Verse. 5102 (AR)

٥٧ - ٱلْحَدِيد

57 - Al-Hadeed (AR)

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلٰۗي اٰثَارِہِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَاٰتَيْنٰہُ الْاِنْجِيْلَ۝۰ۥۙ وَجَعَلْنَا فِيْ قُلُوْبِ الَّذِيْنَ اتَّبَعُوْہُ رَاْفَۃً وَّرَحْمَۃً۝۰ۭ وَرَہْبَانِيَّۃَۨ ابْتَدَعُوْہَا مَا كَتَبْنٰہَا عَلَيْہِمْ اِلَّا ابْتِغَاۗءَ رِضْوَانِ اللہِ فَمَا رَعَوْہَا حَقَّ رِعَايَــتِہَا۝۰ۚ فَاٰتَيْنَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا مِنْہُمْ اَجْرَہُمْ۝۰ۚ وَكَثِيْرٌ مِّنْہُمْ فٰسِقُوْنَ۝۲۷
Thumma qaffayna AAala atharihim birusulina waqaffayna biAAeesa ibni maryama waataynahu alinjeela wajaAAalna fee quloobi allatheena ittabaAAoohu rafatan warahmatan warahbaniyyatan ibtadaAAooha ma katabnaha AAalayhim illa ibtighaa ridwani Allahi fama raAAawha haqqa riAAayatiha faatayna allatheena amanoo minhum ajrahum wakatheerun minhum fasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية» هي رفض النساء واتخاذ الصوامع «ابتدعوها» من قبل أنفسهم «ما كتبناها عليهم» ما أمرناهم بها «إلا» لكن فعلوها «ابتغاء رضوان» مرضاة «الله فما رعوْها حق رعايتها» إذ تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم فآمنوا بنبينا «فآتينا الذين آمنوا» به «منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون».

27

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَـٰهُ ٱلإنجِيلَ }. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل. المسألة الثانية: قال ابن جني قرأ الحسن: {وآتيناه الأنجيل } بفتح الهمزة، ثم قال: هذا مثال لا نظير له، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته، لأنه يستخرج به الأحكام، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله وجهان أحدهما: أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما: أنه ظن الإنجيل أعجمياً فحرف مثاله تنبيهاً على كونه أعجمياً. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسب للعبد، قالوا: لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية، قال القاضي: المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضاً، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعاً، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض. المسألة الثانية: قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض، كما وصف الله أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بذلك في قوله: {أية : رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29]. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرىء (رآفة) على فعالة. المسألة الرابعة: الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب، كخشيان من خشي، وقرىء: (ورهبانية) بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان، وهو جمع راهب كراكب وركبان، والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين، مخلصين أنفسهم للعبادة ومتحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف، وروى ابن مسعود أنه عليه السلام، قال: «حديث : يا ابن مسعود: أما علمت أن بني إسرائيل تفرقوا سبعين فرقة، كلها في النار إلا ثلاث فرق، فرقة آمنت بعيسى عليه السلام، وقاتلوا أعداء الله في نصرته حتى قتلوا، وفرقة لم يكن لها طاقة بالقتال، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وفرقة لم يكن لها طاقة بالأمرين، فلبس العباء، وخرجوا إلى القفار والفيافي وهو قوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً } إلى آخر الآية»تفسير : . المسألة الخامسة: لم يعن الله تعالى بابتدعوها طريقة الذم، بل المراد أنهم أحدثوها من عند أنفسهم ونذروها، ولذلك قال تعالى بعده: {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ }. المسألة السادسة: {رهبانية} منصوبة بفعل مضمر، يفسره الظاهر، تقديره: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وقال أبو علي الفارسي: الرهبانية لا يستقيم حملها على {جَعَلْنَا }، لأن ما يبتدعونه هم لا يجوز أن يكون مجعولاً لله تعالى، وأقول: هذا الكلام إنما يتم لو ثبت امتناع مقدور بين قادرين، ومن أين يليق بأبي على أن يخوض في أمثال هذه الأشياء. ثم قال تعالى: {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } أي لم نفرضها نحن عليهم. أما قوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } ففيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع. أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله الثاني: أنه استثناء متصل، والمعنى أنا ما تعبدناهم بها إلا على وجه ابتغاء مرضاة الله تعالى، والمراد أنها ليست واجبة، فإن المقصود من فعل الواجب، دفع العقاب وتحصيل رضا الله، أما المندوب فليس المقصود من فعله دفع العقاب، بل المقصود منه ليس إلا تحصيل مرضاة الله تعالى. أما قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَـئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } ففيه أقوال: أحدها: أن هؤلاء الذين ابتدعوا هذه الرهبانية ما رعوها حق رعايتها، بل ضموا إليها التثليث والاتحاد، وأقام أناس منهم على دين عيسى حتى أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام فآمنوا به فهو قوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون }، وثانيها: أنا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلا ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال، لكن لا لهذا الوجه، بل لوجه آخر، وهو طلب الدنيا والرياء والسمعة وثالثها: أنا لما كتبناها عليهم تركوها، فيكون ذلك ذماً لهم من حيث إنهم تركوا الواجب ورابعها: أن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمداً عليه الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا به، وقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } أي الذين آمنوا بمحمد وكثير منهم فاسقون يعني الذين لم يؤمنوا به، ويدل على هذا ما روي أنه عليه السلام قال: «حديث : من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» تفسير : وخامسها: أن الصالحين من قوم عيسى عليه السلام ابتدعوا الرهبانية وانقرضوا عليها، ثم جاء بعدهم قوم اقتدوا بهم في اللسان، وما كانوا مقتدين بهم في العمل، فهم الذين ما رعوها حق رعايتها، قال عطاء: لم يرعوها كما رعاها الحواريون، ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } والمعنى أن بعضهم قام برعايتها وكثير منهم أظهر الفسق وترك تلك الطريقة ظاهراً وباطناً.

القرطبي

تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى قوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا} أي أتبعنا {عَلَىٰ آثَارِهِم} أي على آثار الذرية. وقيل: على آثار نوح وإبراهيم {بِرُسُلِنَا} موسى وإلياس وداود وسليمان ويونس وغيرهم {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} وهو الكتاب المنزل عليه. وتقدّم ٱشتقاقه في أوّل سورة «آل عمران». الثانية: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على دينه يعني الحواريين وأتباعهم {رَأْفَةً وَرَحْمَةً} أي مودّة فكان يواد بَعضهم بعضاً. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرّفوا الكلِم عن مواضعه. والرأفة اللين، والرحمة الشفقة. وقيل: الرأفة تخفيف الْكَلِّ، والرحمة تحمُّل الثقل. وقيل: الرأفة أشد الرحمة. وتم الكلام. ثم قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} أي من قِبل أنفسهم. والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل؛ قال أبو علي: وٱبتدعوها رهبانية ٱبتدعوها. وقال الزجاج: أي ٱبتدعوها رهبانية؛ كما تقول رأيت زيداً وعمراً كلّمت. وقيل: إنه معطوف على الرأفة والرحمة؛ والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيّروا وٱبتدعوا فيها. قال الماوردي: وفيها قراءتان؛ إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرَّهب. الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرُّهبان كالرُّضْوانية من الرُّضْوان؛ وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع؛ وذلك أن ملوكهم غيّروا وبَدّلوا وبقي نفر قليل فترهّبوا وتبتّلوا. قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى عليه السلام ٱرتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم، فٱعتزلوا الناس وٱتخذوا الصوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ٱبتدعوها رفض النساء وٱتخاذ الصوامع. وفي خبر مرفوع: «حديث : هي لحوقهم بالبراري والجبال»تفسير : . {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} أي ما فرضناها عليهم ولا أمرناهم بها؛ قاله ٱبن زيد. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} أي ما أمرناهم إلا بما يرضي الله؛ قاله ٱبن مسلم. وقال الزجاج: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} معناه لم نكتب عليهم شيئاً البَتّة. ويكون {ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} بدلاً من الهاء والألف في «كَتَبْنَاهَا» والمعنى: ما كتبناها عليهم إلا ٱبتغاء رضوان الله. وقيل: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ} الاستثناء منقطع، والتقدير ما كتبناها عليهم لكن ٱبتدعوها ٱبتغاء رضوان الله. {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} أي فما قاموا بها حق القيام. وهذا خصوص؛ لأن الذين لم يرعوها بعض القوم، وإنما تسببوا بالترهب إلى طلب الرياسة على الناس وأكل أموالهم كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:34] وهذا في قوم أدّاهم الترهب إلى طلب الرياسة في آخر الأمر. وروى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس في قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل ويدعون إلى دين الله تعالى، فقال أناس لملكهم: لو قتلت هذه الطائفة، فقال المؤمنون: نحن نكفيكم أنفسنا. فطائفة قالت: ٱبنوا لنا ٱسطوانة ٱرفعونا فيها، وأعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نهيم في الأرض ونسيح، ونشرب كما تشرب الوحوش في البرية، فإذا قدرتم علينا فٱقتلونا. وطائفة قالت: ٱبنوا لنا دُوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا تروننا. وليس أحد من هؤلاء إِلا وله حميم منهم ففعلوا، فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غيّر الكتاب فقالوا: نسيح ونتعبّد كما تعبد أولئك، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان مَن تقدّم من الذين ٱقتدوا بهم؛ فذلك قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} الآية. يقول: ٱبتدعها هؤلاء الصالحون {فَمَا رَعَوْهَا} المتأخرون {حَقَّ رِعَايَتِهَا} {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} يعني الذين ٱبتدعوها أوّلاً وَرَعوها {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} يعني المتأخرين، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، جاؤوا من الكهوف والصَّوَامع والغِيران فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. الثالثة: وهذه الآية دالة على أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ٱبتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. وعن أبي أمامة الباهلي ـ وٱسمه صُدَيّ بن عجلان ـ قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام، فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ٱبتدعوا بِدعاً لم يكتبها الله عليهم ٱبتغوا بها رضوان الله فما رَعَوها حق رعايتها، فعابهم الله بتركها فقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. الرابعة: وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان وتغيّر الأصدقاء والإخوان. وقد مضى بيان هذا في سورة «الكهف» مستوفًى والحمد لله. وفي مسند أحمد بن حنبل من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّة من سراياه فقال: مَرَّ رجلٌ بغار فيه شيء من ماء، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلّى عن الدنيا. قال: لو أني أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبيّ الله! إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لَغْدَوة أو رَوْحَةٌ في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدهم في الصف الأوّل خير من صلاته ستين سنة»تفسير : . وروى الكوفيون حديث : عن ٱبن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدري أيّ الناس أعلم» قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا ٱختلف الناس فيه وإن كان مقصراً في العمل وإن كان يزحف على ٱسته هل تدري من أين ٱتخذ بنو إسرائيل الرهبانية ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي الله فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلا القليل فقالوا إن أفنونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه فتعالوا نفترق في الأرض إلى أن يبعث الله النبيّ الأميّ الذي وعدنا عيسى ـ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ـ فتفرقوا في غِيران الجبال وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر ـ وتلا «وَرَهْبَانِيَّةً» الآية ـ أتدري ما رهبانية أمتي الهجرة والجهاد والصوم والصلاة والحج والعمرة والتكبير على التلاع يا بن مسعود ٱختلف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة فنجا منهم فرقة وهلك سائرها وٱختلف مَن كان قبلكم من النصارى على ٱثنين وسبعين فرقة فنجا منهم ثلاثة وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى ـ عليه السلام ـ حتى قتلوا وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطعتهم بالمناشير وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهراني قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ٱبن مريم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهي التي قال الله تعالى فيهم: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} ـ الآية ـ فمن آمن بي وٱتبعني وصدّقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الفاسقون» تفسير : يعني الذين تهوّدوا وتنصروا. وقيل: هؤلاء الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا به فأولئك هم الفاسقون. وفي الآية تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي إن الأولين أصروا على الكفر أيضاً فلا تعجب من أهل عصرك إن أصروا على الكفر. والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَٰهُ ٱلإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً } هي رفض النساء واتخاذ الصوامع {ٱبتَدَعُوهَا } من قبل أنفسهم {مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ } ما أمرناهم بها {إِلاَّ } لكن فعلوها {ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ } مرضاة {ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } إذ تركها كثير منهم وكفروا بدين عيسى ودخلوا في دين ملكهم وبقي على دين عيسى كثير منهم فآمنوا بنبينا {فَئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} به {مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَٰسِقُونَ }.

ابن عطية

تفسير : {قفينا} معناه: جئنا بهم بعد الأولين، وهو مأخوذ من القفا، أي جاء بالثاني في قفا الأول، فيجيء الأول بين يدي الثاني، ومنه القوافي التي تأتي أواخر أبيات الشعر، ثم ذكر "عيسى" عليه السلام تشريفاً وتخصيصاً. وقرأ الحسين: "الأنجيل" بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: هذا مما لا نظير له. و: {رأفة ورحمة ورهبانية} مفعولات {جعلنا}. والجعل في هذه الآية بمعنى: الخلق. وقوله: {ابتدعوها} صفة لـ {رهبانية} وخصها بأنها ابتدعت، لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها، وأما الرهبانية فهي أفعال بدن في شيء من القلب ففيها موضع للتكسب. قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله تعالى. والرهبانية هم ابتدعوها، والمراد بالرأفة والرحمة: حب بعضهم في بعض وتوادهم، والمراد بالرهبانية: رفض النساء، واتخاذ الصوامع، والمعتزلة تعرب {رهبانية} أنها نصب بإضمار فعل يفسره {ابتدعوها} وليست بمعطوفة على الرأفة والرحمة ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي. وروي في ابتداعهم الرهبانية أنهم افترقوا ثلاث فرق، ففرقة قاتلت الملوك على الدين، فقتلت وغلبت. وفرقة قعدت في المدن يدعون إلى الدين ويبينونه، فأخذتها الملوك ونشرتها بالمناشر وقتلوا، وفرقة خرجت إلى الفيافي وبنت الصوامع والديارات، وطلبت أن تسلم على أن تعتزل فتركت وتسموا بالرهبان، واسمهم مأخوذ من الرهب، وهو الخوف، فهذا هو ابتداعهم ولم يفرض الله ذلك عليهم، لكنهم فعلوا ذلك {ابتغاء رضوان الله}، هذا تأويل أبي أمامة وجماعة، وقال مجاهد: المعنى {كتبناها عليهم} {ابتغاء رضوان الله}. فـ "كتب" على هذا بمعنى: قضى، ويحتمل اللفظ أن يكون المعنى: ما كتبناها عليهم إلا في عموم المندوبات، لأن ابتغاء مرضاة الله بالقرب والنوافل مكتوب على كل أمة فالاستثناء على هذا احتمال متصل. واختلف الناس في الضمير الذي في قوله: {فما رعوها} من المراد به؟ فقيل إن الذين ابتدعوا الرهبانية بأنفسهم لم يدوموا على ذلك ولا وفوه حقه، بل غيروا وبدلوا، قاله ابن زيد وغيره، والكلام سائغ وإن كان فيهم من رعى: أي لم يرعوها بأجمعهم، وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل أنه يلزمه أن يرعاه حق رعيه. قال ابن عباس وغيره: الضمير للملوك الذين حاربوهم وأجلوهم وقال الضحاك وغيره: الضمير للأخلاف الذين جاؤوا بعد المبتدعين لها، وباقي الآية بين. وقرأ ابن مسعود: "ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها". وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} اختلف الناس في المخاطب بهذا، فقالت فرقة من المتأولين خوطب بهذا أهل الكتاب، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد، ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة يؤتيهم الله أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي" تفسير : ،الحديث وقال آخرون المخاطبة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قيل لهم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله}، أي اثبتوا على ذلك ودوموا عليه، وهذا هو معنى الأمر أبداً لمن هو متلبس بما يؤمر به. وقوله: {كفلين} أي نصيبين بالإضافة إلى ما كان الأمم قبل يعطونه، قال أبو موسى الأشعري: {كفلين} ضعفين بلسان الحبشة، وروي أن عمر بن الخطاب قال لبعض الأحبار: كم كان التضعيف للحسنات فيكم؟ فقال ثلاثمائة وخمسون، فقال عمر: الحمد لله الذي ضاعف لنا إلى سبعمائة، ويؤيد هذا المعنى الحديث الصحيح الذي يقتضي أن اليهود عملت إلى نصف النهار على قيراط، والنصارى من الظهر إلى العصر على قيراط، وهذه الأمة من العصر إلى الليل على قيراطين، فلما احتجت اليهود والنصارى على ذلك وقالوا نحن أكثر عملاً وأقل أجراً، قال الله تعالى: "هل نقصتم من أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فإنه فضلي أوتيه من أشاء". والكفل: الحظ والنصيب. والنور: هنا إما أن يكون وعداً بالنور الذي يسعى بين الأيدي يوم القيامة، وإما أن يكون استعارة للهدى الذي يمشي به في طاعة الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَرَهْبَانِيَّةً} من الرَّهب وهو الخوف {ابْتَدَعُوهَا} لم يفعلها من تقدمهم فأحسنوا بفعلها ولم تكتب عليهم وهي رفض النساء واتخاذ الصوامع، أو لحوقهم بالجبال ولزوم البراري، أو الانقطاع عن الناس تفرداً بالعبادة {رَأْفَةً} في قلوبهم بالأمر بها والترغيب فيها، أو بخلقها في قلوبهم {إِلا ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} ابتدعوها طلباً لمرضاة الله ولم تفرض عليهم قبل ذلك ولا بعده، أو تطوعوا بها ثم كتبت بعد ذلك عليهم "ح" {فَمَا رَعَوْهَا} بتكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، أو بتبديلهم دينهم وتغييرهم له قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ارتكبت الملوك المحارم بعد عيسى ثلاثمائة سنة فأنكرها عليهم أهل الاستقامة فقتلوهم فقال من بقي منهم لا يسعنا المقام بينهم فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع.

ابن عادل

تفسير : قوله: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم}، أي: أتبعنا على آثارهم، أي: على آثار الذُّرية. وقيل: على آثار نوح وإبراهيم برسلنا موسى وإلياس وداود ويونس، وغيرهم، {وقفّينا بعيسى ابن مريم}، فهو من ذرية إبراهيم من جهة أمّه. {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ}: وهو الكتاب المنزل عليه وقد تقدم اشتقاقه في أول آل عمران. وقراءة الحسن: بفتح الهمزة. قال الزمخشري: أمره أهون من أمر البَرْطِيل والسَّكينة فيمن رواها بفتح "الفاء"؛ لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب. وقال ابن جنّي: قراءة الحسن - بفتح الهمزة - مثال مبالغة، لا نظير له؛ لأنه "أفعيل" وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته لأنه يستخرج به الأحكام. وقال ابن الخطيب: وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع؛ وله وجهان: أحدهما: أنه شاذ، كما حكي عن بعضهم في البَرْطِيل. والثاني: أنه ظن الإنجيل أعجميًّا، فحرف مثاله؛ تنبيهاً على كونه أعجمياً. قوله: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} على دينه يعني: الحواريين وأتباعهم {رَأْفَةً وَرَحْمَةً}. قرأ الحسن: "رَآفة" بزنة "فَعَالة". قال مقاتل: المراد من الرَّأفة والرحمة: المودَّة فكان يوادّ بعضهم بعضاً كما وصف الله - تعالى - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29]. وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصَّفْحِ، وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قستْ قلوبهم، وحرّفوا الكلم عن مواضعه. والرَّأفة: [اللِّين. والرحمة:] الشَّفقةُ. وقيل: الرأفة تخفيف الكُل، والرحمة تحمل الثقل. وقيل: الرَّأفة: أشد من الرحمة وتم الكلام. فصل في أن أفعال العبد خلق لله تعالى دلت هذه الآية على أن فعل العبد خلق الله تعالى؛ لأنه حكم بأن هذه مجعولة، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية. قال القاضي: المراد بذلك أنه - تعالى - لطف بهم حتى قويت دواعيهم في الرَّهبانية التي هي تحمّل الكلفة الزائدة على ما يجب. والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل، وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا؛ لأن الحال الاستواء بمنع حصول الرُّجحان؛ لأنَّ حصول الرجحان عند الاستواء ممتنع، فعند المرجوحية أولى بأن يصير ممتنعاً، وإذا امتنع المرجُوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض. قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا}. في انتصابها وجهان: أحدهما: أنها معطوفة على "رأفة ورحمة". و "جعل" إما بمعنى "خَلَق"، وإما بمعنى "صيّر"، و "ابتدعوها" على هذا صفة لـ "رَهْبَانية"، وإنما خصّت بذكر الابتداع؛ لأن الرَّأفة والرحمة في القلب أمر غريزة لا تكسُّب للإنسان فيها، بخلاف الرهبانية، فإنها أفعال البدن، وللإنسان فيها تكسُّب، إلا أن أبا البقاء منع هذا الوجه، بأن ما جعله الله لا يبتدعونه. وجوابه: ما تقدم من أنه لما كانت مكتسبة صح ذلك منها. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف عليها، و "ابتدعوها" نعتٌ له، والمعنى: فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها، ولهذا قال: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}. والوجه الثاني: أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الظَّاهر. وقال أبو علي: "ابتدعوها رهبانية"، وتكون المسألة من باب الاشتغال، وإليه نحا الفارسي والزمخشري، وأبو البقاء وجماعة. إلاَّ أن هذا يقال: إنه إعراب المعتزلة، وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له، فالرأفة والرحمة لما كانت من فعل الله نسب خلقهما إليه، والرهبانية لمَّا لم تكن من فعل الله - تعالى - بل من فعل العبد يستقلّ بفعلها نسب ابتداعها إليه. ورد عليهم أبو حيَّان هذا الإعراب من حيث الصناعة، وذلك أن من حق الاسم المشتغل عنه ألاَّ يصلح للرفع بالابتداء، و "رَهْبَانية" نكرة لا مسوغ للابتداء بها، فلا يصلح نصبها على الاشتغال. قال شهاب الدين: وفيه نظر لأنا لا نسلم أولاً اشتراط ذلك، ويدل عليه قراءة من قرأ: {سُورَةً أَنزَلْنَاهَا} [النور: 1] بالنصب على الاشتغال، كما تقدم تحقيقه، ولئن سلمنا ذلك فثمَّ مسوغ وهو العطف، ومن ذلك قول الشَّاعر: [البسيط] شعر : 4726- عِنْدِي اصْطِبَارٌ وشَكْوَى عِنْدَ قَاتلتِي فَهَلْ بأعْجَبَ مِنْ هَذَا امْرُؤٌ سَمِعَا؟ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 4727- تَغَشَّى ونَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا مُحَيَّاكِ، أخْفَى ضَوْءُهُ كُلَّ شَارِقِ تفسير : ذكر ذلك ابن مالك. و "الرَّهْبَانية": منسوبة إلى "الرَّهْبَان"، وهو "فَعْلاَن" من رهب، كقولهم: الخَشْيَان من خشي، وقد تقدم معنى هذه المادة في سورة "المائدة". وقرىء بضم الراء. قال الزمخشري: كأنها نسبة إلى "الرُّهْبَان"، وهو جمع: راهب، كـ "راكب، ورُكْبان". قال أبو حيان: والأولى أن يكون منسوباً إلى "رَهْبَان" - يعني بالفتح - وغيِّر؛ لأنَّ النَّسب باب تغيير، ولو كان منسوباً لـ "رُهْبَان" الجمع لردّ إلى مفرده إلاَّ إن قد صار كالعلم، فإنه ينسب إليه كـ "الأنصار". فصل في المراد بالرهبانية والمراد من الرهبانية: ترهُّبُهم في الجبال فارِّين من الفتنة في الدين متحملين كلفاً زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة، واللِّباس الخَشِن، والاعتزال عن النساء، والتعبُّد في الغيرانِ والكهوف. روى ابن عباس أن في أيام الفترةِ بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - غيَّر الملوك التوراة والإنجيل، فراح نفرٌ، وبقي نفر قليل، فترهبوا وتبتلوا. قال الضحاك: إن ملوكاً بعد عيسى - عليه الصلاة والسلام - ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة، فأنكرها عليهم من كان بقيَ على منهاج عيسى فقتلوهم، فقال قوم بقوا بعدهم: نحن إذا نهيناهم قتلونا، فليس يسعُنَا المقام بينهم، فاعتزلوا الناس واتخذوا الصَّوامع. وقال قتادة: الرهبانية التي ابتدعوها رفضُ النساء، واتخاذ الصَّوامع. وفي خبر مرفوع: هي لحوقهم بالبرارِي والجبال. قوله تعالى: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}. صفة لـ "رهبانية"، ويجوز أن يكون استئناف إخبار بذلك. قال ابن زيد: معناه ما فرضناها عليهم، ولا أمرناهم بها. وقوله: {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ}. فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء متصل مما هو مفعول من أجله، والمعنى: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ابتغاء مرضات الله، فيكون "كتب" بمعنى "قضى"، فصار المعنى: كتبناها عليهم ابتغاء مرضات الله، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه منقطع. قال الزمخشري ولم يذكر غيره: "أي: ولكنهم ابتدعوها". وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، قالوا: معناه لم يفرضها عليهم، ولكنهم ابتدعوها. الثالث: أنه بدل من الضمير المنصوب في "كَتَبْنَاها" قاله مكي. وهو مشكل، كيف يكون بدلاً وليس هو الأول لا بعضه، ولا مشتملاً عليه. وقد يقال: إنه بدل اشتمال؛ لأن الرهبانية الخالصة المرعية حق الرعاية قد يكون فيها ابتغاء رضوان الله، ويصير نظير قولك: الجارية ما أحببتها إلا أدبها فأدبها بدل من الضمير في "أحببتها" بدل اشتمال، وهذا نهاية التمحُّل لصحة هذا القول. والضمير المرفوع في "رَعَوْهَا" عائد على من تقدم. والمعنى: أنهم لم يدوموا كلهم على رعايتها، وإن كان قد وجد هذا في بعضهم. وقيل: يعود على الملوك الذين حاربوهم. وقيل على أخلافهم و "حقَّ" نصبه على المصدر. قال القرطبي فيها: وقيل: "إلاَّ ابتغاء" استثناء منقطع، والتقدير: "ما كتبناها عليهم، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله". {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}. أي: ما قاموا بها حقَّ القيام، بل ضمُّوا إليها التثليث والاتحاد، وأقام الناس منهم على دين عيسى - عليه الصلاة والسلام - حتى أدركوا نبينا محمداً - عليه الصلاة والسلام - فآمنوا به، فهو قوله تعالى: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون}. وقيل: إنّا ما كتبنا عليهم تلك الرهبانية إلاَّ ليتوسلوا بها إلى مرضاة الله تعالى، ثم إنهم أتوا بتلك الأفعال لغير هذا الوجه، وهو طلب الدنيا والرِّياسة والسُّمعة. وقيل: معناه أنا كتبناها عليهم فتركوها، فيكون ذلك ذمًّا لهم لتركهم الواجب. وقيل: إن الذين لم يرعوها حق رعايتها هم الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا به. فصل فيمن أحدث بدعة دلت هذه الآية أن كل محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيراً أن يدوم عليه، ولا يعدل عنه إلى ضده فيدخل في الآية. وعن أبي أمامة الباهلي واسمه صديُّ بن عجلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أحْدَثْتُم قيامَ رمضانَ ولمْ يُكتَبْ عليْكمْ، إنَّما كُتِبَ عليْكُمُ الصِّيامُ، فدُومُوا على القِيامِ إذْ فعلتُمُوهُ ولا تَتْرُكُوهُ، فإنَّ ناساً مِنْ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتدَعُوا بِدَعاً ولَمْ يَكْتُبْهَا اللَّهُ عليهم ابتغَوْا بِهَا رضْوانَ اللَّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رعايتِهَا فَعَاتَبَهُم الله عليها بِترْكِهَا"تفسير : ، فقال: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} الآية. فصل دلّت الآية على العزلة عن الناس وذلك مَنْدُوبٌ إليه عند فساد الزمان، وتغير الأحوال والإخوان. قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ}. أي: آمنوا بموسى وعيسى {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَآمِنُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ}، أي: مثلين من الأجْر على إيمانهم بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا نظير قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ} تفسير : [القصص: 54]. و "الكِفْلُ": الحظّ والنصيب. وقد تقدم، وهو في الأصل كساء يكتفلُ به الراكب يحفظه من السقوط. قاله ابن جرير. وقال الأزهري: اشتقاقه من الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط، والمعنى: يؤتكم نَصِيبيْنِ يحفظانكم من هلكةِ المعاصي كما يحفظ الكفلُ الراكب. وقال أبو موسى الأشعري: "كِفْلَيْن" ضِعْفَيْن، بلسان "الحبشة". وقال ابن زيد: "كِفْلين" أجر الدنيا والآخرة. وقيل: لما نزلت: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [القصص: 54] افتخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية. فإن قيل: إنه - تعالى - لما أعطاهم كِفْلَيْنِ، وأعطى المؤمن كفلاً واحداً كان حالهم أعظم. فالجواب: أنه لا يبعد أن يكون النَّصيب الواحد أزيد قدراً من النصيبين. روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ثَلاثَةٌ يُؤتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رجُلٌ كانَتْ لَهُ جَاريةٌ فأدَّبهَا وأحْسَنَ أدبهَا، ثُمَّ أعتَقَهَا وتَزوَّجَهَا، ورجُلٌ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِكِتَابِهِ، وآمَنَ بمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وعبدٌ أحْسَنَ عبادةَ اللَّهِ ونَصَحَ سَيِّدَهُ ". تفسير : قوله: {وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً}. قال مجاهد: أي: بياناً وهدى. وقال ابن عباس: هو القرآن. وقيل: ضياء يمشون به في الآخرة على الصراط، وفي القيامة إلى الجنة، وهو النور المذكور في قوله تعالى {أية : يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} تفسير : [الحديد: 12]. وقيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام، فتكونون رؤساء في دين الإسلام لا تزول عنكم رياسة كنتم فيها، وذلك أنهم خافوا أن تزول رياستهم لو آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كان يفوتهم أخذ رشوة يسيرة من الضعفة بتحريف أحكام الله تعالى، لا الرِّياسة الحقيقية في الدين ثم قال: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}، أي: ما أسلفتم من المعاصي، {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله تعالى: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}. هذه "اللام" متعلقة بمعنى الجملة الطَّلبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا الله، وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا يعلم. وفي الآية هذه وجهان: أشهرهما عند النحاة والمفسرين: أنها مزيدة كهي في {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} تفسير : [الأعراف: 12] و{أية : أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [يس: 31]. على خلاف في هاتين الآيتين. والتقدير: أعلمكم الله بذلك ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شيء من فضلِ الله، وثبوت أن الفضل بيد الله، وهذا واضح بيِّن، وليس فيه إلا زيادة ما ثبتت زيادته شائعاً ذائعاً. والثاني: أنها غير مزيدة، والمعنى: لئلا يعلم أهل الكتاب [عجز المؤمنين. نقل ذلك أبو البقاء، وهذا لفظه. وكان قال قبل ذلك: "لا" زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب] عجزهم. وهذا غير مستقيم؛ لأن المؤمنين عاجزون أيضاً عن شيءٍ من فضل الله، وكيف يعمل هذا القائل بقوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ}، فإنه معطوف على مفعول العلم المنفي، فيصير التقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أنَّ الفضل بيد الله، وهذا لا يستقيم نفي العلم به ألبتة، فلا جرم كان قولاً مطرحاً. وقرأ العامة: "لئلاَّ" بكسر لام كي، وبعدها همزة مفتوحة مخففة. وورش يبدلها ياء محضة. وهو تخفيف قياسي نحو: "مِيَة وفِيَة" في "مِئَة وفِئَة" ويدل على زيادتها قراءة عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، والجحدري، وعبد الله بن سلمة: "ليعلم" بإسقاطها. وقراءة حطَّان بن عبد الله: "لأن يعلم" بإظهار "أن". والجحدري أيضاً والحسن: "ليعلم". وأصلها كالتي قبلها "لأن يعلم" فأبدل الهمزة ياء لانفتاحها بعد كسرة؛ وقد تقدم أنه قياسي كقراءة ورش "ليلاّ" ثم أدغم النون في الياء. قال أبو حيان: "بغير غُنَّةٍ كقراءة خلف "أن يضرب" بغير غُنَّةٍ". انتهى. فصار اللفظ "ليعلم". وقوله "بغير غنة"، ليس عدم الغنة شرطاً في صحة هذه المسألة بل جاء على سبيل الاتفاق، ولو أدغم بغنة لجاز ذلك فسقوطها في هذه القراءات يؤيد زيادتها في المشهورة. وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه أبو بكر بن مجاهد: "ليلا يعلم" بلام مفتوحة وياء ساكنة كاسم المرأة، ورفع الفعل بعدها. وتخريجها: على أن أصلها "لأن لا" على أنها لام الجر ولكن فتحت على لغة مشهورة معروفة؛ وأنشدوا: شعر : 4728- أرِيدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا.... ................... تفسير : بفتح "اللام"، وحذف الهمزة اعتباطاً، وأدغمت النون في "اللام" فاجتمع ثلاثة أمثال فثقل النطق به، وأبدل الوسط ياء تخفيفاً، فصار اللفظ "ليلا" كما ترى، ورفع الفعل؛ لأن "أنْ" هي المخففة لا النَّاصبة، واسمها على ما تقرر ضمير الشَّأن، وفصل بينهما وبين الفعل الذي هو خبرها بحرف النَّفْي. وقرأ الحسن أيضاً فيما روى عنه قطرب: "ليلا" بلام مكسورة، وياء ساكنة، ورفع الفعل بعدها، وهي كالَّتي قبلها في التخريج، غاية ما في الباب أنه جاء بلام الجر كما هي في اللغة الشهيرة. وروي عن ابن عباس: "لكي يعلم" و "كي يعلم". وعن عبد الله: "لكيلا". وهذه كلها مخالفة للسَّواد الأعظم، ولسواد المصحف. وقراءة العامة: {أن لا يقدرون} بثبوت النون، على أن "أنْ" هي المخففة. وعبد الله: بحذفها على أن "أن" هي الناصبة. وهذا شاذّ جداً؛ لأن العلم لا يقع بعده الناصبة. وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ} الظاهر أنه مستأنف. وقيل: هو خبر ثانٍ عن الفضل. وقيل: هو الخبر وحده، والجار قبله حال، وهي حال لازمة؛ لأن كونه بيدِ الله لا ينتقل ألبتة. فصل في اتصال الآية بما قبلها نقل ابن الخطيب عن الواحدي أنه قال: هذه الآية مشكلة، وليس للمفسرين فيها قول واضح في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها. واعلم أن أكثر المفسرين على أن "لا" هاهنا صلة زائدة، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب. وقال أبو مسلم وجماعة: على أن "لا" ليست زائدة، ونحن نفسر الآية على القولين بعون الله وتوفيقه. أما على القول بزيادتها، فاعلم أنه لا بُدَّ هاهنا من تقديم مقدمة، وهي أن أهل الكتاب كانوا يقولون: إن الوحْيَ والرسالة فينا، والكتاب والشرع ليس إلاَّ لنا، وإنّ الله خصَّنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين العالمين. إذا عرفت هذا، فنقول: إن الله - تعالى - لما أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم الأجر العظيم في ذلك الإيمان أتبعه بهذه الآيةِ، والغرض منها أن يزيل عن قلبهم اعتقادهم بأن النبوة مختصة بهم، فقال: إنما بالغنا في هذا البيان ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيءٍ من فَضْل الله لقوم معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ولا اعتراض عليه في ذلك أصلاً. وأما القول بأن "لا" غير زائدة، فاعلم أن الضمير في قوله: "لا يَقْدرون" عائد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه - رضي الله عنهم - والتقدير: لئلا يعلم أهل الكتاب أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله، فإنهم إذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون عليه، فقد علموا أنَّهم يقدرون عليه ثم قال: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} فيصير التقدير: إنا جعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنهم يقدرون على حصر فضل الله في قوم معينين، وليعتقدوا أن الفضل بيد الله. واعلم أنَّ هذا القول ليس فيه إلاَّ أنا أضمرنا فيه زيادة، فقلنا في قوله: {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} تقديره: وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله وأما القول الأول فقد افتقرنا فيه إلى حذف شيء موجود، ومن المعلوم أنَّ الإضمار أولى من الحذف؛ لأن الكلام إذا افتقر إلى الإضمار لم يوهم ظاهره باطلاً أصلاً. وأما إذا افتقرنا إلى الحذف كان ظاهرهُ موهماً للباطل، فعلمنا أن هذا القول أولى. فصل في نزول هذه الآية قال قتادةُ: حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: لئلا يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله. وقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منّا نبيٌّ يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا فنزلت: "لئلا يعلم"، أي: ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون يعني: أنهم لا يقدرون، كقوله: {أية : أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً} تفسير : [طه: 89] والمراد من فضل الله. قيل: الإسلام وقيل: الثواب. وقال الكلبي: من رزق الله. وقيل: نِعَمُ الله التي لا تُحْصَى. {وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ} ليس بأيديهم، فيصرفوا النُّبُوَّة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يُحِبُّون. وقيل: إن الفضل بيد الله، أي: بقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}. روى البخاري عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول: "حديث : إنَّما بَقَاؤكُمْ فِيْمَا سَلَفَ قَبْلكُمْ مِنَ الأممِ كما بَيْنَ صلاةِ العصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمسِ، أعْطِيَ أهْلُ التَّوراةِ التَّوْراةَ فَعمِلُوا بِهَا حتَّى انْتَصفَ النَّهارُ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطي أهْلُ الإنجيلِ الإنجيلَ فعمِلُوا بِهِ حتَّى صلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا فأعْطُوا قِيْراطاً قِيْراطاً، ثُمَّ أعطيتُمُ القُرْآنَ فعَمِلْتُمْ بِهِ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فأعطيتُمْ قِيْراطَيْنِ قِيْراطَيْنِ، قال أهْلُ التَّوْرَاةِ: رَبَّنَا هؤلاءِ أقَلُّ عملاً وأكْثَرُ أجْراً، قال: هَلْ ظُلِمْتُمْ مِنْ أجْرِكُمْ شَيْئاً؟ قَالُوا: لا، قال: فذلِك فَضْلُ اللَّهِ أوتيهِ مَنْ أشَاءُ ". تفسير : وفي رواية: "حديث : فَغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارى وقالُوا: رَبَّنَا"تفسير : . الحديث.

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا} أي ثُمَّ أرسلنَا بعدَهُم رسلنَا {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} أي أرسلنَا رسولاً بعد رسولٍ حتَّى انتهى إلى عيسَى ابنِ مريمَ عليه السَّلامُ والضميرُ لنوحٍ وإبراهيمَ ومَنْ أُرسِلا إليهم، أو مَنْ عاصرهُما من الرُّسلِ لا للذريةِ فإنَّ الرسلَ المُقفَّى بهم من الذريةِ {وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلإِنْجِيلَ} وقُرِىءَ بفتحِ الهمزةِ فإنَّه أعجميٌّ لا يلزمُ فيه مراعاةُ أبنيةِ العربِ {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} وقُرِىءَ رآفةً على فَعَالةٍ. {وَرَحْمَةً} أي وفَّقناهُم للتراحمِ والتعاطفِ بـينهُم ونحوه في شأن أصحابِ النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {أية : رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} تفسير : [سورة الفتح، الآية 29] {وَرَهْبَانِيَّةً} منصوبٌ إمَّا بفعلٍ مضمرٍ يفسرُه الظاهرُ أيْ وابتدعُوا رهبانيةً {ٱبتَدَعُوهَا} وإمَّا بالعطفِ على ما قبلهَا وابتدعُوها صفةٌ لها أي وجعلنَا في قلوبِهم رأفةً ورحمةً ورهبانيةً مبتدعة من عندهم أي وفَّقناهُم للتراحم بـينهُم ولابتداعِ الرهبانيةِ واستحداثها وهي المبالغةُ في العبادةِ بالرياضةِ والانقطاع عن النَّاسِ ومعناهَا الفعلةُ المنسوبةُ إلى الرَّهبانِ وهو الخائفُ فَعْلانُ من رَهبَ كخشيانَ من خَشِي، وقُرِىءَ بضمِّ الراءِ كأنَّها نسبةٌ إلى الرُّهبانِ وهو جمعُ راهبٍ كراكبٍ ورُكبان وسببُ ابتداعِهم إيَّاها أنَّ الجبابرةَ ظهروُا على المؤمنينَ بعدَ رفعِ عيسَى عليهِ السَّلامُ فقاتلُوهم ثلاثَ مراتٍ فقُتلوا حتَّى لم يبقَ منُهم إلا قليلٌ فخافُوا أنْ يُفتتنُوا في دينِهم فاختارُوا الرَّهبانيةَ في قُللِ الجبالِ فارِّينَ بدينِهم مُخلصينَ أنفسَهُم للعبادةِ. وقولُه تعالَى: {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ} جملةٌ مستأنفةٌ، وقيلَ صفةٌ أُخْرى لرهبانيةٍ والنفيُ على الوجهِ الأولِ متوجِةً إلى أصلِ الفعلِ. وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ} استثناءٌ منقطعٌ أي ما فرضناهَا نحنُ عليهم رأساً ولكنُهم ابتدعُوها ابتغاءَ رضوانِ الله فذمَّهم حينئذٍ بقولِه تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} من حيثُ أنَّ النذرَ عهدٌ مع الله لا يحلُّ نكثُه لا سيَّما إذَا قُصدَ به رضاهُ تعالَى وعلى الوجهِ الثانِي متوجهٌ إلى قيدِه لا إلى نفسِه. والاستثناءُ متصلٌ من أعمِّ العللِ أي ما كتبنَاها عليهم بأنْ وفقناهُم لابتداعِها لشيءٍ من الأشياءِ إلا ليبتغُوا بها رضوانَ الله ويستحقُّوا بها الثوابَ ومن ضرورةِ ذلكَ أن يحافظُوا عليَها ويراعُوها حقَّ رعايتها فما رَعَاها كلُّهم بلْ بعضُهم {فَئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَـنُواْ مِنْهُمْ} إيماناً صحيحاً وهو الإيمانُ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدَ رعايةِ رهبانيتِهم لا مجردَ رعايتِها فإنَّها بعدَ البعثةِ لغوٌ مَحضٌ وكفرٌ بَحْتٌ وأنَّى لها استتباعُ الأجرِ {أَجْرَهُمْ} أي ما يخُصُّ بهم من الأجرِ {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ} خارجونَ عن حدِّ الاتباعِ، وحملُ الفريقينِ على منِ مضَى من المراعينَ لحقوقِ الرَّهبانيةِ من قبل النسخِ والمخلينَ بها إذْ ذاكَ بالتثليثِ والقولِ بالاتحادِ وقصدِ السمعةِ من غيرِ تعرضٍ لإيمانِهم برسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكفرِهم به ممَّا لا يساعدُه المقامُ.

التستري

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا}[27] قال: الرهبانية مأخوذة من الرهبة، وهو الخوف، ومعناه ملازمة الخوف من غير طمع. {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}[27] أي ما تعبدناهم بذلك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} [الآية: 27]. قال سهل: الرهبانية مشتقة من الرهبة وهو الخوف وملازمة خوف ما تعبدناهم به. قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الآية: 27]. قال محمد بن خفيف: المريد الحذر من مطالعة عمله تقعده عن إقامة الأحوال الموظفة ويجره إلى دواعى الرخص بورود الفترة ويحذر أن يورده الإغماض فى مناولة الدنيا والمسامحة فى أخذها فإن الله عليكم رقيب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} وصف الله ههنا اهل السنة واهل البدعة اهل السنة اهل الرافة والحرمة واهل البدعة اهل الرهبانية المبتدعة من انفسهم وصف الله قلوب المتمسكين بسنة الانبياء بالمودة والشفقة فى دينه ومتابعة رسوله ذلك المودة من مودة الله اياهم وذلك بالرحمة من رحمة الله عليهم حيث اختارهم فى الازل لانهم خلفاء الانبياء وقادة الامة ووصف الله المتكلفين الذين ابتدعوا رهبانية من انفسهم مثل ترك اكل اللحم والجلوس فى الزوايا للاربعين عن الاتيان الى الجمعة والجماعات لاجل قبول العامة بانهم ليسوا على الطريق المستقيم بل هم متابعون شياطنيهم الذين غرتهم فى دينهم بان زينوا فى قلوبهم المحالات والمزخرفات وما كتب الله عليهم الا ابتغاء رضوان الله ورضوان الله هو الشرعية والطريقة الاحمدية المحمدية صلى الله عليه وسلم ثم وصف لهولاء بان ما ابتدعوها من الرهبانية والمجاهدة والرياضة اذا كانت بغير متابعة السنة صارت متروكة قال الله تعالى {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} حيث خرجوا من طريق السنة وهكذا حال جهلة زماننا الذين طلبوا الرياسة بالزهد والتعلم والتذكر على رؤس المنابر وقولهم الزور والبهتان وطعنهم فى الاولياء فلما فضحهم الله عند الخلق بما فى صدورهم من حب الجاه والمال تركوا رهابنيتهم ورجعوا الى ما هم فيه والرعاية عند العارفين محافظة الحل من المحال ومراقبة الانوار بعيون الاسرار قال سهل الرهابانية مشتقة من الرهبة وهو الخوف قال معناه وملازمنا الخوف ما تعبدنا هم به قال الشيخ ابو عبد الله محمد بن خفيف فى قوله فما رعوها حتى رعايتها المريد الحذر من مطالعة علمه يقعده عن اقامة الاحوال الموظفة ويجبره الى دواعى الرخص بورود الفترة ويحذران بوروده الاغماض فى مناولة الدنيا والمسامحة فى اخذها فان الله عليك رقيب وقد وصف الله القوم فى كتابه بقوله ورهبانية ابتدعوها الاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} اى ثم أرسلنا بعدهم رسلنا والضمير لنوح وابرهيم ومن أرسلا اليهم من الامم يعنى بعد ازنوح وهود وصالح را وبعد از ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب ويوسف را، او من عاصرهما من الرسل ولا يعود الى الذرية فان الرسل المقفى بهم من الذرية يقال قفا أثره اتبعه وقفى على أثره بفلان اى اتبعه اياه وجاء به بعده والآثار جمع اثر بالكسر تقول خرجت على اثره اى عقبه فالمعنى اتبعنا من بعدهم واحدا بعد واحد من الرسل قال الحريرى فى درة الغواص يقال شفعت الرسول بآخر اى جعلتهما اثنين فاذا بعثت بالثالث فوجه الكلام أن يقال عززت بثالث اى قويت كما تعالى {أية : فعززنا بثالث}تفسير : فان واترت الرسل فالاحسن أن يقال قفيت بالرسل كما قال تعالى {ثم قفينا على آثارهم برسلنا} {وقفينا بعيسى ابن مريم} اى أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى الى عيسى بن مريم فأتينا به بعدهم يعنى وازبى در آورديم اين رسل رواتمام كرديم انبياء بنى اسرآئيل را بعيسى ابن مري، فأول انبياء بنى اسرآئيل موسى وآخرهم عيسى {وآتيناه الانجيل} دفعة واحدة {وجعلنا فى قلوب} المؤمنين {الذين اتبعوه} اى عيسى فى دينه كالحواريين واتباعهم {رأفة} وهى اللين {ورحمة} وهى الشفقة اى وقفينا رأفة اى اشد رقة على من كان يتسبب الى الاتصال بهم ورحمة اى رقة وعطفا على من لم يكن له سبب فى الصلة بهم كما كان الصحابة رضى الله عنهم رحماء بينهم حتى كانوا اذلة على المؤمنين مع ان قولبهم فى غاية الصلابة فهم اعزة على الكافرين قيل امروا فى الانجيل بالصفح والاعراض عن مكافأة الناس على الاذى شعر : بدى را بدى سهل باشد حزا اكر مردى احسن الى من اسا تفسير : وقيل لهم من لطم خدك الأيمن فوله خدك الأيسر ومن سلب ردآءك فأعطه قميصك ولم يكن لهم قصاص على جناية فى نفس او طرف فاتبعوا هذه الا وامر واطاعوا الله وكانوا متوادين ومتراحمين ووصفوا بالرحمة خلاف اليهود الذين وصفوا بالقسوة {ورهبانية} منصوب اما بفعل مضمر يفسره الظاهر اى وابتدعوا اى اتباع عيسى رهبانية {ابتدعوها} اى حملوا انفسهم على العمل بها واما بالعطف على ما قبلها وابتدعوها صفة لها اى وجعلنا فى قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم اى وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها قال فى فتح الرحمن المعتزلة تعرب رهبانية على انها نصب باضمار فعل يفسره ابتدعوها وليست بمعطوفة على رأفة ورحمة ويذهبون فى ذلك الى ان الانسان يخلق افعاله فيعربون الآية على مذهبهم انتهى والرهبانية المبالغة فى العبادة بمواصلة الصوم ولبس المسموح وترك اكل اللحم والامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد فى الغير ان ومعناها العفلة المنسوبة الى الرهبان بالفتح وهو الخائف فان الرهبة مخالفة مع تحزن واضطرب كما فى المفردات فعلان من رهب كخشيان من خشى وقرىء بضم الرآء كانها نسبة الى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان ولعل التردد لاحتمال كون النسبة الى المفتوح والضم من التغيير النسب يعنى ان الرهبان لما كان اسما لطائفة مخصوصة صار بمنزلة العلم وان كان جمعا فى نفسه فالتحق بانصار واعراب وفرآئض فقيل رهبانى كما قيل انصارى واعرابى وفرآئض بدون رد الجمع الى واحدة فى النسبة. وقال الراغب فى المفردات الرهبان يكون واحدا وجمعا فمن جعله واحدا جمعه على رهابين ورهبانية بالجمع أليق انتهى وهى الخصال المنسوبة الى الرهبان وسبب ابتداعهم اياها ان الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى فقاتلوا ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم الا قليل فخافوا أن يفتتنوا فى دينهم فاختاروا الرهبانية فى قلل الجبال فارين بدينهم مخلصين انفسهم للعبادة منتظرين البعثة النبوية التى وعدها لهم عيسى عليه السلام كما قال تعالى {أية : ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه احمد}تفسير : الآية (وروى) ان الله لما أغرق فرعون وجنوده استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى عليه السلام فى الرجوع الى الأهل والمال بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا فى رؤوس الجبال فكانوا اول من ترهب وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك اصحاب المسيح عليه السلام {ماكتبناها عليهم} جلمة مستأنفة والنفى متوجه الى اصل الفعل اى مافرضنا عليهم تلك الرهبانية فى كتابهم ولا على لسان رسولهم {الا} استنثاء منقطع اى لكن ابتدعوها {ابتغاء رضوان الله} اى لطلب رضاه تعالى {فما رعوها حق رعايتها} اى فمارعوا جميعا حق رعايتها بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد عليه السلام ونحوها اليه قال عليه السلام "حديث : من آمن بى وصدقنى فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بى فاولئك هم الهالكون"تفسير : قال مقاتل لما استضعفوا بعد عيسى التزموا الغيران فما صبروا واكلوا الخنازير وشربوا الخمور ودخلوا مع الفساق وفى المناسبات فما رعوها اى لم يحفظها المقتدون بهم بعدهم كما اوجبوا على انفسهم حق رعايتها اى بكمالها بل قصروا فيها ورجعوا عنها ودخلوا فى دين ملوكهم ولم يبق على دين عيسى عليه السلام الا قليل ذمهم الله بذلك من حيث ان النذر عهد مع الله لايحل نكثه سيما اذا قصد رضاه تعالى {فآتينا الذين آمنوا منهم} اى من العيسيين ايمانا صحيحا وهو الايمان برسول الله عليه السلام بعد رعاية رهبانتيهم لامجرد رعياتها فانها بعد البعثة لغو محض وكفر بحت وانى لها استتباع الأجر قال فى كشف الاسرار لما بعث النبى عليه السلام ولم يبق منهم الا قليل حط رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب الدير وديره فآمنوا به والصومعة كل بناء متصومع الرأس اى متلاصقه والدير خان النصارى وصاحبه ديار {اجرهم} اى مايحسن ويليق بهم من الاجر وهو الرضوان {وكثير منهم} اى من العيسيين وهم الذين ابتدعوا فضيعوا وكفروا بمحمد عليه السلام {فاسقون} خارجون عن حد الاتباع وهم الذين تهودوا وتنصروا قال فى تفسير المناسبات وكذلك كان فى هذه الامة فانه لما توفى رسول الله تبعه خلفاؤه باحسان فلما مضت الخلافة الراشدة وتراكمت الفتن كما اخبر عليه السلام واشتد البلاء على المتمسكين بصريح الايمان ورجم البيت بحجارة المنجنيق وهدم وقتل عبدالله بن الزبير رضى الله عنه واستبيحت مدينة رسول الله عليه السلام ثلاثة ايام وقتل فيها خيار المسلمين رأى المؤمنون العزلة واجبة فلزموا الزوايا والمساجد وبنوا الربط على سواحل البحر واخذوا فى الجهاد للعدو والنفوس وعالجوا تصفية اخلاقهم ولزموا الفقر اخذا من احوال اهل الصفة وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والاحوال والمقامات فهؤلاء وزان اولئك انتهى وفى الحديث "حديث : يا ابن ام معبد أتدرى مارهبانية امتى" قلت الله ورسوله اعلم قال "الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع"تفسير : (روى) ان نفرا من الصحابة رضى الله عنهم أخذهم الخوف والخشية حتى أراد بعضهم أن يعتزل عن النساء وبعضهم الاقامة فى رؤوس الجبال وبعضهم ترك الاكل والشرب وبعضهم غير ذلك فنهاهم عليه السلام عن ذلك كله وقال "حديث : لا رهبانية فى الاسلام"تفسير : وقال "حديث : رهبانية امتى فى المسجد"تفسير : يعنى المتعبدون من امتى لايأخذون مأخذ النصارى بل يعتكفون فى المساجد دون رؤوس الجبال وقال فى نفى صوم الوصال "حديث : انى لست كهيئتكم انى أبيت لى مطعم يطعمنى وساق يسقينى"تفسير : (وفى المثنوى) شعر : هين مكن خودرا خص رهبان مشو زانكه عفت هست شهوت راكرو بى هوا نهى از هوا ممكن نبود غازيى بر مردكاتن نتوان نمود بس كلوا از بهر دام شهوتست بعد ازان لاتسرفوا آن عفتست جونكه رنج صبر نبود مرترا شرط نبود بس فرونايد جزا حبذا آن شرط وشادا آن جزا آن جزاى دلنواز جان فزا تفسير : قال الشافعى رحمه الله اربعة لايعبأ الله بهم يوم القيامة زهد خصى وتقوى جندى وأمانة امرأة وعبادة صبى وهو محمول على الغالب كما فى المقاصد الحسنة ثم ذكر لاتنبغى الخلوة والعزلة قال فى الاحياء لما بنى عروة قصره بالعقيق وهو كأمير موضع بالمدينة لزومه فقيل له لزمت القصر وتركت مسجد رسول الله فقال رأيت مساجدكم لاهية واسواقكم لاغية والفاحشة فى فجاجكم عالية ومما هنالكم عما أنتم فيه عافية (وحكى) ان جماعة من السلف مثل مالك وغيره تركوا اجابة الدعوات وعيادة المرضى والجنائز بل كانوا احلاس بيوتهم لايخرجون الا الجمعة وزيارة القبور وبعضهم فارق الأمصار وانحاز الى قلل الجبال تفرغا للعبادة وفرارا من الشواغل واختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات فى الاسواق والاعياد والمجامع وعجزهم عن التغيير وهذا يقتضى لزوم الهجرة وفى الآية دليل على ان الشروع فى نفل العبادة ملزم وان من شرع فيما ليس عليه ثم تركه استحق اسم الفسق والوعيد فيجب على الناذر رعاية نذره لانه عهد مع الله لايحل نكثه (وروى) عن بعض الصحابة رضى الله عنهم عليكم باتمام هذه التروايح لانها لم تكن واجبة علكيم وقد اوجبتموها على أنفسكم فانكم ان تركتم صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية {وكثير منهم فاسقون}. يقول الفقير وهكذا شأن الصلاة المعروفة بالرغائب والبرآءة والقدر فانها ملحقة بالتراويح لكونها من صلاة الليل وقد كانت سنة مسلوكة للعلماء بالله فلا تترك ابدا عند من اعتقد اعتقادهم قال فى فتح الرحمن واختلف الائمة فما اذا انشأ صوما او صلاة تطوعا فقال ابو حنيفة لم يجزله الخروج منه فان أفسده فعليه القضاء لقوله تعالى {أية : ولا تبطلوا اعمالكم}تفسير : وقال مالك رحمه الله كذلك الا انه اعتبر العذر فقال ان خرج منه لعذر فلا قضاء والا وجب وقال الشافعى واحمد رحمهما الله متى انشأ واحدا منهما استحب اتمامه فان خرج منه لم يجب عليه قضاء على الاطلاق واما اذا كان التطوع حجا او عمرة فيلزم اتمامه أفسده وجب قضاؤه لوجوب المضى فى فساده انتهى. قال بعض الكبار جميع ما ابتدع من السنة الحسنة على طريق القربة الى الله تعالى داخل فى الشريعة التى جاءت بها الرسل عن امر الله قال تعالى {ورهبانية} الخ فأقرهم تعالى عليها ولم يعب عليهم فعلها انما عاب عليهم عدم رعايتهم لها فى دوام العمل فقط وخلع عليها اسم البدعة فى حقهم بخلاف هذه الامة خلع على مااستحسنوه ا سم السنة تشريفا لهم كما قال عليه السلام "حديث : من سن سنة حسنة"تفسير : وماقال من ابتدع بدعة حسنة فافهم فاجاز لنا ابتداع ماهو حسن وسماه سنة وجعل فيه اجرا لمن ابتدعه ولمن عمل به واخبر أن العابد لله تعالى بما يعطيه نظره اذا لم يكن على شرع من الله معين انه يحشر امة وحده بغير امام يتبعه كما قال تعالى فى ابراهيم {أية : ان ابراهيم كان امة قانتا لله}تفسير : وذلك لنظره فى الأدلة قبل أن يوحى اليه وقال عليه السلام "حديث : بعثت لاتمم مكارم الاخلاق فمن كان عليها فهو على شرع ربه وان لم يعلم"تفسير : وقال بعضهم جميع ما ابتدعه العلماء والعارفون مما لم تصرح الشريعة بالامر به لايكون بدعة الا ان خالف صريح السنة فان لم يخالفها فهو محمود وذلك كحلق الرأس ولبس المرفقعات والرياضة بقلة الطعام والمنام والمواظبة على الذكر والجهر به على الهيئة المشهورة ونحو ذلك من جميع اوصافهم فانه كلها نواميس حكمية لم يجيىء بها رسول الله عليه السلام فى عموم الناس من عندالله لكونها طريقة أهل الخصوص السالكين طريق الحق وهذه الطريق لاتحتمل العامة الامر بها ولاتجب هى عليهم فقد علمت ان طريق القوم صادرة عن الله ولكن من غير الطريق الصريح النبوى ولولا انه عليه السلام فتح لامته باب الاستنان مااجترأ احد منهم على أن يزيد حكما ولا وضعا ففى الصحيح "حديث : من سن سنة حسنة فله اجرها وأجر من عمل بها"تفسير : وقال بعضهم المقصود بالوضع الشرعى الالهى هو تكميل النفوس علما او عملا وهم اتوا بامور زآئدة على الطريقة النبوية موافقة لها فى الغاية والغرض كالامور التى التزمها الصوفية فى هذه الامة بغير ايجاب من الله كتقليل الطعام و كثرة الصيام والاجتناب عن مخالطة الانام وقلة المنام والذكر على الدوام وقال بعضهم مايصدر عن الواصل من الافعال شريعة وكذا الباقى فلا بد من الاعتدال و لذلك قال عليه السلام "حديث : الشريعة اقوالى والطريقة اطوارى والمعرفة رأس مالى والحقيقة نقد حالى"تفسير : وقال بعضهم لاتبتدع فيوجب الله ذلك الابتداع عليك وفى شرعنا من سن سنة حسنة فما سماها بدعة فان شرعنا قد قررها فليشكر الله صاحب هذه البدعة وليلزمها حيث ألحقه تعالى بأنبيائه ورسله واباح له أن يسن ماسنته الرسل مما يقرب الى الله تعالى ولايخفى ان الكامل من عباد الله من سد باب الابتداع ولم يزد فى التكاليف حكما واحدا موافقه لمراد الله ومراد رسول الله من طلب الرفق والرحمة وقال بعضهم لاتجعل وردك غير ماورد فى الكتاب والسنة تكن من العلماء الادباء لانك حينئذ تجمع بين الذكر والتلاوة فيحصل لك اجر التالين والذاكرين فماترك الكتاب والسنة مرتبة يطلبها الانسان من خير الدنيا والآخرة الا وقد ذكرها فمن وضع من الفقرآء وردا من غير الوارد فى السنة فقد أساء الأدب مع الله ورسوله الا أن يكون ذلك بتعريف من الله فيعرفه خصائص كلمات يجمعها فيكون حينئذ ممتثلا لامخترعا وذلك مثل حزب البحر للشاذلى رحمه الله ونحوه فانه رحمه الله صرح بأنه ماوضع حرفا منه الا باذن الله ورسوله وقال من دعا بغير مادعا به رسول الله فهو مبتدع وقال بعضهم العبد فى ادآء الفرآئض عبد اضطرار وفى فعل النوافل عبد اختيار وعبودية الاضطرار أشرف وأسلم فى حقه من عبودية الاختيار لما قد يخطر بباله فى عبودية الاختيار من شائبة الامتنان ومن ههنا ترك اكابر الرجال من الملامية فعل النوافل واقتصروا على ادآء الفرآئض خوفا من خطور ذلك على قلوبهم فيجرح عبوديتهم وفى الحكم العطائية من علامة اتباع الهوى المسارعة الى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بحقول الواجبات وهذا حال غالب الخلق الا من عصمه الله ترى الواحد منهم يقوم بالنوافل الكثيرة ولا يقوم بفرض واحد على وجهه

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : قرأ الحسن "الأنجيل" - بفتح الهمزة -، والأمر فيه هيّن لأن الكلمة أعجمية لا يلزم فيها حفظ أبنية العرب، بخلاف أمر "البَرطيل" "والسَكين" فيمن رواهما بالفتح. وقرأ "رآفة" على وزن فعالة. و"التقفيّة": جعل شيء إثر شيء على نهج الاستمرار، ولهذا قيل لقواطع الشعر "قوافي" إذا كانت تتبع البيت على أثر بيت مستمراً في غيره على منهاجه. و"الرهبانية" أصلها من الرهبة والخوف، يوصف بها النصارى لترهّبهم بعد موت عيسى (عليه السلام) في الجبال فراراً من الفتنة في الدين، لظهور الجبابرة على مؤمني ذلك الزمان، واخلاصاً لأنفسهم في عبادة الرب عند التفرد عن الخلق، فهي "الفَعلة" المنسوبة إلى الرَهْبان - بالفتح -، وهو الخائف، "فعلان" من "رهب"، كخشيان من خشي، وقرئ: "ورُهبانية" بالضم منسوبة إلى "الرُهبان وهو جمع "راهب"، كرُكبان جمع راكب، وهي عبادة مخصوصة بالنصارى، لقول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : لا رهبانية في الإسلام"تفسير : وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : رهبانية امتي الحج والجهاد ". تفسير : وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، أي: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، ويجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها، والجملة بعدها صفة لها في محل النصب، والمعنى: ثم اتبعنا بالإرسال على آثار المذكورين كنوح وإبراهيم ومن أرسلنا إليهم أو من عاصرهم من الرسل برسل آخرين، أي: اتبعنا رسولاً بعد رسول، وقفيّنا سابقاً بلا حق حتى انتهى الأمر إلى عيسى بن مريم بعدهم، فارسلناه رسولاً وأعطيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه من الحواريين وأتباعهم للتراحم والتعاطف بينهم رأفة ورحمة، بأن أمرهم الله بهما ورغّبهم فيهما، أو خلق في قلوبهم الرأفة والرحمة. وإنما مدحهم على ذلك - وان كان من فعله - لأنهم تعرضوا لهما وابتدعوا رهبانية لم يكتبها عليهم، وهي خصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة، إما في كنيسة (شعشعة - شعثة - ن)، أو تَوَحُّش عن الخلق، أو تَفَرُد عن الجماعة، أو غير ذلك من الأمور التي تعلق بنسك صاحبه. وقيل: إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء واتخاذ الصوامع - عن قتادة -. وعلى تقدير عطفها على ما قبلها يكون المعنى: وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم. بمعنى: وفّقناهم للتراحم بينهم، ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، والاستثناء منقطع، أي ما فرضناها تعبّدناهم بها"، حتى يكون مشتملاً على نفي الإيجاب والندب المستلزمين لمطلق الراجحية والتقرب، وهذا وان كان مخالفاً لقوله: {ٱبتَدَعُوهَا}، لكن يوجه بأن يقال: معناه: ولكنهم ابتدعوها ثم نُدبوا إليها. وابتدعوها: بمعنى: استحدثوها من قبل أنفسهم ووافوا بها، فما رعَوها حق رعايتها، أي: الذين بعدهم ما رَعَوا جميعاً للرهبانية، أو للمذكورات من الرأفة، والرحمة، والرهبانية - حق رعايتها، ولكن بعضهم رعاها، وبعضهم ضم إليها التثليث، والقول بالإلحاد، وقصد السمعة والرياء والكفر بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونحو هذه الأشياء، كما ان المنسوبين إلى التصوف في هذه الأزمنة والدورة الإسلامية بعضهم مما رعوا حقّه - من تصفية الباطن، والتزهد في الدنيا، والانقطاع عن أهلها وذويها طلباً لمرضاة الله -، وأكثرهم لم يراعوا حقّه، بل ضموا إليه السمعة والرياء، والتغنّي والسماع، والاشتغال بالملاهي وصحبة الأباطيل، والمعطّلين عن الفكر والسير في الملكوت وعن ذكر الله إلاَّ بمجرد اللسان عند مجمع الخلائق. فآتينا المؤمنين المراعين منهم لهم أجرهم، وكثير منهم فاسقون - وهم الذين لم يراعوها ولم يوفوا بها. قال الزجّاج: إن تقدير {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ}: ما كتبنا إلاَّ ابتغاء رضوان الله وهو اتباع ما أمر به - فهذا وجه -. قال: وفيها وجه آخر في التفسير، وهو أنهم كانوا يَرَوْنَ من ملوكهم ما لا يصبرون عليه، فاتخذوا أسراباً وصوامع وابتدعوا ذلك، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع ودخلوا عليه، لزمهم تمامه، كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوماً لم يُفْرَض عليه لزمه أن يتم. قال: وقوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} على ضربين: أحدهما: أن يكونوا قصّروا فيما ألزموا به أنفسهم، والآخر - وهو الأجود -: أن يكونوا حين بعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم يؤمنوا به، وكانوا تاركين لطاعة الله، فما رعوا تلك الرهبانية حق رعايتها، ودليل ذلك قوله: {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ}، يعني الذين آمنوا بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} أي كافرون - انتهى كلام الزجّاج -. ويؤيده ما روي عن ابن مسعود قال: حديث : دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: يا ابن مسعود، اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منهم اثنتان وهلك سايرهنّ، فرقة قاتلوا الملوك على دين عيسى (عليه السلام) فقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله تعالى، ودين عيسى (عليه السلام)، فساحوا في البلاد، وترهبوا، وهم الذين قال الله لهم: "ورهبانيةً ابتدعوها ما كتبناها عليهم". ثم قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون . تفسير : مكاشفة في هذه الآية حجة على عدم خلوّ الزمان عمن تقوم به حجة الله على خلقه، إذ علم أنه بهذا جرت سنّة الله من لَدُنْ آدم ونوح وآل إبراهيم، إلى وقت نبيّنا - صلوات الله عليهم أجمعين -، ولن تجد لسنّة الله تبديلا، لكن النبوة قد ختمت برسولنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والولاية التي هي باطن النبوة باقية إلى يوم القيامة، فلا بد في كل زمان - بعد زمان الرسالة - من وجود ولي يعبد الله على الشهود الكشفي من غير تعلّم، ويكون عنده مأخذ علوم العلماء والمجتهدين، وله الرئاسة العامة في أمر الدين والدنيا، وهو الداعي للخلق بحسب الفطرة من قِبَل الله، سواء أطاعته الرعية أَوْ لاَ، والناس أجابوه أو أنكروه، وسواء كان ظاهراً مشهوراً، أو مستتراً مغموراً، كأكثر الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين -. وكما ان النبوة والشريعة قد خُتمت برسولنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فالولاية التي هي باطنها تختم بآخر أولاده المعصومين، وهو الذي يواطي اسمه اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومعناه معناه، وبجوده أقيمت البلاد، ورُزقت العباد، وبظهوره يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً. وفي حديث كميل بن زياد النخعي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما يدل على هذا المطلب، وهو قوله - بعد كلام سابق -: "يا كُمَيل، مات خُزّان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، آهٍ آه، إن هاهنا - وأشار بيده الشريفة إلى صدره المقدس - لعِلماً جمّاً، لو أصبت له حَمَلَة، بلى أصيب له لقِناً غيرَ مأمون، يستعمل آلة الدين في الدنيا، ويستظهر بحجج الله على خلقه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً للحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض شبهة. أَلاَ - لا ذا ولا ذاك - أو منهوماً باللذّات سلس القيادة للشهوات، أو مُغْرَماً بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شَبَهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، واما خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيّناته وكم ذا وأين أولئك؟ أولئك والله الأقَلّون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته حتى يودعوها نُظَراءَهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استعوره المترفون، وأنِسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آهٍ آهٍ شوقاً إلى رؤيتهم. وفيه إشعار بأمور: الأول: إن العالِم الحقيقي، له الولاية على الدين والرئاسة فيه. الثاني: إن سلسلة العرفاء بالله والولاية المطلقة لا تنقطع أبداً. الثالث: إن عمارة العالم الأرضي، ووجود أفراد الإنسان وسائر الحيوانات وغيرها من الكائنات، إنما يكون بوجود العالِم الرباني، وقد يقام عليه البرهان في الحكمة المتعالية، فيلزم منه الاعتراف بوجود إمام حافظ للدين في كل زمان. الرابع: ان هذا القائم بحجة الله، لا يجب أن يكون ظاهراً مشهوراً كمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام تمكنه من الخلافة الظاهرة، بل ربما يكون خاملاً مستوراً - كهو (عليه السلام) قبل ذلك الوقت، وكأولاده الأحد عشر بعده، سيما القائم المنتظر امامنا المهدي - سلام الله عليه وآله وآبائه الطاهرين - المشار إليهم في قوله تعالى: {أية : ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ} تفسير : [آل عمران:34]. وفيما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): حديث : لا تزال أمتي بخير ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش . تفسير : الخامس: ان من خواص أولياء الله وحججه، أن تكون علومهم ومعارفهم حاصلة بحدس تام وإلهام من الله من غير تعمّل وتكسّب، كما دلّ عليه قوله (عليه السلام): "هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين" أي أطلعهم الله على حقائق الموجودات، وقذف في قلوبهم نوراً من لدنه، يريهم الأشياء كما هي، وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من أوتيها فقد أوتي خيراً كثيراً. السادس: انه قد علم شرف الحكمة الإلهية ومنزلة حامليها، حيث اشتاقت نفسه الشريفة (عليه السلام) إلى لقائهم مع كونه قدوة الربّانيين ومقدّم السائرين إلى الله بقوة الحكمة والعرفان، وبه تنتهي سلسلة السالكين وأصحاب الطريقة والصوفيين ومن يحذو حذوهم في التألّه والمعرفة - لا في مجرد الرياضة البدنية وجلوس الصوامع ولبس الخرقة، إذ لا كمال فيه يعتد به -. وذلك لأن الجنسية علّة الضم، والجنس يحنّ إلى جنسه، ولأن فنون التقرب إلى الله تعالى متعددة، وأذواق الكاملين مختلفة، مع اشتراكهم في غلبة جانب التوحيد والعلم والفناء والبقاء، فلا يبعد أن يكون الاشتراك في جهة الكمال المطلق، ومظهرية الذات الأحدية يوجب أصل المحبة، والاختلاف في ظهور بعض المظاهر الاسمائية والصفاتية، وخفاء بعضها، يوجب التشوق بجهة خفاء اسم أو صفة إلى جهة ظهور اسم أو صفة، فإن تجليّات الحق بحسب الأسماء والصفات غير متناهية عدداً، فكذلك تختلف المظاهر والمجالي اختلافاً غير متناه شخصياً. ومما يدل على وجود الإمام المطاع في الأحكام في جميع الأزمنة، ما اتفقت روايته بين الخاص والعام في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "حديث : من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية ". تفسير : وقد اتفقت الأمامية على أن الإمام في زماننا هذا هو المهدي (عليه السلام)، الموعود ظهوره في آخر الزمان، واستبعاد أهل السنة وجوده وبقاءه إلى الآن في غاية السقوط، إذ الأدلة الطبيّة والنجومية على امتناع بقاء الإنسان بعد المأة والعشرين غير تامة، ومع ذلك منقوض بوجود الأعمار الطويلة للسابقين، كما هو المشهور من آدم ونوح (عليه السلام)، وغيرهما، وببقاء الدجّال اللعين من اللاحقين مدة طويلة هي من زمن الرسول - عليه وآله السلام - إلى وقت خروج المهدي (عليه السلام). وأسقط من ذلك تشنيعهم على الفرقة الإمامية بأن أي ثمرة في وجود امام لا يمكن التوصل إليه وأخذ المسائل الدينية منه؟ فإن مجرد المعرفة بإمامته ورئاسته، والتصديق بوجوده وأنه خليفة الله في أرضه، ثمرة ينتفع بها، وليست الفائدة منحصرة في مشاهدته، أَوَلاَ ترى أن من كان في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وصدّق بوجوده وبرسالته، كان مؤمناً حقاً وان لم يره مشاهدة كأوَيْس القرني - رضي الله عنه - فكذا ها هنا. وحديث : روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري: "ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر المهدي فقال: ذلك الذي يفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت: يا رسول الله - هل لشيعته انتفاع به في غيبته. فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أي والذي بعثني بالحق، أنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب" . تفسير : والعجب أنهم حملوا الإمام في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أهل الشوكة الظاهرة من ملوك الدنيا - كائناً من كان، عالماً أو جاهلاً، عادلاً أو فاسقاً - فتشنيعهم على الإمامية مقلوب عليهم بأشد وجه بأن يقال: أي ثمرة تترتب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية؟ وأما رجوعهم عن هذا الحمل لغاية سخافته، إلى أن المراد بالإمام في ذلك الحديث هو "الكتاب"، فدفعته الإمامية بما نقله بعض الأعلام منهم بقوله: إن إضافته إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدل الأئمة في الأزمنة، والقرآن لا تبدل له - بحمد الله - على مَرّ الأزمان، ولأن المراد بمعرفة الكتاب، إن أُريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع على معانيه، أشكل الأمر على كثير من الناس، حيث يكون موتهم ميتة جاهلية، وإن أُريد مجرد التصديق بوجوده، فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله. اعلم أنه ذكر الشيخ محي الدين الأعرابي في الباب الثلاثمائة والست والستين من كتاب الفتوحات المكية كلاماً بهذه العبارة يدل على أنه كان معتقداً وجود المهدي (عليه السلام)، وقد نقل بعض الأعلام من الكرام تمام هذا الكلام في كتاب الأربعين من أراد الاطلاع عليه فلينظر فيه، ونورد فيه نبذة منه هي: "وان لله خليفة يخرج من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ولد فاطمة (عليها السلام) يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، جده الحسين بن علي (عليهما السلام)، يبايع بين الركن والمقام". - وعدّ بعض نعوته وأوصافه الشريفة إلى أن قال: - "يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، لولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يُظهره بالسيف والكَرَم فيخافون ويقبلون حكمه من غير إيمان، ويضمرون خلافه، ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على ضلال في ذلك". - انتهى -. واعلم أن كل عالم رباني ذي مكاشفة تامة يعرف طريق التبتل إلى الله تعالى، وكيفية التخلص عن ورطة التعلق بالمهلكات الدنيوية والمؤذيات النفسانية، فإن اتّباعه وتعلم السلوك منه واجب عقلاً، كما أن اتباع الرسول والأئمة (عليهم السلام) واجب عقلاً وسمعاً، فكما أن المريض ومَن به داء مهلك، عند التساهل عنه، إذا وجد طبيباً حاذقاً يعرف معالجة ذلك المرض المهلك يجب عليه اتباعه وقبول ما أمر به، بحسب ما جبل عليه من التحفظ على الحياة البدنية، فكذلك من به مرض الجهل وداء الخُلُق الردي النفساني الذي به تفوت الحياة السرمدية، يجب عليه بالضرورة أن يتبع العارف الواقف بكيفية إزالة الجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويتعلم منه طريق الاستكمال، ويتأسّى به، ويسلك بسلوكه، ويقبل منه النصائح في كيفية التقرب إلى المبدأ الفعّال. وكما ان من تيسر له خدمة عالم متألّه، ثم تساهل في ملازمته وتَحَمُّلِ المعارف منه - خوفاً من سقوط منزلته عند الناس، وتحفظاً على جاهه الحقير لدى العوام الناقصين -، فيوشك أنه إذا خرج الإمام المهدي (عليه السلام) - الذي وجبت إطاعته عقلاً - تمرد على حكمه وتحاشى إطاعته، إذا انحطت عند ذلك مرتبته عند الناس وسقط به جاهه الخسيس، اللهم إلاَّ خوفاً أو طمعاً، لا تقرباً إلى الله تعالى، وإلاَّ لأطاع كل من له قدم راسخ في العلم بالله وملكوته، وذلك لمرض نفسه، وخبث جوهره، وقصور ذاته بحسب نفس الأمر، وسقوط منزلته عند الله حيث تصدّه المنزلة عند الخلق عن تحصيل المنزلة عنده، ويُرْجُحُ عنده رضاء الخلق على رضاء الخالق، وقد قال سبحانه: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [التوبة:72].

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} من انبياء بنى اسرائيل وموسى (ع) وشعيب (ع) {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} بالنّسبة الى دين موسى (ع) لا انّهم ابتدعوها فى الدّين حتّى تكون بدعة، والرّأفة اشدّ الرّحمة او ارقّها او ما يظهر اثره فى الظّاهر، والرّحمة ما لا يظهره اثره في الظّاهر او بالعكس، والرّهبانية والرّهبة مصدرا الرّاهب واحد رهبان النّصارى الّذين كانوا ينقطعون عن النّاس ويلبسون المسوح ويتعبّدون فى الجبال وفى الخلوات {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} اى ما القيناها فى قلوبهم {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ} اى الاّ لابتغاء رضوان الله او فى حال ابتغاء رضوان الله فانّه لا يجوز ان يكون مفعولاً له لكتبنا او المعنى انّهم ابتدعوها وما فرضناها عليهم اصلاً ولكنّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فيكون الاستثناء منقطعاً ولكن قوله تعالى {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} يؤيّد المعنى الاوّل بان جعلوها بأهوية انفسهم او ما عملوا بمقتضاها، او ما قصدوا بها رضوان الله، او ما انتهوا بها الى خليفة الله المؤسّس لآداب السّلوك الى الله ونسب الى النّبىّ (ص) انّه قال لتكذيبهم بمحمّدٍ (ص) {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمّدٍ (ص) {مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} عن اتّباع ولىّ الامر وخليفة الله، روى عن رسول الله (ص) انّه قال: "حديث : اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقةً نجا منهما ثنتان وهلكت سائرهنّ فرقة قاتل الملوك على دين عيسى (ع) فقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة لموازاة الملوك ولا ان يقيموا بين ظهرانيّهم يدعونهم الى دين الله تعالى ودين عيسى (ع) فساحوا فى البلاد وترهّبوا"تفسير : وهم الّذين قال الله عزّ وجلّ: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا} ثمّ قال: (من آمن بى وصدّقنى واتّبعنى فقد رعاها حقّ رعايتها، ومن لم يؤمن بى فاولئك هم الهالكون).

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ قَفَيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} ارسلنا رسولا بعد رسول، والهاء لنوح وابراهيم ومن أرسل إليهما ومن عاصرهما من الرسل لا للذرية لأن الرسل المقفى بهم من الذرية، والقففية الاتيان بشيء في قفى الآخر وبعده. {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَريَمَ} آخر من قبله وانت بعده يا محمد {وآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} وقرأ الحسن لفتح همزته وليس بشاذ لانه اعجمي بخلاف البرطيل في لغة فتح الباء لا في كفة كسرها وهو حجر مستطيل شبه رأس الناقة. {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً} وقرىء رأفة براء فهمزة فألف {وَرَحْمَةً} فيما بينهم كقوله سبحانه في صفة اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رحماء بنيهم. {وَرَهْبَانِيَّةً} كأنه نسب إلى رهبان بالضم جمع راهب كراكب وركبان أي وكونهم رهبانا وقرىء بفتح الراء نسبا الى رهبان بفتحها وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي لكثير الخشية والمراد شدة الخوف والمبالغة في العبادات والرياضة والانقطاع عن الناس وترك النساء ترهبوا في الجبل فارين من الفتنة في الدين مخلصين انفسهم للعبادة وذلك ان الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى وقاتلوهم ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل فخافوا ان يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية والنصف عطف على رأفة أو رحمة. {ابْتَدَعُوهَا} نعت لها أو النصب على الاشتغال {مَا كَتَبْنَاهَا} ما فرضناها {عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ} استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله أو متصل فإن ما كتبناها عليهم بمعنى ما تعبدناهم بها وقيل: مفعول لاجله وهو ظاهر قول مجاهد وهو ضعيف وقرأ ابن مسعود لكن ابتدعوها قال الحسن: فرضها الله عليهم حين احدثوها. {فَمَا رَعَوْهَا} أي فما راعوا جميعا {حَقَّ رِعَايَتِهَا} كما يجب على الناذر رعاية نذره لانه عهد لله لا يحل نكثه بل ضيعوها وقالوا بالتثليث وقصدوا السمعة وكفروا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين ادركوه وكفر بعضهم بعيسى ودخل في دين ملكهم وبقى بعض على دين عيسى عليه السلام وادرك النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به والواو عند ابن زيد وغيره للذين ابتدعوها وعند الضحاك للأخلاف الذين جاءوا بعدهم حديث : قال صلى الله عليه وسلم لبلال بن الحارث: "اعلم" قال: ما أعلم يا رسول الله قال: "اعلم يا بلال" قال: ما اعلم يا رسول الله قال: "انه من أحيا سنة من سنتي قد امتيت بعدي فإن له من الاجر مثل من عمل بها من غير ان يقنص من أجورهم شيئا ومن ابتدع ضلالة كان له مثل آثام من عمل بها لا ينقص من وزرهم شيء"، وقال: "لكل امة رهبانية ورهبانية أمتي الجهاد ". تفسير : {فَأَتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} وهم الذين رعوا حقها من التوحيد والايمان بمحمد وغير ذلك.{وَكَثِيرٌ مِّنْهُم فَاسِقُونَ} خارجون عن عهد نبي الله عيسى عليه السلام والمشركون ومنافقون وروي ان الكفار منهم لما غلبوا المسلمين قال المسلمون: تعالوا نتفرق في الارض إلى ان يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى يعنون نبينا صلى الله عليهما وسلم فمنهم تمسك ومنهم من فتر وقال لابن مسعود: "حديث : يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟" قال: الله ورسوله أعلم قال: "الهجرة والصلاة والجهاد والصوم والحج والعمرة والتكبير على البلاغ ". تفسير : وعن ابن عباس كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والانجيل وفيهم جماعة مؤمنون يقرأون التوراة والانجيل ويدعونهم الى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو يدخلوا فيما نحن فيه فجمعهم ملكهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والانجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: دعونا نحن نكفيكم انفسنا فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانا ثم ارفعونا فيه ثم اعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم وطائفة قالت: دعونا نسيح في الارض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش وان قدرتم علينا في ارضكم فاقتلونا وقالت طائفة ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول ولا نرد عليكم ولا نمر عليكم وليس احد من القبائل إلا وله حميم فيهم ففعلوا هذا ومضوا على منهاج عيسى ولم يبق عليه إلى زمان نبينا إلا قليل لما بعث جاء هذا من صومعته وهذا من ديره وهذا من سياحته وآمنوا به والاكثر تركوا الوضوء وغسل الجنابة والختان واكلوا الخنزير وشربوا الخمر.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَـٰرِهِم بِرُسُلِنَا} أي أرسلنا بعدهم رسولاً بعد رسول، وأصل التقفية جعل / الشيء خلف القفا، وضمير {آثارهم} لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم من قومهما، وقيل: لمن عاصرهما من الرسل عليهم السلام. واعترض بأنه لو عاصر رسول نوحاً فإما أن يرسل إلى قومه كهارون مع موسى عليهما السلام أو إلى غيرهم كلوط مع إبراهيم عليهما السلام ولا مجال للأول لمخالفته للواقع ولا إلى الثاني إذ ليس على الأرض قوم غيره، وأجيب بأن ذاك توجيه لجمع الضمير وكون لوط مع إبراهيم كاف فيه، وقيل: للذرية، وفيه أن الرسل المقفى بهم من الذرية فلو عاد الضمير عليهم لزم أنهم غيرهم أو اتحاد المقفى والمقفى به وتخصيص الذرية مرجع الضمير بالأوائل منهم خلاف الظاهر من غير قرينة تدل عليه. {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ } جعلناه بعد. وحاصل المعنى أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى الإرسال إلى عيسى عليه الصلاة والسلام {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} بأن أوحيناه إليه وليس هو الذي بين أيدي النصارى اليوم أعني المشتمل على قصة ولادته وقصة صلبه المفتراة. وقرأ الحسن {ٱلأَنجِيلِ } بفتح الهمزة، قال أبو الفتح: وهو مثال لا نظير له، قال الزمخشري: ((وأمره أهون من أمر البرطيل)) بفتح الباء، والكسُر أشهر وهو حجر مستطيل واستعماله في الرشوة مولد مأخوذ منه بنوع تجوز لأنه عجمي وهذا عربـي وهم يتلاعبون بالعجمي ولا يلتزمون فيه أوزانهم، وزعم بعض أن لفظ الإنجيل عربـي من نجلت بمعنى استخرجت لاستخراج الأحكام منه. {وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً } أي خلقنا أو صيرنا ـ ففي قلوب ـ في موضع المفعول الثاني وأياً مّا كان فالمراد جعلنا ذلك في قلوبهم فهم يرأف بعضهم ببعض ويرحم بعضهم بعضاً، ونظيره في شأن أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم { أية : رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29] والرأفة في المشهور الرحمة لكن قال بعض الأفاضل: إنها إذا ذكرت معها يراد بالرأفة ما فيه درء الشر ورأب الصدع، وبالرحمة ما فيه جلب الخير ولذا ترى في الأغلب تقديم الرأفة على الرحمة وذلك لأن درء المفاسد أهم من جلب المصالح وقرىء (رآفة) على فعالة كشجاعة. {وَرَهْبَانِيَّةً } منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر أي وابتدعوا رهبانية {ٱبتَدَعُوهَا } فهو من باب الاشتغال، واعترض بأنه يشترط فيه ـ كما قال ابن الشجري وأبو حيان ـ أن يكون الاسم السابق مختصاً يجوز وقوعه مبتدأ والمذكور نكرة لا مسوغ لها من مسوغات الابتداء، ورد بأنه على فرض تسليم هذا الشرط، الاسم هنا موصوف معنى بما يؤخذ من تنوين التعظيم كما قيل في قولهم: شر أهر ذا ناب. ومما يدل عليه من النسبة كما ستسمعه إن شاء الله تعالى، أو منصوب بالعطف على ما قبل، وجملة {ٱبتَدَعُوهَا } في موضع الصفة والكلام على حذف مضاف أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم، وبعضهم جعله معطوفاً على ما ذكر ولم يتعرض للحذف، وقال: الرهبانية من أفعال العباد لأنها المبالغة في العبادة بالرياضة والانقطاع عن الناس، وأصل معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف، فعلان من رهب كخشيان من خشي، وأفعال العباد يتعلق بها جعل الله تعالى عند أهل الحق وهي في عين كونها مخلوقة له تعالى مكتسبة للعبد، والزمخشري جوز العطف المذكور وفسر الجعل بالتوفيق كأنه قيل: وفقناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها بناءاً على مذهبه أن الرهبانية فعل العبد المخلوق له باختياره، وفائدة {فِى قُلُوبِ } على هذا التصوير على ما قيل، ولا يخفى ما في هذا التفسير من العدول عن الظاهر لكن الإنصاف أنه لا يحسن العطف بدون هذا / التأويل أو اعتبار حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على ما تقدم أو تفسير الرهبانية بما هو من أفعال القلوب كالخوف المفرط المقتضي للغلو في التعبد ويرتكب نوع تجوز في {ٱبتَدَعُوهَا } وما بعده كأن يكون المراد ابتداع أعمالها وآثارها أو ارتكاب استخدام في الكلام بأن يعتبر للرهبانية معنيان الخوف المفرط مثلاً، ويراد في جعلنا في قلوبهم رهبانية والأعمال التعبدية الشاقة كرفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهن، ويراد في {ٱبتَدَعُوهَا } وما بعده وليس الداعي للتأويل الاعتزال بل كون الرهبانية بمعنى الأعمال البدنية ليست مما تجعل في القلب كالرأفة والرحمة فتأمل. وقرىء {رُهبانية} بضم الراء وهي منسوبة إلى الرُهبان بالضم وهو كما قال الراغب: يكون واحداً وجمعاً فالنسبة إليه باعتبار كونه واحداً ومن ظن اختصاص المضموم بالجمع قال: إنه لما اختص بطائفة مخصوصة أعطي حكم العلم فنسبته إليه كما قالوا في أنصار وأنصاري أو أن النسبة إلى رهبان المفتوح وضم الراء في المنسوب من تغييرات النسب كما في دهري بضم الدال. وقوله تعالى: {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ }. جملة مستأنفة، وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ } استثناء منقطع أي ما فرضناها نحن عليهم رأساً ولكن ابتدعوها وألزموا أنفسهم بها ابتغاء رضوان الله تعالى، وقوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي ما حافظوا عليها حق المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر وهو عهد مع الله تعالى يجب رعايته لا سيما إذا قصد به رضاه عز وجل. واستدل بذلك على أن من اعتاد تطوعاً كره له تركه، وجوز أن يكون قوله تعالى: {مَا كَتَبْنَـٰهَا } الخ صفة أخرى لرهبانية والنفي متوجه إلى قيد الفعل لا نفسه كما في الوجه الأول، وقوله سبحانه: {إِلاَّ ٱبْتِغَاء } الخ استثناء متصل من أعم العلل أي ما قضيناها عليهم بأن جعلناهم يبتدعونها لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله تعالى ويستحقوا بها الثواب، ومن ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها ويراعوها حق رعايتها فما رعوها كذلك والوجه الأول مروي عن قتادة وجماعة، وهذا مروي عن مجاهد ولا مخالفة عليه بين {ٱبتَدَعُوهَا } و {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ } الخ حيث إن الأول يقتضي أنهم لم يؤمروا بها أصلاً والثاني يقتضي أنهم أمروا بها لابتغاء رضوان الله تعالى لما أشرنا إليه من معنى {مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَاء } الخ، ودفع بعضهم المخالفة بأن يقال: الأمر وقع بعد ابتداعها أو يؤل ابتدعوها بأنهم أول من فعلها بعد الأمر ويؤيد ما ذكره في الدفع أولاً ما أخرجه أبو داود وأبو يعلى والضياء عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ما ابتدعوها ما كتبناها عليهم » تفسير : يعني الآية. والظاهر أن ضمير {فَمَا رَعَوْهَا} لأولئك الذين ابتدعوا الرهبانية، والمراد نفي وقوع الرعاية من كلهم على أن المعنى فما رعاها كلهم بل بعضهم، وليس المراد بالموصول فيما سبق أشخاصاً بأعيانهم بل المراد به ما يعم النصارى إلى زمان الإسلام ولا يضر في ذلك أن أصل الابتداع كان من قوم مخصوصين لأن إسناده على نحو الإسناد في ـ بنو تميم قتلوا زيداً ـ والقاتل بعضهم. وقال الضحاك وغيره: الضمير في {فَمَا رَعَوْهَا } للأخلاف الذين جاءوا بعد المبتدعين، والأول أوفق بالصناعة. والمراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ} الذين آمنوا إيماناً صحيحاً وهو لمن أدرك وقت النبـي صلى الله عليه وسلم الإيمان به عليه الصلاة والسلام أي فآتينا الذين آمنوا منهم / إيماناً صحيحاً بعد رعاية رهبانيتهم {أَجْرَهُمْ } أي ما يختص بهم من الأجر وهو الأجر على ما سلف منهم والأجر على الإيمان به عليه الصلاة والسلام، وليس المراد بهم الذين بقوا على رعاية الرهبانية إلى زمان البعثة ولم يؤمنوا لأن رعايتها لغو محض وكفر بحت وإنما لها استتباع الأجر، ويجوز أن يقال: إن الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها هم الذين كذبوه عليه الصلاة والسلام. قال الزجاج: قوله تعالى: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } على ضربين: أحدهما: أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والآخر: وهو الأجود أن يكونوا حين بعث النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنوا فكانوا تاركين لطاعة الله تعالى فما رعوا تلك الرهبانية، ودليل ذلك قوله تعالى: {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ} الخ انتهى، فحمل {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} على من أدرك وقته عليه الصلاة والسلام منهم وآمن به صلى الله عليه وسلم والفاسقين في قوله تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } على الذين لم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم، ومقتضى حمل {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} على ما سمعت أولاً حمله على الأعم الشامل لمن خرج عن اتباع عيسى عليه السلام من قبل. وحَمْلُ الفريقين على من مضى من المراعين لحقوق الرهبانية قبل النسخ والمخلين بها إذ ذاك بالتثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة ونحو ذلك من غير تعرض لإيمانهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكفرهم به مما لا يساعده المقام. وفي الآثار ما يأباه ففي حديث طويل أخرجه جماعة منهم الحاكم وصححه والبيهقي في «شعب الإيمان» من طرق عن ابن مسعود « حديث : اختلف من كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرها فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلتهم الملوك ونشرتهم بالمناشر، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَـٰهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَـئَاتَيْنَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ } الذين آمنوا بـي وصدقوني {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ } الذين حجدوا بـي وكفروا بـي » تفسير : وهذا الخبر يؤيد ما استجوده الزجاج، ويعلم منه أيضاً سبب ابتداع الرهبانية. وليس في الآية ما يدل على ذم البدعة مطلقاً، والذي تدل عليه ظاهراً ذم عدم رعاية ما التزموه، وتفصيل الكلام في البدعة ما ذكره الإمام محي الدين النووي في «شرح صحيح مسلم» ((قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة فمن الواجبة تعلم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك، ومن المندوبة تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والربط وغير ذلك، ومن المباحة التبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك، والحرام والمكروه ظاهران، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : كل بدعة ضلالة»تفسير : من العام المخصوص)). وقال صاحب «جامع الأصول»: الابتداع من المخلوقين إن كان في خلاف ما أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز الذم والإنكار وإن كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله تعالى إليه وحض عليه أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجوداً كنوع من الجود والسخاء / وفعل المعروف، ويعضد ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هذه».

ابن عاشور

تفسير : {ثم} للتراخي الرتبي لأن بعثة رسل الله الذين جاءوا بعد نوح وإبراهيم ومن سَبق من ذريتهما أعظمُ مما كان لدى ذرية إبراهيم قبل إرسال الرسل الذين قفّى الله بهم، إذ أرسلوا إلى أمم كثيرة مثل عاد وثمود وبني إسرائيل وفيهم شريعة عظيمة وهي شريعة التوراة. والتقفية: إتْباع الرسول برسول آخر، مشتقة من القَفا لأنه يأتي بعده فكأنه يمشي عن جهة قفاه، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل}تفسير : في سورة [البقرة: 87]. والآثار: جمع الأثر، وهو ما يتركه السائر من مواقع رجليه في الأرض، قال تعالى: {أية : فارتدا على آثارهما قصصاً}تفسير : [الكهف: 64]. وضمير الجمع في قوله: {على آثارهم} عائد إلى نوح وإبراهيم وذريتهما الذين كانت فيهم النبوءة والكتاب، فأما الذين كانت فيهم النبوءة فكثيرون، وأما الذين كان فيهم الكتاب فمثل بني إسرائيل. و (على) للاستعلاء. وأصل (قفى على أثره) يدل على قرب ما بين الماشِيين، أي حضر الماشي الثاني قبل أن يزول أثر الماشي الأول، وشاع ذلك حتى صار قولهم: على أثره، بمعنى بعده بقليل أو متصلاً شأنه بشأن سابقه، وهذا تعريف للأمة بأن الله أرسل رسلاً كثيرين على وجه الإجمال وهو تمهيد للمقصود من ذكر الرسول الأخير الذي جاء قبل الإسلام وهو عيسى عليه السلام. وفي إعادة فعل {قفينا} وعدم إعادة {على آثارهم} إشارة إلى بُعد المدة بين آخر رسل إسرائيل وبين عيسى فإن آخر رسل إسرائيل كان يونس بن متَّى أرسل إلى أهل نَيْنَوى أول القرن الثامن قبل المسيح فلذلك لم يكن عيسى مرسلاً على آثار من قبله من الرسل. والإنجيل: هو الوحي الذي أنزله الله على عيسى وكتَبه الحواريون في أثناء ذكر سيرته. والإِنجيل: بكسر الهمزة وفتحها معرّب تقدم بيانه أول سورة آل عمران. ومعنى جَعْل الرأفة والرحمة في قلوب الذين اتّبعوه أن تعاليم الإنجيل الذي آتاه الله عيسى أمرتهم بالتخلق بالرأفة والرحمة فعملوا بها، أو إن ارتياضهم بسيرة عيسى عليه السلام أرسخَ ذلك في قلوبهم وذلك بجعل الله تعالى لأنه أمرهم به ويسّره عليهم. ذلك أن عيسى بُعث لتهذيب نفوس اليهود واقتلاع القسوة من قلوبهم التي تخلقوا بها في أجيال طويلة قال تعالى: {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}تفسير : في سورة [البقرة: 74]. والرأفة: الرحمة المتعلقة بدفع الأذى والضرّ فهي رحمة خاصة، وتقدمت في قوله تعالى: {أية : إن الله بالناس لرؤوف رحيم}تفسير : في سورة [البقرة: 143] وفي قوله: {أية : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}تفسير : في سورة [النور: 2]. والرحمة: العطف والملاينة، وتقدمت في أول سورة الفاتحة. فعطف الرحمة على الرأفة من عطف العام على الخاص لاستيعاب أنواعه بعد أن اهتم ببعضها. والرهبانية: اسم للحالة التي يكون الراهب متصفاً بها في غالب شؤون دينه، والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس لأن قياس النسب إلى الراهب الراهبية، والنون فيها مزيدة للمبالغة في النسبة كما زيدت في قولهم: شَعْراني، لكثير الشعر، ولحياني لعظيم اللحية، ورُوحاني، ونَصراني. وجعل في الكشاف النون جائية من وصف رُهبان مثل نون خشيان من خشي والمبالغة هي هي، إلا أنها مبالغة في الوصف لا في شدة النسبة. والهاء هاء تأنيث بتأويل الاسم بالحالة وجعل في «الكشاف» الهاء للمرة. وأما اسم الراهب الذي نسبت إليه الرهبانية فهو وصف عومل معاملة الاسم، وهو العابد من النصارى المنقطع للعبادة، وهو وصف مشتق من الرهَب: أي الخوف لأنه شديد الخوف من غضب الله تعالى أو من مخالفة دين النصرانية. ويلزم هذه الحالة في عرف النصارى العزلة عن الناس تجنباً لما يشغل عن العبادة وذلك بسكنى الصوامع والأديرة وترك التزوج تجنباً للشواغل، وربما أوجبت بعض طوائف الرهبان على الراهب تَرك التزوج غلوا في الدين. وجعل في «الكشاف»: الرهبانية مشتقة من الرهب، أي الخوف من الجبابرة، أي الذين لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام من اليهود، وأن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعيسى فقاتلوهم ثلاث مرات فَقُتِلوا حتى لم يبق منهم إلا القليل، فخافوا أن يفتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية وهي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين اهــــ. وأول ما ظهر اضطهاد أتباع المسيح في بلاد اليهودية، فلما تفرق أتباع المسيح وأتباعهم في البلدان ناواهم أهل الإِشراك والوثنية من الروم حيث حلّوا من البلاد التابعة لهم فحدثت فيهم أحوال من التقية هي التي دعاها صاحب «الكشاف» بمقاتلة الجبابرة. فالراهب يمتنع من التزوج خيفة أن تشغله زوجه عن عبادته، ويمتنع من مخالطة الأصحاب خشية أن يلهوه عن العبادة، ويترك لذائذ المآكل والملابس خشية أن يقع في اكتساب المال الحرام، ولأنهم أرادوا التشبه بعيسى عليه السلام في الزهد في الدنيا وترك التزوج، فلذلك قال الله تعالى: {ابتدعوها}، أي أحدثوها فإن الابتداع الإِتيان بالبدعة والبِدَععِ وهو ما لم يكن معروفاً، أي أحدثوها بعد رسولهم فإن البدعة ما كان محدثاً بعد صاحب الشريعة. ونصب {رهبانية} على طريقة الاشتغال. والتقدير: وابتدعوا رهبانية وليس معطوفاً على {رأفة ورحمة} لأن هذه الرهبانية لم تكن مما شرع الله لهم فلا يستقيم كونها مفعولاً لــــ {جعلنا}، ولأن الرهبانية عمل لا يتعلق بالقلوب وفعل {جعلنا} مقيد بــــ {في قلوب الذين اتبعوه} فتكون مفعولاته مقيدة بذلك، إلا أن يتأول جعلها في القلوب بجعل حبها كقوله تعالى: {أية : وأشربوا في قلوبهم العجل}تفسير : [البقرة: 93]. وعلى اختيار هذا الإعراب مَضى المحققون مثل أبي علي الفارسي والزجاج والزمخشري والقرطبي. وجوز الزمخشري أن يكون عطفاً على {رأفة ورحمة}. واتهم ابن عطية هذا الإعراب بأنه إعراب المعتزلة فقال: «والمعتزلة تعرب {رهبانية} أنها نصب بإضمار فعل يفسره {ابتدعوها} ويذهبون في ذلك إلى أن الإِنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على هذا» اهــــ. وليس في هذا الإِعراب حجة لهم ولا في إبطاله نفع لمخالفتهم كما علمت. وإنما عطفت هذه الجملة على جملة {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان الله. والمعنى: وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ولكنهم ابتغوا بها رضوان الله فقبلها الله منهم لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم في أحوالهم. وضمير الرفع من ابتدعوها عائد إلى الذين اتبعوا عيسى. والمعنى: أنهم ابتدعوا العمل بها فلا يلزم أن يكون جميعهم اخترع أسلوب الرهبانية ولكن قد يكون بعضهم سنها وتابَعَه بقيتهم. والذين اتبعوه صادق على من أخذوا بالنصرانية كلهم، وأعظم مراتبهم هم الذين اهتدوا بسيرته اهتداء كاملاً وانقطعوا لها وهم القائمون بالعبَادة. والإِتيان بالموصول وصلته إشعار بأن جعل الرأفة والرحمة في قلوبهم متسبب عن اتباعهم سيرته وانقطاعهم إليه. وجملة {ما كتبناها عليهم} مبينة لجملة {ابتدعوها}، وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} احتراس، ومجموع الجمل الثلاث استطراد واعتراض. والاستثناء بقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} معترض بين جملة {ما كتبناها عليهم} وجملة {فما رَعَوْها}. وهو استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع يشمله حكم العامل في المستثنى منه وإن لم يشمله لفظ المستثنى منه فإن معنى كونه منقطعاً أنه منقطع عن مدلول الاسم الذي قبله، وليس منقطعاً عن عامله، فالاستثناء يقتضي أن يكون ابتغاء رضوان الله معمولاً في المعنى لفعل {كتبناها} فالمعنى: لكن كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله، أي أن يبتغوا رضوان الله بكل عمل لا خصوص الرهبانية التي ابتدعوها، أي أن الله لم يكلفهم بها بعينها. وقوله: {إلا ابتغاء رضوان الله} يجوز أن يكون نفياً لتكليف الله بها ولو في عموم ما يشملها، أي ليست مما يشمله الأمر برضوان الله تعالى وهم ظنوا أنهم يرضون الله بها. ويجوز أن يكون نفياً لبعض أحوال كتابة التكاليف عليهم وهي كتابة الأمر بها بعينها فتكون الرهبانية مما يبتغَى به رضوان الله، أي كتبوها على أنفسهم تحقيقاً لما فيه رضوان الله، فيكون كقوله تعالى: {أية : إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تُنزل التوراة}تفسير : [آل عمران: 93]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : شَدّدوا فشدّد الله عليهم»تفسير : في قصة ذبح البقرة. وهذا هو الظاهر من الآية. وانتصب {ٱبْتِغَآءَ} على المفعول به لفعل {كَتَبْنَاهَا}، ولك أن تجعله مفعولاً لأجله بتقدير فعل محذوف بعد حرف الاستثناء، أي لكنهم ابتدعوها لابتغاء رضوان الله. وفي الآية على أظهر الاحتمالين إشارة إلى مشروعية تحقيق المناط وهو إثبات العلة في آحاد جزئياتها وإثباتُ القاعدة الشرعية في صورها. وفيها حجة لانقسام البدعة إلى محمودة ومذمومة بحسب اندراجها تحت نوع من أنواع المشروعية فتعْتريها الأحكام الخمسة كما حققه الشهاب القرافي وحذاق العلماء. وأما الذين حاولوا حصرها في الذم فلم يجدوا مصرفاً. وقد قال عمر لما جمع الناس على قارىء واحد في قيام رمضان «نعمت البدعة هذه». وقد قيل: إنهم ابتدعوا الرهبانية للانقطاع عن جماعات الشرك من اليونان والروم وعن بطش اليهود، وظاهر أن ذلك طلب لرضوان الله كما حكى الله عن أصحاب الكهف {أية : وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف}تفسير : [الكهف: 16]. وفي الحديث: «حديث : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتتبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القَطر يَفرّ بدينه من الفِتَن»تفسير : ، وعليه فيكون تركهم التزوج عارضاً اقتضاه الانقطاع عن المدن والجماعات فظنه الذين جاءوا من بعدهم أصلاً من أصول الرهبانية. وأما ترك المسيح التزوج فلعله لعارض آخر أمره الله به لأجله، وليس ترك التزوج من شؤون النبوءة فقد كان لجميع الأنبياء أزواج قال تعالى: {أية : وجعلنا لهم أزواجاً وذرية}تفسير : [الرعد: 38]. وقيل: إن ابتداعهم الرهبانية بأنهم نذروها لله وكان الانقطاع عن اللذائذ وإعناتُ النفس من وجوه التقرب في بعض الشرائع الماضية بقيت إلى أن أبطلها الإسلام في حديث النذر في «الموطأ» «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قائماً في الشمس صامتاً فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يتكلم ولا يستظل وأن يصوم يومه فقال: مُروه فليتكلمْ وليستظل وليُتِمَّ صومه إن الله عن تعذيب هذا نفسَه لغني»تفسير : . وقد مضى في سورة [مريم: 26] قوله تعالى: {أية : فقولي إني نذرت للرحمٰن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً}تفسير : ولا تنافي بين القولين لأن أسباب الرهبانية قد تتعدد باختلاف الأديان . وقد فُرع على قوله: {ابتدعوها} و {ما كتبناها عليهم} وما بعده قوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي فترتب على التزامهم الرهبانية أنهم، أي الملتزِمين للرهبانية ما رعوها حق رعايتها. وظاهر الآية أن جميعهم قصروا تقصيراً متفاوتاً، قصروا في أداء حقها، وفيه إشعار بأن ما يكتبه الله على العباد من التكاليف لا يشق على الناس العمل به. والرعي: الحفظ، أي ما حفظوها حق حفظها، واستعير الحفظ لاستيفاء ما تقتضيه ماهية الفعل، فالرهبانية تحوم حول الإِعراض عن اللذائذ الزائلة وإلى التعود بالصبر على ترك المحبوبات لئلا يشغله اللهو بها عن العبادة والنظرِ في آيات الله، فإذا وقع التقصير في التزامها في بعض الأزمان أو التفريط في بعض الأنواع فقد انتفى حق حفظها. و{حقَّ رعايتها} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي رعايتها الحق. وحق الشيء: هو وقوعه على أكمل أحوال نوعه، وهو منصوب على المفعول المطلق المبين للنوع. والمعنى: ما حفظوا شؤون الرهبانية حفظاً كاملاً فمصبّ النفي هو القيد بوصف {حق رعايتها}. وهذا الانتفاء له مراتب كثيرة، والكلام مسوق مساق اللوم على تقصيرهم فيما التزموه أو نذروه، وذلك تقهقر عن مراتب الكمال وإنما ينبغي للمتقي أن يكون مزداداً من الكمال. وقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : أحب الدين إلى الله أدْوَمه»تفسير : . وقوله: {فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم} تفريع على جملة {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه} إلى آخره وما بينهما استطراد. والمراد بــــ {الذين آمنوا} المتصفون بالإِيمان المصطلح عليه في القرآن، وهو توحيد الله تعالى والإِيمانُ برسله في كل زمان، أي فآتينا الذين آمنوا من الذين اتبعوه أجرهم، أي الذين لم يخلطوا متابعتهم إياه بما يفسدها مثل الذين اعتقدوا إلهية عيسى عليه السلام أو بنوتَه لله، ونحوهم من النصارى الذين أدخلوا في الدين ما هو مناقض لقواعده وهم كثير من النصارى كما قال: {وكثير منهم فاسقون}. والمراد بالفسق: الكفر وهذا ثناء على المؤمنين الصادقين ممن مضوا من النصارى قبل البعثة المحمدية وبلوغ دعوتها إلى النصارى، وادعاؤهم أنهم أتباع المسيح باطل لأنهم ما اتبعوه إلا في الصورة والذين أفسدوا إيمانهم بنقض حصوله هم المراد بقوله تعالى: {وكثير منهم فاسقون}، أي وكثير من الذين التزموا دينه خارجون عن الإِيمان، فالمراد بالفسق ما يشمل الكفر وما دونه مثل الذين بدلوا الكتاب واستخفوا بشرائعه كما قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله}تفسير : [التوبة: 34].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 27- ثم تابعنا على آثار نوح وإبراهيم ومن سبقهما أو عاصرهما من الرسل برسلنا رسولاً بعد رسول، واتبعناهم بإرسال عيسى ابن مريم، وأوحينا إليه الإنجيل، وأودعنا فى قلوب المتبعين له شفقة شديدة ورقة وعطفاً، فابتدعوا زيادة فى العبادة وغلوا فى التدين رهبانية ما فرضناها عليهم ابتداء، ولكن التزموها ابتغاء رضوان الله تعالى، فما حافظوا عليها حق المحافظة، فأعطينا الذين آمنوا بمحمد نصيبهم من الأجر والثواب، وكثير منهم مكذبون بمحمد خارجون عن الطاعة والطريق المستقيم. 28- يا أيها الذين آمنوا خافوا عقاب الله، واثبتوا على إيمانكم برسوله يعطكم نصيبين من رحمته، ويجعل لكم نوراً تهتدون به، ويغفر لكم ما فرط من ذنوبكم والله واسع المغفرة وافر الرحمة. 29- يمنحكم الله تعالى كل ذلك ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد أنهم لا يقدرون على شئ من إنعام الله يكسبونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضل - كله - بيد الله - وحده - يؤتيه من يشاء من عباده، والله صاحب الفضل العظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آثَارِهِم} {آتَيْنَاهُ} {كَتَبْنَاهَا} {رِضْوَانِ} {فَآتَيْنَا} {آمَنُواْ} {فَاسِقُونَ} (27) - وَبَعْدَ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالى رُسُلاً كَثِيرِينَ، وَكَانَ آخِرَهُمْ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ، وَفِيهِ شَرْعُ اللهِ وَوَصَايَاهُ، وَقَدْ جَاءَ عِيسَى مُكَمِّلاً لِلتَّوْرَاةِ، وَمُخْفِّفاً بَعْضَ أَحْكَامِهَا التِي شُرِعَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ العَهْدَ وَالمِيثَاق، وَجَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِ النَّصَارَى أَتْبَاعِ عِيسَى، الذِينَ سَارُوا عَلَى نَهْجِهِ، رَأْفَةً وَرَحْمَةً فِي التَّعَامُلِ، فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً لَمْ يَفْرِضْهَا اللهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا فَرَضُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ طَلَباً لِرِضْوَانِ اللهِ وَمَرْضَاتِهِ، فَانْقَطَعُوا عَن الدُّنْيَا وَمَلَذَّاتِهَا، وَلَكِنَّ الكَثِيرِينَ مِنْهُمْ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَى هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةِ المُبْتَدَعَةِ، وَلَمْ يَقُومُوا بِهَا، فَأَعْطَى اللهُ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ مِنْهُمْ أَجْراً عَظِيماً، ثَوَاباً لَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَكِنَّ الكَثِيرِينَ مِنْهُمْ فَسَقُوا وَخَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ اللهِ، وَاجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ، وَارْتَكَبُوا المُنْكَرَاتِ، وَسَيُعَاقِبُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى فِسْقِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ. قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ - أَتْبَعْنَاهُمْ وَبَعَثْنَاهُمْ. الذِينَ اتَّبَعُوهُ - مَوَدَّةً وَلِيناً وَشَفَقَةً. رَهْبَانِيَّةً - مُغَالاَةً فِي التَّعْبُّدِ وَالتَّقَشُّفِ. مَا كَتَبْنَاهَا - لَمْ نَفْرِضْهَا عَلَيْهِمْ.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} معناه أَتبعنا. وقوله تعالى: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} معناه ما أمرناهم بهَا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا} [الحديد: 27] من اللطائف النفسية والقلبية المطهرة المزكاة عند نسيان القوى المؤمنة ذكر الله وأحكامه، وغفلتهم عن الحق، وإقبالهم على الباطل، واتخاذهم العبادة عادة {وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ} [الحديد: 27] يعني: اتبعنا اللطائف المرسلة باللطيفة الخفية المؤيدة بروح القدس لمجيء اللطيفة الخفية {وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} [الحديد: 27] يعني: الوارد القدسي {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا} [الحديد: 27] يعني: جعلنا في القوى التابعة للطيفة الخفية رأفة بقواهم ورحمة على استعدادهم ورهبانية يعني: زهداً في الدنيا وخشية من المولى، وتركاً للهوى ابتدعوها من أنفسهم محبة الله مجاهدة أنفسهم ما كتبناها عليهم يعني: هذه الرهبانية {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] بل هم اختاروها ابتغاء رضوان الله عليهم؛ لعلمهم بأن رضى المولى في تركهم الهوى، وما اختاروها {إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] بعد اختيارها لوجه الله {فَآتَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} [الحديد: 27] برعايتهم رهبانيتهم التي ابتدعوها؛ ابتغاء لوجه الله {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27] بترك رعايتهم ما ابتدعوها من الرهبانية؛ ابتغاء لوجهه، فحفظ السالك من هذه الآيات [واجب] على نفسه، ويرعى حق الرعاية كل شيء أوجب على نفسه في البداية من المجاهدات أو العبادات النافلة، ولا يرخص لنفسه أن يترك شيئاً مما باشرته في بداية أمره وعنفوان حاله وشرح إرادته؛ ليكون من المحفوظين.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الحديد 587 - أخبرنا الحُسين بن حُريثٍ، قال: أخبرنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيان بن سعيدٍ، عن عطاء بن السَّائب، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا مُلوكاً بعد عيسى (عليه السَّلامُ) بدَّلوا التوراة والإنجيلَ، فكان منهم مؤمنون يقرأُون التوراة والإِ(نجيلَ)، فقيل لِمُلُوكِهِمْ ما نجدُ شتماً أشدَّ من شتمٍ يشتُمُوننا هؤلاء، إنهم يقرأُون {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [المائدة: 44] هؤلاءِ الآياتِ (مع ما) يعيبونا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم، فليقرؤُا كما نقرأُ، وليُؤمِنوا كما آمنَّا، فدعاهم، فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ، إلا ما بدَّلوا مِنها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفةٌ منهم: ابنوا لنا/ أُسطُوانةً، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً نرفعُ به طعامنا وشرابنا، فلا نردُ عليكم، وقالت طائفةٌ: دعونا نسيحُ في الأرض ونهيمُ ونشربُ كما يشربُ الوحشُ، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفةٌ: ابنوا لنا دُوراً في الفيافي، ونحتفرُ الآبار، ونحرثُ البقول، فلا نَرِدُ عليكم، ولا نمُرُّ بكم، وليس أحدٌ من القبائل إلاَّ (ولهُ) حميمٌ فيهم، ففعلوا ذلك، فأنزل اللهُ (عزَّ وَجلَّ) {[وَ]رَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ/ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [27] والآخرون قالوا: نَتَعَبَّدُ كما تَعَبَّدَ فُلانٌ، ونسيحُ كما ساحَ فلانٌ، ونتَّخِذُ دُوراً كما اتَّخذ فلانٌ، وهم على شِركِهِم لا علم لهم بإيمانِ (الَّذين) اقتدوا به، فلما بُعث النبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم (إلا القليلُ)، انحطَّ رجلٌ من صومعتِهِ، وجاء سائحٌ من سياحتهِ، وصاحبُ الدَّيرِ من ديرهِ، فآمنوا به وصدَّقوه، فقال اللهُ عزَّ وجلَّ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [28]، أجْرَينِ بِإيمانِهِم بعيسى (بن مريم) (وتصديقهم) بالتوراةِ والإنجيلِ، وبإيمانهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وتصديقهم، قال: {[وَ]يَجْعَل (لَّكُمْ) نُوراً تَمْشُونَ بِهِ} [28] القرآنُ، واتِّباعُهُمُ النبي صلى الله عليه وسلم، قال {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} [29] الذين يَتَشَبَّهُونَ بكم {أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّن فَضْلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [29].

همام الصنعاني

تفسير : 3161- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا}: [الآية: 27]، قال: لم تُكتب عليهم، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله.