنزله ليعلم الله -. وقوله: بالغيب - حال من المستكنّ في: "ينصره"، أي: ينصره ورسله غائباً عنهم بمجرد العلم الواقع بالنظر والاستدلال من غير مشاهدة حسيّة، كما قال ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه. ان الله قوي -، على إهلاك من أراد إهلاكه، - عزيز -، منيع لا يفتقر إلى نصرة، وإنما كلفهم الجهاد لينتفعوا به في العاجل، ويستوجبوا الثواب بامتثال الأمر به في الآجل، وليجمعوا بين الرحمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة. مكاشفة هذه الآية - كنظائرها - مشتملة على إشارات إلى فوائد نفيسة من علم المبدأ والمعاد، وتنبيهات على فوائد شريفة من معرفة سلوك طريق الآخرة، وأخذ الزاد، ينبغي التنبيه عليها: الفائدة الأولىٰ الإشارة إلى كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب وبيانه: أن سعادة الإنسان منوطة بأمرين: أحدهما: الاطلاع على الحقائق والمعقولات بالعلوم الكلية. وثانيهما: الاتصاف بالصفات المحسّنات، والتنزه عن القيود والمضائق السفليات بالآراء العلمية. وهذه الكمالات، مما يخلو الإنسان منها في أول الحدوث، لكونه ضعيف الخلقة، كما أشار إليه بقوله: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء:28]. بل فائضة عليه من الله تعالى بتوسط الملائكة العلوية، وليس كل واحد من الناس مما تيسر له التفطن بالكمالات، والاتصال بعالم العلويات إلاَّ مَن أيّد بروح قدسي يتصل بفيض علوي، ويعلم الأشياء بإلهام غيبي ومدد سماوي، وهذا الإنسان هو "النبي" أو "الولي"، وما يقبله بحسب صفاء باطنه وإشراق روحه عن الملك الملقي إليه المعارف، هو "الوحي" للأنبياء، أو "الإلهام" للأولياء. وستعلم الفرق بينهما. فلا بد لهداية الخلق وإرشادهم إلى طريق النجاة، وإيصالهم إلى المعادن، من وجود متوسط بينهم وبين الله يأخذ منه العلوم والكمالات من غير تعليم بشري، ويوصله إليهم: {أية : وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الجمعة:2]، كيف ولو أخذ كل إنسان علمه من إنسان آخر - من غير أن ينتهي إلى الوحي والإلهام -، لأدّى ذلك إلى غير النهاية، فلا بد من الانتهاء إلى من يأخذ العلوم والكمالات من معدن اللاهوت بلا تعلّم أو تقليد. ولا يُتَوَهَّمَنَّ أن النبي يأخذ العلوم عن الملك الموحى إليه على سبيل التقليد، - هيهات -، العلم التقليدي ليس علماً في الحقيقة، إذ العلم هو اليقين، وهو لا يحصل إلاَّ مع الظفر بالمبادئ والأسباب بسبب اتصال النفس القدسية بالملائكة، وأخذها العلوم منهم، فإن الغير المنطبع لولا احتجابه بالبدن وقواه، وتعلقه بالدنيا، واخلاده إلى الأرض، يتصل بالمبادئ العالمية والملائكة المقرّبين، وخصوصاً بما يقرب الينا ويؤثر في عالمنا هذا، وهو المسمى بـ "روح القدس" المعلم للأنبياء، و"جبرائيل" على لغة السريانيين، فلو اتصلت به لتلألات فيه النقوش العلمية والصفات الكمالية التي فيها، إذ لا مباينة بين المجرّدات إلاَّ المادة، ولا منع ولا تقصير ولا بخل في الجود والإفاضة، لأن هذه الأشياء من خواص عالم الأجسام لتضايقها وتمانعها، فلدى الارتفاع عن ذلك يطالع المغيبات. ومن جرّب من نفسه صحة المنامات - والنوم إنما هو انحباس الروح عن الظاهر في الباطن -، لا يستبعد من أن يكون نفس شديدة الارتفاع عن هذا العالم، قويّة الاتصال بالملكوت الأعلى تتلقى منه المعارف الكلية والحقائق العقلية، كما تتلقى أكثر النفوس في بعض الأحايين من الملكوت الأوسط شيئاً من المغيّبات الزمانية المادية. ومنبع المكاشفات العقلية المعنوية، عالم العقول والملائكة العقلية، ومعدن المكاشفات الصورية الحسية، عالم النفوس الفلكية والملائكة العملية. فالمكاشفة العقلية أحد أجزاء النبوة، وهو جزء مشترك بين الأنبياء والأولياء، وللنبوة جزءان مختصان: أحدهما: أن يكون النبي مأموراً من السماء بإصلاح النوع. والثاني: طاعة الهيولى العنصرية له، بل طاعة هيولى الأفلاك بالشق والرم بسيدهم وخاتمهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لظهور المعجزات وخوارق العادات. وتحقيق ذلك؛ أن الإنسان ملتئم من أجزاء ثلاثة، من عوالم ثلاثة، هي مبادئ إدراكات ثلاثة: التعقل، والتخيّل والإحساس. فبكل من هذه القوى يتصرف في عالم من العوالم الثلاثة: الدنيا، والآخرة، وما هو فوقهما - أي عالم الوحدة -، وقد ثبت أن كل إدراك هو ضرب من الوجود، فكمال كل واحد من هذه القوى يوجب التصرف في عالم من تلك العوالم، والنبي هو الإنسان الذي تقوى فيه وتكمل وتشتد جميع هذه القوى الثلاث، فبالقوة العاقلة يتصل بالقدسيين، ويجاوز المقرّبين، وينخرط في سلكهم - بل يفوق عليهم عند اتصاله بالحق وفنائه عن الخلق واندكاك جبل إنّيته، كما أخبر عن نفسه بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا نبي مرسل ". تفسير : وبالقوة المصورة، يشاهد الأشباح المثالية والأشخاص الغيبية، ويتلقى الأخبار الجزئية منهم، ويطلع بهم على الحوادث الآتية والماضية. وبالقوة الحساسة - المساوقة للقوة المحركة - يتسلط على أفراد البشرية، وتنفعل عنه المواد، وتخضع له القوى والطبائع الجرمانية تسلّط العالي على السافل، وخضوع السافل للعالي. فالدرجة الكاملة من الإنسان بحسب نشأته الجامعة لجميع العوالم، هي التي يكون الإنسان بها معظّماً عند الله، مؤيّداً منه بتأييد تام، وإلهام غيبي، وإمداد ملكي، واعانة فلكية يكون بحسبها قويّ القوى الثلاث كلها، ليستحق بها خلافة الله ورئاسة الخلق من قِبَله. فعُلِم مما ذكرنا، أن أصول المعجزات والكرامات، هي كمالات ثلاثة تختص بقوى ثلاث: الخاصية الأولى: كمال القوى العاقلة، وهي أن يصوف عقل الإنسان صفاء يكون شديد الشبه بالملائكة المقرّبين - المسماة عند بعضهم بالعقول الفعّالة - ليتصل بهم من غير كثير تفكّر وتعمّل، حتى يفيض عليه العلوم اللدنية من غير توسط تعليم بشري، بل تكاد أرض نفسه الناطقة تشرق بنور ربها، وزيت عقله المنفعل يضيء لغاية الاستعداد بنور العقل الفعّال، الذي ليس هو بخارج عن كمال ذاته وان لم تمسسه نار التعليم البشري، لكن عند تميز ذاته القابلة للمعقول عن ذات المقبول من العقول، صارت نوراً على نور، يهدي الله لنوره من يشاء. الخاصية الثانية: كمال القوة المصّورة، وهو كونها في الشدة والقوة بحيث يشاهد في اليقظة عالم الغيب - كما قد يشاهد النائم في نومه -، وذلك لأن قوى النفس وان كانت متجاذبة متنازعة، كلما انجذبت النفس إلى بعضها - كالظواهر - انقطعت عن الأخرى - كالبواطن -، لكن إذا لم يكن ضعيفة منفعلة عن الجوانب، بل كانت قوية غير منفعلة عنها وسيعة للجانبين تحفظ الجميع، فعند استعمال الحواس الظاهرة تستعمل الباطنة، وتشاهد المغيّبات في اليقظة، فتدرك المعقولات والكليات عن الوسائط العقلية، وتشاهد الصور الجميلة والأصوات الحسنة المنظومة على الوجه الجزئي في مقام هو رقليا، أو في غيرها من العوالم المتوسطة البرزخية الباطنية. وليعلم أن العوالم متطابقة متحاكية، فكل ما يدرك هذا الإنسان من عالم العقل، يقع له حكاية منه في عالم الأشباح الباطنية، فذات العقل المفيض مطابقة البدن للروح، واللفظ للمعنى، فتكون الصورة المحاكية للجوهر الشريف العقلي هي الملك الذي يراه النبي والولي، أما النبي بما هو نبي، فعلى طريق الحكاية والصورة، وأما الوي بما هو ولي، فعلى طريق التجرد الصرف، وهذا أفضل أجزاء النبوة. لكن النبي - لكمال قوته البدنية والعقلية - جميعاً -، يدرك الملك الموحي على الوجهين - بخلاف غيره من الأولياء -، وكذا الحكم في المعارف التي تصل إلى النبي معنى وحكاية، وإلى الولي معنى فقط، فالشخص الملقي للمعارف على الوجه المذكور، هو الملك الموحي بإذن الله، والكلام النازل منه في غاية الفصاحة هو كلام الله والوحي. فعُلِمَ ممّا ذُكر، أن للملائكة ذواتاً حقيقة أمريّة، وذواتاً بحسب القياس الينا من جهة القوة المصورة التي شأنها حكاية المعقولات، حكاية صحيحة طبيعية، وكذا للقرآن حقيقة معقولة لا يطلع عليها أحد إلاَّ من شاء الله تعالى، وحقيقة بالقياس إلى مداركنا وحواسنا، كما أن للحق تعالى ذاتاً أحدية لا يكتنهها أحد غيره، وذاتاً متصفة بالإضافات والاستواء على العرش. فلينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه، وفي إيصال كلامه إلى أفهام خلقه، وانظر كيف يجبل لهم إياه في حروف وأصوات - هي صفات البشر -، ولو استتر كنه جمال كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع كلامه عرش ولا ثرى، ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره، ولولا أن ثبّت الله موسى - على نبينا وعليه السلام -، لما أطاق سماع كلامه، كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حيث صار دَكاً دكّاً. وقد عبّر بعض العارفين عن هذا وقال: إن كل حرف من كلام الله في اللوح أعظم من جبل قاف، وان الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن ينقلوه لما أطاقوه، حتى يأتي إسرافيل - وهو ملك اللوح -، فيرفعه فينقله بإذن الله لا بقوته وطاقته، ولكن الله طوقه ذلك واستعمله به. فقوله: "كل حرف من كلام الله أعظم من كذا..."، المراد منه أن كل معنى من المعاني العقلية بحيث لا يمكن حمله بقوة جسمانية - لما ثبت من أن المعنى العقلي لا يحمله المحل الجسماني -، والملائكة الذين لا يطيقون حمل المعاني العقلية الكلية، هم الملائكة الجسمانيون، فحق أن المعاني القرآنية ما لم تنزل بكسوة التعينات الجزئية والأصوات والألفاظ، لا تحملها الطبائع الجسمانية والمدارك الخيالية الانطباعية. والمراد بإسرافيل، إما الملك العقلاني المفيض لفلك الشمس التي هي بمنزلة قلب العالم - كما مر -، أو الملك النفساني المدبَّر لها. وظاهر أن العقول المجردة لا تحمل المعاني الكلية إلاَّ بافاضة الله تعالى عليها. الخاصية الثالثة: قوة في النفس الإنساني من جهة جزئها العملي وقواها التحريكية لتؤثر في هيولى العالم بازالة صورة ونزعها عن المواد، وبإيجادها وكسوتها إياها، فتؤثر في استحالة الهواء إلى الغيم، وحدوث الأمطار، وحصول الطوفانات، وإهلاك أمة فجرت وَعَتَتْ عن أمر ربها ورسله، وشفاء المرضى، وإرواء العطشى، وخضوع الحيوانات. وهذا أيضاً غير مستحيل، لما قد علمت، أن الأجسام مطيعة للمجرّدات، بل هي ظلال لها وعكوس عنها، فكلما أزدادت النفس تجرداً وتشبّهاً بالمبادئ القصوى، ازدادت قوة وتأثيراً في ما دونها، وإذا صدّقت أن مجرد التصور والتوهم يحدث هذه التغيرات والانفعالات في هيولى البدن، وليس ذلك لكون النفس ملاصقة بالبدن منطبعة فيه، بل لتعلق قهري وارتباط عِلّي (عقلي)، وعلاقة شوقية لها به، فلا تتعجب من نفس شريفة قوية تؤثر في بدن الغير، وفي هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل مزيد قوة شوقية، واهتزاز علوي، ومحبة الهية لها، وشفقة لها على خلق الله شفقة الوالد على ولده والأم على ولدها، فتؤثر نفسه في إصلاحها وإهلاك ما يضرها، والمجاهدة لما يفسدها. وكما ان الخاصية الثانية توجد بوجه غير مرضي ولا محمود في نفوس الأشرار، فكذا هذه الخاصية يوجد شيء منها في بعض النفوس القوية من غير تألّه ولا معرفة، بل لشدة قوتها التأثيرية قد يتعدى تأثيرها في بدن آخر حتى يفسد الروح بالتوهم، ويعبّر عن هذا بإصابة العَين. كما روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنه قال: "حديث : العين تدخل الرجل القبر، والجَمَلَ القِدر" تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: "حديث : العين حق ". تفسير : فإذا كان هذا النحو من التأثير - أي بدون آلة جسمانية - ممكناً في حق الأشرار، فما ظنك بنفوس عظيمة شديدة القوة شديدة البراءة عن المواد، كيف لا يتعدى تأثيرها عن بدنها وعالمها الصغير إلى غيره فيؤثر في هيولى العالم تأثيرها في بدنه، ومثل هذا يعبّر بالكرامة والمعجزة عند الناس. والخاصية الأولى أفضل أجزاء النبوة عند الخواصّ، ولهذا كان أعظم معجزات نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القرآن، وهو كما ترى مشتمل على المعارف الإلهية. وحقائق المبدأ والمعاد، وسلوك الطريق إلى الله تعالى، وبيان أحوال الواصلين إليه تعالى على وجه عجز عن دَرْكه إلاَّ الأقلّون من الراسخين من أمته. وفيه الأخبار عن المغيبات والأفعال الخارقة للعادات، مع أن نفسه أيضاً من المعجزات العقلية التي كلّت أذهان العقلاء عن دَرْكها، وخرست ألسن الفصحاء عن وصفها. فهذا ما أوردناه من معنى إرسال الرسل وكيفية إنزال الكتب. الفائدة الثانية الإشارة إلى تكميل القوة النظرية وتعديل القوة العملية المستفادين من لفظي الكتاب والميزان والاقتران بينهما في الإنزال، والتعليل لهما بقيام الناس بالقسط. وبيان ذلك: ان للإنسان هويّة مجردة عن الأحياز والأمكنة، وهي لطيفة ملكوتية، وكلمة روحانية مضافة إلى الحق، فائضة بأمره من غير وساطة المواد واستعدادها إلاَّ بالعَرَض - كما حققناه في موضعه -، وهي المشار إليه بقولنا: "أنا"، وهي الجوهر الباقي منّا إلى يوم الحشر والحساب، مع اضمحلال الأجزاء البدنية، وهي المحشورة إلى ربها عند القيامة بالبدن الأخروي المماثل لهذا البدن، بل عينه، لأن هوية البدن وتشخّصه إنما هو بالنفس في مدة بقاء الكون، وان تبدلت الأعضاء بالاستحالات الحاصلة من الحرارات الغريزية الطبيعية، والغريبة الداخلة، والمطيفة بالبدن الخارجة. وبالجملة، حقيقة الإنسان ليست إلاَّ ذاته المجردة، وكل ذات إنما يكون هلاكها في نقصها وضعفها وآفتها، ومجاورة ضدها، وبقاؤها في كمالها وقوتها وصحتها ومجاورة أشباهها، ولكل شيء كمال خاص، فكمال القوة الشهوية نيل المشتهيات واللذائذ الحسية، وكمال القوة الغضبية الظفر بالانتقام، وكمال القوة الحسية إدراك المحسوسات، وكمال القوة المتخيلة تصوير المتمثلات، وكمال الواهمة الظنون والرجاء. وللنفس الإنسانية في ذاتها كمال يخصها، ولها قوتان: إحداهما عاقلة نظرية متوجهة إلى الحق، والأخرى عاملة محركة للبدن متوجهة إليه، فكمال النفس بحسب قوتها النظرية بمعرفة حقائق الأشياء وكلياتها، والمبادئ القصوى في الوجود، وبالجملة معرفة الحق الأول بما لَهُ من صفات جماله، ونعوت جلاله، وكيفية صدور أفعاله عنه ورجوعها إليه، ومعرفة كونه غاية الأشياء الذي تتوجه إليه الموجودات في بقائها، كما تبتدئ منه في حدوثها، إلى غير ذلك من المعارف الحقّة التي كانت مستعدة لها أولاً عند كونها هيولانية الذات، ثم تحصل لها بسبب حصول المقدمات صورها على نحو البرهان الدائم اليقيني، ثم ستصير مشاهدة إياها فائضة من الحق الأول، ثم تصير متصلة بها، منخرطة في سلكها مستغرقة في شهود مبدئها ومعادها، بحيث لا تلتفت إلى ذاتها العارفة به تعالى، فضلاً عن غيرها، بل الاضمحلال في المعروف يذهلها عن كل شيء حتى عن ذاتها وعن عرفانها لمبدئها. فاليقين الأول هو العلم، والثاني هو العين، والثالث هو الحق، فهذا هو كمال النفس بحسب قوتها النظرية، ولا شبهة في أنه لا يحصل هذا الكمال إلاَّ بسبق معرفة الحقائق والعلم بالمعقولات، ولا شبهة في أن كتاب الله مشتمل على جلّها بل كلّها، ولا شك في أن حصول المعارف والعلوم متوقف على وساطة الرسول، ووساطته إنما تحصل بانزال القرآن، فقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الحديد:25]، إشارة إلى ما تستكمل به القوة النظرية. واما كمال النفس بحسب القوة العملية الذي يكون الميزان إشارة إليه فبيانه: أن النفس لما كانت في أول نشأتها ناقصة ضعيفة القوام بذاتها، فتحتاج في استكمالها بالكمال الذي قد سبق ذكره، إلى مادة بدنية تفيض وتستفيد بواسطة آلاته الجسمانية، ومشاعره الإدراكية، مبادئ إدراكاتها التصورية والتصديقية من الأوليات الحاصلة من المشاركات والمبائنات بين ما يقع الإحساس بها من المحسوسات الجسمانية، فتكون النفس في أول الاستكمال محتاجة إلى البدن وقواه على الوجه المذكور، ولذا قيل: "من فقد حساً فَقَدَ علماً". ثم إن البدن جسم مركب من عناسر متضادة، فله بحسب كل منها أضداد يجب الاحتراز عنها في مدة بقائها، وهو في أول التكون قليل المقدار صغير الجسم، لكون كل بدن حاصلاً من مثله في النوع بفضلة تحصل منه، وفضلة الشيء لا يمكن أن تساويه، فلهذا الوجه ولوجوه أُخر مذكورة في مظانّها، لا بد أن يكون في أول الحداثة قليل المقدار غير تام الخلقة، ويكون تمامه بورود الجسم الشبيه به - قليلاً قليلاً - في مدة حياته، وهو الغذاء، وطلبه إنما يكون بالشهوة، والشهوة لا بدّ لها من إدراك سابق، لأن كل جسم لا يصلح للتغذي، إذ ربما يكون سُماً قاتلاً أو مُضِراً، فيحتاج الإنسان إلى قوة ما يدرك المصلح من المفسد في الأجسام الغذائية، ولا بد أن يكون مدركاً بادراك جزئي من الحواس الظاهرة - لاجل التمييز -، والباطنة - لأجل الحفظ والذكر -، إذ ربما لا يكون في كل جسم ما يشهد كونه ملائماً أو منافياً في كل وقت. فثبت أن استكمال النفس متوقف على بقاء البدن مدة، وبقاء البدن متوقف على قوى ثلاث لأمور ثلاثة: قوة العلم للتمييز بين المصلح والمفسد، وقوة الغضب لدفع المفسدة، وقوة الشهوة لجلب المنفعة. ومباشرة النفس لهذه القوى الثلاث، من باب الضرورة كما علمت، وإلاَّ فكمالها في التجرد عنها، ومن ابتلي بصحبة الأخسّاء من الأضداد، فما دام اشتغاله بها وعدم الخلاص عنها، فالتوسط بين الأضداد بمنزلة الخلو عنها، فإن الماء الفاتر بمنزلة الخالي عن الحرارة والبرودة، فكمال النفس - عند استقلالها بالقوى الثلاث واستعمالها إياها -، توسطها بين الإفراط والتفريط فيها لئلاّ ينفعل عنها ولا يطاوعها في مآربها، بل يستعملها على هيئة الاستعلاء عليها لا الانقهار بها، وهي إنما تحصل بالتوسط فيها. أما قوة العلم - أي استعمال الحواس الظاهرة والباطنة في أمور الدنيا -، فتوسطها واعتدالها يسمى "بالحكمة" ومعناها غير العلم العقلي بحقائق الأشياء بالقوة النظرية، فإنها كلما كانت أوفر كانت أفضل: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}تفسير : [البقرة:269]، والإفراط في هذه القوة يسمى: "الجزبرة" وهي المكر والخديعة، والتفريط بها هو "البلاهة" و"السفاهة"، وكلا الطرفين مذمومان. وأما قوة الغضب: فتوسطها واعتدالها "الشجاعة" - وهي فضيلة كالجود -، وكلا جانبيها - وهما "التهوّر" و"الجُبن" - رذيلتان، كما أن طرفي الجود كالبخل والإسراف - مذمومان لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}تفسير : [الإسراء:29] وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}تفسير : [الفرقان:67]. واما قوة الشهوة فتوسطها واعتدالها هو "العفّة"، وطرفاها - وهما "الشَرَه" و"الخمود" رذيلتان. ومن تركيب هذه القوى الثلاث، وامتزاج أوساطها الثلاثة، تحصل قوة أخرى لها توسط - هي الفضيلة - المعبر عنها "بالعدالة". ولها طرفان مذمومان: طرف الإفراط وهو: "الظلم" وطرف التفريط وهو "الانظلام". فهذه الصفات الأربع أصول الفضائل العلمية، وأطرافها الثمانية هي الرذائل، ومجموعها حُسْنُ الخُلُق إذا صارت مَلَكة يناط بها خلاص الإنسان من ذمائم الأخلاق الموجب لسخط الباري وغضب الخلاّق، والتعذّب بالاحتراق بالجحيم لاجل الانحراف عن العدالة - المعبّر عنها بالصراط المستقيم -، فخير الأمور في هذا العالم أوسطها، فكما ان نفس الطريق المستقيم ليست مقصوداً، بل جوازها يؤدي إلى المقصود، فكذلك حُسْنُ الخُلُق ليس كمالاً، بل الاتصاف به يورث الخلاص من الجحيم، وإنما الكمال الحقيقي والمقصود الأصلي هو معرفة الحق الأول وما يليه من الصفات الجمالية والأفعال الإلهية التي تكمل بها النفس، وتقر بمشاهدتها العين السليمة من الأمراض الباطنية. فالميزان الذي يقوم فيه الناس بالقسط، وتعتدل به نفوسهم ويحسن خُلُقُهم، هو إشارة إلى مجامع الأخلاق الحسنة. وقد روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: "حديث : أثقل ما يوزن في الميزان خلق حسن ". تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : بُعِثْتُ لأتَمّم مكارم الأخلاق ". حديث : وقيل: "ما الدين"؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "الخُلُق الحسن" . تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : حُسْنُ الخُلق خُلق الله ". تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً: "حديث : إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ". تفسير : وإليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} تفسير : [الشمس:7 - 10]. وكما ان للحُسن الظاهر أركاناً - كالعين، والأنف، والفم، والخَدّ -، ولا يوصف الظاهر بالحُسن ما لم يحسن جميعها، فكذلك للنفس التي هي باطن الإنسان وجه إلى الخلق، ووجه إلى الحق، ووجهها الذي يلي الحق هو جهة وحدتها وبساطتها، ووجهها الذي يلي الخلق جهة تركيبها من الأخلاق، وللأخلاق أركان واصول، فلا بد من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، ولهذا كان في الأدعية النبوية "اللهم حسن خُلُقي" لحسن الوجه العملي التدبيري، و: "اللهم أرني الأشياء كما هي" لحسن الوجه العلمي الشهودي. والعدالة عبارة عن هيئة تحصل بها حسن وجه النفس، وهي فضيلة متضمنة لجميع الفضائل الخُلُقية، كما ان الحسن الظاهري فضيلة جسمانية متضمّنة لكمال سائر الفضائل الخُلْقية، وتناسب جميع الهيآت البدنية، والتخاليط والتشكيلات الجسمانية، ويعبر عنها بالميزان، لاشتراكها معه فيما يعرف به مقدار الشيء، إذ يعبر (يعرف - ن) بها فقد الأخلاق - التي بها زينة جوهر الذات الإنسية - عن زيفها، واستقامة الأعمال عن ميلها وحيفها، وخلاصها عن غشّها. والموازين لا يجب أن تتساوى جميعاً في الذات والماهية، بل في كونها ميزاناً، وانها مما يعرف به حال الشيء كمية أو كيفية، فإن الاسطرلاب ميزان والمسطرة ميزان، والعروض ميزان، والنحو ميزان، والمنطق ميزان، لاشتراك جميعها فيما به يسمى الميزان ميزاناً، وإن اختلفت في الماهية، لكن هذا الميزان الذي كلامنا فيه هو بعينه ما سيعود يوم القيامة بصورته المناسبة للنشأة الآخرة، فيعرف به كل واحد من الناس مقدار عمله بمعيار صادق، ثم يحاسبون على أقوالهم وافعالهم وضمائرهم ونيّاتهم مما أبدوه أو أخفَوه، ثم يساقون إلى الصراط - وهو جسر ممدود بين منازل الأشقياء والسعداء أحَدُّ من السيف وأدقُّ من الشعر، يخف عليه من استوى في الدنيا على الصراط المستقيم، الذي هو صورة العدالة ومثاله في الآخرة. وقد أشرنا إلى أن فضيلة العدالة ليست فضيلة حقيقية للإنسان وخيراً حقيقياً، بل هي طريق مستقيم إلى الكمال والخير الحقيقيين، فلا بد من جوازها حتى تصل النفس إلى كعبة المقصود، وتتنعم بالنعيم ومجاورة المعبود. فهذا ما أردنا من بيان معنى الميزان الذي يقوم به الناس بالقسط. الفائدة الثالثة الإشارة إلى ترتيب سلسلة الموجودات وتقدم بعضها على بعض وتأخر بعضها عن بعض بحسب الشرف والكمال والحاجة والافتقار في النزول منه والصعود إليه: وبيان ذلك؛ بأن أوائل الموجودات الصادرة عنه تعالى، التي صدرت بمحض الجود والخير من غير استعداد وتركيب - وهي التي تسمى "بعالم الأمر"، لوجودها عنه تعالى بمجرد أمره، من غير توسط وجود قابل، واستدعاء افتقار ثابت وتضرع بلسان استعداد لوجودها، وصدورها عنه تعالى على هذا الوجه، وهي عقول مفارقة - هي "الملائكة المقرّبون"، وعالمها "عالم القضاء". ثم نفوس مجرّدة هي "الملائكة المدبّرون"، وعالمها "عالم التقدير والتدبير". ثم أجرام سماوية، وعالمها "عالم الأعمال والحركات" التي تنشأ منها العناصر الأربعة بتوسط هيولاتها المشتركة، وهي نهاية تدبير الأمر المشار إليه في قوله تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة:5]. وأما الموجودات الفائضة عنه بتوسط المواد والقوابل والاستعداد، فهي المركّبات على هذا الوجه: المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم أول درجة الإنسان، وهو الذي في أوائل العقول، ثم مرتبة أهل الإيمان، ثم مرتبة العلماء، ثم الأولياء والأنبياء. وعند الوصول إلى رتبة الأولياء والأنبياء، وقع الوصول إلى الحق، فرجعت سلسلة الموجودات في الصعود إلى الحق ثانياً عند ارتفاعها عن درجة النقصان والخسّة، إلى حيث نزلت منه تعالى أولاً، فهو تعالى مبدأ الأشياء وغايتها، وهو الأول والآخر. وإذا تمهد هذا: فقوله: لقد أرسلنا - إشارة إلى عالم الملكوت المتوسطة بينه وبين الخلق، وهو مشتمل على الملائكة والأنبياء، ولا تتم النبوة إلاَّ بالمَلَك النفساني الذي يخبر بالحوادث الآتية والماضية، ولا تنصلح أخباره للرسول إلاَّ بعد استعلامه من الملك العقلاني المتوسط بينه وبين الله، الذي تستفاد منه حقائق الاعتقادات الكلّية، فكما أن الأنبياء يُصلحون اعتقادات الخلائق، فكذلك الملائكة يصلحون بعضهم بعضاً، إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل قوام، ومطلع كل حسن ونظام. وقوله: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الحديد:25]، إشارة إلى الملك النازل على قلوب الأنبياء بالوحي، وحكم الأنبياء عند اتصالهم بعالم الغيب ومشاهدتهم الملائكة، هو بعينه حكم الملائكة في منزلتهم ومرتبتهم في الوجود، وإن صَدَقَ عليهم حين نزولهم من عالم تقدّسهم إلى درجة أفهام الخلق قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [فصّلت:6]. ثم إن الإرسال والإنزال أمران نسبيّان، يدلاّن على المنزل والمهبط بالالتزام، ومهبط نزول الرسل (الوحي - ن) والملائكة عالم الأجسام، والهبوط لا بد فيه من المرور على المراتب المتوسطة بين عالم القدس وعالم الجرم الأرضي الذي هو أسفل السافلين، فقد وقعت الإشارة إلى المراتب الكلّية لسلسلة النزول. واما الإشارة إلى سلسلة الصعود: فلفظ الميزان مما يحتمل أن يكون إشارة إلى التعادل في العناصر الذي يقال له المزاج، المشار إليه بقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن:7]، وهو الذي به تتهيّأ المواد العنصرية لأن تحصل منه المواليد الثلاثة، فإن المانع عن قبول الحياة والشرف من الله تعالى في الأجسام السفلية هي التضادّ، وإلاَّ فالجود مبذول والرحمة واسعة، أَولاَ ترى أن الأجرام العلوية لخلّوها عن التضاد في الكيفيات، حيّة مطيعة لله تعالى في أوامره ونواهيه، لا كارهة كالأرضيات، كما وقعت الإشارة في قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} تفسير : [فصّلت:11]، وقوله: {أية : وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا}تفسير : [فصّلت:12]. فكلما أوغلت العناصر عند الامتزاج في الاعتدال والتوسط بين أطراف الأضداد، الذي هو بمنزلة الخلوّ عنها، يستعد لافاضة كمال أشرف وحياة أرفع. فأول ما يحصل لها من التوسط والاعتدال، هو ما تحصل منه المعادن على مراتبها ثم النبات كذلك، ثم الحيوان على أنواعه، ثم الإنسان على طبقاته في الشرف والبراءة من الأضداد، وقد تقرر في العلوم الإلهية: ان الطبيعة ما لم تستوف النوع الأخسّ لم تتخطّ إلى النوع الأشرف، فقوله: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} [الحديد:25] إشارة إلى وجود صورة الإنسان بحسب القِسط والعدل في كيفيات عناصره وكمياتها، وهو المزاج المعتدل الإنساني، الذي هو أشرف الأمزجة المعبر عنه بالتسوية في قوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} تفسير : [الحجر:29]. وكون الميزان إشارة إلى الاعتدال في الكيفيات والصفات الجسمانية لأجزاء البدن، لا ينافي كونه إشارة إلى العدالة في الأخلاق النفسانية، أما علمت أن وجوه فهم القرآن لا تنحصر في واحد، فإن للقرآن ظهراً وبطناً وحدّاً ومَطْلعاً - كما ورد في الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) -، بل ذلك الوجه يلائم هذا الوجه ويطابقه تطابق الظاهر للباطن، إذ العوالم متطابقة، والنشآت متحاذية، فالاعتدال في المزاج يستدعي أن تكون الصورة الإنسانية الفائضة عليه عدلاً في الصفات المعنوية، واصول الأخلاق النفسانية، التي هي بمنزلة صُوَر الكيفيات الجسمانية. وقوله: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} [الحديد:25]، إشارة إلى درجة المعادن، وهي الدرجة النازلة من المواليد، كما أن الدرجة الإنسانية من الحيوان - المشار إليها بقوله: {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} [الحديد:25]، هي الدرجة العالية منها. وقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد:25]، يومئ إلى درجة النباتات، لأن الحديد آلة الحرث والغرس. على أن من الإشارة إلى الجماد والى نوع من الحيوان - وهما الطرفان النازل والعالي من المركّبات -، لزمت الإشارة إلى النبات بالالتزام، على ما مر من توقف النوع الأشرف على النوع الأخسّ في سلوك الطبيعة درجات الصعود إلى الحق، كما يتوقف الأخسّ على الأشرف في النزول عنه، والى الحيوان بالتضمن، لأن الحيوان بما هو حيوان جزء من الإنسان، ودلالة الشيء على جزئه بالتضمن. وأما قوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ}، إشارة إلى درجة أهل الإيمان والمعرفة، لأنهم ينصرون دين الله بالمجاهدة مع الكفار، وهم متفاوتون في الفضيلة، وأفضلهم العلماء الذين ينصرون دينه تعالى بالاجتهاد والاستنباط بالفكر الصحيح. وقوله: {وَرُسُلَهُ}، إشارة إلى درجة الأنبياء والأولياء، الذين بهم ينتهي ارتقاء المكوّنات في توجههم شطر كعبة الحق وتلقاء مدينة الخير الحقيقي، الذي لا يشوبه شَوْبُ قصور وزوال، وهو الله العزيز المتعال، القوي الشديد في الآثار والأفعال، ولذلك وقع الانتهاء باسم ذاته تعالى صريحاً مع ذكر صفة كمالية إضافية، واخرى جلالية سلبية، كما وقع الابتداء به ضمناً، وكذا وقع الالتفات من التكلم إلى الغيبة، لأن السلسلة الأولى شعورية، والأخرى إشعارية، فابتدأت الأولى بما يناسبها من الشعور دون الإشعار، وانتهت الثانية أيضاً بما يناسبها من الإشعار، ولأن أهل السلسلة الأولى أصحاب الجبر والاستغراق في الشهود والفناء والهيمان، فلا التفات لهم إلى ذواتهم، ولا إرادة لهم سوى إرادة الله، وأهل السلسلة الثانية أصحاب الاختيار والإرادة المنفصلة عن إرادة الله، وذلك لوجود الوهم والخيال فيهم، وهو مناط التكليف، لزعمهم أن لهم وجوداً مستقلاً بالذات، فالإضمار والتكلم يناسب الأولى، والإبراز والغيبة يناسب الثانية. الفائدة الرابعة الإشارة إلى علمه بالجزئيات الزمانية على الوجه الجزئي. وهو الذي حارت فيه أفهام الحكماء والفضلاء حيث ذكروا أن العلم بالشيء على سبيل التجدد والتعاقب يوجب التجسّم والتغير في ذات العالِم، مع أن القرآن مشحون بذكر ما يدل على تجدد اختبار وابتلاء، واستيناف نحو من أنحاء العلم، كقوله تعالى في هذه الآية: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحديد:25]، وكقوله: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}تفسير : [هود:7]. ومن هذا القبيل، كل آية وقعت فيها نسبة الابتلاء إليه تعالى، وهذا أمر لا يعرفه النظّار بقوة البحث والنظر إلاَّ من أيّده الله بتوفيق خاص إلهي، يصل به إلى إدراك الحق بأقدام العبودية والإخلاص في العلم والعمل، وقد أومأنا إليه وإلى كشفه في مواضع متفرقة من الأسفار. الفائدة الخامسة الإشارة إلى الفرق بين معاني الغاية التي قد يقع بأزائها. حرف "اللاّم" فإن الغاية قد يراد بها: "السبب الغائي"، وهو ما به يكون الفاعل فاعلاً تامّاً، وقد يراد بها: "ما يؤدي إليه الفعل" من غير أن يكون مقصوداً للفاعل في فعله، ويقال له: "الضروري"، وقد يراد بها "ما ينتهي إليه الفعل" بحسب الذات والقصد جميعاً. والغاية بالمعنى الأول في أفعاله تعالى لا تكون إلاَّ ذاته، لأنه تام الفاعلية والإيجاد، وبالمعنى الثالث، لو أريد به آخر ما ينتهي إليه الفعل، فهو أيضاً ذاته، وقد يكون غيره، كما في الحديث القدسي عنه تعالى: "لولاك لما خلقت الأفلاك". وأما المعنى الثاني، فهو لا يكون إلاَّ غير ذاته. ومثال المعنى الأول: تصور السكنى في بناء البيت للباني، بل تصور الراحة التي يتصورها عند السكنى. ومثال المعنى الثاني: المنفعة الحاصلة للأجير في بنائه. ومثال الثالث: وجود السكنى أو الراحة الذي ينتهي إليه الحركات البنائية. فقوله: - أرسلنا رسلنا - وما عطف عليه، إشارة إلى العلة الغائية بالمعنى الأول، لأن الإرسال والإنزال فعلان اختياريان، لا بد فيهما من علة غائية، وقوله: ليقوم الناس، إشارة إلى الغاية بمعنى الضروري، وقوله: وليعلم الله من ينصره -، إشارة إلى الغاية الذاتية التي ينتهي إليها الفعل بالذات. الفائدة السادسة الإشارة إلى عنايته وحكمته في خلق الحديد وعجائبه وفوائده، وكيفية حدوثه من الأدخنة والأبخرة المحتبسة في الجبال، والمعادن، مدة مديدة بإذن الله تعالى بتوسط الكبريت والنفط والقير وغيرها، مما يتوسط في القوام بين رقة الأدخنة ولطافتها، وغلظ الحديد وكثافته، واطاعته للإنسان في قبول الذوبان واللين بالحرارة النارية، وقبول الاستطراق تحت المطارق، وبقاء لينه عند الطرق حتى تتخذ منه الآلات الصناعية على أي وجه أريد، ثم رجوعه إلى جموده الأصلي عند التبرد لتبقى التشكّلات المقصودة منه في كل صنعة. فانظر إلى رحمة الله كيف هدى الناس إلى تحصيله من الجبال، ثم إلى كيفية تليينه بالنار، واتخاذ آلات الصنائع منها لجلب المنفعة ودفع المضرة، الحاصلتين عند استعمالها بداعية العمال الشهوية والغضبية، المنبعثتين عند استعمال النفس المدبرة إياها بإشارة العقل المكمّل الهادي إليها بإلهام الحق له، وهو تعالى الأول في البداية، والآخر في النهاية، ومنه الإفاضة والجود في المبدأ والغاية.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} اى بأحكام الرّسالة او المعجزات الدّالّة على صدقهم فمن اراد الايمان فليقبل عليهم {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} اى كتاب النّبوّة والكتب التّدوينيّة والملل الالهيّة صورها ولهذا ورد عن الصّادق (ع) فى هذه الآية الكتاب الاسم الاكبر الّذى يعلم به علم كلّ شيءٍ الّذى كان مع الانبياء (ع) قال: وانّما عرف ممّا يدعى كتاب التّوراة والانجيل والفرقان فيها كتاب نوحٍ وفيها كتاب صالحٍ وشعيب وابراهيم (ع) فأخبر الله عزّ وجلّ {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : (ع) [الأعلى:18-19] فاين صحف ابراهيم؟ انّما صحف ابراهيم (ع) الاسم الاكبر وصحف موسى (ع) الاسم الاكبر {وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} الميزان كلّما يقاس به شيءٌ آخر من ذوى الكفّتين والقبان وخيوط البنّائين وسيرة السّلاطين فى سلطنتهم واحكام الشّرائع القالبيّة الملّيّة والعقل والرّسول والرّسالة والولىّ والولاية والكتب السّماويّة، لكنّ الميزان الّذى يقوم النّاس به بالقسط هو الولاية وقبولها واحكامها وولىّ الامر فانّ كلّما سواها ميزانٌ لقيام النّاس بالقسط بشرط اتّصاله بها، فالمراد بالكتاب الّذى مع الرّسل هو النّبوّة والرّسالة وهما الاسم الاكبر الّذى كلّ شيءٍ فيه وشرائع الرّسل وكتبهم صورتهما، والمراد بالميزان هو الولاية الّتى نزلت من مقامها العالى الى بشريّة الرّسل وظهرت بعدهم فى اوصيائهم ليقوم النّاس بها بالقسط، ولمّا كانت الولاية الّتى هى ميزان العدل والنّبوّة والرّسالة اللّتان هما ميزانان بالولاية من اعظم اسباب قيام النّاس بها بالقسط أتى بهذه الغاية قبل ذكر الحديد واضاف الحديد بعدها فقال {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ} يعنى مع الرّسل او مطلقاً لكن لمّا كان المنظور من ذكر الحديد ترتّب غاية نصرة الرّسل عليه وعلى ما سبقه فالاولىٰ ان يقال: وانزلنا الحديد مع الرّسل، ومعنى انزال الحديد مع انّه يتكوّن فى المعادن ايجاده، او المقصود انّ كلّ موجودٍ فى هذا العالم كان موجوداً فى عالم المثال وفى العوالم الّتى فوقه ثمّ نزل من تلك العوالم الى عالم الكون والفساد {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} كما يرى من قطع الاعضاء والمفاصل من الحيوان به وقطع حياة الحيوان والانسان به {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} لانّ منه آلات اكثر الصّنّاع والصّنائع {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} حالكون النّاصر بالغيب من الله، او حالكون الله بالغيب من النّاصر، او هو ظرف لينصره وقوله تعالى ليعلم عطف على قوله ليقوم النّاس وقد مضى وجه تأخيره عن نزول الحديد {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} لا حاجة له الى نصرتكم لانّه قوىّ يقدر على كلّ ما اراد عزيز لا مانع له من مراده ولا غالب عليه وانّما اراد اختباركم بذلك وامتياز الكافر والمنافق من المؤمن الموافق.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} الملائكة إلى الأنبياء إلى الامم {بِالبَيِّنَاتِ} بالحجج والمعجزات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ} جنس الكتب وقيل الوحي ليتبين الحق والصواب {وَالمِيزَانَ} أي انزل اسبابه وأمر بامداده ليسوي به الحقوق ويقام به العدل قيل نزل جبرائيل بالميزان إلى نوح وقال: "مر قومك يزنوا به" وقال الاكثرون: الميزان العدل. {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ} العدل {وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} فإن الآت الحرب منه {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} كل صنعة محتاجة اليه فاراد معادن الحديد قال بعض: أرسل كتباً لشرعه وسلاحاً لمن لم يقبله وعاند وقيل: انزله الهامهم باخراجه من المعادن قيل: نزل آدم من الجنة ومعه خمسة اشياء من حديد السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والابرة. وروي معه المر والمسلحة وفي الحديث: "حديث : أنزل أربع بركات من السماء الى الارض الحديد ولنار والماء والملح ". تفسير : {وَلِيَعْلَمَ اللهُ} عطف على محذوف أي وانزلنا الحديد لينتفع به في الحرب وليعلم الى اخره أو متعلق بمحذوف أي وانزله ليعلم وترتيب العلم على الانزال تمثيل باختيار بعض الناس بعضا وإلا فالله عالم بلا انزال ويجوز العطف على ليقوم. {مَن يَنصُرُهُ} أي دينه {وَرُسُلَهُ} باستعمال الحديد في الكفار {بِالغَيْبِ} حال من ضمير ينصروا من الهاء أي لايشاهدونه فهم ينصرونه ولا يبصرونه وآمنوا به بما ظهر من الايات {إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ} على الاهلاك {عَزِيزٌ} غير محتاج لنصرة وجهادهم يرجع ثوابه اليهم لامتثال امره أو قوي في امره وسلطانه عزيز في نقمته وملكه.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } أي من بني آدم كما هو الظاهر {بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } أي الحجج والمعجزات {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ } أي جنس الكتاب الشامل للكل، والظرف حال مقدرة منه على ما قال أبو حيان، وقيل: مقارنة بتنزيل الاتصال منزلة المقارنة {وَٱلْمِيزَانَ } الآلة المعروفة بين الناس كما قال ابن زيد وغيره، وإنزاله إنزال أسبابه، ولو بعيدة، وأمر الناس باتخاذه مع تعليم كيفيته.{لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ } علة لإنزال الكتاب والميزان، والقيام بالقسط أي بالعدل يشمل التسوية في أمور التعامل باستعمال الميزان، وفي أمور المعاد باحتذاء الكتاب وهو لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغي الاتصاف به معاشاً ومعاداً. {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ } قال الحسن: أي خلقناه كقوله تعالى: { أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ } تفسير : [الزمر: 6] وهو تفسير بلازم الشيء فإن كل مخلوق منزل باعتبار ثبوته في اللوح وتقديره موجوداً حيث ما ثبت فيه. وقال قطرب: هيأناه لكم وأنعمنا به عليكم من نزل الضيف {فِيهِ بَأْسٌ } أي عذاب {شَدِيدٌ } لأن آلات الحرب تتخذ منه، وهذا إشارة إلى احتياج الكتاب والميزان إلى القائم بالسيف ليحصل القيام بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس، وقوله تعالى: {وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ } أي في معايشهم ومصالحهم إذ ما من صنعة إلا / والحديد أو ما يعمل به آلتها للإيماء إلى أن القيام بالقسط كما يحتاج إلى الوازع وهو القائم بالسيف يحتاج إلى ما به قوام التعايش، ومن يقوم بذلك أيضاً ليتم التمدن المحتاج إليه النوع، وليتم القيام بالقسط، كيف وهو شامل أيضاً لما يخص المرء وحده. والجملة الظرفية في موضع الحال. وقوله سبحانه: {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } عطف على محذوف يدل عليه السياق أو الحال لأنها متضمنة للتعليل أي لينفعهم وليعلم الله علماً يتعلق به الجزاء من ينصره ورسله باستعمال آلات الحرب من الحديد في مجاهدة أعدائه، والحذف للإشعار بأن الثاني هو المطلوب لذاته وأن الأول مقدمة له، وجوز تعلقه بمحذوف مؤخر والواو اعتراضية أي وليعلم الخ أنزله أو مقدم والواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها وقد حذف المعطوف وأقيم متعلقه مقامه، وقوله تعالى: {بِٱلْغَيْبِ } حال من فاعل (ينصر)، أو من مفعوله أي غائباً منهم أو غائبين منه. وقوله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } اعتراض تذييلي جىء به تحقيقاً للحق وتنبيهاً على أن تكليفهم الجهاد وتعريضهم للقتال ليس لحاجته سبحانه في إعلاء كلمته وإظهار دينه إلى نصرتهم بل إنما هو لينتفعوا به ويصلوا بامتثال الأمر فيه إلى الثواب وإلا فهو جل وعلا غني بقدرته وعزته عنهم في كل ما يريد. هذا وذهب الزمخشري إلى أن المراد بالرسل رسل الملائكة عليهم السلام أي أرسلناهم إلى الأنبياء عليهم السلام، وفسر ـ البينات ـ كما فسرنا بناءاً على أن الملائكة ترسل بالمعجزات كإرسالها بالحجج لتخبر بأنها معجزات وإلا فكان الظاهر الاقتصار على الحجج وإنزال الكتاب أي الوحي مع أولئك الرسل ظاهر، وإنزال الميزان بمعنى الآلة عنده على حقيقته، قال: روي أن جبريل عليه السلام نزل بالميزان فدفعه إلى نوح عليه السلام، وقال: مُرْ قومك يزنوا به، وفسره كثير بالعدل، وعن ابن عباس في إنزال الحديد: نزل مع آدم عليه السلام الميقعة والسندان والكلبتان، وروي أنه نزل ومعه المرّ والمسحاة، وقيل: نزل ومعه خمسة أشياء من الحديد: السندان والكلبتان والإبرة والمطرقة والميقعة، وفسرت بالمسن، وتجىء بمعنى المطرقة أو العظيمة منها، وقيل: ما تحدّ به الرحى، وفي حديث ابن عباس نزل آدم عليه السلام من الجنة بالباسنة وهي آلات الصناع، وقيل: سكة الحرث وليس بعربـي محض والله تعالى أعلم. واستظهر أبو حيان كون ـ ليقوم الناس بالقسط ـ علة لإنزال الميزان فقط وجوز ما ذكرناه وهو الأولى فيما أرى.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي ناشىء عما تقدم من التحريض على الإِنفاق في سبيل الله وعن ذكر الفتح وعن تذييل ذلك بقوله: {أية : ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد}تفسير : [الحديد: 24]، وهو إعذار للمتولين من المنافقين ليتداركوا صلاحهم باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتدبر في هدي القرآن وإنذار لهم إن يرعووا وينصاعوا إلى الحجة الساطعة بأنه يكون تقويم عوجهم بالسيوف القاطعة وهو ما صرح لهم به في قوله في سورة [الأحزاب: 60، 61] {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً }تفسير : وقوله في سورة [التحريم: 9] {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلُظ عليهم}تفسير : لئلا يحسبوا أن قوله: {أية : ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد}تفسير : [الحديد: 24] مجرد متاركة فيطمئنوا لذلك. وتأكيد الخبر بلام القسم وحرف التحقيق راجع إلى ما تضمنه الخبر من ذكر ما في إرسال رسل الله وكتبه من إقامة القسط للناس، ومن التعريض بحمل المعرضين على السيف إن استمروا على غلوائهم. وجمع (الرسل) هنا لإِفادة أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وأن مكابرة المنافقين عماية عن سنة الله في خلقه فتأكيد ذلك مبني على تنزيل السامعين منزلة من ينكر أن الله أرسل رسلاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم لأن حالهم في التعجب من دعواه الرسالة كحال من ينكر أن الله أرسل رسلاً من قبل. وقد تكرر مثل هذا في مواضع من القرآن كقوله تعالى: {أية : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات}تفسير : [آل عمران: 183]. والبينات: الحجج الدالّة على أن ما يدعون إليه هو مراد الله، والمعجزات داخلة في البينات. وتعريف {الكتاب} تعريف الجنس، أي وأنزلنا معهم كتباً، أي مثل القرآن. وإنزال الكتاب: تبليغ بواسطة المَلك من السماء، وإنزال الميزان: تبليغ الأمر بالعدل بين الناس. والميزان: مستعار للعدل بين الناس في إعطاء حقوقهم لأن مما يقتضيه الميزان وجود طرفين يراد معرفة تكافئهما، قال تعالى: {أية : وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}تفسير : [النساء: 58]. وهذا الميزان تبيّنه كُتب الرسل، فذكره بخصوصه للاهتمام بأمره لأنه وسيلة انتظام أمور البشر كقوله تعالى: {أية : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله}تفسير : [النساء: 105] وليس المراد أن الله ألهمهم وضع آلات الوزن لأن هذا ليس من المهم، وهو مما يشمله معنى العدل فلا حاجة إلى التنبيه عليه بخصوصه. ويتعلق قوله: {ليقوم الناس بالقسط} بقوله: {وأنزلنا معهم}. والقيام: مجاز في صلاح الأحوال واستقامتها لأنه سبب لتيسير العمل وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة}تفسير : في أوائل [البقرة: 3]. والقسط: العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور لاختصاصه بالعدل بين متنازعين، وأما القسط فهو إجراء أمور الناس على ما يقتضيه الحق فهو عدل عام بحيث يقدر صاحب الحق منازعاً لمن قد احتوى على حقه. ولفظ القسط مأخوذ في العربية من لفظ قسطاس اسم العدل بلغة الرُّوم، فهو من المعرّب وروي ذلك عن مجاهد. والباء للملابسة، أي يكون أمر الناس ملابساً للعدل ومماشياً للحق، وإنزال الحديد: مستعار لخلق معدنه كقوله: {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج}تفسير : [الزمر: 6]، أي خلق لأجلكم وذلك بإلهام البشر استعماله في السلاح من سيوف ودروع ورماح ونبال وخُوذ وَدَرَق ومَجَانّ. ويجوز أن يراد بالحديد خصوص السلاح المتخذ منه من سيوف وأسنة ونبال، فيكون إنزاله مستعاراً لمجرد إلهام صنعه، فعلى الوجه الأول يكون ضمير {فيه بأس شديد} عائداً إلى الحديد باعتبار إعداده للبأس فكأن البأس مظروف فيه. والبأس: الضر. والمراد بأس القتل والجرح بآلات الحديد من سيوف ورماح ونبال، وبأسُ جُرأة الناس على إيصال الضر بالغير بواسطة الواقيات المتخذة من الحديد. والمنافع: منافع الغالب بالحديد من غنائم وأسرى وفتح بلاد. ويتعلق قوله: {للناس} بكلَ من {بأس} و{منافع} على طريقة التنازع، أي فيه بأس لِنَاس ومنافع لآخرين فإن مصائب قوم عند قوم فوائد. والمقصود من هذا لفت بصائر السامعين إلى الاعتبار بحكمة الله تعالى من خَلق الحديد وإلهامِ صنعه، والتنبيه على أن ما فيه من نفع وبأس إنما أريد به أن يوضع بأسه حيث يستحق ويوضع نفعه حيث يليق به لا لتجعل منافعه لمن لا يستحقها مثل قطّاع الطريق والثوار على أهل العدل، ولتجهيز الجيوش لحماية الأوطان من أهل العدوان، وللادخار في البيوت لدفع الضاريات والعاديات على الحُرم والأموال. وكان الحكيم (انتيثنوس) اليوناني تلميذ سقراط إذا رأى امرأة حالية متزينة في أثينا يذهب إلى بيت زوجها ويسأله أن يريه فرسه وسلاحه فإذا رآهما كاملين أذن لامرأته أن تتزين لأن زوجها قادر على حمايتها من داعرٍ يغتصبها، وإلا أمرها بترك الزينة وترك الحلي. وهذا من باب سد الذريعة، لا ليجعل بأسه لإِخضاد شوكة العدل وإرغام الآمرين بالمعروف على السكوت، فإن ذلك تحريف لما أراد الله من وضع الأشياء النافعة والقارة، قال تعالى: {أية : والله لا يحب الفساد}تفسير : [البقرة: 205]، وقال على لسان أحد رسله {أية : إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت}تفسير : [هود: 88]. وقد أومَا إلى هذا المعنى بالإِجمال قوله: {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب}، أي ليظهر للناس أثر علم الله بمن ينصره، فأطلق فعل {ليعلم} على معنى ظُهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي: شعر : وأقبلتُ والخطيُّ يخطر بيننا لأَعْلَمَ مَن جَبانُها من شُجاعها تفسير : أي ليظهر للناس الجبان والشجاع، أي فيعلموا أني شجاعهم. ونصرُ الناس الله هو نصرهم دينه، وأما الله فغني عن النصر، وعطف {ورسله}، أي من ينصر القائمين بدينه، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى الله عليه وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق. وأعظم رجل نصر دين الله بعد وفاة رسوله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل الردة رضي الله عنه. وقوله: {بالغيب} يتعلق بــــ {ينصره}، أي ينصره نصراً يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية داع يدعوه إليه، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى: أنه يجاهد في سبيل الله والدفاع عن الدين بمحض الإِخلاص. وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى: {أية : آتوني زبر الحديد}تفسير : في سورة [الكهف: 96]. وجملة {إن الله قوي عزيز} تعليل لجملة {أرسلنا رسلنا بالبينات} إلى آخرها، أي لأن الله قوي عزيز في شؤونه القدسية، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة، وأن تكون كتبه معظمة موقرة، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون لله ويُعينوا على نشر دينه وشرائعه. والقوي العزيز: من أسمائه تعالى. فالقوي: المتصف بالقوة، قال تعالى: {أية : ذو القوة المتين}تفسير : [الذاريات: 58] وتقدم القوي في قوله: {أية : إن الله قوي شديد العقاب}تفسير : [الأنفال: 52]. والعزيز: المتصف بالعزة، وتقدمت في قوله: {إن العزة لله جميعاً} في سورة يونس وقوله: {أية : فاعلموا أن الله عزيز حكيم}تفسير : [البقرة: 209].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الشورى:17]، وقدمنا هناك كلام أهل العلم في معناه. قوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}. بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة والتي قبلها، أن إقامة دين الإسلام تنبني على أمرين: أحدهما هو ما ذكره بقوله {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ} لأن في ذلك إقامة البراهين علىالحق وبين الحجة وإيضاح الامر والنهي والثواب والعقاب، فإذا أصر الكفار على الكفر وتكذيب الرسل مع ذلك البيان والإيضاح، فإن الله تبارك وتعالى أنزل الحديد أي خلقه لبني آدم ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين، وهو قتلهم إياهم بالسيوف والرماح والسهام، وعلى هذا فقوله هنا: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد} توضحه آيات كثيرة، كقوله تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 14]، وقوله تعالى: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}تفسير : [الانفال: 12}، والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة، وقوله: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، لا يخفى ما في الحديد من المنافع للناس، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: {أية : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ}تفسير : [الرعد: 17] لأن مما يوقد عليه في النار ابتغاء المتاع الحديد.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 25- لقد أرسلنا رسلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة، وأنزلنا معهم الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين، والميزان الذى يحقق الإنصاف فى التعامل، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل، وخلقنا الحديد فيه عذاب شديد فى الحرب، ومنافع للناس فى السلم، يستغلونه في التصنيع، لينتفعوا به فى مصالحهم ومعايشهم، وليعلم الله من ينصر دينه، وينصر رسله غائباً عنهم. إن الله قادر بذاته. لا يفتقر إلى عون أحد. 26- ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما النبوة والكتب الهادية، فبعض هذه الذرية سالكون طريق الهداية، وكثير منهم خارجون عن الطريق المستقيم.

القطان

تفسير : البينات: المعجزات والحجج. الكتاب: جميع الكتب المنزلة. الميزان: العدل. القِسط: الحق. أنزلنا الحديد: خلقناه. فيه بأسٌ شديد: فيه قوة عظيمة. ثم قفّينا على آثارهم: ثم أرسلنا بعدهم الواحدَ تلو الآخر. الرهبانية: الطريقة التي يتبعها قُسُس النصارى ورهبانهم. ابتدعوها: استحدثوها من عند أنفسِهم. فما رَعَوْها: فما حافظوا عليها. الكِفل: النصيب. لقد ارسلنا رسُلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة، وانزلنا معهم الكتب فيها الشرائع والاحكام، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل. كما خلقنا الحديد فيه قوة ومنافع للناس في شتى مجالات الحياة، في الحرب والسلم، والمواصلات برا وبحرا وجوا، ومنافعه لا تحصى - لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم، وليعلم الله من ينصر دينه، وينصر رسله بالغيب، {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} لا يفتقر الى عون احد. ولقد ارسلنا نوحاً وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب الهادية. والقرآن يعبر دائما بالكتاب حتى يعلم الناس ان جميع الاديان اصلها واحد. ثم ان هذه الذرية افترقت فرقتين: منهم من هو مهتدٍ الى الحق مستبصر، وكثير منهم ضالون خارجون عن طاعة الله. {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} بعثنا بعدَهم رسولاً بعد رسول على توالي العصور والأيام، حتى انتهى الأمر الى عيسى عليه السلام وأعطيناه الانجيلَ الّذي أوحيناه اليه، وأودعنا في قلوب المتّبعين له رأفةً ورحمة. وبعد ذلك كله ابتدعوا رهبانيةً وغُلواً في العبادة ما فرضناها عليهم، ولكن التزموهما ابتغاء رضوان الله تعالى، فما حافظوا عليهما حقَّ المحافظة. فآتينا الذين آمنوا منهم إيماناً صحيحاً أجورَهم التي استحقّوها. اما كثير منهم فقد خرجوا عن امر الله، واجترموا الشرور والآثام، فلهم عذابٌ عظيم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} واثبُتوا على إيمانكم برسوله يعطِكم نصيبَين من رحمته ويجعل لكم نوراً تهتدون به، ويغفر لكم ذنوبكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}. لقد فعلنا ذلك ليعلم اهل الكتاب انهم لا ينالون شيئا من فضل الله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، والله صاحب الفضل العظيم. وقوله تعالى: {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ} معناه أنّهم لا يقدِرون على شيء، فأنْ هنا مخففة من أنّ المشددة. وهكذا ختمت السورة بختام يتناسق مع سياقها كله، وهي نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية، وبها يتم الجزء السابع والعشرون.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {ٱلْكِتَابَ} {مَنَافِعُ} (25) - وَلَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى الرُّسُلَ بِالمُعْجِزَاتِ وَالحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ اللهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَعَلَى خَلْقِهِ الكَوْنَ وَمَا فِيهِ مِنْ كَائِنَاتٍ، وَعَلَى إِرْسَالِ الرُّسُلِ مِنَ اللهِ إِلَى أَقْوَامِهِمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ وَالشَّرَائِعَ، فِيهَا الهِدَايَةُ لِلنَّاسِ، وَفِيهَا صَلاَحُ أُمُورِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَامَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِالعَدْلِ، وَبِأَلاَّ يَظْلِمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَداً. وَلَمَّا كَانَ لاَ بُدَّ لإِقَامَةِ العَدْلِ مِنْ سُلْطَةٍ وَقُوَّةٍ وَسِلاَحٍ، لِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الحَدِيدَ تُصْنَعُ مِنْهُ السُّيُوفُ وَالرِّمَاحُ والدُّرُوعُ وَعُدَدُ الحُرُوبِ، التِي تَرْدَعُ مَنْ يَتَجَاوَزُ الحُدُودَ، وَيَأْبَى إِقَامَةَ العَدْلِ، بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ. كَمَا جَعَلَ اللهُ فِي الحَدِيدِ مَنَافِعَ لِلنَّاسِ، يَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ، وَمَعَايِشِهِمْ، كَأَدَوَاتِ العَمَلِ وَالحَرْثِ... وَالسِّلاَحِ والسُّفُنِ... وَإِنَّمَا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَ السِّلاَحِ فِي نَصْرِ دِينِ اللهِ، وَمَنْ يَنْوِي اسْتِعْمَالَهُ فِي الإِفْسَادِ فِي الأَرْضِ، وَاللهُ قَوِيٌ عَزِيزٌ يَنْصُرُ مَنْ نَصَرَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجِ مِنْهُ إِلَى الخَلْقِ، وَإِنَّمَا شَرَعَ الجِهَادَ لِيَبْلُوا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ. المِيزَانَ - العَدْلَ وَأَمَرَ بِهِ - أَوْ هُوَ المِيزَانُ المُسْتَعْمَلُ فِي الوَزْنِ. أَنْزَلْنَا الحَدِيدَ - خَلَقْنَاهُ أَوْ هَيَّأْنَاهُ لِلنَّاسِ. بَأْسٌ شَدِيدٌ - قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ} معناه العَدلُ ليقوموا بهِ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ} [الحديد: 25] يعني: لطائفها بالآيات البينات الأنفسية {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ} [الحديد: 25] يعني: وارد الذي فيه أمر العبادة {وَٱلْمِيزَانَ} [الحديد: 25] يعني: القوة المميزة العاقلة وفيه سر الطهارة {لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ} [الحديد: 25] لتقوم القوى القالبية والنفسية والقلبية والسرية والروحية والخفية بالعدل، لا يظلم بعضهم بعضاً {وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} [الحديد: 25] لأجل السياسة أنزلنا حديد الذكر اللساني، ولأجل الطهارة أنزلنا الميزان، وهو الذكر السري ولأجل العبادة أنزلنا الكتاب، وهو الذكر الخفي {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] أي: في ذكر اللسان ينتفعون به في العاجل والآجل بأن يدعوا منه بالبيان البرهاني الميزاني وبالبيان الجدلي الحديدي {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ} [الحديد: 25] يعني: أنزلنا هذه الأشياء؛ لنعلم من يؤمن بالغيب وينصر الله اللطائف {إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] يعني: قوي في حكمته متميز في ذاته {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ} [الحديد: 26] يعني: أرسلنا اللطيفة النفسية المزكاة، واللطيفة القلبية المطهرة {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} [الحديد: 26] يعني: في القوى المتولدة من هذه اللطائف جعلنا الحكمة والحكم {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} [الحديد: 26] يعني: من القوى النفسية والقلبية {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 26] بتكذيبهم اللطائف المطهرة المزكاة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته. { وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، { وَالْمِيزَانَ } وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود [والمواريث وغير ذلك]، وذلك { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت أنواع العدل، بحسب الأزمنة والأحوال، { وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } من آلات الحرب، كالسلاح والدروع وغير ذلك. { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد. { وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي: ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها، لأنه حينئذ يكون ضروريا. { إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي: لا يعجزه شيء، ولا يفوته هارب، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب، وقرن تعالى في هذا الموضع بين الكتاب والحديد، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله. ولما ذكر نبوة الأنبياء عموما، ذكر من خواصهم النبيين الكريمين نوحا وإبراهيم اللذين جعل الله النبوة والكتاب في ذريتهما، فقال: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } أي: الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كلهم من ذرية نوح وإبراهيم عليهما السلام، وكذلك الكتب كلها نزلت على ذرية هذين النبيين الكريمين، { فَمِنْهُمْ } أي: ممن أرسلنا إليهم الرسل { مُهْتَدٍ } بدعوتهم، منقاد لأمرهم، مسترشد بهداهم. { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } أي: خارجون عن [طاعة الله و] طاعة الرسل والأنبياء كما قال تعالى: {أية : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }. تفسير : { ثُمَّ قَفَّيْنَا } أي: أتبعنا { عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } خص الله عيسى عليه السلام؛ لأن السياق مع النصارى، الذين يزعمون اتباع عيسى عليه السلام، { وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ } الذي هو من كتب الله الفاضلة، { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } كما قال تعالى: {أية : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : الآيات. ولهذا كان النصارى ألين من غيرهم قلوبا، حين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام. { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } والرهبانية: العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله تعالى، ومع ذلك { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي: ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم. فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم. ومنهم من هو مستقيم على أمر الله، ولهذا قال: { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } أي: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع إيمانهم بعيسى، كل أعطاه الله على حسب إيمانه { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 3160- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ}: [الآية: 25]، قال: الميزان العَدْلُ، قال سلمة: كفة الميزان على جهنم، والكفة الأخرى على الجنَّةِ.