٥٧ - ٱلْحَدِيد
57 - Al-Hadeed (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
26
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه أرسل الرسل بالبينات والمعجزات، وأنه أنزل الميزان والحديد، وأمر الخلق بأن يقوموا بنصرتهم أتبع ذلك ببيان سائر الأشياء التي أنعم بها عليهم، فبين أنه تعالى شرف نوحاً وإبراهيم عليهما السلام بالرسالة، ثم جعل في ذريتهما النبوة والكتاب فما جاء بعدهما أحد بالنبوة إلا وكان من أولادهما، وإنما قدم النبوة على الكتاب، لأن كمال حال النبي أن يصير صاحب الكتاب والشرع. ثم قال تعالى: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ } أي فمن الذرية أو من المرسل إليهم، وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين، والمعنى أن منهم مهتد ومنهم فاسق، والغلبة للفساق، وفي الفاسق ههنا قولان: الأول: أنه الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن، لأن هذا الاسم يطلق على الكافر وعلى من لا يكون، كذلك إذا كان مرتكباً للكبيرة، والثاني: أن المراد بالفاسق ههنا الكافر، لأن الآية دلت على أنه تعالى جعل الفساق بالضد من المهتدين، فكأن المراد أن فيهم من قبل الدين واهتدى، ومنهم من لم يقبل ولم يهتد، ومعلوم أن من كان كذلك كان كافراً، وهذا ضعيف، لأن المسلم الذي عصى قد يقال فيه: إنه لم يهتد إلى وجه رشده ودينه.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب. وقيل المراد بالكتب الخط. {فَمِنْهُمْ } فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم {أَرْسَلْنَا }. {مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } خارجون عن الطريق المستقيم والعدول عن السنن القابلة للمبالغة في الذم والدلالة على أن الغلبة للضلال. {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل لا للذرية، فإن الرسل الملقى بهم من الذرية. {وَآتيْنَاهُ الإِنْجِيلَ} وقرىء بفتح الهمزة وأمره أهون من أمر البرطيل لأنه أعجمي. {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً } وقرىء «رآفة» على فعالة. {وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا } أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان. {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } ما فرضناها عليهم. {إِلاَّ ٱبْتِغَاءَ رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها {ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ }. وقيل متصل فإن {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } بمعنى ما تعبدناهم بها وهو كما ينفي الإِيجاب المقصود منه دفع العقاب ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة الله، وهو يخالف قوله {ٱبتَدَعُوهَا } إلا أن يقال {ٱبتَدَعُوهَا } ثم ندبوا إليها، أو {ٱبتَدَعُوهَا} بمعنى استحدثوها وأتوا بها، أو لأنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم. {فَمَا رَعَوْهَا} أي فما رعوها جميعاً. {حَقَّ رِعَايَتِهَا } بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ونحوها إليها. {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا} أتوا بالإِيمان الصحيح ومن ذلك الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وحافظوا حقوقها. {مِنْهُمْ } من المتسمين باتباعه. {أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجون عن حال الاتباع. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالرسل المتقدمة. {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } فيما نهاكم عنه. {وَآمِنُوا بِرَسُولِه} محمد عليه الصلاة والسلام. {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } نصيبين. {مّن رَّحْمَتِهِ } لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم إيمانكم بمن قبله، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخاً ببركة الإِسلام، وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } يريد المذكور في قوله: {يَسْعَىٰ نُورُهُم} أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس. {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } أي ليعلموا و «لا» مزيدة ويؤيده أنه قرىء «ليعلم» و «لكي يعلم» و «لأن يعلم» بادغام النون في الياء. {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْء مّن فَضْلِ ٱللَّهِ} أن هي المخففة والمعنى: أنه لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإِيمان به، أو لا يقدرون على شيء من فضله فضلاً عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصوها بمن أرادوا ويؤيده قوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } وقيل «لا» غير مزيدة، والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله ولا ينالونه، فيكون {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ } عطفاً على {لّئَلاَّ يَعْلَمَ }، وقرىء «ليلا يعلم» ووجهه أن الهمزة حذفت وأدغمت النون في اللام ثم أبدلت ياء. وقرىء «ليلا» على أن الأصل في الحروف المفردة الفتح. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله أجمعين».
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام لم يرسل بعده رسولاً ولانبياً إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ} تفسير : [العنكبوت: 27] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلإِنجِيلَ} وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} وهم الحواريون {رَأْفَةٌ} أي: رقة، وهي الخشية {وَرَحْمَةٌ} بالخلق. وقوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} أي: ابتدعها أمة النصارى {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ} أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ} فيه قولان: (أحدهما) أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة. (والآخر): ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي: فما قاموا بما التزموا حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين: (أحدهما) الابتداع في دين الله مالم يأمر به الله، و (الثاني) في عدم قيامهم بماالتزموا مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه، حدثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه عن جده ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا ابن مسعود» تفسير : قلت: لبيك يارسول الله قال: «حديث : هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى بن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله، ودين عيسى بن مريم، فقاتلت الجبابرة، فقتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين الله ودين عيسى بن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير، وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال، فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكر الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ}.»تفسير : وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن غفلة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث، وهلك سائرهم»تفسير : وذكر نحو ما تقدم وفيه: «حديث : {فَـآتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} هم الذين آمنوا بي وصدقوني {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} وهم الذين كذبوني وخالفوني» تفسير : ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر؛ فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن قد أسنده أبو يعلى عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن به مثل ذلك، فقوي الحديث من هذا الوجه. وقال ابن جرير وأبو عبد الرحمن النسائي واللفظ له: أخبرنا الحسين بن حريث، حدثنا الفضل بن موسى عن سفيان بن سعيد عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان ملوك بعد عيسى عليه السلام بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتموناه هؤلاء، إنهم يقرؤون: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ} تفسير : [المائدة: 44] هذه الآيات، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا، فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم، فاقتلونا، وقالت طائفة: ابنوا لنا دوراً في الفيافي، ونحتفر الآبار ونحرث البقول، فلا نرد عليكم ولانمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل الله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم، لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق إلا القليل، انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله عز وجل: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}: أجرين؛ بإيمانهم بعيسى بن مريم، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم قال: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} القرآن، واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} الذين يتشبهون بكم {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين على غير هذا، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء: أن سهل بن أبي أمامة حدثه: أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة وقعة كأنها صلاة مسافر أو قريباً منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة: المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخطأت إلا شيئاً سهوت عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات؛ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم» تفسير : ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر، قال: نعم، فركبوا جميعاً، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها، فقالوا: أتعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها هؤلاء أهل الديار أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفىء نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف تزني، والقدم والجسد واللسان والفرج، يصدق ذلك أو يكذبه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمر، حدثنا عبد الله، أخبرنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله عز وجل» تفسير : ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه: «حديث : لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين ــــ هو ابن محمد ــــ حدثنا ابن عياش ــــ يعني: إسماعيل ــــ عن الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلاً جاءه فقال: أوصني، فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلك، أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض. تفرد به أحمد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَٰبَ } يعني الكتب الأربعة: التوراة، والإِنجيل، والزبور، والقرآن فإنها في ذرّية إبراهيم {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ }.
الماوردي
تفسير : {.. وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رأْفَةً وَرَحْمَةً} يحتمل وجهين: أحدهما: أن الرأفة اللين، والرحمة الشفقة. الثاني: أن الرأفة تخفيف الكل، والرحمة تحمل الثقل. {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} فيه قراءتان: إحداهما: بفتح الراء وهي الخوف من الرهب. الثانية: بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان ومعناه أنهم ابتدعوا رهبانية ابتدؤوها. وسبب ذلك ما حكاه الضحاك: [أنهم] بعد عيسى ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم من كان على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعنا المقام بينهم، فاعتزلوا النساء واتخذوا الصوامع، فكان هذا ما ابتدعوه من الرهبانية التي لم يفعلها من تقدمهم وإن كانوا فيها محسنين. {مَا كتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي لم تكتب عليهم وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها رفض النساء واتخاذ الصوامع، قاله قتادة. الثاني: أنها لحوقهم بالجبال ولزومهم البراري، وروي فيه خبر مرفوع. الثالث: أنها الانقطاع عن الناس والانفراد بالعبادة. وفي الرأفة والرحمة التي جعلها في قلوبهم وجهان: [الأول]: أنه جعلها في قلوبهم بالأمر بها والترغيب فيها. الثاني: جعلها بأن خلقها فيهم وقد مدحوا بالتعريض بها. {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رَضْوَانِ اللَّهِ} أي لم تكتب عليهم قبل ابتداعها ولا كتبت بعد ذلك عليهم. الثاني: أنهم تطوعوا بها بابتداعها، ثم كتبت بعد ذلك عليهم، قاله الحسن. {فَمَا رَعَوْهَا حِقَّ رِعَايَتِهَا} فيه وجهان: أحدهما: أنهم ما رعوها لتكذيبهم بمحمد. الثاني: بتبديل دينهم وتغييرهم فيه قبل مبعث الرسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله عطية العوفي.
الخازن
تفسير : {ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} معناه أنه تعالى شرف نوحاً وإبراهيم بالرسالة وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب فلا يوجد نبي إلا من نسلهما {فمنهم} أي من الذرية {مهتد وكثير منهم فاسقون ثم قفينا} أي اتبعنا {على آثارهم برسلنا} والمعنى بعثنا رسولاً بعد رسول إلى أن انتهت الرسالة إلى عيسى ابن مريم وهو قوله تعالى: {وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} أي على دينه، {رأفة ورحمة} يعني أنهم كانوا متوادين بعضهم لبعض، {ورهبانية ابتدعوها} ليس هذا عطفاً على ما قبله والمعنى أنهم جاؤوا بها من قبل أنفسهم وهي ترهبهم في الجبال والكهوف والغيران والديرة فروا من الفتنة وحملوا أنفسهم المشاق في العبادة الزائدة وترك النكاح واستعمال الخشن في المطعم والمشرب والملبس مع التقلل من ذلك {ما كتبناها عليهم} أي ما فرضناها نحن عليهم {إلا ابتغاء رضوان الله} أي لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله {فما رعوها حق رعايتها} يعني أنهم يرعوا تلك الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وضموا إليها التثليث والاتحاد وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملوكهم وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فذلك قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} وهم الذين ثبتوا على الدين الصحيح، {وكثير منهم فاسقون} وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى صلى الله عليه وسلم وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن مسعود قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن مسعود "حديث : اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرهن: فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله ودين عيسى فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل فيهم ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم"تفسير : قال صلى الله عليه وسلم حديث : من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون"تفسير : . وعنه قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي "حديث : يا ابن أم عبد هل تدري من أين أخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت الله ورسوله أعلم قال ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن ظهرنا لهؤلاء فتنونا ولم يبق أحد يدعو إليه تعالى فتعالوا لنتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى به - يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا الرهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ثم تلا هذه الآية {ورهبانية ابتدعوها} إلى {فآتينا الذين آمنوا منهم}" تفسير : أي من الذين ثبتوا عليها أجرهم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت الله ورسوله أعلم قال الهجرة والصلاة والجهاد والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع"تفسير : ، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" تفسير : وعن ابن عباس قال "كانت ملوك بعد عيسى عليه الصلاة والسلام بدلوا التوراة والإنجيل وكان فيهم جماعة مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا ما تريدون إلى ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة منهم ابنوا لنا اسطواناً ثم ارفعونا فيه ثم أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم وطائفة قالت دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علنيا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة منهم ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر عليكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال ففعلوا ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى وخلف قوم من بعدهم ممن غيروا الكتاب فجعل الرجل يقول نكون في مكان فلان نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فذلك قول الله عز وجل: {ورهبانية ابتدعوها} يعني ابتدعها الصالحون فما رعوها حق رعايتها يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} يعني الذين ابتدعوها {ابتغاء رضوان الله وكثير منهم فاسقون} وهم الذين جاؤوا من بعدهم فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب دير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته}.
البقاعي
تفسير : ولما عم الرسل جامعاً لهم في البينات، فكان السامع جديراً بأن يتوقع التعيين، وخص من بينهم من أولي العزم أبوين جامعين في الذرية والرسالة، لأن ذلك أنسب لمقصود السورة لتبيين فضل محمد صلى الله عليه وسلم الذي عم برسالته عموماً لم يكن لأحد غيره، فنوح عليه السلام أرسل لأهل الأرض لكونهم كانوا على لسان واحد، وعموم إبراهيم عليه السلام بأولاده عليهم السلام ونص بعدهما على عيسى عليه السلام بما له من عموم الرسالة إلى بني إسرائيل بالنسخ والتشريع، ثم من نزوله في هذه الأمة بالتقرير والتجديد فقالك {ولقد أرسلنا} أي بما لنا من صفات الكمال والجمال والجلال {نوحاً} الأب الثاني، وجعلنا الأغلب على رسالته مظهر الجلال {وإبراهيم} أبا العرب والروم وبني إسرائيل الذي أكثر الأنبياء من نسله، وجعلنا الأغلب على رسالته مجلى الإكرام {وجعلنا} بما لنا من العظمة {في ذريتهما النبوة} المقتضية للوصلة بالملك الأعظم لتنفيذ الأوامر {والكتاب} الجامع للأحكام الضابط للشرائع بأن استنبأنا بعض ذريتهما وأنزلنا إليهم الكتب فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو مدلٍ إليهما بأمتن الأسباب وأعظم الأنساب. ولما كان مظهر العظمة مقتضياً لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به، كائناً من كان، سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في الخسران أو ييأس أحد فيلزم الهوان قال: {فمنهم} أي ذرية هذين الصنفين {مهتد} هو بعين الرضا منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم يزغ أصلاً وإن كان من أولاد الأعداء. ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل، كان مستحقاً للمبالغة في الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيراً، نبه بتغيير السياق على ذلك وعلى أن الأغلب الضلال فقال: {وكثير منهم} أي الذرية الموصوفين {فاسقون *} هم بعين السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء بمنابذة أو ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريظ وإفراط. ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صلى الله عليه وسلم، قال مشيراً إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي: {ثم قفينا} أي بما لنا من العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه {على آثارهم} أي الأبوين المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل، ولا يعود الضمير على {الذرية} لأنها باقية مع الرسل وبعدهم {برسلنا} أي فأرسلناهم واحداً في أثر واحد بين ما لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة، لا ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي بعده في قفاه، فكل رسول بين يدي الذي بعده، والذين بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى الله والثاني تابع له، فنبينا صلى الله عليه وسلم أعرق الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي بعده، ولهذا كان الوصف أحد أسمائه. ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من جاء بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشريعته والمؤيد به هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم في تجديد دينه وتقرير شريعته، وكان الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من القسوة المنبهة سابقاً على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده، خصه بالذكر وأعاد العامل فقال: {وقفينا} أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس {بعيسى ابن مريم} وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام، فأمته أول الأمم بالأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم {وآتيناه} بما لنا من العظمة {الإنجيل *} كتاباً ضابطاً لما جاء به مقيماً لملته مبيناً للقيامة مبشراً بالنبي العربي موضحاً لأمره مكثراً من ذكره {وجعلنا} لعزتنا {في قلوب الذين اتبعوه} أي بغاية جهدهم، فكانوا على مناهجه {رأفة} أي أشد رقة على من كان يتسبب إلى الاتصال بهم {ورحمة} أي رقة وعطفاً من لم يكن له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على الكافرين، وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة الفواصل في {رؤف رحيم} كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال {ورهبانية} أي أموراً حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس. ولم قدم المعمول لفعل غير مذكور ليدل عليه بما يفسره ليكون مذكوراً مرتين تأكيداً له إفهاماً لذم نفس الابتداع، أتبعه المفسر لعامله فقال: {ابتدعوها} أي حملوا أنفسهم على عملها والتطويق بها من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت مقاصده لا تأباها فاعتزلوا لأجلها الناس، وانقطعوا في الجبال على الاستئناس، وكانت لهم بذلك أخبار شائعة في النواحي والأمصار، وفي التقديم على العامل سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا صنع لله فيها {ما كتبناها} أي فرضناها بعظمتنا {عليهم} في كتابهم ولا على لسان رسولهم {إلا} أي لكن ابتدعوها {ابتغاء} أي لأجل تكليفهم أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية الأعمال على {رضوان الله} أي الرضا العظيم من الملك الأعظم، وساق المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله، وأنه ما ترك فرضها عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها، وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة، فيكون التقدير حينئذ: إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام، قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في كتابه "فتوح مصر والمغرب": فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال: استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في الرجوع إلى أهله وماله بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا مع رؤوس الجبال، فكانوا أول من ترهب، وكان يقال لهم الشيعة، وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله عز وجل، ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام. ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول عن عليائها قال: {فما رعوها} أي حفظوها كلهم بحفظ من هو مرتاع من خوف ضياعها {حق رعايتها} بصون العناية في رعاية الأعمال والأحوال والأقوال، فصون الأعمال توفيرها لتحقيرها من غير التفات إليها، ورعاية الأحوال عند الاجتهاد من أتاه والحال دعوى، ورعاية الوقت الوقوف مع حضور على بساط شهود الجلال - ذكره الرازي. بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم عن عالي مداها، وانحطوا عن شامخ ذراها، هذا تنفير عظيم عن البدع، وحث شديد على لزوم ما سنه الله وشرع، وتحذير من التشديد، فإنه لن يشادّ الدين أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشديد والتعمق خير لأن الشارع الذي أحاط علماً بما لم يحط به نهى عنه، وقد أفادت التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير، فكان داعياً لكثير منهم إلى دار البوار، وفيه أيضاً حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من الأعمال الصالحة خصوصاً، ما عمل النبي صلى الله عليه وسلم عملاً إلا دوام عليه، وكان ينهى عن التعمق في الدين، ويأمر بالرفق والقصد. ولما كانت متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من الدين فيوجب الكفر فيحط على الهلاك كله، أشار إلى ذلك بقوله: {فآتينا} أي بما لنا من صفات الكمال {الذين آمنوا} أي استمروا على الإيمان الكامل، ولعل في التعبير بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى إن المتعمق بين إيمان وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق والمدح للاقتصاد {منهم} أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية بموافقتهم لما في كتابهم من البشائر به {أجرهم} أي اللائق بهم وهو الرضوان المضاعف. ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات راسخة للأنفس، أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال: {وكثير منهم} أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا {فاسقون *} أي عريقون في وصف الخروج عن الحدود التي حدها الله تعالى، روى البغوي من طريق الثعلبي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من آمن بي فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون"تفسير : انتهى. ومثل هذه الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء من الكتاب والسنة فيتذكره، فيكون أخذنا له من الأصول التي نبه عليها لا منه، كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن قررهم النبي صلى الله عليه وسلم كانت شرعاً لنا وكنا آخذين لها من تفسيره صلى الله عليه وسلم لا منهم، فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلاً، كان ذلك بما يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين أن يقرره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه أو بقواعد شريعته، ومهما كان مقرراً بقواعد شرعه كان عليه أمره، ومهما لم يكن مقرراً بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله، فهذا فرق بين البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق، وذكر ابن برجان تنزيل هذا الحديث الذي فيه "حديث : لتتبعن سنن من كان قبلكم" تفسير : فذكر أن أصحاب عيسى عليه السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم، وشايعه على ذلك روم ويونان، فضعف أهل الإيمان، فاستذلوهم حتى هربوا إلى البراري، وعملوا الصوامع وابتدعوا الرهبانية، وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه خلفاؤه بإحسان، فلما مضت الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان، ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق وهدم، وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام، وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة، فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في الجهاد للعدو والنفوس، وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذاً من أحوال أهل الصفة، وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق. ذكر ما في الإنجيل ما من الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على الله التي يصح تمسك أهل هذه الرهبانية بها: قال متى وغيره وأغلب السياق لمتى: إن أخطأ عليك أخوك فاذهب أعتبه وحدكما، فإن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك فخذ معك واحداً أو اثنين، لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة، وإن لم يسمع منهم فقل للبيعة، فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار، الحق أقول لكم، وقال لوقا: انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه، فإن تاب فاغفر له، فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول لك: أنا تائب، فاغفر له، وقال متى: حينئذ جاء إليه بطرس وقال له: إذا أخطأ إليّ أخي لم أغفر له سبع مرات، قال: ليس أقول لك إلى سبع مرات، بل إلى سبعين مرة، ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكاً أراد أن يحاسب عبيده، فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات، ولم يكن معه ما يوفي، فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي، فخر ذلك العبد له ساجداً قائلاً: يا رب، ترأف عليّ تأن، أوفك كل مالك، فتحنن عليه سيده وترك له كل ما عليه، فخرج ذلك العبد فوجد عبداً من أصدقائه عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال: أعطني ما عليك، فخر ذلك العبد على رجليه وطلب إليه قائلاً: ترأف عليّ فأنا أعطيك مالك، فأبى ومضى ورتكه في السجن حتى يوفي الدين، فرأى العبد أصحابه فحزنوا عليه جداً وأعلموا سيده بكل ما كان منه، حينئذ دعاه سيده وقال له: أيها العبد الشرير! كل ما كان عليك تركت بذلك لأنك سألتني، ما كان ينبغي لك أن ترحكم ذلك العبد صاحبك كرحمتي إياك، وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه، هكذا أبي السماوي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم من كل قلوبكم، فلما أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم يهود عبر الأردن فتبعه جمع كثير فأبرأهم هناك، قال لوقا: فلما أكمل أيام صعوده أقبل بوجهه إلى يروشليم، وأرسل مخبرين قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية السامرة، لكيما يعدوا له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا: يا رب تريد أن نقول فتنزل عليهم نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا، فالتفت فنهرهما قائلاً: لستما تعرفان أي روح أنتما، إن ابن البشر لم يأت ليهلك نفوس الناس بل يحيي، ومضى إلى قرية أخرى، وقال متى: حينئذ قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم ويباركهم فنهرهم التلاميذ فقال لهم يسوع: جعوا الصبيان ولا تمنعوهم أن يأتوا إليّ لأن ملكوت السماوات لمثل هؤلاء، ووضع يده عليهم وبارك لهم، وقال مرقس: الحق أقول لكم، إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها، واحتضنهم ووضع يده عليهم وباركهم، وقال متى: ومضى من هناك وجاء إليه واحد وقال: يا معلم صالح - وقال مرقس: أيها الملعم الصالح - ما أعمل من الصلاح لأرث الحياة الدائمة، قال له: لماذا تقول: صالح، ولا صالح إلا الله الواحد، إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا، قال له: وما هي؟ قال يسوع: لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور، وقال مرقس: لا تجر، أكرم أباك وأمك - حب قريبك مثلك، قال له الشاب: كل هذا قد حفظته من صغري، قال له يسوع: إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب، وقال مرقس: فنظر إليه يسوع وأحبه، وقال: تريد أن تكون كاملاً، واحدة بقيت عليك: امض وبع كل شيء لك وأعطه للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني، فلما سمع الشاب الكلام مضى حزيناً لأنه كان له مال كثير، فقال يسوع لتلامذته: الحق أقول لكم! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء، وأيضاً أقول لكم: إنه أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السماوات، فلما سمع التلاميذ بهتوا جداً وقالوا: من يقدر أن يخلص، فنظر يسوع وقال لهم: أما عند الناس فلا يستطاع هذا، وأما عند الله فكل يستطاع، حينئذ أجاب بطرس وقال له: هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فماذا عسى أن يكون لنا، قال لهم يسوع: الحق والحق أقول لكم! أنتم الذين اتبعتموني في الجبل الآتي إذا جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم على اثني عشر كرسياً، تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل، كل ما ترك بنين أو أخاً أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو بيتاً أو حقلاً من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث حياة الأبد، وقال لوقا: ما من أحد ترك منزلاً أو والدين أو إخوة أو امرأة أو مالاً من أجل ملكوت الله إلا وينال العوض أضعافاً كثيرة في هذا الزمان وفي الدهر الآتي حياة الأبد، وقال متى وغيره: كثيراً أولون يصيرون آخرين: وأخرون يصيرون أولين، يشبه ملكوت السماوات إنساناً رب بيت خرج الغداة ليستأجر فعله لكرمه، فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم - إلى آخر ما مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم في مثل الفعلة في الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلاً على من عمل أكثر النهار وقد ساقه ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة أخرى تفسيراً كثيراً من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها، فأحببت أن أذكر عبارة ابن برجان هنا تكميلاً للفائدة، قال: وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل: وكثيراً يتقدم الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين: ولذلك يشبه ملكوت السماوات برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في أول النهار، وعامل كل واحد في نهاره على درهم ثم أدخلهم كرمه، فلما كان في الساعة الثالثة بصر لغيرهم في الرحاب لا شغل لهم فقال: اذهبوا أنتم أيضاً إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم، ففعلوا، ثم فعل مثل ذلك في الساعة السادسة والتاسعة، فلما كان في الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفاً فقال لهم: لم وقفتم هنا طول نهاركم دون عمل؟ فقالوا له: إنا لم يستأجرنا أحد، فقال لهم: اذهبوا أنتم سآمر لكم بحقوقكم، فلما انقضى النهار قال لوكيله: ادع الأعوان وأعطهم أجرتهم وابدأ بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين، فبدأ بالذين دخلوا في الساعة الإحدى عشرة وأعطى كل واحد منهم درهماً، قأقبل الأولون وهم الذين يرجون الزيادة، فأعطى كل واحدٍ منهم درهماً، فاستذكروا ذلك على صاحب الكرم وقالوا: سويتنا بالذين لم يعملوا إلا ساعة من النهار في شخوصنا طول نهارنا وعذابنا بحرارته، فأجاب أحدهم وقال: لست أظلمك يا صديق، أما عاملتني على درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر كما أعطيتك، أفلا يحل لي ذلك؟ وإن كنت حسوداً فإني أنا رحيم، ومن أجل ذلك يتقدم الآخرون الأولين، ويكون الأولون ساقة الآخرين فالمدعوون كثير، والخيرون قليل، وذكر ابن برجان أن الساعة السادسة لعيسى عليه السلام وأصحابه في أول الأمر والتاسعة لمحمد صلى الله عليه وسلم والحادية عشرة لآخر الزمان - كأنه يعني ما بعد الدجال من أيام محمد صلى الله عليه وسلم التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجدداً، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم التي يكون فيها عيسى عليه السلام مجدداً، ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح شيئاً واحداً من العصر إلى غروب الشمس، ثم قال متى في بقية ما مضى من الإنجيل في النسخة التي نقلت منها عقب ما تقدم أنه في الأعراف: فصعد يسوع إلى يروشليم وأخذ الاثني عشر، حينئذ جاءت إليه أم ابني زبدي - هما يعقوب ويوحنا - مع ابنيها وسجدت له، فقال لها: ماذا تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك، أجاب يسوع: أما جلوسهما عن يميني ويساري فليس لي بل للذي أعده لهم ربي، فلما سمع العشرة تقمقموا على الآخرين - وقال مرقس: على يعقوب ويوحنا - فدعاهم يسوع وقال لهم: أما علمتم أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم، ليس هكذا يكون فيكم، لكن من أراد أن يكون فيكم كبيراً فيكون لكم خادماً، ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فيكون لكم عبداً، وقال مرقس: فيكون آخر للكل وخادماً للجميع، كذلك ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم، ويبذل نفسه فداء عن كثير، فلما خرج من أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز فصرخا قائلين: ارحمنا يا رب يا ابن داود، فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما: ما تريدان أن أفعل لكما، قالا له: يا رب، أن تفتح أعيننا، فتحنن يسوع ولمس أعينهما وللوقت أبصرت أعينهما وتبعاه، وعبارة مرقس عن ذلك: وجاء إلى أريحا وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى جالس يسأل عن الطريق - وقال لوقا: يتوسل - فسمع الجمع المجتاز فسأل: ما هذا، فأخبروه أن يسوع الناصري جاء، وقال مرقس: فلما سمع بأن يسوع مقبل بدأ يصيح ويقول: يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني، فانتهروه ليسكت، فازداد صياحاً قائلاً: يا رب يا ابن داود، ارحمني، فوقف يسوع وقال: ادعوه، فدعي الأعمى وقالوا له: ثق وقم فإنه يدعوك، وطرح ثوبه ونهض وجاء إلى يسوع فأجابه يسوع وقال له: ما تريد أن أصنع بك؟ فقال له الأعمى: يا معلم، وقال لوقا: يا رب - أن أبصر، فقال له يسوع: اذهب إيمان خلصك، وللوقت أبصر، وتبعه في الطريق - قال لوقا: يمجد الله - وكان جميع الشعب الذين رأوه يسبحون الله. وقال أيضاً: وكان بينما هو منطلق إلى يروشليم اجتاز بين السامرة والجليل، وفيما هو داخل إلى إحدى القرى استقبله عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد ورفعوا أصواتهم قائلين: يا يسوع الملعم ارحمنا! فنظر إليهم وقال لهم: اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة، وفيما هم منطلقون طهروا، فلما رأى أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم بمجد الله وخر على وجهه عند رجليه شاكراً له، وكان سامرياً، أجاب يسوع وقال: أليس العشرة قد طهروا فأين التسعة، ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا هذا الغريب، ثم قال له: قم فامض، إيمانكم خلصك. قال متى: ولما قربوا من يروشليم وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون - وقال مرقس: عند باب فاجي وبيت عنيا جانب طور الزيتون - قال متى: حينئذ أرسل يسوع اثنين من تلاميذه: وقال لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما فتجدان أتانه مربوطة وجحشاً معهما فحلاهما وائتياني بهما! فإن قال لكما أحد شيئاً فقولا له: إن الرب محتاج إليهما! فهو يرسلهما للقوت، كان هذا ليتم ما قيل في النبي القائل قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعاً راكباً على أتانه وجحش ابن أتانة، فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع، فأتيا بالأتانة والجحش وتركوا ثيابهم عليهما، وجلس معهما، وجمع كثير فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق، وعبارة مرقس عن ذلك: تجد أن جحشاً مربوطاً لم يركبه أحد من الناس قط، فحلاه وائتيا به، فإن قال لكما أحد: ما تفعلان بهذا؟ فقولا: إن الرب محتاج إليه من ساعة يرسله، فذهبا ووجدا الجحش مربوطاً عند الباب خارجاً عن الطريق فحلاه فقال لهما قوم من القيام هناك: ما تصنعان؟ فقالا لهم كما قال يسوع فتركوهما، وجاءا بالجحش إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس عليهم وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الحقل وفرشوها في الطريق. قال متى: والجمع الذي تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين: أوصنا يا ابن داود مبارك الآتي باسم الرب، قال مرقس: ومباركة المملكة الآتية باسم الرب لأبينا داود أوصنا في العلاء، وقال لوقا: وكان لما قرب من منحدر جبل الزيتون بدأ جمع الملأ والتلاميذ يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع الأصوات من أجل القوات التي نظروا قائلين: تبارك الملك الآتي باسم الرب والسلامة في السماء والمجد في العلا، وقوم من الفريسيين من بين الجمع قالوا له: ما معلم انتهر تلاميذك، فقال لهم: إن سكت التلاميذ نطقت الحجارة، فلما قرب نظر المدينة وبكى عليها وقال: لو علمت في هذا اليوم ما لك فيه من السلامة، فأما الآن فإنه قد خفي عن عينيك، وسوف تأتي أيام تلقى أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون عليك من كل موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً، وقال متى: فلما دخل إلى يروشليم ارتجت المدينة كلها قائلين: من هذا؟ فقال الجمع: هذا يسوع النبي الذي هو من ناصرة الجليل، فدخل يسوع إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارف وكراسي باعة الحمام وقال لهم: مكتوب أن بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص. وقال يوحنا: فصعد يسوع إلي يروشليم فوجد في الهيكل باعة البقرة والكباش والحمام وصيارف جلوساً، فصنع محضرة من حبل وأخرج جميعهم من الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال متى: وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم، فرأى رؤساء الكهنة العجائب التي صنع والصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون: أوصنا يا ابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، فتقمقموا وقالوا: ما تسمع ما يقول هؤلاء، فقال لهم يسوع: نعم، أما قرأتم قط أن من فم الأطفال والمرضعين أعددت سبحاً، وتركهم وخرج خارج المدينة وبات هناك في بيت هنيا وفي غد عبر إلى المدينة فجاع ونظر إلى شجرة تين على الطريق فجاء إليها فلم يجد فيها شيئاً إلا الورق، فقال لها: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست تلك الشجرة للوقت، فنظر التلاميذ وتعجبوا وقالوا: كيف يبست التينة للوقت، أجاب يسوع وقال لهم: الحق أقول لكم! إن كان لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل هذه الشجرة التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا الجبل: تعال واسقط في البحر، فيكون، وقال مرقس: إن كان لكم إيمان بالله، لحق أقول لكم: إن من قال لهذا الجبل: انتقل واسقط في هذا البحر، ولا يشك في قلبه بل يصدق فيكون له الذي قال، من أجل هذا أقول لكم: إن كل ما تسألونه في الصلاة بإيمان أنكم تنالونه فيكون لكم، وقال متى: وكل ما تسألونه في الصلاة بإيمان تنالونه، وقال مرقس: فقال له يوحنا، يا معلم! رأينا واحداً يخرج الشياطين باسمك فمعناه لأنه لم يتبعنا، قال لهم يسوع: لا تمنعوه ليس يصنع أحد قوة باسمي، ويقدر سريعاً أن يقول على الشر، كل من ليس هو عليكم فهو معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم المسيح الحق أقول لكم: إن أجره لا يضيع. وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله وإطلاق الرب على غيره بلا قيد، وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة - والله الهادي للصواب.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ارسلنا} اى وبالله قد بعثنا {نوحا} الى قومه وهم بنو قابيل وهو الأب الثانى {وابراهيم} الى قومه ايضا وهم نمرود ومن تبعه ذكر الله رسالتهما تشريفا لهما بالذكر ولانهما من اول الرسل وابوان للانبياء عليهم السلام فالبشر كلهم من ولد نوح والعرب والعبرانيون كلهم من ولد ابراهيم {وجعلنا فى ذريتهما} اى فى نسلهما {النبوة والكتاب} بأن استنبأنا بعض ذريتهما واوحينا اليهم الكتب مثل هود وصالح وموسى وهرون وداود وغيرهم فلا يوجد نبى ولا كتاب الا وهو مدلٍ اليهم بأمتن الاسباب واعظم الانساب {فمنهم} اى فمن ذرية هذين الصنفين او من المرسل اليهم المدلول عليهم بذكر الارسال والمرسلين يعنى بس بعضى ازانها كه انبياء برايشان آمدند {مهتد} اى الحق يعنى ايمان آورده بكتاب ونبى وثابت شد بردين خود {وكثير منهم فاسقون} خارجون عن الطريق المستقيم فيكونون ضالين لامحالة
الطوسي
تفسير : خمس آيات بصرى وأربع فيما عداه، عد البصريون {وآتيناه الإنجيل} ولم يعده الباقون. يقول الله تعالى مقسما إنه ارسل نوحاً نبياً إلى قومه، وإبراهيم ايضاً أرسله إلى قومه وذكر انه تعالى جعل فى ذريتهما - يعني فى ذرية نوح وإبراهيم أيضاً بعد ما أرسلهما الى قومهما {النبوة والكتاب} لان الانبياء كلهم من نسلهما. وعليهم أنزل الكتاب. ثم أخبر عن حال ذريتهما فقال {فمنهم مهتد} إلى طريق الحق واتباعه {وكثير منهم فاسقون} أي خارجون عن طاعة الله إلى ذل معصيته. ثم اخبر تعالى إنه قفى على آثار من ذكرهم برسل أخر إلى قوم آخرين. والتقفية جعل الشيء فى أثر الشيء على الاستمرار فيه، ولهذا قيل لمقاطع الشعر قوافي إذا كانت تتبع البيت على أثره مستمرة فى غيره على منهاجه، فكأنه قال: وأنفذنا بعدهم بالرسل رسولا بعد رسولهم {وقفينا بعيسى ابن مريم} بعدهم {وآتيناه} أي اعطينا عيسى ابن مريم {الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة} وقيل فى معناه قولان: أحدهما - إنه جعل فى قلوبهم الرأفة والرحمة بالأمر به والترغيب فيه. ثم أخبر انه رزق الرأفة والرحمة. قال ابو زيد: يقال رؤفت بالرجل ورأفت به رأفة - بفتح الهمزة، وسكونها -. الثاني - إنه خلق فى قلوبهم الرأفة والرحمة. وإنما مدحهم على ذلك، لانهم تعرضوا لهما. وقوله {ورهبانية ابتدعوها} يعني ابتدعوا الرهبانية ابتدعوها وهي الخصلة عن العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما فى لبسه أو إنفراده عن الجماعة أو غير ذلك من الامور التي يظهر فيها نسك صاحبها. ومعنى الآية ابتدعوا رهباينة لم تكتب عليهم. ثم قال {ما كتبناها عليهم} الرهبانية {إلا ابتغاء رضوان الله} فالثانية غير الأولى إلا انه لما اتفق الاسمان فيهما كنى عنهما بما تقدم، وقام إعادة لفظهما مقامهما كما قال حسان: شعر : أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء تفسير : فالتقدير ومن يمدحه. والابتداع ابتداء أمر لم يجد فيه على مثال. والبدعة إحداث أمر على خلاف السنة. وقال قتادة: الرهبانية التي أبتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع. وقال قتادة وابن زيد: تقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله {فما رعوها حق رعايتها} وقال قوم: الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال - فى خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعاها الذين بعدهم حق رعايتها، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله، وقيل: الرهبانية الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة. وقوله {ما كتبناها عليهم} معناه ما فرضناها عليهم أي تلك الرهبانية البتة. وقال الزجاج: معناه ما كتبناها عليهم البتة ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فيكون بدلا من (ها) التي يشتمل عليه المعنى - ذكره الزجاج - وقيل: كان عليهم تتميمها كما على المبتدىء بصوم التطوع أن يتمه. وقال الحسن: فرضها الله عليهم بعد ما أبتدعوها، وقوله {فما رعوها حق رعايتها} معناه فما حفظوها حق حفظها. ثم قال {فآتينا الذين آمنوا} معناه فأعطينا من آمن بالله ورسوله من جملة المذكورين {أجرهم} أي ثوابهم على إيمانهم. ثم قال {وكثير منهم فاسقون} أي خارجون عن طاعة الله إلى معصيته والكفر به. وقوله {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} معناه يا أيها الذين اعترفوا بتوحيد الله وصدقوا بموسى وعيسى وأعترفوا بنبوتهما اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وآله - ذكره ابن عباس - {يؤتكم كفلين من رحمته} قال ابن عباس: معناه يعطكم أجرين أجراً لايمانكم بمحمد صلى الله عليه وآله وأجراً لايمانكم بمن تقدم من الرسل. وأصل الكفل الحظ - فى قول الفراء - ومنه الكفل الذي يكتفل به الراكب، وهو كساء أو نحوه يحويها على الابل إذا أراد أن يرتدف فيه فيحفظه من السقوط، ففيه حظ من التحرز من الوقوع {ويجعل لكم نوراً تمشون به} قال مجاهد: ويجعل لكم هدى تهتدون به. وقال ابن عباس: النور القرآن، وفيه الادلة على كل حق وبيان لكل خير، وبه يستحق الضياء الذي يمشي به يوم القيامة {ويغفر لكم} أي يستر عليكم ذنوبكم {والله غفور رحيم} أي ستار عليكم ذنوبكم رحيم بكم منعم عليكم وقوله {لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله} معناه ليعلم اهل الكتاب الذين يتشبهون بالمؤمنين منهم {أن لا يقدرون} أي انهم لا يقدرون {على شيء من فضل الله} فى قول ابن عباس. و (ان) هي المخففة من الثقيلة. وقيل: معناه ليعلم أهل الكتاب الذين حسدوا المؤمنين بما وعدوا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله، فيصرفوا النبوة عن محمد صلى الله عليه وآله إلى من يحبونه و (لا) فى (لئلا) صلة وتوكيد، وقيل: إنما تكون (لا) صلة فى كل كلام دخل فى أواخره جحد، وإن لم يكن مصرحاً به نحو {أية : ما منعك أن لا تسجد } {أية : وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون } تفسير : وقوله {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}. تفسير : وقوله {وإن الفضل بيد الله} معناه ليعلموا أن الفضل بيد الله {يؤتيه من يشاء} أي يعطيه من يحب {من عباده} ممن يعلم انه يصلح له. ثم قال {والله ذو الفضل العظيم} معناه ذو تفضل على خلقه واحسان على عباده عظيم لا يحصى كثرة ولا يعد.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : عطف سبحانه على ما تقدم من ذكر المرسلين مجملاً، بذكر نوح وإبراهيم - على نبينا وعليه السلام - مفصلاً، وإنما خصّهما بالذكر، وذكر قصتهما، لفضلهما وكونهما أبوي الأنبياء، كما يدل عليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ}، فإن الأنبياء كلهم من نسلهما وذريتهما - عن ابن عباس -. الكتاب: الخط بالقلم. يقال: كتب كتاباً وكتابة. ثم أخبر تعالى عن حال الذرية بحسب النشأة الأخروية، فقال: فمنهم - أي فمن الذرية، أو من المرسل إليهم -، لدلالة ذكر الإرسال عليه - مهتدٍ - إلى طريق الحق، - ومنهم فاسق - عن أمر ربه، والغلبة للفساق. مكاشفة إعلم أن لوجود كل من الصنفين مصلحة وخيراً تخصّه وتليق به، لئلا يلزم أن يكون الخير قليلاً والشر كثيراً في أشرف أنواع الكائنات. فليس لأحد أن يقول: أكثر أفراد الإنسان يغلب عليهم الشر على ما دلت عليه الآية، ولأن مناط تحصيل السعادة والشقاوة للنفس الآدمية إنما هو استعمال قواها الثلاثة: - الإدراكية، والشهوية، والغضبية - إذ هي مبادئ الأفاعيل والانفعالات، ومن تكرر الأفاعيل والانفعالات تحصل أخلاق ومَلَكات هي المنتجة للسعادة أو الشقاوة في العاجل والآجل، والغالب على أكثر الناس - على ما نراه - أضداد الأخلاق الحسنة، من الجهل، وغلبة الشهوة، واستيلاء حب الدنيا، وميل الرياسة، والبخل، والحسد، والكِبر، والرياء، وأشباهها. وما يترتب عليها وينبعث عنها من الفسوق والمعاصي، فيلزم كونهم من الأشرار المردودين عن رحمة الله، على أن رحمته وسعت كل شيء، فما معنى كونه تعالى محض الرحمة التي لا جهة شَرِّيّة فيها؟ وما معنى قول الربّانيين من الحكماء: "إن الخير مرضيٌّ والشر مقضيٌّ"؟ لانّا نقول: لا بد أن يعلم أن الخُلُق الذي لا نجاة معه في الآخرة، هو صفة واحدة للنفس من حيث جزؤها العلمي، وهي ضَرْبٌ من الجهل، وهو ما يكون مُرَكباً مع الاعتقاد الراسخ المضاد للحق، وأما من حيث جزؤها العملي، فليس كل رذيلة توجب الحرمان عن الغفران، بل الرذائل التي رانت على القلوب وصيّرتها فاسدة الجوهر، كجرم المرآة التي أحاطت بها النداوة ظاهراً وباطناً، وغاصت فيها وأفسدتها سطحاً وعمقاً، وكون أكثر الناس فسّاقاً ذوي صفات ذميمة لا يستلزم كونهم مطرودين من رحمة ربهم، بل كما أن الجهل المركّب الراسخ المضاد لليقين، الذي يوجب الشقاوة الأبدية، نادر كوجود اليقين الذي يوجب خيراً كثيراً وقسطاً وافراً من السعادة، والجهل البسيط الذي لا يضر في المعاد عامُّ فاشٍ في هذا النوع، فكذلك حال القوتين الأخريين. فالبالغ في فضيلة العقل والخلق - وان كان نادراً -، كالشديد النزول فيهما، لكن المتوسطين على مراتبهم أغلب وأوفر، وإذا ضم إليهم الطرف الأعلى، كانت لأهل النجاة غلبة عظيمة. وما أشبه حال الأرواح في انقسامها إلى هذه الأقسام بحسب السعادة والشقاوة الأخرويتين، بحال الأبدان في انقسامها بحسب السعادة والشقاوة الدنيويتين إلى العالي في الجمال والصحة، والمتوسط فيهما - وهو الأكثر -، والقبيح السقيم - وهو أقل من عدد المتوسط فضلاً عن مجموع القسمين. فإذن قد ثبت أن السعيد أكثر من الشقي، فالحكم بأن رحمة الله تعالى لا تنال إلاَّ قليلاً من عباده غير صحيح، وقد قال تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأعراف:156]. وأما خلود أهل الكفر في النار، ففيه سر لا ينكشف لأحد إلاَّ من يشاء من خُلّص عباده وهو العليم الحكيم.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} عطف على قوله لقد أرسلنا عطف التّفصيل على الاجمال {نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} اى الرّسالة {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ} فى غاية الاهتداء كالانبياء والاولياء (ع) او فى اواسط الاهتداء كسائر المؤمنين {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} لم يقل فى مقابل منهم مهتد ومنهم فاسق للاشارة الى الغلبة فى جانب الضّلالة.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} فكان أول كتاب نزل فيه الحلال والحرام كتاب موسى. قال: {فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ} أي من ذريتهما {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ} أي: من ذريتهما {فَاسِقُونَ} أي: مشركون ومنافقون. قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} أي: جعلنا الرسل تبعاً يقفو بعضُها بعضاً، أي: بعضها على أثر بعض كالذي يقفو صاحبه {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} من بعدهم {وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي: يرأف بعضهم ببعض، ويرحم بعضهم بعضاً، كقوله عز وجل: (أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكُفَّارِِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ) تفسير : [الفتح:29]. ثم استأنف الكلام فقال: {وَرَهْبَانِيَةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي: ما فرضناها عليهم، أي: إنما ابتدعوها {إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضُوَانِ اللهِ} ليتقرَّبُوا بها إلى الله. قال الحسن: ففرضها الله عليهم حين ابتدعوها. قال: {فَمَا رَعَوْهَا} يعني الرهبانية {حَقَّ رِعَايَتِهَا} ولا ما فرضنا عليهم، أي: ما أدوا ذلك إلى الله. {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي: مشركون ومنافقون. وهو فسق دون فسق، وفسق فوق فسق. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لكل أمة رهباينة ورهبانية أمتي الجهاد .
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ} لا نبي إلا من نسلهما تشريفا لهما والكتاب جنس الكتب وقيل: التوراة والانجيل والزبور والفرقان فكان أول كتاب نزل في الحلال والحرام كتاب موسى وقيل: الكتاب الوحي وعن ابن عباس: الخط بالقلم يقال كتب كتابا كما يقال كتابه. {فَمِنْهُم} من الذرية أو من المرسل اليهم وقد دل عليهم ارسلنا {مُّهْتدٍ} يقدر الرفع على الياء المحذوفة للتنوين {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} منافقون ومشركون والمهتدون قليل ولأجل الدلالة بالاشارة الى غلب الضلال وقلة الاهتداء ويلزم عدل عن طريق المقابلة وهو ومنهم فاسقون وانما قلت بالاشارة لان الكثير لا يلزم ان يكون نصفا أو اكثر ولكن ذكره في مقابلة قليل يدل عليها.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرٰهِيمَ } نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: { أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } تفسير : [الحديد: 25] وتكرير القسم لإظهار مزيد الاعتناء بالأمر أي وبالله لقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم. {وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ } بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب، وقال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم، وفي مصحف عبد الله ـ والنبية ـ مكتوبة بالياء عوض الواو {فَمِنْهُمْ } أي من الذرية؛ وقيل: أي من المرسل إليهم المدلول عليهم بذكر الإرسال والمرسلين {مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } خارجون عن الطريق المستقيم، ولم يقل ومنهم ضال مع أنه أظهر في المقابلة لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه، ومعرفته أبلغ من الضلال عنه ولإيذانه بغلبة أهل الضلال على غيرهم.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على جملة {أية : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات}تفسير : [الحديد: 25] عطف الخاص على العام لما أريد تفصيل لإِجماله تفصيلاً يسجل به انحراف المشركين من العرب والضالّين من اليهود عن مناهج أبويهما: نوح وإبراهيم، قال تعالى في شأن بني إسرائيل {أية : ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبداً شكوراً}تفسير : [الإسراء: 3]، والعرب لا ينسون أنهم من ذرية نوح كما قال النابغة يمدح النعمان بن المنذر: شعر : فألفيت الأمانةَ لم تخنْها كذلك كان نوح لا يخون تفسير : والنبوءة في ذريتهما كنبوءة هود وصالح وتُبّع ونبوءة إسماعيل وإسحاق وشعيب ويعقوب. والمراد بــــ {الكتاب} ما كان بيد ذرية نوح وذرية إبراهيم من الكتب التي فيها أصول ديانتهم من صحف إبراهيم وما حفظوه من وصاياه ووصايا إسماعيل وإسحاق. والفسق: الخروج عن الاهتداء، ومن الفاسقين: المشركون من عاد وثمود وقوم لوط واليمن والأوس والخزرج وهم من ذرية نوح، ومن مدين والحجاز وتهامة وهم من ذرية إبراهيم. والمراد: مَنْ أشركوا قبل مجيء الإسلام لقوله: {أية : ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم}تفسير : [الحديد: 27].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ}تفسير : [الزخرف: 28-29] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم: أي وتالله لقد أرسلنا نوحاً هو الأب الثاني للبشر وإبراهيم هو أبو الأنبياء. والكتاب: أي التوراة والزبور والإِنجيل والفرقان. فمنهم مهتد: أي من أولئك الذرية أي سالك سبيل الحق والرشاد. وكثير منهم فاسقون: أي عن طاعة الله ورسله ضال في طريقه. ثم قفينا على آثارهم برسلنا: أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهينا إلى عيسى. وقفينا بعيسى بن مريم: أي أتبعانهم بعيسى بن مريم لتأخره عنهم في الزمان. وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه: أي على دينه وهم الحواريون وأتباعهم. رأفة ورحمة: أي ليناً وشفقة. ورهبانية ابتدعوها: أي وابتدعوا رهبانية لم يكتبها الله عليهم. وهي اعتزال النساء والانقطاع في الأديرة والصوامع للتعبد. إلا ابتغاء رضوان الله: أي إلا طلبا لرضوان الله عز وجل. فما رعوها حق رعايتها: أي لم يلتزموا بما نذروه على أنفسهم من الطاعات. فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم: أي فأعطينا الذين ثبتوا على إيمانهم وتقواهم أجرهم. وكثير منهم فاسقون: لا أجر لهم ولا ثواب إلا العقاب. معنى الآيات: يخبر تعالى أنه كما أرسل رسله وأنزل معهم الكتاب والميزان أرسل كذلك نوحاً وإبراهيم فنوح هو أبو البشر الثاني وإبراهيم هو أبو الأنبياء من بعده ذكرهما لمزيد شرفهما، ولما لهما من آثار طيبة فقال {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ} أي في أولادهما النبوة والكتاب فهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط من ذرية نوح وإسماعيل وإسحاق وباقي الأنبياء من ذرية إبراهيم وقوله {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي فمن أولئك الذرية المهدى وأكثرهم فاسقون وقوله {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} أي رسولا بعد رسول إلى عيسى بن مريم، وقفينا بعيسى بن مريم أي أتبعاتهم بعيسى بن مريم كل ذلك لهداية العباد إلى ما يكملهم ويسعدهم وقوله {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} أي آتينا عيسى بن مريم الإِنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة والرأفة اللين وأشد الرحمة. وقوله {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} أي ابتدعها الذين اتبعوا عيسى {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي لم يكتبها الله تعالى عليهم لما فيها من التشديد ولكن ما ابتدعوها إلا طلباً لرضوان الله ومرضاته فما رعوها حق رعايتها حيث لم يوفوا بما التزموا به من ترك الدنيا والإِقبال على الآخرة حيث تركوا النساء ولبسوا الخشن من الثياب وأكلوا الخشن من الطعام ونزلوا الصوامع والأديرة. ولهذه الرهبانية سبب مروى عن ابن عباس رضي الله عنهما نذكره باختصار للفظه ومعناه قال كان بعد عيسى ملوك بدلوا التوراة وحرفوا الإِنجيل وألزموا العامة بذلك، وكان بينهم جماعة رفضُوا ذلك التحريف للدين ولم يقبلوه ففروا بدينهم، والتحقوا بالجبال وانقطعوا عن الناس مخافة قتلهم أو تعذيبهم لمخالفتهم دين ملوكهم المحدث الجديد فهذا الانقطاع بداية الرهبانية، وعاش أولئك المؤمنون وماتوا وجاء جيل من أبناء الدين المحرف فذكروا سيرة الصالحين الأولين فأرادوا أن يفعلوا فعلهم فانقطعوا إلى الصوامع والأديرة، ولكنهم جهال وعلى دين محرف مبدّل فاسد فما انتفعوا بالرهبانية المبتدعة وفسق أكثرهم عن طاعة الله ورسوله. وهو ما دل عليه قول الله تعالى: {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} وهم الأولون المؤمنون الذين فروا من الكفر والتعذيب وعبدوا الله تعالى بما شرع، وقوله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} وهم الذين أتوا من بعدهم إلى يومنا هذا إذ هم يعبدون الله بدين محرف باطل ولم يلتزموا بالرهبنة الصادقة بالزهد في الدنيا والإِقبال على الآخرة. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان منة الله على عباده بإرسال الرسل. 2- بيان سنة الله في الناس وهي أنه إذا أرسل الرسل لهداية الناس يهتدى بعض ويضل بعض فيفسق. 3- ثناء الله على عيسى بن مريم واتباعه بحق من الحواريين وغيرهم إلى أن غيرت الملوك دين المسيح وضل الناس وأصبحوا فاسقين عن دين الله تعالى. 4- تحريم البدع والابتداع ولا رهبانية في الإِسلام ولكن يعبد الله بما شرع.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {ٱلْكِتَابَ} {فَاسِقُونَ} (26) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ مُنْذُ أَنْ أَرْسَلَ نُوحاً نَبِيّاً إِلَى قَوْمِهِ، لَمْ يُرْسِلْ بَعْدَهُ رَسُولاً، وَلاَ نَبِيّاً إِلاَّ مِنْ ذُرِّيَتِهِ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَقَدِ افْتَرَقَتْ ذُرِّيَةُ نُوحٍ وَذُرِّيَةُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعْدِهِمَا فِرْقَتَينِ: فِرْقَةً مُهْتَدِيَةً إِلَى الحَقِّ مُسْتَبْصِرَةً بِهِ، وَفِرْقَةً ضَالَّةً مُتَّبِعَةً هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على دينه {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} والرأفة أشد الرقّة {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} من قبل أنفسهم {مَا كَتَبْنَاهَا} فرضناها وأوجبناها {عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ} يعني: ولكنهم ابتغوا {رِضْوَانِ ٱللَّهِ} بتلك الرهبانية {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، وهم أهل الرأفة والرحمة والرهبانية التي ابتدعوها طلباً لرضا الله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى وتهوّدوا وتنصّروا. وبنحو ما فسّرنا ورد فيه الآثار. حديث : وقال ابن مسعود: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: "يا ابن أمّ عبد، هل تدري من أين اتّخذت بنو اسرائيل الرهبانية؟". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (عليه السلام) يعملون بمعاصي الله سبحانه، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبقَ منهم إلاّ القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبقَ للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى يعنون محمّداً فتفرّقوا في غيران الجبال، وأحدثوا الرهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه ومنهم من كفر". ثم تلا هذه الآية {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} الآية. {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ} يعني: من ثبتوا عليها {أَجْرَهُمْ} ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم "يا ابن أم عبد، أتدري ما رهبانية أُمتي؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع" . تفسير : وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا شيبان بن فرّوخ قال: حدّثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، "حديث : عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن مسعود، اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقة ونجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم تدعوهم إلى دين الله سبحانه ودين عيسى، فساحوا في البلاد وترهّبوا وهم الذين قال الله سبحانه: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} ". تفسير : قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حقّ رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون"تفسير : . وروى الضحّاك وعطّية عن ابن عباس قال: كتب الله سبحانه عليهم القتال قبل أن يبعث محمّداً صلى الله عليه وسلم فلما استخرج أهل الإيمان ولم يبقَ منهم إلاّ قليل وكثر أهل الشرك، وذهبت الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانيّة وباليهودية، ولم يرعوها حقّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين عيسى حتى جاءهم البيّنات، وبعث الله سبحانه محمّداً صلى الله عليه وسلم وهم كذلك. فذلك قوله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} إلى قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عليّ بن حرب قال: حدّثنا ابن فضيل قال: حدّثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وحدّثت عن محمّد بن جرير، قال: حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حريث قال: حدّثنا الفضل ابن موسى عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى (عليه السلام) بدّلوا التوراة والإنجيل. وكان فيهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ويأمرونهم بتقوى الله سبحانه، فقيل لملكهم: لو جمعت هؤلاء الذين شقّوا عليكم وآذوكم فقتلتموهم، أقرّوا بما نقرّ به، ودخلوا فيما نحن فيه. فدعاهم ملكهم وجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل. إلاّ ما بدّلوا فيها، فقالوا: ما تريد منّا؟ نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم اعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نردّ عليكم. وقالت طائفة أخرى: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونسرب كما تسرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا. وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرِد عليكم ولا نمرّ بكم. وليس أحد من أولئك إلاّ له حميم منهم، ففعلوا ذلك بهم فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممّن قد غيّر الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتّخذ دوراً كما اتّخذ فلان، وهم على شركهم، ولا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله سبحانه: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} . قال: ابتدعها هؤلاء الصالحون فما رعوها حقّ رعايتها، يعني الآخرين الذين جاؤوا من بعدهم، {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} يعني الذين: ابتدعوها {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}: الذين جاؤوا من بعدهم. قال: فلمّا بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) ولم يبق منهم إلاّ قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، وآمنوا به وصدّقوه فقال الله عزّ وجلّ: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} محمّد (عليه السلام) {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} قال: أجرين؛ لإيمانهم بعيسى والإنجيل وإيمانهم بمحمّد والقرآن، {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} يعني: القرآن {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} الذين يتشبّهون بهم {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} إلى آخرها. وقال قوم: انقطع الكلام عند قوله: {وَرَحْمَةً} ثم قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} ؛ وذلك أنّهم تركوا الحقّ، وأكلوا لحم الخنزير، وشربوا الخمر، ولم يتوضّؤوا ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا الختان، {فَمَا رَعَوْهَا} يعني: الطاعة والملّة {حَقَّ رِعَايَتِهَا} . كناية عن غير مذكور. {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، وهم أهل الرأفة والرحمة {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}، وهم أهل الرهبانية والبدعة، وإليه ذهب مجاهد. ومعنى قوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}: وما أمرناهم إلاّ بذلك وما أمرناهم إلاّ بالترهّب، أو يكون وجهه: إلاّ ابتغاء رضوان الله بزعمهم وعَنَدهم، والله أعلم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ} محمّد (عليه السلام) {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ}: نصيبين {مِن رَّحْمَتِهِ} ؛ لإيمانكم بالأوّل وإيمانكم بالآخر. وقال أبو موسى الأشعري: كفلين: ضعفين بلسان الحبشة. قال ابن جبير: وأصله ما يكتفل به الراكب من الثياب والمتاع فيحبسه ويحفظه من السقوط، يقول: يحصنكم هذا الكفل من العذاب كما يحصن الراكب الكفل من السقوط. ومنه الكفالة؛ لأنّها تحصن الحقّ. {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} في الناس، وعلى الصراط أحسن. وقال ابن عباس: النور القرآن. وقال مجاهد: الهدى والبيان، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال سعيد بن جبير: بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعفراً رضي الله عنه في سبعين راكباً للنجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلمّا كان عند انصرافه قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا: ايذن لنا فنأتي هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم فنلمّ به ونجدّف بهؤلاء في البحر؛ فإنا أعلم بالبحر منهم. فقدموا مع جعفر على النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد تهيأ النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) لوقعة أحد، فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدّة الحال استأذنوا النبيّ صلى الله عليه وسلم (عليه السلام) فقالوا: يا رسول الله إنّ لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من خصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها.. فأذن لهم فانصرفوا وأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله سبحانه فيهم {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [القصص: 52] إلى قوله {أية : وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تفسير : [القصص: 54] فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن قوله: {أية : يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [القصص: 54]، فجروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منّا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة ثم قال: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}، وهكذا قرأها سعيد بن جبير {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} الآية. وروى حنان عن الكلبي قال: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، لم يكونوا يهوداً ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم. فردّوا عليه: {أية : وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ} تفسير : [المائدة: 84]، فجعل الله سبحانه لهم والمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أفضل منكم لنا أجران ولكم أجر واحد، فأنزل الله سبحانه: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} الآية. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من كانت له أمة فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، وأعتقها وتزوّجها فله أجران، وعبد أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل من أهل الكتاب آمن بما جاء به موسى أو ما جاء به عيسى وما جاء به محمّد صلى الله عليه وسلم فله أجران ". تفسير : وقال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله سبحانه هذه الآية. وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل، فلمّا خرج من العرب كفروا، فأنزل الله سبحانه {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} أي ليعلم {لا} صلة {أَلاَّ يَقْدِرُونَ} يعني أنّهم لا يقدرون، كقوله: {أية : أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} تفسير : [طه: 89] وأنشد الفرّاء: شعر : إنّي كفيتك ما تو ثق إنْ نجوت إلى الصباحْ وسلمت من عرض الجنو ن من الغدوّ إلى الرواحْ إن تهبطنّ بلاد قو مي يرتعون من الطلاحْ تفسير : أي: إنّك تهبطن. {عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ} الآية. أخبرني ابن فنجوية قال: حدّثني أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا الحسن بن السكن البغدادي، قال: حدّثنا أبو زيد النحوي، عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عطيّة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عزّ وجلّ قسّم الأجر وقسّم العمل، فقيل لليهود، اعملوا، فعملوا إلى نصف النهار، فقيل: لكم نصف قيراط. وقيل للنصارى: اعملوا، فعملوا من نصف النهار إلى العصر، فقيل: لكم قيراط. وقيل للمسلمين: اعملوا، فعملوا من صلاة العصر إلى غروب الشمس بقيراطين. فتكلّم اليهود والنصارى في ذلك، فأنزل الله سبحانه: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} ".
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل التخصيص بعد التعميم؛ للاعتناء والاهتمام بشأن المذكورين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً} إلى قومه حين فشا الجدال والمراء بينهم، وشاع انحرافهم عن المنهج القويم {وَإِبْرَاهِيمَ} حين ظهر الشرك وعبادة الأوثان والأصنام بين قومه {وَ} من كمال تعظيمنا وتكريمنا إياهما: {جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَابَ} أبداً {فَمِنْهُمْ} أي: بعض قليل من ذريتهما {مُّهْتَدٍ وَ} بعض {كَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 26] خارجون عن جادة العدالة والقسط الإلهي. {ثُمَّ قَفَّيْنَا} وعقبنا {عَلَىٰ آثَارِهِم} أي: بعد انقراضهم {بِرُسُلِنَا} وأيدناهم بالكتب والصحف وأنواع الآيات والمعجزات {وَ} بعدما انقرضوا أيضاً {قَفَّيْنَا} الكل {بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} وأيدناه بروح القدس {وَ} من كمال صفوته، ونجابة عرقه وطينته: {جَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} وآمنوا له، وتدينوا بدينه {رَأْفَةً} عطفاً وليناً إلى حيث يعفون عن القاتل، ولا يضربون الشاتم والضارب {وَرَحْمَةً} يترحمون بها عموم عباد الله. {وَ} من شدة محبتهم ومودتهم بالنسبة إلى الله ابتدعوا {رَهْبَانِيَّةً} يبالغون بها في العبادات إلى حيث لا يطعمون، ولا يشربون إياماً، ولا ينكحون قط، ولا يختلطون مع الناس، بل يوطنون نفوسهم في شعب الجبال والكهوف، وإنما {ٱبتَدَعُوهَا} من تلقاء أنفسهم بلا رخصة منَّا إياهم؛ إذ {مَا كَتَبْنَاهَا} أي: الرهبانية، وما فرضناها وقدرناها {عَلَيْهِمْ} في دينهم وكتابهم، بل ما اختاروها {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} وطلباً لمرضاته، ومع ذلك {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي: ما وافقت رهبانيتهم بدينهم وكتابهم؛ إذ كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو من أعظم معتقدات دينهم وكتابهم فتركوه، وأنكروا عليه جهلاً وعناداً {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} أي: أجر إيمانهم وأعمالهم بأضعاف ما استحقوا بأعمالهم {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] خارجون عن مقتضى دينهم وكتابهم بإنكار محمد صلى الله عليه وسلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):